← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مواساة المصابين والمكلومين ومن صنائع المعروف التي يحبها الله جل علا: مواساة المصابين والمكلومين، فإن الإنسان إذا سمع عن أخيه أنه أصيب بمصيبة في نفسه أو أهله أو ولده؛ فعليه أن يؤهل نفسه لكي يقترب منه، فيذكره بحسن الثواب، وحسن العاقبة عند الله والمآب، علَّ ذلك يكون سبباً في صبره وسلوانه وعظم أجره عند ربه، فتثبيت القلوب عند الكربات وتثبيت القلوب عند المصائب من صنائع المعروف. فالمسلم يحتاج من أخيه إذا نزلت به ضائقة أن يواسيه ويسليه، يحتاج من أخيه إذا نزل به همٌّ وغمٌّ أن يثبته، فإن القلوب إذا نزلت بها المصائب تزلزلت، إلا أن يثبتها الله جل وعلا من عنده، فإذا جاء العبد الصالح وذكّر أخاه بما عند الله من الأجر والمثوبة كان ذلك من أعظم المعروف الذي يسديه إليه.

стр. 247

الصلح بين الناس ومن صنائع المعروف: الصلح بين الناس إذا تقاطعوا، والصلح بين الناس إذا تهاجروا، وقطع أسباب الضغائن والشحناء، وقطع أسباب الفتن والبغضاء، فإنها من أعظم الأمور المقربة إلى الله جل وعلا، والتي شهد الله من فوق سبع سماوات أنها خير النجوى، قال : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤]. إنها لخطوات عزيزة عند الله يوم تسعى في لمِّ شملٍ قد تفرق يوم تسعى لجمع قلوب المؤمنين، فما أحوج الناس إذا وقعت بينهم الخصومات والنزاعات إلى من يجمع شملهم إلى من يؤلف بين قلوبهم إلى من يقطع سبيل الشياطين عنهم إلى من يقف معهم لكي يذكرهم بما في العفو من الأجر عند الله ﷻ ! فلذلك كان من أحب الأعمال إلى الله: السعي بالصلح بين الناس الصلح بين الزوجين الصلح بين المتخاصمين، فلا تعلم بقطيعة بين مسلم ومسلم إلا أهّلت نفسك للصلح بينهم، فإن الله يشكر خطوات الصلح ويحب أهلها ويثني عليهم كما أخبر الله جل وعلا بحسن الأجر لهم، وأن من احتسب أجره وثوابه عند الله أن الله يؤتيه أجراً عظيماً. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخيرات، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وتفريج الكربات، اللهم فرج عنا همومنا، وفرج عنا غمومنا، اللهم أصلح لنا أحوالنا إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 248

الدعوة إلى الله إن أعظم معروف تبذله إلى الناس وأعظم خير تبذله إلى خلق الله الدعوة إلى الله ﷻ ، تقريب القلوب إلى الله وتحبيب عباد الله في الله أعظم ما يكون من الخير والمعروف، يوم ينقذ الله بك حائراً يوم يهدي الله بك ضالاً تائهاً يوم تأخذ إنساناً غريباً عن ربه بعيداً عن طاعته، فتأخذ بمجامع ذلك القلب إلى الله، فما ركع ركعة بين يدي الله إلا كان لك مثل أجره، ولا صنع خصلة من خصال الخير إلا أجرت على تلك الخصلة أياً كانت. ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه يقام للرجل يوم القيامة ديوانه فتأتي أعمال كالغمامات فيقول: يا رب ما هذا؟ فيقال: سنن هديت إليها كان لك أجر من عمل بها) أي: سنن وخيرات دللت عليها وصنعت بها المعروف أجرت مثلما أجر أصحابها.

стр. 249

المعونة على الدعوة إلى الله ومن صنائع المعروف بعد الدعوة إلى الله المعونة على الدعوة إلى الله، وذلك بحب العلماء ونشر فتاويهم وذكرهم بالجميل، وتحبيبهم إلى الناس وتقريبهم إلى قلوب الناس، فذلك من المعروف بالعلماء، وذلك من رد الجميل لهم ذكرهم بالجميل ونشر خيرهم بين الناس من أعظم الحسنات وأعظم الأجور المقربة إلى الله، فوالله لا يحب العلماء إلا الصالحون ولا يسعى لنشر خيرهم بين عباد الله إلا عباد الله المتقون، جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 250

السعي على الأرامل والأيتام ومن صنائع المعروف التي يحبها الله ﷻ : السعي على الأرامل والأيتام التي أخبر النبي ﷺ أن فضلها كالصيام والقيام، يوم تسعى على الأرملة التي لا تجد من يعولها فتكفيها بإذن الله همها وغمها يوم تذكر تلك المهمومة المغمومة حزنها وشجاها بفقد ولدها فتجد من عباد الله المسلمين من يفرج همها وغمها بإذن الله رب العالمين. والسعي على الأرامل والأيتام قال فيه النبي ﷺ : (الساعي على الأرملة واليتيم كالصائم النهار الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر) قال بعض العلماء: إنما فضل النبي ﷺ السعي على الأرامل والأيتام بهذا الفضل لأن النفع متعدٍ، ومثل اليتيم والأرملة لا يجد من يعينه إلا الله ﷻ ، فإذا أهَّل الإنسان نفسه للسعي عليهم وتفريج كرباتهم والإحسان إليهم كان ذلك من أعظم الخير والبر.

стр. 251

الأسئلة

стр. 252

الدعاء لإخواننا في مختلف بقاع المسلمين السؤال نحن هاهنا قد اجتمعنا في بيت من بيوت الله، ونتفرق إلى بيوتنا وأولادنا وأطعمتنا وأمننا وأماننا، ولنا إخوة في شتى بقاع المسلمين كالبوسنة والهرسك وإريتريا وفلسطين وغيرها من بلدان المسلمين لا يجدون مثل هذا، فهل من دعاء وتوجيه للإخوة في إرخاء أيديهم في دعمهم؟ وهل من دعاء في هذا الجمع المبارك لإخواننا خصوصاً في البوسنة والهرسك، فنحن في فصل الشتاء نعلم أنه قد مات منهم الكثير بسبب الجوع والبرد، رقق قلوبنا رقق الله قلب الحاضرين وقلبك، ونفعنا بدعائك وتقبل من الجميع؟ الجواب اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، يا من عز جاهك! وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك. يا ذا الحبل الشديد! يا مبدئ يا معيد! يا جبار يا قهار! يا واحد يا أحد! يا فرد يا صمد! يا من عجت ببابك الأصوات! وفرجت منك الهموم والغموم والكربات، يا من أنت السند والعضد! وأنت الملجأ والمنجى والمهرب، أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى وجلالك العظيم، اللهم مُنَّ على إخواننا في البوسنة والهرسك بالصبر والثبات، اللهم ارحم موتاهم، اللهم تقبل شهدائهم، اللهم استر عوراتهم، اللهم آمن روعاتهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم متفرقون فاجمعهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم داو جرحاهم، وارحم موتاهم، والطف بنا وبهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم عليك بالصرب ومن شايعهم، اللهم أحصهم عددا، اللهم اقتلهم بدداً، اللهم لا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك في الدنيا قبل الآخرة، اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم ألق الرعب في قلوبهم، اللهم انتقم منهم فإنك عزيز ذو انتقام، اللهم أنزل بهم بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل الرعب في قلوبهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر.

стр. 253

من عقبات الزواج ممن كبر سنها السؤال هذا تعقيب على سؤال الأخت السائلة التي تشكو حالها، وأنها كانت تطلب الشهادة في دراستها وتركت الزواج، يقول: فضيلة الشيخ تعليقاً على الأخت التي سألت عن حالها ولم تتزوج هي ولا أخواتها، نقول: يا فضيلة الشيخ! قد يتقدم البعض لأمثال هذه الأخت ولكن قد يواجه عقبات، لأنه يريد هذه الأخت أو إحدى أخواتها زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة، أليس بعض زوج أفضل من عدم زوج. السبب الثاني: أن بعض الأخوات تتمسك بالعمل وترفض الزواج من أجل العمل، فما توجيهك وفقك الله خصوصاً في المسألة الأولى وهي مسألة التعدد، أليس نساء الصحابة، بل نساء النبي ﷺ ، بل كتاب الله تعالى ذكر التعدد في النساء، نرجو التوجيه وبيان أن ذلك الأمر ليس عيباً، وإنما هو من سنة المصطفى ﷺ ؟ الجواب الله المستعان، الله يعين النساء علينا! أما قضية التعدد فهي قضية بيَّن الله حكمها وأنزل على نبيه فصل القول فيها، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحرم ما أحل الله. أختي المسلمة: ارضي بما كتب الله وأعيني زوجك على تحصين فرجه، حتى يكون ذلك أغض له عن الحرام وعن الفواحش والآثام، ليس في التعدد غضاضة، فلو كانت فيه غضاضة لما فعله النبي ﷺ بأمهات المؤمنين، إن التعدد يجمع شمل أهل الإيمان، حتى إن الرجل يتزوج أربع نسوة إذا مرض مرضت بيوت المسلمين؛ لأن هذا رحيمه وهذا رحيم لرحيمه فتجتمع القلوب وتتآلف ويصبح الناس كالبيت الواحد، ولذلك ما إن فقد الناس هذا المعنى حتى أصبح الرجل يعيش في الحياة هو وزوجه فقط، فلذلك التعدد هدف سامٍ إسلامي نبيل يكثر به عباد الله وأولياء الله، وينتشر به النسل الطيب، وكذلك يعم به الخير ويكون فيه من المصالح والمنافع ما الله به عليم، والله أعلم بخلقه وأحكم بشرعه ونظامه. فينبغي على المؤمنة أن ترضى بحكم الله جل وعلا، ولا ينبغي لها أن تضايق زوجها، ولا تضيق على بعلها في زواجه من الثانية، اتقي الله فإن الله سيجعل لك فرجاً ومخرجاً، كم من امرأة كرهت زواج الثانية فكان زواج الثانية سبباً في صلاح زوجها، تزوج زوجها الثانية فعرف فضل الأولى وهذا من حكمة الله جل وعلا، أن المرأة لا يعرف فضلها إلا بغيرها. فلذلك أوصي أخواتي المسلمات خاصة الصالحات والمتدينات، فإنه للأسف أن بعض الصالحات والمتدينات يكرهن ذلك ويشنعنه، حتى إن بعضهن يقلن: ذاك رسول الله وتلك الصحابيات، ومن لنا نحن برسول الله ﷺ وبمن يشبهه في حسن عشرته وغير ذلك من الأعذار، لا ينبغي هذا ولا يجوز، ينبغي على المؤمنة أن تتقبل حكم الله بكل رضاً وبكل تسليم، يقول الله جل وعلا لنبيه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥] يقسم سبحانه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. فسلمي رحمك الله تسليماً، وإذا علمت أن زوجك يريد تحصين فرجه فأعينيه، أو كفي أذاك عنه؛ فإن الله لا يحب من المؤمنة أن تكون أذية على المؤمن، أسأل الله العظيم أن يبصرنا بحكم دينه، وأن يعيننا على التزام شريعته، والله ما منعت امرأة بعلها وضيقت عليه من الزواج من الثانية فصبر خوفاً من قطيعة رحم، وما زال يتعرض للفتن فآذته أن يتزوج الثانية حتى وقع في فتنة أو في حرام إلا كان لها من ذلك نصيب. اتق الله إذا رأيت البعل يريد أن يحصن فرجه خاصة في هذا الزمان الكثير الفتن، الكثير المحن، فأعينيه أعانك الله أعينيه على دينه أعينيه على إعفاف فرجه وإحصان نفسه، وكوني مؤمنة حقاً ملتزمة بشريعة الله تعالى، فلعل الله أن يجمع شملك بامرأة صالحة، وبصالحات يعنك على ذكر الله وطاعة الله، ودعي وساوس الشيطان وكوني من الصالحين من أهل الإيمان، والله تعالى أعلم.

стр. 254

كيفية الجمع بين طلب العلم والعمل في التجارة السؤال أنا طالب علم، وقد جربت التجارة فوجدت أنني موفق في التجارة، وأنا الآن محتار بين طلب العلم أو العمل في التجارة، ووالله لست بجامع للدنيا، ولكن أريد أن أستعمل هذه التجارة لوجه الله تعالى، فبماذا ترشدني وفقك الله؟ الجواب أنت بين تجارتين: تجارة فانية وتجارة باقية، فإن قلت: أطلب التجارة للدين فهذا فضل ونية صالحة، ولكن هل تستطيع أن تضمن نفسك على هذا الثبات، وعلى هذا الحب لما عند الله جل وعلا إلى أن تصيب التجارة؟ لا تستطيع، ولكن إذا طلبت العلم نفعت الناس في تجارة مصلحتها باقية، فأنت بين تجارتين: تجارة مصلحتها مضمونة وتجارة مصلحتها باقية خالدة تالدة حتى تكاد تكون قطعية؛ لأن الإنسان إذا طلب العلم كسر قلبه للآخرة. ولذلك الإنسان إذا طلب العلم وفقه الله لبذله إذا أخلص لوجه الله، فأنا أوصيك أن تؤثر تجارة الآخرة على تجارة الدنيا، فلعل الله أن يرى منك صدقاً في طلب تجارة الآخرة وتطلب العلم، ثم يفتح لك باباً من أبواب الدنيا، فيكون قد جمع الله لك بين التجارتين، فلذلك لا أوصيك أن تترك تجارة العلم، والله إنها لأعظم التجارات وأربحها وأحبها إلى الله جل وعلا، يأتيك الرجل في دياجير الظلمات لا يدري امرأته تحل له أو تحرم عليه، مهموماً مغموماً مكروباً فتفتيه الفتوى، فيقول: الله يرحم والديك، سبحان الله! يعني ليس خيرها لك فحسب، بل حتى لوالديك، فقد يكونا ميتين تغشاهم الرحمات بهذه الدعوة الصالحة، تجارة العلم تجارة رابحة. ولذلك قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء:٦٩] ثم من بعدهم ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩] قال بعض العلماء: الصديقون هم العلماء العاملون جعلنا الله وإياكم منهم. العلم مع العمل أفضل وأعلى وأسمى وأصل التجارات وأقربها إلى الله جل وعلا وأحبها إليه، فلذلك أوصيك بهذه التجارة الباقية، أما تجارة الدنيا فاتركها لأهلها، ولذلك ورد في الحديث الصحيح في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (أحب البقاع إلى الله مساجدها) هذه تجارة العلم التي فيها مساجدها: (وأبغض البلاد إلى الله أسواقها). قال بعض العلماء: أبغض البلاد إلى الله أسواقها؛ لأن فيها النجش، وفيها الحلف بالله كاذباً، وفيها غش المسلم، وفيها أكل أموال الناس بالباطل، وفيها الربا، وفيها المحرمات والمنكرات، وغير ذلك من الغفلة عن الله جل وعلا وعن ذكر الله. فلذلك لا أوصيك أن تزج بنفسك إلى هذه الفتن، وقد تقول: إني أريد المال للآخرة، لكن لا تضمن نفسك، ولذلك لما أمر المنصور أبا قلابة أن يتولى القضاء فر إلى الشام رحمة الله عليه، فقيل له: لم لا تتولى القضاء وأنت أنت؟ فقال ﵀: أرأيتم لو أن رجلاً يسبح ورمي في البحر إلى متى يسبح. حتى لو كان سباحاً إذا رمي في البحر فإلى متى يسبح؟! تأتيه الأمواج تلو الأمواج تلو الأمواج حتى يفنى ويهلك ثم يغرق. هكذا الإنسان ولو كان قوي الإيمان في خضم الفتن الكثيرة تأتيه الفتنة تلو الفتنة، ويأتي رجل يكذب ويقول: لمصلحة العمل، ويأتي آخر يغش ويقول: لمصلحة العمل، قد يخالط الأشرار، قد يخالط الفجار، قد يسمع الحلف بالله كاذباً، يسمع المنكرات فلا يستطيع أن ينكر منها منكراً، فلا يزال يفقد نوراً من الإيمان نوراً من الإيمان، حتى لربما دخل السوق وليس في قلبه إلا مثقال الذرة من الإيمان نسأل الله السلامة والعافية. هذه فتن سلم نفسك وفر من الله إلى الله، وخذ بصلاح دينك ودنياك وأخراك، والله تعالى أعلم.

