Полный текст (1 035 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
كيفية التعامل مع الوالد الذي يتعامل بالربا
السؤال
والدي يتعامل بالربا، وقد نصحتُه مرَّاتٍ عديدة، ويدَّعي أنه يتعامل بالمضاربة؛ ولكنها ليست الحقيقة، وقد قمتُ بإرسال الرسائل إليه؛ ولكن دون جدوى، فكيف أتعامل معه؟ أرشدني أرشدك الله!
الجواب
إذا قال الوالد إنه يتعامل بالمضاربة فاسأل عن ذلك، وتحرَّ عنه، فإن كان صواباً فلا يحل لك أن تتهمه بالربا، وإن كان كذباً فإنه لا يجوز الأكل من مال الربا.
والله تعالى أعلم.
стр. 212
ضرورة عدم إظهار الخصومات التي تقع بين الزوجين أمام الأبناء
السؤال
صارت بين زوجٍ وزوجةٍ خصومةٌ أدَّت إلى تَفارُقِ الزوجين دون طلاق، وتَهاجُرِهِما، وتضرَّرَ من ذلك البنون والبنات، علماً بأن هذه الزوجة كانت تحاول جاهدة أن تبر زوجها؛ لكنها لم تُطق يا فضيلة الشيخ، فما نصيحتك؟ وما موعظتك لهذه الأم؟ عسى الله أن ينفعها بها!
الجواب
على الأم أن تتقي الله، وأن تحتسب الأجر عند الله في الصبر على أذية زوجها وبَعلها؛ خاصة إذا كان عندها أولاد، وكان لها منه أبناء وبنات؛ فإنه ينبغي عليها أن تتحمل الأذى، وأن تصبر على ما يكون من البلوى، فإن الله يأجرها على حسن هذه النية، ولو كان الأمر فيه ما فيه من الأذية والمهانة فإن الله يكرمها، ويعوضها ويخلف عليها، ويأجرها، فهذه من الأمور التي ينبغي أن تُوصَى بها المؤمنة إذا بُلِيت بالزوج وأذيته مع وجود الولد.
إن هَدْمَ البيوت وتَفَرُّقَ الأزواج والزوجات على حساب الأبناء والبنات يخَلِّف من التبعات والعواقب -التي لا يعلمها إلا الله- الشيء الكثير.
فينبغي على الأب والأم أن يفكر كلٌّ منهما فيما تجنيه التصرفات والأفعال التي بينهما، فإن قلوب الأبناء والبنات تتفطر حزناً حينما ترى تَنَكُّدَ الحياةِ في وجه الأب والأم، وكم من أبناء وبنات فقدوا حتى عقولهم بسبب أذية الآباء والأمهات لهم بالعبارات القاسية، وبتلك المعاملات الغليظة التي تكون من الزوج لزوجته أو من الزوجة لزوجها! ويقف الابن حائراً تائهاً لا يدري أأبوه المصيب ومعه الحق، أم أمه المصيبة؟! أأبوه المخطئ أم أمه المخطئة؟! فيعيش في حياة الهم والغم من صباه ومن صغره، حتى ربما يفقد تفكيره وشعوره.
فمن الذي يحمل هذه المسئولية؟! ومن الذي يحمل إثم هذه الهموم والغموم غير الأب والأم؟! فينبغي على الأب والأم أن يكونا بعيدَي النظر، وأن يتقيا الله جل وعلا في الأولاد، وأن يرحما هذه القلوب الضعيفة، فإن الله سمى الأولاد والبنات ذرية ضعيفة، ووصفهم بالضعف؛ لأنهم لا حول لهم ولا قوة، وأفكارهم وعقولهم صغيرة، فإذا فُجِعَت هذه العقول الصغيرة البريئة بالخصام والشجار والكلمات القاسية تَعَذَّبت وتألَّمت، خاصة إذا كان الابن قوي الإحساس، وكانت البنت قوية الإحساس ضعيفة المشاعر؛ فإن هذه كلها أمور تكون لها من العواقب أشياءٌ كثيرةٌ.
فليتقِ الله الآباء، ولتتقِ الله الأمهات.
إن مشاكل الزوجين ينبغي أن تكون بمنأىً وبُعْدٍ عن الأبناء والبنات، وينبغي أن تكون في خلوتهما وفي حال انفرادهما، لا تَسْمَع بها أذُن، ولا تنظر إليها عين، ولا ينبغي للأب -خاصة بعض الآباء- إذا كبر سنه وشاب أن يسيء المعاملة للزوجة أمام أبنائها وبناتها، ويهينها ويذلها، حتى إن بعض الأبناء والبنات يتعلم -والعياذ بالله- ويأخذ من أبيه إهانة أمه.
كذلك بعض الزوجات إذا شاب زوجها وكبر وضعف أساءت إليه، وآذته، وفتحت له أبواب المشاكل، فيتعلم الأبناء والبنات منها -والعياذ بالله- العقوق، وإهانة الأب عند المشيب والكبر، والله المستعان مِن يومٍ يشيب فيه الوِلدان، يومَ تُنْصَب الموازين، وتُنْشَر الدواوين، لكي يُؤْخذ كل إنسان بقوله وعمله! الله المستعان على ذلك اليوم العظيم الذي ينصف الله فيه الظالم والمظلوم، والبائس والمحروم! فليتقِ الله الآباء والأمهات في حقوق الأبناء والبنات من عدم إساءة بعضهم إلى بعض بمحضر الأبناء والبنات، ونسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل.
والله تعالى أعلم.
стр. 213
حكم المستحاضة التي كان لها عادة
السؤال
امرأة تأتيها العادة الشهرية -عادةً- في كل شهر لمدة سبعة أيام، وفي هذا الشهر جاءتها ثمانية عشر يوماً، وما زالت مستمرة، وهذا أول شهر يحصل لها فيه هذا الأمر؛ فما الحكم في هذه الحالة بالنسبة للصلاة وقراءة القرآن إلى غير ذلك؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإنه ينبغي عليها أن تعتدَّ الأيام التي كانت تعتدُّها قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فتَعْتَبِر حيضَها الأيامَ التي اعتادتها، ثم تَعْتَبِر الأيامَ الزائدةَ أيامَ استحاضة لِمَا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لتنظر الأيامَ التي كان تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فإذا هي خَلَّفَت ذلك فلتغتسل، ثم لتصلي).
فدل هذا على أن المرأة التي لها عادة؛ ينبغي عليها أن تبقى قدر عادتها، ثم بعد ذلك تلغي ما بقي ولا تعتبره من الحيض.
والله تعالى أعلم.
стр. 214
كيفية معاملة الوالدين عند صلتهما أقاربهما العصاة
السؤال
إذا خفتُ على والديَّ من زيارتهما للأقرباء، وذلك لفسادهم، مع العلم أنهم أقرب الأقرباء، فماذا أفعل تجاه ذلك؟
الجواب
انصح الوالدَين وذكِّرهما بالله جل وعلا في زيارتهما للقرابة، ولا تنههما عن زيارتهم؛ فإن الزيارة واجبة، وكون القرابة يسيئون أثناء الزيارة فإن ذلك لا يمنع من أداء حق الزيارة؛ ولكن انصح هؤلاء القرابة بحفظ جوارحهم أثناء الزيارة، فإن نصحتهم، فقد أديت ما عليك.
والله تعالى أعلم.
стр. 215
طاعة الوالدين في مرضاة الله
السؤال
لي إخوة بالغون وهم على سلوكٍ غير سليم، وقد بذلتُ لهم النصح؛ أحياناً باللين، وأحياناً بتغليظ القول، إلى آخر ذلك؛ ولكنَّ والدتي ربما تتدخل عندما أقسو عليهم؛ فأتركهم لذلك خوفاً من غضبها عليَّ، فماذا أفعل؟ أرشدني مأجوراً -بارك الله فيك-!
الجواب
ظاهر قولك أن الوالدة تتدخل إذا قسوتَ.
هذا هو الذي ورد في السؤال.
وبناءً على ذلك فإنك تأخذ بأساليب اللين، وإذا أردتَ أن تقسو، فاقسُ عليهم دون علم الوالدة، فتأمر بطاعة الله، وبُرَّ والديك في حدود مرضاة الله.
والله تعالى أعلم.
стр. 216
حكم دفع الأذى عن الوالدين
السؤال
إن لي أخاً يعقُّ والدتي، وحينما أذكِّره بفضل الوالدين يزداد غضباً، فيضرب، ويشتم، ويأخذ بالسخرية والاستهزاء بها! فماذا تنصحني أن أفعل؟
الجواب
أولاً: إذا كانت عندك قوة تمنعه من الضرب فاضربه إذا كان يضرب الوالدة وأنت أقوى منه وتستطيع كفه، فإنه يجب عليك كفه، ومثل هذا لا حرمة له، وإذا كان الوالد موجوداً فإنك ترفع الأمر إليه، ولا تضربه، وتنصح الوالد وتبين له أنه مسئول بين يدي الله عن مجاوزة هذا الابن لحدود الله مع أمه.
هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: إذا كنت تعجز عن كفه ومنعه عن ضرب الوالدة؛ فإنه ينبغي أن تختار أفضل الأوقات لتوجيهه وإرشاده ودلالته إلى الخير وتحذيره من مغبة الشر.
فأما نصحك له في حالة الغضب فأظن أن هذا هو الذي يتسبب في شدة إعراضه وتماديه في الضرب، وبناءً على قولك بأنه يزداد في الضرب إذا نصحتَه؛ فإنه لا ينبغي أن تنصحه على وجه يزداد فيه من أذية الوالدة، ولذلك نهى الله عن سب آلهة الكفار؛ لأنها تفضي إلى سب الله جل وعلا، فكذلك الحال: إذا كان نصحك له أثناء الضرب يزداد فيه من الضرب فإنك تتوقف عن نصحه إلى وقتٍ ترجو فيه استجابته.
