Полный текст (1 035 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
خروجك من بيتك للحج توفيق إلهي
مِنْ زادك للحج: أن تعلم إذا خرجت من بيتك أن الله وحده هو الذي أخرجك، ولو شاء لثبطك ولحرمك، لو شاء الله لجعل الدنيا أكبر همك، ومبلغ علمك، وغاية رغبتك وشغلك، فحبستك الأموال والتجارات، وتعلقت بك الأبناء والبنات، فآثرتهم على ما عند الله: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦].
لو شاء الله ما خرجت، لو شاء الله ما لبيت؛ ولكنه سبحانه هو الذي أخرجك لرحمته: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] أخرجك برحمته وبره وإحسانه وهو أكرم الأكرمين، أخرجك إلى عفوه ورضوانه.
نظر الله إليك وقد أحاطت بك الذنوب فأحب أن يغفرها، نظر الله إليك وقد كثرت منك العيوب فأحب أن يسترها، نظر الله إليك وقد أحاطت بك الهموم والغموم فأحب أن ينفسها، نظر الله إليك وقد آلمتك الأسقام والآلام فأحب أن يذهبها، نظر الله إليك وقد أقلقتك الديون وحقوق الناس فأحب أن يتحملها سبحانه ما أرحمه! سبحانه ما أفضله! وما أكرمه وما أوفاه وما أبره! اختارك من بين الملايين برحمته وهو أرحم الراحمين، اختارك وأنت أفقر ما تكون إليه، وهو أغنى ما يكون عنك، اختارك لرحمته فتشكره وتذكره.
لو أن عبداً من عباد الله اختارك من بين المئات والألوف لضيافتك أو لمناسبته لشكرته وذكرته وحمدته، ولله المثل الأعلى، ما قدرناه حق قدره، ولا شكرناه حق شكره؛ فاحمده فإنه يرضى عن الحامدين، واشكره فإنه تأذن بالمزيد للشاكرين.
стр. 72
الأسئلة
стр. 73
نصيحة في حض النساء على الحجاب
السؤال
نرجو منكم كلمة تحضون بها الأخوات على الخير وخاصة الحجاب.
الجواب
يا معاشر المؤمنات! يا معاشر الصالحات القانتات! إن الله وعظكن فأحسن وعظكن، وأدبكن فأحسن تأديبكن، وأثنى على الخيرات الدينات، فقال فيما أنزل من آيات: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤].
يا أمة الله: اتقي الله ﷻ في جنانك، فاعمريه بالإيمان والعبودية للرحمن، فإن الله رضي لك ذلك، والبسي لباس الحياء والحشمة والعفة، وكوني على الخير والصفاء يستقم لك أمر الدنيا والآخرة، أصلحي لله السريرة في كل ما تقولين وكل ما تفعلين وكل ما تذرين وتتركين تستوجبي رحمة الله وهو أرحم الراحمين.
احرصي على الخير حيثما كنت، وعلى طاعة ربك حيثما نزلت، فإن كنت كذلك بارك الله لك في الأيام والليالي، وقرت عينك بالباري.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لمرضاته، وأن يبلغنا منازل الرحمة في جناته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
стр. 74
حكم أخذ الزوج لراتب زوجته
السؤال
أنا امرأة متزوجة، وأعمل في مجال التدريس، وزوجي لا يسمح لي بالتصرف في راتبي، بل يأخذ منه الشيء الكثير، وقد يقترض ولا يرد القرض، وأنا لست راضية بهذا، ولا يسمح لي بأن أعطي والدي ووالدتي، ولا يسمح لي بشراء الملابس، وهو الذي يختار ما ألبسه، مع العلم أني حريصة على الملابس الشرعية، وسؤالي: هل يحق للزوج أخذ راتب زوجته؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
أوصي هذا الزوج وكل زوج أن يتقي الله ﷻ ، أوصي الزوج أن يتقي الله في زوجته، والزوجة أن تتقي الله في زوجها، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني أحرج حق الضعيفين: المرأة، واليتيم) قرنها باليتيم؛ لأنها إذا اشتكت قد لا تجد من تشتكي إليه إلا الله ﷻ ، ويتخلى عنها أبوها وأخوها وابنها وقرابتها، فلا تجد إلا الله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥].
ظلم النساء لا خير فيه، ظلمهن بالأقوال، وظلمهن بالأفعال، وظلمهن في الحقوق لا خير فيه، ولذلك ذكر الله المرأة وهي تشتكي إليه، فأخبر أنه سمع شكواها من فوق سبع سماوات، لما جادلت رسول الله ﷺ واشتكت إليه، وبثت إليه حزنها، وتقول: إلى الله أشتكي ثعلبة.
فصعدت هذه الشكوى إلى الله ﷻ منتهى كل شكوى، ولذلك بالتجربة: قل أن تجد إنساناً يظلم أزواجه ويسيء إليهن إلا عاقبه الله ﷻ ؛ ورأيت في الدنيا عاجل ما يكون من حاله، إلا أن يتقي الله ويغير ما به.
ولذلك: ينبغي على المسلم أن يتقي الله، فإن النبي ﷺ أوصى بالنساء وهو في حجة الوداع، وجعل وصية النساء في هذا اليوم المشهود العظيم، قال العلماء: لكي ينص ويبين على حقوقهن، وأنه ينبغي الوفاء بها وردها إليهن؛ لضعفهن في الغالب؛ وعجزهن عن المطالبة حتى عند الخصومة.
المرأة إذا ظلمتها أو ظلمت وأرادت أن تخاصمك أو تقف في وجهك لا تستطيع، لربما تقول الكلمة والكلمتين ويغلبها البكاء، ولربما تقول الكلمة والكلمتين فيغلبها الخوف والرهبة فاتق الله ﷻ ! أمانة في عنقك، إما إلى جنة وإما إلى نار، أحسنوا إليهن، ولذلك ذكر النبي ﷺ من ضرب النساء وقال: (ما أولئك بخياركم).
شاع عند كثير من الناس -إلا من رحم الله- في هذا الزمان التسلط على النساء، بالأذية لهن، والقهر لهن، والتضييق عليهن دون خوف من الله ﷻ ، ودون استشعار لنقمة الله العاجلة والآجلة، فالله الله! في النساء، فإن النبي ﷺ أوصى بهن خيراً، صحيح أنهن ضعيفات وقد يكون منهن التقصير، ويكون منك كما يكون منها، ولكن الإنسان يغفر السيئة بالحسنة، ومن منا كمل؟! ولعلك ترحم هذه المسكينة فيرحمك الله ﷻ .
ووالله لقد عهدت علماء وفضلاء وأتقياء صلحاء تنازلوا عن كثير من الحقوق للنساء؛ فوجدت أحوالهم على خير ما يكون عليه الحال، لأن من رحم يرحمه الله، ومن وسع على أقرب الناس إليه وسع الله عليه في الدنيا والآخرة.
هذه وصية مهمة: التوسيع على الأهل، وإذا دخلت إلى بيتك دخلت حليماً رحيماً رفيقاً رقيقاً، خاصة الشباب الملتزمون بدين الله، فإنهم قدوة، ولربما يكون هو وحده من بين الأخوة كلهم ملتزماً بدين الله، والبقية على فجور أو على عصيان، فينظرون إليه أنه قدوة.
فالله الله! في أذيتهن والتضييق عليهن، خاصة إذا رأيتها أمة تخاف الله ﷻ .
احمد الله إذا رزقك امرأة صالحة، اقدرها قدرها، فكم من نساء يتقلبن في الفتن وأهلكن أزواجهن وضيقن عليهم في الفتنة الحرام، وهذه الولية المؤمنة الأمة الصالحة اشكر منها صلاحها، في هذا الزمان تجدها بين أربع أركان بيتها، لا تستطيع أن تخرج، لا تطالبك بخروج ولا تبرج ولا فتنة، ولا تطالبك بشيء يفتنها عن دينها؛ فاشكر منها ذلك، ولو رأيت منها زلة فليتسع صدرك، ولتكن ذلك الرجل، لأن الله فضلك بالصبر والحلم والرحمة تسعها بحنانك، وعطفك وإحسانك.
كان بعض الأخيار -أعرفه- تؤذيه زوجته، فكنت أقول له: لم تصبر؟! فقال: والله إن أباها قد أكرمني، وإنها رضيت بي زوجاً، وإني أرى فيها الخير، وقد أجللت هذه الثلاث، وأرجو من الله ألا أردها إلى بيتها يوماً من الأيام تشتكي مني أو أشتكي منها.
الوفي كريم، ولعلك أن تصبر اليوم فيخرج الله منها ذرية صالحة فاصبر! وقد ذكر عن ابن أبي زيد القيرواني، ذلك الإمام الذي قال عنه النسائي: كان ثقة، وكانوا يقولون له: مالك الأصغر في صلاحه وديانته، كانت امرأته تسبه حتى أمام طلابه وأمام خاصته، ومع ذلك يصبر.
قالوا له: لم تصبر؟! قال: إن الله سلطها علي بالذنب، وأخشى أنني لو طلقتها أبدلني الله شراً منها.
فلذلك ما رأيت منها من هذه الإساءة فبذنبك، وكن حليماً رحيماً؛ فإن الله يرحمك.
أنت قادر أن تطلق وأن تنتقم وتأخذ حقك بالقوة؛ ولكن تحلم فيحلم الله عليك، وترحم فيرحمك الله.
وصية: أن نتقي الله، وكذلك يوصي الشباب الأخيار بعضهم بعضاً بالصالحات، النساء الصالحات في هذا الزمان لهن فضل كبير، والله! إن المرأة الصالحة في هذا الزمان درة ثمينة، ينبغي أن نعينهن على الالتزام بالتوسعة عليهن والرحمة بهن والإحسان إليهن.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لذلك، وأن يرحمنا برحمته.
والله تعالى أعلم.
أما بالنسبة للسؤال: فإن الزوج ظالم، والمال مال المرأة، حقها وعناؤها وكدها وشقاؤها هو حق من حقوقها، ليس من حقه أن يطالبها بهذا الراتب، وليس من حقه أن ينتزعه منها، ولقد ظلم وفجر، وبلغ من ظلمه وفجوره أن يحرمها من بر والديها -نسأل الله السلامة والعافية-! فقد ظلمها في مالها، ولا يحل له من مالها إلا ما طابت به نفسها، أما إذا لم تطب نفسها بشيء فإياك إياك! ومالها وحقها.
ولذلك: يعتبر ظالماً من وجهين: لأخذه من مالها بدون حق، ويلزمه في التوبة أن يرد المال إليها كاملاً، وأن يتوب إلى الله مما بدر منه.
وأما الأمر الثاني: فإنه يستغفر الله من العقوق الذي أمرها به.
وانظروا إلى الشقاء! ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧] نسأل الله السلامة والعافية، فقد يكون عاقاً ويأمر زوجته بالعقوق.
وأنا أطيل في هذه المسألة وأركز عليها -ولو تأخرنا- والله لأهميتها، فكم من بيوت هدمت، ولقد سمعت من بعض الشكاوى حتى من الصالحات يشتكين الصالحين، بعض الشباب فيه خير، وقد يلتزم على ذكر وعلى طاعة وبر، ولكنه يسيء التعامل، وقد تجد المرأة عنده السنة والسنتين لم يدخل السرور عليها يوماً من الأيام.
يأتي لكي يدقق في كل صغيرة وكبيرة، ناسياً فضلها واستقامتها، المرأة بشر المرأة ضعيفة بين هذه الجدران الأربعة، تصور لو أنك سجنت بين هذه الأربعة الجدران يوماً كاملاً لضاقت عليك الدنيا، أنت تخرج هنا وهناك تبدد همومك وأحزانك، ولكن هذه الضعيفة لمن تشتكي غير الله ﷻ ؟! فلذلك: الرحمة! وينبغي على الأخيار أن يوسعوا، وأن يكونوا مثلما كان النبي ﷺ ، كان يقف على قدميه يوم العيد لـ عائشة -نبي الأمة، وإمام الرحمة- من أجل أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بالسلاح، فيقول: هل فرغت؟ تقول: لا بعد.
يقول: هل فرغت؟ لا بعد.
هل قال لها: أنا نبي الأمة أقف لك؟! لو أن شاباً خيراً اليوم قالت له امرأته: أريد أن تخرج بي لكي أنفس عن نفسي.
لأقام الدنيا وأقعدها، أنت تتشبهين بالفاجرات! أنت كذا وأنت كذا! ونبي الأمة يقف على قدميه صلوات الله وسلامه عليه! يقود الأمة والجحافل في الجيوش والجهاد، وإذا دخل إلى بيته دخل حليماً رحيماً موطأ الكنف صلوات الله وسلامه عليه، فيأخذ بمجامع تلك القلوب ببره وإحسانه، فيأخذ القصعة من أم المؤمنين عائشة ﵂ فيقسم عليها أن تشرب قبل أن يشرب من يفعل هذا الفعل؟! تشرب قبل شربه، ثم إذا شربت وضع فمه حيث وضعت فمها من يفعل هذه الأفعال الكريمة غير الصالحين؟ وإذا لم يفعلها الصالحون فمن يفعلها؟ فالله الله! في حقوق النساء! في التوسعة عليهن! وإدخال السرور عليهن! نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من الخيار للأزواج.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 75
لا يجوز الرمي عن المرأة إلا بعذر
السؤال
رجل يرمي عن زوجته وهي تستطيع الرمي ولكن يخشى عليها من الزحام، فما الحكم؟
الجواب
الرمي عن المرأة بدون وجود عذر لا يجوز ولا يشرع، ولذلك إذا كانت المرأة قادرة على الرمي ورمى عنها زوجها أو محرمها أو أي شخص فإن هذا الرمي وجوده وعدمه على حد سواء، فلا يصح التوكيل على هذا الوجه الذي خلا فيه المكلف من العذر، وحينئذٍ يلزمها أن تعيد الرمي إذا كان الوقت يمكن فيه التدارك، وإذا كان لا يمكن فيه التدارك ففيه ما في واجبات الحج.
والله تعالى أعلم.
стр. 76
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحجاج
السؤال
ما هو واجب أهل الاستقامة من الحجاج الذين يرون كثيراً من الحجاج يجاهرون بشرب الدخان والتصوير والتخلف عن الصلاة؟
الجواب
الحج جمع الله فيه المؤمنين والمؤمنات؛ حتى نحس أننا مسلمون ومؤمنون؛ وأن الله قد ألف بين أرواحنا وجمع بين قلوبنا، فيكمل بعضنا بعضاً.