стр. 255

حكم صدقة الإنسان الذي عليه دين السؤال ذكرت في صنائع المعروف التصدق على الآخرين والمحتاجين، فهل يجوز للإنسان أن يتصدق وعليه ديون كثيرة، وقد خصص لها من راتبه الشهري، ولا يبقى منه إلا النفقة فقط، فهل يحل له الصدقة وهو في مثل هذه الحال؟ الجواب الله أكبر! تسألوني وعندكم عالم العلماء وإمام الأئمة الشيخ محمد حفظه الله، أنا لا أفتي في الأحكام، ولن أفتي إن شاء الله بعد هذا السؤال في الأحكام، نسأل الله أن يحفظ الشيخ وأن يرعاه وأن يبقي خيره للإسلام والمسلمين، والله إني لأذوب خجلاً ووجلاً في بلد فيه مثل هذا العالم، أسأل الله أن يحفظه وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين كل خير. أما الأحكام فجنبوني، فعندكم الشيخ حفظه الله، ولكن سلوني عن أمور القلوب، ومع ذلك والله إني لأعده من الخطأ أن أفتي في هذا المكان المبارك الذي فيه الشيخ، أسأل الله أن يحفظه، وأن يرعاه وأن يعلي قدره، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء فاعذروني رحمكم الله.

стр. 256

علاج من وسوس له الشيطان بترك العلم وجمع له الهم والغم السؤال وفدت إلى هذه البلاد لطلب العلم أسأل الله أن يجعل نيتي ونية كل مسلم صالحة خالصة، ومع الجو الدراسي والدروس وحفظ المتون جاءني الشيطان يرغبني عن العلم ويصرفني عنه، ويضعف عزيمتي ويشغلني بما لا يفيد، فقسا قلبي وانشغلت عن كتاب الله وعن التركيز في دروسي، واجتمعت علي هموم وغموم وأحسست بضيق شديد، فيا شيخنا الفاضل -جزاك الله خيراً- ابذل لي النصيحة ولمن وقع في مثل ما وقعت به لعلها تقع في قلبي موقعاً ينفعني الله به، نفع الله بك وجزاك الله خير الجزاء؟ الجواب أسأل الله العظيم أن يكتب خطواتك، وأن يعظم أجرك، وأن يكثر من حسناتك يوم أن خرجت من بيتك طالباً للعلم راغباً فيما عند الله فأبشر بخير من الله إن شاء الله. أخي في الله! أحسن الظن بالله فإن الله جل وعلا عند حسن ظن عبده به، هذا ابتلاء ابتلاك الله به، ولعل الله بعده أن يرفع درجتك، وأن يعظم أجرك وأن يحسن وأن يعلي بالعلم ذكرك، أبشر بخير، فما طلب أحدٌ العلم إلا ابتلاه الله، إن الله يبتلي طالب العلم بالهموم والغموم فيجد من يخذله ويجد من يهينه، ويجد الشدائد في التغرب في غربة الأسفار والبعد عن الأوطان والأحباب والخلان، ومفارقة الأهل والولدان، إلى غير ذلك من المحن والفتن، حتى يكون عاقبتها رضوان الله الواحد الديان، إن العلم يحتاج إلى جهاد لأن فيه فتناً ومحناً لا يعلمها إلا الله ﷻ . قال بعض العلماء: إن النبي ﷺ لما أوحى الله إليه بجبريل أخذه فغطه حتى رأى الموت، ثم أخذه فغطه حتى رأى الموت، ثلاث مرات وهو يقول له: اقرأ فيقول: ما أنا بقارئ، ففي هذا دليل على أن العلم لا يكون ولن يكون إلا بعد الامتحان، فإن النبي ﷺ قبل أن يعلمه الله رأى الموت، (أخذني فغطني) يعني حتى كاد أن يهلك صلوات الله وسلامه عليه، وهذا فيه سلوان لكل طالب علم، تحفظ وتسهر الليل وتتعب ولا تجد لذة النوم ولا لذة الدنيا، كل ذلك من عاجل الامتحان؛ لأن الحياة التي ترضي الله مبنية على الجهاد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] أي: والله لنهدينهم سبلنا، أنت الآن في الثمن وغداً بإذن الله تنال المثمن، حين تفوز بعلم يرضي الله، وجنة هي المأوى من الله ﷻ . أبشر بخير وأحسن الظن بالله، وقل لعدوك إبليس: اخسأ عدو الله فلن تنثني لي عزيمة ولن يضعف لي عزم في طاعة الله ومرضاة الله بطلب هذا العلم. كان السلف الصالح يتغرب الرجل منهم عن أهله حتى لا يسمع عنهم خبراً، وكانوا يتغربون عن أوطانهم، وكانوا يسيرون الأسفار التي ترى فيها الأهوال والشدائد والموت والمصائب، ومع ذلك كله رفع الله بالعلم قدرهم، وعظم بالعلم أجرهم، فلا يزال أهل العلم وطلاب العلم في هذا الامتحان من الله ﷻ . أبشر بخير وأحسن الظن بالله ﷻ ، ولكن لا تستجب لنوازغ الشيطان وتوهين الشيطان، واستعن بالله العظيم المنان، وسل الله أن يثبتك فإن الله بيده ثبات القلوب. أما الوصية الثانية التي أوصيك بها: تفقد نفسك في الذنوب التي بينك وبين الله، وفي الذنوب التي بينك وبين عباد الله، فإنه ما دخل همٌّ ولا غمٌّ على عبد إلا بسبب ذنب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فلعلك في يوم من الأيام أتاك العجب بطلب العلم، وقلت: إني سافرت لطلب العلم، أو إني أفعل وأفعل فمقت الله منك ذلك فكان سبباً في هذا الابتلاء، قال سفيان: أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل أربعة أشهر، وهو إمام من أئمة السلف وديوان من دواوين العلم، فلعل هناك ذنباً بينك وبين الله أو بينك وبين عباد الله، ربما مع إخوانك وطلاب العلم من جيرانك، آذيت أحداً منهم من أحباب الله والأخيار، فغضب الله عليك بأذيته فحرمك لذة العلم. تفقد معاملتك مع إخوانك ومعاملتك خاصة مع طلاب العلم، فإن كثيراً من طلاب العلم يبتليهم الله بسبب التعامل مع بعضهم. أما الوصية الأخيرة: فانطرح بين يدي الله، وأكثر من سؤال الله وناجه وناده فإنه عليه المعول وهو مصلح الأحوال، وإليه المرجع والمآل، سبحانه الكبير المتعال، والله تعالى أعلم.

стр. 257

علاج قسوة القلب وجلساء السوء السؤال أنا شاب أريد التوبة والهداية، ولكن كيف السبيل وما الطريق، وكيف أترك المعاصي وأترك جلساء السوء وهم يأتون إليَّ ويجالسونني وأشاركهم في سماع الأغاني واستعمال ما يغضب الله تعالى، وأحس بقسوة في قلبي، فكيف العلاج لي ولأمثالي جزاك الله خيراً، فلعل الله أن ينفعني بك؟ الجواب أخي في الله أهنئك ببشارة من رسول الله ﷺ عن الله، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (أنه تصعد الملائكة إلى الله جل وعلا -وقد جلست في مجلس ذكر في بيت من بيوت الله- فيذكرون لله جل وعلا حال هؤلاء الأخيار يوم جلسوا في المسجد يذكرون الله العظيم، فقالوا: أتيناهم وهم يذكرونك ويسبحونك ويمجدونك فيقول: ماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة. قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا. قال: كيف لو رأوها لكانوا أشد طلباً لها أو رغبة فيها، ثم يقول: ممَّ يستعيذونني؟ فيقولون: من نارك. فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب. قال: كيف لو رأوها؟ ثم يقول: قد غفرت لهم. فتقول الملائكة: إن فيهم فلاناً، عبد خطاء كثير الذنوب جلس معهم؟ فيقول الله: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فأسأل الله بعزته وجلاله كما جلست في مجلسنا أن يغفر لك ولكل مذنب ذنبه، وأن يفرج لنا ولكل مكروب كربه. أبشر أخي في الله! ومن هذه الساعة عاهد الله جل وعلا على توبة نصوح، أوصيك أخي في الله يوم أثقلتك الذنوب وعظمت عليك الخطايا والعيوب أن تتذكر رحمة الله علام الغيوب، واعلم أن الله يناديك ويبسط يده بالليل لتتوب إليه بالنهار (لكي تنيب إليه) فأبشر يوم أقبلت عليه، أقبل على الله، ومن هذا المجلس أحسن الظن بالله، واطو صفحة الماضي وقل: يا نفس توبي، ويا نفس أنيبي، وأقبل بصفحة جديدة فلعل الله جل وعلا أن يغفر لك ذنوبك الماضية وأن يجود ويتفضل فيجعلها حسنات باقية، أقبل على الله وأحسن الظن بالله فإنه نعم المولى ونعم النصير. من منا لا يخطئ، ومن منا لا يذنب، ومن منا لا يسئ، ومن منا لم يقفل بابه على ذنب بينه وبين الله، ومن منا من لم يرخ حجابه على ذنب بينه وبين الله، ومن لهذه الذنوب والهموم والخطايا والعيوب غير الله ﷻ ، ولذلك نادى عباده فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ﴾ [الزمر:١٠] سبحانه ومن لهم غيره! فهو اللطيف بهم وهو الرحيم بهم وهو العليم بحالهم، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن علينا جميعاً بالتوبة النصوح. اللهم إنا نسألك الإنابة إليك، وأن تتقبلنا من عبادك التائبين المنيبين، والله تعالى أعلم.

стр. 258

هل طلب العلم وحفظ القرآن من صنائع المعروف ؟ السؤال تكلمت وفقك الله عن صنائع المعروف، فهل القيام بهذه الصنائع أفضل من بعض القربات الخاصة بالإنسان التي يعملها الإنسان لنفسه، كطلبه للعلم وحفظه للقرآن وتدبره، وغير ذلك مما يعود أثره على الإنسان نفسه لا على الآخرين؟ الجواب أخي في الله: ورد في السؤال أن طلب العلم منفعة للنفس وهذا محل نظر، فإن طلب العلم جمع الله فيه بين الفضلين: فضله على النفس وفضله للغير، ولذلك فإن طلب العلم أفضل من صنائع المعروف لأنه أشرفها وأعظمها وأعلاها وأجزلها ثواباً عند الله جل وعلا؛ لأنه أعظم المعروف. فأعظم المعروف أن تأخذ بحجز القلوب عن النار، وأعظم المعروف أن تقرب العباد إلى رحمة الله الكريم الغفار، فأبشر بخير ما أنت فيه من طلب العلم، ففيه خير كثير. ولكن كما قال العلماء: ينبغي على طالب العلم أن يمزج طلب علمه بشيء من الصالحات؛ مثل تفريج كربات المكروبين، والإحسان إلى الضعفاء والمحتاجين؛ فإن هذا يعينه على طلب العلم، ولذلك كانوا يستحبون لطلاب العلم أن يجمعوا بين الحسنيين لكن شريطة ألا يؤثر على طلب العلم، فاجعل لك صدقة في الشهر جارية ابحث عن بيت من بيوت الأيتام والأرامل تعطيه كل يوم طعاماً ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١١ - ١٧]. فلذلك أوصيك أن تجمع بين الحسنيين توصي بالصبر والمرحمة عن علم حينما تتعلم العلم، وتقتحم العقبة فتفك الرقبة وتطعم في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة. فيا أخي في الله: اجمع بين الحسنيين، والغالب في طالب العلم أنه إذا انشغل بطلب العلم وترك الأعمال الصالحة أن يكون علمه جافاً، ولذلك تجد بين طلاب العلم تفاوتاً كبيراً؛ فمن طلاب العلم من جمع الله له بين العلم وبين الإحسان، وهذا أعلى المراتب وأفضلها وأحبها، ومن طلاب العلم من عود نفسه من البداية على الاقتصار على نفسه، والاقتصار على تعليم الناس دون تفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم، ودون السعي في مصالحهم وهو على خير، ولكن يفوته من الخير ما هو أعظم، فهذا حسن وهذا أحسن، وهذا فاضل وهذا أفضل. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين الحسنيين، والله تعالى أعلم.