ثم خذ بالأسباب: فإذا كان الوالد يستطيع كفه فأخبر الوالد.
وإذا كان هناك أخ أكبر منك وهو موجود فاطلب منه أن يَكُفَّه.
وإذا كان هناك من القرابة من الأعمام والعمات أو الأخوال والخالات من يستطيع زجره كذلك فاستعن به بعد الله.
وإذا لم تجد في القرابة فانظر إلى إمام الحي أو إمام المسجد أو الصلحاء أو قرنائه وأصدقائه، حتى ولو كان عن طريق مسئوله ومديره، حتى يذكِّره ويردعه.
فابذل كل ما تستطيع لكفه عن ظلم الوالدة وأذيتها.
والله تعالى أعلم.
стр. 217
حكم ضرب الأبناء
السؤال
ما هي الحدود الشرعية في ضرب الأبناء؟ وما هي أنواع الضرب الجائزة شرعاً؟
الجواب
أولاً: لا يُضْرَب الابن إلا من حاجة، وذلك إذا أعيت الحيلة بالتوجيه، ولذلك ينبغي على الأب في أول شيء أن ينصح، وأن يوجه، فإن حصل العمل بنصيحته وتوجيهه فالحمد لله، وإذا لم يحصل العمل يُهَدِّد، ومما اتفق عليه الحكماء أن الأب إذا لاحظ من ابنه أو ابنته تقصيراً، فهدَّد وخوَّف بالضرب أو العقوبة فليس من المحمود أن يتخلف عن العقوبة إذا فعل الابن أو فعلت البنت التقصير، بمعنى إذا قلتَ له: إذا عدت إلى هذا الأمر فسأضربك، فإن عاد فاضربه مهما كان الأمر؛ لأن ذلك من أبلغ ما يكون من الزجر؛ لأنه إذا هدَّده بعد ذلك مرة ثانية عَلِم أنه إذا فعل سيُضْرَب وسيُؤَدَّب، والضرب يُعْتَبر من أساليب التربية التي أقرها الكتاب وأقرتها السنة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، فإن من الأبناء والبنات من يُقرع باللسان، ومنهم من تقرعه اليدان، فلا ينفع فيه توجيه ولا إحسان، فيحتاج إلى الزجر وإلى العقوبة؛ ولكن بعد أن تُعْيِي الحيلة في التوجيه.
فالأول: أن تكون هناك حاجة؛ كمعصية الله جل وعلا، أو ترك أمرٍ من أوامر الله، فهذان أمران: إما فعل حرام.
أو ترك واجب.
فترك الواجب مثل: الصلاة.
وفعل الحرام مثل: السب والشتم، أو النميمة، أو الأذية للناس، فتقول له: لا تسب بعد اليوم ولا تشتم؛ فإن سبَّ مرةً ثانية وشتم، فإنه إذا غلب على ظنك أن تأديبه بالضرب ينفعه فاضربه؛ ولكن بحدودٍ وقيود، فلا تقبِّح الوجه، ولا تكسر العظم، ولا تشوِّه الصورة، فقد نهى النبي ﷺ عن لطم الوجوه، ولذلك نص بعض العلماء على أن ذلك يعتبر من الذنوب.
فلا يُلْطَم الوجهُ خاصةً من المسلم، فإذا أردتَ أن تضرب فاضربه في قفاه، أو في قدمه، أو في يده، بشروط: ألاَّ تكسر له عظماً.
وألاَّ يكون ضرباً مبرحاً.
كذلك ينبغي أن يكون هذا الضرب بعيداً عن الغير.
فإن الآباء لا يفرقون بين أمرين: الضرب للتوجيه والإرشاد ومحبة الخير.
والضرب من أجل إشفاء الغليل، وإثبات السلطة والقوة والقهر.
فإن كان ضرب الوالد من أجل أن يثبت السطوة والقوة والقهر في البيت، فإنه يعتبر آثماً شرعاً والعياذ بالله؛ لأن نيته تخالف مقصود الشرع، وقد قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) فهو آثم بنيته، وأما فعله فإن جاوز فيه الحد فهو آثم أيضاً.
فالمقصود: أن الأب ينبغي أن يكون ضربه للتوجيه والإرشاد، ولذلك يظهر هذا الخلل حينما يَضْرِب الإنسانُ من أجل التوجيه والإرشاد تجد ضربَه على قدر الحاجة، ولكن إذا ضربَ من أجل شهوةِ النفس وحظوظها، فإن ذلك -والعياذ بالله- يكون بمجاوزةٍ لحدود الله في الغالب، وقد ينتهي في الغالب إلى كسر عظم، أو تشويه صورة، أو غير ذلك، نسأل الله السلامة والعافية من الأمور المحرمة.
فلا ينبغي للوالدين أن يؤذيا الأولاد بكثرة الضرب، وقد قال الحكماء والأطباء: إن كثرة الضرب للأبناء تُحْدِث عندهم نوعاً من شرود الذهن، وكثرة الخوف والرعب، وقد يصاب الابن -بسببها- بأمراض خطيرة، منها: أمراض في نفسيته.
وقد تكون أمراضاً في جسده.
وقد تسبب له أذية حتى في شهوته.
وإذا حصل هذا كله فيحمل وزره -والعياذ بالله- الأب والأم الجائران في ضربه.
فلا ينبغي هذا، بل ينبغي أن يتقي اللهَ العبدُ، وأن يصلح ولا يفسد، وأن يحسن ولا يسيء، نسأل الله للجميع التوفيق والرعاية.
والله تعالى أعلم.
стр. 218
كيفية تربية الزوجة للأبناء مع فساد زوجها
السؤال
أنا أمٌّ أحاول بكل جهدي أن أربي أولادي وبناتي التربية الإسلامية، والتربية الصالحة؛ لكنَّ زوجي لا يساعدني على ذلك ويقول: لا تعقِّدي الأولاد، فأنا أبْنِي وأعمر وهو يهدم، وإذا نصحتُه على انفراد وفي الوقت المناسب يقول لي: كوني صالحة لنفسك، وما لك وللأولاد، وهو لا يصلي الصلاة في الوقت، ولا يصليها في المسجد، وهو كثير السفر إلى بلاد الكفر، حتى إنني قررتُ ألا أحمل منه، ويكفي ما رزقني الله منه من أولاد؛ لأنني أخاف عليهم من تربية هذا الرجل، وبالأصح هو لا يربي ولا يريدني أن أربي، فأرجو الدعاء لهذا الزوج وتصبيري على هذا الحال المكتوب عليَّ أثابكم الله فضيلة الشيخ؟
الجواب
أسأل الله العظيم أن يهدي قلبه، وأن يصلح أمره، وأن يكف شره عن ولده.
أختي في الله: احتسبي الأجر عند الله جل وعلا، والله يكتب لك ما يكون منك من إحسان في تربية الوِلْدان، احتسبي عند الله الأجر، والله لا يضيع أجرك، وأجرك عظيم، فالمرأة التي تُبْلَى بزوجٍ لا يقدِّر عناءها وتعبها في إصلاح الذرية أعظم أجراً من المرأة التي تجد من يشكر حسنتها، ويذكر جميلها، فاحتسبي عند الله الأجر، واعلمي أن الله معك، وأنه ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠].
هذه الوصية الأولى.
أما الوصية الثانية: فاستديمي على ما أنت عليه، وابني؛ فنِعْمَ -والله- ما بنيتِ، واهدي ودُلِّي؛ فنِعْمَ -والله- ما هديتِ ودلَّيتِ، وكذلك أيضاً ذكريه بالله وخوفيه من عقوبة الله، لعل الله أن يهديَه، ومِن عذابه أن ينجيَه! والله تعالى أعلم.
أما الطرف الثاني من السؤال: وهو ما قررتيه من عدم الحمل، فلا ينبغي هذا، بل ابقَي على ما أنت عليه، واحملي، وذَكِّري، وانصحي، واثبُتي؛ فإن الله يحب الصابرين في البلاء، ولذلك لا ينبغي أن تفكري هذا التفكير، فإن الله يقول في كتابه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥] قال بعض العلماء: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥] أي: الولد الصالح من العبد الفاجر.
ولذلك أخرج الله من أبي جهل: عكرمة، وما ضَرَّ عكرمة كفر أبيه.
فلا يدعوكِ هذا إلى اليأس والقنوط من رحمة الله، ولعل الله أن يكتب لك درجات في الجنة تبلغينها بسبب هذا البلاء، ثم يَمُنُّ عليه بالهداية، فيجمع لك بين خيرَي دينِكِ ودنياكِ وآخرتِكِ.
فلا تفكري هذا التفكير، وعليكِ بالبناء والاجتهاد في طاعة الله، وتربية الأبناء على محبة الله.
والله تعالى أعلم.
стр. 219
واجب الوالدين تجاه المنكرات التي قد يقع فيها الأبناء
السؤال
إن بعض بيوت المسلمين تئن من وجود الخادمات بلا محارم، مما يؤثر على تلقي الأبناء أوامر الشرع، ناهيك عن الذي يكون في حالات عديدة من الخلوة، بل الوقوع في الحرام -والعياذ بالله-! فما توجيهكم أثابكم الله؟
الجواب
أولاً: ينبغي أن يعلم الأب وتعلم الأم أن أول مَن يُسأل عن الولد هما، وليس الخادمة ولا غيرها.
فينبغي على الأب والأم إذا استشعرا المسئولية أن يسعيا في فكاك أنفسهما من النار؛ فإن الله جعل الحنان بين الابن وأمه، ولا يمكن تعويض هذا الحنان بخادمٍ ولا خادمة، ولذلك لا ينبغي استقدام الخادمات والخدم إلا عند وجود الضرورة وبضوابط شرعية، ولا يجوز للمرأة أن تترك أمر جنينها وأولادها إلى الخادمات، وإلى الأيدي الغريبة، أما إذا كن كافرات فلا أشك في حرمة ذلك؛ فالمرأة الكافرة لا يجوز أن يُوْدَع عندها الصبي المسلم؛ فإنه لا يختلف اثنان أنها ستفسده، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُمجِّسانه أو يُنصِّرانه)، قال بعض العلماء: يتأثر الابن بوالديه بمكان المداخلة، وهذه المداخلة ستحل فيها الخادمة محل الأم، ويحل الخادم فيها محل الأب.
