Полный текст (1 035 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
رسالة إلى الدعاة
الدعوة إلى الله من أشرف المقامات وأعلى المنازل، حيث إن الداعي إلى الله هو أحب العباد إليه، وقوله هو أطيب القول لديه، والدعوة مرتبطة بالعلم ارتباطاً وثيقاً، بل يعتبر العلم أول لبنة تبنى عليها الدعوة، فإنْ توفَّر العلم وجب التزام العمل، وفي هذا الطريق الطويل يجب على الداعية التزام أمور وخصال تعينه على الاستمرار والثبات، وهذه الخصال مذكور كثير منها في هذه المحاضرة.
стр. 177
شرف الدعوة إلى الله وعلو منزلتها
الحمد لله الذي اصطفى العلماء العاملين والأئمة المهتدين فجعلهم حملة لهذا الدين، وشعلة نور يستهدي بها من أراد رضا رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم المبارك إلى يوم الدين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأسأل الله العظيم أن يبارك لنا في هذا المجلس المبارك، وأن يجزي إخواننا الذين تسببوا فيه كل خير بما صنعوا.
إخواني في الله: أشرف المقامات وأعلى المنازل في هذه الحياة ذلك المقام لذلك الداعية، وذلك العالِم العامل الرباني، الذي اصطفاه الله لدينه فصقل قلبه وصقلت قلبه روحانية الكتاب والسنة، ففقه عن الله دينه وعلم عن الله شرعه، فسار على هدى من الله، ونور من الله يهدي عباد الله إلى الله، ذلك العالِم الذي نور الله بصيرته ونور بهدايته الخلق، الذي ما إن تكلم حتى تفجرت ينابيع الحكمة من لسانه، وإذا أبان تفجرت ينابيع الحكمة من بيانه، عالِم وداعية نور الله قلبه، وهادية نور الله بصيرته.
إنها النعمة التي اختص الله لها رجالاً واصطفى لها رجالاً هم صفوته من خلقه، فصفوة العباد من عباد الله هم المطيعون لله، وصفوة أولئك المطيعين هم العلماء الربانيون الذين تعلموا وعملوا وعلّموا، وقد أشار النبي ﷺ إلى فضلهم فقال ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فمن تعلم كتاب الله وعلم بما فيه من آيات الله وانشرح صدره لهداية العباد به إلى الله فهو خير العباد عند الله.
وإذا أردت أن تعرف مقام الإنسان عند الله فانظر إلى علمه وعمله واجتهاده في الدعوة إلى الله، إذا علم هذا الأصل وهو أن أحب العباد إلى الله هم ورثة أنبياء الله، العلماء العاملون والهداة الربانيون الذين علموا فكانوا قدوة في العلم جداً واجتهاداً ومثابرةً وتحصيلاً وأخذاً للعلم عن أهله، وحفاظاً على الوقت، وحفاظاً على الزمان، وحرصاً على الفائدة، وفرحاً بها وتأدباً بأخلاق أهلها الذين يريدون وجه الله والدار الآخرة، ثم اجتهدوا بعد ذلك في العمل بالعلم فما إن تعلموا سنة حتى طبقوها والتزموها وكانوا أسبق الناس إلى العمل بها والتزامها، فأصبحت أقوالهم وأفعالهم تسير مع العلم الذي علموه، وتسير مع الفهم الذي أوتوه، وقد أشار الله تعالى إلى أنه لا فلاح للعالِم إلا بالعمل فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] فمن أبأس ما يكون أن يكون العالِم بعيداً بعلمه -والعياذ بالله-.
стр. 178
مراتب الناس في العلم والدعوة
إذا علم فضل العلم، وأن الله اصطفى أهله واجتبى أهله، فينبغي أن يعلم أن الناس في هذه النعمة على مراتب: فمنهم مستكثر ومنهم مستقل، ومنهم ذلك العالِم الذي نزل إلى أعماق العلم وأخذ من المعين الصافي فلم يشبع من ري، وارتوى حتى نضحت أضلاعه مما روى محبة لله وطلباً لرحمة الله، ومنهم من هو أقل ودون ذلك وصدق الله إذ أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
لذلك -أحبتي في الله- إذا أراد الإنسان الخير وأراد السعادة والفلاح فليجند نفسه لكي يكون من العلماء والهداة والدعاة إلى الله، فالعلم إذا كان نعمة من الله فينبغي للإنسان أن يستكثر من هذه النعمة، وأن لا يستقل عطية الله فيها، وكل واحد منا إذا تعلم أي سنة وعلم أي حكم من الشرع فليعلم أنه طالب علم، وأن طلب العلم لا يقتصر على الجلوس في حلق العلماء فقط بمعنى: أن يكون الإنسان مداوماً مداومةً كاملة بل كل عالِم بقدر ما علم، وقد كان أصحاب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عنهم أجمعين يجلسون مع النبي ﷺ المجلس الواحد، ثم ينطلقون دعاة وهداة إلى الله، فلذلك كل واحد علم أي حكم أو أي سنة فليعلم أن الله شرفه بطلب العلم.
стр. 179
طلب العلم والدعوة ليس مقصوراً على طائفة معينة
الإنسان إذا أراد أن يسلك هذا السبيل يأتيه الشيطان من كل فج ومن كل صوب، يأتيك ويقول لك مثبطاً ومخذلاً: من أنت حتى تكون عالماً؟ ومن أنت حتى تكون طالب علم؟ ومن أنت ومن أنت؟ فما أبوك بعالِم ولا أنت من بيت علم إلى آخر ما يقوله عدو الله، فينبغي للمؤمن أن تكون همته عالية وأن تكون نفسه أبية تنافس في طاعة الله، وتسابق في مرضاة الله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
إن العلم ليس حجراً على أحد، وطلب العلم ليس حكراً على قوم معينين، ولا على طائفة معينة، ولا على قبيلة بعينها، ولا على جنس معين، طلب العلم إنما هو منحة من الله لعباد الله، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩].
هو المعلم وهو المفهم وهو الهادي إلى سواء السبيل، فإياك أن يثبطك الشيطان عن طلب العلم، وإذا وفق الله لك في البلدة أو المدينة التي أنت بها ووجدت فيها رجلاً من أهل العلم فاحتسب عند الله بخطواتك إليه، واحتسب عند الله جلوسك في مجلسه، واحتسب عند الله بإنصاتك لحديثه وعملك بما يقول، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
فينبغي لنا إذا كنا في أي مكان وتيسر وجود العالِم ألا نقصر في غشيان حلق العلم، الله الله أن توجد تلك الحلقة ويسبقك غيرك إليها فتكون أدنى منزلةً عند الله؛ لأنك إذا كنت بين قوم يطلبون العلم وأنت متقاعس عن طلب العلم فهذا زهد في الخير ونقصان في الأجر -والعياذ بالله-، ولذلك قال بعض السلف يوصي ابنه: إياك أن تعرض عن العالِم، فإنك إن أعرضت كان الضرر عليك ولم تضر العالِم شيئاً.
فالعالِم لا يضره إعراض المعرضين وإنما يستضر من أعرض عن العالِم، قال الجد رحمة الله عليه: ومن صد عنا بحسبه اللوم والقلى ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته فالمقصود: أنه ينبغي لك أن تشمر عن ساعد الجد في طلب العلم.
стр. 180
أهمية العمل بالعلم وتطبيقه والدعوة إليه
لا تتعلم أي سنة أو أي علم إلا طبقته ولو مرة واحدة، سمعت عن آية فيها ذكر لله طبقها ولو مرة، سمعت عن حديث فيه ذكر عند القيام عند القعود عند النوم عند المساء عند الصباح طبقه ولو يوماً واحداً، التزم بالسنة، فإن الإنسان إذا عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، فالعمل بركة العلم، ولذلك قال السلف: هتف العلم بالعمل فإن أجابه ولا ارتحل فينبغي لك أن تقدم على العمل هذه المرحلة الأولى.
والمرحلة الثانية: العمل بالعلم.
وينبغي للإنسان أن يستكثر من هذا العمل، فإن الإنسان قد يتعلم السنة الواحدة يبلغ بها درجةً عند الله ومغفرة.
стр. 181
أهمية الدعوة إلى الله
أما الأمر الثالث وهي المرحلة التي يدور عليها الحديث: قضية الدعوة إلى الله.
فبعد أن تعلم وتعمل تنطلق مشعل نور ورحمة وهداية في مجتمعك، تنطلق هادياً إلى الله وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً بين قومك وأهلك، حتى تتشرف فتكون وارثاً للنبي ﷺ ، حتى تتشرف ويثقل ميزانك بحسنات أقوام هديتهم إلى الله، حتى تتشرف فتقيم حجة الله على عباد الله، فأعلى مقام للعبد مقام الدعوة إلى الله، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المقام الشريف والمنصب المنيف بقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] و (مَن) هنا بمعنى: لا، أي: ولا أحسن قولاً ممن دعا إلى الله.
فما أطيبها من كلمات عند الله حينما تذكر بها عباد الله! وما أسعدها من لحظات حينما تجلس بين قوم تهدي قلوبهم إلى الله! فليحتسب كل واحد منا أن يقوم بهذا الواجب، وهذا الواجب لا يقتصر على قوم معينين، بل واجب الدعوة إلى الله أمانة في عنق كل واحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، الدعوة إلى الله واجب على كل أحد، حتى إن الإنسان العامي من المسلمين تجب عليه الدعوة بمقدار ما علم، فلو مر على إنسان يعبد غير الله لا يقول أنا عامي فإن الدعوة إلى توحيد الله ونبذ ما يعبد من دون الله واضحة لا تحتاج إلى كثرة علم، وهناك أمور خاصة كمعرفة الأحكام والشرائع فالدعوة إليها خاصة بأهل العلم، ولكن هناك دعوة عامة وهي الدعوة إلى أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، وإقامة حجة الله على خلقه أجمعين، وهي التي وردت فيها الآيات العامة، ثم يليها الدعوة إلى ترك المحرمات والفواحش والمنكرات.
فما حَيَّتْ الأمة إلا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ماتت القلوب ولا هانت الأمة إلا حينما أضاعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولن تجد الأمة في زمان سما مكانها وعز بين العباد شأنها إلا وجدتها أحرص ما تكون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو نظرت إلى زمان من عصور الإسلام الزاهرة وأزمنته الغابرة التي كانت فيها في عز ومجد ورفعة، لو قرأت التراجم وجدت تلك الأمة التي كانت تعتصر قلوبها غيرة على الدين، وجدت الصغير يغار على الدين قبل الكبير، ووجدت القلوب تتمعر لله، ووجدت الألسن تهدي إلى الله وتدعو إلى الله، فلما كانت الأمة بهذا الحال صلحت أحوالها وعظم عند الله مكانها وعز بين الخلق شأنها.
