Полный текст (1 035 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
موقف الحساب وشدته
وأما الموقف الرابع فقد بين النبي ﵌ خبره، فهو ما بعد نفخة الصور، وما بعد هول البعث والنشور، وهو الموقف للحساب، فقد صح عن النبي ﵌ قوله: (إن الله ﵎ يجمع الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، فينزل العرق في الأرض سبعين ذراعاً) فلو تذكّر الإنسان ذلك الموقف عندما يكون واقفاً بين يدي الله ﵎ ليس له ظلٌ إلا العمل الصالح، ليس له شفيع ولا موجب لذهاب ذلك الهم والغم سوى عمله الصالح، وتلك الطاعات والقربات، فهي التي تزيل عن العبد لفح شمس يوم الدين، وتزيل عنه همه وغمه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أن الله جل وعلا يجعل ذلك اليوم على العبد المؤمن كأنه ساعة واحدة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يمر على العبد كاللحظة الواحدة إذا كان مؤمناً.
إن هذه المواقف ليس فيها شفيع ولا عملٌ تتبدى به عند لقاء الله أجلّ وأسمى من فعل الطاعات والتقرب إلى الله ﵎ بها، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ وقد ذكر الله تعالى من أخبار عباد الله الذين جدّوا واجتهدوا في مرضاة الله بأنهم بعيدون عن تلك اللفحات، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] إذا لقي العبد تلك الشدائد ثم وجد من تيسير الله فذلك بفضل الله أولاً، ثم بصلاح قوله وعمله.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أُظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) المحبة في القلوب أوجبت للعبد في ذلك الموقف الرهيب العصيب شفاعة بين يدي الله ، فكيف بمن جد في الطاعات وشمّر في المرضاة؟!
стр. 317
المرور على الصراط وحال المارين عليه
وأما الموقف الخامس من مواقف هذه الدار فهو: الاجتياز على الصراط -أي: المرور على الصراط-، فمن شدّته وهوله ما يجعل العبد داعياً لنفسه أن يُعد العدّة للقاء ربه في ذلك اليوم، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (يضرب الصراط على متن جهنم، وينادى العباد: أن مروا عليه، وكل يمر بقدر عمله) وصح في الحديث -أيضاً- عن النبي ﵌ أنه قال: (تقول النار: جُزْ يا مؤمن، جز يا مؤمن، فقد كاد نورك يطفئ لهبي) نور الطاعات نور القربات نور الصلاة نور ما تحبب به إلى الله ﵎ في ليله ونهاره، إنها الطاعات التي بقيت بعد الممات شافعة وموجبةً لنجاة العبد بين يدي الله ﵎.
وقد ورد في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (لا يزال المؤمن في هم وغم وكرب، حتى يخلِّف جسر جهنم وراء ظهره) هذا الجسر الذي ورد أن العبد يجوزه حتى يصل إلى منتصفه فتخطفه كلاليب النار والعياذ بالله، بذنبٍ أصابه أو بحدٍ انتهكه، فالله أراد أن يُطهره بالنار من ذلك الذنب بسبب نفاق في قلبه أو رياءٍ في عمله، أو نفسٍ أراق دمها، أو حُرمة انتهكها أو زنية أصابها، أو كأس خمر شربها، يعذب بالنار على قدر تلك الإساءة ويُكبكب فيها -والعياذ بالله- على قدر ما أصاب من حدود الله دعوى الأنبياء في تلك الساعة الرهيبة: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.
ومن صفات هذا الصراط: أنه أرقّ من الشعرة، وأحد من السيف، يمرُّه المؤمن كالبرق الخاطف بسبب تلك الطاعات التي تحبب بها إلى الله ﵎، إن من عمَّر الليالي والساعات واللحظات بذكر الله ﵎ وبمحبة الرحمن، واشتغل بذكر الديان، وأصبح يراقب الله في حركاته وسكناته، كل ذلك يشفع له من تلك الأهوال وينجيه من ذلك الفزع، ولن يخيب عند الله سعيه، ولن يضيع عند الله عمله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] كيف يضيع الله من كفل الأيتام وقام على الأرامل ورعى ضعفة المسلمين؟ كيف يضيع الله من فرّج الكربات؟ كيف يضيع الله عبداً فرّج الكربات وتنافس في المرضاة وتسابق إلى الطاعات؟! كيف يضيع عند الله سعيه؟ أم كيف يضيع عند الله عمله؟ إخواني! إن التجارة مع الله رابحة، فلنعدها للقاء الله.