فلا يجوز ترك الأبناء والبنات بأيدي الكافرين والكافرات، فإن ذلك من أعظم الشرور وأعظم الآثام، فلا يحل بِوَجْهٍ تَرْكُهُم لدى أمثال هؤلاء، وإذا تَرَك صبيَّه أو صبيتَه عند أمثال هؤلاء، فاجتالهم هؤلاء عن طاعة الله وعن توحيده، فإنه يحمل وزر ذلك القلب بين يدي الله ﷻ .
فينبغي أن يستشعر الإنسان مسئوليته بين يدي الله، ولا يجوز ترك الأبناء والبنات للخدم والخادمات الكافرات.
هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: إذا وجدت الضرورة والحاجة، فينبغي على الأم أن تربي وتنشئ، ثم تنظر في هذه الخادمة، فمتى ما وجدت أنها تعين على التربية والتنشئة على طاعة الله جاز إبقاؤها، وأما إذا كانت سبباً في الوصول إلى حدود الله ومحارمه؛ فإنه لا يحل إبقاؤها، ومن ذلك لو أن الخادمة هذه كانت في بيتٍ فيه البالغون، أو فيه من يُخشى منه الوقوع في المحرمات، أو النظر إلى هذه الخادمة، والوقوع فيما لا تحمد عقباه، فإنه يجب على الأب والأم أن يضَعا كل الأسباب التي تمنع وتحول دون الوقوع في هذا الحرام، فإن حصل أي تقصيرٍ أو إهمال أو تساهل؛ فإنه يكون عليهما من الوزر والإثم على قدر ما يكون من الآثام من الأبناء والعياذ بالله.
فينبغي المحافظة على أبناء المسلمين وعلى بناتهم.
إن التساهل في أمر الخدم والخادمات مصيبة عظيمة، ووزر كبير، فكم من أبناء كانوا على عفة وحياء وخجل فذهب الحياء من وجوههم بسبب التساهل في هذه الأمور! فليتق الله الوالد، ولتتق الله الوالدة يوم تناشِد بَعلها أن يُدخل الغريبة على أبنائها وبناتها.
فاصبري واحتسبي واعلمي أن الله يأجركِ على تربية الأبناء والبنات، وإذا كان ولا بد من وجود أمثال الخادمين والخادمات؛ فليكن ذلك مع المحافظة على حدود الله جل وعلا، فلا خير في الدنيا إذا أَفْسَدَت الدين.
والله تعالى أعلم.
стр. 220
حكم الإكثار من السبِّ واللعن
السؤال
ما نصيحتكَ لوالدَيَّ حيث أنهما يكثران اللعن والشتم عند أقل الأعمال أثابكم الله؟
الجواب
ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) فالذي يكثر اللعن والسب والشتم -والعياذ بالله- لا يكون يوم القيامة شفيعاً ولا شهيداً، فينظر إلى إخوانِه وأخواتِه وزوجِه وولدِه في النار، ويريد أن يشفع لهم فلا يؤذن له في الشفاعة، وذلك بسبب كثرة اللعن -والعياذ بالله-.
هذا الأمر الأول.
وأما الأمر الثاني: أن اللعنة إذا خرجت من الفم، انطلقت إلى السماء، فتُغَلَّق دونها أبواب السماء، ثم تعود إلى الأرض فلم تجد مجالاً، ثم تذهب إلى صاحبها، فإن كان كما قال، أصابته ولُعِن -والعياذ بالله- وإلا رَجَعَت إلى الذي قالها، نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك لا ينبغي الإكثار من اللعن، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان في سفر فلَعَنَت امرأةٌ دابتها فقال ﷺ : (لا تصحبنا ملعونة).
فينبغي الحذر من كثرة اللعن والسباب والشتائم، فإنه لا خير فيها، وينبغي على المرأة المؤمنة أن تصون لسانها، وعلى الأب المؤمن أن يصون لسانه؛ فإنه قدوة لأبنائه وبناته.
والله تعالى أعلم.
стр. 221
حكم من حضر حلقة علم وأمه ساخطة عليه
السؤال
إني أتيتُ وأمي عليَّ غاضبةٌ، فهل عليَّ إثم؟ ثم هل خروجي من هذا المجلس يَغْفِر جميع ذنوبي، ومنها غضب أمي؟
الجواب
أناشد الله العظيم كل من كانت بينه وبين أمه أو رَحِمِه قطيعة ألاَّ يحضُر لي محاضرةً ولا يَغشى لي مجلساً، فقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (أحرِّج بالله على كل قاطع رحم أن يقوم من مجلسي، فلما قيل له في ذلك قال: أخبرني خليلي رسول الله ﷺ أن الرحمة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم)، ولولا أني أخاف أن يكون تشهيراً بك لحرَّجت عليك بالله العظيم أن تقوم من المجلس الآن؛ ولكن لا أحل لأحد أن يحضر مجلساً لي أو محاضرة، وأمه غاضبة عليه أو والده.
فليتقِ الله فينا، وليتق الله في مجالسنا أن نُمْنَع الرحمة بسببه، فهذا أمرٌ عظيم! إذا غَضِبَت عليك أمك غضب الله عليك! فاتقِ الله في والدتك، ولا تيئس فإن رحمة الله واسعة، ارجع إلى والدتك بعد الصلاة، وابكِ عندها، واسألها الرضا منها، فإن الله تعالى يرضى عنك إذا رَضِيَتْ عنك، ويسخط عليك بسَخَطِها.
فاتقِ الله فيها، وأدخل السرور عليها، واحتمل ما يكون من أذاها.
وأما جلوسك بيننا فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يغفر ذنبك، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يرزقك رضا الوالدين، وأن يرزقنا ذلك الرضا، وأن يتوب علينا وعليك وعلى جميع المسلمين.
والله تعالى أعلم.
стр. 222
مدى مسئولية الوالدين عن الأبناء
السؤال
متى يكون الوالدان غير مسئولَين أمام الله عن الأولاد والبنات؟
الجواب
لا أعرف والدين خالييَن من المسئولية أبداً! فالأم بِمُجرد ما تحمل جنينها يسألها الله عن كل أمر يكون فيه صلاحٌ لهذا الجنين أو فسادٌ له، وبِمُجرد ما تضعه كذلك هي مسئولة، وبِمُجرد ما تربيه وتقوم على شأنه، بل وكل حركاتِها وسكناتِها مع هذا الصبي تُسأل عنها بين يدي الله.
كذلك الأب مسئول عن هذه النطفة بِمُجرد ما تتخلق في رحم أمها.
فلذلك لا أعرف أماً وأباً خالييَن من المسئولية، بل هما مسئولان، وأول مَن يسأل عن ذلك الابن هما، ولذلك قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] فقال: يفر الرجل من أبنائه، وذلك مِن عظيم خوفه من مسئوليتهم بين يدي الله .
فليس هناك والدان خاليان من المسئولية عن الولد.
والله تعالى أعلم.
стр. 223
حكم طاعة الوالدين عند إساءتهما للولد
السؤال
شاب يقول: إن والده يقسو عليه، وهذا الشاب لا يستطيع أن يليِّن الكلام مع والده بسبب سوء المعاملة، فما السبيل إلى برِّ الوالدين ولِيْنِ الكلام معهما؟
الجواب
استشعر عظيم ما عند الله من الثواب؛ فإنَّ أبلغ ما يكون البر إذا أساء الأب إلى ابنه، وأصدق ما يكون البر يوم يحسن الابن إلى أبيه، والأب يؤذيه، وأبلغ ما يكون البر حينما تعطيه الكلمة الطيبة فيبادلك بكلمة خبيثة، وحينما تُحسن فيسيء، وتكرمه فيهينك، كل ذلك من أبلغ ما يكون من البر.
أما لو كان الأب إذا قابلته بالإحسان كافأك على الإحسان، فهذا خير وبر؛ ولكن أصدق ما يكون البر وأعظم ما يكون من الثواب والأجر عند الله أن يقابِل إحسانك بالإساءة، وأن يقابل جميلك بالكفران.
فيا أخي في الله: احتسب الأجر عند الله ﷻ واعلم أن الله هو الذي يثيبك، والله جل وعلا هو الذي يُخْلِفُك الأجر.
إن إساءة الأب لا تدعوك إلى الإساءة، وظلم الأب لا يدعوك إلى الظلم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فلا تطعهما في المعصية؛ ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، فإذا أساء الوالدان فلا تسيء، وإذا كان من الوالدين ما يسوءُك فلا تقابلهما بما لا يرضي الله ﷻ ، فأوصيك بالصبر! فإن الإنسان يصبر على أذية الناس، فكيف بأذية الوالدين؟! ولعل الله جل وعلا -بهذا الصبر- أن يُكَفِّر وزرك، وأن يُعْظِم أجرك، وأن يُثَقِّل ميزانك.
والله تعالى أعلم.
стр. 224
حكم تضايق الزوجة من معاملة الزوج أمه معاملة حسنة
السؤال
فضيلة الشيخ! رزقني الله بزوجة مؤمنة؛ ولكنها تتضايق عندما أجلس مع والدتي، فما هي نصيحتك لهذه الزوجة أثابكم الله؟
الجواب
أوصي الزوجات أن يتقين الله جل وعلا في حقوق الأمهات، المرأة المسلمة عليها أن تكون أكبر عون للزوج على طاعة الله ومرضاته، ولا يجوز للمرأة أن تفسد قلب زوجها على أمه، ولا خير في زوجٍ يُقَدِّم زوجته على أمه.
