Полный текст (1 035 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أن تقول نفس يا حسرتا
في هذه المادة يعرض الشيخ لآيات في كتاب الله تصور حال العصاة، وتحذرهم من الوقوع فيما يندمون منه يوم القيامة، مع بيان حكم هجران الأهل بسبب المعاصي، وأسباب التردي في المعاصي، والعلاج للخروج من هذه الحال، وبيان الأسباب التي تلين القلوب.
стр. 282
وقفة مع سورة الزمر
الحمد لله الذي يقبل توبة التائبين, ويمحو بفضله وعفوه وحلمه إساءة المذنبين, الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء وهو أرحم الراحمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الأمين, صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين, وصحابته الغر الميامين, وعلى جميع من سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين, وحشرنا وإياكم معهم بمنه وكرمه وهو أرحم الراحمين, أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إخواني في الله! آية من كتاب الله، وكلمة عظيمة جليلة كريمة من كلام الله, وموعظة بليغة من مواعظ الله, ما وقف أمامها مذنب إلا رجع إلى ربه وتاب, ولا تفكر فيها ولا تدبر مسيء مخطئ إلا أناب, آية من الكتاب أخذت القلوب إلى رحمة الله رب الأرباب, جاءت هذه الآية بين ثنايا تلك السورة الجليلة العظيمة الكريمة التي سماها بعض العلماء ﵏ بسورة التوحيد والإخلاص, استفتحها الله رب العالمين ببيان نعمته ومنته على العالمين, فشهد الله أنه أنزل على رسوله ذلك الكتاب المبين, ثم انتقلت تلك الآيات بعضها تلو بعض, تقرر معالم التوحيد وتدل على عظمة الله الحميد المجيد, انتقلت تلك الآيات لكي ترسم مناهج الحنيفية وتبطل شعارات الوثنية والجاهلية, ثم ما هي إلا آيات حتى أخذت القلوب إلى الدار الآخرة فذكرت العباد بيوم المعاد, وذكرت كيف يتفرق الآباء والأولاد, وكيف يخسر الآباء أبناءهم, والأمهات بناتهن, وكيف يفرق بين العزيز وأخيه, وأمه وأبيه, وصاحبته وبنيه, وحكمت بأن هذا الفراق هو الخسارة التي لا تطاق ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] يوم فارق الأب ابنه فراقاً لا لقاء بعده, وفارقت الأم ابنتها فراقاً لا لقاء بعده ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].
فرجفت القلوب من خشية ربها، وأنابت إلى الله خالقها من عظيم ما وقر في مسامعها, أن يفرق بين الحبيب وحبيبه، فأصابتها خشية الله فما هي إلا آيات حتى أتتها رحمات الله, فذكر الله بأهل الجنان, وما هم فيه من الروح والريحان, ومنازل العفو والصفح والرحمة والرضوان, يوم هم في غرف مبنية بعضها فوق بعض قد أصابهم من الله ما أصابهم من الرحمة المرضية.
ثم انتقلت تلك الآيات العظيمة وأنت تعيش بينها في تلك السورة الجليلة الكريمة فذكرت تلك القلوب الغافلة، وذكرت القلوب المنتبهة, فبينت أحوال القلوب وكيف حالها تجاه أمر الله علام الغيوب, وذكرت أن هناك قلوباً رقيقة لا تحتمل كلام الله حتى تجل من خشية الله, إنها القلوب التي قُرعت بكلام الله فاقشعرت جلودها من خشية الله ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر:٢٣] فما أحلى كلام الله في قلوب أولياء الله, وما أطيب تلك القلوب يوم تفتحت لكلام الله, وما أسعد تلك الجوارح يوم خشعت وسكنت وذلت لجلال الله.
ثم انتقلت تلك السورة العظيمة فضربت معالم الحنيفية، وأقامت الدلائل على العقيدة المرضية, ضربت مثل الموحدين ومثل المشركين والوثنيين في أصدق العبارات وأبين الدلائل والعظات, ثم وقفت تلك الوقفة العظيمة التي لما قرأها أصحاب رسول الله ﷺ رقت قلوبهم لها وأذعنت لجلالها، إنها الوقفة التي نعى الله فيها نبي الهدى ﷺ إلى الملأ فأخبر أنه ميت وأنه إلى الله صائر, يوم أن نعى الله نبي الهدى إلى الأمة والملأ فأخبر أن لا خلود وأنه سينتقل من هذا الجوار إلى جوار الله الواحد القهار.
ثم أخبر أن هذه السنة سيتبعه عليها خلائق, لا يعلمهم إلا الله ولن يستطيع أحد أن يفوتها, ولن يستطيع أحد أن ينجو منها ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] إنها الآية التي إذا قرأها المؤمن هانت عليه الدنيا وعلم أن أيامه فيها قليلة, وأن حياته فيها محدودة, وأن ساعاته معدودة, يوم يحس أن أفضل الخلق وأشرف العباد وأحبهم إلى الله قد صار إلى الله فكيف بمن سواه؟! ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وإذا بالقلوب تتساءل: فما الذي يكون؟ وما الذي يحدث لهذا الكون؟ فأخذ الله بمجامع القلوب إلى ذلك اليوم المشهود واللقاء الموعود، إلى تلك المشاهد العظيمة فعبر عنها في آية واحدة كريمة, وإذا بالقلوب تنتقل إلى مشهد من المشاهد بين يدي الله علام الغيوب, إنه المشهد الذي تطول فيه الخصومة, إنه المشهد الذي يعظم فيه السؤال والحكومة, إنه مشهد ديان يوم الدين, يوم يأتي الله لفصل القضاء، يوم يحكم الله بين العباد ويؤذن للأشهاد: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] يوم يأتي الصغير والكبير, يوم ينكشف الجليل والحقير, يوم يسأل عن الخردلة والقطمير والنقير.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] يوم يخاصم الابن أباه, وأخته وأخاه, يوم يخاصم الزوج زوجه, وصاحبته وبنيه, إنه اليوم العظيم الذي تطول فيه الخصومة بين يدي الله الجليل العظيم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] يوم تنقطع المعاذر، وتغص الحناجر، وتخشع القلوب، وتعنت الوجوه للحي القاهر.
стр. 283
مواعظ وعظات من سورة الزمر
ثم انتقلت تلك الآيات الكريمة في عظات عظيمة حتى وقفت مع المذنبين، ووقفت مع المسيئين المخطئين يوم ثقلت أحمالهم من الذنوب, وعظمت إساءتهم عند الله علام الغيوب, فنادتهم نداء الرحمات، وفتحت أمام أبوابهم المغفرات فناداهم الله فاطر الأرض والسماوات نداءً يهز القلوب، ويعظم رجاءها في الله علام الغيوب, يوم يحس العبد بعظيم إساءته, وجليل ذنبه في حق ربه, فإذا بالأبواب تفتح، وإذا بالنداء يقرع القلوب والأسماع, ألا يخيب الرجاء في الله ﷻ : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] يوم زل اللسان, وزل الجنان, وأخطأت الجوارح والأركان, يا من حملتم ذنوبها, يا من عظمت عليكم إساءتها؛ إني لها وكفى بالله لها, يوم يحس العبد بطول غربته, وبعده عن ربه وعظيم إساءته فيناديه الغني الحليم، ويناديه الجليل الرحيم: ألا تيئسوا من رحمة الله أرحم الراحمين.
علم الله ﷻ أن ليس للذنوب أحد سواه, وأن ليس للعيوب أحد عداه, فناداهم وهم في الذنوب غارقون, ودعاهم وهم في الإساءة يتهافتون, ثم بين ﷻ أن هذا النداء قد وقتت أوقاته، وحددت ساعاته ولحظاته، فقبل الفوات قبل الممات, قبل الفوات قبل الفوات، وقبل الممات قبل الممات: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يناديهم لكي يتداركوا, لكي يقبلوا ويجذبوا, لكي يقبلوا على الله جل وعلا وينيبوا ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] إنها النفس الظالمة, إنها النفس الآثمة, إنها النفس الظلومة الغاشمة التي ما تركت باباً من الذنوب إلا قرعته, ولا باباً من الإساءة إلا ولجته, أن تقول: يا حسرتى!! وما أعظم الحسرة إذا خسر أصحابها, وعظمت خسارة أربابها, وخرجوا من الدنيا صفر اليدين من رحمة الله! ما أعظمها من خسارة إذا طويت الصحائف باللعنات! ما أعظمها من خسارة يوم يطبع على القلوب! يوم يتأذن غضب الله علام الغيوب؛ من عظيم الإساءة وعظيم الذنوب, ما أعظمها من خسارة يوم لا يستطيع الرجوع، يوم لا تنفع المعذرة ولا تغني الدموع, يوم يتقطع القلب من الألم، ويعتصر من شديد الندم! أن تقول نفس ومتى تقول؟ حين تضع آخر أقدامها من أعتاب هذه الدنيا وتستقبل الدار التي هي غريبة عليها, يوم تنقطع المعاذر, وتغص السكرات في الحناجر, ويصير العبد ذليلاً حقيراً إلى الله الواحد القاهر: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى﴾ [الزمر:٥٦] يا حسرتى يوم طال السهر، يا حسرتى يوم ضاعت الأعمار, يا حسرتى على الساعات واللحظات, يا حسرتى على الليل والنهار, يا حسرتى على أصحاب لم ينفعوا, يا حسرتى على أحباب لا يشفعون, يا حسرتى على عمر مضى وزمان ولّى وانقضى, يا حسرتى إذا كشف الديوان بخطيئة اللسان وزلات الجنان, يا حسرتى يوم يعرض على الله حافياً عارياً, يا حسرتى إذا عرض الشباب وما فيه من خطأ وصواب, ولم يفقد العبد فيه زلة ولا حسنة بين يدي الله رب الأرباب, يا حسرتى على ثلاثين عاماً أو أربعين أو خمسين أو ستين حين يلقى العبد بها الله رب العالمين.
﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] ذهب الليل فما تمتعت عيني بالبكاء فيه من خشية الله, ذهب الليل وما تمتعت قدمي بالوقوف بين يدي الله, يا حسرتى يوم يذهب العمر دون وجود الغنيمة والذخر, يا حسرتى يوم مضى ليله وطلعت شمسه ولم تنعم يداه بالسجود بين يدي الله, يا حسرتى على صلاة أضعتها, يا حسرتى على زكاة منعتها, يا حسرتى على أيام أفطرتها, يا حسرتى على ذنوب فعلتها, يا حسرتى على خطايا تلبست بها, يا حسرتى إذا كشف الديوان وعظم الوقوف بين يدي الله الواحد الديان! يا حسرتى وهل تغني الحسرات؟! يا حسرتى وهل يؤذن بالرجوع عند الممات؟ يا حسرتى يوم لم أشكر النعم, يا حسرتى يوم لم أشكر الله على دفع النقم, يا حسرتى يوم لم يلهج لساني بذكره, يا حسرتى يوم لم يتلذذ لساني بشكره, يا حسرتاه يوم فاز الفائزون, وغنم الغانمون, وجئت صفر اليدين مما هم فيه يتنعمون, يا حسرتى يوم فاز الصالحون بالدرجات, وسموا إليها بنفوس عاليات أبيات, ووقفت في الأخريات أنظر إليهم بتلك الحسرات, يا حسرتى لو كنت مطيعاً على ما فرطت في جنب الله إذ كنت مستطيعاً, يا حسرتى يوم يلفظها اللسان ويعتقدها الجنان فيخرج كل حرف منها من كل عضو وأركان.
يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله لعظيم حقه عليّ, وجليل منته لديّ, فكم أنعم وتفضل وكم وهب وأجزل, سبحانه العلي الأكمل.
يا حسرتى يوم لم أعظمه حق تعظيمه, ولم أمجده حق تمجيده, يا حسرتى على التفريط في جنب الله, يوم فتحت لي أبواب الخيرات فقلت: هيهات هيهات!! ما زالت الأعمار والبقيات ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يقولها المذنبون, ويوقن معناها المسيئون المخطئون.
يا حسرتى ولو كان العبد مطيعاً, يا حسرتى ولو كان العبد خيراً ديناً مستقيماً؛ ولذلك سمى الله ذلك اليوم المشهود واللقاء الموعود بيوم التغابن؛ لأنه ما من نفس إلا وهي في غبن ولو كانت من نفوس الصالحين, في غبن أن لم يفوزوا بالخيرات, ولم يستكثروا من الطاعات, في غبن أن لم يفوزوا بالرحمات ولو كانوا على خيرات وحسنات.
﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] فويل لذلك اللسان الذي تمتع بالسخرية من أولياء الرحمن, إنها الكلمة التي يقولها من زل لسانه وخاب جنانه، وأساءت جوارحه وأركانه, يا حسرتى يوم ضحكت من المطيعين, واستهزأت بعباد الله الصالحين, يا حسرتى يوم نظرت إليهم وهم ذاهبون إلى المساجد فقلت: إلى أين يذهبون؟! يا حسرتى يوم رأيتهم مع كل راكع وساجد فقلت: لماذا يتعبون؟! يا حسرتى إذ لم أقدر الله حق قدره, فاستهزأت بعباده واستخففت بأمره.
﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] وما زالت آيات هذه السورة الكريمة الجليلة العظيمة تهز كيان المؤمنين, وتوقظ عباد الله الغافلين, إنها سورة الزمر، سورة التوحيد والإخلاص, ما من آية من آياتها إلا وتحتاج وقفة معها.
سورة تهز القلوب والمشاعر, سورة تحيي القلوب والضمائر, سورة تعيش فيها مع أهل النعيم في نعيمهم فكأنك في الجنان تقطف من ثمراتها, وتنال ما فيها من خيراتها, وتعيش مع أهل الجحيم في دركاتهم, فكأن زفير جهنم لتلك القلوب بين آذانهم.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى: اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت العظيم ألا تجعلنا من أهل هذه الكلمة, اللهم إنا نعوذ بك أن نكون من أهلها, اللهم إنا نعوذ بك أن تنطق ألسنتنا بها, اللهم حرمها على ألسنتنا، اللهم حرمها على ألسنتنا، وأخرجنا من الدنيا وأنت راض عنا, اللهم إنا نسألك فعل الخيرات, وترك الفواحش والمنكرات, قبل أن يدهمنا الممات, يا حي يا قيوم، يا فاطر الأرض والسماوات.
اللهم استر عوراتنا, اللهم آمن روعاتنا, اللهم أمِّن يوم الوعيد خوفنا, اللهم استر عوراتنا فيه, اللهم آمن روعاتنا فيه, اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك, اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك, اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك, اللهم لا تمنع عنا بذنوبنا عظيم عفوك عنا يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا نسألك حبك وحب كل شيء يقربنا من حبك, نسألك فعل الخيرات، وترك الفواحش والمنكرات, وحسن الختام عند الممات يا فاطر الأرض والسماوات, اللهم حرم وجوهنا على النار, اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم حرم أجسادنا على النار يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام, والملك الذي لا يضام, اللهم اجعل أسعد اللحظات وأعزها لحظة الوقوف بين يديك, اللهم اجعل أسعد اللحظات وأعزها وأشرفها لحظة الوقوف بين يديك, اللهم اجعلها أسعد اللحظات, اللهم استر لنا فيها العورات, واغفر لنا فيها السيئات, وارفع لنا الدرجات, اللهم أكرمنا بعدها فوراً بالدخول في الجنات يا ذا الجلال والإكرام, سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 284
الأسئلة
стр. 285
إرشاد من يهجر أهله في المأكل والمجلس بسبب بعض المعاصي
السؤال
أنا شاب قد أهجر أهلي في المأكل والمجلس بسبب بعض المعاصي كالتلفاز وغيرها, وأخرج لصلاة الفجر ولا أرجع إلا بعد منتصف الليل, فانصحني جزاك الله خيراً إلى الطريق المستقيم؟
الجواب
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد: فاعلم أخي رحمك الله أن لأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً, وكون الأهل في إساءة وذنب لا يدعو ذلك مثلك أن يذنب وأن يسئ, إن هجر النساء في الفرش باب من أبواب الإساءة, ولا يجوز فعله إلا إذا ترتبت على ذلك المصلحة الشرعية, ولذلك أخبر الله تعالى أن اللاتي يخاف نشوزها أنه ينبغي عظتها وزجرها, فإن لم تتعظ فإنها تهجر في المضاجع بقدر, وإذا كان الإنسان يديم هجر أهله حتى يخشى وقوعهم في الزنا فإن ذلك لا يجوز؛ لأن المفسدة لا تدرأ بالمفسدة, والشر لا يدفع بالشر, وكونهم أخطئوا فيما بينهم وبين الله لا يوجب لك أن تخطئ في حقهم, ولذلك قال الله عن الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فأمر الابن أن يؤدي حق الوالدين مع كفرهما وشركهما, فاستنبط العلماء من هذا دليلاً على أن الإنسان إذا أساء إليه الغير أن ذلك لا يفتح له باب الإساءة للغير, أعطهم حقهم كاملاً.