إن ذكر هذه المواقف ليست قصة تذكر، وليست موعظة تمر؛ ولكنها لكي تحرك النفوس للقاء الله، وتحركنا أن نتذكر ونتبصر فيم يمضي الليل والنهار؟ فإلى متى ونحن عن الله غافلون؟ وإلى متى ونحن عن رحماته بعيدون؟ إلى متى ونحن عن هذه المواقف المفزعة المرهبة غافلون؟ إن هذه المواقف توقظ القلوب النائمة وتنبه القلوب الحائرة للمسير إلى العلي الكبير، تنبهها من هذه الغفلة التي طفقت بسبب وساوس الشيطان وخطراته، فكم للشيطان من مصائد أعدها لأولياء الله المتقين من التسويف في التوبة والتأخير في الإنابة والحوبة.
لذلك إخواني! أدعوكم إلى التفكر في مثل هذه المواقف، والقرآن قصة حقيقية، ذكر الله ﵎ فيها مشاهد الآخرة وقص فيها خبرها، يعيها ويتذكر بها ويتبصر بها من أحيا الله قلبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
سئل رجل من السلف -وكان رجلاً صالحاً مجداً في طاعة الله ﵎، فكان يصوم يوماً ويُفطر يوماً، ولا يأتي ثلث الليل الآخر إلا وهو قائم بين يدي الله يتهجد- قالوا له: كيف أصبت هذه النعمة العظيمة من الله ﵎؟ فقال: صورت نفسي أنني في نزعات الموت، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأزداد من صالح العمل، ثم صورت نفسي كأنني في ضجعة القبر، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأزداد من صالح العمل، ثم صورت نفسي وقد حُشرت ونشرت وبُعثت بين يدي الله ووقفت، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا، وأزداد من صالح العمل، فقلت: يا نفس، هذه الدنيا وهذه الأمنية التي ترضَين، فجدي واجتهدي في مرضاة الله ﵎.
فانظر كيف كان السلف يشغلون القلوب بذكر الآخرة؛ لأن ذكر الآخرة حياة للقلوب، وتدعوها إلى المسير إلى الله، وتدعوها إلى أن تكون واعية، لم خلقها الله وأوجدها؟ إذا وعت ذلك، حينها تستريح نفس المؤمن بطاعة الله ﵎ وتنفر من معصيته.
إن هذه المواقف ذكرها حياة للقلوب، ودعوة للإقبال على علام الغيوب إن ذكر الآخرة دعوة لكي نحيي القلوب بذكر الله ﵎، ونعمُر الأيام والليالي بمحبة الله قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه﴾ [الحديد:١٦] إلى متى والإنسان في غفلة؟ إلى متى وهو في تسويف من طاعة الله؟ مهما بلغنا من الطاعات فإن وراءنا طاعات وقربات، والله أجل وأعظم مما نتصور إن وراءنا من الخيرات والطاعات التي فتح الله أبوابها وسهل السبيل إليها لهذه الأمة ما لم نصبه وما لم نصل إليه في يوم من الأيام.
إخواني في الله! ذكر هذه المواقف فيه دعوة لنا أن نقبل على الله ﵎، وآخر ما يوصى به العبد من ذكر هذه المواقف: أن تكون الآخرة زاجرة له عن حدود الله وعن كل ما لا يُرضي الله ﵎، إن الذي يعي حقائق الآخرة ويعلم أنه سيرتحل في السفينة الماخرة للقاء الله بعيدٌ عن محارم الله التي بينه وبين ربه، وعن محارم الله التي بينه وبين عباد الله ﵎، أما اللسان فقد كبح جماحه عن أن يتعدى حدود الله، وأما الأعضاء فقد سخرها في محبة الله ومرضاته.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكر الآخرة، وأن يجعل أسعد اللحظات وأعزها وأشرفها لحظة الوقوف بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 318
عدة الداعية
الدعوة إلى الله مسئولية كل من ينتسب إلى الإسلام بحسب جهده وعلمه، ومما ينبغي للداعية أن يتسلح به أثناء دعوته إلى الله: الإخلاص، والعلم، والأخلاق العالية الحسنة، كما أن عليه أن يترفق بالناس عند دعوتهم.