إن حق الأم عظيم، وفضلها جليل كريم، فينبغي للإنسان أن يجعله نصب عينيه، قال: (يا رسول الله! مَن أحقُّ الناس -مَن أحقُّ الخلق؟ مَن أحقُّ البشرية- بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك)، فأحق مَن تحسن إليه، وأحق من تكافئه وتبذل المعروف إليه هو: والدتك.
فإياكَ أن تؤثر الزوجة على الوالدة، وإياكِ أيتها المرأة المؤمنة أن تكوني سبباً في العقوق والقطيعة.
الله الله في قلب زوجكِ أن يَفْسُد على قلب أمه! فاتقي الله في البعل، واتقي الله في تلك الأم، ولا تكوني سبباً في الدعوة إلى العقوق والقطيعة، لا يجوز للمرأة أن تتدخل فيما يجري بين الزوج وأمه بكثرة السؤال والبحث عما تطلبه الأم، وعما يعطيه الزوج، كل ذلك من الأمور التي تعتبر من الفضول، وقد تصل إلى حد الحرمة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
فالمرأة ليس من حقها أن تبحث عن شيء ليس من شأنها فإن (مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) فليس مما يعني المرأة أن تتدخل فيما يعطيه الزوج لأمه، وفيما يبذله لها من الحنان والإكرام، فتَجْعَل تُتابِعُهُ في كلِّ ما يكون منه من صغير وكبير، وجليل وحقير، وتفسِّر ذلك بأنه إهانة لها، وتضييع لحقها، كل ذلك مما ينبغي للمرأة المؤمنة أن تتقيه وتبتعد عنه.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل.
والله تعالى أعلم.
стр. 225
حكم طاعة الوالدين في معصية الله
السؤال
إن والدي يطلب مني أحياناً أن أشتري له أمراً محرماً مثل الدخان، ويقول لي: إن لم تشترِ الدخان فأنت مطرود من البيت، فماذا أفعل؟ هل أشتري له هذا وأطيعه أم أعصيه وأُطْرَد من البيت؟ وآخر يقول: والدي يطلب مني بعض الأحيان أن أذهب بالأهل إلى أماكن تكثر فيها المنكرات، فهل أطيعه؟ أرشدني يرحمك الله؟
الجواب
( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) كما ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح، إذا أمر الوالد ولده بمعصية الله جل وعلا؛ فينبغي على الولد أن يذكِّر والده بالله جل وعلا، وأن تَخرج النصيحة من قلبه لذلك الأب، فيقول له: لا أستطيع أن أعصي الله ﷻ ، وليحاول معه المرة تلو المرة.
وأنا لا أستطيع أن أفتيك بطاعة المخلوق في معصية الخالق، فليس عندي من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ما يبيح لي أن آذن لك أن تفعل المحرم، وأحْمِلُ وزره بين يدي الله.
فأوصيك أن تذكِّر والدك بالله ﷻ ، ولا أزيد على ذلك، ولا أُنْقِص منه.
والله تعالى أعلم.
стр. 226
ضرورة المداومة على نصح الوالدين بالحكمة واللين
السؤال
يا شيخ! إننا نحبك في الله؛ أنا شاب لي والدان لا يصليان، وقد دعوتهما كثيراً؛ ولكن والدي ربما يستجيب أحياناً، أما والدتي فلا تصلي، وتخرج متبرجة متعطرة، ونصحتُها كثيراً؛ ولكن بدون جدوى، فماذا أفعل؟ أفتونا مأجورين!
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فأحبَّك الله الذي أحببتني من أجله، وأُشْهِدُ الله العظيم رب العرش الكريم على حبكم جميعاً في الله، وأسأل الله العظيم أن يجمعنا بهذا الحب في دار كرامته.
أما ما سألتَ عنه -أخي في الله- من كون الوالدين لا يصليان والعياذ بالله، فذلك ذنبٌ عظيم، وإثم كبير، فاستَدِم على نصحهما وتذكيرهما بطاعة الله ربهما، ولا تيئس ولا تعجز، وأسألُ الله أن يفتح لك قلبيهما؛ فإن من أعظم الحقوق للوالدين على الولد أن يأمرهم بطاعة الله، وأن ينهاهم عن معاصي الله وحدوده، فاستَدِم على أمرِهم بذلك، وحُثَّهم على ذلك، ولا تيئس، والله يأجرك.
والله تعالى أعلم.
стр. 227
أساس التوفيق والسداد
السؤال
فضيلة الشيخ! هناك رجل يسكن بعيداً عن والديه أي: أنه في بلدٍ ووالدَيه في بلد أخرى، ولم يزرهم منذ ثمان سنوات، علماً بأن هذا الغياب كان لظروفه الخاصة، حيث إنه يريد تكوين نفسه وجمع بعض المال، ومن ثَمَّ السفر إلى بلده ليعيش هناك، ويبني مستقبلاً أفضل كما يقول، فما هي نصيحتك له يا شيخ، علماً بأن والده قد توفي؟
الجواب
لا حول ولا قوة إلا بالله! عَظَّم الله أجرك في هذا العقوق، وهذا القلب القاسي الذي لا يتقي الله في الوالدين، ثمان سنوات تحرم والديك رؤيتك؟! أما تتقي الله ﷻ ؟! وأي مستقبل ترجوه؟! وأي مستقبل تؤمِّله؛ لو أن الله غضب عليك ومَقَتَك بسبب والديك؟! المستقبلُ الذي تنتظره مفاتيحُه البر، ومن أعظم أسباب نجاحك وفلاحك بر الوالدين، ومَن بر والديه كفاه الله همَّ دِينه ودنياه وآخرته، فكم مِن ابن أصبح وأمسى ووالداه راضيان عنه! قد رَفَعَا له أَكُفَّ الدعاء بأدعية لن تُرَدَّ من عند الله ﷻ ، فحاز سعادتي الدنيا والآخرة! أي مصيبة أعظم إذا فتنتك الدنيا وألهتك عن هذا الحق العظيم؟! أما ما ذكرتَه من كونك تغربتَ للأموال وللمستقبل الذي تزعمه فليس ذلك عذراً في الانقطاع عن الوالدين إلا إذا أذِنا، وإذا أذِنا فابكِ بكاءً حاراً من قلبك على فَقد رؤية الوالدين، ابكِ على ذنب حرمك الله بسببه أن تكون بجوار والديك، ولو كنتَ في وظيفة، أو في عمل؛ فإن هذا ابتلاءٌ من الله جل وعلا.
إن من أجل نعم الله أن يوفَّق العبد إلى القرب من الوالد والوالدة، فابكِ على ذنب حال بينك وبين هذا الباب من أبواب الجنة.
هذه الوصية الأولى.
أما الوصية الثانية: فأوصيك من الليلة أن تفكر في طريق الرجوع إلى الوالدَين، وكفى ما مضى، وأقبِل على والدتك وأدخِل السرور عليها، واسأل الله أن يتجاوز عما كان منك من التقصير في حق أبيك؛ وليكن رجوعك عن هذا الذنب العظيم أن تكثر له من الدعوات، وأن تسأل الله أن يسبغ عليه شآبيب الرحمات.
أدرك بر والديك بالرجوع إلى والدتك، وكفى ما مضى من الأمور التي كنت فيها، وما كان من الخير الذي أصبته من الدنيا ففيه الخير، فعُد إلى أهلك وأنْعِم عينيك ببر والدتك، قال: (يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد، فقال ﷺ : أَحَيَّةٌ أمُّك؟ قال: نعم، قال: فالزم رِجْلها، فإن الجنة ثَمَّ) فالزم رِجْل والدتك، وعُدْ إلى والدتك، واسألها أن تعفو عما كان منك من غابر الزمن.
والله تعالى أعلم.
стр. 228
نحو ترشيد الصحوة
تعاني الصحوة الإسلامية من مظاهر سلبية مختلفة ترافق مسار الدعوة إلى الله، لذلك قام الشيخ الفاضل حفظه الله بإسداء نصائح ووصايا لشباب هذه الصحوة، تقويماً لمسارهم، وإصلاحاً للعيوب والآفات التي انتشرت بينهم.
стр. 229
أثر النصيحة والتذكير بين الأخيار والصالحين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيعلم الله كم كنت أريد أن يستمر الشيخ حفظه الله ووفقه وزاده علماً وحلماً وسداداً ورشاداً، فما أحوجنا إلى أن يذكر بعضنا بعضاً بهذه الأمور التي يكمل بها نقص الإنسان، ويدل بها على صدق العبودية لله العظيم الرحمن، فلا خير في الأخيار إذا لم يتناصحوا، ولا خير في المؤمنين على الكمال إذا لم يتواصوا.
المؤمن يحتاج من أخيه إلى كلمة تدله، ونصيحة على الخير ترشده، وعلى طاعة الله ومحبة الله تثبته، وإذا أراد الله بالعبد خيراً رزقه القرين الصالح الذي يبصره بعيوبه، ويذكره بخطاياه وذنوبه، حتى يسلم له أعز شيء في الحياة وهو دينه، فلا سلامة للدين إلا بتوفيق الله ثم بالوصية من الإخوان الصادقين، ولذلك شهد الله جل وعلا أنه لا نجاة من الخسارة إلا بالنصيحة التي تدل على طاعة الله ومحبة الله، وتحذر من معصية الله وحدود الله، كما قال في السورة العظيمة التي قال عنها الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: لو لم ينزل الله في القرآن إلا سورة العصر لكفت الخلق، وفيها قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
وإذا بُصر الإنسان في وصية خالصة صادقة، بُصر بعيوبه وذُكر بزلاته وذنوبه احتقر نفسه ودعاها إلى الكمالات وذكرها برفعة الدرجات، فسمت إلى محبة الله فاطر الأرض والسماوات، النصيحة غالية، النصيحة لا تصدر إلا من أخٍ صالح، وإذا نظرت في إخوانك فوجدت أخاً يتعاهدك بالنصيحة، فاعلم أنه يحب الخير لك.