كم أصلح الله من أحوال أقوام في هذا الحج!، وكم استقامت قلوب لله ﷻ بالنصائح الغالية والتوجيهات والمواعظ الهادفة في حج بيته الحرام!، غير الله قلوباً وقوالب فأذعنت واستسلمت وصلحت واستقامت بالذكر بالتواصي بالحق بالأمر بما أمر الله والنهي عما حرم الله ﷻ .
فتحرص -أخي في الله- أن تؤدي لإخوانك حقهم عليك: النصيحة، وأعظم ما تكون النصيحة في أصول الدين، فإذا رأيت منه أخطاءً في عقيدته سددته ووفقته وقومته، ودللته على أصل الأصول، وعلى الأساس الذي لا يمكن أن يقبل الله به عمل عامل حتى يصححه، ويقيمه على المنهج السوي والطريق الرضي، وتأخذ بحجزه عن النار، وتذكره بحق الله ﷻ عليه.
تسمع منه كلمة فيها استغاثة بغير الله أو استجارة بغير الله تدله على توحيد الله، وإسلام القلب لله، وأنه ما جاء لهذا المكان إلا لكي يقيم حق لا إله إلا الله، فتبين له هذا الأصل وتقرره.
واعلم رحمك الله أنك لو رأيت منه هذا الذنب العظيم وسكت تعلق بك بين يدي الله ﷻ ، وقال: يا رب! رآني على هذا المنكر، ورآني على هذا الخلل والزلل ولم يأمرني بأمرك ولم ينهني عن نهيك.
كذلك إذا رأيت منه الأخطاء في أقواله وأفعاله، سواء كان رجلاً أو كانت امرأة هتكت حجابها واعتدت حدود ربها؛ ذكرتها بالله: يا أمة الله! اتقي الله يا أمة الله! افعلي يا أمة الله! اتركي (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضاه إلى يوم يلقاه) ربما تمر على عاصٍ منتهك لحدود الله، فيتمعر قلبك لله، فتقول من كل قلبك: اتق الله؛ فيكتب الله لك بهذه الكلمة رضاً لا سخط بعده أبداً.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قاعدة الخير وأساس البر؛ ولذلك عظم الله به الأجور، ورفع به الذكر، وما رفع قدر العلماء إلا لما قاموا بدينه، ما رفعهم بأحسابهم ولا أنسابهم ولا ألوانهم؛ ولكن رفعهم لما رفعوا دينه وأقاموا حجته على عباده .
وجعلهم ورثة للأنبياء، وشرفهم وكرمهم بالأمر بأمره والنهي عن نهيه، فمن أراد أن ينال أو يبلغ مبلغ مرضاة الله فليتشبه بالعلماء العاملين الصديقين، الذين يأمرون بأمر الله وينهون عن حدود الله ومحارم الله، فتأمر بطاعة الله وتنهى عن معصية الله، ولا عليك، يقبل من يقبل ويرد من يرد، فما كلفت بنتائج عملك، إنما كلفت أن تقيم بحق الله ﷻ .
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
والله تعالى أعلم.
стр. 77
نصيحة عامة لشاب قيدته المعاصي
السؤال
هل من نصيحة لشاب قيدته المعاصي، كلما أراد التوبة عاودته الذنوب، فهل من سبيل لأن يكون حج هذا العام تطهيراً له من هذه الذنوب، وتوبة صادقة خالصة بإذن الله؟
الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن التوبة بابها مفتوح، الله ﷻ يفرح بتوبة التائبين، ويقيل بحلمه وإحسانه عثرات النادمين، ما صد أحداً عن بابه، ولا حرم أحداً رجاه في مغفرته وعفوه وإحسانه، الله ﷻ لا يهلك عليه إلا هالك، يفرح بتوبتك أشد من فرحك بالتوبة، ولو علمت مقدار حبه سبحانه لتوبتك وإنابتك لكنت أعجل الناس بالتوبة وأسرعهم إليها، ولو تكررت منك الذنوب، وكثرت منك الإساءة والعيوب؛ فإن الله ﷻ رحيم لطيف كريم، فأبشر بخير، ولا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من روح الله، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
قتل رجل مائة نفس آخرها عابد صالح قانت مقبل على ربه، فقتل هذا العابدَ تمام المائة وما قنط من رحمة الله ﷻ ، فسأل عن أعلم أهل زمانه؛ فدل على أعلمهم وسأل عن التوبة، فقال له: وما الذي يمنعك منها؟! ولكن قومك قوم سوء، وقوم فلان قوم صالحون، انطلق إلى قرية كذا وكذا فخرج إلى قرية الصالحين تائباً نادماً مقبلاً على الله ﷻ ، فأدركه الموت بعد هذه الجرائم الفظيعة، والدماء التي سفكها، والمحارم التي أصابها، ففرح الله بتوبته، وأجل الله منه الخطوات وهو مقبل عليه .
إن تقربت منه شبراً تقرب منك ذراعاً، وإن تقربت منه ذارعاً تقرب منك باعاً سبحانه، وأنت أفقر ما تكون إليه، وهو أغنى ما يكون عنك.
(يا عبادي: إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني) فالله لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين، تبارك وهو رب العالمين.
فلا تيأس من رحمته، ولا تقنط من روحه، ولو تكرر الذنب منك مرات وكرات ولو ملايين المرات، فلا تقنط من رحمة الله، وأغظ عدو الله إبليس، فإن الله إذا رآك كلما افتتنت تبت فرح بتوبتك؛ لأنه يحب التوابين، و (التوابون) هذه الصيغة في لغة العرب تدل على أنهم أكثروا التوبة، وأكثروا الإنابة إلى الله .
فأبشر بخير ما دمت ترجو رحمة الله ، ولذلك قال ﷺ -كما في الصحيح-: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه).
نسأل الله العظيم أن يتوب علينا وعليكم في التائبين، وأن يرحمنا وإياكم وهو أرحم الراحمين.
والله تعالى أعلم.
стр. 78
حكم حج من عليه دين مقسط
السؤال
ما الحكم فيمن أراد الحج وعليه أقساط شهرية لا تنتهي إلا بعد أربع سنوات؟
الجواب
الدين يمنع وجوب الحج، الأصل في ذلك: أن المديون إذا لم يجد سداد دينه فإنه عاجز عن بلوغ البيت؛ لأن حقوق العباد محيطة به، وهو مطالب بسدادها، ولا يؤمر بحجه إلا بعد أن يملك النفقة والزاد، لقوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فالمديون الذي لا يجد سداد دينه لا يستطيع إلى البيت سبيلاً، لأنه ذمته مشغولة بحقوق العباد، ولذلك أجمع العلماء ﵏ على أنه ينبغي عليه أن يبدأ بسداد دينه، ولا يجب عليه الحج ما دام أنه غير قادر من ناحيته المادية.
أما إذا كان الدين أقساطاً، فقال بعض العلماء: الدين المقسط الذي يكون على أنجم شهرية أو سنوية، إذا أدى قسطه لشهر حجه فإنه لا حرج عليه أن يحج، وهكذا إذا كان عليه دين، واستأذن أصحاب الديون فأذنوا له؛ فإنه لا حرج عليه أن يحج.
والله تعالى أعلم.
стр. 79
حكم استخدام المرأة للحبوب المانعة من الدورة حال الحج
السؤال
سائلة تريد الحج وتسأل عن حبوب منع الدورة ما حكمها؟
الجواب
هذه المسألة لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ، ولذلك يعتبرها العلماء من مسائل النوازل، وقد نزلت في العصور المتأخرة، فبعد المائة السابعة أو الثامنة وجد الدواء، وكان عند العطارين يوجد ما يقطع الدم عن المرأة ويؤخر الحيض عنها، فقال بعض العلماء: إنها إذا شربت الدواء الذي يقطع حيضها ويؤخر عادتها فعبادتها صحيحة.
وهذا هو القول الصحيح؛ لأن الشرع علق الحكم على وجود الدم، فإن وجد الدم تعلق به المنع، وإن انتفى فإنها لا تعتبر ممنوعة من عبادتها؛ لأن الأصل فيها أنها مكلفة.
وبناءً على ذلك قالوا: إنها إذا شربته وصامت صح صيامها، ولو شربته وحجت وطافت صح طوافها وحجها؛ لأن الله علق الحكم بوجود الدم.
والله تعالى أعلم.
стр. 80
الكتاب والسنة هما مرجع المسلم في حياته كلها
السؤال
ما الكتب التي تنصحون بالاستعانة بها في الحج؟
الجواب
كتاب الله والسنة الصحيحة فيهما الغنى والكفاية، وما حرم كثير من الناس من حصول الخير على أتم وجوهه وأكملها إلا لما حرموا كتاب الله ﷻ ، فتجد الإنسان إذا أراد موعظة يبحث عن الأشرطة والكتيبات، وموعظته في كتاب الله ، يترك خير الواعظين ﷻ ورب العالمين، الذي إذا وعظ بلغته موعظته، فلربما الآية الواحدة تقلب الإنسان من الشقاء إلى السعادة، فكم من كلمات في كتاب الله لو استحضرها الإنسان لجعلها نصب عينيه إلى لقاء الله .
ما ضر الكثير -حتى من الدعاة والهداة- إلا إقبالنا على كلام الناس أكثر من إقبالنا على الله، ولذلك كان السلف يصحبون هذين الكتابين وهذين النورين، صحبوا كتاب الله ﷻ بقيام الليل بالقرآن، وبكاء الأسحار بآياته وتأثرهم بعظاته، حتى بلغ كتاب الله منهم المبلغ، فتقرحت قلوبهم، وأقبلوا على الله ربهم يدعونه ليلاً ونهاراً، ويخبتون إليه سراً وجهاراً أن يرزقهم جنة ويحجب عنهم ناراً.
كانوا أئمة في الخير بهذا الكتاب، اصحب كتاب ربك واصحب مواعظه معك وانظر إلى أثر هذه المواعظ وعظيم انتفاعك بها.
قرأنا القرآن وما حضرت قلوبنا عند قراءته، وسمعناها وما حضرت قلوبنا عند سماعه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] هل من مدكر؟ هل من مشتر لرحمة الله فيستمع لهذا القرآن فيرحم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]؟.
الاستماع لكتاب الله وكثرة التلاوة والتدبر هي التي تعين على كل خير، وما نال السلف الصالح -رحمة الله عليهم- الاستقامة على أتم وجوهها وأكملها، فشرفهم الله أئمة لهذه الأمة الصالحة إلا بكتاب الله ﷻ ، كان الرجل يختم على الأقل كل شهر مرة، ومنهم من لا تمر عليه عشر ليالٍ إلا وقد ختم كتاب الله، ومنهم -وهو من أكملهم وأفضلهم، الذي أصاب السنة- من يختم كل ثلاث ليالٍ.
يعرض كتاب الله -أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، وتخويفه وتهديده، وبشارته ونذارته- في كل ثلاثٍ مرة، يقف لكي يعرض قلبه وقالبه وأقواله وأعماله على هذا الكتاب.
فأوصيك أن تصحب كتاب الله معك فتتلوه إن كنت حافظاً، وتسمعه إذا لم تكن حافظاً، وتقرؤه ولو بالنظر؛ وسترى الخير الكثير من الله ؛ فإنه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ففيه الخير كله.
كذلك تصحب سنة النبي ﷺ الصحيحة، وتعلم ما الذي أمرك الله به فتفعله، وما الذي نهاك عنه فتتركه، وتسأل دائماً عن هديه وسمته ودله، فإن العلم بالسنة رحمة، ولذلك أقرب الناس لرحمة الله ﷻ علماء السنة، العاملون بها المهتدون بهديها، الداعون إليها، تجدهم في رحمة، حتى إن وجوههم مشرقة في الدنيا والآخرة، قال ﷺ : (نضر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع) (نضر الله): من النضارة، وهي الحسن والوضاءة والجمال.
قال العلماء: إن هذا الحديث يدل على أن الله يهب لأهل الحديث النور في وجوههم.
قال بعض العلماء: (نضر الله) أي: في الآخرة، فيحشرون يوم القيامة ووجوههم مشرقة من نور السنة جعلنا الله وإياكم من أهلها.
وقال بعض العلماء: الحديث عام -وهو الصحيح- (فنضر الله) أي: في الدنيا والآخرة، ولذلك قل أن تجد عالماً عاملاً بالسنة إلا وجدت وجهه كالشمس والقمر بنور السنة، ولذلك عرف أهل السنة بهذا النور في وجوههم: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] من أثر التأسي بالنبي ﷺ والاقتداء به، ولذلك يحرص الإنسان على هذين النورين أن يصحبهما.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا حبهما، والعمل بهما، والائتساء بهما، حتى يكون القرآن شفيعاً لنا في موقفنا بين يدي ربنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله تعالى أعلم.
стр. 81
المواطن الفاضلة للدعاء في الحج
السؤال
ما هي الأوقات الفاضلة للدعاء في الحج؟ وهل من جدول مقترح لمن أراد حجاً مبروراً؟ أولاً: احرص بارك الله فيك على أمر هو قاعدة كل خير، وأساس كل بر في العبادات، وهو: التأسي بسنة النبي ﷺ ، فما من موقف وقف فيه رسول الله ﷺ وحرص فيه على الدعاء إلا كنت كذلك حريصاً على الدعاء، وتجتهد -رحمك الله- في التأسي به صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] كتب الله الرحمة والهداية والخير والبر لمن سار على نهجه والتزم بسنته صلوات الله وسلامه عليه.
لا تستحدث من عندك أوقاتاً ولا مناسبات، ولا تستحسن شيئاً على شيء، إنما تكون خطواتك وآثارك وسيرتك وسريرتك على وفق السنة.
قال بعض السلف: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل.
وإن استطعت ألا تفعل أي شيء إلا بسنة فافعله، وكانوا إذا أرادوا أن يثنوا على الرجل قالوا: هو صاحب سنة.
فإذا أردت مواطن الدعاء فاجتهد في التأسي بالنبي ﷺ .
دعا ﵊ وهو يطوف بالبيت، ودعا لما رقى على الصفا، وهذه السنة يضيعها كثير إلا من رحم الله، لما رقى على الصفا كبر الله وهلله ووحده .
الله أكبر! في هذا المقام الذي وقف عليه ﵊ في أول دعوته الجهرية، قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله) فقال له أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟! عمه وقريبه وأمام الناس يسفهه ويهينه صلوات الله وسلامه عليه وهو الكريم، وإذا به في حجة الوداع يرده الله إلى نفس المكان ويوقفه صلوات الله وسلامه عليه ومعه مائة ألف من أمته وأصحابه صلوات الله وسلامه عليه، كلهم يفديه بنفسه وروحه خلفاً من الله وعوضاً.
فلما رقى قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله نصر عبده، وأعز جنده، وصدق وعده) فهلله ثم شرع يدعو، ثم رد ثانية فهلل وكبر ثم دعا، ثم هلل وكبر.