وأما ما بينهم وبين الله فأوصيك بأمور: ذكرهم بالله, واستدم نصحهم وتوجيههم إلى صراط الله, فهذا هو الذي عليك, وأما ما عدى ذلك فلست عليهم بمسيطر, إن عليك إلا البلاغ والله يتولى العباد, والله تعالى أعلم.
стр. 286
الأسباب التي تلين لها القلوب
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم، يقول السائل: إني أمر بحالة عظيمة من قسوة القلب, فأسألك يا شيخ أن تدعو لي.
ويقول الآخر: هلا وضحت بعض الأمور التي من خلالها يجد العبد لذة العبادة بين يدي الله ﵎؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد: فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم قلوباً رقيقة لذكره وشكره, اللهم إنا نسألك قلوباً ترضيك عنا يا ذا الجلال والإكرام, نسألك أن ترقق قلوبنا, وأن تعيذنا من قسوة القلوب.
أما ما سألت عنه -أخي في الله- من قسوة القلب, فإن من أعظم الأسباب التي تلين لها القلوب: أن يكثر الإنسان من الدعاء, ولذلك كان النبي ﷺ يسأل الله جل وعلا أن يعيذه من القلب القاسي, ففي الحديث الصحيح أنه قال: (اللهم إني أعوذ بك من عين لا تدمع, ومن قلب لا يخشع, ومن دعاء لا يُسمع, ومن علم لا ينفع, أعوذ بك من هؤلاء الأربع) فسل الله أن يعيذك من قسوة قلبك.
أما الثانية: فابحث عن الأسباب التي قسا بها قلبك, فتش عن ذنوبك بينك وبين الله, وفتش عن حقوق الله التي أضعتها, وحدوده ومحارمه التي جاوزتها وانتهكتها, فلعل صلاة أضعتها صعدت إلى السماء فقالت: ضيعك الله كما ضيعتني.
فاستغفر الله ثم تب إلى الله وأنب إليه ﷻ .
أما الأمر الثالث بعد الدعاء والبحث عن الأسباب التي تقسي القلوب من حقوق الله: كذلك حقوق العباد, فقد يكون هناك مظلوم ظلمته, أو محروم حرمته, فرفع كفه إلى ربه جل وعلا فاستجاب الله دعوته, وقال الله لدعوته: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) فأصابتك دعوة الرجل الصالح, فاسأل الله أن يغفر لك, وأن يذهب عنك ذنوب ما كان من آثار ذنوب العباد وظلمهم, وفتش عن حقوق الناس فيما بينك وبين أهلك وأولادك وزوجك وجيرانك وأرحامك, فتش عن نفسك فلابد من وجود أمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فاتق الله في نفسك وفيمن ولاك الله من أهلك وولدك وغيرهم.
الوقفة الرابعة: خذ بالأسباب التي ترقق القلوب ومن أعظمها أن تكثر من ذكر الآخرة, فالقلب لا يقسو إلا من الدنيا, والدنيا لا يذكرها الإنسان إلا إذا طال أمله وأصبح يؤمل فيها الآمال, ولا يطول أمل الإنسان إلا من طالت غفلته عن الآخرة والعياذ بالله, ولا تطول غفلة الإنسان عن الآخرة إلا إذا قلل من ذكرها, فأصبح العلاج أن تكثر من ذكر الآخرة, فإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء, وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل, فهذه من أعظم الأسباب: قصر الأمل في الدنيا, فإنه يعين على رقة القلوب, وكثرة ذكر الموت والبلاء, وقرب المصير إلى الله جل وعلا, كل ذلك مما يرقق القلوب.
ومما يرقق القلوب: أن تشيع الجنائز، وأن ترى ما هي سائرة إليه من عذاب أو جوائز, أن تشيع الجنائز وتعيش مع أهلها حتى إذا غادروها نظرت إليها وحيدة فريدة قد تولى عنها الآباء والأبناء والإخوان والأصدقاء, فأصبحت رهينة القول والعمل، فدعاك ذلك إلى أن تنيب إلى الله جل وعلا فيرجف قلبك من خشية الله, وتذهب عنه القسوة.
ثم كذلك مما يعين على رقة القلوب: زيارة المرضى، والنظر في أحوالهم, واسمع بأذن واعية إلى ما هم فيه من الآلام والأسقام، وسل الله العافية, انظر إلى تلك الأجساد التي كانت تتمتع بالصحة والعافية، رجل كالجبل, فيضربه الله بنقمة من النقم يخر صريعاً لا يستطيع أن يبرح مكانه, لا إله إلا الله ما أعظم سطوة الله بالعباد! ولذلك النظر في نقم الله في العباد وبلاياه وما ينزله بهم وهو الحكم العدل ﷻ من أعظم الأمور التي ترقق القلوب, فإن هذا الأمر إذا رأيته خفت أن تكون لك عاقبة مثل عاقبة هذا الرجل, فإن العبد تراه غنياً ثرياً ظالماً غاشماً حتى يضربه الله بمرض في قلبه أو في مخه أو في قدمه, ولا يستطيع أن يبرح فراشه، يئن كما يئن الطفل الصغير, ينسى أهله, ينسى أولاده, ينسى ماله, والله لو خير في لحظات شدة الألم بين جميع التجارات التي جمعها في حياته لدفعها، وأصبحت نفسه أحقر ما تكون وأهون ما تكون عليه, فلذلك ينبغي للإنسان أن يقف في هذه المواقف لكن لا يقف بقلب غافل، بل يقف وهو معتبر, متبصر مدكر.
كذلك أيضاً مما يرقق القلوب: الإحسان إلى الناس, الإحسان إلى الأيتام، إلى الأرامل, ابحث عن جيرانك, فإن وجدت فيهم أرملة فاقتحم العقبة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٢ - ١٦] ثم تكون بعد ذلك من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة, كن منهم بهذا القلب الرقيق, هذه من الأمور التي تعين على رقة القلوب, تأتي إلى الأرملة في شدة حاجتها فتعطيها مالاً من عنائك, وكد يدك، وهو عزيز عليك تعطيه احتساباً لوجه الله جل وعلا, في ظلمة ليل أو ضياء نهار, ويريد الله أن تلك اللحظة تفتح فيها أبواب السماء فترفع تلك الأرملة لك كفاً فتستجاب دعوتها, فأحسن إلى الناس فإن الإحسان إلى الناس من الأمور التي ترقق القلوب, وقلّ أن تجد إنساناً كريماً جواداً محسناً إلا وجدته أرق الناس قلباً, ولذلك أخبر النبي ﷺ أن الراحمين يرحمهم الله.
كذلك أيضاً: خذ اليتيم وامسح برأسه, فإن اليتيم فقد أباه, ويعيش في هذه الحياة بدون أب, فجعل النبي ﷺ المسح على رأس اليتيم من الحسنات والقربات؛ لأنك لما تمسح على رأسه تسد الثغرة التي في قلبه, لما تمر يدك على ذلك الرأس الذي فقد الحنان وعاش في هذه الحياة كأنه وحيد, فتشعره كأنك أباً ثانياً، فإن هذه المسحة تقع عند الله بمكانة، والله يحب الحسنة ويحب الخير ويشكره, ولا يضيع العرف بين الله والناس, لا ينسى الله جل وعلا الحسنات, ولا ينسى ما يكون من العبد من إسداء الخير إلى البريات, فأحسن إلى الناس فإن ذلك مما يعين على رقة القلب.
نريد رقة القلب ونحن أبخل الناس يداً! ونحن أكثر الناس تكبراً وتعنتاً! ونحن أفظ الناس وأغلظهم قولاً! لا شك أن هذه الأمور تحتاج إلى مجاهدة وإلى عمل صالح وإلى قربة, ولذلك وصف الله المؤمنين بماذا؟ قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] المؤمن ذليل لكن هذه الذلة عزة عند الله , لما تكون سهلاً ميسراً يرق قلبك, لكن لما يأتي الإنسان فيتعاظم على الناس, ويفتخر عل الناس، ويتعالى على الناس لا يزال يهوي -والعياذ بالله- في سفال حتى يمقته الله جل وعلا, وقال ﷺ : (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) والعياذ بالله.
فنسأل الله العظيم أن يرزقنا رقة القلوب, والله تعالى أعلم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 287
سبب نزول قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... )
السؤال
ما سبب نزول الآية الكريمة: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] وما المناسبة لهذه جزاك الله خيراً؟
الجواب
الأصل في هذه الآية من قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] أن أناساً من أصحاب النبي ﷺ تعاظموا ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الذنوب والزنا والمحرمات وغيرها, فأنزل الله هذه الآية, رغبهم فيها في التوبة، وأخبرهم أن الله سيمُن عليهم إذا أنابوا بالرجوع والتوبة, هذه الآية الكريمة بين الله جل وعلا فيها سعة رحمته, حينما ظن بعض الأصحاب أن الذنوب لا تشملها تلك الرحمة الواسعة، فهذا هو أصل نزول الآية.
وأما بالنسبة للآية التي ذكرناها فهي مرتبة على آية قبلها، وهي أن الله أمر بالإنابة, وحذر من لم ينب أنه ستمر عليه مثل هذه اللحظة التي يبكي فيها على تفريطه في جنب الله, والله تعالى أعلم.
أما المناسبة: فالمناسبات بين الآيات للعلماء فيها وجهان: من أهل العلم من قال: لا ينبغي أن يبحث عن المناسبات بين آيات السور؛ لما في ذلك من التكلف, والله يحكم ولا يعقب حكمه, ويقول وما أصدق ما يكون من قوله, فالله جل وعلا لا يسأل عما يفعل, ولا يقال: لماذا قال كذا؟ ولماذا جاءت آية كذا بعد كذا؟ فإن الذي تكلم بالقرآن هو العظيم الرحمن, وهذا الكلام إذا صدر من عظيم فإن فيه من الحكم والأسرار ما لا تدركه العقول, فيه من الحكم والأسرار وحسن البيان وكماله ما لا يعلمه إلا الله جلا وعلا, فلا يستطيع العبد مهما بلغ من العلم أن يدرك حقائق المناسبات بين السور والآيات, ولذلك شدد بعض العلماء ﵏ في ذلك، وكان السلف ﵏ في تفسير القرآن يتوقفون على قدر المعاني لا يزيدون ولا ينقصون, والمناسبات بين السور والآيات حدثت بعد السلف بعصور.
ولكن قال بعض العلماء: يجوز أن تذكر بعض اللطائف، ولا يعتبر ذلك توقيتاً للورود, بمعنى: لا تقول هذه الآية جاءت من أجل كذا بعد هذه الآية، ولكن تقول: من الحكم والفوائد كذا وكذا.
فاعلم رحمك الله أن من كمال منهج المشرع أنه إذا أمر بشيء فإنه ينبغي أن يضع تقديراً أن الشيء يطاع أو يعصى, فإن أطيع وعد بالمثوبة، وإن عصي رهب بالعقوبة, فالله جل وعلا فتح أبواب الإنابة، ولما كانت النفوس البشرية منها من يسابق فينال الرحمة، ومنهم من يتقاعس فينال النقمة؛ فلذلك كان لوجود هذه الآية نوع من التأثير، وهو أن النفس الضعيفة التي لا يفيد فيها الترغيب سيأتيها أسلوب الترهيب, فأول الآية ترغيب: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] هذا ترغيب, فالنفوس التي ينفعها الترغيب تتأثر, ثم جاء النوع الثاني وهي النفوس التي لا تقرع ولا ينفع فيها الترغيب، وهي النفوس التي تزجر وترهب فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٥] ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر:٥٦] فهذا من أبلغ ما يكون في حسن البيان, وكمال التوضيح من العظيم الرحمن، والله تعالى أعلم.
стр. 288
نصيحة للذين يتوبون من المعصية ثم يعودون لها وبيان أسباب الهداية
السؤال
كثير من التائبين عندما يعودون إلى الله ﵎ ما إن يلبث حتى يعود إلى عصيانه لربه ﵎, فماذا تنصح هؤلاء الإخوان بارك الله فيكم؟ ثم ذكر أيضاً سؤالاً: ما هي الأسباب المؤدية للهداية؟
الجواب
إن من أعظم النقم وأشدها على العبد في الدنيا والآخرة مصيبة الدين, تلك المصيبة التي إذا حلت ونزلت فلا يجبر كسرها إلا الله ﷻ , ولذلك في الدعاء المأثور: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) ومن أعظم المصائب أن يعرض العبد عن الله جل وعلا, فإنه قد يعرض إعراضاً يحرم الله عليه بعده أن يقبل أبداً, ولذلك من أخوف وأخطر ما يكون على العبد بعد أن يذوق حلاوة الإيمان أن يعرض عن الله العظيم الديان, فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الانتكاسة, وأن يعيذنا منها وأن يثبتنا وإياكم على الصراط المستقيم إلى لقائه.
ومن أعظم الأسباب التي ينبغي أن يتنبه لها كثير من الإخوان: أنه ينبغي على الإنسان إذا التزم أن يلتزم بصدق, وإذا اهتدى أن يهتدي بحق, وأن يأخذ بالدين كله لا بجزئه, وأن يأخذ بهذا الالتزام كلاً لا بعضه, فإذا جاء لهذا الدين يأخذه كاملاً، فإنه إن أعرض عن أمر من أوامر الله لا يأمن الضلال كما قال أبو بكر ﵁ وأرضاه: [والله لا يبلغني شيء من هدي النبي ﷺ وأمره إلا فعلته، إني أخاف إن تركت شيئاً من سنته أن أضل] فهذه من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يتنبه لها.
الحرص على الأخذ بأوامر الشرع كاملة, يأمرك الشرع أن تحفظ جوارحك فعليك أن تحفظها, يأمرك أن تحفظ أركانك فعليك أن تحفظها, يأمرك أن تعطي فتعطي, يأمرك أن تمنع فتمنع, وإذا قال هذا حلال فهو حلال, وهذا حرام فهو حرام, حينما تأخذ بالدين كاملاً يتغلغل إلى سويداء قلبك, وتأتي الساعة التي يصبح هذا الدين أعز عليك من الطعام والشراب, عليك أن تأخذ بالالتزام كاملاً، ولازم ذلك أن تبحث عن أوامر الدين, وكلما جاءك أمر من الله ورسوله تقل: سمعت وأطعت غفرانك ربنا وإليك المصير.
الصحابة رضوان الله عليهم لما دعاهم النبي ﷺ واستجابوا جاءت استجابتهم على أحسن وأصدق، وأبهى وأكمل وأجمل ما تكون عليه الاستجابة, فتحوا قلوبهم لهذا القرآن, وكان الواحد منهم تخرجه آية واحدة من ماله لوجه الله ﷻ , التزام حق، أخذ بالدين بصدق, والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف:١٧٠] الدين يريد جهاداً ويريد أخذاً ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] يحتاج إلى عزيمة، يحتاج إلى رجولة, فإن الله لما أثنى على أهل طاعته قال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٧] ما كسرتهم تجارة الدنيا، ولا أهانتهم الدنيا ولكن وضعوها تحت أقدامهم, ووضعوا الدين نصب أعينهم, فمن حمل هم هذا الدين وأخذه كلاً بمجرد ما يأتيه أمر عن الله فيقول: لبيك.
يأتيه النهي عن الله يقول: كففت وانزجرت.
ولو كان شيئاً يهواه في نفسه وفي أهله وولده لا يبالي, إذا فعل ذلك فقد أصاب رحمة الله, فلا يزال يستجيب لأمر تلو أمر حتى يحبه الله محبة يتأذن بهداية لا ضلال بعدها, وقد يتأذن له برحمة لا عذاب بعدها, ولذلك كلما وجدت الشاب الصالح يقبل على هذا الدين بصدق كلما وجدت آثار الإسلام في جوارحه، وفي أركانه، حتى وجهه عندما تراه تراه يتلألأ ويشرق من هذه الطاعة.