فالمقصود أن الإنسان ينبغي له أن يقوم بهذا الواجب، فلو مر إنسان على إنسان يعصي الله في كبيرة من الكبائر أو صغيرة من الصغائر لا يقول: أنا لست بعالِم، بل هذه الكبيرة أو هذه الصغيرة يستوي في النهي عنها الصغير والكبير، ليس الأمر بعسير على إنسان تراه يشرب حراماً أن تقول له: اتق الله يا هذا، اتق الله فيما تشرب، أو ترى إنساناً يأكل حراماً تقول له: اتق الله فيما تأكل، أو ترى إنساناً ينتهك حرمةً لله ليس بالصعب أن تذكره بالله، فلربما كلمة تكلمت بها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تلق لها بالاً كتب الله لك بها رضواناً لا سخط بعده، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضاه إلى يوم يلقاه)، تمر عليه وتقول له: اتق الله! بقلب يتمزق غيرةً على دين الله، يكتب الله لك بها رضاً لا سخط بعده.
فالله الله في هذا الواجب العظيم، الله الله في رسالة أفضل الأنبياء والمرسلين، إذا تخاذلنا عن هذا الدين، من الذي يقوم به؟! وإذا تقاعسنا ولم تكن عندنا غيرة على هذا الدين، من الذي يغار على سنة سيد المرسلين وإمام المتقين صلوات الله وسلامه عليه؟! والخوف كل الخوف أننا إذا تقاعسنا، سيبدل الله من هو خير منا، سيبدل الأمة بمن هو أفضل منا، والله إذا تقاعس طلاب العلم أورث الله الأمة طلاب علم صادقين خيراً ممن تقاعس، وإذا تقاعس العلماء أبدل الله علماء ربانيين خيراً ممن تقاعس ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] فالله الله أن يستبدل الله بنا قوماً ولا نضره شيئاً، فينبغي للإنسان أن يحيي هذا الواجب في قلبه وأن يحيي هذا الفرض في نفسه وأن ينطلق مشعل هداية.
стр. 182
كيف يؤهل الإنسان نفسه للدعوة ؟
أما النقطة الأخيرة من
السؤال
فكيف يؤهل الإنسان نفسه للدعوة؟
стр. 183
الأمور التي يجب أن تكون قبل الدعوة وأثناءها
يؤهلها أولاً: بالعلم.
هناك أمور يجب أن توجد قبل الدعوة، وهناك أمور ينبغي أن توجد أثناء الدعوة، وهناك أمور ينبغي أن توجد بعد الدعوة؛ أما الذي يسبق الدعوة فعلم عن الله وفقه عن الله وبصيرة في دين الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] ليس عن عمى، ولا عن غي وهوى، ولكنه على سبيل الطاعة والهدى، أما الذي يكون مع العلم وأثناء العلم فتلك الآداب الطيبة والأسلوب اللين الذي يؤثر في القلوب ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
فالإنسان يبتدئ بالأسلوب الطيب، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها: (كان أول ما أنزل على رسول الله ﷺ آيات فيها ذكر الجنة والنار، ولو نزل لا تسرقوا لا تشربوا الخمر ما آمن أحد).
أولاً: تأليف القلوب بأسلوب الحكمة، وباللين، وبالموعظة الحسنة، فإذا جاء إنسان لإنسان عاصٍ أحس أنه أمام إنسان غريق، أحس أنه أمام إنسان يحتاج إلى من ينقذه، ولا ينظر إليه على أنه إنسان عدو بمعنى: أن يسيء له في الخطاب والأسلوب الذي يوجب نفرته، فلذلك ينبغي للإنسان أن يراعي الأسلوب الطيب في الدعوة، فهذا رسول الله ﷺ إمام المتقين وقدوة الدعاة المهتدين كيف كانت أساليبه؟! كان يغزو القلوب بحسن خلقه قبل أن يغزو العقول بأفكاره ومبادئه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت الكلمة إذا خرجت منه خرجت بعد أن تمهدت القلوب لسماعها، وبعد أن طابت القلوب لوعيها، فينبغي للإنسان أن يترسم سبيله، وأن يسير على طريقه، وأن يكون أسلوبه أثناء الدعوة أسلوباً طيباً، حكيماً جذاباً رقيقاً رفيقاً.
стр. 184
الأمور التي تنبغي على الداعية بعد الدعوة
أما ما ينبغي على الداعية بعد الدعوة فهناك أمور: منها أنه لا يخلو من حالتين: إما أن تستجاب دعوته، وإما أن ترد دعوته، فإن استجيب لدعوتك ووقعت في موقعها فالله الله في الإخلاص، الله الله أن يدخلك الغرور بالنفس، فكم من داعية هلك بسبب الغرور، وكم من ناصح هلك بسبب الغرور، وكم من عالِم أهلكه الله بغروره بعلمه، فلا تعتقد أن الناس تأثرت بأسلوبك وبلاغتك، ولكن للقلوب مفاتيح ربانية وهبات إلهية ومنح من الله يتفضل بها على من يشاء، هو الهادي إلى سواء السبيل، وهو الذي يشرح الصدور بفضله وينورها بكرمه، وليس الفضل لأحد، بل الفضل كله لله وحده لا شريك له، وأصدق شاهد على ذلك نبي الله نوح، ونبي الله لوط، نبي قام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ما استطاع أن يهدي زوجته وكانت من أهل النار، فدل هذا أننا لا نملك لأنفسنا فضلاً عن أن نملك لغيرنا شيئاً، فينبغي للداعية ألا يغتر بأسلوبه.
الأمر الثاني: أنه ينبغي عليه إذا وجد القبول أن يحرص على سقي تلك البذرة الطيبة، فإذا وجد القلب استجاب له لان له أكثر وتوطأ له أكثر واقترب منه أكثر وأعطاهم من الود والمحبة أكثر مما كان عليه، هذا صنيع من يغار على الدين ويريد أن يهدي عباد الله إلى رب العالمين، تنزل نفسك للعباد إذا وجدت الاستجابة والقبول بنفس طيبة ونفس منشرحة ترجو بذلك رحمة الله، وتطمع في رضوان الله وعفو الله .
أما الأمر الثاني أيضاً مما يترتب على الإنسان بعد الدعوة وهي الحالة الثانية: إذا نفر الناس من موعظتك وأعرضوا عن كلمتك وجفت لدعوتك فماذا تصنع؟! أولاً: عليك بالدعاء أن يشرح الله صدورهم وأن ينور قلوبهم، وأن يحسن الاستجابة منهم.
ثانياً: إياك أن تقنط، فإن الشيطان حريص على إبعادك منهم.
ثالثاً: ربما أن الله -لحكمة- لا يجعل أذناً تصغي لموعظتك؛ لعلمه أن ذلك أعظم في أجرك وأثقل في ميزانك وأرفع لدرجتك، يكون معك زميل في العمل أو يكون معك جار بجوار البيت تدعوه فلا يستجيب وتذكره فلا يجيب، وهكذا اليوم ثم الغد ثم بعد الغد وهكذا، وإذا بتلك الكلمات تمر عليك سنة كاملة وأنت تنصح وما تدري كم لك من الحسنات في تلك النصائح، ولربما أنه لو استجاب من أول مرة ما فزت بتلك الدرجات، فلله حكمة في إعراض الخلق عنك، فإن نوحاً ﵊ مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً وما قنط إلا في الأخير حينما قال: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٧] فقامت الدلائل على أن لاّ منفعة فيهم، فقنط منهم ويئس من دعوتهم، فالمقصود أن الإنسان لا ينبغي له أن يقنط أو ييئس من دعوته، وهناك أمور ينبغي عليه أن يراعيها إذا حصلت الإساءة من الغير: وهي مقابلة الإساءة بالإحسان، فإذا وجدت من الناس أذية في دعوتك وتهمة في كلمتك وسوء ظن بمنهجك فلا تلتفت إلى ذلك، وإنما علق الأمل بالله، ولا ترد السوء بالسوء فإن خُلُقَ أنبياء الله والدعوة إلى الله أن يردوا السوء ولا يردوا عليه بسوء ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف:٦٦] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف:٦٧] كان بإمكانه أن يقول لهم: أنتم السفهاء، ولكن انظر إلى أسلوب الأدب الإلهي الذي أدب به أنبياءه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف:٦٧] فالمقصود أن يبتعد الإنسان عن الخنا وعن الكلمات التي لا خير فيها، وعن تنفير العباد بسوء أسلوبه، وفي الحقيقة أنني لا أحب أن أسترسل في هذا الموضوع وهو موضوع من الأهمية بمكان، ولكن نظراً لضيق الوقت أقتصر على هذا، وأرجو من الله تعالى أن يضع فيه البركة، فقليل مع البركة خير من كثير لا بركة فيه، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 185
الأسئلة
стр. 186
حكم قول الصحابي
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إن قول الصحابي ليس بحجة؟
الجواب
إذا ورد القول عن الصحابي لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، كإخبار عن علم بالغيب من أمور القبر أو البرزخ.
فهذه أمور غيبية سمعية مثلها لا يقوله الصحابي باجتهاد منه، فهذا يسميه العلماء الموقوف لفظاً المرفوع حكماً، وهو حجة؛ لأن الصحابة كان عندهم ورع، ما كانوا يتكلمون في هذه المسائل إلا بدليل، فهذه حالة، وهي إذا كانت المسألة مما تحتاج إلى نص ودليل.
الحالة الثانية: أن تكون من المسائل التي فيها رأي واجتهاد، فلا يخلو قول الصحابي من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون قوله موافقاً للنص، فحينئذٍ لا إشكال أن قوله حجة، فالأصل في تلك الحجة التي وردت هو السنة التي اعتبرها الصحابي.
والحالة الثانية: أن يخالف قوله السنة، ويعتذر له بعدم بلوغ السنة له، أو نسيانه للسنة، كما ورد في فتوى أبي هريرة ﵁ حينما روى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً وأفتى بالثلاث، فإن العبرة بما روى لا بما أفتى كما يقول العلماء، وهو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة أن الصحابي: إذا روى وخالف قوله ما روى عُمل بما روى لا بما أفتى، ومن أمثلته أيضاً، قول ابن عباس: "إن المرأة إذا ارتدت لا تقتل"، وقد روى حديث رسول الله ﷺ : (مَن بدل دينه فاقتلوه) فإن (مَن) مِن صيغ العموم تشمل الذكر والأنثى، فقوله في هذا مرجوح والعمل بالنص.