(ثلاث مرات).
هذه السنة يضيعها الكثير كنا إذا حججنا مع بعض مشايخنا رحمة الله عليهم لربما في العمرة يمكث الساعتين إلى ثلاث ساعات، أما الآن فتجد المعتمر يقف في هذا الموقف قد تكون لحظات يسيرة، قد تبلغ الدقائق بل ثواني يريد أن يعجل حتى ينتهي من عمرته، هذا الموطن موطن دعاء، وموطن مكروبة مفجوعة منكوبة فرج الله كربتها ونكبتها، فهذا موطن دعاء فاجتهدوا فيه.
وإذا كان يوم عرفة ثبت في الحديث عنه ﵊ أنه ذهب إلى الموقف، فإذا صليت مع الإمام فليس بوقت نوم ولا راحة، فاجتهد بذكر الله وتوحيده والثناء عليه، ثم اجتهد في الدعاء والمسألة والإلحاح على الله ، وكلما دعوته استلذ بالكلمات التي تخرج منك، ادعه بقلب حاضر.
كذلك في المشعر الحرام وقف ﷺ ودعا وتضرع حتى أسفر، ثم دفع قبل الإسفار؛ مخالفة للمشركين كما ثبت في الحديث الصحيح، ثم لما كان اليوم الثاني -وهو اليوم الحادي عشر- رمى الجمرة الصغرى، ثم أخذ ذات اليسار ورفع يديه ودعا دعاءً طويلاً، ثم مضى إلى الجمرة الوسطى ورماها، ثم أخذ ذات اليسار، ثم دعا دعاءً طويلاً، ثم مضى ورمى جمرة العقبة ولم يقف عندها، فما ثبت عنه ﵊ أنه دعا عند جمرة العقبة، لا في يوم العيد ولا في أيام التشريق.
فهذه المواطن هي أفضل المواطن، يقول العلماء: من تحرى السنة في أي طاعة وذكر كان له أجران: أجر الدعاء، وأجر التأسي.
فأنت إذا وقفت هذه المواقف تتأسى بالنبي ﷺ ، وتفعل كما فعل؛ تثاب بثوابين: الثواب الأول: ثواب العمل.
والثاني: ثواب الاقتداء واتباع النبي ﷺ ، وهذا يجعل عبادتك أفضل وأكمل؛ ولذلك بعض العلماء يرون -وهو مذهب الجمهور- أن المضاعفة تختص بالحرم، وإن كان الأقوى أن المضاعفة تشمل الحرم كله لأحاديث منها حديث الحديبية، وتسمية الله لمكة كلها بالمسجد الحرام.
الشاهد: أنه على القول الذي يقول إن مضاعفة مائة ألف صلاة تختص بالمسجد نفسه يقولون: في يوم الثامن -الذي هو يوم التروية- صلاة الحاج في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر أفضل من صلاته بمكة؛ لأنه إذا صلاها بمنى نال فضل التأسي بالنبي ﷺ ، فهي فضيلة الاتباع، وحينئذ يكون التأسي بالنبي ﷺ فيه الأجران، ولذلك قال العلماء: ما ورد من القربة اتباعاً أفضل مما لا يكون فيه اتباع كأن يكون مندرجاً تحت أصل عام، إلا إذا بلغ حد البدعة.
فالمقصود: أن تتأسى بالنبي ﷺ ، وتجتهد في السؤال والمسألة والإلحاح على الله، خاصة في المواطن التي ألح فيها صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لم يختر هذا الموقف للإلحاح إلا وهو يعلم أنه موطن إلحاح، ولذلك كان أعلم الناس بربه، وكذلك أتقاهم وأخشاهم لربه صلوات الله وسلامه عليه.
والله تعالى أعلم.
стр. 82
حج الفرض لا يشترط فيه إذن الوالدين
السؤال
هل يحق للوالدين أن يمنعا ابنهما من الحج لخوفهما عليه، خاصة وأنه سوف يحج مع رفقة صالحة، وليس لديه عائق إلا موافقة والديه؟
الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل: إما أن يكون الحج واجباً وفرضاً لازماً فلا طاعة للوالدين، تطيع الله ﷻ ، ونص العلماء ﵏ على أن الحج المفروض لا يشترط فيه إذن الوالدين.
أما إذا كان الحج نافلة فإنك لا تخرج إلا بإذن والديك، فإن منعك الوالدان -خاصة إذا كان لهما مبرر، أو يخافان عليك، وكان لخوفهما مبرر: كضعف جسد الإنسان، أو كون الإنسان لا يحسن التصرف في السفر- فهذا من حق الوالدين، وبرك وجلوسك عند والديك تصيب به الأجران.
قال العلماء: إذا منع الوالدان فقد بر والبر فرض، ولو خرج ترك الفرض لسنة ونافلة.
فيجلس مع والديه ويكتب الله أجر الحج كاملاً بالنية، قال ﷺ : (إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم شعباً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، إلا شركوكم الأجر.
قالوا: يا رسول الله! كيف وهم في المدينة؟ قال: حبسهم العذر).
قال العلماء: العذر عذران: عذر حسي يكون في الإنسان من مرض ونحو ذلك مما سن الله .
وعذر حكمي: وهو العذر الشرعي، أن يمنعك عذر شرعي، فإذا امتنعت لبر الوالدين فهذا عذر شرعي، يكتب لك الأجر، وتبلغ بالنية ما لم تبلغه بعملك والله تعالى أعلم.
стр. 83
حث الحجاج بالدعاء للمسلمين في البلاد المضطهدة
السؤال
أحوال المسلمين في كل مكان لا يعلمها إلا الله، فيا حبذا لو حثثتم المسلمين عموماً والحجاج خصوصاً على الدعاء لهم، فعسى أن تخرج دعوة صادقة ينفس الله بها الكربات، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن الدعوة سهم من سهام المؤمنين، الدعوة إذا استجيبت لا ترد، والدعوة إذا استجابها الله فإنها ماضية نافذة؛ ولكن من الذي يوفق للدعوة المستجابة، ومن حق المسلم على المسلم أن يتألم بآلامه، وأن يحزن لأحزانه وأشجانه، فكلما سمع بأخيه المسلم كربة أو نكبة تألم لها وكأنها به.
كان بعض العلماء إذا سمع بضر بالمسلمين تألم وسقم جسده حتى يعاد في بيته؛ وهذا من كمال الإيمان الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد) فيتألم المسلم لضعفاء المسلمين ولنسائهم وأطفالهم، وشبابهم وشيبهم، وصغارهم وكبارهم، وكأن البلايا نزلت به، فإذا بلغ هذه المرتبة فليحمد الله ﷻ أن رزقه الإيمان والشعور، فيقدم لإخوانه المسلمين، وأقل ما يقدمه -وليس بقليل-: أن يدعو لهم بظهر الغيب.
سل الله أن يفرج كرباتهم، سله في مواطن الإجابة ومواطن الدعاء، وأنت ساجد بين يديه، وفي الأسحار، وبين الأذان والإقامة.
ونحو ذلك من المواضع المستجابة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفرج هم المهمومين، وأن ينفس كرب المكروبين، وأن يفك الضيق عن المأسورين، إنه ولي ذلك والقادر عليه والله تعالى أعلم.
стр. 84
حكم التكاسل عن الحج مع الاستطاعته
السؤال
بعض الإخوة لم يحج حجة الإسلام، وهم مترددون في ذلك مع استطاعتهم، فما توجيهكم لهم جزاكم الله خيراً؟
الجواب
من ملك الزاد وجب عليه الحج إلى بيت الله ، ومن لم يقم بفريضة الله فقد عصى الله ﷻ ، فإن كانت الأموال هي التي تمنعه فإن الله قد يمحق بركة ماله، وإن كانت الأبناء والبنات والزوجات فإن الله يشقيه ببناته وأبنائه وزوجاته.
لا خير في الدنيا إذا صرفت عن الله : ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢ - ٣٣] وكانت عزيزةً عليه ﵊ فالدنيا إذا ألهت عن ذكر الله أشقت صاحبها نسأل الله السلامة والعافية! فإذا كان الإنسان يتخلف عن الحج بدون عذر فليعلم أن الله فتن قلبه، وأن الله كره انبعاثه فثبطه: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦].
لا يقصر في أوامر الله إلا من كان محروماً من كمال الإيمان، فالإيمان هو الذي يبعثك على طاعة أمر الله، والاستجابة لما يحييك إذا دعاك الله، والإيمان هو الذي يكفك ويحجزك ويخوفك من حدود الله ﷻ ، فإذا كان الله قد أمر عبده بالأمر فامتنع وقصر وهو يرفل في نعمة الله فليبك على نفسه، فإنه ذنب ومعصية وسيئة وخطيئة، وسيسيئه الله بهذا الذنب إما في الدنيا وإما في الآخرة، وإما أن يجمع له بين إساءة الدنيا والآخرة.
من تخلف عن الحج فقد عصى الله ﷻ ، وسيرى عاقبة هذه المعصية.
كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يعرفون التقصير في الطاعات والواجبات حتى في خلق الدابة والزوجة.
من عصى الله ﷻ فترك أمره، واقترف نهيه وزجره؛ فإن الله يعذبه بما فعل.
قال العلماء: سميت السيئة سيئة لأنها تسيء بصاحبها إما في الدنيا وإما في الآخرة، وإما أن يجمع الله له بين إساءة الدنيا والآخرة نسأل الله السلامة والعافية! فمثل هذا وإن ارتاح قليلاً فسيتعب كثيراً، وإن لم يتداركه الله بتوبة نصوح، والندم عما سلف وكان، ويستغفر الله مما بدر منه، ويبادر إلى حج بيت الله الحرام، ويحمد الله ﷻ أن يسر له السبيل، فليؤذن نفسه بعقوبة من الله : إما عاجلة، وإما آجلة، وإما عاجلة وآجلة.
نسأل الله العظيم ألا يبتلينا بمثل هذا، إنه ولي ذلك والقادر عليه والله تعالى أعلم.
стр. 85
رسالة من طالب علم
إن طالب العلم إذا أحب أن يرتقي بعلمه، فيصبح من أهل العلم الأمناء على دين الله وشرعه، المجانبين لأهوائهم، المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله؛ فعليه أن يلازم أهل العلم، ويأخذ علمه وسمته من المشايخ قولاً وعملاً، وهنا ثمة وصايا يحتاجها طلاب العلم في حياتهم، ليتأدبوا بآداب العلماء، وليتخلقوا بالكتاب والسنة.
стр. 86
وصايا لطلاب العلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الحج مبروراً، والسعي مشكوراً، والذنب مغفوراً.
اللهم اجعلنا مرحومين لا محرومين! واجعلنا فائزين غانمين! برحمتك يا أرحم الراحمين! في بداية هذا الدرس الأول من النصف الثاني من العام الدراسي، سيكون حديثنا عن بعض الأمور التي يحتاجها طالب العلم؛ حتى يستطيع أن يقوم برسالته؛ ويؤدي أمانته على الوجه الذي يرضي الله .
ولاشك أن النفوس محتاجة دائمة إلى التذكير بالله ، وأي نفس مؤمنة صحبها التذكير بالله أنست بربها، واستقامت على سبيل خالقها؛ لأن الله تعالى شهد لها بالانتفاع بالذكرى فقال : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
стр. 87
وجوب التمسك بالكتاب والسنة
وآخر ما نختم به هذا المجلس: وصية بالتمسك بالكتاب والسنة، وعدم الالتفات إلى الفتن والمحن، والاستعصام بحبل الله ، فإن الله وصى عباده بالرجوع إلى دينه، والاستمساك بحبله، والاستعصام به، وقرن النجاة في ذلك، فقال لنبيه ﵊ -والأمر له ولأمته-: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣] فمن أراد النجاة من الفتن الظاهرة والباطنة فليستمسك بكتاب الله ، وليعلم أن الله جعل القرآن نوراً وشفاءً وهدى ورحمة لمن استهدى به.
والاستعصام بكتاب الله والسنة يعني الرجوع إليهما في الصغير والكبير والجليل والحقير، وتطبيق ما قال الله وقال رسوله؛ حتى يكون الإنسان المسلم مستسلماً لله ومنقاداً لشرعه كما أمر الله ، وأي حكم من أحكام الله في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ يبلغك تطبقه بكل تسليم وإذعان، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥].
ولا يمكن للإنسان أن يحكم كتاب الله وسنة النبي ﷺ إلا بمحبة العلماء، والرجوع إلى العلماء الربانيين الموثوق بدينهم وعلمهم، وسؤالهم، والعمل بما يقولون، وأن يحرص طالب العلم عند سؤال العلماء على الأدب، ورعاية الحرمة، وعدم التشويش والتضييق عليهم؛ فإن أذية العلماء عواقبها وخيمة، وكم من مصاحب للعلماء رفع الله قدره بصحبتهم! وكم من صاحب لعالم جعله الله في سفال في صحبته من الأذية له والتضييق عليه، وعدم الإحسان في السؤال، وعدم التهذب في الألفاظ، وعدم رعاية الحرمة.
ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يوطن نفسه بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وإذا كان العالم يرى من سائله ما يعينه على أداء الحق وبيان الحق بين له.
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاقنع بدائك إن جفوت طبيبها واقنع بجهلك إن جفوت معلما فعلى الإنسان أن يحرص على الرجوع إلى الكتاب والسنة، ففيهما نجاة من الفتن والمحن، حتى إن طالب العلم الموفق السعيد قد جعل القرآن أمام عينيه في جميع أموره، ولذلك الفتن لا تجد سبيلاً لما قد يقال بالعلم، الموفق المسدد يخرج من بيته فيرى فتنة من الفتن أمام عينيه يتذكر أن الله يقول له: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] فيغض بصره.
يجلس في مجلس فيسمع أحداً يغتاب مسلماً يقول له: لا تغتب.
فإن امتنع قام من المجلس؛ لأنه يعلم أن الله نهاه أن يغتاب مسلماً، ونهاه أن يجلس في مجلس فيه ظلم للمسلمين، وخوض في آيات الله، وانتهاك لحرمة أولياء الله.
هكذا إذا حرص الإنسان على تطبيق الإسلام -كما ينبغي- في نفسه وأخلاقه وشئونه وفقه الله وسدده، وجماع الخير كله في تقوى الله ، ومن اتقى الله وقاه وجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، ونسألك أن تبلغنا مقام الرضا، اللهم اعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تقدمنا إلى شر ولا تؤخرنا إلى شر، اللهم احفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك وعنايتك، سدد أقوالنا وصوب آراءنا يا حي يا قيوم! وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وكمل نقصنا، والطف بنا، يا حي يا قيوم! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 88
الإخلاص أساس الدين وطريق الخلاص
خير ما يوصى به طالب العلم بل ويوصى به الناس جميعاً، وينبغي أن يكون في نفس كل مؤمن في كل لحظة أن يكون مخلصاً لله ؛ لأن الإخلاص هو أساس الدين، وطريق الخلاص، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة.