стр. 259

دواء خلو الصلاة من الخشوع السؤال أحب أن تبين لي قضية الخشوع في الصلاة، فإن الإنسان يصلي الصلاة ثم يخرج منها وقد خرج بأفكار وخطط وأعمال، وأما الصلاة فإنه قد لا يدرك إلا القليل منها، فإذا كان هذا الداء فما الدواء؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فجزاك الله خيراً على هذا السؤال الذي هو من أهم الأسئلة لتعلقه بالصلاة. أما الخشوع في الصلاة فهي نعمة إلهية، ومنة ربانية يمنحها الله من يشاء، وذلك فضله، ونعم والله العطاء يوم يكرم الله العبد فيقبل على الله بقلبه وقالبه يوم يقبل على الله جل وعلا يستشعر هيبة الموقف بين يديه ﷻ . أوصيك أخي في الله إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله فادخله وليس في قلبك إلا الله، أثر عن بعض السلف أنه أكثر من عشرين عاماً ما سها في صلاة واحدة، فقيل: لقد أممت في أكثر من عشرين عاماً ما سهوت في صلاة واحدة فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما دخلت المسجد وفي قلبي غير الله. أن تدخل إلى هذه المساجد وأنت على عقيدة وإيمان أنها لله لا للدنيا أن تدخلها وأنت ترعد فرائصك من خشية الله ﷻ أن تخاف المقام بين يدي الله. كان علي زين العابدين إذا توضأ احمر وجهه وتغير لونه، فقيل: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ قال: ألا تدرون من الذي أناجيه وأقف بين يديه. كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يدخلون بيوت الله بقلوب نقية، بقلوب خالية ليس فيها إلا الله، يشترون رحمة الله بكل عمل صالح، وهذا من أعظم الدلائل على الإخلاص لوجه الله ﷻ . فإذا دخلت المسجد وقلبك معمور بذكر الله انشغلت عن كل شيء سوى الله، وقد أثر عن مسلم بن يسار ﵀ -إمام من أئمة التابعين علماً وصلاحاً وخيراً- أنه كان يصلي في مسجده بالكوفة، فسقط المسجد -وذلك في الضحى- فهرع الناس من السوق يقولون: هلك مسلم، فلما جاءوا وجدوه يتشهد وسلَّم من صلاته فقال: والله ما شعرت به إلا بعد السلام. نصف المسجد يسقط ولا يشعر به من لذة مناجاة الله، كانوا إذا دخلوا دخلوا بقلوب فارغة ليس فيها إلا الله . الأمر الثاني: أخي في الله! تذكر هذه الصلاة يوم يجعلها الله لك نوراً في القبرِ، تذكر يوم يجعلها الله لك نوراً في الحشر، فإن النبي ﷺ قال: (الصلاة نور) الصلاة نور أي: نور في القبور، ونور يوم البعث والنشور، وهذا النور أحوج ما يحتاجه الإنسان، فإن للقبور ظلمة، نسأل الله العظيم بعزته وجلاله وكماله أن يكفينا ظلمتها ووحشتها، ولا يستطيع الإنسان أن يجد لتلك الظلمة نوراً إلا من فضل الله ﷻ ورحمته وحلمه به ، فلا إله إلا الله من قوم أدوا الصلاة على أتم وجوهها أصبحت عليهم القبور اليوم أنواراً، الصلاة نور واستشعار عظيم الأجر بها، وأنها ستكون لك نوراً بالقبر ونوراً في الحشر ونوراً لك على الصراط، ذلك يدعوك إلى إتقانها وإكمالها، فاستشعر هذا. أولاً: لا تدخل إلى المسجد وفي قلبك غير الله. ثانيا: اشعر بحاجتك إلى هذه الصلاة، ودائماً إذا تذكر الإنسان القبر وهول القبر، وأنه ستمر عليه مثل هذه اللحظة وهو ضجيع القبر أحوج ما يكون إلى ما يؤنسه، دعاه والله ذلك إلى استشعار هيبة الموقف بين يدي الله ﷻ . الأمر الثالث: أن تصلي صلاة المودع، أن تجعل هذا الصلاة ولو كانت سنة، اجعلها آخر عهدك من الدنيا، فإن العبد إذا صلَّى صلاة مودع فإن الله جل وعلا يرزقه الخشوع، ويرزقه إحسان هذه الصلاة وإتقانها. الأمر الرابع: استشعر عواقبها الحميدة، فوالله ما أديت الصلاة على أكمل خشوع إلا حفظك الله به، ولذلك أخبر الله جل وعلا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكنه قال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] من هم يا رب ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦] حتى قال بعض العلماء: إن هذه الآية تدل على أن الخشوع في الصلاة سببه وأساسه كثرة ذكر الآخرة ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] يظنون بمعنى: يوقنون، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] فالظن يستعمل بمعنى اليقين أي: توقن بلقاء الله، وذلك يدعوك إلى إتقان الصلاة بين يدي الله جل وعلا. الأمر الخامس: الحياء والخجل وأنت تقف بين يدي الله وقلبك مصروف إليه، يخجل الإنسان ويستحي من الله ﷻ ، حين يقول: الله أكبر ويقبل على الله ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض، ومن بيده ملكوت كل شيء سبحانه لا إله إلا هو، الذي لا أعظم من نعمته ولا أجل من منته، ومع ذلك يجد الإنسان أنه فضله وأكرمه أنه يقف بين يديه، وهو يقول: الله أكبر ودون حياء ولا خجل ولا وجل ينصرف إلى دنيا فانية ومتاع حائل وظل زائل، فإنا لله وإنا إليه راجعون! صدق الله يوم أن قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] إيه والله ما قدرنا الله حق قدره، ولكن نسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا وإياكم تعظيمه، ونعوذ به من عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، ومن علم لا ينتفع به، استعذ بالله ﷻ ، سل الله يعطك، سل الله أن يرزقك خشوع العبادة، فوالله إن القلوب بين إصبعين من أصابعه وفي طرفة عين لربما قلبك فأصبحت من الخاشعين، إذا دخلت الصلاة تمنيت أن حياتك كلها صلاة فاسأل الله يعطك فإنها خزائن ورحمات من الله ينفح بها من يشاء. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الفضل وهذا العطاء والنوال، والله تعالى أعلم.

стр. 260

الأسباب المعينة على أداء صلاة الفجر جماعة السؤال أنا شاب قليل الانتباه لصلاة الفجر، مع أني أفرح لصلاة الفجر، فبماذا تنصح الذين يقصرون في صلاة الفجر، حتى إنه في بعض المساجد لا يصلي إلا ثلاثة في صلاة الفجر، مع أن حول المسجد ما يقارب الثلاثين منزلاً، وما هي الأسباب المعينة على مجاهدة النفس في أدائها؟ الجواب بكل اختصار أولاً: لا يمكن للإنسان أن يشهد الصلوات ويحافظ عليها إلا بكمال الإيمان، ولذلك قال النبي ﷺ عن المنافقين: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) فالإيمان هو الذي يحرك القلوب لشهود الصلوات مع الجماعة. ثانياً: احتساب الأجر والثواب، ولذلك قال العلماء: إن الإنسان يحافظ على الخير إما رغبة أو رهبة، والنبي ﷺ ذكر رغبتهم في الدنيا، فقال: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً) فإذا استشعرت ما في الصلاة مع الجماعة من عظيم الأجر والرحمة والرضا من الله جل وعلا أعانك ذلك على ترك الفراش والمبادرة إلى الصلاة. ثالثاً: كثرة الخطا، قال النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ وذكر منها: كثرة الخطا إلى المساجد)، فخروجك إلى الصلاة مع الجماعة، واحتسابك للأجر في كثرة الخطا وشهود الصلاة، فإن شهدتها من أول ما تكون من تكبيرة الإحرام والتأمين مع الإمام وغير ذلك من الفضائل كان ذلك أعظم حظاً لصاحبها. إن استشعار هذا الثواب من الله جل وعلا هو الذي يحرك الإنسان لما عند الله، لكنه لم يكن إلا بإيمان، فإذا كان عند الإنسان إيمان وشعور بالثواب من الله حركه إلى المبادرة والمسارعة إلى مثل هذه الصلوات. رابعاً: الأخذ بالأسباب، فمن أعظم الأسباب النوم مبكراً، فقد قرر العلماء أنه إذا كان سهر الإنسان ولو في النوافل يؤدي إلى ضياع صلاة الفرض أنه لا يجوز له أن يسهر، لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فإذا كان سهر الإنسان يؤدي إلى ضياع صلاة الفجر فلا يجوز له السهر إلا من ضرورة ملحة، فإن سهر وضع بجواره منبهاً أو يوصي أحداً أن يوقظه، أو يوصي جاره، أو يوصي إمام المسجد أو مؤذن المسجد أو نحو ذلك، أو من يتصل عليه، يأخذ بالأسباب، فإذا أخذ بذلك فإن الله يعينه. والأصل في هذا حديث أبي حذيفة في الصحيحين: (أن النبي ﷺ لما عرس في مقدمه من غزوة، قال: يا بلال اكلأ لنا الليل) قال العلماء: في هذا دليل على أنه يجب على الإنسان إذا تأخر نومه أن يهيئ الأسباب لاستيقاظه بتوصية من يوقظه، ومن هذه ما تيسر الآن من وجود المنبهات ونحوها، وهذه من الأمور المهمة التي يجب على الإنسان أن يحافظ عليها حتى تعينه على صلاة الفجر. خامساً: يقول بعض العقلاء والحكماء: إن من الأمور التي تعين على الاستيقاظ أن الإنسان يجعل في نفسه الرغبة في القيام، فإنه إذا جعل في نفسه ذلك دعاه إلى القيام، وهذا مجرب فإنك إذا نمت وفي نفسك أن تقوم آخر الليل أعانك الله على قيام آخر الليل، وإذا جعلت في نفسك أن تقوم لصلاة الفجر أعانك الله على قيام صلاة الفجر، ولذلك تجد الكثير إذا وضع في نفسه أنه يقوم لاختباره أو لامتحانه قام بكل سهولة ويسر، نسأل الله السلامة والعافية. فلذلك ينبغي على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، وإذا أخذ الإنسان بالأسباب أعانه الله جل وعلا، وأجر عليها وكفي المئونة والذنب، والله تعالى أعلم.

стр. 261

علاج ترك الطاعات خشية النفاق السؤال أنا شاب أرغب في صيام يوم الإثنين والخميس، ولكن أكون مرتبطاً في المدرسة بإفطار جماعي مع الطلاب، وكذلك في يوم الخميس أرتبط مع عائلتي وأخشى إن انقطعت عنهم على نفسي من النفاق وأن يعلموا عني أني صائم، وكثيراً من الطاعات أتركها وأصرف نفسي عنها خشية من النفاق، فماذا علي وما العلاج في مثل هذا؟ الجواب أوصيك بهذا الصيام الذي ندب إليه النبي ﷺ واحتسب الأجر عند الله، وما تجده في نفسك من هذا الحديث فلعله وسوسة من الشيطان، احتسب عند الله الأجر وصم الإثنين والخميس واحتسب الثواب عند الله جل وعلا في صيامها، فإن وجدت شيئاً من الرياء أو شيئاً من العجب فاستغفر الله وتب إليه، فإن الله غفار لمن تاب ويصفح عمن ندم وأناب، والله تعالى أعلم.

стр. 262

علاج العادة السرية السؤال كثير من الشباب ابتلي بالعادة السرية وأصبحت مزعجة لهم إزعاجاً شديداً، يقول: وأنا شاب ابتليت بهذه العادة ولم أستطع ترك هذه العادة، فما توجيهك لي ولإخواني جزاك الله خيراً، وكيف العلاج في تركها؟ الجواب أولاً أحب أن أنبه على أمر مهم وهو الوصف لقولك: كثير من الشباب، لقد اتهمت الشباب والله سائلك عن هذه التهمة، عليك نفسك وقل: إني أجد هذا البلاء في نفسي فلا تقل: كثير من الناس، فإن الأخيار إن شاء الله هم أقرب إلى الخير، فلعل سامعاً أن يسمع هذا السؤال فيظن بالأخيار سوءاً، وأرجو من الله أنهم خير من ذلك وأرفع، ولا يحكم الإنسان إلا على نفسه. أما الأمر الثاني: فإن الذنب إذا بلي به العبد ينبغي عليه أن يتفقد نفسه، فإن الله لا يخذل الإنسان بذنب إلا بسبب بينه وبين الله، فتفقد نفسك وحالك مع الله جل وعلا، واقترب من الله جل وعلا حتى يعينك على التخلص من هذا البلاء، وخذ بالأسباب: أولاً: ألا تخلو بنفسك قدر المستطاع، فإنه قد حكى بعض الإخوان ممن بلي بهذا البلاء أنه ما وجد شيئاً مثل إشغال نفسه بأكثر الوقت، وأنه لا يقدم إلى بيته إلا في ساعة متأخرة منهكاً متعباً حتى يرتاح وينام، فهذه من الأسباب التي تعين على ترك هذه المعصية. ثانياً: ذكر الآخرة وخشية الله ﷻ ، وهي من أعظم الأسباب، أن تذكر أنه تمر عليك مثل هذه الساعة وأنت ضجيع اللحد والبلاء، هل يسرك أنك فعلت هذا الفعل؟ وأنه قد تمر عليك هذه الساعة وأنت في سكرات الموت وشدة الموت وآخر نظرتك إلى الدنيا، هل تتمنى أنك فعلت هذا الفعل؟ الآخرة هي التي تهذب سلوك المؤمن كثرة ذكر الآخرة ذكر الموت وسكرته، والقبر وضغطته، والحساب وشدته، والصراط وزلته، والجبار وسؤاله وهيبته، كل ذلك يعين على كبح جماح النفس على معصية الله. والناس في خوف الله وذكر الآخرة مراتب: فإن كمل خوفك وأصبحت كثير الذكر للآخرة كمل ردع الآخرة لك عن الأمور التي لا ترضي الله جل وعلا، كلما كمل خوف الإنسان من الآخرة كلما كان ذلك أحصن لفرجه وأعف لنفسه، فلا زال ذكر الآخرة بأهله حتى أخرجهم من الدنيا أعفة عن الحرام أعفة عن الفواحش والآثام، أكثر من ذكر الموت وذكر سكرته، وذكر القبر وضغطته، وكذلك الحساب وفجعته وشدته، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تحول بين هذا الإنسان وبين الخطايا، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يمن علينا وعلى المسلمين جميعاً بصلاح الأحوال، والله تعالى أعلم.

стр. 263

معنى: صنائع المعروف تقي مصارع السوء السؤال ما معنى هذا الحديث إن كان حديثاً: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) أرجو شرح هذا الحديث شرحاً وافياً؟ الجواب أما هذا الحديث فقد تكلم العلماء ﵏ على سنده، فهو حديث ضعيف ولكن معناه صحيح، فهو صحيح المعنى لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار) فأخبر أن الصدقة تطفئ غضب الرب، والصدقة من صنائع المعروف. وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ -في صلاة الكسوف- (أن النبي ﷺ أمر الناس إذا كسفت الشمس أن يدعوا وأن يصلوا وأن يتصدقوا)، فدل هذا -كما يقول العلماء- على أن أعظم أسباب الخير الصدقة وفعل المعروف. وأذكر حادثة قصها رجل من أصدقاء الوالد غريبة جداً، وسمعته بأذني يحكيها للوالد رحمة الله عليهما -فقد توفيا- يقول هذا الرجل -أحسبه من الأخيار والصالحين وهو رجل كان أميراً في قومه- أنه كان نازلاً من الطائف إلى مكة في يوم الجمعة وكان معه ابنه، فأراد الله أنه رأى رجلاً ضعيفاً، فقال لابنه: قف لهذا الضعيف، فكأن الابن رأى إلى رثاثة حال هذا الضعيف وما هو عليه من الملبس الرث، فكره أن يركب معه في هذه السيارة الفارهة. يقول الوالد: فعلمت ما في نفس ابني، فلما ركب الرجل ذكرت ابني بصنائع المعروف، وأن الله يقي بها مصارع السوء، وأن الله يحفظ بها، وأن الله يلطف بها، فلما دخلنا إلى مكة ونحن في أشد ما تكون السيارة في السرعة لندرك الجمعة، وإذا بطفل أمام السيارة تماماً لا نستطيع أن نفر عنه، فمرت عليه السيارة، فأصابه شيء من الرعب، فتوقفنا على أن الابن قد قضى ومات، وإذا به قائم على رجليه ليس به أي بأس. يقول: فلما ركبت السيارة انكفأت على وجهي وأنا في حالة لا يعلمها إلا الله، قلت: يا بني والله ما أعرف لك إلا هذا المعروف الذي فعلته فحفظنا الله وإياك به. وهذا عاجل ما يكون في الدنيا، فالله يلطف، وغالباً إذا رحم الإنسان عباد الله لطف به الله ، والقصص في ذلك كثيرة جداً في لطف الله، وأن صنائع المعروف يحفظ الله جل وعلا بها، والله تعالى أعلم.