ولذلك أثر عن عمر ويؤثر عن غيره أنه قال: [رحم الله امرأً أهدى إلينا عيوبنا].
فإذا أهديت العيوب، عرف الإنسان قدر نفسه، ودل على طاعة ربه ومع هذا كله أيها الأحبة! إذا كان هذا هو الداء؛ فإنه تثور في النفس أشجان وأحزان، إنا لمقصرون وعندنا عيوب وذنوب، فكيف المخرج من التقصير؟ وكيف السلامة من العيوب والذنوب؟
стр. 230
وصايا تعين على التخلص من العيوب والآفات
стр. 231
الوصية الثامنة والأخيرة: تقوى الله
وختاماً أيها الأحبة! أحب أن أوصيكم ونفسي بتقوى الله جلا وعلا التي هي مظنة الصلاح والفلاح والربح والنجاح؛ فإن الله تعالى جعل بها فرجي الدنيا والآخرة، فجعل سعادة الدين في التقوى، وأخبر أن المتقين على سدادٍ وصلاح ولو لم يكن لهم إلا محبة الله ومعيته لكفى، وأخبر عن صلاح دنياهم؛ أنه يجعل لهم من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، فإذا ضاقت النفوس وخشي الإنسان من الانتكاسة أو تغير الأحوال؛ فليتق الله فلعل ذنباً بينه وبين الله غير حاله الذي هو عليه، وذلك تقوى الله هي أزمة الأمور، ومن أعظم الأسباب التي تنشرح منها الصدور: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء.
يتفقد الإنسان نفسه فلعل ذنباً في عين أو في سمع أو في قدم أو في يد أو في فرج أو مظلمة لوالدة أو والد أو رحم؛ فإن الله عزوجل ذكر أن الذنوب من أعظم الأسباب التي تحول بين الإنسان والخير؛ فقال تعالى عن الذين قطعوا أرحامهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا قطع رحمه أصابه الصمم وعمي البصيرة، والمراد بالصمم: أنه لا تنفع فيه موعظة، ولو عرضت المواعظ التي تفتت الجبال عليه ما أثر فيه، ولو أثرت فيه تأثر بها لحظة ثم تزول نسأل الله السلامة والعافية: ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] فلا يرى خيراً ولا يوفق لطاعة، نسأل الله السلامة والعافية، فالذنوب من أعظم الأسباب التي تحرم الإنسان من هذا الخير، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يثبت قلوبنا وقلوبكم على ما يرضيه عنا.
وختاماً والله إنها لمناسبة طيبة، أسأل الله أن يجزي الأحبة كل خير، وكان مما يبهج نفسي ويدخل السرور عليه -والله شهيد على ذلك- وجود الشيخ، ويعلم الله كم تمنيت لقائه، أسأل الله أن يجمعنا وإياكم وإياه في دار كرامته، وأن يجعلنا وإياكم من المتحابين في جلاله، الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وآله الطيبين الطاهرين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، والله تعالى أعلم.
стр. 232
الوصية السابعة: أن يكون للإنسان هدف سام في الحياة
كذلك أيضاً من الأمور التي تعين على التمسك بالدين والبقاء على حلاوة الالتزام والاستقامة وطاعة الله جل وعلا: أن يكون نظر الإنسان إلى ما هو أسمى وأسنى، بعض الشباب يقول: سأنتكس والعياذ بالله، ويأتيه هاجس في النفس قلّ أن يلتزم أحد إلا والشيطان يقول له: ستنتكس، فأنت اجعل الجنة والنار بين عينيك، وعد نفسك بإذن الله أنك يوماً من الأيام ستبلغ مرضاة الله العليا؛ لأن الله لما أخرج العبد من الظلمات إلى النور وهو لم يرفع كفاً له يوماً أن يهديه؛ فإن الله جلا وعلا أكرم سبحانه، من أن يضيع عبده وقد سأله الثبات والهداية.
هل أحد في الجاهلية رفع كفه وقال: اللهم اهدني؟ أعرف كثيراً ممن كانوا في الجاهلية، كثير منهم لم يسأل الله يوماً من الأيام أن يهديه، والله الذي هداه سبحانه، فإذا كان أعطاه الهداية بدون سؤال؛ فيكف إذا سأل الله وهو على استقامة وصلاح والتزام أن يثبت قلبه إلى لقائه! فمن الأمور المهمة أن الإنسان يسعى ويحرص قدر الاستطاعة على أن يجعل له هدفاً سامياً، وهذا الهدف الأسمى والأسنى، أن تحاول أن تتمثل هدي النبي ﷺ ، وأن تهيئ نفسك لعلم أو عمل تبلغ به معالي الأمور، مثلاً: اجعل في نفسك أن الله يجعلك يوماً من الأيام من أعلام المسلمين، وما ذلك على الله بعزيز؛ فإن الذي علم آدم وداود وفهم سليمان قادر على أن يعلمك أو يفهمك، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:٥٦] فإذا تذللت لله وجعلت نفسك أنك تسمو إلى هذه الكمالات فبإذن الله سيثبت الله قلبك ويشرح صدرك.
стр. 233
الوصية السادسة: التفاعل مع حلق الذكر
كذلك أيضاً من الأمور التي ينبغي التنبيه عليها: التفاعل مع حلق الذكر، بعض الشباب يسمع الشريط المرة والمرتين ثم يمله، والعبد الصالح الموفق لا يسأم من خير، ولا يمل من طاعةٍ وبر، ولو كثر هذا الحديث، ولو كان من أوضح الواضحات! وأذكر موقفاً طريفاً: ذات مرة الشيخ ناصر الألباني حفظه الله، حصلت حادثة في المدينة -حريق- بسوق بجوار المسجد وقام رجل من العوام بجوار باب السلام -لا زلت أذكر ذلك بعد صلاة الظهر- فقام يتكلم ويعظ الناس، عامي ولكنه رجل محافظ على الصف الأول وأراه صاحب سنة؛ لما ترى -سبحان الله- فيه من الوقار، وتلك اللحية البيضاء الجميلة الوقورة، والمحافظة على الصف الأول، والمحافظة على حلق العلم، شخص صالح وفيه خير، فقام هذا الرجل وأظنه كان رجلاً باكستانياً عامياً من العوام؛ فتكلم كلاماً عامياً وكنا جالسين، لكن مع أنه عامي وعادي ينفذ إلى القلوب والله أعلم بقلب الرجل، وقد تُوفي رحمة الله عليه، والله -أيها الأحبة- يكاد يكون المجلس كله بكى، تكلم كلاماً لامس شغاف القلوب، فما شعرنا فجأة إلا به يضع يديه على رأسه وقال: الشيخ ناصر -الشيخ ناصر كان موجود في الحلقة- فاستعظم أن الشيخ موجود، فقال له الشيخ وكان بعيداً عني قليلاً تكاد تكون فيه عبرة، يقول له: استمر، بالله استمر، ما قال: أنا الشيخ ناصر، ولا افتخر، ولا قام من الحلقة، هكذا صنيع أهل الفضل؛ لأن الله عزوجل إذا رفعك بالهداية فتذلل لهذه الهداية لله جل وعلا، لا تستنكف عن مجلس خير، لا يكن جلوسك في مجالس الخير للمشهورين، ولكن اجلس لكلام الله رب العالمين، حتى ولو حلقة قرآن، وثق أنك إذا حضرت مجالس الذكر، أنك لا تجد -بإذن الله- تغيراً إلا إلى كمال، حتى ولو كان عند الإنسان نقص وعيوب لعل الله أن يسترها ويغفرها بمثل هذه المجالس، فإن النبي ﷺ يقول عن الله تعالى: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) هذه أمور مهمة جداً منها الحرص على المحاضرات.