فمن عرف الله وعمل لله نال ولاية الله ﷻ ، ومن كان لله قلباً وقالباً بارك الله قوله وعمله؛ وشكر سعيه؛ وجعل له حسن العاقبة التي لا تكون إلا لأهل التقوى كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
فحري بطالب العلم دائماً أن يسأل نفسه ويحاسبها عن حق الله في قوله وعمله، وظاهره وباطنه، وسريرته وسيرته، فإذا جد واجتهد في تكميل نقصه بالإخلاص، وجبر كسره بإذن الله في ذلك نال سبيل الخلاص.
إنه الإخلاص الذي لا يمكن أن يقبل القول أو العمل إلا بتحقيقه، والقيام بحقوقه: أن يراد به وجه الله ولا يبتغى شيء سواه .
стр. 89
الجد والاجتهاد في طلب العلم
حري بطالب العلم أن يجد ويجتهد، ولا يسأم ولا يمل من حمل هذه الرسالة، وضبط هذه الأمانة، والعناية بالعلم حفظاً ومراجعة ومذاكرة؛ كل ذلك لكي يعظم أجره، ويثقل ميزانه، فأعظم الناس أجراً في طلب العلم أعظمهم تعباً، وأكثرهم مشقة ونصباً، وقرن الله العلم بالتعب، وجعل أهله أهل جد واجتهاد، فما نظر طالب علم في سيرة العلماء والأئمة الفضلاء إلا وجدهم قد اكتحلوا السهر، وجدوا واجتهدوا في طلب هذا العلم حتى نالوا بفضل الله وحده ما نالوه من الخير والبركة.
إن الجد والاجتهاد في العلم يعني المسئولية، والشعور بالمسئولية يعني إكرام العلم، والمحبة الصادقة له، لا يجد ولا يجتهد في مراجعة العلم وضبطه وإتقانه إلا الأمين، الذي يستشعر أنه مؤتمن -من أمة محمد ﷺ على قول الله وقول رسوله ﷺ .
فالعلم لا ينال بالتشهي ولا بالتمني، ولا بالدعاوى العريضة، ولا بالألقاب الفارغة، إنما هو منحة لها أسباب بفضل الله لا بفضل أحد سواه، الجد والاجتهاد لا يمكن أن يكون إلا من إنسان استشعر المسئولية والأمانة، واستشعر أن العلم ثقيل كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥].
стр. 90
الأسباب المعينة لطالب العلم على ضبط العلم وإتقانه
ولذلك يجب على كل طالب علم أن يبحث عن الأسباب التي تقوي روحه ونفسه على ضبط العلم وإتقانه.
ومن أعظم هذه الأسباب: أن يستشعر أن كل آية وحديث وحكم شرعي يسمعه في مجلس عالم أو في فتوى أو يقرؤه في كتاب إنما هو أمانة في عنقه، وأن العالم إذا بين العلم فقد وضع الأمانة في رقاب طلابه، ومن حضر واستمع فقد حمل الأمانة.
قال ﷺ -يشير إلى هذا المعنى-: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) فجعل النبي ﷺ الصحابة ﵃ وأرضاهم أمناء على دين الله وشرعه، وأنهم مطالبون بتبليغ الرسالة، وجعل اجتماعهم وشهودهم أمانة عليهم، وعليهم مسئولية عليهم أن يبلغوا، وهذا لا شك أنه يحفز نفس طالب العلم إلى ضبط العلم وإتقانه.
وعلى كل طالب علم أن يهيئ الأسباب، وينظم وقته ويرتبه للمذاكرة وللجد والتحصيل، ويبحث عن طالب علم يثق في دينه وأمانته وجده واجتهاده، فيذاكر ويراجع معه، وإذا لم يجد فإن الله نعم المولى ونعم النصير، فيكون له من ربه معين وظهير؛ لكي يضبط هذا العلم ويقوم بحقه وحقوقه.
стр. 91
ضرورة التعرف على العوائق والشواغل المثبطة عن طلب العلم واجتنابها
إذا أخلص طالب العلم لله وجد واجتهد في ضبط هذا العلم وإتقانه، عليه أن يعلم أن هناك عوائق تحول بينه وبين هذه الغاية، وبين الوصول إلى هذه المراتب العالية في ضبط العلم وإتقانه.
وهذه العوائق والشواغل تثبط العباد عن طاعة الله ، وهي من امتحان الله لخلقه؛ لأنه ما من عمل صالح إلا وقد جعل الله بين العبد وبينه ابتلاءات، وبقدر هذه الابتلاءات ترتفع الرتب وتعلو الدرجات، كما قال ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره).
ومن أعظم ما يجابه المسلم وطالب العلم في طلبه للعلم عدم تقدير العلم والعلماء، الذي يكون من النفس الأمارة، تكون من إنسان لا يعرف حق العلم ولا قدره ولا قدر العلماء، فتارة يستهزئ بالعلم الذي يتعلمه، وقد يشكك في الحق الذي تتعلمه، وتارة يستهزئ في جلوسك في مجالس العلم والعلماء.
ولذلك تجد بعض العوام والجهلة يستخف بطلاب العلم وأين يذهب؟! وأين يجلس؟! ويقول له: إنه يضيع عمره؛ لأنه لم يجده في تجارة ولا بيع ولا شراء، لا يريده إلا في حطام الدنيا! فيستخف به، وربما وجد من الناس من يقول له: لماذا تضيع وقتك مع العلماء، وهؤلاء العلماء فيهم وفيهم؟! فينتقص العلماء ويتكلم فيهم.
وإن أعظم ثلمة في الدين -بعد ضياع حق الله إضاعة حق الرسل وحق ورثتهم من العلماء، فالتشكيك في العلماء، والطعن في مكانتهم وأمانتهم، وتتبع عثراتهم وزلاتهم، ونزع ثقتهم من قلوب الناس أمر لا خير فيه، بل هو شر، وبلاء لا عافية، وما عاشت هذه الأمة إلا على حب علمائها، وحسن الظن بصلحائها، واحترامهم وتقديرهم وحملهم على أحسن المحامل، فإذا نزعت هذه الثقة من قلوب الناس، من الذي يعلم الناس دينهم؟! ومن الذي يدلهم على ربهم؟! ومن الذي يرشدهم على خالقهم؟! وهب أن عند العلماء أخطاء، فهل معنى ذلك أن تتبع عوراتهم، وأن تكشف سوآتهم والعياذ بالله؟! فعلى طالب العلم أن يوطن نفسه بمحبة أولياء الله، وليعلم أن أهل العلم بشر يخطئون ويصيبون؛ ولكن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولا يمكن أن يسوى من وضع الله في قلبه أنوار التنزيل بمن كان جاهلاً بدين الله ، ولا يفقه شرعه، ولا يعرف حكمه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
فإذا وجدت من ينتقص العلماء ويثبطك عن طلب العلم في هذا الزمان فاحذر! إنها الفتن التي أصبح الإنسان فيها غريباً في كل شيء فيه طاعة الله ومرضاته، وهذا معنى قوله ﵊ (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) فمن غربة الإسلام أن يصبح العلماء غرباء لا يسلمون من العامة، ولا من الخاصة، إن تكلموا وبينوا ثلبوا، وإن سكتوا رعاية لمصالح نظروا إليها باجتهادهم ثلبوا، فهم لا يسلمون لا من هؤلاء ولا من هؤلاء: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
عليك أن تحذر من هذه الآفة التي أصبح الناس يخبطون فيها خبط عشواء، وقل أن تجد إنساناً يتقي الله يكف لسانه عن ذلك، فضلاً عمن يدافع عن أهل العلم ويحسن الظن بهم.
فإذا وجد طالب العلم مثل هذا التخذيل فلا يلتفت إليه، ولو أن الأمة -في أزمنة الفتن والمحن- التفتت إلى هذه الفتن، وشغلت علماءها بها، وأصبحت تشكك في علمائها؛ لما انتقل الدين إلينا.
حاصر الحجاج بن يوسف مكة ورمى الكعبة بالحجارة، وكان العلماء في مساجدهم يعللون ويبينون، ومنهم من آثر ما آثر من رعاية المصالح ودرء المفاسد مما يراه قربة لربه، وسيلقى الله باجتهاده، وفيهم من الصحابة رضوان الله عليهم أئمة العلم والفتوى وغيرهم، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، الذين أمرنا باتباع سنته، المحدث الملهم- كان يمنع الفقهاء من الصحابة أن يخرجوا إلى الجهاد والأمة بحاجة إليهم، وكانت الأمة أحوج ما تكون إلى خروجهم إلى ثغور الشام للفتوحات.
كان يحرم على الصحابة الذين كانوا على علم بالسنة أن يخرجوا من المدينة؛ لعظيم حق العلم وشدة الحاجة إليه، فلا يمكن للأمة أن تستغني عن علمائها، ولا يمكن للأمة أن تصيب الحق إذا نزعت الثقة من علمائها، علينا أن ندرك ذلك، وأن نعلم أنه لا خير في طعن بعضنا في بعض، وتشكيك بعضنا في أمانة ونزاهة بعض.
علينا أن نجد ونجتهد في محبة هذا العلم، والتضحية من أجله، والصدق في رغبته؛ لعل الله أن يرى منا ما يرضيه.
стр. 92
ابتاع العلم بالعبادة والقول بالعمل
كذلك أيضاً مما ينبغي لطالب العلم: أن يشوب علمه بالعبادة، والقول بالعمل، وأن يحرص على أن تكون بينه وبين الله عبادات من الحرص على ذكر الله ، وحسن عبادته، ومن ذلك كثرة تلاوة القرآن، فما عرف لأهل العلم شيء أعظم بركة ولا خيراً من كتاب الله .
فطالب العلم ينبغي عليه أن يكون له حظ من كتاب الله وافر، فيكثر من تلاوة القرآن وتدبره، والخشوع عند سماعه وتلاوته، فإن الله يبارك له في علمه، وإذا استطاع طالب العلم ألا يمر عليه أسبوع أو لا تمر عليه ثلاث ليالٍ إلا وقد ختم القرآن فذلك خير كثير.
كم من الأوقات يجد الإنسان نفسه فيها في سراب! كم من الأوقات يجد الإنسان فيها نفسه صامتاً! وكم من الأوقات يجد الإنسان نفسه فيها متحدثاً بما لا خير فيه من فضول أحاديث الدنيا! فليشغل وقته بذكر الله، وأطيب الذكر وأفضله كتاب الله ؛ لأن الله يحفظ به دينه؛ ويسدد به قوله؛ ويصوب به عمله.
القرآن نعم المؤنس في الوحشة! ونعم المعلم من الجهالة! ونعم الهادي من الضلالة! فهو نور من الله ورحمة، فمن استبصر بالقرآن سلمت بصيرته، ومن اهتدى بالقرآن تمت هدايته.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، واجعله ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا يا حي يا قيوم! وأسعد الناس نجاة من الفتن من أكثر من تلاوة القرآن، وبالأخص أن يكون له حظ من قيام الليل، وليسأل كل طالب علم كم للقرآن من حظ في ليله؟! وكم يعطي القرآن في قيامه بالليل ومن ساعات ليله؟! فإذا وجد خيراً حمد الله ، وسأل الله الثبات، وإذا وجد التقصير كمل نقصه وجبر كسره.
يا طالب العلم: لابد لك من قيام الليل؛ فإنه روحك ومدد من الله لك؛ وفيه خير لك في الثبات إذا عظمت الفتن وكثرت المحن؛ لأن الله يحفظ عبده بدعائه وسؤاله وعبادته، فمن تهجد بالليل حفظ الله له دينه في النهار وعصمه، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
وكان العلماء والأئمة يوصون طلاب العلم بالمحافظة على قيام الليل، فليسأل كل طالب علم نفسه كم يقوم من الليل؟! وفي كم يختم كتاب الله ؟! عيب على طالب العلم ألا يكون قواماً لليل! وعيب على طالب العلم ألا يكون ذكاراً لله! وألا يكون صواماً للإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر! وألا تكون عنده عبادات بينه وبين الله فكيف يذكر الناس غداً؟! ولذلك تجد بعض من يتصدر للوعظ وتذكير الناس في إمامته وخطبته أو في بعض مجالسه -وليست عنده عباده- تجده يقول قولاً لا يجد طعمه في قلبه، وكثيراً ما يشتكي البعض، يقول: أنا أذكر الناس وأجد الغفلة! نعم، لم يذكر الناس أحد بلسانه! ولن تنفع الذكرى إذا كانت باللسان دون الجوارح والأركان! فكيف يُخشع الإنسان القلوب ويذكر بالله علام الغيوب وهو أغفل الناس عن ربه؟! وكيف يكون هادياً مهدياً واعظاً مؤثراً إذا كان لا يقوم الليل، ولا يصوم النهار، ولا يتلو القرآن إلا هجراً أو بعد مدة طويلة؟! كيف يكون لأقواله ومواعظه أثر في النفوس؟! نسأل الله السلامة والعافية! ولذلك استضاف الإمام أحمد بعض طلابه، فوضع عنده الماء بعد صلاة العشاء ثم نام الإمام أحمد، فلما كان الفجر وجد الماء لم يتغير، فعلم أن هذا الطالب لم يقم الليل، فصار يتعجب الإمام أحمد ويقول: طالب علم لا يقوم الليل! فمن يريد أن يطلب العلم عليه أن يعلم ما هي حقوق طلب العلم؟! وأين مكان طالب العلم في العبادة وفي النزاهة وفي التحفظ وفي الصيانة؟! إن الجلوس في مجالس العلماء له حق، والتأدب بصحبة العلماء له حق، فأنت غداً الأمل فيك -بعد الله أن تكون للأمة في قولك وعملك، فمن اختار الخير في بداية طلبه للعلم، واختار الذكر والطاعة والاستقامة، وأصبح له لسان ذاكر، وقلب شاكر، وإنابة صادقة لله ، وخشية لله ، ووطن نفسه على محاسن الأمور من العبادات الصالحة والكلمات الطيبة، واستقام لربه كما ينبغي أن تكون الاستقامة، فإنه بإذن الله سيبارك له في علمه ودعوته غداً.