стр. 264

نصيحة إلى من فاتها قطار السعادة (الزواج) السؤال أنا بنت بلغتُ من العمر ما يقارب الأربعين عاماً، وكنت أظن السعادة في الحصول على شهادة عليا، وكان يتقدم إليَّ كثير من الشباب للزواج وكنت أرفضهم ظناً مني أن السعادة في تحصيل الشهادة التي أجمع بها المال ويكون لي منصب ومركز في المجتمع، وأنا الآن لا أشعر بالسعادة بل فاتني قطار السعادة، علماً بأن في بيتنا خمس بنات، الكبرى منهن عمرها خمسون سنة، والصغرى خمس وعشرون سنة، ولم تتزوج منا واحدة، ظناً من الشباب أن البنت إذا كان عمرها أكثر من عمر الشاب فإنه يعزف عن الزواج منها. أرجو من فضيلتكم أن تبين لي ولأخواتي لكي لا يخطئن مثل خطئي أين تكون السعادة؟ هل هي في الشهادة أم في غيرها؟ كذلك أرجو نصيحة لإخواني الشباب الذين يعزفون عن الزواج بأخواتهم في الله تعالى إذا كبرن عن السن المختار؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن السعادة كل السعادة ليست في جمع الأموال، ولا إصلاح الأحوال، ولكنها في حب الله الكبير المتعال، يوم يحب الله عبده فيشرح صدره وييسر أمره، ويجعله عبداً تقياً من معصية الله خلياً نقياً، يوم يفتح الله له أبواب الطاعات حتى يصير من السعداء، فالسعادة كل السعادة في تقوى الله جل وعلا. ولست أرَ السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد السعادة في تقوى الله؛ لأن الله جمع فيها خيري الدنيا والآخرة، فخير الدنيا في أمرين: إما أن يدفع عنك ضرراً أو يجلب لك نفعاً، فقال الله في التقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] فجمع له الدنيا في هاتين الآيتين. وأما الآخرة فإن الله جل وعلا جعلها للمتقين: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ:٣١ - ٣٣] فالسعادة في تقوى الله جل وعلا، يوم تمسي المرأة المؤمنة وتصبح وليس في قلبها إلا الله ﷻ ، يوم تعمل للدار الآخرة فتلك هي السعادة الحقيقية، حتى تجد آثار الصالحات في دنياها وأخراها، والله ما اتقى عبد ربه إلا أقر عينه في الدنيا قبل الآخرة، ولا أطاع عبدٌ مولاه على أكمل ما تكون عليه الطاعة إلا أسعده في الدنيا قبل الآخرة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] أي: والله لنحيينه حياةً طيبة، السعادة كلها في حب الله، والسعي الحثيث لمرضاة الله ﷻ . أما القضية الثانية: فإن الابتلاء الذي بليت به جاء من سوء النية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] أنعم الله على المرأة بحسن الحال، وكانت في شبابها وعز حالها، والناس يطلبونها لكرامتها عليهم، فلما كفرت نعمة الله ونظرت إلى ما ورائها من طلب الشهادات وعلو الدرجات من هذه الدنيا الفانية، بليت بهذه العاقبة الوخيمة نسأل الله السلامة العافية، فهذه من عاجل العقوبة أنك طلبت العلم للدنيا ومن طلب العلم للدنيا مكر الله به في الدنيا قبل الآخرة، هذا معلوم ونص عليه العلماء: أن من طلب العلم للدنيا لشهادة لعلو درجة لطلب جاه، فإن الله يمكر به في الدنيا قبل الآخرة نسأل الله السلامة والعافية. فأوصيك أولاً: بالاستغفار من هذه النية، فالزواج يهون ولكن الخطب كل الخطب (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لينال به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة) نسأل الله السلامة والعافية، هذه هي المصيبة العظيمة مصيبة الدين. أما الوصية الثانية التي أوصيكِ بها: فمن الليلة استغفري ربك وتوبي إليه، فإن الله يصلح حالك، فإن الله يقول: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦] فإنكِ إن استغفرتِ الله واستدمتِ الاستغفار وسؤال الله الرحمة فليرحمنك الله في الدنيا قبل الآخرة، أكثري من الاستغفار علّ الله أن يغفر لك الذنب الذي بليت به حتى حيل بينك وبين هذا الخير الكثير، وما يدريك لو تزوجت فأخرج الله منك ذرية صالحة تعبد الله آناء الليل وأطراف النهار، فاغتنمي أختي المسلمة هذه الفرصة وهي كثرة الاستغفار، فإنها من أسباب الرحمة من الله جل وعلا. الوصية الثالثة: يجب أن تكون مثل هذه المواقف عبر للمؤمنين والمؤمنات، عبرة للمرأة المؤمنة ألا تتأخر بعذر الدراسة أو بإكمال الدراسة، فإن المرأة المؤمنة جعلها الله جل وعلا حرثاً للمؤمنين، لكي تبني الأسرة المسلمة، فإن النبي ﷺ ندبنا إلى النكاح والتناسل والتكاثر، فقال ﷺ كما في حديث النكاح: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة). الوصية الرابعة: لا تيأسي من رحمة الله، فأكثري من الدعاء أن يسخر الله لك زوجاً صالحاً، وأحسني الظن بالله، فإن الله على كل شيء قدير. الوصية الخامسة: أوصي الشباب الأخيار الذين يلتمسون رحمة الله ورضوان الله أن يفرجوا هموم أمثال هؤلاء من النساء، إن في النساء صالحات قانتات، إن في النساء خيرات دينات ولكن بُلين بكبر السن، فإما بسبب ولي أو بسبب منها، فتجد وليها لا يرغب كل زوج ويماطل في زواجها، وإما أن يكون السبب منها كحال هذه السائلة. فأوصيكم إخواني في الله أن تفرجوا هموم أمثال هؤلاء، فإنه من احتسب الأجر في أمثال هؤلاء فلعل الله أن يخرج منهن ذرية صالحة، فإن العبد إذا احتسب الأجر عند الله فإن الله يجزيه على حسن نيته، فاحتسب الأجر عند الله، فليس السن هو المهم، ولكن المهم كل المهم الصلاح والديانة والاستقامة وشراء مرضاة الله جل وعلا بتفريج كرب مثل هذه، فإن المؤمنة إذا لم تجد من يحصنها قد تتعرض للحرام والنفس ضعيفة والشهوات كثيرة، فاحتسب الأجر عند الله. عبد الله: إذا علمت بامرأة صالحة أنها لا تجد من يخطبها لكبر سن فاحتسب، فلعلك أن تخرج من الدنيا ولك صحيفة عمل أنك تزوجت لا لجمال ولا لمال ولكن لوجه الله الكبير المتعال، أن تخرج من الدنيا بحسنة من حسنات مؤمنة تفرج عنها كربها، وهذا أمر يتساهل فيه الكثير، فالبعض يبحث عن الشابات والجمال، هذه كلها متع زائلة وفانية، ولعلك أن ترزق بامرأة كبيرة عاقلة يكون من ورائها خير كثير، فإن الله ثبت قلب نبيه ﷺ بـ خديجة وهي أكبر منه سناً ﵂ وأرضاها، جاءها ذعراً مرعوباً مرهوباً فقالت له: [كلا والله ولا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق] فثبّت الله قلب نبيه ﷺ بهذه المرأة الصالحة، لما كانت كبيرة السن عاقلة، فالمرأة الكبيرة لها عقل، ولعل الإنسان أن يأجره الله على نيته فيكون منها ذرية صالحة، فاحتسبوا الثواب في أمثال هؤلاء، وكذلك احتسبوا الثواب في المطلقات والأرامل. إن الإنسان إذا علم أن هناك مطلقة أو أن هناك امرأة صالحة أرملة ابتلاها الله بزوج سيئ فطلقها وأهانها، وتستطيع أن تتزوجها، فاحتسب عند الله، فهذه هموم وغموم من نوى فيها الخير آجره الله ﷻ ، فاحتسبوا أيها الأحبة في الله الزواج يكون للدنيا والآخرة، فما كانت للدنيا فلذة ساعة وألم دهر، ولكن ما كان للآخرة فلذة الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا والآخرة، والتجارة الرابحة، نسأل الله العظيم أن يلهمنا السداد والرشاد. والكلمة الأخيرة التي أحب أن أوجهها، فأوجهها لكل ولي امرأة بأن يتقي الله ﷻ فيها، اتقوا الله في النساء فإن الله حملكم أمانتهن، ليتق الله الوالد، وليتق الله الأخ، وليتق الله كل ولي امرأة، ولا يبق متمسكاً بأمور قد لا ترضي الله جل وعلا من العصبيات ونحوها، فإنها قد تحول دون زواج المؤمنين والمؤمنات. بعض النعرات التي لا ترضي الله وهي من أمور الجاهلية كالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب، فالكل من التراب وإلى التراب. فإن المرأة إذا حبسها وليها بدون حق وماطل في زواجها حتى عنست وربما تعرضت للزنا لاشك أنه يحمل ذنبها بين يدي الله ﷻ ، والله إن هموم الليل والنهار التي تعيشها كثير من النساء المظلومات من أوليائهن يحملها الأولياء على ظهورهم، فاتقوا الله يا عباد الله! إنها مسئولية عظيمة، وكل إنسان يعلم أن أخته قد تأخر زواجها أو أن ابنته قد تأخر زواجها فعليه أن يتقي الله فيها، وكم من هموم وغموم يسلطها الله على أمثال هؤلاء لأنهم لم يتقوا الله في النساء، فاتقوا الله إخواني في هذه الأمانة العظيمة، والمسئولية الجليلة الكريمة، وليخرج الأب بهذه الأمانة بما يرضي الله ﷻ ، نسأل الله العظيم أن يوفقنا للسداد، وأن يكرمنا بحسن العاقبة في المعاد، والله تعالى أعلم.

стр. 265

طلب زيادة وقت المحاضرة السؤال فضيلة الشيخ! قد كنا بانتظارك من بعد صلاة المغرب ونرجو منك زيادة الكلمة وإعطاءنا وقتاً وإن كان فيه شيء عليك من التعب، ولكن قد اجتمعنا لنسمع منك، وأصحاب المباريات لا يقبلون أن ينقص زمن اللعب، فنحن والله أولى بذلك، لا سيما وأننا في ليل الشتاء، وليل الشتاء طويل فنرجو من فضيلة الشيخ أن يكرمنا من وقته جزاه الله خير الجزاء؟ باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فلا أحب في المحاضرة أن يكون الحديث لي وحدي، بل يكون هناك طرف للأسئلة، علَّ أن يكون الأجر للجميع، فمن سأل له أجر مثل أجرنا، وهذا من صنائع المعروف، أسأل الله العظيم أن يكتب خطاكم وأن يقرن بطيب الجنة مسعاكم، لا خيبكم الله، وأسأل الله بعزته وجلاله أن يجعل كل خطوة خطوتموها درجة في الجنان، موجبة للروح والريحان والحب منه والرضوان. أما أنا فبين أيديكم، وما جئت إلا شوقاً إليكم، فأسأل الله أن يدخلنا بهذا الشوق والحب فيه إلى الجنان، وأن يمتعنا بها وإياكم في الرضوان، وما يمنعني أن يكون هناك مشاركة في الأسئلة، وهذا أفضل من أن يكون الحديث مني وحدي.

стр. 266

توجيه إلى من حرم قيام الليل وصيام النهار السؤال من صنائع المعروف تلذذ العبد بالخلوة مع الله تعالى، وأنا عبدٌ قد حُرمت قيام الليل وصيام النهار، رغم أن الشتاء ربيع المؤمن فما توجيهك لي ولإخواني المسلمين؟ الجواب أخي في الله: ما ألذ العبودية لله، فلقد ذهبت من الدنيا حلاوتها ومضت طلاوتها ولم يبق إلا مناجاة الله، لقد تغير الزمان وكثرت الفتن، ولم يبق إلا الأُنس بالله الواحد الديان، إن مناجاة الله خاصة إذا هدأت العيون وسكنت الجفون ولم يبق إلا الحي القيوم، إنها ساعة وأي ساعة هي الساعة التي دمع عليها الأخيار آخر الدموع من الدنيا، فقال قائلهم: والله لا أبكي على فراق الدنيا فما غرست فيها الأشجار، ولا أحبها لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار ولكن لمكابدة الأسحار وظمأ الهواجر. ما ألذ الساعة التي يقوم فيها ولي الله من حبه وزوجه؛ لكي يناجي الله ﷻ ، ففي الحديث عن النبي ﷺ : (أن العبد إذا قام في الليل من عند زوجه لكي يتعبد ويتذلل لله ويناديه ويناجيه، يقول الله: يا ملائكتي عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه وفراشه؟ قالوا: يرجو رحمتك ويخشى عذابك، قال: أشهدكم أني أمنته من عذابي وأصبته برحمتي). ما ألذها من ساعة حين يقف العبد بين يدي الله ﷻ وقد رمى بالدنيا وراء ظهره يناجيه ويناديه بذلك الكلام العظيم، حين يقرأ القرآن فينقله القرآن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ينقله مع أهل النعيم والرضوان المقيم، ينقله إلى مراتع جنات الخلود مع المقربين الشهود، وكأن نسماتها تحركت. ما ألذها من ساعة حينما يتلذذ العبد بكلام الله ﷻ ، إنها ساعة الصدق، فلا تراك عين ولا تسمعك أذن، ولا يعلم بك أحد إلا الله ﷻ . ما ألذها من ساعة، والله لو أن العبد صدق مع الله جل وعلا وابتدأ قيام الليل لربما بزغ عليه الفجر وهو لا يشعر بنفسه، وأذكر عن الوالد رحمة الله عليه أنني تذاكرت معه في قراءة القرآن في الليلة الواحدة: هل يختم الإنسان القرآن في ليلة واحدة؟ وأحرجته وألححت عليه في السؤال، قال: والله يا بني لقد كنت أخرج من المسجد بعد العشاء وأستفتح قيام الليل وفي ركعة واحدة لا أشعر إلا وأني في آخر القرآن عند السحر، من لذة مناجاة الله ﷻ ، إنها اللذة التي لا يعلم حلاوتها إلا من ذاقها. جرِّب فوالله إنك ستحس بحقارة الدنيا وأن هناك متعة غير متعتها، ومع هذا كله فعاقبة السجود وعاقبة الركوع إذا صار الناس إلى الهجود رضوان الله الواحد المعبود، مع هذا كله لربما بزغ عليك الفجر وأنت قائم بين يدي الله في شدة البرد أو ضيق الحر فلم تنفتل من السجدة الأخيرة إلا ربما تنفتل من ذنوبك كيوم ولدلتك أمك، قال ﷺ في الحديث: (إن العبد إذا توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه -في إحدى الروايات- ثم سلم إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه). قيام الليل هو دأب الصالحين الذين عرفوا قيمة الآخرة وقيمة الدنيا، مزارع للآخرة يشتري العبد بها رحمة الله في ركعة أو سجدة أو في تسبيحة أو استغفار، فنسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا هذه اللذة، وأن يجعلنا من أهلها وأن يميتنا عليها، والله تعالى أعلم.