стр. 319
الدعوة إلى الله أمانة في أعناقنا
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهدُ أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى جميع أصحابه الغر الميامين، وعلى من اهتدى بهديهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! أيُ شيءٍ أعظم وأجل وأكرم من رضوان الله على عبده؟ هذا الرضوان الذي شهد الله ﷻ أنه أكبر من كل شيء، فقال سبحانه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ أخبرنا: (أن أهل الجنة إذا نزلوا في منازل الجنة، ورأوا نعيمها، وذاقوا لذتها وسرورها، وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفورٌ شكور، قال الله جل وعلا: ألا أزيدكم؟ فيقولون: ربنا أعطيتنا وأعطيتنا، فيقول الله ﷻ : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً).
إذا رضي الله على عبده أرضاه وسدده ووفقه، وجعل السعادة بين عينيه، ولذلك كتب الله لأوليائه بسعادة الدنيا والآخرة.
وأحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه -سبحانه- من تمسك بدينه والتزم بشريعته، الذي أحب الله من كل قلبه وظهرت آثار هذه المحبة في جوارحه.
أسعد الناس بالله، من عرف الله؛ فهابه واتقاه، والتزم حدوده جل في علاه، ولقد اصطفى الله جل وعلا لهذه السعادة أحب الخلق إليه، وأكرمهم عليه، وهم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
اصطفى الله الأنبياء والرسل، فجعل من دلائل حبه لهم أن حمّلهم الأمانة، وقلّدهم المسئولية، فجعلهم أمناء على وحيه ودينه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
لقد حمل رسل الله أمانة الله إلى عباده، على نورٍ من الله، يرجون رحمته، فأدوا رسالته، وبلغوا أمانته، وقرت عيونهم برضوان الله عليهم، ثم اصطفى الله ﷻ لختم هذه الصفوة -خير خلقه وأفضل رسله وأكرمهم عنده سبحانه- نبينا ﷺ .
اختاره الله ﷻ خاتماً للأنبياء والمرسلين، وهدىً لعباده المتقين، ما ترك باب خيرٍ إلا دلنا عليه، ولا سبيل رشدٍ إلا هدانا إليه، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف -بإذن الله- عن العباد الغمة، ووقف أمام الأمة يوم حجة الوداع، فأشهد الله من فوق سبع سماوات أنه بلغ رسالته، وأدى أمانته، ورجع إلى طيبة الطيبة، ففاضت روحه ولقي الله ﷻ ، حمل هذه الأمانة من بعده الصحابة الكرام، الأئمة الأعلام، الذين هم القدوة بعد رسول الله ﷺ ، حملوا هموم الدعوة، هموم الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالة الله ﷻ ، وأحس كل صحابي أنه مسئولٌ أمام الله عما سمعته أذنه وأبصرته عيناه ووعاه قلبه، فنشر أصحاب رسول الله ﷺ السنن والآثار، وحدثوا بالسيرة والأخبار، ففتح الله بها قلوباً غلفاً وأذانٌ صماً وأعيناً عمياً، وقادوا إلى صراطٍ مستقيم.
حمل الصحابة رضوان الله عليهم سنة رسول الله ﷺ للأمة، وبلغوا الرسالة، فكانوا خير قدوةٍ بعد النبي ﷺ في الدعوة إلى الله.
كان أشبه الناس برسول الله ﷺ -في علمه وحلمه وعمله ودعوته- هم الصحابة ﵃ وأرضاهم، وما زالت الأمة تحمل هذه الأمانة وهذه المسئولية، جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل، ووقفنا -أيها الأحبة في الله- في هذا الزمان، بعد أن مضت قرونٌ عديدة وأزمنةٌ مديدة بيننا وبين رسول الأمة ﷺ .
وقفنا أمام هذه الشريعة الغراء، بعد أن ذاق من شاء الله رحمته، ذاق لذة الهداية وطعم العبودية لله والولاية، فأخذ يتساءل: كيف أبث هذا الخير، وأدعو الناس إلى الإحسان والبر، فما من مسلم يهديه الله إلى صراطه المستقيم ويذوق لذة هذا الدين إلا تمنى أن الأمة كلها تشاركه في هذا الخير الكثير من ذاق حلاوة الإيمان ولذة العبودية للرحمن تمنى أن هذه الأمة كلها تشاركه هذا الخير، ولذلك يرد
السؤال
كيف السبيل؟ ما هو الطريق الأمثل للدعوة إلى الله وتبليغ رسالته؟
стр. 320
أهمية الإخلاص في الدعوة إلى الله
على الداعية إلى الله أن يعلم علم اليقين أن أول ما يجب عليه، أن يخلص لله ﷻ ، ما كان لله دام واتصل، وما من داعية إلى الله يخلص في قلبه إلا أظهر الله له التوفيق والسداد في جوارحه وأعماله، وفتح الله أبواب الخير أمام دعوته وكلماته ومواعظه؛ لأن الله سبحانه يحب ما كان خالصاً لوجهه، ولا يرضى من الأقوال والأعمال إلا ما أريد به وجهه.