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل, الكثير يلتزم ولكن التزام ماذا؟ في الصور؟! في الظواهر؟! في القوالب والقلوب غافلة عن الله ﷻ ؟ الالتزام يحتاج إلى صدق, يحتاج إلى إنابة حقة, فمن التزم للعبة أو هوى أو شهوة أو جلوس مع أصحاب, أو التزم بطريقة فيها فكاهة وتندر وأصبح يجلس مع أصحابه فإذا ضحكوا ولعبوا استأنس، حتى إذا ذهبت الفكاهة واللعابة جاءت السآمة والملل, فأصبح يحن ويئن إلى الجاهلية الأولى، وفي هذا يقول الله ﷻ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] على حرف، أي: آخر درجة بحيث لا يبقى له إلا شعرة واحدة إما إلى جنة أو إلى نار ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١] حينما يأتيه شيء في الإسلام يهواه يقول: هذا هو الإسلام، فتراه يلتزم ويستجيب ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
نسأل الله العظيم أن يعافينا وإياكم من هذا، إن أصابته فتنة، والفتنة إما تكون شبهة أو شهوة, فلذلك الوقفة التي نحتاج أن نقولها: الالتزام يحتاج إلى عمل, كثير من الشباب التزموا ولكن تأتيهم أوامر الله ورسوله فيصرفونها إلى غيرهم, وأضرب أمثلة كثيرة, الشاب تجده على استقامة والتزام ولكن ما إن تأتي فتنة لا يستطيع أن يعف عنها لسانه, ولا يعف عنها جنانه, ولا تعف عنها جوارحه وأركانه, فأين الالتزام؟ الدين فيه ابتلاء وفيه اختبار وفيه تمحيص, وأخبر الله جل وعلا أن من صبر على هذا الالتزام والتمحيص أن الجنة نصب عينيه هداية ورحمة من الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت:٦٩] أي: لوجهنا ومن أجلنا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت:٦٩] أي: والله لنهدينهم ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] الذين أخذوا بالدين بصدق.
فالمقصود أن الكثير يلتزم ولكن التزاماً هشاً، حتى إن الرجل إذا جاءته الفتنة في لسانه وجنانه يقول: ما أستطيع أتركها! وتجده يلتزم فينهى عن أمر حرمه الله ورسوله ولا يستطيع أن يتركه, ويقول: ما أستطيع! فأين الالتزام؟! فمثل هذا لا يأمن أن ينتكس, من يلتزم التزاماً هشاً يعبث به الشيطان، وقد يأتي إلى شعبة من شعب قلبه يفضي فيها إلى صميم فؤاده والعياذ بالله, ولذلك قد يقال للإنسان: يا أخي! عف لسانك عن عوام المسلمين, فضلاً عن العلماء والدعاة؛ هذا أمر من أوامر الله أن نعف ألسنتنا, ابحث عمن يصون لسانه عن أذية العلماء اليوم, مع الالتزام والديانة والاستقامة, تقول له: يا أخي! من كمال دينك وخوفك من ربك ورجائك لرحمته أن يكون عندك ورع تخاف به وتخشى به من لقاء الله جل وعلا, حتى كان العلماء يتكلمون في الجرح والتعديل وقلوبهم ترعد من خشية الله ﷻ , مع أنهم يقولون ذلك غيرة على الدين, يخافون أن شعبة من شعب القلب تذهب وتقول الجرح والتعديل تشفياً وغيظاً, فيكون ذلك ذنباً في عباد الله المؤمنين.
المقصود أننا نحتاج إلى وقفة نعيد فيها النظر في هذا الالتزام, هل الالتزام في الأشكال والصور والمعادن خاوية تأتيها الأوامر وهي في السحيق والهاوية؟ نحتاج إلى وقفة مع هذه القلوب حتى تعرض على رحمة الله علام الغيوب ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] من حب الله ورسوله، يغيروا ما بأنفسهم، من الليلة تجعل في قلبك أن تأخذ بهذا الدين كاملاًَ, إن جاءك أمر تجعله نصب عينيك, وأقسم بالله العظيم إنك لن تعظم لله أوامره ونواهيه, ومن الليلة جرب إذا جعلت في قلبك أن تأخذ بالدين كاملاً، وأن تغار على حدود الله وحرمات الله غيرة كاملة فإن الله سيجعل لك من الحب والود وهيبة في قلوب العباد على قدر ما هبته .
كان الإمام مالك رحمة الله عليه إمام دار الهجرة إذا جلس السائل بين يديه يرعد من هيبته رحمة الله عليه, كان مهاباً حتى إنه يفتي الفتوى وقد لا يستطيع السامع أن يسمع، ولا يستطيع أن يقول له: أعد عليّ يا إمام؛ من الهيبة التي وضعها الله له في قلوب العباد.
ويقول الإمام محمد بن الحسن: لقد جلست بين يدي الهادي والمهدي والرشيد، والله ما وجدت الهيبة التي وجدتها لما جلست بين يدي مالك.
هذه الهيبة يقول فيها أحد أصحاب الإمام مالك مقالة مشهورة: [ولا نظن ذلك إلا لشيء بين مالك وبين الله].
كان يعظم الله ويهاب الله ويخاف الله, ولذلك الصحابة رضوان الله عليهم لما عظموا الدين وهابوه غرس الله في قلوب الأعداء خوفهم ورعبهم, فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الالتزام الحق, وأن يجعلنا من أهل الولاية الصادقة التي يحبها ويرضاها, والله تعالى أعلم.
أما أسباب الهداية فنجملها في أمور: أولها وأعظمها: الدعاء, فإن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى) اسأل الله الهدى.
الأمر الثاني: أن تأخذ بالأسباب، ومن أعظمها تلاوة كتاب الله, والوقوف عند عظات الله, تحلل حلاله وتحرم حرامه, وتتبع شرعه وأحكامه ونظامه دون زيادة ولا نقص, دون غلو ولا شطط, ولا إجحاف ولا اعتساف, فإذا رزقك الله ذلك تمسكت بالدين ورأيت حلاوة الهداية, فإن الله يقول عن هذا الكتاب العظيم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] الكتاب الذي بين أيديكم يحمله الصغير والكبير، ولكنه عظيم القدر عند الله ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] أقوم في العقيدة, أقوم في السلوك, أقوم في الأخلاق, أقوم في الأحكام, حتى مع أهلك وولدك في ساعة عسرك ويسرك, حتى إذا طلقت المرأة يقول: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] ما ترك شيئاً إلا جاءت فيه الهداية على أجمل صورها وأبهى حللها, الهداية بكتاب الله.
النقطة الثالثة: الهداية بسنة النبي ﷺ , اقرأ سيرة النبي ﷺ قراءة المتأمل المتدبر, وقف مع تلك السيرة العطرة النظرة, وتلك المواقف الجميلة التي تذكرك بالإيمان بالله ﷻ , وتحيي في قلبك معالم التوحيد والإنابة إلى الله , اقرأ سيرة النبي ﷺ وأكثر من
стр. 289
المشكلات الزوجية وعلاجها
الزواج نعمة من الله ومنة امتن بها على عباده، تغض به الأبصار، وتحصن به الفروج، وقد جعل الله بين الزوجين مودة ورحمة لا تقارن بنعيم في الدنيا، غير أنه قد تطرأ على هذه الحياة الجميلة منغصات تسبب تعكيرها، وتؤدي إلى مشاكل تجعل من تلك الحياة السعيدة حياة ضنكة وتعيسة.
فلابد للمؤمن التقي من البحث عن الأسباب والبحث عن علاجها؛ حتى تكون حياته سعيدة لا تشوبها شائبة أو يعكر صفوها مشكلة.
стр. 290
نعمة الزواج وأثر التدين في سعادة الأسرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: إخواني: الزواج نعمة من نعم الله ومنة من مننه ، جعله الله ﵎ آية شاهدةً بوحدانيته، دالةً على عظمته وألوهيته، فيه السكن والرحمة، وفيه العفة للإنسان عن الحرام، والبعد عن إصابة الفواحش والآثام، الزواج وما الزواج؟ الذي تغض به الأبصار عن محارم الله، وتحفظ به الفروج عمَّا لا يرضي الله، هذه النعمة يجد فيها عبد الله الراحة والسكن، ويجدها رحمة من الله ﵎ إذا ترسّم هدي الكتاب، وأقام نفسه على مناهج الصواب.
الزواج إنما يكون نعمةً حقيقيةً يحفظ الإنسان بها دينه ويعصم بها نفسه عن الفتن، ويجد الراحة والسرور والدعة، إذا كان الزوج قد ترسّم هدي الكتاب والسنة وكانت الزوجة -كذلك- قد ترسّمت هدي الكتاب والسنة، فعاشر كل واحد منهما الآخر عشرةً صالحةً طيبةً مباركة مبنيةً على الشيمة والوفاء، مبنية على الذمة وحفظ العهود والمواثيق.
إن ترسّم الزوجين لمنهج الكتاب والسنة هو الطريق الحقيقي للسعادة الزوجية الحقيقية، فما من بيت من بيوت المسلمين يترسّم فيه الزوج وتترسّم فيه الزوجة هدي الكتاب والسنة إلا وجدت السعادة قد ضربت أطنابها في رحاب ذلك البيت المسلم، والعكس بالعكس، فمتى تنكب الزوجان أو تنكب أحدهما عن هدي الكتاب والسنة فانحرف عن صراط الله المستقيم، واعوجَّ عن هدي الدين القويم، عندها تنتهك حدود الله وتغشى محارم الله.
إذا نسيت تلك الآيات العظيمة وتلك العظات البليغة التي وعظ الله بها كلا الزوجين، إذا رميت وراء الظهور وأصبح الزوج لا يبالي بأوامر الشرع ونواهيه، يخبط خبط عشواء في عشرته لأهله وزوجه، وأصبحت الزوجة لا تبالي بحقوق الله في العشير، وأصبحت لا تبالي بأوامر الكتاب والسنة، عندها تفتح أبواب المشاكل على ذلك البيت المسلم، وعندها تغشى حدود الله فلا يبالي الزوج بما يقوله ولا تبالي الزوجة بقولها، ولا يبالي الزوج بما يفعله ولا تبالي الزوجة بفعلها.
إذا كان ذلك فإنك تدمع الدمعة الحارة على ذلك البيت المسلم؛ لأنه ما من عبد ينحرف عن منهج الكتاب والسنة في عشرته لأهله إلا أذاقه الله نكد الحياة وتنغص عليه العيش، وإذا فتحت المشاكل أبوابها على ذلك البيت المسلم فإن الإنسان يصيب الشقاء بعينه ويجد مرارة الحياة فتدمع الزوجة حين لا تنفع الدموع وتندم حين لا ينفع الندم، ويدمع الزوج حين لا تنفع الدموع ويندم حين لا ينفع الندم.
نعم.
متى نسي كتاب الله، وغشيت حدود الله، وانتهكت محارم الله؛ ذاق الزوج سوط عذاب لا رحمة فيه، وأصبحت هذه الحياة التي كان من الفرض أن تكون حياة السعادة والراحة والدعة، إذا بها حياة جحيم لا يطاق.
وليت هذه المشاكل تقتصر على الزوج والزوجة، ليتها يعاني عناءها الزوج والزوجة؛ لأن بلاءها كان بسببهما، ولكن البلاء كل البلاء إذا تفشت هذه المشاكل فسرت إلى أب الزوجة وأمها، وإلى أب الزوج وأمه ثم إلى الأخ والأخت، ثم إلى الخلان والإخوان ثم الضحية البريئة تلك القلوب البريئة قلوب الأبناء والذرية، عندها تنظر إلى ذلك الابن الذي خلفته تلك الزوجة الظالمة أو ذلك الزوج الظالم، تنظر إليه وقد دمع دمعة حارةً من صميم قلبه وفؤاده لما يرى من تنكد العيش أمام أبيه وأمه، يبكي ولكن لا راحم لبكائه ويشتكي ولا أذن تصغي لشكواه.
إخواني: إذا فتحت أبواب المشاكل فإن القلوب تصطرع بفتحها، حتى إن العبد إذا بلي بالمشاكل الزوجية يحار حتى في صلاته ولا يستطيع عبادة ربه، كل ذلك مرارة يقاسيها وحرارة يعانيها كل من تنكب عن صراط الله واعوج عن هدي الله.
إنها المشاكل التي لا ترحم صغيراً ولا كبيراً، ولا تعرف جليلاً ولا حقيراً، إذا سرت في الأسر سرت كَسُرى النار في الهشيم لا رادع لها ولا موقف لها إلا رحمة من الله يتدارك بها عباده، إنها المشاكل التي أصبحت تعج بها بيوت المسلمين تلك البيوت الطيبة الطاهرة المباركة التي كانت معروفة بالسعادة والهناءة والراحة، أصبحت تعج بتلك المشاكل وتشتكي إلى الله صباح مساء من كلام لا يطيب لسامعه وكذلك أفعال لا ترضي من يراها.
كل ذلك -إخواني- هموم وغموم نعانيها، ونجد مرارتها في القلوب
و
السؤال
ما المخرج من هذه الفتن والمحن؟ لقد كانت بيوت المسلمين بيوتاً مليئةً بالراحة والدعة والسكون، حتى إنك قلَّ أن ترى قاضياً يفصل في قضية بين زوج وزوجه، كانت بيوت المسلمين إذا وقعت فيها المشاكل طفئت نارها في مهدها، وجدت عقولاً ورجالاً ووجدت نساءً بررةً صادقين يعرفون كيف يتصرفون ويحسنون التعامل مع هذه الفتن العظيمة والمشاكل الأليمة.
فلما تنكب العباد عن صراط الله وحاد الخلق عن طريق الله، جاءت هذه المشاكل بخيلها ورجلها، وأصبحت أُسر المسلمين تعاني هموماً وغموماً لا يعلمها إلا الله ﵎، حينما فقدنا زوجاً يحفظ الذمم وحينما فقدنا زوجةً تحفظ حقوق العشير، وحينما فقدنا أماً تحفظ ابنتها وأباً يرعى ابنه، حينما فقدنا رجالاً صادقين صالحين يقربون المفترقين ويجمعون شمل المتباعدين، حينما فقدنا قلوباً رحيمة يؤلمها إذا رأت بيوت المسلمين تشتت سعت بتلك الخطوات العزيزة عند الله ، حينما فقدنا أولئك الصادقين وتنكدت الحياة وتغير الحال، فأصبح بعد رجال الصدق رجال الكذب، حتى أن الرجل إذا بلي بالمشكلة مع زوجته وجد صديقاً لا يذكره بربه ولا يصبره على شكواه، وجد من يلهب ضميره إلى الشكوى ويلهب قلبه إلى الأذية والإضرار، ووجدت الزوجة من يعينها على الإضرار ويعينها على الشقاق والأذية.
فلما تغيرت الحياة وتغير الناس بعد صلاح، وأصبحت الحياة على هذه الصفة، لم يكن من العجيب أن تعج مشاكلنا وأن تُملأ دور القضاء من هذه المشاكل المؤلمة المحزنة، حتى إنك إذا دخلت سمعت صراخاً وعويلاً، امرأة تناشد زوجها وتسب عشيرها، وزوجاً يناشد زوجه ويسب أهله وعرضه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أهذه الأمة الطاهرة المباركة؟ أهذه الأمة التي تأدبت بكتاب الله، وكان لها أكمل منهج وجد على الأرض سيرة رسول الله ﷺ ؟ أتعيش هذه الآلام؟ أتعيش هذه الأحزان والأشجان؟
стр. 291
أثر الإعراض عن كتاب الله على الحياة الزوجية
أحبتي في الله: من هذا كله نخلص إلى أهمية هذا الموضوع، أهمية طرحه، ومناقشته، أهمية فتح أبوابه لكي نعرف خباياه ولنأخذ من ذلك المعين الطيب المبارك؛ من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، الدواء وأي الدواء، والعلاج وأي العلاج من ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] من كتاب مبارك أنزله الله لكي نتدبره ونعرض عليه همومنا وغمومنا، فوالله ما من أمة أصابها حزن أو أصابتها مصيبة في دينها فعرضتها على كتاب ربها إلا وجدت علاجاً صالحاً لدائها وبلائها.