стр. 234
الوصية الخامسة: عدم السأم والملل من الطاعة
كذلك أيضاً من الأمور التي تعين على ترك هذه الأخطاء وهذه الزلات التي لا منجى ولا ملجأ فيها من الله إلا إلى الله: كون الإنسان كثير الخير بمعنى: ألا تسأم من طاعة، إن كثيراً من الشباب قد تجده في بداية الأمر حريصاً على الصلوات، حريصاً على الطاعات، حريصاً على الخيرات، ثم يخف قليلاً قليلاً حتى -والعياذ بالله- ينتكس، والسبب في هذا السآمة من الطاعة، ولذلك قال ﷺ : (إن الله لا يمل حتى تملوا) فالإنسان إذا ملَّ الطاعة -نسأل الله السلامة والعافية- حُرم الخير، بعض الإخوان أصلحهم الله تجده في بداية الهداية لو قيل له: هناك محاضرة فلا يمكن أن تفوته، أي مجلس خير لا يمكن أن يفوته، فما أن يمضي الشهر والشهران عليه؛ فيعتاد العلماء ويعتاد مجالسهم، لو قيل له يوماً من الأيام: تعال إلى محاضرة تتحدث عن رمضان، يقول: يا أخي هذا موضوع واضح، لا ينظر إلى أن خطواته في سبيل الله، ولا ينظر أنه يحضر مجلساً من مجالس الخير والرحمات، لولا الله ثم هذه المجالس لما نال كثير من الشباب هذه الروحانية واللذة التي يجدها مع ما فيها من علم وميراث نبوة وتوجيه وإرشاد؛ لا تسأم ولو قيل لك محاضرة عن الصبر، ولو قيل لك محاضرة من أوضح الواضحات فاذهب إليها واشتر رحمة الله بخطوة تمشيها، وبمزاحمة الناس على الخير أن يُقسم ميراث النبي ﷺ ولا تشهده!! أتقسم الدرجات والحسنات ولا تكون في ذلك المكان الطيب المبارك؟! وما يدريك لعل هذا الشيخ غير المشهور الذي يحضر له الصف والصفان مقبول عند الله جل وعلا، ما يدريك فليست العبرة بالكثرة، ولا بالمشهورين، ولا بالسمعة، ولكن العبرة بالقلوب (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
كثير من الشباب الآن بدأ يألف الخير لقلة حضور المحاضرات، لقلة غشيان حلق الذكر، لقلة غشيان مجالس العلماء، أي شاب تجده يجد في نفسه الضيق بعد السعة، فاسأله قل له: أناشدك الله أما كنت تحضر المحاضرات وتقاعست عنها؟ قال لك: نعم، أما كنت تحضر حِلق العلم وتقاعست عنها؟ قال لك: نعم، إذن: ﴿لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] إن الله يحب من العبد الجد والاجتهاد في طاعته: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] فالله ندبنا إلى استباق الخيرات، والسلف الصالح رحمة الله عليهم كانوا يجلسون في مجالس من هو دونهم في العلم والفضل، حتى أذكر من علمائنا ومشايخنا سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز ﵀ كان عندنا في المدينة بمرأى من عيني وأشهد له بذلك يصلي في الصفوف الأول في الحرم النبوي، ثم يرجع خارجاً من المسجد يكون مثلاً ما عنده درس، قلَّ أن توجد حلقة عالم إلا جلس فيها ما شاء الله، وقد يكون ذلك العالم من طلابه، هل قال: أنا الشيخ عبد العزيز أو اغتر؟ الإنسان الذي يغتر بنفسه يهلك، نقصان الطاعة الموجود في الشباب من أسبابه -والعلم عند الله- الاغترار، الإنسان دائماً يسعى إلى الكمال، يحرص على طاعة الله، لا تسمع بحلقة عالم إلا حضرتها، ولا حلقة ذكر إلا جلستها، ولا مجلس علم إلا شهدته، هل ترضى أن تفتح حلقة علم في مسجد الحي، أو في مدينتك وتُرفع أسماء من حضرها في دواوين الصالحات إلى الله، تصعد الأعمال الصالحة وليس فيها اسمك؟ أترضى لنفسك بهذا؟ ولذلك الذي يحتقر العلم ويحتقر العلماء، سيصيبه السفال، والذي يعظمهم يعظم من الله ويجل ويكرم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] هذه آفات حصلت بأسباب، تغير القلوب، حصول نقص من الإيمان عند كثير من الشباب من أسباب هذه الأمور.
стр. 235
الوصية الرابعة: القرب من العلماء الصالحين
الوصية الرابعة التي تعين على البعد من هذه الآفات: القرب من العلماء الصالحين، فكلما وجدت الشاب الصالح اهتدى؛ ثم اقترب من العلماء فاعلم أن الله قبل هدايته، لكن يقترب الإنسان من العلماء بالمحبة والمودة والتوقير والإجلال وذكرهم بالجميل وتعطير المجالس بذكرهم الحسن وأخلاقهم وآدابهم؛ حتى ينتفع الناس ويكون قرب الإنسان منهم رحمة له ولغيره، لا يقترب مغتراً كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن كثيراً من أهل الفسوق اغتروا بصحبة الصالحين؛ فهلكوا بتلك الصحبة.
فالقرب من العلماء والصالحين، ينبغي على الإنسان أن يحذر فيه وأن يكون هذا القرب بالمحبة والمودة الصادقة التي عله أن ينال بها ذلك الشرف الذي أخبر النبي ﷺ عنه في حديث أنس في الصحيحين، حديث الأعرابي الذي جاء -أعرابي عامي ليس عنده كثير صلاةٍ ولا صيام- إلى النبي ﷺ بذلك القلب المنكسر والنفس المتعطشة المتلهفة؛ يشكو إليه ذلك الشجن في قلبه فقال: (يا رسول الله! المرء يحب القوم ولما يعمل بعملهم، فقال ﷺ : المرء مع من أحب).
فالذي يحب العلماء ويبادل العلماء المحبة والمودة والتقدير والتوقير والإجلال، يغفر زلاتهم وينشر خيراتهم ولا يتتبع عثراتهم، ولا يشهر في المجالس بأخطائهم، يبادلهم المحبة الصادقة؛ فإن الله ينفع بذلك، ولذلك أقرب الناس من الخير بعد العلماء هم طلاب العلم، ومثل العلماء لذلك بالعين؛ فإن أخصب مكانٍ في أرض الله جل وعلا منفعة بتلك العين ما كان قريباً منها، ولذلك قلَّ أن تجد عيناً للماء إلا وجانباها قد اعشوشب من ذلك الماء، فتجد أكمل خضرة وأجمل خضرة على الأرض من ماء تلك العين ما كان قريباً من العين، وكذلك ينبغي لطالب العلم أن يقترب ويكون تحت كرسي العالم، ويتقرب إلى الله والله يشهد أنه ما اقترب إلا لوجهه؛ وما اقترب إلا لرحمته؛ فلعله إذا اقترب أن يجلس ذلك المجلس الذي تبدل فيه سيئاته حسنات، وما من أحد إلا وعنده زلات وهلات، فإذا أصبح حريصاً على مجالس العلماء يغفر له في كل مجلس يجلسه، قالوا: (يا ربنا إن فيهم فلاناً عبد خطاء كثير الذنوب مر وجلس معهم، قال: وله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فإذا كان هذا مر وجلس؛ فكيف بمن لزم ذلك المكان تحت قدم العالم يتقرب إلى الله جل وعلا دون غلوٍ ولا تنطع؛ هذه نعمة كبيرة وفضل عظيم؛ ولذلك تجد أقرب الناس إلى الخير طلاب العلم الأخيار.
وينبغي أن يقترب الإنسان من العلماء بقلب صافٍ من ناحية الغل والبعد عن العجب، يقترب وهو يتذلل لله تعالى بهذا القرب علَّ الله أن يرفع درجته، وأن يعظم أجره وأن يضاعف حسنته، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.
стр. 236
الوصية الأولى: دعاء الله الصادق بالسلامة من العيوب
والوصية الأولى: أن تسأل الله جل وعلا الذي يلطف بمن شاء من عباده، ويرحم من شاء من خلقه، أن يرحمك فيسلمك من عيوبك، ويغفر لك ما بدر من خطاياك وذنوبك، سل الله أن يلطف بك، فإنه لا يلطف بالعبد في هدايته وصلاحه إلا ربه، وهو الذي بيده القلوب يقلبها كيف شاء ، وكم من عبدٍ كثير الزلات كثير الخطايا والهنات، ضرع إلى الله بدعوة صالحة فاستجيبت من بين الدعوات ونظر الله إلى قلبه أنه يريد وجهه، صادقاً في سؤاله، فقلب الله قلبه بين العشية والضحى عبداً صالحاً كاملاً، سلوا الله أن يعافيكم وأن يسلمنا ويسلمكم من منكرات الأخلاق والأقوال والأعمال.
стр. 237
الوصية الثانية: الاهتداء بهدي السلف الصالح
ثم الأمر الثاني: الأخذ بالأسباب: أن يأخذ الإنسان بالأسباب التي تعينه على ترك مثل هذه المآخذ والمخالفات والأمور التي لا تليق به وهو منتسب إلى خير ما ينتسب إليه وهو الدين والاستقامة، ومن أعظم هذه الأسباب: الاهتداء بهدي السلف الصالح؛ فإذا وفق الله جل وعلا العبد رزقه السير على منهج السلف الصالح؛ فتشبه بالأخيار حتى صار منهم، واهتدى بهديهم حتى حُشر معهم، والدليل على ذلك أن الله جل وعلا أخبر أن قصص الأنبياء تثبت القلوب على طاعة الله: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] يثبته على ماذا؟ على الهدى، على المحبة والرضا، على الطاعة التي تُرضي الله جل وعلا.
فمن أعظم الأسباب بعد الدعاء: أن يحاول الإنسان قدر استطاعته أن يأخذ بالقدوة الصالحة من السلف الصالح الذين تمسكوا بهدي الكتاب والسنة، وقلّ أن يقرأ الإنسان سيرة من سير العلماء، أو يتدبر قدوة صالحة من الأخيار الصلحاء الفضلاء من سلف هذه الأمة إلا دمعت عيناه، وخشع قلبه، وأخذ في كمال نفسه وحملها على طاعة الله ربه، ولذلك قال الله تعالى لنبيه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] أولئك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الأخيار الذين هدى الله فبهداهم اقتده، فالذي يريد أن يكون على أكمل المناهج، وأقوم السبل بعيداً عن الزلات والهنات؛ يهتدي بالأخيار من سلف هذه الأمة الصالحين من العلماء العاملين، الأئمة المهديين، الذين عضوا على كتاب الله رب العالمين، وسنة خير الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد أشار الصحابي الجليل أبو حمزة أنس بن مالك ﵁ وأرضاه إلى هذا العلاج الكريم حينما قال: [لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها].
فقراءة سيرة السلف الصالح تغسل عن القلوب كثيراً من الأدران، وتجعل الإنسان دائماً يتفقد نفسه، ويحاول أن يكمل نقصه، وأن يترك خلله، وأن يُصلح خطأه؛ وهذه نعمة يوفق الله إليها من شاء من عباده، وكان الوالد رحمة الله عليه يقول: يا بني لا أوصيك بشيء بعد كتاب الله وسنة النبي ﷺ مثل قراءة تراجم العلماء والسلف الصالح.
لها أثر عظيم في القلوب، ولها أثر عظيم في النفوس، تحبب الخير إلى القلوب، وتنفر المعاصي إلى الطباع، وتجعل الإنسان دائماً يبحث عن خصلة من الخصال، أو طاعة من الطاعات حتى يدرك ما أدركوا من الخير، أو يكون قريباً مما نالوه من الفضل، ونسأل الله بعظمته وجلاله أن يبلغنا ما بلغوه، وأن يكرمنا كما أكرمهم، وإن كنا لسنا أهلاً لذلك؛ فهو أهل الفضل وأهل الرحمة والعطاء والنول، سبحانه لا إله إلا هو.