من كان لله كان الله له، ومن وطئت قدماه سبيل الدعوة إلى الله، مفرغ القلب من كل شيءٍ سواه، ملأ الله قلبه بالحكمة والنور والتوفيق والسداد، وجعل الله البركة والخير في قوله وعمله.
فقبل كل شيء: أن يخلص الإنسان، فإذا تكلم سأل نفسه: لمن يتكلم؟ وإذا خطب أو وعظ أو ذكّر: هل هذا الكلام لله، أو لأحدٍ سواه؟ فالوقفة الأولى: أن يخلص الداعية في عمله لله: إن الله سبحانه مطلعٌ على القلوب والضمائر، مطلع على من يريد وجهه ومن يريد حظوظ الدنيا، ومن أراد الإخلاص لله، فليعلم أن التجارة مع الله رابحة، وأنه إذا سلك سبيل الإخلاص، فلم يتكلم بكلمة إلا خطها الملك الأمين الحافظ؛ لكي يراها العبد أمام عينيه يوم القيامة حجةٌ له لا عليه.
من أراد أن يدعو إلى الله، فليعلم أن هذا الدين لله وليس لأحدٍ سواه، لا يدعو للدنيا ولا يدعو رياءً، لا يدعو ليمدح أو يثنى عليه، ولكن لله ﷻ ، فلا يقف أمام الناس إلا وقلبه معمورٌ بالله، فطوبى لقلوبٍ آمنت وأسلمت وأخلصت، فنظر الله إليها -يوم تكلمت ووعظت وقالت- أنها تريد وجهه، وتريد أجره ورضوانه ورحمته، وما ضرتنا إلا حظوظ من الدنيا ساقتنا عن سبيل الله إلى سبيل من سواه ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].
الداعية الموفق نظر إلى ما عند الله، فعلم أنه باقٍ وما عند سواه فانٍ زائل ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
стр. 321
الدعوة إلى الله على بصيرة
الوقفة الثانية: الدعوة إلى الله على بصيرة وحكمة يهتدي به الداعية ويهدي به من وراءه.
العلم الذي به يستنير قلب الداعية، وينال به البصيرة ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام:٥٧] فمن كان على بينةٍ من الله اتضح له الحق، فأحبه والتزمه ودعا إليه، ومن كان جاهلاً بالله وبشرعه ضل وأضل، ومن علامات الساعة وأمارتها: (أن يتخذ الناس رءوساً جهالاً، سئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا).
فأول ما ينبغي على الداعية: العلم إن على كل داعية أن يبتدئ دعوته بمجالس العلم ورياض الجنة ويسير في طريق طلب العلم، ويحب العلماء يتزود منهم وينتفع بهم، ويلتمس رحمة الله ﷻ ، فالعالمُ الرباني إمامٌ للداعية يهتدي به بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
إذاً: لا بد للداعية من وقفة مع طلب العلم، ينتهل فيها من المعين الصافي؛ من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فإذا تعلم وعلم واستنار قلبه، أمكنه أن يهتدي في نفسه وأن يهدي غيره.
لا دعوة بالجهل، والداعية إذا كان جاهلاً ضل وأضل وراءه؛ فيهلك وتهلك به أمم، فيحاسبه الله جل وعلا عليها.
فحريٌ بطالب العلم والداعية إلى الله، أن يجد ويجتهد في طلب العلم، وليعلم أن سبيل الدعوة والتذكير بالله والهداية إليه تحتاج إلى سلاح ونورٍ وبصيرة، لا يمكن أخذ ذلك كله إلا عن طريق العلماء الأمناء الثقات الأثبات.
إذا جلس الداعية في مجالس العلم وأحب العلماء والتزم بسبيلهم وحرص على الاستفادة منهم، وتأدب ورأى حرمتهم؛ فإن الله يوفي له كما وفى لعلمائه الذين ائتمنهم على دينه.