والسؤال ما هذه المشاكل؟ وكيف سيكون حديثنا عنها؟ لي في هذه المشاكل ثلاث نقاط: النقطة الأولى: ما هي أسباب هذه المشاكل؟ والنقطة الثانية: ما هو علاجها ودواؤها؟ والنقطة الثالثة: كيف يتصرف الزوج؟ وكيف تتصرف الزوجة؟ وكيف يتصرف القريب والصديق إذا بلي بإنسان بلي بهذه المشاكل؟ ومن الله أستمد العون والتوفيق.
أما المسألتان الأوليان ما هي أسباب المشاكل، وما هو علاجها في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فسأجمعهما في حديث واحد.
هذه المشاكل كل من نظر إليها وتدبر فيها وجدها ترجع إلى سبب واحد، جميع المشاكل الزوجية إذا تدبرت فيها ونظرت إليها نظرة المتأمل وجدتها تعود إلى سبب واحد، هذا السبب منه تولدت ومنه خرجت ونشأت، وما هو هذا السبب؟ هذا السبب هو: الإعراض عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وهذا هو الذي عناه الله ﵎ بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] وعيد من الله، ما من عبد يريد الزواج أو يقع في الزواج وينحرف عن هدي الكتاب والسنة إلا أذاقه الله من الحياة الضنكة على قدر إعراضه عن كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، لقد أدب الله الزوجة وأدب الزوج في القول وأدبهما في العمل، ورسم منهجاً سوياً وطريقاً قويماً وصراطاً مستقيما لا يضل ولا يزيغ عنه إلا هالك.
стр. 292
المعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان أساس السعادة الزوجية
لو أن كل زوجٍ وكل زوجةٍ أرادت أن تدخل إلى بيت الزوجية، سألت: ما هي حقوق الزواج في كتاب الله؟ وما هي حقوق الزواج في سنة النبي ﷺ ؟ لو أن الزوج والزوجة سأل كل واحد منهما: ما هو هدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في عشرة الأزواج؟ لقد رسم هذا الكتاب الحياة الزوجية السعيدة في آية واحدة وهذا من إعجاز القرآن، جمع لك السعادة الزوجية في آية واحدة لو أن كل زوج عمل بهذه الآية والله ما وقعت مشكلة زوجية.
وما هي هذه الآية؟ يقول الله ﵎: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] إعجاز في اللفظ والبيان، إما أن تمسك بمعروف أو تسرح بإحسان، وصية من الله من فوق سبع سماوات، إذا أردت أن تعاشر وإذا أردت أن تدخل إلى بيت الزوجية فضع نصب عينيك هاتين الكلمتين، إما أن تمسك بمعروف وإما أن تسرح بإحسان.
ولذلك لا إمساك بإضرار: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٣١] ولو أن الأزواج أمسكوا بمعروف أو سرحوا بإحسان والله ما قامت مشكلة، إن أمسكها أمسكها مؤمناً صادقاً صالحاً براً سوياً في قوله وعمله، هذا هو المعروف الذي أمر الله به، وإن سرحها سرحها بإحسان، سرحها وهو لا ينسى ما بينه وبينها من العهود والمواثيق.
ولذلك
السؤال
ما هو الإمساك بمعروف الذي أمرنا الله ﵎ إذا أمسكنا النساء أن نمسكهن على صفته؟ المعروف إذا أردت بيانه وأردت حقيقته في عشرة الأزواج؛ فانظر إلى سيرة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فوالله ليس هناك زوج أبر ولا أوفى ولا أكمل سيرةً وهدياً من رسول الله ﷺ لما عاشر أزواجه، سيرة عطرة، والله إن بعض الأحاديث حينما تقف أمامها قد يستولي عليك الحزن من واقعك.
стр. 293
أمثلة توضح حقيقة المعاشرة بالمعروف
هذه ثلاثة أمثلة، ولو أننا استعرضنا هدي النبي ﷺ وسيرته التي تفسر هذا المعروف لأخذنا جلسات وحق لهذه السنة أن تأخذها: المثال الأول: تقول عائشة ﵂ وأرضاها: (كان رسول الله ﷺ يدنى إليه الإناء فيه الشراب فيقسم عليَّ أن أشرب قبله -هل أحد أقسم على زوجته يوماً من الأيام أن تشرب قبله؟ - قالت: فإذا شربت قبله أخذ الإناء فوضع فمه على المكان الذي وضعت فمي فيه -صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين- ثم يؤتى بالعرق من اللحم -العظم من اللحم- فيقسم عليَّ -يحلف بالله أنها تأكل قبله؛ لأنها كريمةٌ بنت كرام لا ترضى أن تتقدم رسول الله ﷺ ، فلا ترضى إلا إذا أقسم عليها، فيقسم عليها بالله أن تأكل قبله-قالت: فأنهسه فيأخذ العظم ويضع فمه حيث وضعت فمي) صلوات الله وسلامه عليه.
من منا يفعل ذلك ولو يوماً واحداً يجبر به قلب تلك المرأة المسلمة التي بين يديه؟ هل أحد منا طبق هذه السنة؟ ولذلك لما بعد الناس عن هذه الرحمة ولما فقدت الرحمة في الحياة الزوجية أصبحت الحياة حياةً جافةً، أصبحت بيوت المسلمين لا تجد فيها الرحمة والحنان الذي يجب وينبغي أن يكون من أهم سمات الزوجية، ولذلك وصف الله الزوجة بأنها سكن ورحمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] المودة والرحمة طبقها النبي ﷺ على أكمل صورة ومنهج.
الصورة الثانية والمثال الثاني: الذي كان فيه النبي ﷺ براً رحيماً في معاشرته لأهله، تقول ﵂: (أتى الحبشة يلعبون بالحراب في المسجد يوم العيد، فأحببت رؤياهم فقمت لأنظرهم وراء ظهر رسول الله ﷺ -رسول الأمة يقوم على قدميه وساقيه من أجل صبية تنظر إلى قوم يلعبون- قالت ﵂: فهو يقول لي: هل فرغت؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل فرغت؟ فأقول: لا بعد، ثم تقول ﵂: فاقدروا قدر الصبية الجهلاء).
يعني كم جلس من الوقت فما تذمر ولا قال: أنا أقف لك، ولا استحيا ولا تكبر صلوات الله وسلامه عليه، من منا يوماً من الأيام، لا نقول يقف لأجل أن تنظر امرأته إلى من يلعب! لكن نقول: يحرص -ولو يوماً في الشهر أو يوماً في السنة- على أن يدخل السرور إلى أهله، نعم فقدنا هذه السيرة العطرة، فقدنا الإحسان إلى الأهل ونريد حقوقنا كاملة، نمنع أزواجنا من العشرة الطيبة المباركة ونريد حقوقنا كاملة، ولذلك ليس غريباً لما فقدنا وشائج هذه الرحمة التي فعلها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن نرى الحياة المؤلمة.
أما المثال الثالث: فقد جاء الأسود بن يزيد هذا التابعي الجليل إلى أم المؤمنين عائشة -والحديث في صحيح البخاري - قال لها: (كيف يكون النبي ﷺ في بيته وما هو حاله؟ قالت ﵂: يكون في خدمة أهله) أي: إنه إذا رأى أهله بحاجةٍ إلى المساعدة وإلى المعاونة ساعدهم صلوات الله وسلامه عليه.
هل يوماً من الأيام كلفنا أزواجنا أمراً فوقفنا معهم وتأسينا بالنبي ﷺ وعاشرنا بالمعروف على أكمل صورة ومنهج، أين أولئك البررة الأوفياء الذين يحسنون معاملة الأزواج، ويحسنون معاملة الزوجات، حتى تملك القلوب بإحسانهم ومودتهم وعطفهم وحنانهم؟! لا يمكن لهذه الحياة الزوجية أن تستقيم إلا بالرحمة، ولقد عرف ذلك النبي ﷺ فطبقه فكان من أهم سماته في عشرته أنه كان حليماً رحيماً بأهله وزوجه.
ومن هنا -أحبتي في الله- لو أن الأزواج عاشروا بالمعروف أو سرحوا بإحسان لما بقيت هذه المشاكل، انظر في أي مشكلة زوجية إما أن تجد زوجاً لا يعاشر بمعروف أو تجد زوجةً لا تعاشر بمعروف، أو تجد زوجاً يمسك ولا يطلق ويسرح بإحسان، أبداً لن تخرج عن هذه الثلاث القضايا التي هي محور كل مشكلة زوجية، إذا عرفنا أن أساس المشاكل يرجع إلى هذا السبب العظيم، فالمخرج والعلاج أن نقرأ سيرة النبي ﷺ في معاشرته لأهله وزوجه، وأن نستلهم منها هذه المواقف الطيبة المباركة، وهذه الأخلاق الزاكية العطرة، حتى نخلف في قلوب من نعول ونخلف في قلوب زوجاتنا تلك المحبة التي تقوم عليها بيوت المسلمين، وتلك العاطفة التي تبنى عليها بيوت الزوجية السعيدة.
وكما عرفنا أن الإعراض عن الكتاب والسنة هو السبب الرئيسي لوجود هذه المشاكل فكيف نفصل هذا الإعراض؟
стр. 294
أسباب المشكلات التي تسبق الزواج
نظرت إلى الأسباب التي توجب المشاكل الزوجية فوجدتها أسباباً عديدة ولكنني سأختار بعض هذه الأسباب وأقسمها على قسمين: القسم الأول: أسباب تسبق الزواج.
القسم الثاني: أسباب تكون في الزواج.
أما الأسباب التي تسبق الزواج.
стр. 295
الإكراه على الزواج بمن لا يرغبه أحد الطرفين
فأولها: إكراه الزوج على الزواج وإكراه الزوجة على الزواج بمن لا يريد ولا يرغب، لأن إكراه الزوج على الزواج وإكراه الزوجة على الزواج ممن لا ترغبه ولا تحبه، ضرب من الخطأ بيّن، إن العشير إذا عاشر من لا يحب عشرته فإنه نافر عنه من أول لحظة، ولا يمكن لبيت زوجية أن يقوم وقد وجدت النفرة بين الزوج وزوجته، لا يمكن أن تستقيم بيوت الزوجية والرجل كاره لزوجته وكذلك المرأة كارهةٌ لزوجها.
لذلك ينبغي على كل ولي امرأة أن يتقي الله فيها، وألا يزوجها إلا لمن فيه الصلاح والدين وترغبه المرأة، فإذا اعترضت المرأة على الزواج فينبغي عليه ألا يستعجل وأن ينظر في اعتراضها، فإن كان له سبب وعذر يقبل شرعاً فالحمد لله وحيهلاً، وأما إذا كان لا تعذر فيه شرعاً فينبغي عليه إحسان المعاملة حتى تقبل على ذلك الزوج وترضاه، وهذا السبب قد بين النبي ﷺ علاجه وبين دواءه فقال فيما صح عنه ﵊: (البكر تستأذن وإذنها صماتها والثيب تستأمر) وفي رواية عنه ﵊ أنه قال: (والثيب أحق بنفسها من وليها) كل هذا لكي يبين النبي ﷺ أنه لا تستقيم بيوت المسلمين ولا يستقيم الزواج إلا إذا كان الزوج قد رضي من تزوجها وكذلك الزوجة.
стр. 296
سوء التربية
السبب الثاني الذي يسبق الزواج ويكون قبل الزواج: سوء التربية، إن الشخص إذا نشأ نشأة غير مستقيمة، وقصَّر الأب أو قصرت الأم في تربية ابنها وابنتها؛ فإن الذي يجني عواقب سوء التربية هو ذلك الابن بعد سنين طالت أم قصرت، قل لي بربك: إذا كان الابن ينشأ في بيت مليء بالخصام والسباب، إذا نشأ الابن على يد أب لا يحسن معاملة زوجته ولا يحسن بِر زوجته، فظاً غليظاً مؤذياً لا يتقي الله والرحم، كيف سيكون حاله وكيف سيتصرف مع أهله؟ لا شك أنه سيعامل أهله بمثل ما عامل به والده أهله.
فلذلك -أحبتي في الله- تربية الأبناء وتربية البنات تربيةً صالحةً مستقيمةً أمرٌ من الأهمية بمكان.
وحسبي أن أذكر صورة عجيبة تعتبر من أهم الأسباب التي توجب فساد الزوج على زوجه والزوجة على زوجها، هذه الصورة أن بعض الآباء إذا أراد ابنه أن يدخل على امرأته جلس معه وأعطاه أشنع صورة عن المرأة ونفره من زوجته، وقال له: لن تستقيم لك حياة الزوجية إلا إذا عبست في وجهها وضربتها وآذيتها، وإياك أن تفعل وإياك أن تفعل، فيلقنه ويجعل الزواج في نظره شراً لا بد منه، ما الذي تنتظر من هذا الابن؟ ما الذي ينتظر من ابن دخل بهذه الأفكار؟ وكذلك الأم، ويا للأسف! حينما فقد المسلمون أمهات صالحات، بدلاً من أن كانت المرأة تجلس مع ابنتها تصبرها وتعللها وتبين لها حقوق بعلها، وتهديها إلى الصراط السوي في معاشرة زوجها، لما تغيرت الأمهات وأصبحت الأم تلقن ابنتها الأفكار الرديئة، يا ابنتي إياكِ أن تخضعي له إياكِ أن تكوني ذليلة إياكِ إياكِ، ثم تكون النتائج بعد ذلك على رأس الزوج والزوجة، والله ثم والله ما من أب يربي ابنه على ذلك وما من أم تربي بنتها على ذلك إلا لقيت ربها ولقي الأب ربه بجميع الأوزار التي ترتبت على كلامه، والله ما من مشكلة نتجت عن ذلك الكلام الخاطئ إلا وسيحمل وزرها أمام الله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣].
فلذلك إذا كان الأب لا يحسن تربية ابنه فإنه تكون النتائج والعواقب الوخيمة على تلك الزوجة المظلومة، وإذا كانت الأم لم تحسن تربية ابنتها فإنها ستكون العواقب الوخيمة على ذلك الزوج المظلوم.
لذلك -أحبتي في الله! - علاج هذه المشكلة وعلاج هذا السبب بينه النبي ﷺ حينما دعا إلى تربية الأبناء والبنات حتى رغب شرع الله في التربية الحسنة قال ﷺ : (من ابتلي بشيء من هذه البنات فرباهن فأحسن تربيتهن، وأدبهن فأحسن تأديبهن، إلا كن له حجاباً من النار) فإذا ربت الأم ابنتها على الكلام الطيب وخرجت تلك البنت سويةً في أفكارها، مستقيمةً في نظرتها؛ فإنها سرعان ما تطبق ذلك في عشرتها لزوجها، لقد ربت أمهات -وأي أمهات- بناتهن على الإحسان إلى الزوج وكانت تلك البنت وفيةً بارةً، ولها مثل أجر ابنتها في إحسانها إلى زوجها، ولذلك بيَّن النبي ﷺ أن من سبل الجنة أن تحسن المرأة عشرة زوجها، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت) لذلك أحبتي في الله! تربية الأبناء والبنات أمر من الأهمية بمكان.
стр. 297
المغالاة في المهور
أما السبب الثالث الذي يعتبر من أسباب المشاكل الزوجية السابقة: فالمغالاة في المهور، والمغالاة في كلفة الزواج.
إذا تكلف الزوج وأصبح يعاني من ذلك المال الذي دفعه مهراً لزوجته، ويعاني كذلك في كلفة زواجه من امرأته، فإنه سيدخل إلى بيت الزوجية مثقلاً بالديون وهمومها، مثقلاً بالديون وغمومها، وكيف تنتظر من إنسان مثقل بالدين أن يحسن العشرة لزوجه وأهله، لذلك فإنه ما من إنسان يبذخ في زواجه، إلا وجدت العاقبة السيئة لذلك البذخ، والزوج إذا دفع مالاً كثيراً في زواجه من امرأته نظر إليها وكأنها خادمةٌ اشتراها، وقدمت عليه إذا دفع مالاً كثيراً يحس أن له حقاً كبيراً على الزوجة، ومن هنا إذا حصل من الزوجة أي خطأ فإنه ينظر إليه وكأنه جريمة لا تغتفر، ومن هنا ينشأ سبب هذه المشاكل، فلا يمكن أن يتنازل عن حقه بعد ذلك العناء وبعد ذلك المال الباهظ الذي دفعه في زواجه.