стр. 267

ثمار الأخوة حين تنبني الأخوة على أساس العقيدة، فإنها تؤتي ثمارها اليانعة في الدنيا، والتي تتمثل في الإيثار، والمناصحة، وغيرها، ثم بعد ذلك تؤتي ثمارها الأخروية، والتي قلّما يتنبه إليها من يحرص على مثل هذه الخصلة.

стр. 268

الأخوة صلة بين المؤمنين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله العظيم أن يجزي أخانا أبا محمد كل خير ومن تسبب في هذا الاجتماع الطيب، وأسأله تعالى أن يوفقنا جميعاً فيه لما يحبه ويرضاه من صالح القول والعمل. إخواني في الله: الأخوة في الله وشيجة بين المؤمنين وصلة بين عباد الله المتقين، جمعت القلوب على طاعة الله، وألفت بين الأفئدة في سبيل مرضاة الله، وهي أوثق عرى الإيمان، فما آمن عبد بالله إلا أحب أحباب الله واتجه قلبه لمحبة إخوانه في الله، ولذلك بين النبي ﷺ أن هذه الأخوة الصادقة لا تكون إلا لمن ذاق حلاوة الإيمان، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار، وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله) فقلوب المؤمنين أحبت رب العالمين وأحبت أحباب رب العالمين وأولياءه المتقين، وسارت إلى الله وإلى سبيل محبة الله بموالاة أولياء الله وأحباب الله. ومن هذا الأساس والمنطلق برئت قلوب المؤمنين من حمل الضغائن على إخوانهم، وبرئت قلوب المؤمنين من إيجاد الشحناء بينهم، ولو تأملت في كتاب الله لوجدت نصوص الكتاب والسنة تدعوك دعوة صادقة لتكون مع أخيك ولأخيك، لكي نكون عباد الله إخواناً؛ ولكي تنتشر بيننا خصال الإيمان الصادقة التي انتشرت بين أصحاب النبي ﷺ فما وجدت أخوة أصدق من أخوة أصحاب النبي ﷺ بعضهم لبعض؛ ولذلك أثنى الله عليهم وبين في الكتاب فضلهم، وجعلهم قدوة لنا، ووصف الأخيار التابعين لهم بإحسان أنهم على هذا المنهج. وقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]. سبحان الله! أخوة الإيمان تبقى حتى بعد الوفاة، تبقى بينك وبين المؤمنين فتذكر أموات المسلمين بالخير فتترحم عليهم، وتسأل لمحسنهم أن يزداد إحساناً ولمسيئهم أن يشمله الله جل وعلا عفواً من لدنه وغفراناً، ومن تدبر القرآن وجده يهدي إلى هذه المحبة ويأمر بها ويحث عليها، ولذلك بين الله ﵎ فضل أصحاب النبي ﷺ حينما وصفهم بقوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] فمن سمات الإخوان في الله والأحباب في الله أنهم رحماء وبينهم الرحمة التي هي نابعة من الإيمان، فالمؤمن حليم رحيم.

стр. 269

أحق من ترحمه أخوك في الدين وأحق من ترحمه أخوك في الدين الذي قد تبلغ أخوته في الدين علواً وشرفاً فوق أخوة الحسب والنسب، ووالله ما دخل الإيمان إلى قلب عبد إلا أعز إخوانه في الله، وإن بعض الصالحين -يعلم الله أنه يحب أحبابه في الله وإخوانه في الله أكثر من محبته لإخوانه في الحسب والنسب؛ لأن الأخوة في الله نابعة من عقيدة ونابعة من إيمان ونابعة من شعور، ولذلك توعد الله من أراد قطع وشائج الأخوة في الله بأشد الوعيد، ولذلك جاء هدي النبي ﷺ يبين فضل هذه الأخوة حينما حذر من قطعها، فلذلك نهى الإسلام عن القطيعة وحرم أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث ليال، فمع أخوة الإسلام لا تستديم الخلافات أكثر من ثلاث ليل وإن كان ولا بد فثلاثة أيام، أما الزائد عن ذلك فهو إثم وسيئة وخروج عن منهج الله، وخلاف للأخوة في الله، وهذا يدل دلالة واضحة على عظيم شأن الأخوة في الله عند الله، ثم بين فضلها حينما حرم على العباد أن يسعى بعضهم بين بعض بالقطيعة فبين النبي ﷺ أن الله ﵎ أعد لكل من قطع بين إخوانه المحبة بالنميمة أن الله أعد له فتنة القبر وعذاب القبر -والعياذ بالله- قال ﷺ في القبرين المعذبين: (أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنز من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) ما هي النميمة؟ هي نقل الأحاديث بين العباد لإفساد المودة بينهم، فلذلك توعد الله صاحب هذا الخلق الذي اعتدى على أخوة الإسلام توعده بهذا الوعيد الشديد، وبين الله ﵎ العكس أن من سعى في العكس وهو جمع القلوب على طاعة الله، وتأليف الإخوان على منهج الله ومحبة الله أن الله يحبه، قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤]. و (عظيماً) من الله ليست بالهينة (من يفعل ذلك) أي: من يفعل الصلح بين الناس ابتغاء مرضاة الله ﴿فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ [النساء:١١٤] ولذلك كم هي خطوات عزيزة عند الله إذا خطاها المؤمن للجمع بين المفترقين والتأليف بين عباد الله المؤمنين. المسلم يجمع بين المفترقين من أجل طاعة الله ومرضاة الله ولا يعرف القطيعة، والمسلم أحرص ما يكون على تأليف قلوب إخوانه وأحبابه على طاعة الله ومرضاة الله. فهذه من الأمور التي تعين على وشيجة الأخوة في الإسلام، إنها الوشيجة التي تنفع العبد بإذن الله يوم لا ينفع مال ولا بنون، فقد يبتلى الإنسان بسيئة من السيئات تثقل بها كفة السيئات -والعياذ بالله- فينجيه الله بشفاعة أخ له في الله. ولذلك قال تعالى في كتابه العزيز لما ذكر عن أصحاب النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]. قال بعض العلماء: لأنهم يرون المؤمنين يشفع بعضهم لبعض.

стр. 270

كونوا عباد الله إخواناً والله إن لذة العيش إذا صفيت القلوب من الضغائن، ولذة الحياة إذا خلت القلوب من الأحقاد والحسد والبغضاء، ففيمَ التحاسد؟! وفيمَ التهاجر؟ وفيمَ التقاطع وفيما التدابر، والنبي ﷺ يوصي أهل الإيمان وينادينا فيقول: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)؟ لا تحاسدوا؛ لأن الحسد طريق الفساد، ولا تباغضوا؛ لأن أهل الإيمان لا يعرفون البغضاء، ولا تدابروا؛ فالمؤمن لا يولي دبره إلى أخيه كناية عن القطيعة، ولكن كونوا عباد الله إخواناً، أمر من النبي ﷺ أن نكون عباداً لله في الله إخواناً، وكل واحد منا يتوجه إليه هذا الحديث، كن مع عباد الله أخاً لهم في الله ولله.

стр. 271

الحاجة إلى الأخوة في الله كل منا مأمور أن يكون أخاً لأخيه صادقاً في أخوته ومحبته، وهذه الأخوة لها ثمرات طيبة ومن أعظمها وأجلها وأكرمها عند الله، حينما تكمل نقص أخيك وحينما تكون عوناً لأخيك على طاعة الله ومرضاة الله، كل منا والله ولو كان عالماً يحتاج إلى من يناصره، يحتاج إلى من يؤازره، يحتاج إلى من يكون قريباً منه يذكره بالله إذا نسي، ويعينه على ذكر الله إذا غفل، كلنا نحتاج إلى ذلك. ووالله إني لمن أحوج الناس أن أجد أخاً صادقاً يذكرني بالله إذا نسيت، ويعينني على ذكر الله إذا غفلت، فمن منا الكامل؟! فلذلك من أجل نعم الله بعد الهداية وجود الإخوان الصادقين، كلنا سيعاشر أخاه ولكن والله شتان بين عبدين، عبدٌ إذا ذكر في المجالس قيل: نعم فلان والله. نِعم الأخ ونِعم الأخوة، ونِعم الحبيب ونِعم المحبة، سيقال عنك ذلك إن كنت على كمال الأخوة في الله وإلا -والعياذ بالله- العكس بالعكس. فكن رحمك الله ذلك الأخ الموفق ولن تكون كذلك إلا إذا ابتدأت من أسس أهمها: براءة الصدر للمسلمين. صدرك لا تدخل فيه غلاً على مسلم وإياك أن تضع رأسك وتسلم روحك لربك وفي قلبك غل على مسلم، ووالله إن بعض الصالحين يأرق في ليلته ويتأخر نومه وهو يجاهد قلبه على إنسان أخطأ عليه حتى ينام وقلبه مرتاح، ويقول: إن خطأه لعله يقصد كذا وكذا، ولعله يقصد كذا وكذا، والله لو أن كل واحد حاول من الليلة أن يبيت سليم الصدر للمسلمين لوجد والله حلاوة الإيمان. هذه الضغينة التي تدخلها في قلبك أو لا سمح الله يدخلها الإنسان في قلبه قد تطفئ نور الإيمان، وقد تحدث قسوة في القلب، وقد تحدث صدوداً وإعراضاً عن الرب، فقد يستهين الإنسان باحتقار مسلم، وقد يستهين الإنسان بازدراء مسلم وهو عند الله عظيم. قال ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) فلا تستخف بالمسلمين، وإياك وسوء الظن بعباد الله المؤمنين، كن ذلك الرجل الذي إذا ذكرت مسلماً كأنك تذكر نفسك لنفسك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [النور:١٢] الله أكبر! نزل المؤمن منزلة النفس، فإذا أردت أن تعرف كمال إيمانك فانظر إذا ذكر أخوك بالغيب، إذا نزلت نفسك منزلته فاعلم أن الله أعطاك إيماناً، وإذا كان العكس فكان كلما ذكر للإنسان أخوه لم يأبه أن يذكر بسوء أو غير ذلك فليبكِ على نفسه، فإن الله وصف المؤمنين بهذه الصفة والله أعلم بخلقه من خلقه بأنفسهم، فهذه قضية مهمة وهي: سلامة الصدور وبراءتها من الإحن، وإياك ثم إياك أن تمسي وتصبح إلا وأنت نقي السريرة محسن الظن بالعباد، وإذا قيل لك فلان أو فلان فقل: أنا المخطئ، أنا الذي مني التقصير، أنا الذي أحتاج إلى من يسد ثغرتي ولمن يجبر كسري، وكذلك يكمل نقص العيب فيّ. المؤمن دائماً يتهم نفسه؛ فالمؤمن في نفسه له شغل عن ذنوب العباد. ولكن هناك أحوال خاصة قد يجب فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للمسلمين، فهذه مستثناة، كأن يكون إنسان على بعد عن طاعة ومنهج الله، يفسد بين عباد الله، أو إنسان حاد عن صراط الله المستقيم عقيدة أو سلوكاً أو خلقاً، فهذا له حكمه المستثنى، وإنما قضيتنا الأصلية وكلامنا في الأصل، وهو ما ينبغي أن يكون للمسلم الذي لم تثبت عليه شائبة تشوبه في دينه وخلقه.

стр. 272

قضايا تتعلق بالأخوة ينبغي الإلمام بها ثم هناك قضايا ينبغي أن نلم بها وهي:

стр. 273

من شواهد عهد النبوة في الأخوة ومن شواهد عهد النبوة لما جاء أهل النفاق فأورثوا الشحناء والبغضاء بين الأوس والخزرج وقال الأوسي: يا للأوس! وقال الخزرجي: يا للخزرج! فثاروا إلى السلاح حينما تذاكروا يوم بعاث، هذه الضغينة التي كانت بينهم حركها ذلك اليهودي قاتله الله وعامله بما يستحق، وهو شاس بن قيس اليهودي لما حركها وبلغت تلك الصيحة رسول الله ﷺ خرج يجر رداءه لكي يتدارك أخوة الإسلام، اشتغل بثوبه يجر رداءه من أجل أن يدرك هذه الأمة الطاهرة، فجاءهم وهم يريدون أن يقتتلوا، يا للأوس! وياللخزرج! كل منهم ينادي أخاه للفتنة والضغينة، فشاء الله أنه نادى النبي ﷺ بالناس فاجتمعوا، فرقى المنبر وتلا آيات من الكتاب ﵊ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١]. سبحان الله! أساليب ربانية تحرك هذه القلوب وتدل على أن بيننا صفاء ومودة عظيمة. صفاء ومودة بماذا؟ بعقيدة الإيمان التي هي أقدس شيء وجد على وجه الأرض: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠١] استفهام إنكاري وأسلوب رباني رفيع في معالجة الداء: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّه وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ِوَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] ثم بين لهم أهمية الأخوة، ثم أوجد لهم الأمل: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠١] كأنه يقول لهم: ارجعوا واعتصموا بالله واتركوا هذا الخلاف: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] ثم يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣]. يقول بعض العلماء: إن ذكر الاعتصام بعد الإسلام والوصية بالإسلام يدل على أن من آكد الفرائض بعد التوحيد والإيمان تحقيق الأخوة في الله، هذه من آكد الفرائض بعد الإيمان، ولذلك قال الله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] هذه العقيدة والأساس والأصل: ((وَاعْتَصِمُوا)) [آل عمران: ١٠٣] هذه ثمار العقيدة وفروع العقيدة ولازم العقيدة. ما دمنا أننا أهل إيمان ماذا نفعل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]. يقول الوالد رحمة الله عليه في تفسيرها: يمتن بجمع القلوب قبل النجاة من النار قال الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ولذلك السياق له تأثير، يعني: ذكر الشيء قبل الشيء يدل على أهميته؛ لأن العناية بالبداية تدل على فضل الشيء المبتدأ به. فالمقصود: قيل إنه أراد أن يبين خطر الفرقة، وهذه الآيات ما إن تلاها رسول الله ﷺ على أقوام قد غلت قلوبهم من الأحقاد والذكريات الأليمة من ذلك الخبيث الذي أشعل نار الفتنة، ما إن تلاها وإذا بتلك العيون تدمع من خشية الله، قاموا يتباكون ويعانق بعضهم بعضاً من شدة أثر القرآن في قلوبهم، ما استطاع أحد منهم فرموا السلاح وأقبلوا يتعانقون ويبكون من شدة أثر القرآن في قلوبهم فرضي الله عنهم وأرضاهم، نعم والله القوم! نعم والله العبد الذي ما إن تبلغه الآية من كتاب الله، أو تبلغه الوصية من وصايا الله إلا وجدته أسبق الناس إلى فعلها والعمل بها! جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل.