إن الله مطلع على القلوب والقوالب، ومطلع على السرائر والضمائر، والله لا يخادع، ولن ينال الله من عباده القول والعمل فالله غني عن خلقه، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
فعلى طالب العلم أن يوطن نفسه بأن يكون كما ينبغي أن يكون عليه من طلب العلم، تجد من ينتسب إلى العلم من طلاب العلم يقول: أنا في قسوة! أنا في غفلة! أجد ضيقاً! أجد هماً! حتى أصبح بعض طلاب العلم مثل العوام يشتكي مما يشتكي منه العوام! نعم لأن أحوالنا كأحوال العوام وقد تكون أردأ، وقد تجد في العامة من ذكر الله والخوف منه مالا تجده في بعض طلاب العلم.
فعلينا أن نتقي الله ، وأن نوطن أنفسنا لطلب العلم، وعلى طاعة الله .
قال الإمام إبراهيم النخعي -يحكي حال السلف في طلبهم للعلم-: كان الرجل إذا طلب العلم ظهر في وجهه وسمته ودله.
مجرد ما كان يجلس الشخص في مجالس العلماء تجد في وجهه نور العبادة، ومن الخشوع والسكينة والوقار مثل ما تجده في العلماء؛ لأن أشبه الناس بالعلماء هم طلاب العلم.
إنها وصية لكم ولأنفسنا المراد بها المعونة على طاعة الله .
стр. 93
الأسئلة
стр. 94
لزوم طلب العلم على أيدي المشايخ لا الأشرطة والكتب
السؤال
أنا في بداية طلب العلم، وأحفظ شيئاً من كتاب الله تعالى وبعض المتون، وأسمع شرحها من الأشرطة فهل هذه الطريقة صحيحة؟ علماً أن الدروس لا يوجد مشايخ يشرحونها حالياً أثابكم الله.
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: العلم سنة متبعة تؤخذ من أفواه الرجال، ولابد لطالب العلم من شيخ يتتلمذ عليه، ويحصل العلم على يديه، ويأخذ من منهجه الفعلي كما يأخذ من منهجه القولي، لابد من هذا، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء -بعد إذ وعوه- ولكن يقبضه بموت العلماء).
قال الإمام الحافظ وغيره: إن في هذا دليلاً على أن العلم لا يؤخذ من الكتب، وإذا لم يؤخذ من الكتب لا يؤخذ من الأشرطة؛ بمعنى أن طالب العلم لا ينحصر فيها، وينبغي لطالب العلم أن يجلس في مجالس العلماء إذا لم يوجد عالم في قريتك ومدينتك تنظر إلى العطلة وإلى أوقات الفراغ، فتسافر إلى منطقة فيها علماء، تقرأ عليهم متوناً أو كتباً تستطيع أن تحصل بها العلم وتستطيع أن ترجع بها إلى أهلك، ولو على فترات، تسافر إلى الشيخ تقرأ عليه كتاب الطهارة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتب العبادات، كتب المعاملات، لابد من هذا، لابد من وجود العالم، ولا يصح العلم بسماع الأشرطة فقط مجردة عن حضور العلماء.
ولذلك كثير من الآفات وجدناها: طلاب العلم الذين يتخرجون عن طريق الأشرطة يخطئون أخطاءً بشعة؛ والسبب في هذا عدم جلوسهم على أيدي علماء، وعدم تربيتهم، وعدم تلقيهم للعلم كما ينبغي ظاهراً وباطناً بالجلوس على أيدي العلماء ومعرفة منهج العلماء وكيفية فتواهم وتعليلهم، ونحو ذلك مما يستفاد من مخالطة أهل العلم، ولا أشك أنه إذا سمع الشريط ونزلت عليه -مثلاً- مشكلة أو نازلة لا يستطيع أن يسأل سؤالاً مباشراً، ولا يستطيع أن يجد جواباً لهذا الإشكال.
لكن لو أن الإنسان يحضر دروساً، ثم إذا غاب الشيخ وسمع الشريط لا بأس؛ لأنه قد استفاد من طول مجالسته للعلماء، والغالب أنه يباشر السماع للعالم، والغياب هذا في فترات لا يقدح، ومن هنا كان الصحابة إذا غاب أحدهم سمع من أخيه، فـ عمر بن الخطاب ﵁ كان يستنيب رجلاً حينما كان يذهب إلى مزرعته بالعوالي، وهذه طريقة من طرق السلف؛ لكنه استناب رجلاً يسمع ويعلم، وحينئذ يكون التلقي كالتلقي المباشر؛ لأن الفرع تابع لأصله.
وعلى كل حال: ينبغي الحرص على أخذ العلم مشافهة من العلماء ما أمكن.
والله تعالى أعلم.
стр. 95
من علامات الساعة اتخاذ الناس الجهال أمناء على الدين
السؤال
لقد انتشر في هذا الزمان بعض ممن ينتسب للعلم وأهله، ويتحدث بغير علم ويفتي في دين الله بلا دراية، فهل من توجيه لهؤلاء أثابكم الله؟
الجواب
الشكوى إلى الله .
العلم دين! ولا يؤخذ الدين إلا من أهله، وعلى الناس أن يتقوا الله في هذا الدين، فلا يأخذوه إلا من العلماء الأمناء، وكون كل إنسان يتكلم ويفتي هذا من أمارات الساعة، ومن علاماتها: كثرة الجهل، وقلة العلم، وقبض العلماء؛ لأنه لو كان العلماء موجودين وكثيرين لخرست أفواه الجهلاء، ولما استطاعوا أن ينطقوا؛ لأن العلم حق يقذف به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
ولكن حينما يقبض العلماء يسترسل الناس في دين الله وشرعه، كما قال ﷺ : (حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس) وانظر إلى كلمة (اتخذ الناس) ما اتخذه رب العالمين، الله تعالى يقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦٩] (اتخذ الناس) هذه الأساليب اللغوية الجميلة البديعة! (اتخذ الناس) تجدهم يضعونه في الفضائيات، ويشهِّرون به، وهو الإمام! وهو الشيخ وهو المفتي! وهو المنظر! وهو الذي يعرف الدين وهو الذي يعرف كيف يؤصل ويقعد؛ لأنه على الهوى وعلى ما تشتهي الأنفس، وعلى ما يريدون، فهم يريدون الدين كيف شاءوا وكيفما أرادوا، لا كما أراد الله ؛ لأنهم لو كانوا يريدون الدين كما أراد الله لرفعوا مكانه العلماء الربانيين الذين يرجع إليهم ويؤخذ عنهم، وينصحون لأمة محمد ﷺ في إظهارهم للناس وبيان علمهم.
(اتخذ الناس) اتخاذ الناس من أكثر ما يوجد بالمدح والثناء، وإعطاء الألقاب الكبيرة، والأوصاف المفخمة التي والله لو أعطيت لعالم جهبذ من علماء السنة والسلف وهو أهل لذلك لجثا على ركبتيه؛ خوفاً من الله أن يقال له! ومع ذلك تجد الإنسان -والعياذ بالله- يغتر بها وينجرف وراءها، وهذا هو شأن الجهلاء.
فعلينا أن نحذر من هؤلاء الذين تقمصوا ثوب العلم والدعوة.
العلم نور والله! ولو أطبقت شموس الدنيا على أن تضيء ظلمة أظلمها الله ما استطاعوا، ولن يظلموا على الحق؛ فإن عليه ضياء، ولو أطبق أهل السماوات والأرض على قول باطل وأرادوا أن يفتوا به ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ليتكلم المتكلمون! وليفتي المفتون! وليفعلوا ما شاءوا! وليقولوا ما شاءوا! فلا يبقى إلا الحق الذي أراده الله ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] لا يبقى إلا الحق، ليسوا أول من تكلم ولا آخر من تكلم، ولا يتكلم المتكلمون، ولكن لا يبقى إلا ما أريد به وجه الله، وهذه سنة ماضية.
السلف الصالح ﵏ عانوا من ذلك ومنهم: ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك الذي كان يقال له: ربيعة الرأي من قوة رأيه وفتواه واجتهاده، والذي تتلمذ على يديه الإمام مالك، وقالت أم مالك لـ مالك: اذهب إليه فخذ من سمته ودله قبل أن تأخذ من علمه.
فرزق السكينة والعلم والوقار بهذا العالم الرباني بعد فضل الله .
هذا العالم ماذا كان يقول؟ ليس بينه وبين النبي ﷺ إلا رجلين يعني: قريب العهد في المدينة المنورة دار النبوة ودار الهجرة! وفي زمن القرون المفضلة! ومع ذلك دخل عليه مالك وهو يبكي فيقول: والله إن فلاناً يتكلم في العلم أحق أن يقطع لسانه من يد السارق.
يبكي من كثرة القول على الله بغير علم، وهذا في الزمان الأول، فكيف بزماننا نحن؟! ولذلك لا يبالي الإنسان بهذا، دين الله منصور وكلمة الله ماضية، الله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] الذي عند الناس سيبلى ويفنى، والذي عند الرحمن يبقى، ولا يبقى إلا ما أريد به وجه الله.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ستبقى كلمة الله! ويبقى دينه وشرعه، فلا يحزن الإنسان هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] يأتون بالفتاوى ويتتبعون بها رخص العلماء، ويخرجون الأمة من دينها بأشياء من عزائم الدين ويرخص فيها؛ فيصبح الدين سهلاً على رأيهم ونظرهم، وكأنه ليس في الدين شيء مع عزائمه والعياذ بالله، يسلقون الدين -والعياذ بالله- وينقضونه عروة عروة في الآداب والأخلاق والشيم! حتى أنك تجد العالم من يتسمى منهم بالعلم ويدعي العلم، الأمة بحاجة أن تنصح في أمور عظيمة، ومع ذلك يخرج يتكلم عن رخصة من الرخص قد يكون لا يقول بها إلا الشذاذ، ويقعد لها وينظر لماذا؟ لأنهم يتبعون الهوى، ما خرجوا غيرة لله ولا لدينه وشرعه.
فهذه الآفة الموجودة من كثرة المفتين والقائلين على الله آفة عظيمة! لكن ليس البلاء على هؤلاء أن يتكلموا، البلاء كل البلاء على من ينصت لهم ويستمع إليهم ويعمل بقولهم، فإياك إياك! أن تعطي سمعك إلا لمن تثق بدينه وأمانته.
كان أيوب بن أبي تميمة السختياني -من تلامذة ابن عمر ﵄ ورحم الله الجميع- من أصلح خلق الله، وكان ديواناً من دواوين العلم والعمل في حفظه للسنة عن ابن عمر ﵁، من خيار أصحاب ابن عمر، كان ابن عمر يقول لأصحابه: أيكم الأبيض المشرب بحمرة؟ قالوا: أيوب.
قال: أراه أصلحكم.
كان يتفرس ابن عمر أنه أصلح طلابه، وكان كذلك في الصلاح والخير والصيانة، نحسبه ولا نزكي على الله أحداً.
هذا الإمام العالم الصالح كان إذا جاءه شخص من أهل البدع القدرية وأهل الأهواء يريد أن يناظره -وهو عالم رباني متمكن- يقول له: أريدك أن تسمع مني.
فيضع أصبعيه في أذنيه.
يقول: اسمع مني، فقط اسمع مني.
يقول: ما شاء الله! حرية الرأي والمناقشة، نريد نناقش من تناقش؟ أتركك تقول على الله بدون علم، أُجرئك على أن تقول؟! قل لي من أنت؟ أين طلبت العلم؟! ما الذي تحفظ من كتاب الله؟! ما الذي تحفظ من سنة النبي ﷺ ؟! سم لي رجالاً حتى أصغي إليك وأعرف ما عندك، أما إذا كان ما عندك علم فمثلك ما يستمع إليه؛ لأن مثلك ليس بأهل بأن يتكلم في هذا الأمر.
يخرج العالم الرباني ليتكلم في مسألة فتجد شخصاً يقول: عندي مداخلة يا شيخ! عندي إضافة يا شيخ! يا لله ياللأسف!! ذهبت حرمة العلماء والعلم، وهذا كله من غربة الدين! والناس تنظر إلى هذا، كما قال أنس: (إنكم لتفعلون أعمالاً هي أدق في عيونكم من الشعر، كنا نراها في عهد رسول الله ﷺ أمثال الجبال).
توقير دين الله وشرعه أمر عظيم، واحترام أهل العلم والفتوى، كان الناس إذا تكلم العالم بالفتوى لم يراجع، مؤتمن على دين الله وشرعه محبوب! مهاب! مكرم! المرأة تأتي إلى بيت زوجها وأبيها وأخيها وابنها وتقول: سأفعل كذا وكذا يقال لها: من قال لك؟! كيف تشقين على نفسك؟! تقول: الشيخ أفتى.
يقولون: سمعنا وأطعنا.
ما أحد يتقدم ولا يتأخر؛ لأن هذا دين وشرع! ومعروف من الذي يتكلم في الدين والشرع، أما أن يفلت الزمام لكل من هب ودب، وكل يوم تدخل المرأة على زوجها بفتوى قال فلان وأفتى فلان وعلان، فعلى كل إنسان أن يعلم أن هذا الدين من تكلم فيه فهو حجة له بين يدي الله .
يقول الإمام الشافعي ﵀: رضيت بـ مالك حجة بيني وبين الله.
أذكر في مجلس من المجالس أنني كنت أفتي فيه، وكان هناك رجل يرخص في الفتوى، فكان بعضهم يأتي ويرخص له، يقول أحد القائلين: وكان يناقش كثيراً، وهو من خيار طلبة الوالد ومن طلبة العلم، وكان يستفتي غيري ثم يناقشني، فمكثت على هذا أكثر من خمس سنوات، فذات يوم قال لي: يا شيخ! أنت تشدد علينا.
كثيراً ما يقول لي هذا وأنا أدفعه بالتي هي أحسن! فيوم من الأيام قال لي: يا شيخ! أنت تشدد علينا.
فقلت له: اتق الله! سأسألك سؤالاً، هل الذي أفتيت به فيه قال الله وقال رسوله؟ قال: اللهم نعم -نعم أنت تذكر الفتوى بالدليل-.
قلت: إذا ذكرت الفتوى بالدليل فلا يجوز لك أن تقول لي أني شددت؛ لأن هذا حكم الله ، ولا أن تقول لي: أنت تتساهل.
ما دام عندي دليل من كتاب الله وسنة رسوله.
فإذا به يقول -وهذا موضع الشاهد، أحكيها للعبرة ولا أحكيها عن غيري، واحتجت أن أقولها عن نفسي حتى يكون مثالاً-: والله يا شيخ! وأقسم بالله -وغلظ اليمين- إنك تفتينا في المسألة ويدخل علينا عشرات ممن يرخصون لنا، لكن والله لا نجد الطمأنينة إلا في قولك.
الحق عليه نور، الحق منصور بذاته: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء:١٠٥] الحق لا يحتاج إلى أحد ينصره، الله هو الذي تولى نصرته.
فنسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا هذه المنهجية: وهي الرجوع إلى العلماء الأمناء، نوصي أبناءنا وبناتنا وزوجاتنا، وجميع من حولنا على ألا يسمعوا إلا ممن يوثق بدينه وعلمه هذا أول شيء.
ثانياً: إذا جاءوا بفتاوى من الغرائب وممن لا يوثق بدينه وعلمه نذكرهم بالله، ونقول لهم: هذا دين وشرع لا تصح الفتوى إلا ممن يوثق بدينه وعلمه، ومشهود له أنه من أهل للفتوى.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 96
حكم من تمتع بالعمرة إلى الحج يوم التروية
السؤال
كنت متمتعاً واعتمرت عمرة التمتع صباح اليوم الثامن ثم أحرمت للحج، فهل عملي هذا صحيح أثابكم الله؟
الجواب
إذا وقعت العمرة قبل الوقوف بعرفة فهي عمرة تمتع، والسنة: أنك تحرص على صلاة الظهر بمنى، فلو وقعت العمرة في يوم التروية فأصح الأقوال -وهو مذهب الجمهور- صحت العمرة، وهناك بعض العلماء من شدد في العمرة في يوم التروية، وبعضهم يشدد في العمرة يوم النحر، ولكن بالنسبة للعمرة على هذا الوجه فهي عمرة صحيحة؛ لأن الوصف الشرعي بكونك تمتعت بعمرتك إلى الحج واقع وحاصل بها، ولذلك يلزمك ما يلزم المتمتع وعمرتك مجزئة.
والله تعالى أعلم.
стр. 97
من تعجل بالخروج من منى قبل غروب الشمس ثم عاد بعد الغروب لأخذ متاعه
السؤال
رجل أراد أن يتعجل فخاف أن تغرب عليه الشمس فرمى وخرج من منى، ثم عاد بعد الغروب لأخذ متاعه هل فعله صحيح أثابكم الله؟
الجواب
هذا لم يتعجل! التعجل: أن يخرج بمتاعه وجسده، أو الخروج التام، الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ [البقرة:٢٠٣] فالإنسان يفقه عن الله وعن رسوله، وهذا يقتضي أنه قد خرج كاملاً بمتاعه وبنفسه من حدود منى.
أما إذا خرج من حدود منى وانتظر حتى تغرب الشمس ورجع مرة ثانية فهذا لم يتعجل، ولذلك قرن الحكم بوصف لابد من تحقيقه على الصفة الواردة الشرعية، فمن خرج وليس معه متاعه غابت عليه الشمس لم يتعجل! بدليل أن أغراضه لا زالت باقية بمنى، ومن هنا نأخذ الصفة الشرعية كما وردت، وهذا من العبث والاحتيال والتلاعب على الشرع، الله يقول: (لمن اتقى) وعلى هذا لا يكون الاحتيال على الله وعلى الأحكام الشرعية، فالتعجل ينبغي أن يكون تاماً كاملاً بحيث -فعلاً- إذا رأيت صاحبه قلت: قد تعجل.
يقول بعض مشايخنا رحمة الله عليه: من خرج من حدود منى قبل غروب الشمس ومتاعه بمنى، ثم رجع مرة ثانية؛ فإنه في هذه الحالة لم يتعجل حقيقة؛ لأن الله جعل هذا الفعل -وهو فعل التعجل- يستلزم أن تغيب عليه الشمس وقد أدى أفعالاً يصدق عليها أنه استعجل فيها.
كيف يكون تعجل يعني بجسمه؟! من دقة هذا الآن يقول: لو خرج قبل غروب الشمس.
ما الذي وقع منه؟ هل وقع منه الخروج الحقيقي، وتعجل بمتاعه ونفور حقيقي؟ الواقع: لا، ما خرج إلا جسده، ومتاعه بمنى، فهل فعل ما أمره الله؟ أصلاً الذي يريد التعجل قبل أن تغرب عليه الشمس يكون قد أدى أفعالاً معينة، ورتب نفسه ووضعه وجميع أموره على أنه يريد أن يخرج، أما أن يجلس إلى غروب الشمس! أصلاً ما يقع هذا الشيء إلا من إنسان مسوف ومتساهل، تجده يجلس ويتغدى وينبسط إلى قبل غروب الشمس بنصف ساعة أو بساعة -خاصة إذا كان عند الجمرات- خرج إلى آخر حدود منى ثم رجع مرة ثانية، وما شاء الله متعجل! ولا بأس ولا حرج وانتهى الأمر! هذا ما يصح.
ولذلك الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] واللام للتخصيص، أي: هذا الحكم لمن اتقى، والذي اتقى يأخذ بالأسباب والأوصاف التي يصدق على مثله أنه اتقى الله ، أما أن يجلس ويماطل وينتظر إلى قبل غروب الشمس بشيء يسير، يقف على حدود منى ثم يخرج ثم يرجع مرة ثانية ويأخذ متاعه فهذا ليس بمتعجل! وإنما هو متحايل، وقاصد لترك المبيت، حتى إن بعض العلماء يقول لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] معناه: أنه يخرج من منى وهو يحب العبادة، ولكن يخرج يريد أن يتعجل إلى أهله، عنده ظرف! عنده استعجال! عنده عجزة! عنده ضعفة! عنده رفقة! عنده عمل ودوام.
ما يخرج كارهاً للمبيت ونافراً من العبادة، فالذي يخرج كارهاً للمبيت ونافراً للعبادة فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- لم يتق الله .
ومن هنا نجد أن الآية أعطت رخصة مقرونة بصفة شرعية، وأنها جاءت على وجه مخصوص، فينبغي التقيد بالوارد والحكم بالرخصة لمن كان من أهلها، وقام بها على وجهها.
والله تعالى أعلم.
стр. 98
لا يلزم التتابع في صيام فدية الحج
السؤال
من ارتكب محظوراً من المحظورات وأراد صيام ثلاثة أيام، فهل تكون متتالية أو متفرقة أثابكم الله؟
الجواب
صيام الثلاثة الأيام في فدية الحج متفرقة، ولا يجب فيها التتابع على الصحيح، وذلك لأن الكتاب والسنة ثابتان بالإطلاق، الله تعالى يقول: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] ولم ينص على التتابع في الصيام، وثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة ﵁، حينما رآه النبي ﷺ ، وقال: (حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي؛ فقال ﷺ : ما كنت أرى أن يبلغ بك الجهد ما أرى! ثم قال له: أطعم فرقاً بين ستة مساكين، أو انسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام) قال: (أو صم ثلاثة أيام) ما قال: متتابعة، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، والتتابع صفة زائدة يحتاج إلى التنبيه عليها، ولم ينبه الشرع عليها، فمن صام ثلاثة أيام متفرقة فقد صام ثلاثة أيام، ومن هنا تبرأ ذمته، وتصح فديته، ولا يلزمه التتابع.
والله تعالى أعلم.
стр. 99
تقديم نية طواف الإفاضة ويجعل نية طواف الوداع تبعاً له
السؤال
من أدرك طواف الوداع مع الإفاضة، فأيهما يقدم في النية أثابكم الله؟
الجواب
أولاً: ينبغي تحري السنة، واتباع هدي النبي ﷺ .
الإفاضة طواف ومن السنة أداؤه يوم النحر، فيحرص المسلم على التأسي برسول الله ﷺ ، وأداء هذا الطواف هو يوم النحر، والوداع يكون عند مفارقة البيت والرجوع إلى الأهل، فهذا طواف وهذا طواف؛ فإذا كان عنده عذر كالحائض تطهر آخر أيام التشريق تنزل وتطوف الطوافين وتأخذ بالرخصة، لكن أن يتقصد ذلك دون وجود حاجة أو عذر، فمثلاً الشيخ الكبير، والمرضى والعجزة، والناس الضعفاء يمكن أن يقال: أنهم يجمعوا.
لكن بالنسبة للقوي السوي، والإنسان الذي جاء للحج حتى ولو كان امرأة، النبي ﷺ يقول في النساء: (عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) فجعل الحج جهاداً، ومعنى ذلك أنه مشقة وعناء، فيحرص على اتباع السنة واتباع هدي النبي ﷺ .
فإذا كان هناك عذر: المرأة تحيض ثم تطهر آخر أيام التشريق فطافت للإفاضة عند خروجها فيغنيها طواف الإفاضة عن طواف الوداع.
أما النية: أول شيء نية طواف الإفاضة، ويجعل طواف الوداع تبعاً للإفاضة؛ لأن طواف الإفاضة ركن، وطواف الوداع واجب، ولا يندرج الركن تحت الواجب، وإنما يندرج الواجب تحت الركن؛ لأن الأصغر يندرج تحت الأكبر.
ونقول بصحة ذلك؛ لأن مقصود الشرع من طواف الوداع أن يكون آخر العهد بالبيت طوافاً، وهذا يتحقق لو طافت طواف الإفاضة عند خروجها أو طاف الرجل طواف الإفاضة عند خروجه، فقد صار آخر عهده بالبيت طوافاً، فينوي النيتين: ينوي الإفاضة وينوي تحتها الوداع، وحينئذ يجزيه.
فإن نوى الوداع واندراج الإفاضة تحته، فهذا له وجهان: قال بعض العلماء: يجزيه عن الإفاضة؛ لأن ذمته مشغولة بالأكبر والأصغر يجبره، وهذا مبني على مسألة مشهورة، وهي: أنه لو نوى أن يصوم غير رمضان في رمضان أنه ينقلب إلى رمضان، ولكن هذا القول مرجوح والقول الثاني أرجح؛ لأن محل ذلك أن لا يسع المحل للعبادتين، لا يسع إلا لعبادة واحدة كما في أيام رمضان، لا يمكن إلا أن تتسع إلا صوم واحد، أما هنا فالوقت متسع وقد قال ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى).
ومن هنا نقول: إنه لا يصح ولا يجزي، وهو القول الثاني وهو مذهب الجمهور القائلين بطواف الوداع، ويلزمه أن يطوف، وهذا القول قول ضعيف، وهو لبعض أصحاب الإمام مالك ﵏، وحينئذٍ يلزمه أن يطوف للإفاضة طوافاً مستقلاً.
وعلى هذا: النية للأكبر، والأصغر يندرج تحت الأكبر إذا تحقق مقصود الشرع، فالأكبر هو الإفاضة، والأصغر الوداع، ومقصود الشرع أن يكون آخر عهده بالبيت طوافاً، وهذا يحصل على هذا الوجه؛ فلذلك كان مشروعاً.
والله تعالى أعلم.
стр. 100
من اعتمر لغيره وحج لنفسه في أشهر الحج لا يعتبر متمتعاً
السؤال
إذا اعتمر رجل عن غيره وحج عن نفسه، وكان ذلك في أشهر الحج هل يعتبر حجه تمتعاً أم ماذا؟
الجواب
الأشبه في هذه المسألة أنه مفرد وليس بمتمتع، ويلزمه إن مر بالميقات الأبعد ناوياً للنسكين أن يرجع بعد عمرته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] الأشبه: أنه مفرد، وهذا أحوط وأبرأ للذمة.
والله تعالى أعلم.
стр. 101
حكم من خرج من مكة ولم يطف طواف الوداع لأجل الزحام ثم رجع بعد يومين وطاف
السؤال
ما حكم من ترك طواف الوداع وهو من أهل جدة؛ لأنه رأى الازدحام فرجع إلى جدة فجلس يوماً أو يومين ثم رجع فطاف للوداع؟
الجواب
إذا خرج ولم يطف لزمه دم؛ لأن من خرج من أهل جدة قبل أن يطوف خوف الزحام، أو رأى المشقة في جلوسه ثم ذهب وجلس في جدة إلى أن خف الزحام، ثم رجع وطاف، فإن الطواف الثاني طواف نافلة وليس بطواف وداع؛ لأن النبي ﷺ يقول: (اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافاً) وهذا صدر إلى أهله ورجع قبل أن يطوف بالبيت، ومن هنا يجب عليه دم الجبران بهذا الواجب، وأهل جدة على الصحيح أنه يلزمهم طواف الوداع، والسبب في ذلك: أن الوداع ليس واجباً لمسافة القصر، بل إنه واجب لكل من يغادر مكة بعد حجه.
ولذلك حتى أهل مكة فلو أن المكي بعد الحج عنده عمل ووظيفة مثلاً في عسفان أو في مكان آخر، وخرج إلى هذا العمل والوظيفة بعد انتهاء حجه لزمه أن يطوف طواف الوداع، وهذا منصوص عليه عند الأئمة ﵏؛ فدل على أن الأمر راجع إلى مفارقة البيت سواءً كان على مسافة القصر أو دون مسافة القصر، فأهل الجموم وأهل جدة وأهل عسفان كل هؤلاء يطوفون طواف الوداع؛ فإذا خرج الجداوي أو غيره من مكة ممن لزمهم طواف الوداع، وجلس في بلده حتى خف الزحام ورجع فطاف طواف الوداع؛ فإنه يلزمه دم الجبران؛ لأنه صدر قبل أن يجعل آخر عهده بالبيت طوافاً.
والله تعالى أعلم.
стр. 102
حكم من طاف للوداع وخرج من مكة ثم رجع لغرض نسيه
السؤال
طفت طواف الوداع، ثم ذهبت إلى المطار، فوجدت أني نسيت بعض الأغراض فرجعت إلى مكة، فهل يجب علي أن أعيد طواف الوداع؟
الجواب
من طاف طواف الوداع ثم صدر ورجع مرة ثانية؛ فالعبرة بخروجه الأول، وعند العلماء وجهان: بعض أهل العلم ﵏ يقول: إذا صدر إلى مسافة القصر ثم رجع ثانية؛ فإنه قد انتهى طواف الوداع ولا يلزمه طواف وداع ثانٍ؛ لأنه قد أنشأ سفراً بعد السفر الأول، وحينئذ يلغى، ولو قلنا: كل شخص يعيد لكان كل شخص خرج من مكة ورجع إليها مرة ثانية يلزمه أيضاً أن يعيد طواف الوداع، ولا قائل بهذا.
ومن هنا قالوا: إنه إذا صدر عن البيت فالعبرة بطواف الوداع عند صدوره الأول.
وأما إذا كان دون مسافة القصر وخرج فعلى ضربين: الضرب الأول: أن يخرج خروجاً قاصداً به الانفصال عن البيت؛ كأن يكون له غرض، أو يكون عنده أهل في الجموم، أو أهل -مثلاً-في عسفان، أو له قرابة أو جماعة في منطقة تبعد عن مكة دون مسافة القصر، خرج فزارهم ثم رجع، فأيضاً العبرة بالصدور الأول؛ لأن الخروج إلى هذا الغرض يعتبر خروجاً.