لذلك -أحبتي في الله- أشار النبي ﷺ وأشار هدي السلف إلى علاج هذه المشكلة، حينما بيَّن ﷺ : (أن أبرك النساء أيسرهن مئونة) ولذلك قال بعض العلماء: من الدلائل التي يُظن فيها البركة للزوجين في زواجهما، ويُظن أن تبقى تلك العشرة؛ أن يبتدأ الزواج بكلفة يسيرة، فإذا ابتدأ الزوج زواجه بكلفة يسيرة بارك الله له في زواجه، أما إذا ابتدأه بالإسراف والبذخ وحارب الله من أول ساعة في زواجه فما الذي تنتظر؟!! لذلك -أحبتي في الله! - الإسراف في المهور والمغالاة فيها، والمغالاة في حفلات الزواج؛ كل ذلك يعين على المشاكل ويفتح بابها ويهيئ لدى الزوج عاملاً نفسياً للانتقام من زوجته والتضييق عليها، فينبغي للمسلم الذي يراقب الله ويرجو البركة في زواجه من الله أن يبتعد عن الإسراف والبذخ.
стр. 298
أسباب المشاكل التي تقع بعد الزواج
أما الجزئية الثانية: ما هي أسباب المشاكل التي تقع بعد الزواج؟! فهناك عدة أسباب:
стр. 299
التدخل في شئون الزوجين
ومن أسباب المشاكل الزوجية -بل من أعظمها وأهمها- والتي تنشأ بعد دخول الزوج على زوجته: تدخل الغير في شئون الزوج والزوجة، فإذا تدخل الغير في شئون الزوج والزوجة، فإنه حينئذٍ يعاني الزوجان من المشاكل.
ولذلك إذا أراد الله أن يرحم الزوج أو الزوجة فإنه يكرمها بأن لا يدخل أحد بينهما، كم من نساء صالحاتٍ طاهراتٍ وكم من رجال صادقين مباركين وقعوا في مشاكل مع زوجاتهم لم يعلم بها أحد غير الله ، ولذلك من سداد العبد وصلاحه وكذلك من سداد المرأة وصلاحها ألا يدخل الغريب بينهما، ولذلك كان من الخطأ البين تدخُّل الأب في شئون ابنه، وكذلك تدخل الأم في شئون ابنتها، فيجلس كل واحد منهما يتعقب الزوج والزوجة يسأله عن أمور قد لا يحل له السؤال عنها، وهو مسئول بين يدي الله عن كشف تلك العورة والسؤال عن ذلك العيب الذي لم يأذن الله به.
وإذا أراد الله أن يصلح حال زوجين فإن الله تعالى يقطع عنهما كل غريب يدخل بينهما.
إذا أردت أن تعرف حكمة الرجل في معاملته لزوجه فانظر إليه في أسراره مع أهله، إن وجدته كتوماً لا يخبر أحداً، يعول على الله ويشتكي إلى الله ويعلق الرجاء في الله، ويحسن إدارة الأمور بنفسه متوكلاً على ربه معتمداً عليه فظن به خيراً.
وكذلك المرأة الصالحة لا تأذن لأحد أن يدخل بينها وبين زوجها، ولذلك تحاول رغم أذية زوجها لها ألا يعلم قريب ولا أحد بما جرى بينهما، وهذا قمة في الوفاء وقمة في العشرة الصالحة السوية والعكس بالعكس.
لما أصبحت الأمهات وأصبح الآباء يتدخلون في شئون الأزواج والزوجات، وكل منهما يدلي برأيه ويحاول أن يتعقب وأن يفسر الأمور ويحملها على غير ما ينبغي، لما كان ذلك وقعت المشاكل وعانينا منها.
لذلك أحبتي في الله! لنتقي الله في التدخل في أمور الزوجين.
وهناك مسألةٌ أيضاً: بالنسبة للأصدقاء في تدخلهم في شئون أصدقائهم، حتى في شئون الإنسان مع زوجه، هذا أمر لا يجوز ولا يحل شرعاًَ لإنسان يؤمن بالله واليوم الآخر إلا أن يأذن له ذلك الزوج ويدخل على وجه الإصلاح لا على وجه الإفساد، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك حينما بيَّن خطر ذلك فقال: (لعن الله من خبب امرأةً على زوجها، ولعن الله من خبب زوجاً على زوجته) لعن الله من أفسد زوجاً على زوجته، فالمسئولية عظيمة، إذا جاءك الإنسان يشتكي فينبغي عليك أن تعول وأن تحس أنك أمام عورة وأنك أمام أمر ينبغي ستره، فعوده الصبر وحاول قبل أن يتكلم أن تذكره بالله، وأن تعوده على التوكل على الله، وأن تكون مشاكله بينه وبين زوجه، وعوده الصبر والتأسي واذكر له من قصص السلف ما يثبت جنانه وفؤاده.
إنك إن فعلت ذلك كان لك خيراً في الدنيا والآخرة، فرحم الله رجالاً صادقين ونساءً صادقات ثبت الله بهن قلوب الأزواج والزوجات، أولئك الأصفياء البررة الذين يوصون بالصبر ويوصون بالتحمل واحتساب الأجر.
لقد أوجد الله رجالاً صادقين كادت الأسر أن تتمزق لولا نصائح منهم قيمةً، ولولا الله ثم نصائح منهم قيمة وكلمات منهم مباركة سديدة، أولئك الذين عناهم الله بقوله ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] التواصي بالصبر من كانت فيه هذه الخصلة فهو من الناجين لا محالة إذا كان الرجل يصبَّر صديقه على زوجه ويسليه في محنته ومشكلته، فإنه من أهل الخير ومن الذين عناهم الله بالنجاة.
стр. 300
سوء الظن بين الزوجين
السبب الثاني من أسباب المشاكل التي تقع بعد الزواج: سوء الظن بين الزوج والزوجة؛ الزوج يدخل إلى بيت الزوجية ولا يحسن الظن بامرأته إما في معاملتها أو في تصرفاتها، فإذا كان من هذا الصنف الذي لا يحسن الظن بزوجته فإنه سرعان ما يفتح على نفسه وعلى غيره باب المشاكل، وقد تنشأ المشاكل العظيمة التي قد تفتك بأسرة الزوج وكذلك أسرة الزوجة بسبب سوء ظن أحد الزوجين بالآخر، إذا تصرفت الزوجة وأخطأت أي خطأ فسره الزوج على أنها تكرهه وعلى أنها تبغضه، ولا يلتمس المخرج، ولذلك ينبغي -إذا كنت حكيماً تريد العافية من المشاكل- إذا رأيت الخطأ من الزوجة فأنت تحمله المحمل الحسن، وإذا بلغ الأمر أقصاه وأصبح الإنسان لا يجد مخرجاً فليقل: زلة غفر الله لي ولها، هذا أقصى ما يكون، فإن الله بشر العافين عن الناس بخير عظيم، وإذا لم يكن العفو عن الأهل فعمن تعفو؟ إذا لم تتسع صدورنا عن زلات الزوجات والأهل فلمن يتسع الصدر؟ فإذا لم تتسع الصدور للقرابة فلمن تتسع؟ ولقد بين النبي ﷺ ذلك حينما أوصى بالنساء خيراً، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (استوصوا بالنساء خيراً).
فمن حفظ وصية رسول الله حفظه الله ﵎، ومن ضيع وصية الله ووصية رسول الله ﷺ ضيعه الله، فينبغي للرجل أن يصبر على زوجته وأن يتحمل أذاها، وأن يذكر أن عند الله له جزاءً.
فإذا ساءت ظنون الزوج وساءت ظنون الزوجة بزوجها فتح كل واحد منهما على الآخر باب المشاكل وعانى منها.
وعلاج ذلك أن نترسم هدي الكتاب حينما نهانا عن إساءة الظن بالمؤمنين، فقال جل وعلا في كتابه المبين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] قال بعض العلماء في تفسير هذه الآية الكريمة: في هذه الآية دليل على أن المظاهر ليست قطعية الدلالة على الجواهر، فقد ترى من المرأة تصرفاً عجيباً لكن هذا التصرف لا ينمي على أنها قاصدة السوء، والعكس بالعكس كذلك أيضا.
стр. 301
سوء المعاشرة
أولها: سوء المعاشرة من الزوجين أو أحدهما، فإذا أساء الزوج عشرة زوجته وأصبح لا يبالي بالكلام الذي يقوله ولا يبالي بالفعل الذي يعمله، عندها تبدأ المشاكل، وعندها يراقب كل من الزوجين الآخر في كلامه وتصرفاته، ولذلك ندب الله ﵎ عباده المؤمنين وحثهم في كتابه المبين على الكلام الطيب في عشرة الأزواج: أن يعاشروهم معاشرةً طيبة وصية من الله ﵎، يقول جل شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] قال بعض السلف وهو قول مأثور عن ابن عباس وغيره: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] أي ولداً صالحاً.
ولذلك قالوا: إن الزوج إذا صبر على أذية زوجته وعاشرها بالمعروف مع أذيتها وإساءتها قد يرزقه الله منها ولداً صالحاً، وقد ذكروا عن رجل من السلف الصالح ﵀ أنه دخل عليه طالب من طلابه فرأى ابناً باراً فعجب ببره فلما خرج الابن قال ذلك العالِم الجليل: أتعجب من بره؟ قال: إي والله، قال: والله لقد عاشرت أمه عشرين أو ثلاثين عاماً ما تبسمت في وجهي يوماً قط فصبرت فعوضني الله ما ترى، وعن بعض السلف -وهو أبو زيد محمد القيرواني رحمة الله عليه إمام جليل من أئمة العلم والدين- أنه كانت امرأته فظةً غليظةً تؤذيه بلسانها، فلما أكثرت عليه اشتكى طلابه وقالوا له: كيف تصبر عليها؟ وكيف تعاشرها بالمعروف وهي تسيء إليك؟ فقال ﵀ -أقوام يعرفون كيف يعاملون الله-: إني أعاشرها بالمعروف، وأما قولها فبلاء لعلي أصبت ذنباً فعوقبت بها، فلو طلقتها لعاقبني الله عقوبة أشد منها.
فلذلك كان السلف ﵏ يعاشرون بالمعروف مع إساءة الزوجة وإعراضها، فأصدق معاشرة من الزوج لزوجه وأصدق معاشرة من الزوجة لزوجها إذا أساء إليها، لن تكون معاشراً بالمعروف إلا إذا كانت زوجتك تسيء إليك، ولن تكون المرأة معاشرة بالمعروف الحق الذي تؤجر عليه من الله ويعظم فيه ثوابها إلا إذا كان زوجها يسيء إليها، فالمعاشرة الكاملة بالمعروف التي يعظم ثوابها عند رب العالمين إذا كانت الإساءة من الزوجة، فعلاج هذه المشكلة وهي سوء المعاشرة أن يعاشر الزوج أهله بالمعروف وأن يصبر ويتحمل.
جاء عقيل بن أبي طالب ﵁ وأرضاه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقد آذته امرأته بسبابها وشتائمها، فجاء إلى عمر لعله أن يشتكيها إليه، فلما وقف بباب عمر في الظهيرة سمع امرأة عمر تسب عمر فعجب وقال: إذا كان هذا أمير المؤمنين فما حال عقيل؟! فرجع من ساعته ورآه عمر فناداه فقال: يا عقيل! ما شأنك؟ قال: خيراً يا أمير المؤمنين، قال: عزمت عليك أن تخبرني، قال: يا أمير المؤمنين! ما هو إلا أن فلانة آذتني وأسمعتني ما أكره فقلت: آتي أمير المؤمنين وأشتكي إليه، فلما وقفت بالباب سمعت امرأة أمير المؤمنين تسب أمير المؤمنين، فقلت: إذا كان هذا أمير المؤمنين فكيف بـ عقيل؟ فقال عمر ﵁: يا عقيل! إنها امرأتي ترضع صغيري وتغسل ثوبي فأنا أمسكها من أجل ذلك.
يعني: إذا ذكرت لها المعروف وإذا ذكرت لها الإحسان غفرت إساءتها، وهذا معنى لطيفٌ مستنبطٌ من الحديث الشريف الذي ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً -لا يفرك: أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة- إن كره منها خلقاً أحب منها آخر).
ولذلك كان من وصايا الحكماء: أن الإنسان إذا رأى الزلة غفرها بما هو أعظم منها، فإذا وجد كلامها غير مستقيم، أو تسبه أو لا تحسن الخطاب معه غفر لها ذلك بإحسانها في طعامها وشرابها وتذكَّر من يسيء بالقول الذي هو أشد، وإذا كانت تسيء بالقول الذي هو أشد فتذكر من يسيء ويؤذي الأبناء، ثم هكذا فما من مصيبة إلا وهناك ما هو أعظم منها.
ومن حكمة الله ﵎ أنه ما من زوج يصبر على أذى زوجته إلا كانت له العاقبة، بعض الأزواج بلوا بزوجاتٍ آذينهم أذية عظيمة فصبروا، فمنهم من رزقه الله هداية زوجته وأصبحت في شجن وحزن وندم لا يعلمه إلا الله، وأصبحت تستحي منه وتخجل منه خجلاً شديداً، ومنهم من يعوضه الله بصلاحها وصلاح أبنائها، فالخلف من الله مضمون، وما من إنسان يصبر ويعاشر بالمعروف مع إساءة الزوجة وأذيتها إلا كان له من الله أجر عظيم، قال ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
فمن أراد أن يكون من الأخيار فليحسن إلى زوجته ويكرمها.
ولذلك أثر في كثير من قصص العلماء والصالحين أنهم كانوا مبتلين بإساءة زوجاتهم وكانوا على وفاء وتذمم وصبر.
فلذلك -أحبتي في الله! - من أراد أن ينجو من تلك المشاكل التي تقع بسوء المعاشرة؛ فعليه بالصبر والتحمل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً خاصة الزوج؛ لأن الرجل فضله الله على المرأة بالقوة، ولذلك أعطاه من الصبر والتحمل ما لم يعطه للزوجة، فإذا بلي الزوج بزوجة لا تحسن معاشرته فعليه بالصبر والتحمل.
стр. 302
علاج المشاكل الزوجية
أحبتي في الله: ما هو علاج هذه المشاكل؟ كيف تتصرف الزوجة؟ وكيف يتصرف الزوج إذا وقف أمام المشكلة؟ وهذه هي النقطة الثالثة.
стр. 303
الابتعاد عن أسباب المشكلة
الأمر الثالث: ابتعد عن أسباب هذه المشكلة، فإذا دخلت البيت -لا سمح الله- فوجدت خصاماً وشجاراً أو خطأً ما فاخرج من البيت ولا تبق فيه لأن الشيطان يستزلك، وقد يجرك إلى كلمة تودي بهذا البيت إلى كارثة قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [الإسراء:٥٣].
فاخرج من البيت أو غير من حالتك فاذهب وتوضأ وصلِّ وادخل إلى غرفتك، المهم لا تبق أمام ذلك الموقف، إلا المواقف التي تحتاج إلى فصل، والمواقف التي تحتاج إلى حل في حينها فحينئذٍ استلهم من الله الصواب، ثم امض ولا حرج ولا عتب عليك، وهذا أمر من الأهمية بمكان.
стр. 304
الالتجاء إلى الله
إذا بلي إنسان بمشكلة، فأول ما ينبغي عليه اللجوء إلى الله ﵎، ولذلك يقول بعض العلماء: من دلائل الفرج أن تجد العبد إذا أصابه الكرب توجه إلى الله ، فإذا وجدت الزوجة قد تغير خلقها أو جئت في قضية اختلفتما في الرأي فاستخر الله وادع في صلاتك واسأل الله ﵎ أن يشرح صدرك وصدرها للخير، فأول ما ينبغي اللجوء إلى الله.
وهناك لطيفةٌ عجيبة، كنت أقرأ في القرآن في سورة البقرة -وكثيراً ما تمر هذه السورة- فمن عجيب ما يلفت النظر أن الله تعالى ذكر مشاكل الطلاق وجاء بينها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] كأنه ينبه على أن هذه المشاكل تنشأ من ضعف الصلة بالله ﵎، ومما يدل على أن الدعاء والتعلق بالله مفتاح الفرج في المشاكل الزوجية قول الحق ﵎: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠] فبين تعالى أنه أصلح له زوجه ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا﴾ [الأنبياء:٨٩] فدل على أن الدعاء مفتاحٌ في صلاح الزوج والزوجة.