стр. 274

ثبوت الأخوة باتساع الصدور إذاً: لا بد لهذه الأخوة أن تثبت ولكنها تحتاج إلى رجال صادقين، تحتاج منا أن تتسع صدورنا إذا حصل أي خلاف أو شقاق، فلا نعين أهل الخلاف والشقاق على الخلاف والشقاق، وإنما قول بالحسنى وابتغاء لمرضاة الله جل وعلا، وإحسان لا إساءة، وجمع لا تفريق، وتأليف لا شتات، فهي وصية النبي ﷺ . ومن رحمة الله أن الغالب في أهل الإيمان مهما وقع بينهم من الخلافات، ومهما وقع بينهم من الشقاق؛ فإن صدورهم رحبة، أهل الإيمان -غالباً- مهما يقع بينهم فإن صدورهم رحبة. وأذكر ذات مرة أن شابين كانا دعاة في بلدهما، وكان بينهما من العداوة والفرقة شيء كثير، وحصل ما حصل وكنت لا أعرفهما، فجاء شخص وأخبرني وشاء الله أنهما اجتمعا في المدينة في مناسبة من المناسبات فدعوتهما -وهذه أقصها لكي أبين أن القلوب لا زال فيها خير- وكان بينهم من القطيعة والتهم وبينهم من الشقاق الشيء الكثير، فشاء الله أني انفردت بأحدهما وذكرته بالله ، وبينت له ما للعفو وللصفح من خير، وما للإسلام من مقصد في جمع القلوب إلى آخره، ورهبته بالله، كيف يكون هذا من هذه القلوب البريئة؟! يقسمون المسلمين وكل ذلك لمصالح شخصية، وكل ذلك لأشياء لا تمت إلى الإسلام بصلة، كل يتهم الآخر، وكل منهما ينابذ الآخر، كلمت الأول وكلمت الثاني ثم جمعتهما مع بعضهما، فشاء الله أنني رغبتهما بالصلح قبل أن يصطلحا وبينت لهما الخير والفضل في الذي يبدأ قبل الآخر، ووالله بمجرد أن انتهيت من الحديث وكل منهما يهجم على الآخر يريد أن يكون هو البادئ بالسلام، يريد أن يكون هو الذي يعفو ويبكي ويقول له: سامحني! وكل منهم يحس أن التقصير منه، وببداية الأمر كل منهما يحس أنه هو صاحب الكمال، لكن إذا قرعت قلوب أهل الإيمان بقوارع التنزيل عرفت قدر نفسها؛ ولذلك لا يعرف إنسان قدر نفسه بشيء مثل خشية الله، خشية الله إذا دخلت إلى القلب جعلت صاحبها في الحضيض وجعلت تتهمه بكل تقصير. فلذلك -سبحان الله عجبت!! - فما تمالكت نفسي في موقف عجيب! كان بينهما من القطيعة والتهم الشيء الكثير وكل منهما يحاول أن يسبق الشخص الآخر وجمع الله قلوبهما، ونسأل الله أن يجمعها إلى يوم الدين، ويجمع قلوبنا أيضاً معهم على طاعته ومرضاته، المقصود أن هذا يدل على أن القلوب فيها خير.

стр. 275

العفو عمن ظلمك إذا وقفت في موقف بينك وبين أخيك فاعلم أنك بين الجنة والنار، واعلم والله أنه إذا أساء إليك أخوك أنك أولاً وقبل كل شيء ممتحن من الله، نحن بحاجة إلى من يغذي قلوبنا عند حصول الفتن، فقد تحصل بعض الخلافات فلا يوجد أحد كامل، فرب يوم من الأيام يزل أخوك بكلمة أو تخرج من فمه زلة، أو يذكر أمراً من أمور الجاهلية؛ فما العمل؟ جاء الإسلام بالعلاج، جاء بالعلاج حينما ذكرك بأنه ينبغي عليك أن تعامل الله وأن ترجو الله والدار الآخرة. وكيف ترجو الله والدار الآخرة؟ ترجو الله والدار الآخرة حينما تقول لأخيك: أنا عاف عنك لوجه الله. هذه الكلمة لها ثقل عند الله. كأنك تقول: أنا لا أعفو إلا من أجل أنني إذا لقيت الله أجد عنده حسنة هذا العفو، لوجه الله أي: من أجل وجه الله . ولذلك ثبت في الأثر وقد حكاه بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:١٣٤] ورد في الأثر أن الله ﵎ يقول: (من كان أجره على الله فليقم - في عرصات يوم القيامة- فتقول الملائكة: ومن هذا الذي أجره على الله؟ يقول النبي ﷺ : فلا يقوم إلا من عفا عن ذنب). وهذا من أسمى ما يكون المنهج؛ لأن منهج التشريع كماله أن يضع المشرع فرضاً واحتمالاً بأن تقع خلافات، فالشريعة حببت الأخوة وذكرت ثمارها في الدنيا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي في طاعة الله، وذكرت ثمارها في الآخرة من الشفاعة، وجاءت بالفرض المحتمل وهو فرض الخلافات، فعالجت المختلفين، وأيضاً عالجت من خارج المختلفين، عالجت المختلفين حينما أمرتهم أن يقولوا التي هي أحسن، وعالجت من خارج المختلفين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] كأنهم ما خلقوا إلا من أجل الأخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] عالجت من الخارج وعالجت من الداخل ثم كذلك حببت فيما عند الله من الأجر، والفضل والثناء وحسن الذكر. ووالله لن يتسع صدرك لأذية مؤمن يؤذيك فترجو رحمة الله ويتسع صدرك وتقول: أنا عاف لوجه الله إلا رفع الله قدرك، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) لا تظن أنك إذا عفوت ذليل، لا، صحيح أن الذلة للمؤمن مستحبة: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] أقوام ليل وصوام نهار لا. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. هذا أول شيء، كيف أذلة على المؤمنين؟ بمعنى أنه إذا أساء إليه الغير لا يقابل الإساءة، بل يذل له؛ لأنه يأتيه الشيطان ويقول له كيف تترك؟ أنت ضعيف أنت جبان أنت تخاف، يقول: نعم ضعيف جبان أمام لا إله إلا الله، أريد أن أنتقم لكن بيني وبينه كلمة " لا إله إلا الله " لا أستطيع أن أضرب مسلماً، وهذا يدل على كمال الإيمان، يدل على أن الإيمان قد توغل إلى أعماق ذلك الفؤاد وذلك القلب.

стр. 276

إبليس وتفريق قلوب المؤمنين إن هناك أعداء أعظمهم عدونا إبليس الذي أقسم على تفريق هذه القلوب، هذا العدو دائماً يأتيك بالضغائن وبالمنغصات التي تنغص الأخوة، ولذلك يقع الخطأ من بعض إخوانك - مثلاً - يمر عليك ولا يسلم لكونه مشغول البال، فيأتيك الشيطان فيقول: فلان لا يحبك، فلان يكرهك، فلان يخالفك، فلان كذا وكذا، وهكذا وحتى تتربى أو يتربى في ذلك القلب الحقد على أخيه المسلم؛ فلذلك يحذر المسلم إذا جاءته وساوس الشيطان أو ألمت به خطرات ذلك العدو اللدود برئ إلى الله وضرع إلى الله فقال: أعوذ بالله، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] قل لعبادي، أي: قل لأهل الإيمان، قل للذين يرجون لقائي، انظر أسلوب التشويق، ووالله بمجرد ما تقرأ بداية الآية: (قل لعبادي) كأنها تشعر بأن الذي يتخلق بهذا الخلق عبد صادق لله. قل يا محمد لعبادي الذين يرجون لقائي ويرجون محبتي، قل لعبادي وينسبهم إليه جل شأنه مثلما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٣]. يقول بعض العلماء: من أجل الأوصاف وصف العبد بالعبودية لله، ولذلك لما أراد الله أن يشرف نبيه قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] فرفعه وشرف قدره، كذلك أهل الإيمان شرفهم فقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣] إذا جاءك إنسان بضغينة أو جاءك فقال لك: فلان يقول كذا وكذا، فهناك حسن وهناك أحسن ما قال: يقولوا حسنى، بل: يقولوا التي هي أحسن أفعل التفضيل، يدل على أنك لا تبادل الإساءة بالإساءة؛ لأنه إذا أساء الغير فمن حقك أن ترد الإساءة بالإساءة، ولكن الأحسن أن ترد الإساءة بالإحسان: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] يقول تعالى مبيناً فضل عباده المتقين: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] من هم يا رب؟: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨].

стр. 277

وصية في الأخوة إخواني! هذه وصية أقولها لأننا تمزقنا، أقولها لأننا تفرقنا، لأنه دخلت بيننا دواخل كثيرة وأصبحنا والله نعايش آلاما، أصبح الإنسان في بعض الأحيان يشتكي أموراً والله قد لا تحصل بين أهل الدنيا، وتعتبر من أهم الأمور الموجبة للقطيعة فكيف بأهل الإيمان؟ لماذا هذه الشحناء ولماذا هذه البغضاء؟ هل يتصور إنسان مسلم أخاه لله وفي الله سمته سمت صالح يمر ولا يسلم عليه؟ والله إنه لأمر لا يمكن أن يحتمله قلب، لا أتحمل إنساناً مسلماً يمر سمته الصلاح ولا يسلم علي أو لا أسلم عليه، أعتبرها كأنها جريمة، وهي ليست جريمة في الشرع بل السلام مندوب ومطلوب، ولكن هذه الأمور من دعائم الإيمان، وهذا يدل على ضعف الإيمان في القلوب، ولذلك ينبغي أن نحيي هذا الأمر، والله ﵎ بين أنه يوجد في كتابه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه ما يجمع القلوب، ولذلك ليس هناك أخوة أصدق من أخوة أهل الإيمان، وليس هناك أخوة أصدق من أخوة المسلمين بعضهم مع بعض، فلذلك إخواني! أمامنا كتاب الله الذي هو الحبل بيننا والرابطة لنا، عليها نجتمع، وعليها نأتلف، ومن أجلها نقول، وبها نصول ونجول. هي كلمة الله؛ كلنا قد رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً. ما المانع أن يهش المؤمن لأخيه إذا لقيه وأن يسأله عن حاله، وأن يتفقده ولو لم يكن يعرفه؛ لأن ذلك من أدعى ما يكون من وشائج الإيمان. تصور لو أن إنساناً غريباً نزل بين المسلمين -وهو مسلم- فوجد هذا يسلم عليه، ووجد هذا يهش له ويبش، كيف يكون أثر الإيمان؟ يزداد إيماناً ويزداد ثباتاً. لكن، نخشى والله أن نكون حجر عثرة أمام المهتدين إلى طاعته، والله نخشى من ذلك، ولذلك عندي وصية أخيرة أوصيكم بها ونفسي، وأوصي الدعاة والمربين والإخوان بها. الشباب المهتدون الذين هم في بداية الطريق إلى الله، أوصيكم يا إخوان، وأوصيكم أن توصوا إخوانكم بهم خيراً، والله إنهم أمانة في أعناقنا، الشاب إذا ابتدأ في الهداية يكون عنده طاقة عجيبة من الإيمان فأقل شيء قد يؤثر عليه، وأقل تصرف من الصدود أو الإعراض أوالاحتقار أو النظر إليه كأنه حديث عهد بجاهلية، يكون له أثر لا يعلمه إلا الله، وقد انتكس البعض -والعياذ بالله- وهو في ميزان سيئات من كان السبب في انتكاسته والعياذ بالله، فإياك أن تكون رحمك الله ذلك الرجل الذي يكون حجر عثرة في طاعة الله ومرضاة الله. افتح صدرك لعبد يريد أن يقبل على الله وإذا لم تنفتح صدورنا لأمثال هؤلاء التائبين المنيبين المنكسرين لرحمة رب العالمين فلمن تنفتح؟ وأقسم بالله العظيم أنني أعرف بعض المجالس للتائبين حديثي التوبة أجد فيها من الرقة والخشوع وحلاوة الإيمان ما لا أجده في بعض الأحيان في مجالس بعض طلاب العلم، أقولها عن تجربة! وجدت فيهم من الصدق ومن حلاوة الإيمان شيئاً عجيباً، وفيهم خصال عجيبة من الإقبال على الهداية وتحس كأنه يريد أن يبتلعك من شدة ملازمتك، فبعض الأحيان يتضايق بعض الشباب يحس أنه دائماً وراءه وراءه يسأل ويقول: ما هذا الرجل؟ فسرعان ما ينفر منه، لا. إياك أن تنفر منه، يعطيك بعضه أعطه كلك، يعطيك شيئاً يسيراً أعطه شيئاً كثيراً، فوالله ما وجدنا في ذلك إلا كل خير، ومن فتح لهم صدره فإنه مرحوم برحمة الله، وهو الموفق وهو السعيد، فالله تعالى يعاتب نبيه من فوق سبع سماوات على أعمى جاء يريد من يهديه إلى سواء السبيل، وهو لم يهتد يريد من يهديه، عاتبه الله من فوق سبع سماوات، سبحان الله! فكيف بمن اهتدى؟ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] إلى الآن ما اهتدى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:٣ - ٤] يعاتبه الله في ذلك وهو ما اهتدى فكيف بمن اهتدى؟ ولذلك والله أخشى في بعض الأحيان منهم، أخشى أن أحدهم يكون سبباً في طريق لي إلى النار إذا قصرت معه، والله لا أقولها مبالغة، أخشى أن تخرج مني فلتة يغضب الله عزوجل عليّ بها أو يمقتني الله بشاب يمتلئ قلبه من الإيمان، يريد أن يتوجه إلى الله فآتيه بكلمة تثبطه عن طاعة الله، أو آتيه بكلمة تحقره أو آتيه بكلمة أقتل فيه روح الإيمان والحماس في طاعة الله، هذه وصية أقولها عن معاناة الشباب حديث العهد بطاعة الله، افتحوا لهم صدوركم، وحببوهم واشرحوا لهم الصدور. فبعض الإخوان لا يألف إلا لإخوان لهم قدم سابقة في الهداية، والله ما ندري من المقبول ولا ندري من المحروم والأمور مردها إلى الله، فلا تحتقر عبداً يريد أن ينيب إلى الله؛ فإن الله نهى نبيه ﷺ أن يعرض عن مجالس أمثال هؤلاء فلذلك هذه وصية أقولها عن معاناة عاناها بعض الشباب واشتكى من ذلك. فرفقاً رفقاً يا دعاة الإسلام، ورفقاً يا هداة الإسلام، ورفقاً يا أساتذة، ورفقاً يا معلمين، رفقاً يا مربين، فكل مسلم مطالب أن يرفق بأمثال هؤلاء المهتدين، وأن يحس بأنه على خير، إذا جلس مع مثل هؤلاء أشعره بأنه قد أصاب خيراً، وأنه قد أصاب رحمة من رحمات الله، وينبغي أن تشعره أنه في بداية طريق خاتمته السعادة الحقيقية ونهايته الفوز برضوان الله ﵎. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين الذين حققوا الإيمان صدقاً، ونسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتحابين في جلاله الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله إنه ولي ذلك والقادر عليه. وختاماً جزى الله من تسبب في هذا المجلس المبارك كل خير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 278