وفي الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵂ -في صحيح مسلم وغيره- أنها قالت: (كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات؛ فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً) وهذا قد صدر وخرج، ولذلك صح طوافك للوداع الأول ويجزيك إن شاء الله.
والله تعالى أعلم.
مداخلة: مثلاً شخص يخرج لمجرد خروجه من حدود مكة يتذكر غرضاً له في الفندق، أو عند جماعة، أو يتصل عليه شخص ويقول له: اذهب إلى فلان في مكة وخذ من عنده الحقيبة أو غرضاً، فيرجع مرة ثانية، فإن رجع مرة ثانية بعد خروجه من مكة وبقي بعد هذا الخروج بقاءً يقطع الوداع -وهو الذي ذكره العلماء: بقاء القصر- فإنه حينئذ يلزمه أن يعيد طواف الوداع.
أما في الأول وقد قال: خرجت إلى المطار، وصدرت صدوراً صادقاً للحاجة، ثم بعدما ذهبت وخرجت تبين أن الرحلة متأخرة فرجعت.
فحينئذ قد انقطع جلوسك الأول، وصح طوافك الأول للوداع، ولا تأثير لرجوعك الثاني.
ولا يستثنى إلا هذه الحالة التي ذكرناها: إن رجع قريباً من مكة -وأشار إليه بعض الأئمة ﵏، وفي كلام الإمام ابن قدامة ﵀ ما يشير إلى ذلك- يعني: بمعنى أنه ما بلغ مسافة القصر، ومثلاً خرج من مكة، ولما كان في التنعيم رجع مرة ثانية مباشرة وجلس، فمثلاً بات بمكة أو جلس أو تغدى عند الرجل أو تعشى عنده فحينئذ انقطع الوداع، ويلزمه أن يعيد الوداع مرة ثانية.
أما إذا كان الخروج لحاجة وغرض، وبلغت هذا المقصد الذي تريده، وأنت في خروجك الأول قد قطعت العلائق عن مكة، وليس عندك نية للرجوع، ثم حصل طارئ ويجب عليك الرجوع؛ فالعبرة بخروجك الأول لا بخروجك الثاني.
والله تعالى أعلم.
стр. 103
حكم من شك في طواف الإفاضة بعد انتهائه منه
السؤال
بعد الانتهاء من طواف الإفاضة أصبت بشك هل الطواف كاملاً أم ناقصاً فما هو الواجب عليَّ أثابكم الله؟
الجواب
إذا كان الشخص مبتلى بالوسواس، ويجد أن الشيطان متسلط على عبادته، فإن الموسوس على حالتين: الحالة الأولى: إن جاءته هذه الوسوسة بعد فراغه من الطواف وانتهائه منه، وخرج من المسجد أو وصل إلى بيته، فجاءه الشيطان؛ فهذا الشك ساقط، والشك بعد العبادة بالوسوسة لا مقام له، كأنه غير موجود؛ لأن هذا حديث النفس، وتسلط الشيطان الذي لا يسلم منه.
الحالة الثانية: وأما إذا كان الشك في أثناء العبادة وهو يطوف حصل عنده شك أهو ستة أم خمسة أشواط، فإنه يبني على الأقل، وحينئذ إذا بنى على الأكثر ننظر فيه: إن كان قريباً وجاء فسألنا بعد الطواف مباشرة نقول له: ارجع وأكمل هذا الشوط السابع.
قال: شككت أهي ستة أشواط أو سبعة؛ فالواجب عليه أن يبني على أنها ستة، فإذا بنى على أنها سبعة أشواط نقول له: ارجع وطف الشوط الأخير؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين، فليبن على واحدة؛ فإن لم يتيقن اثنتين صلى أو ثلاث فليبن على اثنتين؛ فإن لم يدر أثلاث صلى أو أربع فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم) الحديث.
فهذا يدل على أنه ينبغي في العدد أن يبني على الأقل لأنه اليقين، فإذا قال: أنا بنيت على الأكثر خالف السنة والحكم الشرعي؛ فنقول: لا زال عليك شوط.
فإن كان وقت سؤاله قريباً بحيث لا يقطع شرط الموالاة؛ لأن من شروط صحة الطواف بالبيت: أن يكون على طهارة، وأن يتم عدده، وأن يتم الطواف بالبيت، وأن يجعل البيت عن يساره، وأن يستر عورته، وأن يوالي بين الأشواط؛ فإذا كان هناك فاصل: طاف اليوم شوطاً، ثم ذهب فتغدى وتعشى ثم جاء يطوف بقية الأشواط لا يصح! لابد أن يوالي بين الأشواط؛ لأنها عبادة وقعت بالموالاة فلابد منها، فإذا قطع الموالاة لزمه أن يستأنف طوافه، وأن يعيد الطواف تاماً كاملاً.
وهذا مذهب الجمهور ﵏ خلافاً للحنفية الذين يعتدون بأكثر الطواف، ويوجبون عليه دم، يقولون: إذا طاف أربعة أشواط وكان الشك بعد الأربعة وجب عليه دم جبراً لهذا النقص إن شك في التمام.
والصحيح مذهب الجمهور.
وعلى هذا فإنه ينظر: إن كان طواف إفاضة نقول: إذا قطعت التتابع لزمك أن ترجع، ولا يزال في ذمتك هذا الطواف -الركن- ولو رجعت إلى بلدك، ويلزمك أن ترجع ولو بعد سنوات من أجل أن تطوف هذا الطواف الركن الذي أجمع العلماء أنه لا يتم الحج إلا به لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
والله تعالى أعلم.
стр. 104
التفصيل فيمن اعتمر متمتعاً إلى الحج ثم خرج إلى جدة
السؤال
إذا ذهب المتمتع إلى جدة بعد عمرته، فهل يبقى حكمه حكم المتمتع أثابكم الله؟
الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: التمتع يشترط فيه أن يؤدي الإنسان العمرة في أشهر الحج أي: بعد دخول شهر شوال من ليلة العيد، فإذا أدى العمرة بعد دخول شهر شوال وفرغ منها يبقى بمكة إلى أن يحج من ذلك العام، فإذا رجع بعد العمرة نظرنا في رجوعه: فإن كان رجوعه إلى بلده فهو مفرد بإجماع العلماء إلا قولاً شاذاً وهو قول طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس أنه متمتع وإن رجع إلى بلده.
وظاهر القرآن يرد هذا القول، كما ذكر الأئمة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] ومن رجع إلى بلده لم يتمتع بالعمرة، ولذلك يعتبر مفرداً وليس عليه دم التمتع.
وأما إذا رجع إلى غير بلده فإن كان آفاقياً -يعني: من أهل الآفاق من أهل المواقيت- فما فوق، فإنه اختلف فيه العلماء، وأصح الأقوال أن العبرة بمسافة القصر؛ لأنه إذا سافر سفراً بعد عمرته الأولى فقد قطع السفر الأول للعمرة، ولم يتمتع بسفره الأول، وحينئذ يكون مفرداً لا متمتعاً.
وتوضيح ذلك: لو أنه قدم -مثلاً- من المدينة، وأدى العمرة في أشهر الحج، ثم رجع إلى الطائف وأحرم بالحج من الطائف فهو مفرد؛ لأنه في هذه الحالة قطع السفر الأول بالسفر الثاني، ويحرم من ميقات الطائف ويصبح مفرداً.
وأما إذا رجع إلى جدة فهي ليست على مسافة القصر في زماننا، وكانت في القديم على مسافة القصر؛ وعلى هذا فإن رجوعه إلى جدة لا يسقط دم التمتع؛ وأيضاً يتفرع على قولنا: إن جدة ليست على مسافة القصر أن أهل جدة يتمتعون، ويكونون في حكم حاضر المسجد الحرام؛ لأنهم دون مسافة القصر، فإذا تمتعوا لم يلزمهم دم؛ لأنهم من حاضري المسجد الحرام، وهذا هو مذهب طائفة من أئمة العلم ﵏.
وعليه: فإنه من رجع إلى جدة ننظر فيه: إن كان من أهل جدة صار مفرداً، وإذا أراد أن يتمتع يأتي بعمرة ثانية قبل حجه.
وإن كان من غير أهل جدة من الذين هم آفاقيون فإنه حينئذٍ يكون متمتعاً، ورجوعه إلى جدة لا يسقط سفره الأول؛ لأنها ليست مسافة قصر.
وأما إذا كان دون المواقيت مثل أن تكون مسافة بيته وأهله بينها وبين مكة كما بين جدة ومكة فإنه أيضاً مفرد، كما لو كان من الجموم وجاء بعمرة ثم سافر إلى جدة؛ فإنه ليس بمتمتع، وعليه أن يأتي بعمرة ثانية.
والله تعالى أعلم.
стр. 105
وصية لمغترب
لقد اشتدت غربة الدين في هذه الأزمان، وذلك أنه كلما ولى زمن كان الذي بعده شراً منه، ومن العواصم للمسلم من السقوط التذكير والتثبيت.
ومن أعظم أسباب غربة الدين وضعف المسلمين إخلالهم بالعقيدة، وتتجلى أهمية العقيدة وترسيخها في النفوس في دعوة النبي أثناء المرحلة المكية؛ حيث إنها استمرت ثلاث عشرة سنة تثبت العقيدة والتوحيد في قلوب المسلمين وقد نتج عن غربة العقيدة غربة في الأحكام والأخلاق، فلابد من السعي لإصلاح حال المسلمين بالاعتماد على الله والتوكل عليه أولاً، ثم بترتيب الأولويات في حياة أبناء الأمة.
стр. 106
اشتداد غربة الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله العظيم في بداية هذا المجلس المبارك أن يجزي من تسبب فيه خير الجزاء، وأن يشكر مسعى الجميع، وأن يجعل القول خالصاً لوجهه، والعمل موجباً لمحبته ومرضاته.
أيها الأحبة في الله: إن المؤمن كلما بعد زمانه عن عهد النبي ﷺ عظمت غربته، واشتدَّت فتنته ومحنته وبليته، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: (ما من زمانٍ إلا والذي بعده شرٌ منه حتى تقوم الساعة) بدأ هذا الدين غريباً، بدأ بداعية إلى الله، ورسولٍ أحبه الله، فحمل أعباء الرسالة، وقام بواجبات الأمانة، فبلغ الرسالة على أتمِّ الوجوه وأكملها، وأدى الأمانة على أتم الوجوه وأكملها، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين.
بدأ به هذا الدين، ثم انتشر بين الخلق والعالمين، فاستضاءت به الأنوار في المشارق والمغارب؛ ففتح الله به القلوب، وشنف به الأسماع، وطهر به الجوارح من أدناس الجاهلية، وأدران الشرك والوثنية، وصاغ العباد بالطاعة والعبودية والحنيفية، وما زال هذا الدين يسطع نوره، وتشرق تلك الأنوار على مشارق الأرض ومغاربها، حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ، ثم بدأت الفتن والمحن والويلات والآهات، وغير ذلك من النكبات، والفجائع المبكيات، حتى فرقت شمل المسلمين، وقوضت معالم الدين، وأصبح العبد في غربةٍ عن رسالة سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه.
بدأت هذه الغربة، فضعف المسلمون من بعد قوة، وتفرقوا من بعد اجتماع، وخارت قواهم، وتشتت أذهانهم وأفكارهم، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، والله غالبٌ على أمره، ولكنَّ كثيراً من الناس يجهلون ذلك، ولا يعلمون بحكمة الله التي هي من وراء ذلك.
стр. 107
حاجة المسلم مع هذه الغربة إلى التذكير والتثبيت
إن المسلم كلما بعد زمانه عن الوحي، يحتاج إلى من يثبت قلبه، ويربط ذلك القلب الذي آمن بالله بذلك الوحي النير والصراط المستبين، والطريق المبين، حتى يلقى الله جلَّ وعلا وهو راضٍ عنه، لكن تحقيق هذه الأمنية العظيمة، وتحقيق هذه الغاية الجميلة الكريمة، يحتاج إلى الجد والصدق والإخلاص في العبودية لله .
وجميع نكبات المسلمين، وفجائعهم المبكية المحزنة، إنما تعود لسبب واحد هو أساس الأسباب، وهو منشأ الدمار والخراب، ألا وهو: البعد عن الدين.
стр. 108
أهم أسباب غربة الدين وضعف المسلمين
فبُعد الناس عن دين الله ؛ بعدٌ عن حياتهم، وبعد المسلمين عن كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، هو بعدٌ عن سعادتهم وعزهم، وبعدٌ عن كرامتهم، بعدهم عن خير دينهم ودنياهم وآخرتهم، وأعظم ما وقع للمسلمين من بعدٍ، وأجل وأشد ما وقع منهم؛ الإخلال بالتوحيد، وبالإيمان، والعقيدة.
لما تساهل المسلمون في هذا الأصل العظيم، وأصبحت معالم الحنيفية مندثرةٌ منطمسةٌ في ديار كثيرٍ من المسلمين، حينئذٍ سلَّط الله على العباد أنواع البلاء، وأراهم صنوف الشدة واللأواء والعناء، ونسأل الله أن يلطف بالعباد.
стр. 109
أهمية التمسك بكلمة التوحيد
الإسلام يقوم على الإخلاص، يقوم على رسالة الأنبياء والرسل "لا إله إلا الله"، والأمة متى عرفت هذه الكلمة وجعلتها نصب عينها؛ فإنها تكون قويةً عزيزةً، مستميتةً من أجل الحق وللحق، ولكن إذا ضعفت صلتها بالله، فأصبحت في غربة عن هذا الأصل العظيم، وفي حيرة عن تحقيق هذا الهدف الجليل الكريم -وهو إخلاص العبودية لله فتح الله عليها أبواب البلاء، وأصبحت مع أعداء الله في كفة واحدة؛ لأنه لا فرق بين المسلم والكافر إلا بتحقيق هذه الكلمة، وهي لا إله إلا الله، وانظر في عصور المسلمين، ودهور المؤمنين، فلن تجد عصراً رفعت فيه راية الإسلام، وعاشت الأمة فيه بعزٍ وكرامةٍ وسلامٍ، إلا وجدتها مؤمنةً حقاً، مخلصةً لربها صدقا، ولن تجد عصراً تفرق فيه شملها، وتبددت جموعها، وخارت قواها إلا وجدتها تستغيث بغير الله، وتستجير بأحد العداة، قد تعلقت بغير الله، من شهواتٍ وشبهاتٍ وملهياتٍ وغير ذلك مما حرم الله ، فلما نسيت الأمة هذا الأصل العظيم فتح الله عليها أبواب البلاء.