стр. 238
الوصية الثالثة: ترك الغفلة
أما الوصية الثالثة التي تعين على ترك مثل هذه الأمور: ترك الغفلة؛ فإن الإنسان إذا أخطأ وهو غافل عن خطئه؛ قل أن يتبصر بعيبه إلى أن يلقى الله جل وعلا، إذا رأيت الإنسان يخطئ وهو غافل عن عيوبه، غافل عن ذنوبه؛ فاعلم أنه مستدرج من الله، نسأل الله السلامة والعافية.
فلا ينبغي للشاب أن يغتر بحاله وسمته، وما يكون منه من بعض الصالحات، فلذلك ينبغي ألا يغفل عن الأخطاء والعيوب؛ دائماً يحاسب نفسه كما قال الحسن البصري ﵀: [لا يزال المؤمن يتهم نفسه يقول: ما أردت بهذا وجه الله] أي: إني لست مخلصاً، أو لست أريد به وجه الله خالصاً.
هكذا المؤمن دائماً يتفقد نفسه بالاحتقار الذي يدعوه إلى الكمال، أما إذا كان الاحتقار كما سبق في كلام الشيخ حفظه الله يدعو إلى النقص، كون الإنسان يحتقر نفسه ويمتنع من الكمالات لا، لكن احتقاراً يدعو إلى الكمال فنعم هذا الاحتقار، كون الإنسان يحتقر نفسه، ويتهم نفسه دائماً؛ لكي يسمو إلى معالي الأمور فهذا فضل، قال بعض السلف: والله ما جلست مجلساً وأرى نفسي أصغر القوم إلا خرجت وأنا أعلاهم، ولا دخلت مجلساً وأرى نفسي أني أعلاهم إلا خرجت وأنا أدناهم.
فالاحتقار للنفس نعمة كبيرة، قال مطرف بن عبد الله الشخير: [لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً] فالذي ضرنا العجب، ننظر إلى من هو دوننا ولا ننظر إلى من هو فوقنا، فلا ينظر الإنسان إلى الشباب الذين ابتعدوا عن طاعة الله أصلحهم الله لكي يقول: أنا الشاب الصالح الذي أغشى حلق الذكر وأسمع الندوات والمحاضرات؛ ولكن يقول: أنا المذنب، أنا المقصر، أنا المسيء، أنا الخطاء، أنا الذي عندي الذنوب التي لا أعرف أحداً أكثر ذنباً مني، يتهم نفسه وهو في عداد الصالحين وإلا فقد يكون الكفار أكثر ذنوباً منا، ولذلك قال بعض السلف وهو واقف بعرفة: لو نادى منادٍ من الله: غُفر لأهل هذا الموقف إلا واحداً لعددت نفسي ذلك الرجل.
الإنسان إذا احتقر نفسه سما إلى الكمالات.
стр. 239
صنائع المعروف
من نعمة الله على عبده أن يشرح صدره للطاعة، ويكمل ذلك عليه بنعمة مكارم الأخلاق، فيصير للخيرات سباقاً، ولطاعة ربه ورحمته تواقاً ومشتاقاً، حتى يصير مفتاحاً من مفاتيح الخيرات، وسبباً من أسباب الرحمات، مستجمعاً لصنائع المعروف التي تفرج هموم المسلمين، وتعين الفقراء والمساكين.
стр. 240
فضل صنائع المعروف
الحمد لله الذي اصطفى لمحبته الأخيار، فصرف قلوبهم في طاعته ومرضاته آناء الليل وأطراف النهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى جميع أصحابه الأخيار، ومن سار على نهجهم ما أظلم الليل وأضاء النهار.
أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إخواني في الله! إن الله إذا أحب عبداً من عباده شرح صدره لطاعته، فإذا أراد أن يتمم عليه نعمته وأن يكمل عليه منته تممها وكملها بمكارم الأخلاق، يوم يصير للخيرات سباقاً، ولطاعة ربه ورحمته توَّاقاً ومشتاقاً، يوم يصير مفتاحاً من مفاتيح الخيرات، وسبباً من أسباب الرحمات، يوم يفرج الله به هموم المسلمين وغمومهم يوم يفرج الله به كربات المكروبين، ويرحم به المعذبين، ويغني به الفقراء والبائسين، يوم يجعله الله جل وعلا رحمة من رحماته، حين يملأ قلبه عطفاً على المسلمين، ورحمةً بهم ومواساة للمحتاجين.
إنها صنائع المعروف التي اصطفى الله لها رجالاً واختار لها على مر العصور والدهور أجيالاً، يوم جعلهم مفاتيح الخيرات والرحمات، فعاشوا في هذه الحياة بالذكر الجميل والعمل الصالح الجليل، وخرجوا من الدنيا والله راضٍ عنهم غير غضبان، يوم أصبحوا نعمة على العباد لا نقمة عليهم، أصبح الواحد منهم مسلماً لله منقاداً مطيعاً مستسلماً ما إن يسمع رحمة من الرحمات ولا باباً من أبواب الخيرات إلا كان إليه سباقاً طالباً له ومشتاقاً، إنها الرحمة التي أسكنها الله قلوب الرحماء ولم تدخل الرحمة إلى قلب عبد من عباد الله، إلا أهله الله لرحمته، فالله يرحم من عباده الرحماء والله يحلم على الحلماء، وييسر على الذين ييسرون على عباده، ويرفق بمن رفق بخلقه وعبيده.
إنها أبواب الخيرات، وأبواب الطاعات والرحمات التي يحقق بها المسلم إسلامه، التي يحقق بها المؤمن طاعته لربه والتزامه، إنها الاستقامة الصالحة، إنها الاستقامة الصادقة، يوم يتفطر قلب العبد شوقاً وحنيناً إلى رحمة من رحمات الله، وما يدريك فلعل دمعة اليتيم التي كفكفتها يكفكف الله بها دموعك في الحشر، وما يدريك عن هذه الكربة من أرملة من أرامل المسلمين فرجتها عنها فلعل الله أن يفرج عنك بها كربة من كرب يوم الدين، في يوم شديد الأهوال، في يوم تشيب منه ذوائب الأطفال، في يوم تضع فيه الأثقال ذوات الأحمال.
أيها الأحبة في الله: ما شرح الله صدر عبدٍ من عباده لهذه الخيرات إلا جعله من أحب الخلق إليه، ومن أكرمهم وأعظمهم زلفى لديه، لذلك كان من أجلِّ نعم الله بعد الهداية أن يشرح صدر الإنسان لصنع المعروف.
صنائع المعروف وما أدراك ما صنائع المعروف؟ التي يخط بها العبد الصالح في دواوين الصالحات تلك الحسنات العظيمة.
صنائع المعروف وما أدراك ما صنائع المعروف؟ التي غفر الله بها الذنوب، وستر بها العيوب وفرج بها الهموم والغموم والكروب، فيا لله من أقوام عاملوا الله جل وعلا بهذه الأعمال الصالحة، خرجوا وقد ملئت دواوين أعمالهم بالحسنات الباقية، إنه الأجر الذي يتقدم الإنسان إلى الدار الآخرة، إنها مزارع الآخرة التي يحصدها الإنسان في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
لذلك أيها الأحبة في الله! كل مؤمن صالح ينظر في كتاب الله أو يقرأ في سيرة النبي ﷺ يجد تلك الأبواب أمام عينيه مفتحة، يجد أمام عينيه الخيرات مؤهلة، تلك الخيرات وتلك الرحمات التي ندب الله إليها الصالحين والصالحات، فقال في كتابه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].
стр. 241
قواعد وأسس في صنائع المعروف
стр. 242
امتلاك القلب الرقيق
القاعدة الثانية والتي لا يمكن للإنسان أن يكون من أهل المعروف إلا بها: أن يرزق الله العبد قلباً رقيقاً، القلب الرقيق الذي يفتحه العبد الصالح لهموم المسلمين وغمومهم، لن تستطيع أن تدخل تلك الأبواب التي فيها الرحمات وفيها عظيم الأجور والحسنات إلا بقلب رحيم بعباد الله المسلمين، إنها الرحمة التي قال الله جل وعلا يخاطب بها نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أن يكون عند الإنسان قلب رقيق، قلب إذا جاءه المهموم بهمه لا يتحمل أن تفيض عيناه، وكأنه صاحب شكواه.
أن يكون عند الإنسان قلب يعيش أشجان المسلمين وأحزانهم، فإذا جاءه المكروب بكربه أو جاءه المهموم بهمه أو المغموم بغمه فتح له ذلك القلب الرقيق الرحيم؛ حتى تهون على صاحبه الدنيا فيشتري بها ﵀ ﷻ .
أن يكون عند الإنسان قلب يعطف على المسلمين ويرحم المسلمين، ولذلك قال ﷺ : (الراحمون يرحمهم الله) الراحمون أي: الذين أكرمهم الله جل وعلا بلين القلوب، والعطف على عباد الله، والشفقة على خلق الله ﷻ ، فليكن الإنسان رحيماً بعباد الله.
إذا أتاك المهموم أو صاحب الحاجة أو المغموم فاعلم أن له فضلاً عليك يوم اختارك من بين الناس لهمه وغمه.
ولذلك قال ابن عباس: [ما سألني صاحب حاجة حاجته إلا اعتقدت الفضل له أن اختارني من بين الناس] اختارك من بين الناس لحزنه، واختارك من بين الناس لهمه وغمه، فأعطه من الحنان وأعطه من الرحمة والإحسان فوق ما يرجوه منك.