الأسئلة

стр. 279

النصيحة للعاصي السؤال كيف أنصح أخي إذا رأيته على خطأ؟ الجواب نأخذ بوصية الشيخ حماد، يقول: إذا حضر الهرس بطل الدرس، كيف تنصحه أولاً: إخلاص، أسلوب حسن، ووقت مناسب، وإن شاء الله وبإذن الله تأتي النتيجة، يعني تحاول أن تخلص وأن يكون الأسلوب حسناً والوقت مناسباً، فبإذن الله يكون هناك أثر، غالباً بعد انتهائه من المعصية أو الخطأ انصحه حتى تعرفه بقيمته تقول له: ما الذي استفدت الآن؟ فهذا إن شاء الله إذا صدق العبد مع الله صدق الله معه. والله تعالى أعلم. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 280

جوانب من حياة الشيخ في طلب العلم السؤال كثير من الإخوة يرغبون أن يتكلم الشيخ عن حياته في طلب العلم؟ الجواب باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: أما طلبي للعلم فأسأل الله العظيم أن يجزي الوالد كل خير، وأحمد الله ﵎ أن هيأه لي وسخره لي، وما كان العبد ليصيب ذلك لولا فضل الله، كان ﵀ حريصاً على أخذنا إلى مجالسه في الحرم وإحضارنا في دروسه في البيت، وكنت من الصغر أحياناً أنام في حجره في الحرم رحمة الله عليه؛ لأنه كان يدرس بعد الفروض كلها عدا فرض العصر يكون في درسه في البيت. فلما بلغت الخامسة عشرة أمرني أن أجلس بين يديه وأن أقرأ عليه دروس الحرم فابتدأت معه بسنن الترمذي وتعرفون بداية واحد مثلي بداية ضعيف، يعني: أمام جمع من الناس في داخل الحرم، ولكنه أراد رحمة الله عليه أن يشحذ الهمة وكان يحسن الظن بي كثيراً، وأسأل الله ألا يخيب ظنه فيّ، فابتدأت بقرءاة سنن الترمذي ثم انتهيت منه، فابتدأ بالموطأ وختمته عليه، ثم بعد هذا ابتدأت بسنن ابن ماجة، وتوفي ﵀ ولم يكمله ونسأل الله أن يكتب له أجر إكماله هذا بالنسبة للدرس الأول الذي بعد المغرب. ثم يأتي طالب ويقرأ عليه درساً في اللغة، ثم طالب يقرأ عليه درساً في الفقه، وكنت أحضر معه، وبعد العشاء قرأت عليه صحيح مسلم حتى ختمه ثم ختمه الختمة الثانية وتوفي في آخرها. ومن غريب ما يذكر أنه توفي عند باب فضل الموت والدفن في المدينة، وأذكر أنه ذكر في آخر مجالسه حديث فضل الدفن في المدينة وهذا الحديث قد قرأته عليه قرابة أربع مرات في صحيح البخاري، وكذلك في صحيح مسلم ولا أذكر أنه دعا إلا في آخر مجلس من حياته وكان صحيحاً ليس به بأس، فبعد أن ذكر الفضل وذكر أقوال السلف ﵏، قال: وأسأل الله جل وعلا أن لا يحرمنا ذلك فأمن الحاضرون، ولا زلت أذكرها حتى قلت: من تأمينك مثل آمين في الحرم من كثرة الحضور رحمة الله عليه في درسه، فكنت حافظاً لذلك المجلس لأنني أعرف في العادة يمر على هذا الحديث وما دعا. ثم في الفجر كان يقرأ بعد صلاة الفجر التفسير حتى تطلع الشمس، وأما بعد صلاة الظهر فقد كنت أقرأ عليه صحيح البخاري حتى ختمته، ثم أيضاً ابتدأ قراءة ثانية فتوفي ولم أكملها عليه. وأما بالنسبة لقراءتي الخاصة عليه، فقرأت عليه في الفقه: قرأت عليه متن الرسالة حتى أكملته، وقرأت عليه في بداية المجتهد من مذاهب العلماء والفقهاء شيئاً كثيراً من مسائلها وكنت أحررها وكان ﵀ واسع الباع في علم الخلاف، ويذكر الأدلة لكن كان عنده ورع في الترجيح، وأما بالنسبة لعلم الأصول: فقرأت عليه لكنه كان ﵀ لا يحب كثرة الجدل الموجود في علم الأصول -كما تعرفون أن علم الأصول يقوم على المنطق في كثير من مسائله- فكان إذا دخلت معه في المنطق يقول: قم -يطردني- لأنه كان يرى تحريم المنطق وهذا قول لبعض العلماء وإن كان اختيار بعض المحققين منهم شيخ الإسلام بالتفصيل. كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله: وابن الصلاح والنووي حرما وقال قوم ينبغي أن يعلما والقولة المشهورة الصحيحه جوازه لكامل القريحه ممارس السنة والكتاب ليهتدي به إلى الصواب المقصود: أنا أدلل بهذه الكلمة ما استوعبت معه جانب الأصول من ناحية المنطق والخلافات، وكان هناك بعض المشايخ ممن له قوة باع في المنطق، قرأت عليهم بعض المسائل التي أرجو من الله تعالى أن يكون فيها تعويض لبعضها. أما بالنسبة للمصطلح: فقرأت عليه بعض المنظومات منها: منظومة البيقونية، وكذلك طلعة الأنوار، وكذلك قرأت عليه في تدريب الراوي جزء منه رحمة الله عليه. وأما السيرة فكان له درس في رمضان يقرأ فيه البداية والنهاية وكان ﵀ في التاريخ شيء عجيب، أذكر أن الشيخ: ابن عثيمين يقول لي: والدك يحفظ البداية والنهاية. قالها عن معرفة رحمة الله عليه، كان يلم ومعرفته بالتاريخ والأنساب عجيبة، وهذا العلم الحقيقة قصرت فيه ولم آخذه، ويعلم الله ما كان يمنعني منه إلا خشية أن الإنسان يأتي ويقول: إن هذه القبيلة تنتهي إلى كذا فيتحمل أوزار أنساب أمم هو في عافية عنها. لكن الحمدلله في الفقه والحديث والعلوم التي أخذتها عليه - إن شاء الله - غناء عن غيرها. جوانب من طلب العلم: كان ﵀ قوياً في طلب العلم، وكان لا يقبل كل طالب علم -يعني: لا يحتضن أو يضم كل طالب علم إليه- لا يضم إلا الفذ الصابر، وذلك له أثر لأنه هو بدايتة كانت بهذه الطريقة، كان ﵀ من المعروف عنه يقول لي العم محل إجماع عندنا في القرابة: أن والدك رحمة الله عليه ما عرفت له صبوة إلى الحرام من الصبا وكان معروفاً لا يعرف ضياع الوقت، وكان وهو ابن تسع عشرة سنة يرتحل إليه في علم رسم القرآن من إتقانه رحمة الله عليه، ونزل عند بعض مشايخه وكان لا يأتي لقرابته إلا بقدر ما يسلم ويؤنسهم ثم ينطلق إلى دروسه. هذا كشاهد على صبره في طلب العلم وأنه لا يقبل كل أحد، أذكر منه ﵀ أنه يذكر عن بعض مشايخه أنه سهر الوالد سهر في الليل وهو يراجع درسه في القرآن أيام ما كان يحفظ، أظن أنه استظهر القرآن وهو لم يتم الحادية عشرة من عمره، المقصود أنه سهر الليل في مراجعة حزبه ثم لما صلى الفجر ارتاح قليلاً فمر عليه شيخه -تعرفون التعليم في البلاد خاصة في قضية التحفيظ هذه لها طابع خاص وفيه من الضرب والتأديب شيء لا يخطر على البال- فلما نام بعد صلاة الفجر مر عليه شيخه وركضه برجله وقال: له يا مخيتير ما بلغت الساعة التي تنام، ما بلغت من العلم ما يؤهل لك أن تنام مثل هذه الساعة. يقول: فقمت من ساعتي أراجع حفظي، يعني: من شدة الضبط والتحرير، وكان عنده همة وكان من أهم الأمور التي رأيتها فيه أنه لا يحب ضياع الوقت، يمكن أن يقبل كل شيء إلا ضياع الوقت، يدخل البيت أول ما يستفتح يصلي ما كتب له، ثم -والله يا إخوان- ينقلب على فراشه والكتاب في حجره، آتيه بمشكلة معضلة يلتفت إليّ فقط والكتاب في حجره، ماذا تريد؟ أقول: كذا وكذا، يقول: افعل كذا وكذا ثم يلتفت إلى الكتاب. همة عجيبة، لما هاجر من البلاد وخرج -رحمة الله عليه - خرج بكتبه وعزت عليه الكتب في شدة البرد وضعها على جراب من جلد، يقول: إنه لما حملها وكثرت تفسخ معه جلد ظهره، ومع ذلك عزت عليه الكتب أن يفرط فيها، فالأولون الحقيقة كان لهم همة. وذات مرة كأني أعتذر من كثرة المشاغل علي معه رحمة الله عليه ما كنت أفارقه أحمد الله ﵎ وأشكره، ولو أني الطالب المهمل والتلميذ المقصر كان رحمة الله عليه في آخر حياته لا أفارقه حتى إذا جاء ينام لا أفارقه حتى يرتاح، وأسأل الله أن يتولى عني حمد هذه النعمة، فأنا أحقر في حمدها ومقصر في شكرها، كنت أعتذر أحياناً بالتعب فذات مرة كنت أراجع مسألة فتعبت، قال: سبحان الله! والله يا بني! لقد كنت أوقظ الفتيل لأقرأ المسألة فيمتلأ الدخان في أنفي حتى لا أعي ما أقرأ - من شدة الدخان- يقول: فأطفئ الفتيل ثم أوقده ثم أطفئه ثم أوقده إلى قرابة منتصف الليل حتى أستظهر المسألة، فأنت الآن في مصباح وفي براد وفي كذا وفي كذا يعني: يحقر منه. وإذا أخذ كتاباً وقرأ نسي الدنيا وما فيها، قصة طريفة تخبرني بها الوالدة: ذات مرة كان يقرأ في كتابه فجيء له بحليب فبرد الحليب فوضع الدفاية الصغيرة حتى يسخن الحليب، ثم جلس يقرأ، طبعاً فار الحليب واشتعل ناراً ودخن في الغرفة وما انتبه له إلا الوالدة من الغرفة الثانية وهو جالس يقرأ في كتابه، كان عنده انصراف عجيب، إذا أقبل إلى العلم أعطاه كله، وإذا أعطى لك المسألة يعطيها عن تحرير، وقل أن يقدم على الشيء إلا وهو يحسنه، أما الشيء الذي لا يحسنه ما يقدم عليه رحمة الله عليه. أما الجوانب التي يحفزني فيها في طلب العلم فمن أهمها: كان يعتني بجانب الإخلاص ويعلم الله كم له من كلمات، والله إلى اليوم في قلبي كلمات يسيرات لكن كانت تقرع القلب، وكان يحرص أن يكون العلم هذا لوجه الله، إنه لا يراد به إلا ما عند الله ، وهذا جانب في الحقيقة أحوج ما يكون إليه طالب العلم، وهو بداية النجاح والفلاح والتوفيق في طلب العلم. الأمر الثاني: من الأمور في طلب العلم، أنه يعتز ويفتخر إذا جئت تسأل ويعطيك الوقت، والله أحياناً يكون مريضاً وأذكر أن بعض الدروس كان يأتيه الطلاب وهو في الحمى رحمة الله عليه ومع ذلك لا يعتذر وينزل ويصبر، حتى أذكر أنه مرض فجئته بالطبيب بعد ذلك، قال الطبيب: كيف أعالجه وهو جالس -وليس متصور- يقول كيف هذا جالس؟ كان عنده صبر وجلد وتحمل من أجل العلم، ومع ذلك لا يعد نفسه شيئاً رحمة الله عليه، أسأل الله أن يجزيه عن المسلمين خير الجزاء. وكان دائماً ينبه على قضية أن العلم مشاع، وأنه لا يحتكر، وأن المقصود به نشره وبذله، وكان يقول: إذا جاء السائل إن كنت نائماً فأيقظوني، وإن كنت بين الأهل فآذنوني ولا تمنعوا السائل عني، ولو كان من أحقر العباد، والله يأتيه الرجل من البادية مرقع الثياب، يقول: أين الشيخ؟ عندي فتوى نقول: عندك فتوى نذهب نوقظه من النوم في الظهيرة وينزل ولا يمل ولا يسخط ويجيب له سؤاله، ويأتي الرجل من علية القوم ورفعة القوم يقول: أريد أن أودعه لأنني مسافر نقول له: نائم لا نستطيع أن نوقظه، كان من يريد العلم أو الفائدة لا يضن به عليه، في الحقيقة حياته سجل. أما بالنسبة للقراءة العامة في الجامعة فكما هي معلومة عند الجميع. ولولا إلحاح الإخوان والله ما كنت أريد أن أتكلم بهذا ولكن نسأل الله أن ينفع بها.

стр. 281

أن تقول نفس يا حسرتا في هذه المادة يعرض الشيخ لآيات في كتاب الله تصور حال العصاة، وتحذرهم من الوقوع فيما يندمون منه يوم القيامة، مع بيان حكم هجران الأهل بسبب المعاصي، وأسباب التردي في المعاصي، والعلاج للخروج من هذه الحال، وبيان الأسباب التي تلين القلوب.