وهكذا المرأة إذا تنكر عليها زوجها فلتقرع باب ربها وتشتكي إلى الله: اللهم أصلح لي زوجي، والزوج يقول: اللهم أصلح لي أهلي.
وتجد من تلك الدعوة منحة من الله لا يخيب صاحبها، فوالله ما من عبد يتعلق بالله فيخيب في تعلقه أبداً، وما من إنسان يلهمه الله أن يدعوه في كربه إلا كان موفقاً مجاباً.
стр. 305
الاتصال بالعلماء
الأمر الثاني: إذا نزلت بك المشكلة أو بالمرأة فأوصيك وصيةً، أن تتصل بالعلماء، فاستشر أول من تستشير العلماء حتى تعرف، قد تكون المسألة متعلقة بالدين والشرع تحتاج إلى أن تتصرف تصرفاً شرعياً واجباً عليك، فاتصل بأحد العلماء، وقد كان الناس في خير وكانوا يسألون العلماء في كل صغير وكبير، وكان العالِم إذا خرج من المسجد يخرج بخلية نحل من كثرة الناس، كان الناس يتعلقون بهذا الدين ويتعلقون بالعلماء الربانيين تعلقاً -والله- أشد من تعلقهم بالآباء والأمهات، فلما فقدت هذه الوشيجة وأصبحنا نستشير ونسأل ونذهب إلى إنسان لا دين له ولا أمانة، فما الذي يتوقع من هذا الإنسان؟ وقد يذهب إلى إنسان غشاش لا يتقي الله في بيوت المسلمين.
فلذلك ينبغي أن تتصل على العالِم، وكن نقياً صادقاً فيما تقول، أميناً فيما تنقل، وأنصف المرأة من نفسك وقل: وقع كذا وكذا وكذا يا شيخ فنورني، ودلني ماذا أصنع.
والله ما من إنسان يُجلُّ أهل العلم ويكون على صلة بالعلماء إلا بلَّغه الله الخير في أمره، وهذا أمر مهم جداً أن ترجع للعلماء.
فرضنا أنك في مكان لا يتيسر فيه العالِم أو اتصلت ولم يوجد العالِم، فاذهب إلى كبار السن من أهل العقول الصائبة والآراء المستقيمة، واعرض عليه مشكلتك وبين له ما تعانيه واستشره: شاور أخاك إذا نابتك نائبةٌ يوماً وإن كنت من أهل المشورات فالعين تبصر ما دنى ونأى ولا ترى ما بها إلا بمرآة العيب الذي في العيون ما تستطيع رؤياه إلا بمرآة، قد تظن أنك أنت المحق وأنت المبطل، أو أنك المبطل وأنت محق، فأين ومن الذي يدلك على هذا العيب؟ غيرك من أهل العقول المستقيمة الذين نور الله بصائرهم وأبصارهم، ولا يخلوا مجتمع -إن شاء الله- من وجود أمثال هؤلاء، فارجع إلى عالِم أو ارجع إلى إنسان من أهل العقل والرزانة أو إنسان يجمع صفتين: الدين؛ لأن الدين يستلزم الورع.
والأمر الثاني: الأمانة، فيكون أميناً وليس خائناً.
فإذا وجدت ذلك فعض عليه بالناجذ واسأله عما جدَّ وطرأ عليك.
стр. 306
واجب المحيطين بالزوجين تجاه مشاكلهما
الأمر الثاني: أما واجبنا نحن أمام إنسان نراه يعاني من المشاكل فهو: أن ندله على ما سبقت الدلالة عليه في المحاضرة.
الأمر الثاني: ينبغي أن تتوفر فينا صفات أهل الإيمان كالتصبير، فكثير منا لا يحسن المعاملة مع أصدقائه، يحاول إذا جاءه صديقه يقول له: والله اليوم قالت المرأة كذا وكذا فيقول له: المرأة تقول كذا وكذا!! امرأتك تقول كذا وكذا!! هل أنت رجل؟! هل كذا؟!! وكذلك المرأة تأتيها المرأة مسكينة متألمة من موقف فتقول: كيف تسكتين؟ ولماذا كذا؟! هذه الأنفس التي لا تراقب الله فتثير الضغائن بين المسلمين هذا لا ينبغي، أين أولئك الحكماء الحلماء الرحماء؟ أخي المسلم: والله لن تكون مسلماً حقاً -إذا جاءك أخوك يشتكي من امرأته- إلا نزلت هذه المرأة كأختك، نزلها كأختك وانظر الضرر الذي سيجري وسيكون عليها، وعندها تعرف أين الصواب، وتعرف ما الذي تقول وما الذي تنصح به أخاك؛ لأنها أختك في الدين، كيف تحرض الزوج عليها؟ ولذلك بعض النساء حرمن التوفيق وبعض الرجال حرم التوفيق فلا يحسن حين يرى الزوج أو يرى الزوجة في انفعال وغضب؛ لا يحسن معاملته، فالنار لا تطفأ بالنار والمفاسد لا تطفأ بالمفاسد، ولكن النار تطفأ بالماء، والطيش يطفأ بالحكمة، والاستعجال يطفأ بالأناة.
أحبتي في الله: لنتق الله في الأزواج، كلمةٌ طيبةٌ منك تقولها للزوج تصبره.
وأذكر أن أحد العلماء جاءه رجل في مشكلة زوجية فقال له: يا أخي أخيرك بين أمرين: إما أن تصبر عليها ووالله إني لأرجو لك عند الله أجراً عظيماً، وإما أن تسرحها وتطلقها بعد إذ أعيتك الحيلة فحينئذٍ تكفى شراً بليت به، فقال له: يا شيخ! كيف أمسكها وأنا أعاني من كذا وكذا؟ وذكر الأشياء التي يعاني منها؟ فقال له: يا أخي تصور هذه المرأة لو كانت أختك، فجاءتك يوماً من الأيام تحمل متاعها على ظهرها وتسوقه إلى بيت أبيها وإخوانها، هل ترضى ذلك؟ وما موقفك من ذلك؟ أتحب أن تعامل أخواتك بهذه المعاملة؟ قال: لا، قال: فعامل نساء المؤمنين كذلك.
فلذلك -أحبتي في الله- واجبنا عظيم حينما نسلي الزوج والزوجة بالصبر والسلوان، قل للزوجة وللزوج: من هذا الكامل؟ لو أن الأم إذ جاءتها ابنتها صبرتها وسلتها لصلحت أحوال كثيرة، ولكن الذي يقع هو العكس، فإن كلاً منهم يحرض ابنه ويحرض ابنته ومن ثم نبكي على الأضرار.
أحبتي في الله! إخواني في الله! إن علاج هذه المشاكل بالرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ وأن يعي كل واحد منا مسئوليته تجاه إخوانه وتجاه أبنائه وبناته.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح منا ومنكم ما ظهر وما بطن، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم تدارك برحمتك بيوت المسلمين من هذه المشاكل، اللهم اقسم لها رحمة ترحم بها من عذاب، اللهم اكشف تلك الغمة وذلك البلاء عن بيوت المسلمين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا من الظالمين، نستغفرك ونتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
стр. 307
الأسئلة
стр. 308
مسائل حول تعدد الزوجات
السؤال
وردت أسئلة كثيرة حول مسألة تعدد الزوجات، ولها جوانب وأحد جوانبها يقول: هل الأصل تعدد الزوجات أو الأصل أن يكون للرجل زوجة واحدة؟ ثم بعض السائلين يشتكي من المشاكل التي تحدث بينه وبين زوجته وما يحدث بعد ذلك من تفككٍ بسبب رغبته في الزواج من زوجة ثانية، وبعض الزوجات تشتكي من سوء المعاملة عندما يتزوج الزوج زوجة أخرى، وأمثال ذلك من المشاكل التي تحدث من التعدد وبسببه، فنرجو -حفظكم الله- أن توضحوا حكم الله في هذه المسألة وهي مسألة تعدد الزوجات وما يتعلق بها، وما يمكن أن يحدث بين الزوجين بسببها؟
الجواب
أما تعدد الزوجات فقضية بيَّن الله حكمها وفصَّل فيها من فوق سبع سماوات، شرعٌ بينه الله في كتابه وشرعه على هدي رسول الله ﷺ ، فهذه القضية لا تحتاج إلى قول بعد قول الله ﵎، والمؤمن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يسعه إلا الرضا بما أمر الله تعالى به، وحينئذٍ نقول قد بين الله ﵎ مشروعية التعدد في كتابه فقال : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] وبناءً عليه يجوز للإنسان أن يطلب التعدد، وهو مقصود شرعاً لما فيه من تكثير سواد هذه الأمة المباركة، وإيجاد النشء الصالح وتربيته للقيام بواجبه ومسئوليته في طاعة الله وعمارة الكون بتلك الطاعة.
إذا تبين هذا فلن تكون المرأة مؤمنة، ولن يكون الرجل مؤمناً إلا إذا رضي بكتاب الله وبحكم لله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
فالمرأة المؤمنة الصالحة البرة المتقية تعي هذه القضية، قضيةٌ حكم الله فيها بكتابه وبين حكمها بكلامه -سبحانه- حكماً لا إشكال فيه ولا غموض ولا لبس فيه، فلا إيمان إلا بالتسليم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
إذا ثبت هذا واستقر، فإن الإسلام دين عدل لم يأمر الزوج أن يطلق عنانه بطلب الزوجات وتكثيرهن إلا بشروط وقيود بينها الله ﵎ بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] فإذا كان الرجل براً وفياً عادلاً مستقيماً، فإنه لا حرج عليه أن يعدد، فالله أذن له، ولن تكون المرأة مؤمنة حقاً إلا إذا رضيت بحكم الله عليها، وإذا أصبحت تضار الزوج وتضيق عليه وتؤذيه وتعنته، فوالله إن في رضاها بحكم الله دخن.
يا أمة الله! لمَ تخافين من حكم الله ﵎؟ ولمَ تمنعين عن هذه الأمة المباركة نسلاً صالحاً يعمر الكون بطاعة الله ومحبة الله؟ إنه لمن الشجى والأسى أن تدخل علينا العادات الغريبة، فتؤذي عبد الله وأمة الله في قضية بيَّن الله حكمها من فوق سبع سماوات.
الزواج إذا كان بتعدد وكان الذي عدد الزوجات رجلاً عادلاً مستقيماً، فلا حرج ولا عتب ولا غضاضة على المرأة، وكم من امرأة رضيت بالتعدد فأظهر الله فضلها به، كانت صالحةً طيبة مستقيمة ما عرف الزوج فضلها وصلاحها إلا لما تزوج غيرها فحمد أخلاقها وآدابها وعرف فضلها وشهد لها بالخير.
لذلك -إخواني في الله- لا ينبغي للإنسان أن يكون بعيداً عن منهج الشرع، ويغفل عن قضية حكم الله فيها من فوق سبع سماوات، والمرأة المؤمنة الصادقة في إيمانها ترضى بحكم الله ، وإذا كانت المرأة تخشى من هذه المرأة التي يراد إدخالها عليها أنها سيئة في خلقها سيئة في أدبها، فلا حرج عليها أن تقول لزوجها: لا أرضى بفلانة وأرضى بغيرها إن كانت برة مستقيمة، فلذلك ينبغي للمرأة الصالحة المستقيمة أن ترضى بحكم الله، وأن نرضى جميعاً بحكم الله، أليس عائشة الصديقة بنت الصديق قد تزوج عليها رسول الله ﷺ ، فمن أنتِ أمام هذه البرة الطاهرة المستقيمة العفيفة، وإذا كانت هذه أم المؤمنين الطاهرة المطهرة المزكاة من فوق سبع سماوات قد شرع الله التعدد عليها، فلم هذه الغضاضة؟ ولماذا هذا الحزن؟ يا أمة الله: القضية قضية حياة زوجية مستقيمة وليست بقضية عنت وتضييق وحرج.
كذلك لو أن كثيراً من النساء تفكرن في الموضوع، وكذلك كثير من الرجال فكروا فيه لوجدوا أنه مجرد وسوسة يؤثر الشيطان بها على القلب، وإلا فالمسلمون من قرون عديدة يعددون، وبالتعدد اجتمعت الأرحام واجتمعت الوشائج على اختلاف القبائل والأنساب، وكان في التعدد من الخير ما لا يعلمه إلا الله ، فكان البيت الواحد إذا أصيب بمصيبة أتت لها بيوت لا تحصى كثرةً، فهذا كله من خيره.
فلذلك لا ينبغي لإنسان أن يعترض على حكم فصَّل الله فيه من فوق سبع سماوات، ولا ينبغي للمرأة أو للرجل أو لأي شخص كائناً من كان أن يؤثر في هذا الحكم، أو يحاول أن يوجد ضعفه أو يلتمس فيقول: قد تغير الزمان فيتغير الحكم بتغير الزمان، بل ينبغي علينا أن نكون مؤمنين حقاً كما أمرنا الله أن نكون.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهب لقلوبنا رحمةً تجعلنا على التسليم والإذعان الذي يرضيه عنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 309
حكم طاعة المرأة زوجها في غير معصية الله
السؤال
عندما يطلب الزوج من زوجته الاستقامة وترك بعض المحرمات، كمشاهدة المسلسلات ورؤية التلفزيون أو غيره من الآلات الفاسدة الجامعة لبعض المفاسد، فترفض الزوجة الانصياع لذلك وتحدث المشاكل الزوجية، فما توجيهكم حفظكم الله لهؤلاء الزوجات ولغيرهن من أخواتنا المسلمات؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن محور هذا السؤال يدور حول قضية الطاعة للزوج، ذلك أن الزوج قد يطلب من زوجته أن تطيع الله ﵎، فلا تستجيب لذلك الأمر ولا تصغي له، والسؤال: ما الذي ينبغي فعله؟ والجواب: أنه ينبغي على المرأة أن تتقي الله وأن تكون على استجابةٍ لزوجها إذا دعاها لمحبة الله ومرضاته، ولذلك نص العلماء ﵏ على أنه يجب على المرأة أن تطيع زوجها بالمعروف، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ -والذي تقدمت الإشارة إليه- أن المرأة إذا أطاعت زوجها واتقت الله في بعلها فإنها تدخل الجنة من أي أبوابها شاءت، وهذا يدل على أن حرمان الزوجة من الجنة مرتبط بطاعتها لزوجها، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما خطب يوم العيد قال: (تصدقن يا معشر النساء فإنكن أكثر حطب جهنم، قالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ قال: بكفركن، قلنا: يكفرن بالله؟ قال: وإنما يكفرن العشير).
فالمقصود أنه ينبغي للمرأة أن تكون مطيعةً لزوجها مصغيةً إليه، خاصةً إذا أمرها بطاعة الله ومرضاته والعكس بالعكس، فإنها إذا عصت زوجها في أمرها بطاعة الله ﵎ فقد خرجت عن هدى الله المستقيم وطريقه القويم وهي آثمة شرعاً، ولذلك قال بعض العلماء: إذا أمر الزوج زوجته بطاعة الله فلم تطع الله ونهاها عن معصية الله فلم تتق الله بترك تلك المعصية أثمت من وجهين: الوجه الأول: عصيانها لربها بفعل تلك المعصية.
والوجه الثاني: عصيانها لزوجها بعدم الاستجابة له إذ أمرها بطاعة الله.
فلذلك ينبغي للزوجات أن يتقين الله ﵎ وأن يبتعدن كل البعد عن معصية الزوج إذا أمر بطاعة الله، ولا خير في امرأة لا تقدر لزوجها إذا أمرها بطاعة الله قدره وتستجيب له، إنها لمن نعم الله ﵎ على المرأة المسلمة أن توفق بزوج يدعوها إلى طاعة الله ومحبته، والله تعالى أعلم.