والسعادة، والفلاح، والنجاح، والربح، والصلاح لهذه الأمة والقاعدة التي ينبغي أن تشيد، والأساس الذي ينبغي أن يُبنى، والدعوة التي ينبغي أن يركز عليها، وأن يُدعى إليها، هي تحقيق كلمة التوحيد "لا إله إلا الله".
فمتى كانت الأمة على هذا الأصل العظيم، صافية عقائدها من الشوائب، نقية لربها في النكبات والنوائب، لا تدعو غيره، ولا تستجير بأحدٍ عداه، فأنعم بها من أمة! إذا أصبح المؤمن إن أصابته السراء شكر ربه، واعترف بالجميل لله، لا لأحدٍ سواه، وإن أصابته ضراء نصب وجهه لله، لا لأحدٍ سواه، فكيف يكون حاله؟ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ومن يتوكل على الله هذا الشرط -الإيمان، التوحيد، العقيدة- والجزاء؛ فهو حسبه، وقائمٌ بأمره، وإذا كفى ربك عبداً فكيف يكون حاله؟ كفى بالله إذا كفى عباده وكفى خلقه، فقد كفى أنبياءه ورسله وكفى خيار عباده الصالحين، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] تكفل الله لمن حقق الإيمان (رسلنا) أي: رسلنا بالتوحيد، (والذين آمنوا) ما قال: والناس، (والذين آمنوا) أهل العقيدة، أهل الإيمان، ما قال المسلمون، بل قال: الذين آمنوا، أي: الذين حققوا هذه الكلمة وطبقوها؛ فلذلك كانت دعوة النبي ﷺ في تربية الأمة، وفي توجيهها، وفي تسديدها، وفي دلالتها على الخير، تقوم على هذه الكلمة، على "لا إله إلا الله".
كانت شئون المسلمين بينهم وبين الله في العقيدة، كانت شئون المسلمين في السراء، وفي الضراء، في الرفعة، وفي المهانة كلها بهذه الكلمة، فكانت شئونهم بينهم وبين الله في "لا إله إلا الله،" لا يمكن للواحد منهم أن يصرف حقاً لله لأحدٍ سواه؛ فكانت أمورهم بينهم وبين الله صالحة.
أما شئونهم بينهم وبين العباد فكانت بهذه الكلمة، بها يأخذون، وبها يعطون، وبها يوالون، وبها يعادون، وبها ينتصرون، وبها يُنصرون.
هذه الكلمة أحبوا بها في الله، وكان إذا لقي الرجل منهم أخاه قال: [تعال بنا نؤمن ساعة]، نؤمن: أي الإيمان العقيدة التوحيد.
وكان كل واحدٍ منهم إذا لقي أخاه، شد من أزره؛ لكي يحقق الإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أي: بـ (لا إله إلا الله)، قال بعض العلماء: (الحق هو "لا إله إلا الله") و"َتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" أي: بالصبر على هذا الحق، وهو تحقيق هذه الكلمة، فكانت شئونهم مع الناس بهذه الكلمة.
ولما أصبح ميزانهم هو هذه الكلمة، قربوا الغريب عنهم بالإيمان، وأبعدوا القريب منهم بالكفران، فكان الرجل يعادي أباه، ويعادي أمه، ويعادي أبناءه، ويعادي زوجه وعشيرته، من أجل "لا إله إلا الله"، تهون الدنيا -كلها- بأسرها إذا مسَّت كرامة هذه الكلمة، وكان الميزان للحب والعداء، والبغض والولاء في "لا إله إلا الله"، فكلما وجدت المسلم تدور أشجانه وأحزانه مع هذه الكلمة كلما وجدته منغمساً في نعيم السعادة الأبدية، وإذا كانت هذه الكلمة لا تُسعد صاحبها، فمن هو السعيد؟؟ إنها الكلمة التي عليها قامت السماوات والأرض، وعنها سيكون السؤال، ومن أجلها سيكون السؤال والحساب والعرض، بل من أجلها خلقت الخلائق، ومن أجلها كان الليل والنهار، والشمس والقمر، والأفلاك كلها من أجل "لا إله إلا الله"، فكلما جئنا في أي زمان ننظر إلى مشاكل المسلمين، وهمومهم، وغمومهم، أول ما ينبغي أن يصب عليه حديثنا، وأن تلتفت إليه أنظارنا، وأن يعتني به المصلحون، وأن يركز عليه الدعاة المهتدون الموفقون، تحقيق "لا إله إلا الله".
ثلاث عشرة سنة والقرآن في مكة يدعو إليها، ويحققها، ويغرسها في القلوب؛ حتى إذا تمكنت هذه الكلمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، جاءت معركة بدر وأحد والأحزاب، ومواقف الإسلام والكفر أولاً، غرس الإيمان؛ ولذلك إذا غُرس الإيمان في القلوب، تفجرت ينابيع الحكم، وتبددت دياجير الظلم، ووجدْت صاحبه على ثبات وقوة وإيمان، تجد أهل هذه الكلمة إذا أخلصوا لله ، نالوا بها عز الدنيا والآخرة، هذه الكلمة تطهر القلوب، وتزكي الأعمال، تجد صاحبها على أكمل ما أنت راءٍ من إسلامٍ وصدق، بالإخلاص، بتوحيد الله وإخلاص العمل لله، قال شيخ الإسلام ﵀ كلمة نفيسة، قال ﵀: (بل إخلاص الدين لله، هو الدين الذي لا يقبل الله سواه).
أي: إذا جئت تعبد الله ، فاعلم أن أساس العبادة والديانة هو "لا إله إلا الله"، الإخلاص، الخلوص والصفاء والنقاء في القلوب لله ﷻ .
فإذا كان الإنسان متعلقاً بالله ، طهر قلبه، ولذلك وصف الله الشرك بالدنس والقذر ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] اجتنبوه، أي: ابتعدوا عنه، فهو دنس الحس والمعنى.
كذلك -أيضاً- تزكو بهذه الكلمة أخلاق المؤمنين، ولذلك تجد الإنسان أعف ما يكون عن حدود الله حينما يمتلئ قلبه بالإيمان بالله .
والإيمان باليوم الآخر أساس من أساسيات "لا إله إلا الله"، وهو ركن من أركان الإيمان، فإذا امتلأ قلب الإنسان إيماناً بالله واليوم الآخر، هل يسرق؟ هل يزني؟ هل يقتل؟ هل يشرب الخمر؟ أبداً، إذا كان الإنسان يشاهد الآخرة بين عينيه، وجدته أخوف ما يكون لله، وأتقى ما يكون له، ولذلك تزكو به الأعمال، وكلما وجدت الإنسان يخل في شهوة أو شبهة؛ فاعلم أن وراء ذلك إخلالاً بهذه الكلمة، ونقصاً في العبودية لله ، وإلا لو كمل خوفه من الله، وخشيته لله، وتوحيده له، ما كان منه شيءٌ من ذلك.
فالمقصود: أنه ينبغي العناية بهذا الأصل، وغرسه في القلوب والدلالة عليه، وتحبيبه إلى النفوس، وتقريب القلوب إليه، ولا شك أنها دعوة الرسل (ما بعث الله نبياً ولا رسولاً إلا كانت كلمته الأولى: قولوا لا إله إلا الله) ولذلك إذا وجدت الإنسان يحرص عليه، وجدته أثبت الناس قلباً، وأخلصهم منهجاً، وأصفاهم مشرباً، وأكثرهم صدقاً في العبودية لله ، بسبب العناية بهذا الأصل العظيم.
стр. 110
غربة الأحكام والأخلاق والآداب
ثم للمسلمين غربة في أخلاقهم، وآدابهم وأحكامهم، فأول غربة وقعت للمسلمين، غربة العقيدة، ثم بعدها غربة الأحكام، فتجد الإنسان يصلي كيف يشاء، ولربما تأتي تنصح الرجل فتقول له: يا أخي! ما هذا الفعل الذي تفعله في صلاتك؟! فيقول: ليس هذا من شأنك، دعني أصلي كيف أشاء، غربة الأحكام ابتدأت بالصلاة التي هي عماد الدين، فهو يخرج إلى المسجد متى شاء، ويحضر الجماعة إن شاء وإن لم يشأ لم يحضر.
وكذلك أيضاً يُخل بطهوره وبغسله، وباستنجائه، وبغير ذلك مما أوجب الله عليه أن يحفظه، وهي أمانة حمَّلها الله العبد.
ثم غربته في زكاته، فيحرمها الفقراء، والعجيب أنك قد تجده يزكي، ولكن يزكي كيف يشاء، لا كما أمر الله ، فتجده يعطي الزكاة لمن هب ودب، فإذا قلت له: يا أخي! ما هذا الذي تفعل؟ قال لك: أفعل ما أشاء، هذا مالي، وأنا حرٌ فيه.
وإذا قلت له: لا يجوز، ادفعها إلى الفقير أو إلى المسكين.
يقول: لا، هذا مالي، وأفعل به ما أشاء.
فأصبح في غربةٍ من أحكامه، في غربة من صيامه من حجه من معاملاته البيع والشراء الحلال: ما حل في يده، والحرام: ما لم يحل في تلك اليد يتبايع كيف يشاء إذا جئته في أي مسألة من الأحكام تقول له: افعل كذا، أو لا تفعل، أو العلماء يقولون: لا يجوز أو كذا.
يقول: لا، افعل ما أشاء، ولا تحجِّر عليَّ واسعاً.
إذاً المشكلة الرئيسية في قضايا المسلمين: الغربة؛ غربة العقيدة، وغربة الأحكام، وغربة الآداب.
الإسلام فيه الآداب الكريمة، والأخلاق العظيمة، التي ملكت بها القلوب، ومن أعظمها وأجلها وأساسها، الأمانة، ابحث عن مؤمنٍ أمين، قلَّ أن تجد، أو مسلم أمين، قل أن تجد، حتى أخبر النبي ﷺ (أنه تقبض الأمانة من القلوب -نسأل الله السلامة والعافية- ولا يبقى إلا أثرها، كجمرٍ دحرجته على قدمك).
فإذاً قبضت الأمانة من المسلمين -إلا من رحم الله- فتجده يدخل في وظيفته، يتساهل في ساعات العمل يتساهل في أخذ الرشوة يتساهل في أخذ حقوق الناس يؤخر هذا يعد هذا ويخلف ساعات العمل عنده للقيل والقال والزيارات، وكأن مكتب عمله بيته، أو مكانه، يفعل فيه ما يشاء، لماذا؟! غربة، لا يوجد دين يحكم المسلم في أخلاقه، وفي تعامله؛ ولذلك لما أخل المسلم بالأمانة، حقر حتى في عين عدوه، فترى المسلمين ضائعةً أماناتهم، مفرطين في حقوق الناس، لا يبالون بمشاعر الناس، قد يأتي الكبير الشائب الذي وصى النبي ﷺ باحترامه وإجلاله، فيأتيه ذاك المتسمي بالإسلام، لا يرحم شيبته، ولا يرحم ضعفه، فيرفع عليه صوته، ويجهل عليه في الكلام، ويعده الوعود الكاذبة، ويمنيه الأماني الباطلة، أين الدين؟! إذاً: لما آل حال المسلمين إلى هذا، أصبحت أمور المسلمين إلى وبال، وساء بهم الحال، ولا فرق بينهم وبين أعدائهم، بل إنك قد تجد بعض الأعداء في بعض الأمور، يفوقون المسلمين، فتجد بعض المسلمين يعامل الكفار، فتقول له: لماذا تعاملهم؟ يقول: هؤلاء إذا وعدوا وفَّوا، وإذا قالوا صدقوا.
سبحان الله! نحن أحق بهذا منهم، أثر عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه لما أتي بكنوز كسرى، ووضعت في مسجد النبي ﷺ ، غطيت، حتى إن المسجد تلألأ من كثرة الكنوز والأموال: ذهب وجواهر ونفائس؛ تلألأ المسجد في شدة الظلام من كثرة الأموال، فلما دخل عمر إلى صلاة الفجر، ورأى ذلك، بكى، قالوا: يا أمير المؤمنين! ما يبكيك في يومٍ أعز الله فيه الإسلام والمسلمين؟ قال: [إن أناساً أدوا هذا لأمناء].
كان الصحابي يسير على بعيره في الفلوات، معه كنوز كسرى، وهو في الفلاة يستطيع أن يسرقها، ويستطيع أن ينقص منها، أو أن يذهب بها يميناً أو يساراً، أو يدفنها في مكان، لكن يذكر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَ﴾ [آل عمران:١٦١] فيخاف الله .
إذاً كان الإسلام عقيدة، وحكماً من ناحية الأحكام، وأدباً من ناحية التعامل والتعاشر، والمسلم بهذه الثلاث الأمور: عقيدة، أحكام، آداب.
فإذاً: لا ننظر إلى أي واقع للمسلمين أو مشاكل لهم إلا من خلال هذه الثلاثة الأمور: العقيدة، الأحكام، الآداب.
وأي مجتمع نريد أن ننظر فيه، أو أي مجتمع نريد أن نقيمه، وهو يتسمى بالإسلام أياً كان، في أي زمان أو في أي مكان، ينبغي أن ينظر إلى هذه الأسس الثلاثة، أين هو من عقيدته، وأحكامه، وآدابه؟ انظر إلى كثيرٍ من بلاد المسلمين، تدخل إلى بعض مساجده؛ فتجد المشاهد، وتجد القبور يُطاف بها كما يُطاف ببيت الله ! ويستغاث بأصحابها كما يُستغاث بالله ! ويستجار بهم كما يستجار بالله أو أشد من ذلك! فأين الإيمان؟! حتى إنك لو دخلت في بعض الأماكن تبكي على الإسلام بين أهله، وترثي للإسلام بين حزبه.
فلذلك نحن بحاجة إلى إعادة النظر في عقائدنا، وتصفيتها وتخليصها لربنا ونقائها من الشوائب، وإعادة النظر في تعاملنا ومعاشرة بعضنا لبعض؛ البيع والشراء، الأخذ والعطاء، العبادات، المعاملات، نقيمها على كتاب الله، وسنة النبي ﷺ .
الأمر الثالث: الآداب، نريد إسلاماً يظهر من خلال المسلمين، لا من خلال الكلمات ولا الندوات، ولا المحاضرات ولا الشعارات، ولا الرسائل ولا المجلات، نريد إسلاماً يظهر من خلال التعامل، خاصةً في البلاد التي يكون فيها أقليات مسلمة، يكون الإسلام معروفاً بأخلاق المسلمين، وليس برسائلهم ولا بمجلاتهم ولا بمقالاتهم، لكن بتعاملهم، فلذلك يحرص المسلم على أنه يتعامل بحذر، لكي يعطي الصورة السامية الزاكية التي تظهر الإسلام بصورته الحقيقية.
следующие страницы →