والله تعالى أعلم.
стр. 187
حكم شراء السيارة بالتقسيط مع زيادة الثمن
السؤال
فضيلة الشيخ أريد أن أشتري سيارة من معرض بالأقساط، ولكن صاحب المعرض لا يبيع السيارة إلا بالدفع الفوري، ولكن قال لي: بإمكانك أن تشتري السيارة بالأقساط عن طريق شركة الراجحي، يقول هنا ملاحظة: معنى الشراء أن يبيع صاحب المعرض سيارة لشركة الراجحي ثم أشتريها من الراجحي بالأقساط بقيمة تزيد عن قيمة الدفع الفوري؟
الجواب
أنا عندي قاعدة في الحقيقة وهي أنه إذا سُميت شركة فلا أجيب؛ لأنه أحياناً قد يكون الإنسان فهم نظامها خطأ، فيأتي ويقول: لا يجوز، فيصبح الناس يقولون: لا يجوز التعامل مع شركة كذا.
فإذا سأل شخص مرة ثانية فمن أدب السؤال أن يجعل السؤال عاماً، فيقول هناك شركة تقول: كذا وكذا، حتى يكون أدعى؛ لأنه أحياناً قد يفهم الإنسان المعاملة خطأ، وهذا حتى لا نظلم الناس، أو قد يأتي موظف عادي فيفهم منه الشخص خطأ ويأتي ويقول: ذهبت إلى شركة كذا فقالت كذا فهل يجوز، فيقول العالِم: هذا ربا، فيصبح الناس يقولون: شركة كذا تتعامل بالربا، فأنا في الحقيقة أرى أنه يحتاط فيه، وإذا سألت اسأل سؤالاً عاماً؛ لأن الهدف الفائدة فما هناك أي داعي لتسمية شركة كذا أو كذا؛ لأن ذلك أقرب وأبعد عن الأذية وبناء على ذلك نطبق القاعدة ولو الليلة فقط.
لكن على العموم إذا كان الإنسان اشترى السيارة وحازها -أي شركة حازت السيارة وقبضتها- فيجوز لك أن تشتريها بعد الحوز، ولا يجوز لك أن تتعاقد مع الشركة قبل الحوز، فلو جئت إلى أي شركة وقلت لها: أنا أريد أن أشتري سيارة كذا، قالوا: نحن نشتريها بخمسين ونقسطها عليك بمائة، فهذا ربا، لماذا؟ لأنها دفعت عنك خمسين مقدمة بمائة مؤجلة، كأنه قال لك: خذ هذه الخمسين وردها مائة وخمسين أو مائتين، فهذا المقصود يعتبر من الربا، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، أما لو حازتها الشركة وقبضتها وتعاقدت مع شركة أخرى وأصبحت في ملك الشركة الثانية، فيجوز لك أن تأتي وتشتري من الشركة الثانية تقسيطاً أو نقداً، والله تعالى أعلم.
وهذه شبهة أخرى وهي: فيما لو تعاقد مع الشركة الوسيطة هذه قبل قبض السلعة وحوزها يعتبر من (بيع المجهول) وأيضاً يعتبر من (ربح ما لم يضمن) ويعتبر من (بيع ما ليس عندك) وكل هذا يعتبر من الآفات، والعيوب، فهذه فيها عدة آفات وليست ربا فقط.
أما بيع المجهول بالوصف، فأصح الأقوال فيه: أنه يصح إذا كان وصفه وصفاً صحيحاً، فإذا وصفه -مثلاً- فقال لك: عندي بيت على صفة كذا وكذا وكذا يصح، ولو لم تر البيت، ثم يكون لك الخيار بعد الرؤية إن وافق الصفة لزمك البيع، وإن كان خالف الصفة فإنه في هذه الحالة كان لك خيار الرد؛ لأنه قد خالف الصفة، وهذا مأثور عن قضية عثمان ﵁ مع أبي طلحة، وأصح الأقوال صحة هذا البيع؛ وهو بيع الموصوف في الذمة إذا كان غائباً، والله تعالى أعلم.
стр. 188
حكم القول بضرورة تجديد أصول الفقه الإسلامي
السؤال
بعض أهل العلم المعاصرين يقولون بتجديد أصول الفقه الإسلامي، واستدلوا بقول القائل: (هم رجال ونحن رجال فنأخذ من حيث ما أخذوا) فما قولكم في ذلك؟
الجواب
هذا السؤال قولهم: إن أصول الفقه تحتاج إلى تجديد، أو يقولون: إن الشريعة تحتاج إلى تجديد، لا فرق بين القولين، هذا القول ابن أخت خالة القول الأول، على العموم هي كلمة حق أريد بها باطل؛ فإن الشريعة قديمها جديد وجديدها قديم، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وهذا أمر مسلَّم من البدهيات، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] رضي بهذه الشريعة التي آمن بها رسول الله ﷺ ، ودعا إليها منذ أربعة عشر قرناً، رضيها الله لنبيه، ورضيها لأصحاب نبيه ﷺ ورضي عنهم أجمعين، وكذلك رضيها للأمة إلى يومنا هذا، بل إلى قيام الساعة.
فلو جاء أي شخص يريد أن يغير في مفاهيمها أو يقلب أصولها وموازينها، ولو كانت عبارته منمقة أو مزوقة فقد حاد عن سواء السبيل -نسأل الله السلامة والعافية-.
فلذلك هذه الكلمة كلمة حق أريد بها باطل، فأصول الفقه هي أصول فهم الدليل، وأصول فهم الدليل باقية إلى قيام الساعة، والذي فهم به أصحاب رسول الله ﷺ نفهم به نحن، وإذا خالف فهمنا فهمهم بمعنى: أنا تركنا موازينهم في الفهم وتركنا موازين السلف الصالح في الفهم فقد ضللنا -والعياذ بالله-، فلذلك إذا كانت هذه مفاهيم خير القرون فهي صاحلة لشر القرون، فقرننا من شر القرون التي قبله؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ما من زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تقوم الساعة) كما ثبت في صحيح مسلم.
فإذاً الذي صلح لخير القرون من باب أولى أن يصلح لما هو شر منه، هذا الأصل الأول.
الأمر الثاني: قولهم: (هم رجال ونحن رجال) نعم هم رجال ونحن رجال، لكن شتان ما بين رجال ورجال، شتان ما بين رجال شهد التنزيل أنهم رجال ورجال هم أشباه الرجال، شتان ما بين رجال رأوا رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بلسانهم فعايشوا أحوال الكتاب، وعرفوا ناسخه من منسوخه، وحلاله من حرامه، وواجبه وحدوده، عرفوا كل صغير فيه وكبير، ففقهوا عن الله وعن رسول الله ﷺ ، شتان ما بين هؤلاء وما بين من جاء من بعدهم من الخلوف، ووالله لو جئت تزن الواحد منهم بهذه الأمة قد يكون راجحاً لهم، فأين أصحاب رسول الله ﷺ ممن بعدهم؟!! فالمقصود: أن هذه كلمة حق أريد بها باطل، وأما قول الإنسان: نحن نأخذ من حيث ما أخذوا.
فهذا ضلال، فإن الله تعالى أمرنا بالرجوع إلى العلماء فقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ولو كان كل شخص يذهب إلى الكتاب والسنة فما فائدة العالِم، ولو كان كل شخص يفهم الكتاب والسنة فما فائدة أهل العلم، والله تعالى يقول: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] ولم يقل كلهم، وإنما قال منهم قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:١٦٢] ﴿بِاللَّهِ﴾ [النساء:١٦٢] وهم الذين يفقهون عن الله ورسوله ﷺ ، والذي ينبغي الرجوع إليهم والفهم عنهم وأخذ السنة عنهم، ومن قال: هم رجال ونحن رجال.
فقد ضل سواء السبيل، ونقص من مكانة سلف هذه الأمة، والغالب أن لا يقول ذلك إلا إنسان مفتون، أو من عنده فتنة يريد الدعوة إليها وترويجها، فالله الله في سلف الأمة، والله الله في أولئك العلماء الأفاضل الذين أبقى الله علومهم وبارك في أفهامهم، ولو لم يكن من الدليل على إخلاصهم إلا بقاء علومهم لكفى في ذلك دليلاً.
فأوصي إخواني طلاب العلم، بل أوصي كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتأدب مع سلف الأمة، وأن يكون ورعاً فيما يقوله تجاه سلف الأمة، فمن أجلهم وأكرمهم فإنه عبد تقي؛ لأن إجلالهم إجلال لدين الله، وإكرامهم إكرام لدين الله، وانتقاصهم ثلمةٌ في الإسلام -والعياذ بالله-.
وقول القائل: هم رجال ونحن رجال.
هذه كلمة حق أريد بها باطل، فإن الكلام قد يكون حقاً لكن فيه سوء أدب، وفيه خروج عن الهدي، والهدي الكامل الذي ينبغي للمؤمن أن يلتزمه، ولذلك لو قال قائل: الله رب القردة والحمير والخنازير، كلمته صحيحة ولكن فيها نوع سوء أدب، فلو قال: رب الخلق.
لكان أكمل أدباً، وكان أرعى حرمةً لله ، فليس كل كلام ظاهره أنه مزوق أنه يقبل، فالإنسان يرجع إلى سلف الأمة ويرتبط حاضر الأمة بماضيها، هذا الباب الذي فتح الآن من بعض المتفيهقين الذي يقولون -سامحهم الله وهدانا وإياهم إلى سواء السبيل- يقولون: نعيد النظر، ونريد تجديد الشريعة ومسايرتها للعصر، هذا مما لا ينبغي، ومقالته هذه قد تؤدي -والعياذ بالله- إلى هدم الشريعة ونقضها، لكن قد يكون مقصود البعض مقصوداً حسناً في جانب نستثنيه وهو أن يقال: إننا نريد من يترجم فهم السلف للخلف بأسلوب معاصر، فهذا كلام طيب، وكلام مقبول بمعنى: أن تأخذ الكتب التي عن سلف الأمة وتأتي بأسلوب صحيح سوي يناسب الأفهام، فهذا كلام صحيح، وهو واجب الدعاة وواجب العلماء، والحمد لله هم قائمون به في فتاويهم وتعليمهم ودروسهم.
أما لو قيل: نريد أن نغير الفتاوى لتغير الزمان، أو نريد أن نجدد الشريعة، فالله أعلم أنها فتنة وقانا الله وإياكم شرها، فلا خير في إنسان يعرض عن خيار هذه الأمة.