فإذا رزق الله الإنسان إخلاص العمل ورزقه قلباً رقيقاً بعباد الله رحيماً رفيقاً؛ تهيأت له أبواب الخيرات وتيسرت له سبل المكرمات جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 243
إخلاص العمل لله ﷻ
أول قاعدة في صنائع المعروف وأساسها وأعظمها والتي يبارك الله بها: إخلاص العمل لله ﷻ ، فأول ما ينبغي على العبد الذي يريد أن يجعله الله جل وعلا صانعاً للمعروف المقبول أن يخلص لله ﷻ ، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، أن ينفق الإنسان وتسح يمينه بالخيرات آناء الليل وأطراف النهار، يشتري بذلك رحمة الله ﷻ ، لا ينفق رياءً ولا سمعةً ولا ثناءً، ولكن يريد رحمة الله، يريد ما عند الله، كما قال الله ﷻ : ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:٩ - ١١] اللهم إنا نسألك أن تجعلنا منهم.
أن تنفق يوم تنفق والآخرة أمام عينيك، أن تنفق يوم تنفق ومزارع الجنة كأنها أمام ناظريك، أن تشتري رحمة الله بكل مالٍ تُعطيه ولكل فقير تواسيه، أن تشتري رحمة الله بقلب لا يريد إلا ما عند الله ﷻ ، ما كان لله دام وبقي ما كان لله نفع العبد في الدنيا وفي الآخرة.
فينبغي على الإنسان إذا فتح أبواباً من أبواب الخير، أو أوقفه الله جل وعلا أمام باب من أبواب الخير أن يفكر أول ما يفكر في المتاجرة مع الله.
إن المتاجرة مع الله باقية، وهي الصدقة الطيبة الخالدة التي يثيب الله صاحبها عليها في الدنيا والآخرة إخلاص العمل لله.
وكم من عامل أحبط الله عمله بالرياء! وكم من عامل أحبط الله عمله بالثناء! فاشترِ ما عند الله جل وعلا، فإن الثناء كل الثناء من الله، وإن أعظم ما ينتظره العبد رضوان الله ﷻ ، ولذلك ورد في الحديث وإن كان قد تكلم بعض العلماء على إسناده ولكنه عبرة وعظة ومعناه صحيح: (أن العبد إذا أقامه الله يوم القيامة وذكره أعماله الصالحة، قيل له: قرِّب، فيقرب أعماله، فيقول الله: ما تقبلت منها شيئاً) نسأل الله السلامة والعافية.
وجاء في رواية أن الله تعالى يقول له: (اذهب فخذ أجرك ممن رائيته) اذهب وخذ الحسنات والأجور من ثناء الناس، خذ ما تريد من مدح الناس، خذ ما تريد من ذكر الناس، فاليوم لمن أراد الله والدار الآخرة، اشتر رحمة الله فإنها باقية خالدة تالدة.
стр. 244
أبواب صنائع المعروف
أما صنائع المعروف فهي أبواب عظيمة وكثيرة، ولذلك قال الله في كتابه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] فليست باباً واحداً، ولكنها أبواب كثيرة يعيشها المسلم مع هموم وغموم المسلمين لا يعلمها إلا الله ﷻ ، فلا تقتصر على إنفاق الأموال ولا تقتصر على ستر العورات وتفريج الكربات، ولكنها تعيش مع المسلم في كل خير وطاعة أمر الله بها ورسوله ﷺ ، كل خير يحبه الله ويحبه رسول الله ﷺ ذو نفعٍ متعدٍ فإنه من صنائع المعروف.
стр. 245
إعانة المكروب
ومن صنائع المعروف إعانة المكروب عند كربه، وذلك يكون بأمور كثيرة تختلف باختلاف الناس، باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكل ذي حاجة جاءك في حاجته فأعنه على تلك الحاجة التي لا تغضب الله، فذلك من صنيع المعروف الذي يحبه الله ﷻ ، ويشمل ذلك ما كان بالأموال، وما كان بالجاه من الشفاعة الحسنة التي لا تحول بين حد من حدود الله، يوم يأتيك عبدٌ ضعيف يريد من جاهك أن تشفع شفاعة لا يؤثر بها على ذي حق، ولا يتوصل بها إلى مظلمة فتلك من الشفاعات المباركة.
وقال بعض العلماء: من زكاة الجاه والذكر الجميل، أن يسعى الإنسان في تفريج كربات الناس بذلك الجاه، من شكر نعمة الله بالجاه أن تبذله في تفريج الهموم وتفريج الغموم بالشفاعة الحسنة قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] الشفاعة الحسنة التي تعين على إيصال الخير للناس وتفريج الهموم والغموم عن عباد الله من صنائع المعروف.
стр. 246
مواساة المصابين والمكلومين
ومن صنائع المعروف التي يحبها الله جل علا: مواساة المصابين والمكلومين، فإن الإنسان إذا سمع عن أخيه أنه أصيب بمصيبة في نفسه أو أهله أو ولده؛ فعليه أن يؤهل نفسه لكي يقترب منه، فيذكره بحسن الثواب، وحسن العاقبة عند الله والمآب، علَّ ذلك يكون سبباً في صبره وسلوانه وعظم أجره عند ربه، فتثبيت القلوب عند الكربات وتثبيت القلوب عند المصائب من صنائع المعروف.
فالمسلم يحتاج من أخيه إذا نزلت به ضائقة أن يواسيه ويسليه، يحتاج من أخيه إذا نزل به همٌّ وغمٌّ أن يثبته، فإن القلوب إذا نزلت بها المصائب تزلزلت، إلا أن يثبتها الله جل وعلا من عنده، فإذا جاء العبد الصالح وذكّر أخاه بما عند الله من الأجر والمثوبة كان ذلك من أعظم المعروف الذي يسديه إليه.
стр. 247
الصلح بين الناس
ومن صنائع المعروف: الصلح بين الناس إذا تقاطعوا، والصلح بين الناس إذا تهاجروا، وقطع أسباب الضغائن والشحناء، وقطع أسباب الفتن والبغضاء، فإنها من أعظم الأمور المقربة إلى الله جل وعلا، والتي شهد الله من فوق سبع سماوات أنها خير النجوى، قال : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤].
إنها لخطوات عزيزة عند الله يوم تسعى في لمِّ شملٍ قد تفرق يوم تسعى لجمع قلوب المؤمنين، فما أحوج الناس إذا وقعت بينهم الخصومات والنزاعات إلى من يجمع شملهم إلى من يؤلف بين قلوبهم إلى من يقطع سبيل الشياطين عنهم إلى من يقف معهم لكي يذكرهم بما في العفو من الأجر عند الله ﷻ ! فلذلك كان من أحب الأعمال إلى الله: السعي بالصلح بين الناس الصلح بين الزوجين الصلح بين المتخاصمين، فلا تعلم بقطيعة بين مسلم ومسلم إلا أهّلت نفسك للصلح بينهم، فإن الله يشكر خطوات الصلح ويحب أهلها ويثني عليهم كما أخبر الله جل وعلا بحسن الأجر لهم، وأن من احتسب أجره وثوابه عند الله أن الله يؤتيه أجراً عظيماً.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخيرات، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وتفريج الكربات، اللهم فرج عنا همومنا، وفرج عنا غمومنا، اللهم أصلح لنا أحوالنا إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 248
الدعوة إلى الله
إن أعظم معروف تبذله إلى الناس وأعظم خير تبذله إلى خلق الله الدعوة إلى الله ﷻ ، تقريب القلوب إلى الله وتحبيب عباد الله في الله أعظم ما يكون من الخير والمعروف، يوم ينقذ الله بك حائراً يوم يهدي الله بك ضالاً تائهاً يوم تأخذ إنساناً غريباً عن ربه بعيداً عن طاعته، فتأخذ بمجامع ذلك القلب إلى الله، فما ركع ركعة بين يدي الله إلا كان لك مثل أجره، ولا صنع خصلة من خصال الخير إلا أجرت على تلك الخصلة أياً كانت.
ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه يقام للرجل يوم القيامة ديوانه فتأتي أعمال كالغمامات فيقول: يا رب ما هذا؟ فيقال: سنن هديت إليها كان لك أجر من عمل بها) أي: سنن وخيرات دللت عليها وصنعت بها المعروف أجرت مثلما أجر أصحابها.
стр. 249
المعونة على الدعوة إلى الله
ومن صنائع المعروف بعد الدعوة إلى الله المعونة على الدعوة إلى الله، وذلك بحب العلماء ونشر فتاويهم وذكرهم بالجميل، وتحبيبهم إلى الناس وتقريبهم إلى قلوب الناس، فذلك من المعروف بالعلماء، وذلك من رد الجميل لهم ذكرهم بالجميل ونشر خيرهم بين الناس من أعظم الحسنات وأعظم الأجور المقربة إلى الله، فوالله لا يحب العلماء إلا الصالحون ولا يسعى لنشر خيرهم بين عباد الله إلا عباد الله المتقون، جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 250
السعي على الأرامل والأيتام
ومن صنائع المعروف التي يحبها الله ﷻ : السعي على الأرامل والأيتام التي أخبر النبي ﷺ أن فضلها كالصيام والقيام، يوم تسعى على الأرملة التي لا تجد من يعولها فتكفيها بإذن الله همها وغمها يوم تذكر تلك المهمومة المغمومة حزنها وشجاها بفقد ولدها فتجد من عباد الله المسلمين من يفرج همها وغمها بإذن الله رب العالمين.
والسعي على الأرامل والأيتام قال فيه النبي ﷺ : (الساعي على الأرملة واليتيم كالصائم النهار الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر) قال بعض العلماء: إنما فضل النبي ﷺ السعي على الأرامل والأيتام بهذا الفضل لأن النفع متعدٍ، ومثل اليتيم والأرملة لا يجد من يعينه إلا الله ﷻ ، فإذا أهَّل الإنسان نفسه للسعي عليهم وتفريج كرباتهم والإحسان إليهم كان ذلك من أعظم الخير والبر.
следующие страницы →