стр. 310
إذا اجتمع حق الزوجة وحق الأم فأيهما يقدم ؟
السؤال
هناك مشكلة أخرى كثر السؤال عنها ولها وجهان: ألا وهي علاقة الرجل بزوجته وأمه، فكثرت الأسئلة حول هذه العلاقة فأسئلة تقول: إن بعض الأزواج يهملون أمهاتهم لصالح زوجاتهم، أي إنهم يجورون في معاملتهم لأمهاتهم من أجل زوجاتهم، والعكس أيضا، فطائفة أخرى تشتكي بأن بعض الأزواج يهملون زوجاتهم ويخلون بحقوقهن من أجل أمهاتهم، وبعض الأمهات يتدخلن في شئون أبنائهن وزوجاتهم، ويفتحن أبواباً للمشاكل كبيرةً، وطائفة أخرى تقول: إن أمهات الزوجات يتدخلن في إيجاد مشاكل زوجية وأمور خلافية بين الأزواج؟
الجواب
هذا السؤال يدور حول قضية مهمة وهي أن الزوج قد يقع بين خيارين: بين بِر الوالدة وكذلك طاعة الزوجة أو الإحسان إليها في أمر ما!! فيقف بين هاتين القضيتين: الأم ترغب شيئاً ما والزوجة ترغب شيئاً خلافه أو لا ترغب في ذلك الشيء الذي ترغبه الأم، كيف يتصرف المؤمن أمام هذين الخيارين المتناقضين؟ فبعض الأزواج يفضل رأي الأم مطلقاً ويصغي لها حتى إلى درجة أنه يضيِّع بسببها حقوق زوجته، وبعض الأزواج -أيضا- يفضل رأي الزوجة ولو كان على حساب بِر الوالدين.
فهاتان قضيتان هامتان يقف المسلم أمامهما: القضية الأولى بِر الوالدين وهو فرض لازم على المكلف ولازم على الزوج، إذا أمرته أمه أو أمره أبوه في غير معصية من معاصي الله وجب عليه أن يطيع، وكذلك الزوجة لها حق حسن العشرة فلذلك أقول: ينبغي للسائل أن يوازن بين رأي الأم ورأي الزوجة فلا تخلو القضية من أمرين: الحالة الأولى: إما أن تكون قضيةً شرعيةً قد فصل الله حكمها من فوق سبع سماوات، فلا خيار للأم ولا للزوجة، بل طبق ما أمرك الله بتطبيقه، إذا وقفت في الخيار وكان الخيار في قضية شرعية واجبة أو نهي عنها، فقدم أمر الله وشرع الله سواءً كان مع الأم أو كان مع الزوجة.
الحالة الثانية: أن يكون في القضايا التي وسع فيها كفضول الأمور، فحينئذٍ بِر الوالدين فرض لازم وقد تعارض بِرٌ واجبٌ مع أمر قد يكون من المستحبات كالإحسان إلى الزوجات، فلو فرضنا أن أماً دعت ابنها في عصر ذات يوم إلى أن يأتيها لقضاء حاجةٍ تحتاجها وقالت المرأة: إنها تريده لأمر ما من الفضول كالخروج في نزهة ونحوه من فضول الأمور، فحينئذٍ لا إشكال في أنه يقدم بِر الوالدة وطاعتها على تلك الزوجة؛ لأن الله تعالى أوجب على الإنسان أن يبر والديه وهذا فرض، وأما الإحسان في العشرة فإذا لم يصل إلى مراتب الفروض والواجبات فحينئذٍ لا إشكال في تقديم غيره عليه كما قرر العلماء ذلك في المسألة المعروفة بازدحام الفروض، يعني: إذا اجتمع فرضان أيهما يقدم؟ فالمقصود أنه إذا كانت هذه الأمور من الأمور الموسعة فيقدم بِر والدته على حق زوجته.
أما إذا كانت من الأمور الواجبة كأن تحتاج المرأة أمراً واجباً عليه كالنفقة والسكنى ونحو ذلك، فحينئذٍ لا إشكال، يبر والدته في غير معصية الله؛ لأنه إذا برها في هذه الحالة التي يضيع فيها حق الزوجة، كان في هذه الحال مطيعاً للأم في معصية الله، فحينئذٍ يقدم حق الزوجة والأبناء والبنات على بره لوالدته.
إذاً إما أن نقول: تكون القضية شرعيةً، فيعمل بوفق الشرع، هذه الحالة الأولى.
والحالة الثانية أن تكون قضيةً موسعاً فيها فحينئذٍ يقدِّم الفروض على المستحبات، وإذا اجتمعت الفروض كان التقديم فيها كما سبق بيانه والله تعالى أعلم.
стр. 311
مواقف من الآخرة
الموت هو المصير المحتوم الذي أوجبه الله على كل حي في هذا الكون، وهو مصيبة، ولكن المصيبة العظمى والأدهى ما بعد الموت: من سؤال منكر ونكير، ومن بعث وحساب، مشي على الصراط.
فالاستعداد لما بعد الموت أمر مطلوب، وذلك بالعمل بما يرضي الله ، واجتناب معاصيه، وتذكر الآخرة وأهوالها، فإنه عامل مساعد على الاستقامة على دين الله جل وعلا.
стр. 312
ساعة الاحتضار وحال العبد عندها
الحمد لله الذي خلق الخلق فأحصاهم عدداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وإليه المآب والمرجع يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فيا إخواني في الله! وقفات ولحظات مع البرزخ والدار الآخرة، لقطات وومضات مع السفينة الماخرة إلى ذلك اللقاء المشهود، واليوم الموعود إلى لقاء رب العالمين وملك يوم الدين مواقف تهتز لها قلوب المتقين، وتَجِلُ لها أفئدة الخاشعين المتقين.
الآخرة ما الآخرة؟ هي التي أقضت مضاجع الصالحين، فكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، عرفوا ربهم وعظّموا خالقهم ووجلت أفئدتهم من هيبة المقام بين يديه.
الآخرة ما الآخرة؟ وما أدراك ما الآخرة؟ هي التي حرمت الأخيار لذة النوم والكرى، وانفطرت لها أفئدة المتقين العابدين، فساروا إلى الله حثيثاً، أما الأموال فبذلوها لوجه الله، وأما جاه الدنيا فسخروه لمحبة الله، الآخرة لا يعرف حقها وقدرها إلا من عرف عظمة الله وعرف هيبة الموقف بين يدي الله وقد تحدثت عنها آيات التنزيل فما تركت للعبد من قيل الآخرة التي بيّن النبي ﵌ أن السعيد فيها سعيد، وأن المحروم فيها شقي طريد.
أول منازل الآخرة وأول وقفة لنا معها، هي في تلك اللحظات التي يلقي العبد فيها آخر النظرات على هذه الدنيا، أول منازل الآخرة: إذا وجل الفؤاد من لقاء الله ﵎، وتهيأ للرحيل، فساعة الرحيل أول موقف يراه العبد من الآخرة، هناك حيث تبدو المعالم واضحة، هناك حيث تنتاب السكرات، وتعلو الزفرات، وتفيض العين بالعبرات، ويَجِلُ العبد من خشية الله ﵎، إنها الساعة التي يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر، يلقي العبد فيها نظراته على الأبناء والبنات، على الإخوان والأخوات، على الأصحاب والخلان، على الأحباب والإخوان، يُلقي آخر النظرات مودعاً وإلى ربه منتقلاً.
أول موقف من مواقف الآخرة إذا حانت ساعة الفراق ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٩ - ٣٠] فهناك حيث يزول الغرور، ويبدوا للعبد هول البعث والنشور هناك حيث تزول عن العبد سكراته، وتذهب عنه آماله وطموحاته، تتنزّل عليه ملائكة الله تؤذنه بالرحيل من الدنيا هناك حيث يبكي العبد بكاء الندم، رب! ارجعون، رب! ارجعون ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون:١٠] ينادي بقلب متقطع، ونفسٍ متقطعة من الحنين والألم، عرف قدر الأيام والليالي، وعلم أن الله لم يخلقه عبثاً، وأنه لم يُوجد في هذه الحياة سدى، هناك حيث يُوقن العبد بلقاء ربه.
стр. 313
تبشير الملائكة للمؤمن عند حضور أجله
إن أسعد اللحظات وأعزها على المؤمن إذا دنت ساعة الرحيل، تلك الساعة التي لا كرب بعدها على المؤمن أبداً، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه لما طفقت سكرات الموت عليه، قالت فاطمة ﵂: (واكرب أبتاه، فقال ﵌: لا كرب على أبيك بعد اليوم) لقي الحبيب حبيبه، ولقي المؤمن من كان يتمنى لقاءه، كم اشتاق إلى لقاء الرحمن! وكم اشتاق للنقلة إلى دار الجنان! في تلك الساعة حيث تتنزل ملائكة الرحمن على ذلك العبد الصالح، تبشره بما عند الله من المثوبة، فيحب لقاء الله، فيحب الله لقاءه، ففي الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (إذا حضر العبد الموت، تنزلت عليه الملائكة فبشرته بما عند الله من المثوبة فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه)، إن العبد إذا دنت ساعته، وحانت قيامته، وبدت سكراته وزفراته، عندها إما محسن سعيد بربه، وإما مسيءٌ شقي بعمله.
دخل أبو حازم ﵀ على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: يا أبا حازم! كيف القدوم على الله؟ فقال ﵀: أما المحسن فكالمسافر يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على سيده.
إن المؤمن إذا بدت له معالم الآخرة، تنزلت عليه الملائكة فبشّرته بما عند الله من العفو والرضوان؛ فثبتت له الجنان وأورثت في القلب حباً وأورثت في القلب لهفاً وشوقاً إلى لقاء ملك الملوك إلى لقاء رب العالمين، واشتاق القلب إلى الجنان وإلى لقاء الصديقين والشهداء والصالحين، بشرته بلقاء الله، فأحب لقاء الله، وقد بيّن الله ﵎ تلك اللحظات وقص بيانها في التنزيل، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
إذا حضر الموت للمؤمن وجد الحزن والشجا على فراق أبنائه، نظر إلى أبنائه فخاف عليهم العالة والفقر من بعده، خاف ألا يجد اليد الأمينة التي ترعاهم بعده، وخاف أن يجدوا من ضنك الدنيا وشدتها، فعند ذلك يحزن قلبه ثم يلتفت ويقلب عينه، ليرى ما أمامه في الآخرة فيخاف أهوالها وشدة نكالها، فعند ذلك يبشر بالأمرين، ألا تخافوا مما أنتم قادمون عليه، ألا تخافوا من لقاء الله، وألا تحزنوا على فراق الأبناء والذريات، عجبٌ والله! إن الله ﵎ تكفل للمطيع أن يرعى ذريته، حتى من بعد فراقه للدنيا، ولذلك انظروا إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يبعثه الله ﵎ مع عبدٍ من عباد الله الصالحين، لكي يرفع جداراً، فيقول ذلك العبد الصالح قاصاً للنبي خبره: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] قال بعض المفسرين: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) إنه الجد السابع لهما، الله أكبر! صلاح العبد يحفظ الله به الذرية إلى سابع ابن من النسل، فالله وفيٌ لعبده بعهده، ومن أوفى من الله عهداً؟ إن الطاعات والقربات ومحبة رب البريات والإقبال على الله في هذه الحياة والتقرب إليه في اللحظات والحركات والسكنات له موقع عند الله ﵎ عظيم لا يعرفه العبد إلا إذا لقي ذلك الرب الذي تعبّده، وذلك السيد الذي أطاعه، فيعرف ثمرة الطاعات إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة.
إن أول بشائر الرحمات وبشائر الفوز بالجنات تتنزل على العبد إذا اشتدت عليه الكربات وبدت في السياق الحسرات، وحشرجت في النفس ما تجده من أنين السكرات، حينئذ يتنزل من الله على العبد من البشائر والرضوان، لذلك لا يعرف العبد قيمة هذه الساعات وهذه اللحظات إلا إذا رأى هذا الموقف الأول من مواقف الآخرة، عندها يبكي على ساعات الليل والنهار بكاء الحرقة والندم عندها يعرف قيمة هذه اللحظات التي متّعه الله بها، وأكرمه بما أكرمه به من نعمه.
стр. 314
القبر أول منازل الآخرة وحال السلف عند تذكره
أما الموقف الثاني من مواقف الآخرة: هي تلك اللحظات التي يُدلّى فيها العبد إلى قبره، ويُوسد في لحده وشقه، وعندها تبدو حقائق الأمور للعبد، فأول ما يرى العبد الملكين حينما يقعدانه في ذلك المضجع.
قف على القبر فانظر إلى ذلك الميت المسجى، ثم انظر إليه إذا تدلى، ثم انظر إليه إذا صف إلى القبلة، فعندها تعلم أن للحياة خبراً وشأناًَ، إن القلوب المؤمنة تعي حقائق هذه المواقف، فبعد تلك الضجعة أهوالٌ لا يعلمها إلا الله ونعيم وسرورٌ ومننٌ من الله ﵎ لم تخطر للعبد على بال.
إخواني في الله! تهيئوا وتجملوا لهذا اللقاء الأكبر بالصالحات، حتى إذا أُضجع العبد إلى قبره وأوسد في لحده جاءه ذلك العمل الصالح، فرآه فقال: من أنت فوالله لوجهك الذي يأتي بخير؟ فيقول له: أنا عملك الصالح.
نعم، إنها الكلمات الطيبات، من ذكر للرحمن وتلاوة للقرآن، والتعبد إلى الله بالطاعات والقربات، هذه الأعمال التي يجد العبد آثارها إذا لقي الله جل وعلا وحيداً فريداً في قبره، موسَداً في لحده، وقد كان السلف الصالح ﵏ كلما تذكروا ضجعات القبر أورثهم ذلك الخوف وأورثهم المسارعة إلى قيام الليل وصيام النهار، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
ثبت في الحديث الصحيح عن عثمان ﵁ أنه كان إذا وقف على القبر بكى، وكان إذا ذُكرت له الجنة والنار لم يبك مثل بكائه للقبر، فقالوا له: (تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتذكر القبر وتبكي، قال: أخبرني خليلي رسول الله ﵌، أن القبر أول منزل من منازل الآخرة).
إنها كلمات صادقة من نبيٍ كريم فالقبر أول منزلٍ من منازل الآخرة، فتفكّر أخي في تلك الليلة الأولى إذا أضجعت في تلك اللحود وحيداً فريداً بالأعمال والأقوال تذكر أخي تلك الليلة! أول ليلة تمر عليك في القبر تذكرها فإن لها في قلوب المؤمنين وقعاً، إن لها في قلوب الصادقين أثراً، إن لها أثراً يدفع إلى الطاعات ويجعل العبد في جدٍ واجتهاد من المرضاة، تذكر أول ليلة في القبر، وحفز النفس للقاء الله، وتهيأ وتجمل بالعمل الصالح لعلك أن تصيب من رحمة الله ما يكون لك سبب في النجاة من ذلك الهول.
ورد عن المروزي ﵀ -صاحب الإمام أحمد - أنه قال: أتيت في ليلة من الليالي، فسرت حتى آخر الليل، فلما أردت أن أنام قمت فصليت ركعتين ثم أوترت ونمت، قال ﵀: فرأيت في نومي رجلاً يقول: من أنت فقد آذيتني رحمك الله ليلتي؟ لأنه كان نائماً على القبر، وقد صح عن النبي ﵌: (أنه نهى عن الجلوس على القبر)، فقال المروزي لصاحب القبر: من أنت؟! فقال: أنا مقبور تحتك، فقال: حدثني عن الآخرة، فقال له: إنا في دار علم لا عمل عندنا، وأما أنتم ففي دار العمل ولا علم عندكم، والله لو تعلم ما لركعتيك هاتين عند الله؛ لكانت لك خيرٌ من الدنيا وما فيها.
ولو كشف الله لنا عن تلك القبور وما فيها من الأهوال، وما فيها من سعادة أهل السعادة ما فيها من نظرة النعيم لأهل الطاعات والقربات، ما فيها من نفحات رب العالمين، ورحمات ملك يوم الدين؛ لهانت -والله- على العبد الدنيا.
جاء في الحديث الصحيح عن أنس ﵁، أن النبي ﵌ قال: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله بالبكاء)، إن الذي يعلم حقائق القبور هو رب العالمين، ممتِّع الصالحين برحماته، ومهين العاصين بعقوبته ونكاله، لذلك إخواني فتلك هي المحطة الثانية التي يراها الإنسان إذا حُط فيها تبينت وتبدت له معالم الآخرة.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌: (إن العبد الصالح إذا سُئل من الملكين، فأجاب -بتثبيت الله له -فتح له في قبره، ومُد له مد بصره، فيقول: يا رب! أقم الساعة، يا رب! أقم الساعة، يا رب! أقم الساعة)، يقول ذلك حنيناً إلى لقاء الله وشوقاً إلى رحمة الله؛ لأنه علم أن ما وراء هذا القبر أعز وأسمى عند الله .