ولذلك أقول: ينبغي أن نبدأ من حيث انتهوا ولا نكرر ما فعلوا؛ لأنهم سلف الأمة المختار لها -نسأل الله أن يرزقنا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى حبهم، وأن يرزقنا سبيلهم، وأن يرزقنا الحشر في زمرتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
أما أصحاب المذاهب فالناس فيهم على ثلاث طوائف: طائفة تقول: هؤلاء رجال ونحن رجال كأصحابنا من قبل، وطائفة ثانية تقول: هؤلاء المعصومون، وهؤلاء الذين لا يمكن أن يخرج الحق عنهم، وهؤلاء هؤلاء حتى بلغوا بهم مقاماً قد يصل إلى مقام الأنبياء، وأقوام وسط نزلوا أهل العلم منزلتهم، وأجلوا حملة الدين إجلالهم، ووقروا حملة الشرع توقيرهم، فحفظوا مكانتهم، ونظروا في قولهم، فما وافق الحق قبلوه، وما خالف الحق اعتذروا لصاحبه، وتأدبوا في الاعتذار عنه؛ لأن هؤلاء الذين اختلفوا من سلف الأمة كان هدفهم الحق وكانوا يريدون وجه الله ويريدون الدلالة على الصواب في دين الله لا أقل ولا أكثر، ما كانت عندهم شهوات وأهواء وأغراض، فلذلك ينبغي للإنسان أن يسلك السبيل القيم ديناً قيماً لا اعوجاج فيه ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
والمتون الفقهية التي يقرأ الناس فيها على ثلاث طوائف: طائفة قالت: ما نقرأها، هذه أقوال قوم (هم رجال ونحن رجال) وهم كمن قبلهم.
وطائفة قالت: هذه الكتب لا نجاوزها ولو كان النص بخلافها -والعياذ بالله-.
وطائفة قالت: هذه كتب على أعيننا ورءوسنا ما وافقت كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وإن خالفت فإننا نظن بأهلها خيراً، ولكن الحق أحب إلينا منهم فيلتزموا صواب ما دل عليه الكتاب والسنة من الصواب، ولا يحيدون عن ذلك قيد شعرة طلباً لمرضاة رب الأرباب فهؤلاء هم السعداء، وانظر في سلف الأمة لن تجد عالماً إلا وجدته قد التزم مذهباً بدليله.
انظر إلى علماء الإسلام وفقهائه الأعلام تجدهم قد قرءوا المذاهب بالدليل، ما قرءوها مجردةً عن الدليل ولا تعصبوا، انظر إلى الحافظ ابن عبد البر الإمام الجليل كان على مذهب المالكية رحمة الله عليه ثم صار مجتهداً، ومع ذلك وافق الإمام مالك فيما وافقه وخالف الإمام مالك فيما خالفه، واعتذر عند مخالفته، ومع ذلك ينتسب إلى مذهبه، ويناصر مذهبه إن وافق الحق، ويرده إذا خالف الحق.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول في فتاويه: قال أصحابنا، وأجاب أصحابنا، وهو مذهب أصحابنا، من هم أصحابه؟ أصحاب الإمام أحمد ﵀، وبه يقول إمامنا، واحتج إمامنا بكذا وكذا، مراده الإمام أحمد ﵀، ولكن قرأ فقهه بالدليل، ثم وافق الإمام أحمد وخالف الإمام أحمد فما نقص ذلك من قدر الإمام أحمد، ولا نقص كذلك من فضل شيخ الإسلام ﵀ وقدره، وهكذا علماء الإسلام ما تجد أحد إلا وقد قرأ مذهباً لكن بدليله، هذا هو السبيل البين الذي نسأل الله أن يقيمنا وإياكم على صراطه، والله تعالى أعلم.
стр. 189
حكم صنع أهل الميت طعاماً للضيوف إكراماً لهم
السؤال
بعض الناس ربما يحرجون من ضيوفهم يأتي في البيت فيحتاج إلى أن نصنع له طعاماً، وهو لا يصنعه على أنه يعتقد فيه أنه للميت ولكن يصنعه من باب إكرام الضيف، أحياناً يكون البيت مملوءاً بالضيوف فماذا يفعلون؟
الجواب
إذا جاء الضيف للإنسان، هو في الأصل والحقيقة أنه ليس هناك حاجة أن يتكلف الناس بالسفر والانتقال والمبالغة، فهذا كله مما لا أصل له، لكن قد ينتقل الأخ والقريب الذي له صلة فيأتيك ضيفاً فتحب أن تكرمه، فلا حرج في ذلك، وهذا نص العلماء رحمة الله عليهم من المتأخرين على أنه لا حرج في إكرام الضيف بقدره أو بحقه، وأما بالنسبة للممنوع أن يتوسع في ذلك وأن يخرج به عن الهدي المعروف، والله تعالى أعلم.
سائل: إذا كنا نعرف أنه لأضيافه فندعو المتواجدين ونقول لهم: تعالوا الليلة لعشاء أو غداء عندنا وهو لضيوفه.
الشيخ: نعم هو هذا.
стр. 190
كيفية التعزية الشرعية
السؤال
فضيلة الشيخ فصّل لنا في كيفية التعزية الشرعية، وعن حكم الاجتماع عند أهل الميت، وصفة الطعام منهم ولهم، وأكل الناس عندهم، ومدة التعزية مع ذكر الأدلة ما استطعتم؟
الجواب
أولاً: قضية التعزية يقصد منها تسلية المؤمن في مصابه وتعزيته في كربه وبلائه، والمقصود من التعزية طمأنة القلوب حتى لا تنفر، وكذلك تسليتها حتى يعظم لها الأجر عند الله .
الأمر الثاني: إذا علم هذا فإن النبي ﷺ كان هديه في ذلك أكمل الهدي، فإنه قال للمرأة المصابة: (مرها فلتصبر ولتحتسب) وقال ﵊: (إن لله ما أعطى وله ما أخذ وكل شيء عنده بمقدار، فلتصبر ولتحتسب) فهذا يدل على أن المقصود من التعزية تثبيت القلوب وطمأنتها ودفع القلق عنها، ويذكره الإنسان بما له عند الله من الأجر حتى يكون لهم مثل أجره.
الأمر الثاني: إذا علم أن هذا المقصود، فإن التوسع فيه والخروج عن هدي النبي ﷺ يعتبر خارجاً عن هذا الأصل، والذي ينبغي الاقتصار عليه، وأما مسألة الطعام للميت، فإنه ثبتت السنة عن النبي ﷺ أن يصنع لأهل الميت طعاماً، قال ﵊: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) ويصنع لأهل الميت خاصة، ويكون ذلك على المعروف وذلك بالخروج عن الإسراف والبذخ، وكذلك دعوة الناس إلى هذه الوليمة، فإن الدعوة إليها مما لا أصل له، فيقتصر على أهل الميت.
أما الأمر الثالث: ما يفعله الناس من دعوة الغير إلى هذه الولائم وتكثير الناس عند أهل الميت، فإن هذا خروج عن الهدي وخروج عن السنة، وكره العلماء ذلك ونصوا على بدعية الاجتماع عند أهل الميت خاصةً في هذا الزمان، الذي بلغ ببعضهم أنه يجلس عند أهل الميت أياماً ويحرص على الكلام في فضول الدنيا، تقول له: يا أخي اتق الله ما يصلح أن تتكلم وهؤلاء مصابون، يقول لك: حتى أروح عنهم، وهذا نوع من الخطأ بمكان.
سبحان الله!! يعني: أن الإنسان ما يكفيه أنه خارج عن الهدي حتى يأتي بأمور يكون فيها إساءة لأهل الميت؛ لأن الكلام في فضول الدنيا دليل على الغفلة، تروح عنهم بماذا؟ موت الميت هذه نعمة من الله قد تهديهم إلى الله، قد تذكر الغافلين منهم بالله، فتأتي وتزيدهم غفلة على غفلة ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا من البلاء، الناس في العزاء وعند موت أقاربهم يتذكرون، وتكون فرصة للدعوة إلى الله، ويأتي هذا لكي يسهر الليلة الأولى والثانية والثالثة ليس عنده قصد إلا الإتيان بالمضحكات والمسليات، يقول: حتى أروح عنهم، إنا لله وإنا إليه راجعون! فهذا بلاء ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] نسأل الله ألا يطمس لنا ولكم بصيرة.
أما الأمر الثالث: فهناك منكر عظيم وهو أن أهل الميت يقومون بصنع الطعام، ويكون ذلك أشد حرمة ومنكراً إذا كان من أموال اليتامى والقاصرين، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] فهذا إذن وقع لا شك أنه منكر واعتداء على أموال اليتامى، فاليتامى أموالهم تحفظ قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء:٢] فنهى عن أكل مال اليتيم قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٥٢] فمن حفظ وصية الله يبتعد عن هذا المنكر العظيم.
الأمر الأخير الذي ينبغي التنبيه عليه: أن الإنسان إذا جاء ليعزي أخاه يحاول دعوته وتذكيره بالله، إن كان بعيداً عن الله قربه إلى الله وقال له: انظر إلى فلان كان بالأمس أمامك حياً واليوم كأن لم يكن.
بينما امرئٌ بين يديك حياً إذ صرت لا تبصر منه شيّا في لحظة واحدة كأن لم يكن، فتذكره بالله، وإن كان طائعاً منيباً خيراً وكان والميت على صلاح تسليه وتثبته.
إنا نعزيك لا أنا على ثقة من البقاء ولكن سنة الدين ليس المعزى وإن طال عمراً بعد صاحبه ولا المعزي بباقي إلا إلى حين فذكره بالله وثبته على الصبر على هذه المصيبة، ولله در القائل: أبكيه ثم أقول معتذراً له وفقت حيث تركت ألأم دارِ جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري تسليه وتثبته، فهذا الذي ينبغي تعاطيه، والله تعالى أعلم.
стр. 191
المقصود من قول الرسول ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً)
السؤال
نريد المزيد عن قول رسول الله ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) لعله أن يكون السبب لأنه استشهد معه زيد بن حارثة واستشهد عبد الله بن رواحة وكذلك حمزة وكثير من الصحابة ما قال الرسول ﷺ (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) لأن هذا الحديث احتج به كثير من الناس حتى الآن يأتوا بالذبائح ونحن نصنعه في المطابخ، فلعلك تعطينا المزيد جزاك الله خيرا؟
الجواب
هذا الحديث الناس فيه على طوائف بين إفراط وتفريط، قوم قالوا: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) فأخذت الذبائح تنهال على أهل الميت، وأصبح بيت الميت أشبه ببيت فيه وليمة عرس، وهؤلاء القوم قد أفرطوا في ذلك وبالغوا وجاوزا هدي الشرع.