стр. 282

وقفة مع سورة الزمر الحمد لله الذي يقبل توبة التائبين, ويمحو بفضله وعفوه وحلمه إساءة المذنبين, الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء وهو أرحم الراحمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الأمين, صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين, وصحابته الغر الميامين, وعلى جميع من سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين, وحشرنا وإياكم معهم بمنه وكرمه وهو أرحم الراحمين, أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إخواني في الله! آية من كتاب الله، وكلمة عظيمة جليلة كريمة من كلام الله, وموعظة بليغة من مواعظ الله, ما وقف أمامها مذنب إلا رجع إلى ربه وتاب, ولا تفكر فيها ولا تدبر مسيء مخطئ إلا أناب, آية من الكتاب أخذت القلوب إلى رحمة الله رب الأرباب, جاءت هذه الآية بين ثنايا تلك السورة الجليلة العظيمة الكريمة التي سماها بعض العلماء ﵏ بسورة التوحيد والإخلاص, استفتحها الله رب العالمين ببيان نعمته ومنته على العالمين, فشهد الله أنه أنزل على رسوله ذلك الكتاب المبين, ثم انتقلت تلك الآيات بعضها تلو بعض, تقرر معالم التوحيد وتدل على عظمة الله الحميد المجيد, انتقلت تلك الآيات لكي ترسم مناهج الحنيفية وتبطل شعارات الوثنية والجاهلية, ثم ما هي إلا آيات حتى أخذت القلوب إلى الدار الآخرة فذكرت العباد بيوم المعاد, وذكرت كيف يتفرق الآباء والأولاد, وكيف يخسر الآباء أبناءهم, والأمهات بناتهن, وكيف يفرق بين العزيز وأخيه, وأمه وأبيه, وصاحبته وبنيه, وحكمت بأن هذا الفراق هو الخسارة التي لا تطاق ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] يوم فارق الأب ابنه فراقاً لا لقاء بعده, وفارقت الأم ابنتها فراقاً لا لقاء بعده ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. فرجفت القلوب من خشية ربها، وأنابت إلى الله خالقها من عظيم ما وقر في مسامعها, أن يفرق بين الحبيب وحبيبه، فأصابتها خشية الله فما هي إلا آيات حتى أتتها رحمات الله, فذكر الله بأهل الجنان, وما هم فيه من الروح والريحان, ومنازل العفو والصفح والرحمة والرضوان, يوم هم في غرف مبنية بعضها فوق بعض قد أصابهم من الله ما أصابهم من الرحمة المرضية. ثم انتقلت تلك الآيات العظيمة وأنت تعيش بينها في تلك السورة الجليلة الكريمة فذكرت تلك القلوب الغافلة، وذكرت القلوب المنتبهة, فبينت أحوال القلوب وكيف حالها تجاه أمر الله علام الغيوب, وذكرت أن هناك قلوباً رقيقة لا تحتمل كلام الله حتى تجل من خشية الله, إنها القلوب التي قُرعت بكلام الله فاقشعرت جلودها من خشية الله ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر:٢٣] فما أحلى كلام الله في قلوب أولياء الله, وما أطيب تلك القلوب يوم تفتحت لكلام الله, وما أسعد تلك الجوارح يوم خشعت وسكنت وذلت لجلال الله. ثم انتقلت تلك السورة العظيمة فضربت معالم الحنيفية، وأقامت الدلائل على العقيدة المرضية, ضربت مثل الموحدين ومثل المشركين والوثنيين في أصدق العبارات وأبين الدلائل والعظات, ثم وقفت تلك الوقفة العظيمة التي لما قرأها أصحاب رسول الله ﷺ رقت قلوبهم لها وأذعنت لجلالها، إنها الوقفة التي نعى الله فيها نبي الهدى ﷺ إلى الملأ فأخبر أنه ميت وأنه إلى الله صائر, يوم أن نعى الله نبي الهدى إلى الأمة والملأ فأخبر أن لا خلود وأنه سينتقل من هذا الجوار إلى جوار الله الواحد القهار. ثم أخبر أن هذه السنة سيتبعه عليها خلائق, لا يعلمهم إلا الله ولن يستطيع أحد أن يفوتها, ولن يستطيع أحد أن ينجو منها ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] إنها الآية التي إذا قرأها المؤمن هانت عليه الدنيا وعلم أن أيامه فيها قليلة, وأن حياته فيها محدودة, وأن ساعاته معدودة, يوم يحس أن أفضل الخلق وأشرف العباد وأحبهم إلى الله قد صار إلى الله فكيف بمن سواه؟! ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وإذا بالقلوب تتساءل: فما الذي يكون؟ وما الذي يحدث لهذا الكون؟ فأخذ الله بمجامع القلوب إلى ذلك اليوم المشهود واللقاء الموعود، إلى تلك المشاهد العظيمة فعبر عنها في آية واحدة كريمة, وإذا بالقلوب تنتقل إلى مشهد من المشاهد بين يدي الله علام الغيوب, إنه المشهد الذي تطول فيه الخصومة, إنه المشهد الذي يعظم فيه السؤال والحكومة, إنه مشهد ديان يوم الدين, يوم يأتي الله لفصل القضاء، يوم يحكم الله بين العباد ويؤذن للأشهاد: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] يوم يأتي الصغير والكبير, يوم ينكشف الجليل والحقير, يوم يسأل عن الخردلة والقطمير والنقير. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] يوم يخاصم الابن أباه, وأخته وأخاه, يوم يخاصم الزوج زوجه, وصاحبته وبنيه, إنه اليوم العظيم الذي تطول فيه الخصومة بين يدي الله الجليل العظيم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] يوم تنقطع المعاذر، وتغص الحناجر، وتخشع القلوب، وتعنت الوجوه للحي القاهر.

стр. 283

مواعظ وعظات من سورة الزمر ثم انتقلت تلك الآيات الكريمة في عظات عظيمة حتى وقفت مع المذنبين، ووقفت مع المسيئين المخطئين يوم ثقلت أحمالهم من الذنوب, وعظمت إساءتهم عند الله علام الغيوب, فنادتهم نداء الرحمات، وفتحت أمام أبوابهم المغفرات فناداهم الله فاطر الأرض والسماوات نداءً يهز القلوب، ويعظم رجاءها في الله علام الغيوب, يوم يحس العبد بعظيم إساءته, وجليل ذنبه في حق ربه, فإذا بالأبواب تفتح، وإذا بالنداء يقرع القلوب والأسماع, ألا يخيب الرجاء في الله ﷻ : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] يوم زل اللسان, وزل الجنان, وأخطأت الجوارح والأركان, يا من حملتم ذنوبها, يا من عظمت عليكم إساءتها؛ إني لها وكفى بالله لها, يوم يحس العبد بطول غربته, وبعده عن ربه وعظيم إساءته فيناديه الغني الحليم، ويناديه الجليل الرحيم: ألا تيئسوا من رحمة الله أرحم الراحمين. علم الله ﷻ أن ليس للذنوب أحد سواه, وأن ليس للعيوب أحد عداه, فناداهم وهم في الذنوب غارقون, ودعاهم وهم في الإساءة يتهافتون, ثم بين ﷻ أن هذا النداء قد وقتت أوقاته، وحددت ساعاته ولحظاته، فقبل الفوات قبل الممات, قبل الفوات قبل الفوات، وقبل الممات قبل الممات: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يناديهم لكي يتداركوا, لكي يقبلوا ويجذبوا, لكي يقبلوا على الله جل وعلا وينيبوا ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] إنها النفس الظالمة, إنها النفس الآثمة, إنها النفس الظلومة الغاشمة التي ما تركت باباً من الذنوب إلا قرعته, ولا باباً من الإساءة إلا ولجته, أن تقول: يا حسرتى!! وما أعظم الحسرة إذا خسر أصحابها, وعظمت خسارة أربابها, وخرجوا من الدنيا صفر اليدين من رحمة الله! ما أعظمها من خسارة إذا طويت الصحائف باللعنات! ما أعظمها من خسارة يوم يطبع على القلوب! يوم يتأذن غضب الله علام الغيوب؛ من عظيم الإساءة وعظيم الذنوب, ما أعظمها من خسارة يوم لا يستطيع الرجوع، يوم لا تنفع المعذرة ولا تغني الدموع, يوم يتقطع القلب من الألم، ويعتصر من شديد الندم! أن تقول نفس ومتى تقول؟ حين تضع آخر أقدامها من أعتاب هذه الدنيا وتستقبل الدار التي هي غريبة عليها, يوم تنقطع المعاذر, وتغص السكرات في الحناجر, ويصير العبد ذليلاً حقيراً إلى الله الواحد القاهر: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى﴾ [الزمر:٥٦] يا حسرتى يوم طال السهر، يا حسرتى يوم ضاعت الأعمار, يا حسرتى على الساعات واللحظات, يا حسرتى على الليل والنهار, يا حسرتى على أصحاب لم ينفعوا, يا حسرتى على أحباب لا يشفعون, يا حسرتى على عمر مضى وزمان ولّى وانقضى, يا حسرتى إذا كشف الديوان بخطيئة اللسان وزلات الجنان, يا حسرتى يوم يعرض على الله حافياً عارياً, يا حسرتى إذا عرض الشباب وما فيه من خطأ وصواب, ولم يفقد العبد فيه زلة ولا حسنة بين يدي الله رب الأرباب, يا حسرتى على ثلاثين عاماً أو أربعين أو خمسين أو ستين حين يلقى العبد بها الله رب العالمين. ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] ذهب الليل فما تمتعت عيني بالبكاء فيه من خشية الله, ذهب الليل وما تمتعت قدمي بالوقوف بين يدي الله, يا حسرتى يوم يذهب العمر دون وجود الغنيمة والذخر, يا حسرتى يوم مضى ليله وطلعت شمسه ولم تنعم يداه بالسجود بين يدي الله, يا حسرتى على صلاة أضعتها, يا حسرتى على زكاة منعتها, يا حسرتى على أيام أفطرتها, يا حسرتى على ذنوب فعلتها, يا حسرتى على خطايا تلبست بها, يا حسرتى إذا كشف الديوان وعظم الوقوف بين يدي الله الواحد الديان! يا حسرتى وهل تغني الحسرات؟! يا حسرتى وهل يؤذن بالرجوع عند الممات؟ يا حسرتى يوم لم أشكر النعم, يا حسرتى يوم لم أشكر الله على دفع النقم, يا حسرتى يوم لم يلهج لساني بذكره, يا حسرتى يوم لم يتلذذ لساني بشكره, يا حسرتاه يوم فاز الفائزون, وغنم الغانمون, وجئت صفر اليدين مما هم فيه يتنعمون, يا حسرتى يوم فاز الصالحون بالدرجات, وسموا إليها بنفوس عاليات أبيات, ووقفت في الأخريات أنظر إليهم بتلك الحسرات, يا حسرتى لو كنت مطيعاً على ما فرطت في جنب الله إذ كنت مستطيعاً, يا حسرتى يوم يلفظها اللسان ويعتقدها الجنان فيخرج كل حرف منها من كل عضو وأركان. يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله لعظيم حقه عليّ, وجليل منته لديّ, فكم أنعم وتفضل وكم وهب وأجزل, سبحانه العلي الأكمل. يا حسرتى يوم لم أعظمه حق تعظيمه, ولم أمجده حق تمجيده, يا حسرتى على التفريط في جنب الله, يوم فتحت لي أبواب الخيرات فقلت: هيهات هيهات!! ما زالت الأعمار والبقيات ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يقولها المذنبون, ويوقن معناها المسيئون المخطئون. يا حسرتى ولو كان العبد مطيعاً, يا حسرتى ولو كان العبد خيراً ديناً مستقيماً؛ ولذلك سمى الله ذلك اليوم المشهود واللقاء الموعود بيوم التغابن؛ لأنه ما من نفس إلا وهي في غبن ولو كانت من نفوس الصالحين, في غبن أن لم يفوزوا بالخيرات, ولم يستكثروا من الطاعات, في غبن أن لم يفوزوا بالرحمات ولو كانوا على خيرات وحسنات. ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] فويل لذلك اللسان الذي تمتع بالسخرية من أولياء الرحمن, إنها الكلمة التي يقولها من زل لسانه وخاب جنانه، وأساءت جوارحه وأركانه, يا حسرتى يوم ضحكت من المطيعين, واستهزأت بعباد الله الصالحين, يا حسرتى يوم نظرت إليهم وهم ذاهبون إلى المساجد فقلت: إلى أين يذهبون؟! يا حسرتى يوم رأيتهم مع كل راكع وساجد فقلت: لماذا يتعبون؟! يا حسرتى إذ لم أقدر الله حق قدره, فاستهزأت بعباده واستخففت بأمره. ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] وما زالت آيات هذه السورة الكريمة الجليلة العظيمة تهز كيان المؤمنين, وتوقظ عباد الله الغافلين, إنها سورة الزمر، سورة التوحيد والإخلاص, ما من آية من آياتها إلا وتحتاج وقفة معها. سورة تهز القلوب والمشاعر, سورة تحيي القلوب والضمائر, سورة تعيش فيها مع أهل النعيم في نعيمهم فكأنك في الجنان تقطف من ثمراتها, وتنال ما فيها من خيراتها, وتعيش مع أهل الجحيم في دركاتهم, فكأن زفير جهنم لتلك القلوب بين آذانهم. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى: اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت العظيم ألا تجعلنا من أهل هذه الكلمة, اللهم إنا نعوذ بك أن نكون من أهلها, اللهم إنا نعوذ بك أن تنطق ألسنتنا بها, اللهم حرمها على ألسنتنا، اللهم حرمها على ألسنتنا، وأخرجنا من الدنيا وأنت راض عنا, اللهم إنا نسألك فعل الخيرات, وترك الفواحش والمنكرات, قبل أن يدهمنا الممات, يا حي يا قيوم، يا فاطر الأرض والسماوات. اللهم استر عوراتنا, اللهم آمن روعاتنا, اللهم أمِّن يوم الوعيد خوفنا, اللهم استر عوراتنا فيه, اللهم آمن روعاتنا فيه, اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك, اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك, اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك, اللهم لا تمنع عنا بذنوبنا عظيم عفوك عنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نسألك حبك وحب كل شيء يقربنا من حبك, نسألك فعل الخيرات، وترك الفواحش والمنكرات, وحسن الختام عند الممات يا فاطر الأرض والسماوات, اللهم حرم وجوهنا على النار, اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم حرم أجسادنا على النار يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام, والملك الذي لا يضام, اللهم اجعل أسعد اللحظات وأعزها لحظة الوقوف بين يديك, اللهم اجعل أسعد اللحظات وأعزها وأشرفها لحظة الوقوف بين يديك, اللهم اجعلها أسعد اللحظات, اللهم استر لنا فيها العورات, واغفر لنا فيها السيئات, وارفع لنا الدرجات, اللهم أكرمنا بعدها فوراً بالدخول في الجنات يا ذا الجلال والإكرام, سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 284

الأسئلة

стр. 285

إرشاد من يهجر أهله في المأكل والمجلس بسبب بعض المعاصي السؤال أنا شاب قد أهجر أهلي في المأكل والمجلس بسبب بعض المعاصي كالتلفاز وغيرها, وأخرج لصلاة الفجر ولا أرجع إلا بعد منتصف الليل, فانصحني جزاك الله خيراً إلى الطريق المستقيم؟ الجواب الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد: فاعلم أخي رحمك الله أن لأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً, وكون الأهل في إساءة وذنب لا يدعو ذلك مثلك أن يذنب وأن يسئ, إن هجر النساء في الفرش باب من أبواب الإساءة, ولا يجوز فعله إلا إذا ترتبت على ذلك المصلحة الشرعية, ولذلك أخبر الله تعالى أن اللاتي يخاف نشوزها أنه ينبغي عظتها وزجرها, فإن لم تتعظ فإنها تهجر في المضاجع بقدر, وإذا كان الإنسان يديم هجر أهله حتى يخشى وقوعهم في الزنا فإن ذلك لا يجوز؛ لأن المفسدة لا تدرأ بالمفسدة, والشر لا يدفع بالشر, وكونهم أخطئوا فيما بينهم وبين الله لا يوجب لك أن تخطئ في حقهم, ولذلك قال الله عن الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فأمر الابن أن يؤدي حق الوالدين مع كفرهما وشركهما, فاستنبط العلماء من هذا دليلاً على أن الإنسان إذا أساء إليه الغير أن ذلك لا يفتح له باب الإساءة للغير, أعطهم حقهم كاملاً. وأما ما بينهم وبين الله فأوصيك بأمور: ذكرهم بالله, واستدم نصحهم وتوجيههم إلى صراط الله, فهذا هو الذي عليك, وأما ما عدى ذلك فلست عليهم بمسيطر, إن عليك إلا البلاغ والله يتولى العباد, والله تعالى أعلم.
следующие страницы →