стр. 315
موقف البعث والنشور
أما الموقف الثالث فموقف عصيب رهيب يلي القبر وهو: موقف الحشر والنشر، وقد بينه الله ﵎ بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٧٠] إذا بدت تلك الصيحة، خرجت الأمم جماعات وأرسالاً، ينادي منادي الله: يا أيتها العظام النخرة! يا أيتها الأجساد البالية! فتخرج من تلك القبور، فلو رأيتها لعَظُم عليك موقعها، وقد بيّن الله ﵎ أحوال الصادقين والكاذبين في لقاء تلك الساعات، فقال جل من قائل: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] فهذه صيحة للجميع وزجرة واحدة: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٤] الساهرة هي: أرض المحشر، أرضٌ لم تعمل عليها خطيئة قط، يخرج العبد للقاء الله وحيداً فريداً، لكي يلقى الله بقوله وفعله.
стр. 316
موقف الحساب وشدته
وأما الموقف الرابع فقد بين النبي ﵌ خبره، فهو ما بعد نفخة الصور، وما بعد هول البعث والنشور، وهو الموقف للحساب، فقد صح عن النبي ﵌ قوله: (إن الله ﵎ يجمع الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، فينزل العرق في الأرض سبعين ذراعاً) فلو تذكّر الإنسان ذلك الموقف عندما يكون واقفاً بين يدي الله ﵎ ليس له ظلٌ إلا العمل الصالح، ليس له شفيع ولا موجب لذهاب ذلك الهم والغم سوى عمله الصالح، وتلك الطاعات والقربات، فهي التي تزيل عن العبد لفح شمس يوم الدين، وتزيل عنه همه وغمه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أن الله جل وعلا يجعل ذلك اليوم على العبد المؤمن كأنه ساعة واحدة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يمر على العبد كاللحظة الواحدة إذا كان مؤمناً.
إن هذه المواقف ليس فيها شفيع ولا عملٌ تتبدى به عند لقاء الله أجلّ وأسمى من فعل الطاعات والتقرب إلى الله ﵎ بها، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ وقد ذكر الله تعالى من أخبار عباد الله الذين جدّوا واجتهدوا في مرضاة الله بأنهم بعيدون عن تلك اللفحات، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] إذا لقي العبد تلك الشدائد ثم وجد من تيسير الله فذلك بفضل الله أولاً، ثم بصلاح قوله وعمله.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أُظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) المحبة في القلوب أوجبت للعبد في ذلك الموقف الرهيب العصيب شفاعة بين يدي الله ، فكيف بمن جد في الطاعات وشمّر في المرضاة؟!
стр. 317
المرور على الصراط وحال المارين عليه
وأما الموقف الخامس من مواقف هذه الدار فهو: الاجتياز على الصراط -أي: المرور على الصراط-، فمن شدّته وهوله ما يجعل العبد داعياً لنفسه أن يُعد العدّة للقاء ربه في ذلك اليوم، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (يضرب الصراط على متن جهنم، وينادى العباد: أن مروا عليه، وكل يمر بقدر عمله) وصح في الحديث -أيضاً- عن النبي ﵌ أنه قال: (تقول النار: جُزْ يا مؤمن، جز يا مؤمن، فقد كاد نورك يطفئ لهبي) نور الطاعات نور القربات نور الصلاة نور ما تحبب به إلى الله ﵎ في ليله ونهاره، إنها الطاعات التي بقيت بعد الممات شافعة وموجبةً لنجاة العبد بين يدي الله ﵎.
وقد ورد في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (لا يزال المؤمن في هم وغم وكرب، حتى يخلِّف جسر جهنم وراء ظهره) هذا الجسر الذي ورد أن العبد يجوزه حتى يصل إلى منتصفه فتخطفه كلاليب النار والعياذ بالله، بذنبٍ أصابه أو بحدٍ انتهكه، فالله أراد أن يُطهره بالنار من ذلك الذنب بسبب نفاق في قلبه أو رياءٍ في عمله، أو نفسٍ أراق دمها، أو حُرمة انتهكها أو زنية أصابها، أو كأس خمر شربها، يعذب بالنار على قدر تلك الإساءة ويُكبكب فيها -والعياذ بالله- على قدر ما أصاب من حدود الله دعوى الأنبياء في تلك الساعة الرهيبة: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.
ومن صفات هذا الصراط: أنه أرقّ من الشعرة، وأحد من السيف، يمرُّه المؤمن كالبرق الخاطف بسبب تلك الطاعات التي تحبب بها إلى الله ﵎، إن من عمَّر الليالي والساعات واللحظات بذكر الله ﵎ وبمحبة الرحمن، واشتغل بذكر الديان، وأصبح يراقب الله في حركاته وسكناته، كل ذلك يشفع له من تلك الأهوال وينجيه من ذلك الفزع، ولن يخيب عند الله سعيه، ولن يضيع عند الله عمله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] كيف يضيع الله من كفل الأيتام وقام على الأرامل ورعى ضعفة المسلمين؟ كيف يضيع الله من فرّج الكربات؟ كيف يضيع الله عبداً فرّج الكربات وتنافس في المرضاة وتسابق إلى الطاعات؟! كيف يضيع عند الله سعيه؟ أم كيف يضيع عند الله عمله؟ إخواني! إن التجارة مع الله رابحة، فلنعدها للقاء الله.
إن ذكر هذه المواقف ليست قصة تذكر، وليست موعظة تمر؛ ولكنها لكي تحرك النفوس للقاء الله، وتحركنا أن نتذكر ونتبصر فيم يمضي الليل والنهار؟ فإلى متى ونحن عن الله غافلون؟ وإلى متى ونحن عن رحماته بعيدون؟ إلى متى ونحن عن هذه المواقف المفزعة المرهبة غافلون؟ إن هذه المواقف توقظ القلوب النائمة وتنبه القلوب الحائرة للمسير إلى العلي الكبير، تنبهها من هذه الغفلة التي طفقت بسبب وساوس الشيطان وخطراته، فكم للشيطان من مصائد أعدها لأولياء الله المتقين من التسويف في التوبة والتأخير في الإنابة والحوبة.
لذلك إخواني! أدعوكم إلى التفكر في مثل هذه المواقف، والقرآن قصة حقيقية، ذكر الله ﵎ فيها مشاهد الآخرة وقص فيها خبرها، يعيها ويتذكر بها ويتبصر بها من أحيا الله قلبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
سئل رجل من السلف -وكان رجلاً صالحاً مجداً في طاعة الله ﵎، فكان يصوم يوماً ويُفطر يوماً، ولا يأتي ثلث الليل الآخر إلا وهو قائم بين يدي الله يتهجد- قالوا له: كيف أصبت هذه النعمة العظيمة من الله ﵎؟ فقال: صورت نفسي أنني في نزعات الموت، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأزداد من صالح العمل، ثم صورت نفسي كأنني في ضجعة القبر، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأزداد من صالح العمل، ثم صورت نفسي وقد حُشرت ونشرت وبُعثت بين يدي الله ووقفت، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا، وأزداد من صالح العمل، فقلت: يا نفس، هذه الدنيا وهذه الأمنية التي ترضَين، فجدي واجتهدي في مرضاة الله ﵎.
فانظر كيف كان السلف يشغلون القلوب بذكر الآخرة؛ لأن ذكر الآخرة حياة للقلوب، وتدعوها إلى المسير إلى الله، وتدعوها إلى أن تكون واعية، لم خلقها الله وأوجدها؟ إذا وعت ذلك، حينها تستريح نفس المؤمن بطاعة الله ﵎ وتنفر من معصيته.
إن هذه المواقف ذكرها حياة للقلوب، ودعوة للإقبال على علام الغيوب إن ذكر الآخرة دعوة لكي نحيي القلوب بذكر الله ﵎، ونعمُر الأيام والليالي بمحبة الله قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه﴾ [الحديد:١٦] إلى متى والإنسان في غفلة؟ إلى متى وهو في تسويف من طاعة الله؟ مهما بلغنا من الطاعات فإن وراءنا طاعات وقربات، والله أجل وأعظم مما نتصور إن وراءنا من الخيرات والطاعات التي فتح الله أبوابها وسهل السبيل إليها لهذه الأمة ما لم نصبه وما لم نصل إليه في يوم من الأيام.
إخواني في الله! ذكر هذه المواقف فيه دعوة لنا أن نقبل على الله ﵎، وآخر ما يوصى به العبد من ذكر هذه المواقف: أن تكون الآخرة زاجرة له عن حدود الله وعن كل ما لا يُرضي الله ﵎، إن الذي يعي حقائق الآخرة ويعلم أنه سيرتحل في السفينة الماخرة للقاء الله بعيدٌ عن محارم الله التي بينه وبين ربه، وعن محارم الله التي بينه وبين عباد الله ﵎، أما اللسان فقد كبح جماحه عن أن يتعدى حدود الله، وأما الأعضاء فقد سخرها في محبة الله ومرضاته.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكر الآخرة، وأن يجعل أسعد اللحظات وأعزها وأشرفها لحظة الوقوف بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 318
عدة الداعية
الدعوة إلى الله مسئولية كل من ينتسب إلى الإسلام بحسب جهده وعلمه، ومما ينبغي للداعية أن يتسلح به أثناء دعوته إلى الله: الإخلاص، والعلم، والأخلاق العالية الحسنة، كما أن عليه أن يترفق بالناس عند دعوتهم.
стр. 319
الدعوة إلى الله أمانة في أعناقنا
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهدُ أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى جميع أصحابه الغر الميامين، وعلى من اهتدى بهديهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! أيُ شيءٍ أعظم وأجل وأكرم من رضوان الله على عبده؟ هذا الرضوان الذي شهد الله ﷻ أنه أكبر من كل شيء، فقال سبحانه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ أخبرنا: (أن أهل الجنة إذا نزلوا في منازل الجنة، ورأوا نعيمها، وذاقوا لذتها وسرورها، وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفورٌ شكور، قال الله جل وعلا: ألا أزيدكم؟ فيقولون: ربنا أعطيتنا وأعطيتنا، فيقول الله ﷻ : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً).
إذا رضي الله على عبده أرضاه وسدده ووفقه، وجعل السعادة بين عينيه، ولذلك كتب الله لأوليائه بسعادة الدنيا والآخرة.
وأحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه -سبحانه- من تمسك بدينه والتزم بشريعته، الذي أحب الله من كل قلبه وظهرت آثار هذه المحبة في جوارحه.
أسعد الناس بالله، من عرف الله؛ فهابه واتقاه، والتزم حدوده جل في علاه، ولقد اصطفى الله جل وعلا لهذه السعادة أحب الخلق إليه، وأكرمهم عليه، وهم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
اصطفى الله الأنبياء والرسل، فجعل من دلائل حبه لهم أن حمّلهم الأمانة، وقلّدهم المسئولية، فجعلهم أمناء على وحيه ودينه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
لقد حمل رسل الله أمانة الله إلى عباده، على نورٍ من الله، يرجون رحمته، فأدوا رسالته، وبلغوا أمانته، وقرت عيونهم برضوان الله عليهم، ثم اصطفى الله ﷻ لختم هذه الصفوة -خير خلقه وأفضل رسله وأكرمهم عنده سبحانه- نبينا ﷺ .
اختاره الله ﷻ خاتماً للأنبياء والمرسلين، وهدىً لعباده المتقين، ما ترك باب خيرٍ إلا دلنا عليه، ولا سبيل رشدٍ إلا هدانا إليه، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف -بإذن الله- عن العباد الغمة، ووقف أمام الأمة يوم حجة الوداع، فأشهد الله من فوق سبع سماوات أنه بلغ رسالته، وأدى أمانته، ورجع إلى طيبة الطيبة، ففاضت روحه ولقي الله ﷻ ، حمل هذه الأمانة من بعده الصحابة الكرام، الأئمة الأعلام، الذين هم القدوة بعد رسول الله ﷺ ، حملوا هموم الدعوة، هموم الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالة الله ﷻ ، وأحس كل صحابي أنه مسئولٌ أمام الله عما سمعته أذنه وأبصرته عيناه ووعاه قلبه، فنشر أصحاب رسول الله ﷺ السنن والآثار، وحدثوا بالسيرة والأخبار، ففتح الله بها قلوباً غلفاً وأذانٌ صماً وأعيناً عمياً، وقادوا إلى صراطٍ مستقيم.
حمل الصحابة رضوان الله عليهم سنة رسول الله ﷺ للأمة، وبلغوا الرسالة، فكانوا خير قدوةٍ بعد النبي ﷺ في الدعوة إلى الله.
كان أشبه الناس برسول الله ﷺ -في علمه وحلمه وعمله ودعوته- هم الصحابة ﵃ وأرضاهم، وما زالت الأمة تحمل هذه الأمانة وهذه المسئولية، جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل، ووقفنا -أيها الأحبة في الله- في هذا الزمان، بعد أن مضت قرونٌ عديدة وأزمنةٌ مديدة بيننا وبين رسول الأمة ﷺ .
وقفنا أمام هذه الشريعة الغراء، بعد أن ذاق من شاء الله رحمته، ذاق لذة الهداية وطعم العبودية لله والولاية، فأخذ يتساءل: كيف أبث هذا الخير، وأدعو الناس إلى الإحسان والبر، فما من مسلم يهديه الله إلى صراطه المستقيم ويذوق لذة هذا الدين إلا تمنى أن الأمة كلها تشاركه في هذا الخير الكثير من ذاق حلاوة الإيمان ولذة العبودية للرحمن تمنى أن هذه الأمة كلها تشاركه هذا الخير، ولذلك يرد
السؤال
كيف السبيل؟ ما هو الطريق الأمثل للدعوة إلى الله وتبليغ رسالته؟
стр. 320
أهمية الإخلاص في الدعوة إلى الله
على الداعية إلى الله أن يعلم علم اليقين أن أول ما يجب عليه، أن يخلص لله ﷻ ، ما كان لله دام واتصل، وما من داعية إلى الله يخلص في قلبه إلا أظهر الله له التوفيق والسداد في جوارحه وأعماله، وفتح الله أبواب الخير أمام دعوته وكلماته ومواعظه؛ لأن الله سبحانه يحب ما كان خالصاً لوجهه، ولا يرضى من الأقوال والأعمال إلا ما أريد به وجهه.
من كان لله كان الله له، ومن وطئت قدماه سبيل الدعوة إلى الله، مفرغ القلب من كل شيءٍ سواه، ملأ الله قلبه بالحكمة والنور والتوفيق والسداد، وجعل الله البركة والخير في قوله وعمله.
فقبل كل شيء: أن يخلص الإنسان، فإذا تكلم سأل نفسه: لمن يتكلم؟ وإذا خطب أو وعظ أو ذكّر: هل هذا الكلام لله، أو لأحدٍ سواه؟ فالوقفة الأولى: أن يخلص الداعية في عمله لله: إن الله سبحانه مطلعٌ على القلوب والضمائر، مطلع على من يريد وجهه ومن يريد حظوظ الدنيا، ومن أراد الإخلاص لله، فليعلم أن التجارة مع الله رابحة، وأنه إذا سلك سبيل الإخلاص، فلم يتكلم بكلمة إلا خطها الملك الأمين الحافظ؛ لكي يراها العبد أمام عينيه يوم القيامة حجةٌ له لا عليه.
من أراد أن يدعو إلى الله، فليعلم أن هذا الدين لله وليس لأحدٍ سواه، لا يدعو للدنيا ولا يدعو رياءً، لا يدعو ليمدح أو يثنى عليه، ولكن لله ﷻ ، فلا يقف أمام الناس إلا وقلبه معمورٌ بالله، فطوبى لقلوبٍ آمنت وأسلمت وأخلصت، فنظر الله إليها -يوم تكلمت ووعظت وقالت- أنها تريد وجهه، وتريد أجره ورضوانه ورحمته، وما ضرتنا إلا حظوظ من الدنيا ساقتنا عن سبيل الله إلى سبيل من سواه ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].
الداعية الموفق نظر إلى ما عند الله، فعلم أنه باقٍ وما عند سواه فانٍ زائل ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
следующие страницы →