والقسم الثاني فرطوا وقالوا: أبداً ما نصنع شيئاً، وتراهم يقصرون في حق أهل الميت، نعم وردت السنة عن النبي ﷺ أنه قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) وهذا قاله وخصه؛ لأنه كان من قرابته ﵊، فكانت سنة للأمة وليست خاصة بـ جعفر؛ لأنه لو أخذ بهذه القاعدة لعم الخبر على الكل، لو أخذ بهذه القاعدة لتركت كثير من السنن، ولقيل: أن النبي ﷺ ما قال ذلك في غير هذا، ألا ترى في تعزية ابنه إبراهيم حينما قال: (إن لله ما أعطى وله ما أخذ ... ) ما قال هذا الكلمة حينما بلغه استشهاد كثير من الصحابة، فالمقصود أنه لا يقال بالتخصيص، فقوله ﵊ عند ورود الحادثة المعينة لا يقتضي التخصيص، والذي نص عليه العلماء ﵏ تعميم هذه السنة؛ لأن العلة المذكورة في النص تقتضي التعميم؛ لأنه قال: (فقد جاءهم ما يشغلهم) وهذه العلة يستوي فيها آل جعفر وغيرهم.
فنقول: إن السنة باقية ولكن في حدود الشرع وهذا أمر مجرب، تجد الإنسان تأتيه الفاجعة -مثلاً- قبل صلاة الظهر، يموت الميت عنده، وتراه في شغل وحزن وأهله في حزن حينما يأتي جاره بالطعام أو يأتي قريبه بالطعام يحس أن إخوانه معه وقرابته والأمة بأكملها، وهذه أمور لها مقاصد شرعية نبيلة يتعزى ببعض مصابه، لكن لو جاع يومه لربما بلغ ما به ما بلغ ولاجتمعت عليه مصيبتان: ظاهرة وباطنة، فالمقصود: أنه ليس المقصود الطعام بذاته ولكن المقصود تأليف القلوب والربط بين عباد الله وتآلف المجتمع، فالذي نص العلماء عليه بقاء هذه السنة، ولا يقال: بأن النبي ﷺ خصها فالعلة عامة، ويبقى هذا على الأصل الذي قررناه، صحيح أن الناس توسعوا وأفرطوا وزادوا فهذا أمر منكر ليس له أصل في الشرع، والله تعالى أعلم.
стр. 192
العلاقة بين قيام الليل ورضا الله
السؤال
فضيلة الشيخ أخبركم بأنني أحبكم في الله، وسؤالي: هو أنني كلما حاولت قيام الليل لا أستطيع ذلك هل هذا يدل على عدم رضا الله عني وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أحبك الله الذي أحببتني فيه، أولاً أشهد الله على حبكم جميعاً فيه، وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته.
إن الإنسان إذا لم يوفقه الله لقيام الليل فإن ذلك لا يدل على عدم رضا الله عنه، وإنما هو نقص إذا كان على استقامة في بقية أموره، فإن هذا يدل على نقص الرضا وليس على نفي الرضا، وفرقٌ بين نقصان الرضا وفقد الرضا، فإن الناس في رضوان الله على مراتب -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم في أعلاها وأسناها- فإذا كان الإنسان محافظاً على الفرائض والنوافل والطاعات سباقاً إليها على أكمل ما يكون فهو أكمل الناس رضا، ومن نقص عن ذلك فهو أنقص، والله تعالى أعلم.
стр. 193
وصية للوالدين
للأبناء على الوالدين حقوق أوصى بها الشارع الحكيم، فهما مسئولان عن تربيتهم وتنشئتهم، وكذلك عن تصرفاتهم وأخلاقهم، وغير ذلك من الأمور المناطة بالوالدين.
وإذا قصَّر الوالدان في حقوق الأولاد، فقد يكون ذلك التقصير سبباً في عقوق الأولاد آباءهم وأمهاتهم، فينبغي للآباء والأمهات إعطاء الأولاد حقوقهم التي أمر الشارع بها؛ حتى يكون النشء طيباً كريماً يؤدي واجباته وحقوقه في إطار المجتمع المسلم.
стр. 194
وصية للآباء والأمهات
الحمد لله الحليم الغفور ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تنفع قائلها يوم البعث والنشور، يوم يُبَعْثَر ما في القبور، ويُحَصَّل ما في الصدور ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١] وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث بالهدى والنور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا في الحق نِعْم الشموس ونعم البدور، وعلى جميع من سار على نهجهم إلى يوم الهول والبعث والنشور.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني في الله: هذه وصيةٌ إلى والدَين؛ إلى أبوَين حليمَين كريمَين.
إلى أبٍ يخاف الله ويتقيه، ويعلم أنه مسئول بين يديه وملاقيه.
وإلى أمٍ تخاف ربها، وترعى صغيرها، وتكرم بعلها.
إلى أم صالحة مصلحة، هادية مهدية، ما أمست ولا أصبحت إلا هدت ودلت وأرشدت! وصيةٌ إلى الوالدَين.
إلى القلبَين الغافلَين النائمَين السادرَين.
إلى من أضاع حقوق الأبناء والبنات، وترك لهم الحبل على الغارب في الملهيات والمغريات.
إلى من ترك القلوب البريئة ترتع في المعاصي والشهوات، فذاقت جحيم المعاصي والمنكرات، ورتعت في الحدود والمحرمات، وبُليت بجحيم المسكرات والمخدرات.
إلى من أضاع حقوقها، ولم يرحم صغيرها، ولم يكرم كبيرها.
إلى من أبكى الصغير، وأهان الكبير.
إلى من حَمَّل الأبناء والبنات العناء، وخلَّفهم وراء ظهره في تضرع واستكانة وبكاء.
إلى من لا يخاف الله ولا يتقيه، ولا يعلم أنه ملاقيه.
إلى تلك القلوب القاسية.
إلى تلك النفوس الظالمة الناسية.
إلى من أضاع حقوق الأبناء والبنات، فتركهم يرتعون في الملهيات والمغريات، وحَمَل بين يدي الله المسئوليات والتبِعات، يوم ينصب للآخرة موازينها، وينشر لها دواوينها، يوم يجادلُ الأمَّ رضيعُها، يوم يجادل الأمَّ جنينُها! وصيةٌ للآباء والأمهات عن حقوق الأبناء والبنات، وهل قامت بيوت المسلمين إلا على رعاية الحقوق والذمة والدين؟! وهل قامت بيوت المسلمين إلا على التنشئة الصالحة التي ترضي الله رب العالمين؟! وصيةٌ بحقوق الأبناء والبنات، قبل أن يَدْهَمَ الممات، وقبل أن يصير العبد إلى الرفات، وقبل أن يحمل بين يدي الله المسئوليات والتبِعات! ألا وإن من أجلِّ الوصايا، وأعظم الحقوق التي تُدفع بها الهموم والغموم والرزايا: أن تعلم أن الله أنْعَمَ وتَفَضَّلَ عليك بالولد وتَكَرَّم، فكان من أحق الحقوق عليك أن تشكره ولا تكفره، وألاَّ تنساه وأن تذكره، وأن تَحْمَدَ نعمة الله ومنته إذ متع عينيك، وجمَّل الولد في ناظرَيك يوم صاحت صيحتُه، يوم رأيتَه بشراً سوياً يدب على وجه الأرض مرضياً.
أيها الأحبة في الله: إن من آكد الحقوق والواجبات وأعظم الأمانات والمسئوليات التي يحملها الآباء، وتحملها الأمهات عن الأبناء والبنات: تنشئتهم على حب الله ورسوله ﷺ : لا خير في الأبناء ولا في البنات، ولا خير في الأولاد ولا في الأحفاد إلا إذا أقمتَهم على محبة الله رب العباد، فلن تجني منهم مالاً ولا حالاً، لن تجني منهم إلا صلاحاً يرضي الله عنهم، أقِمْهم على محبة الله ومرضاتهِ، عوِّدهم على العبودية والطاعة، ومرهم بالصلاة والزكاة، ونشِّئهم على خوف الله وتقواه؛ فإن ذلك من أعظم ما تثقَّل به الموازين، وتبيَّض به الصحائف والدواوين.
стр. 195
حقوق الأبناء على الآباء والأمهات
ألا وإن للأولاد على الآباء والأمهات حقوقاً:
стр. 196
العفو عن التقصير وذلك في حدود
ألا وإن من الحقوق والواجبات على الآباء والأمهات، ومن الوصايا للوالدين: أنه إذا قصر الأبناء والبنات أن يعفوا ويصفحوا؛ فإن الله ﷻ قد وصَّى من فوق سبع سماواتٍ بالعفو والصفح عن الأبناء والبنات.
إن لهم الزلة والهفوة والخطيئة؛ فطوبى لمن قابل الإساءة بالإحسان، وطوبى لمن قابل السيئة بالعفو والغفران؛ فإن الله وعد على ذلك بالأجر العظيم، والثواب الكريم، ما لم يكن عفوك حاملاً لهم على الجرأة في حدود الله ومحارمه.
كن ليناً بدون ضعف، وشديداً بدون عنف، ربِّهم على طاعة الله ومحبته، فإن أساءوا وظلموا واحتَمَلَتِ الإساءةُ العفوَ فاشْتَرِ رحمة الله بالعفو عنهم، فهم أحق الناس بعفوك، وهم أحق الناس بحِلمك ورحمتك، يوم ينظر إليك الصبي وتنظر إليك الصبية بعطف الحنان، ينتظران منك الصفح والغفران؛ فبادرهما بذلك؛ فإنه مما يثقُل به الميزان؛ فإن الله يرحم من يرحم عباده.
وإياك والسطوات، والشدة على الأبناء والبنات، فلأن دعتك قدرتك على الإساءة إليهم، فإن الله قادر عليك يوم تظلمهم.
اعلم أن عافيتك من الله، وأن حولك وقوتك بين يدي الله، فالله الله في زلات لسانك، والله الله في زلات جوارحك وأركانك يوم تُرْسِل لليد عنانَها، فتضرب الصبي والصبية دون خوف من الله أو مراعاة للحقوق الشرعية؛ فإن الله يسألك عن ضربهم.
ولئن كفَأَتِ الأمُّ صبيَّها فرَبَّتَتْ على ظهره، فإن الله يسألها يوم القيامة عن تربيتها؛ فاتقِ الله في الأبناء والبنات، إن ضعفهم لا يدعوك إلى القوة عليهم، جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو إليه أمراً من أموره، ويبث إليه حزناً وشجناً من أحزانه وأشجانه فقال: (يا رسول الله! إن لي أرقاء أو لي موالي آمرهم فيعصونني؛ فأضربهم وأشتمهم وألعنهم، فما تأمرني فيهم؟ قال ﷺ : إذا كان يوم القيامة نُظِر في أمرك لهم وعصيانهم لك، ثم أُخِذْتَ بذلك، فتولَّى الرجل يبكي وقال: أشهدك أنهم أحرار لله ﷻ .
فالله الله في الأبناء والبنات! إن الله يسألك عن ضربهم، إن الله يسألك عن دموعهم وعبراتهم، إن الله يسألك عن إهانتهم.
إن الله يسألك يوم يُنْشر لك الديوان بزلات اللسان، وبتلك الكلمات الجارحات، والعبارات المؤذيات القاسيات؛ يوم أطلقتها، ويوم لفظتَ بها فلم تعبأ بها، ولم تراقب الله يوم لفظتَها.
فاتقِ الله في ضعفهم، وخذهم بالمودة والإحسان، وكن حبيباً مهاباً، ولا تكن فظاً غليظاً، فإن العبد إذا عامل الناسَ بالإحسان، وقابل الإساءة بالغفران، فإن الله يصفح عنه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 197
ردعهم عن حدود الله
ألا وإن من أجلِّ الحقوق والواجبات التي تجب على الآباء والأمهات: ردعهم عن حدود الله والفواحش والمنكرات:- يوم أن يزل الابن، وتزل البنت في كلامها أو مشيها أو سلوكها، فإن الله سائلك -أيها الأب- عن حقها، فأقم حق الله عليها.
إن بيوت المسلمين لا تقوم على الاستهتار والاستخفاف بحدود الله الواحد القهار، فهي تحتاج أباً يحفظ حدود الله، ويردع من يجاوزها إلى محارم الله.
فخذهم -أيها الأب- بما أمر الله حينما تردعهم عن حدود الله ومحارمه، وإياك والعواطف التي تمنعك من أن تقول كلمة الحق لهم، إياك -والعواطف- أن تحول بينك وبين أمرهم بما أمر الله، ونهيهم عما نهى الله.
стр. 198
تربيتهم على أداء الحقوق والواجبات
ألا وإن من حقوق الأبناء والبنات: تعويدهم وتربيتهم وتنشئتهم على أداء الحقوق والواجبات:- عوِّدهم -أيها الأب- على صلة الأرحام، عوِّدهم على صلة الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وخذهم إلى ذلك، فإنه من أجلِّ الطاعات والقُرُبات، فما ربيتَ صبياً على صلة القرابة إلا كَتَب الله لك أجره، فلا رَفَع قدماً يَصِلها، ولا تكلم بكلمة يبرها إلا أُجِرْتَ عليها.
عوِّدهم على خصال الخير، وطاعة الله، والبر: مِن إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وغير ذلك من موجبات دار السلام.
عوِّدهم على الخصال الكريمة حينما تنشئهم على توقير الصغير وإجلال الكبير، فليس منا من لم يوقر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا، قال ﷺ : (ليس منا -أي: ليس على هدينا ولا على شريعتنا الكاملة- مَن لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا).
عوِّدهم على حب المساكين، والإحسان إلى الأيتام والأرامل والمحتاجين، فوالله ما مَدَّ كفاً يحسن إليهم بها إلا أُجِرْت عليها، وكان لك مثل أجرها.
عوِّدهم على الخيرات، وحسن الظن بالمسلمين والمسلمات، فإن ذلك من أجلِّ القربات والطاعات، فلا يَسْمع الصبي منك كلمة تغتاب بها مسلماً، أو تنتهك بها عرض مسلم؛ فإن الله يسألك عن تلك القدوة السيئة إذ تَبِعَك في ذلك مما لا يرضي الله ﷻ .
стр. 199
تعليمهم الصلاة
ألا وإن من حقوق الأبناء والبنات إذا بلغوا وَعْيَ الخطاب عن الله جل وعلا أن يؤمروا بالصلاة:- قال ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) إذا بلغ الصبي سبع سنين، فأمُرْه -أيها الأب- بالصلاة، وطاعة الله رب العالمين؛ فذلك من حقوق الله في البنات والبنين.
مُرْهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم بالاستجابة لله جل في علاه، وخذهم إلى المساجد، وتَرْجِم ذلك الأمر بالعمل، فكن أسبقهم إلى تلك الطاعة بكل خوفٍ من الله ووجل.
فادعُ الأبناء والبنات إلى الصلاة وكن لهم القدوة الصالحة في ذلك، فحينما تأمرهم بطاعة الله أتْبِعِ القولَ العمل؛ فإن الله يمقت مَن خالف قولُه عملَه.
فإياك ثم إياك وإضاعة الصلاة، وإضاعة الحقوق والزكاة! فإن ذلك من أعظم المسئولية بين يدي الله، فلقد أخبر النبي ﷺ : (أن أول ما يُنْظَر من أمر العبد: الصلاة، فإن صلحت نُظِر في سائر عمله، وإن فسدت وضيَّعها فهو لِمَا سواها أضيع).
فطوبى لمن رَبَّى على هذا الحق العظيم، ونشَّأ الأبناء والبنات على المحافظة على الصلاة لله رب العالمين.
مُرْهم بالصلاة في أول أوقاتها بشرائطها، وبيِّن لهم أركانها، وبيِّن لهم أحكامها، فوالله ما من صبي ولا صبية علمته شيئاً من كتاب الله أو الطهارة للطاعة والصلاة إلا أُجِرْتَ على ذلك، ولو علَّمته الوضوء فوالله ما أصاب ذلك العضو ماءٌ من الوضوء إلا أُجِرْتَ عليه الدهر كله، ولا علَّمته كتاب الله ولا الفاتحة يقرؤها في الصلاة فلَفَظَها لسانه إلا أُجِرْتَ مثل أجره من الله.
فأنْعَمْ بذلك عيناً حينما يَعْظُمُ أجرك بأمرهم بطاعة الله ومحبته.
стр. 200
أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتنشئتهم على ذلك
ألا وإن من الحقوق والواجبات التي تجب على الآباء والأمهات تجاه الأبناء والبنات: تنشئتهم على رعاية حدود الله، والبعد عن الفواحش والمنكرات:- إن قلوب الأبناء والبنات قلوب بريئة، ينبغي أن تُغَذَّى بخوف الله وخشيته، حتى يكون العبد أعف ما يكون عن حدود الله ومحارمه.
عوِّدهم -أيها الأب- على العفة والحياء، والخوف من الله فاطر الأرض والسماء.
عوِّدهم على البعد عن الفواحش والمنكرات، وعلى العفة عن المعاصي والسيئات، فإن ذلك من أعظم وأجلِّ القُرُبات يوم تخلِّف وراء ظهرك ابْناً يخاف حدود الله ومحارمه.
واعلم أنك لا تفتح على الابن والبنت باب شهوة أو باب فتنة إلا حُمِّلْتَ وزرها بين يدي الله، واللهِ ما من ساعة ولا لحظة تَمَتَّع فيها الأبناء والبنات بملهيات أو مغريات إلا حُمِّلْتَ بين يدي الله ذنوبَها، وعُرضْتَ بين يدي الله بأوزارها.
فاتقِ الله في تلك القلوب البريئة، خاصةً قلوب الصغار التي هي أوعى ما تكون للخير والشر، اتقِ الله في تلك القلوب البريئة أن تفتح عليها أبواب الملهيات والمغريات، فتجتالهم عن طاعة الله ومرضاته، فتكون بذلك قد فتحت لهم سبيل الحرب والعدوان على حدود الله ومعاصيه، اتقِ الله في كلِّ ما تجلبه، وكلِّ ما تُمَكِّن منه الأبناء والبنات، فإن الله سائلك ومحاسبك عن كل ما تسبَّبْتَه فيما يجلب عليهم من السوء والشر في دينهم ودنياهم وآخرتهم.
стр. 201
بذل الحنان والمودة لهم
ألا وإن من حقوقهم في التربية: بذل الحنان، والمودة، والإحسان:- فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] أحسني -أيتها الأم- إلى ذلك الصبي، وأنعمي عينَه بكلمة طيبة، وحنانٍ وبِر، وأدخلي السرور عليه، فمن سرَّه سرَّه الله يوم المساءة، فأنعمي عينه بالإحسان لا بالإساءة.
стр. 202
حسن الاختيار لبعضهما
أول هذه الحقوق: أن يُحْسِن الأبُ وتُحْسِن الأمُّ الاختيار:- إن للولد عليكما -أيها الوالدان- حقاً عظيماً: أن تختار -أيها الأب- أمَّه ذات الدين الكريمة الأمينة التي تخاف الله وتتقيه، وتعلم علم اليقين أن العبد ملاقيه.
أن تختار له أمَّاً كريمة، لا خَبَّةً ولا لئيمة؛ تختارها لا لجمالها، ولا لمالها، ولا لحسبها، ولا لنسبها؛ ولكن لطاعةِ اللهِ ربِّها.
أن تختار للولد تلك اليد الأمينة التي إن غِبْتَ عنها حفظتك، وإن نظرتَ إليها سرَّتك، وإن أمرتها أطاعتك.
أن تختار الصالحة المصلحة، الهادية المهدية، التي تسير على السيرة المرضية.
وأن تختاري -أيتها الأمُّ- لابنكِ ذلك الأبَ الكريم، فاختاريه دَيِّناً، لا صعباً ولا ليناً، واختاريه عبداً مطيعاً مستجيباً لله سميعاً، واختاريه على حب الله وغشيان مراضيه.
فإذا اختارت الأم بعلها، واختار الزوج زوجته، فإن الله سائلهما.
فأول حقوق الولد عليك -أيها الأب-: أن تحسن الاختيار لأمه، فكم من أم نشَّأت وربَّت وأصلحت لَمَّا أحسن البَعْل اختيارها! وكم من أم أفسدت وأشقت وأضلت حينما أساء الزوج اختيارها! فالله الله في اختيار الأزواج والزوجات.
إن اختيار الآباء والأمهات مسئولية عظيمة على الأزواج والزوجات؛ فليتق العبد بارئه، وليعلم أنه ملاقيه وسائله عن اختياره لزوجه وولده.
стр. 203
الدعاء له بالصلاح
الوصية الثانية: إذا أنعم الله عليكَ بالولد، وصاح صيحته فاحمَد الله ﷻ ، واشكره على نعمه وآلائه:- إذ متع الله ناظريك؛ وأخْرَجَ لك بشراً سوياً، فاضرع إلى الله بصالح الدعوات، وصادق المناجاة والابتهالات، أن يجعله عبداً مطيعاً، وقل: ربِّ أسألك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨].
فلقد ابتهل المتقون، ونادى العباد الصالحون إلهَ الكون أن يرزقهم الذرية الطيبة، فذكر الله عن نبيٍّ من أنبيائه، وحبيبٍ من أحبابه وأصفيائه أنه سأله الولد الصالح: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨].
فسَلِ اللهَ خيرَ الولد، فكم من ولدٍ أنعم الله به الوالدين! وكم من ولدٍ أشقى الله به الوالدين! فاسأل الله خيرَه، واستعذ به من شره، واسأله أن يكون نعم الخليفة لك على طاعة الله ومحبته، كما قال الله عن حبيبه: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم:٦].
стр. 204
تنشئتهم تنشئة صحيحة والقيام على حقوقهم وواجباتهم
أحبتي في الله: الوصية الثالثة: تنشئة الأبناء، والقيام على حقوقهم وواجباتهم على الوجه الذي يرضي الله.
إن للأولاد على الآباء والأمهات حقوقاً، فالله سائل الآباء والأمهات عن حقوق الأبناء والبنات.
فعلى الأم حق عظيم: أن تربي الابن بعد أن أنعم الله عليها بوجوده، وأن تطعمه، وتسقيه، وتتفقَّده في حوائجه حتى يبلغ السن التي يعي فيها أوامر الله ورسوله ﷺ .
أيتها الأم المؤمنة: إن الله يسألكِ عن هذا الابن عن طعامه وشرابه، وسقائه ودوائه وكسائه، حتى إن الأم لو فرَّطت في طعام صبيها وتأخرت، فالله سائلها يوم القيامة: لِمَ ضيعت؟ وأن تعلم الأم أن هذا الجنين وأن هذا الرضيع سيكون لها خصماً بين يدي الله حتى عن طعامه وشرابه، وحتى عن الإناء لو فرطت وتساهلت فيه فتسبَّب في سقمه ومرضه، أو تسبب في وفاته وموته، فحملت بين يدي الله إثماً.
فينبغي على المؤمنة أن تعلم أن الله حمَّلها أمانة عظيمة، فكما أنها مطالبة بالتنشئة على الدِّين، كذلك هي مطالبة بأداء حقوق الدنيا على الوجه الذي يرضي الله، يقول عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه: سألت النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَم معك) فكان هذا من كبائر الذنوب، وقد عرض الله مشاهدَ الآخرة، فأخبر عن الشمس إذا كورت، وعن الموءودة أنها تُسأل لماذا قُتِلَت؟! وبأي ذنب وُئِدَت؟! فينبغي على الأم الصالحة أن تعلم أن الله يسألها عن طعام صبيها وشرابه، إنَّ تساهُل الأمهات عن الصراخ والصيحات من تلك النفوس البريئات، يوم جاعت وظمئت وهنَّ مشتغلات بفضول الحديث والترهات، كل ذلك مسئولة عنه بين يدي الله فاطر الأرض والسماوات.
وأن تحفظ للصبي طعامه، وسقاءه وشرابه، وكساءه، ودواءه.
وأن تترسم في ذلك حب الله ومرضاته، فترفع الكف لسقائه، وترفع الكف لطعامه، وتحتسب الأجر عند الله، قال ﷺ يبين لنا عظيم الأجور عند الله لنا: (حتى اللقمة يضعها الرجل في فيّ امرأته يكون له بها أجر).
فاتقي الله في هذا الطفل الضعيف، فإنها ذرية ضعيفة، ولقد وصفها الله جل وعلا بالضعف حتى تعطف عليها قلوب المؤمنين والمؤمنات.
стр. 205
وصايا متفرقة للوالدين
وصيةٌ إلى الوالدين يوم يَكْفُرُ الأبناءُ والبنات الفضائلَ، ويوم يقف الأب عند المشيب والكِبَر ينتظر من الابن البر والإحسان؛ فإذا به يفاجأ بالتمرد والعصيان.
وصيةٌ إلى الوالدين يوم وقفت الأم عند مشيبها وضعفها وكِبَرها تنتظر بر ابنتها، فخابت الظنون، وتغيرت الأحوال، وسبحان الله إله الكون! إذا وقفتَ هذه المواقف فاعلم أن الله هو الذي يأجرك، وأن الله هو الذي يعوض خيرك وبرك، واعلم أن ما كان منك من حسنات؛ فإنه لا يضيع عند الله فاطر الأرض والسماوات، فاحتسب الأجر عند الله يوم تجدهم كُفَّاراً للجميل يوم تجدهم كُفَّاراً للنعمة والفضل، واسألِ الله أن يجبر كَسْرَك، وأن يُعْظِم أجرك، وإياك وزلات اللسان التي تُذْهِبُ بها ما سَطَّرْتَ من الخير والأجور والإحسان.
وصيةٌ للوالدين إذا فُجع الأب وفُجعت الأم بتلك الفواجع، يوم يُقْرَع العبد بتلك القوارع، فإن الحياة فانية، وهي ذاهبة زائلة، فإذا ربَّى الأب ابنه والأم ابنتها، وجاءت عند مشيبها وكِبَرها بعد أن متع الله ناظرَيها ومتع سمعَيها بسماع تلك الصيحات، إذا بها تفاجأ بابنتها في عداد الأموات، وقد صارت إلى رفات.
وصيةٌ إذا نَزَلت الفواجع، وقرعت تلك القوارع أن يقول العبد ما يرضي الله، وأن يحتسب الثواب عند الله، فكلنا إلى الله صائرون، وكلنا إليه منقلبون، والله ﷻ منه الخلف وفيه العوض من كل فائت.
فاحتسبي -أيتها الأم- المصاب، وارجي من الله حسن العاقبة وحسن الثواب، واحتسبي عند الله أجرها يوم فُجِعتِ بتلك المصيبة التي سمعتِها؛ فإن في الجنة بيت الحمد لمن صبر على المصاب، واسترجع وأناب، ومن الله حُسْن الأجر والثواب.
وصيةٌ إلى الوالدين في خضم هذه الفتن والمحن بالمحافظة على الأبناء والبنات، وعدم الغفلة عنهم بكثرة الخروج والزيارات، فإن كثيراً من الأمهات قد أغفلن حقوق الأبناء والبنات، وأصبحت الأم لا تحفظ صغيرها، ولا ترعى طفلها، فهي كثيرة الخروج والولوج، وأصبح الأب غائباً في تجارته، وفي شئونه وأعماله، حتى ضاع أبناء المسلمين، وحرموا الخير مِن فَقد الرعاية من الآباء والأمهات.
فاتقِ الله -أيها الأب- في أبنائك وبناتك.
إن حقوق الأبناء والبنات مقدمة على الأموال والتجارات.
إن حقوق الأبناء والبنات مقدمة على الزيارات والمناسبات.
إن حقوق الأبناء والبنات مقدمة على جميع ذلك؛ لأنها من الفرائض والواجبات.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما وهب من نعمة الولد عَوناً على طاعته ومحبته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه، وآله وصحبه أجمعين.
стр. 206
الأسئلة
стр. 207
كيفية معاملة الولد العاصي
السؤال
أنا قصَّرت في تربية ولدي، فقد ربيته على بعض المعاصي؛ ولكن لم أكن أعلم بأن هذه الأشياء محرمة؛ ولكني عرفتُ الآن أن هذه الأمور محرمة، وقد تبتُ ورجعتُ إلى الله؛ ولكن ابني قد بلغ السابعة عشرة من سِنِّه، وصار لا يطاوعني في ترك هذه الأمور، فهل أنا آثمة في هذا الأمر؟ فإن قلبي يتقطع عليه، وما أدري ماذا أفعل، ولا كيف أصلحه، وبارك الله فيك!
الجواب
أسأل الله أن يقبل منا ومنك التوبة والإنابة، وأسأله أن يمنَّ على الولد بصلاح حاله وتوبته واستقامته.
ابذلي ما تستطيعين من التذكير والتوجيه، فإن ذلك يكون سبباً -بإذن الله في غفران الله لزلتك وخطيئتك، ذكِّريه وانصحيه في الأمور التي كنتِ سبباً في وقوعه فيها من المحارم، وبيِّني له أنها لا تجوز، ولعلَّ الله أن يمنَّ علينا وعليك بالعفو والمغفرة.
والله تعالى أعلم.
стр. 208
حكم الصلاة على من مات على كبيرة من الكبائر
السؤال
هل يجوز الصلاة على مَن يموت بسبب المخدرات؟ وهل يجوز تعزية أهله على ذلك؟
الجواب
مَن مات بسبب المخدرات فإنه يعتبر مسلماً مرتكباً لكبيرة من الكبائر، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يُصَلَّى على مرتكب الكبيرة، ويدعى له ويُتَرَحَّم عليه، وهو أحوج ما يكون إلى الدعاء؛ ولكن استحب العلماء ألاَّ يصلي عليه أهلُ الفضل، أي: أن الإمام العام لا يصلي على من مات بسبب المخدرات حتى يزجُرَ غيره، وهذا من باب التعزير، أما إذا توفي فهو من المسلمين، وله ما للمسلمين من الدعاء والتَّرَحُّم، فالله ابتلاه، وهذا شيء ابتلاه الله جل وعلا به، فاسأل الله له العفو والمغفرة، فلعل دعاءك له وترحُّمَك عليه يكون سبباً في رحمة الله به، فيكون ذلك من الخير الذي يسديه المسلم لأخيه المسلم، وإذا كان لا يُصَلَّى إلا على المطيعين، ولا يُصَلَّى إلا على الأبرار المتقين فأين رحمة الله التي وَسِعت عباده أجمعين؟! والله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣].
فاستغفِرْ له وترحَّمْ عليه؛ فإن الله جل وعلا نفع المؤمنين بدعاء إخوانهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] وكذلك يُعَزَّى أهلُه، فتُعَزِّي أهلَه وتسأل الله جل وعلا أن يُعَظِّم لهم الأجر في فَقده، وكونه أساء فإن ذلك لا يمنع حق قرابته مِن صلتهم؛ فإنهم مفجوعون، وقد يكونون على استقامة وخير وطاعة وبر؛ فمِثْلُهم يُعَزَّى، ولا يُضَرُّ أهلُه كونه على معصية الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] والله تعالى لا يُحَمِّلهم ذنبه، ولا يُحَمِّلهم تَبِعَتَه ومسئوليته.
والله تعالى أعلم.
стр. 209
نصيحة لشاب مفرِّط في حق والديه
السؤال
ما نصيحتك يا شيخ لشاب مفرِّط في حق والديه؟
الجواب
أوصيك -أيها الشاب- ونفسي بتقوى الله، وأن تعلم أن الله جل وعلا إذْ أنعم عليك بحياة الوالدين فقد يسلبك هذه النعمة عاجلاً أو آجلا، فاغتنم وجود الوالدين، فكم -والله- من قلوب تفطَّرت على فَقد الأب والأم! إن الله جعل لك بابين من أبواب الجنة، وبابين من أبواب الرحمة، فاغتنم وجود الوالدين، وأقبِلْ بجدٍّ وإخلاص ومثابرة على إدخال السرور عليهما، وحسن البر بهما، واللطف معهما، ولعلَّ الله جل وعلا أن يُخْرِج من ألسنتهما دعوة صالحة تكون سبباً في سعادتك في دينِك ودنياك وآخرتِك.
فاحتسب عند الله الأجر في إدخال السرور عليهما، وأحسن إليهما ولا تسئهما، وأكرمهما ولا تهنهما، وارفعهما ولا تضعهما، وكن على أحسن ما يكون الابن مع والديه.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن بر، وأن يعيذنا وإياكم من العقوق.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
стр. 210
كيفية أخذ الأبناء لزيارة أقاربهم العصاة
السؤال
ذكرتُم -جزاكم الله خيراً- أنه يَجب تعويد الأولاد على صلة الأقارب، فماذا ترون إذا كان هؤلاء الأقارب لا يلتزمون بتعاليم الدين الإسلامي في العادات والتقاليد، وقد يفعلون ما هو خَطَرٌ على تربية الأولاد من الأقوال والأفعال؟
الجواب
هذا فيه تفصيل! عليك أن تأخذ مِن الأبناء مَن عنده رشد وفَهم وتزور به القرابة، ثم تنبِّهه إلى أن هذا الأمر خطأ، وأنه لا يجوز، فتؤدي للقرابة حقوقهم، ولله حقه، فالمنكر تَعْلَم أنه منكر، والابن تبيِّن له أن هذا لا يجوز، هذا أفضل من أمرك للابن أن لا يزورهم، بل زُرْهم بابنك، وعلِّم الابن أن هذا منكر لا يجوز، وأن هذا حرام، وانصح القرابة، وذكِّرهم بالله جل وعلا، فإن كانت هذه المنكرات تؤثِّر على الذرية؛ فلا يأخذ الإنسان الذرية الضعيفة، وربما يقتصر على الزيارة في حدودٍ لا يقع فيها الأبناء والبنات والذرية في حدود الله ومعاصيه.
والله تعالى أعلم.
стр. 211
كيفية التعامل مع الوالد الذي يتعامل بالربا
السؤال
والدي يتعامل بالربا، وقد نصحتُه مرَّاتٍ عديدة، ويدَّعي أنه يتعامل بالمضاربة؛ ولكنها ليست الحقيقة، وقد قمتُ بإرسال الرسائل إليه؛ ولكن دون جدوى، فكيف أتعامل معه؟ أرشدني أرشدك الله!
الجواب
إذا قال الوالد إنه يتعامل بالمضاربة فاسأل عن ذلك، وتحرَّ عنه، فإن كان صواباً فلا يحل لك أن تتهمه بالربا، وإن كان كذباً فإنه لا يجوز الأكل من مال الربا.
والله تعالى أعلم.
стр. 212
ضرورة عدم إظهار الخصومات التي تقع بين الزوجين أمام الأبناء
السؤال
صارت بين زوجٍ وزوجةٍ خصومةٌ أدَّت إلى تَفارُقِ الزوجين دون طلاق، وتَهاجُرِهِما، وتضرَّرَ من ذلك البنون والبنات، علماً بأن هذه الزوجة كانت تحاول جاهدة أن تبر زوجها؛ لكنها لم تُطق يا فضيلة الشيخ، فما نصيحتك؟ وما موعظتك لهذه الأم؟ عسى الله أن ينفعها بها!
الجواب
على الأم أن تتقي الله، وأن تحتسب الأجر عند الله في الصبر على أذية زوجها وبَعلها؛ خاصة إذا كان عندها أولاد، وكان لها منه أبناء وبنات؛ فإنه ينبغي عليها أن تتحمل الأذى، وأن تصبر على ما يكون من البلوى، فإن الله يأجرها على حسن هذه النية، ولو كان الأمر فيه ما فيه من الأذية والمهانة فإن الله يكرمها، ويعوضها ويخلف عليها، ويأجرها، فهذه من الأمور التي ينبغي أن تُوصَى بها المؤمنة إذا بُلِيت بالزوج وأذيته مع وجود الولد.
إن هَدْمَ البيوت وتَفَرُّقَ الأزواج والزوجات على حساب الأبناء والبنات يخَلِّف من التبعات والعواقب -التي لا يعلمها إلا الله- الشيء الكثير.
فينبغي على الأب والأم أن يفكر كلٌّ منهما فيما تجنيه التصرفات والأفعال التي بينهما، فإن قلوب الأبناء والبنات تتفطر حزناً حينما ترى تَنَكُّدَ الحياةِ في وجه الأب والأم، وكم من أبناء وبنات فقدوا حتى عقولهم بسبب أذية الآباء والأمهات لهم بالعبارات القاسية، وبتلك المعاملات الغليظة التي تكون من الزوج لزوجته أو من الزوجة لزوجها! ويقف الابن حائراً تائهاً لا يدري أأبوه المصيب ومعه الحق، أم أمه المصيبة؟! أأبوه المخطئ أم أمه المخطئة؟! فيعيش في حياة الهم والغم من صباه ومن صغره، حتى ربما يفقد تفكيره وشعوره.
فمن الذي يحمل هذه المسئولية؟! ومن الذي يحمل إثم هذه الهموم والغموم غير الأب والأم؟! فينبغي على الأب والأم أن يكونا بعيدَي النظر، وأن يتقيا الله جل وعلا في الأولاد، وأن يرحما هذه القلوب الضعيفة، فإن الله سمى الأولاد والبنات ذرية ضعيفة، ووصفهم بالضعف؛ لأنهم لا حول لهم ولا قوة، وأفكارهم وعقولهم صغيرة، فإذا فُجِعَت هذه العقول الصغيرة البريئة بالخصام والشجار والكلمات القاسية تَعَذَّبت وتألَّمت، خاصة إذا كان الابن قوي الإحساس، وكانت البنت قوية الإحساس ضعيفة المشاعر؛ فإن هذه كلها أمور تكون لها من العواقب أشياءٌ كثيرةٌ.
فليتقِ الله الآباء، ولتتقِ الله الأمهات.
إن مشاكل الزوجين ينبغي أن تكون بمنأىً وبُعْدٍ عن الأبناء والبنات، وينبغي أن تكون في خلوتهما وفي حال انفرادهما، لا تَسْمَع بها أذُن، ولا تنظر إليها عين، ولا ينبغي للأب -خاصة بعض الآباء- إذا كبر سنه وشاب أن يسيء المعاملة للزوجة أمام أبنائها وبناتها، ويهينها ويذلها، حتى إن بعض الأبناء والبنات يتعلم -والعياذ بالله- ويأخذ من أبيه إهانة أمه.
كذلك بعض الزوجات إذا شاب زوجها وكبر وضعف أساءت إليه، وآذته، وفتحت له أبواب المشاكل، فيتعلم الأبناء والبنات منها -والعياذ بالله- العقوق، وإهانة الأب عند المشيب والكبر، والله المستعان مِن يومٍ يشيب فيه الوِلدان، يومَ تُنْصَب الموازين، وتُنْشَر الدواوين، لكي يُؤْخذ كل إنسان بقوله وعمله! الله المستعان على ذلك اليوم العظيم الذي ينصف الله فيه الظالم والمظلوم، والبائس والمحروم! فليتقِ الله الآباء والأمهات في حقوق الأبناء والبنات من عدم إساءة بعضهم إلى بعض بمحضر الأبناء والبنات، ونسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل.
والله تعالى أعلم.
стр. 213
حكم المستحاضة التي كان لها عادة
السؤال
امرأة تأتيها العادة الشهرية -عادةً- في كل شهر لمدة سبعة أيام، وفي هذا الشهر جاءتها ثمانية عشر يوماً، وما زالت مستمرة، وهذا أول شهر يحصل لها فيه هذا الأمر؛ فما الحكم في هذه الحالة بالنسبة للصلاة وقراءة القرآن إلى غير ذلك؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإنه ينبغي عليها أن تعتدَّ الأيام التي كانت تعتدُّها قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فتَعْتَبِر حيضَها الأيامَ التي اعتادتها، ثم تَعْتَبِر الأيامَ الزائدةَ أيامَ استحاضة لِمَا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لتنظر الأيامَ التي كان تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فإذا هي خَلَّفَت ذلك فلتغتسل، ثم لتصلي).
فدل هذا على أن المرأة التي لها عادة؛ ينبغي عليها أن تبقى قدر عادتها، ثم بعد ذلك تلغي ما بقي ولا تعتبره من الحيض.
والله تعالى أعلم.
стр. 214
كيفية معاملة الوالدين عند صلتهما أقاربهما العصاة
السؤال
إذا خفتُ على والديَّ من زيارتهما للأقرباء، وذلك لفسادهم، مع العلم أنهم أقرب الأقرباء، فماذا أفعل تجاه ذلك؟
الجواب
انصح الوالدَين وذكِّرهما بالله جل وعلا في زيارتهما للقرابة، ولا تنههما عن زيارتهم؛ فإن الزيارة واجبة، وكون القرابة يسيئون أثناء الزيارة فإن ذلك لا يمنع من أداء حق الزيارة؛ ولكن انصح هؤلاء القرابة بحفظ جوارحهم أثناء الزيارة، فإن نصحتهم، فقد أديت ما عليك.
والله تعالى أعلم.
стр. 215
طاعة الوالدين في مرضاة الله
السؤال
لي إخوة بالغون وهم على سلوكٍ غير سليم، وقد بذلتُ لهم النصح؛ أحياناً باللين، وأحياناً بتغليظ القول، إلى آخر ذلك؛ ولكنَّ والدتي ربما تتدخل عندما أقسو عليهم؛ فأتركهم لذلك خوفاً من غضبها عليَّ، فماذا أفعل؟ أرشدني مأجوراً -بارك الله فيك-!
الجواب
ظاهر قولك أن الوالدة تتدخل إذا قسوتَ.
هذا هو الذي ورد في السؤال.
وبناءً على ذلك فإنك تأخذ بأساليب اللين، وإذا أردتَ أن تقسو، فاقسُ عليهم دون علم الوالدة، فتأمر بطاعة الله، وبُرَّ والديك في حدود مرضاة الله.
والله تعالى أعلم.
следующие страницы →