ما من داعيةٍ إلى الله يحب أهل العلم ويلتزم بحلقهم وينتفع بعلومهم؛ إلا وجدت آثار ذلك كله في دعوته؛ فيقيض الله له من يأخذ من علمه وينتفع به ويتأدب معه كما كان حاله مع العلماء.
العلم لابد منه، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام:٥٧] قالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدعو الناس ويدلهم على الدين إلا بعد البصيرة والبينة من رب العالمين.
قال بعض العلماء: قل إني على بينة، أي: حجةٌ ومحجة، حجة: يعرف بها الحق من الباطل والهدى من الضلال، ومحجة يسير عليها حتى تنتهي به إلى الجنة.
стр. 322
ضرورة اقتران علم الداعية بعمله
الوقفة الثالثة: لابد للداعية إلى الله أن يوطن نفسه من بداية دعوته على العمل، فالدعوة إذا كانت نابعة من إنسان ذاق حلاوة العمل بالعلم، وذاق لذة المعاملة مع الله، أمكنه إذا ذكّر الناس ووعظهم أن يذكرهم بشيءٍ ذاق حلاوته ولذته، أما فاقد الشيء لا يعطيه.
الداعية إلى الله الذي قرن علمه بالعمل يضع الله له البركة في قوله وعمله، فإن الناس تنظر إلى قول كل قائل وعمله، فإذا وافق القول العمل أحبه الناس وتأثروا بكلامه إذا وقف أمام الناس يحدثهم ويعظهم وضع الله لمواعظه أثراً نافعاً في قلوب الخلق فوق ما يرجو ويؤمل.
إذا تحدث عن الإخلاص لله كان أخلصهم لله، وإذا تحدث عن الطاعات والقربات كان أسبقهم إليها، وأحبهم لها، وأكثرهم مداومةً عليها، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك عاتب الله من قبلنا، أنهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فمقتهم الله ﷻ حينما قالوا بما لم يعملوا.
قال بعض السلف: (كونوا دعاةً وأنتم صامتون، قالوا: وكيف ندعو ونحن صامتون؟ قال: ادعوا الناس بأخلاقكم وأقوالكم وأعمالكم قبل أن تدعوهم بتذكيركم).
فالذي يدعو الناس بأخلاقه وأقواله وآدابه وشمائله؛ تتأثر الناس بدعوته، ولن يكون ذلك إلا بالعمل، لن يكون ذلك إلا إذا رأى الناس آثار السنة وأخلاق الإسلام في الداعية إلى الله، سواءً كان خطيباً أو واعظاً أو مذكراً أو معلماً، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا إلى القول والعمل، فإنها من أعظم نعم الله على عبده، حتى قال بعض العلماء: لن يكون العبد هادياً مهدياً إلا إذا قرن العلم بالعمل.
стр. 323
تحلي الداعية بأخلاق النبي ﷺ
الوقفة الرابعة: الدعوة إلى الله تحتاج إلى تأسٍ برسول الله ﷺ .
ومن أعظم ما ينبغي أن يتحلى به المسلم أخلاق رسول الله ﷺ ، هذه الأخلاق التي إذا نظرها المسلم في سيرة النبي ﷺ العطرة، وشمائله الجليلة النضرة، هذه الأخلاق التي نراها في أكمل صورها وأجمل حللها في هدي رسول الله ﷺ ؛ في عسره ويسره، وفي منشطه ومكرهه.
стр. 324
طلاقة الوجه وسلامة الصدر
خرج رسول الله ﷺ داعيةً إلى الله خرج إلى الناس طليق الوجه، دائم البشر والسرور ﷺ ، ما كان يلقى الناس مكفهر الوجه أو عابساً أو محتقراً لهم، بل كان يلقاهم صلوات الله وسلامه عليه بالوجه الطليق والقول الرقيق، قال جرير بن عبد الله ﵁ وأرضاه: (ما لقيت النبي ﷺ إلا تبسمَ في وجهي).
فالداعية إلى الله، يتحلى بمثل هذا الأدب النبوي الكريم.
كان يخرج ﷺ لأصحابه نقي السريرة والقلب، ليس في قلبه غل ولا حسد ولا بغضاء على المسلمين، إنما كان يخرج لهم بالمحبة والصفاء والمودة والإخاء صلوات الله وسلامه عليه.
لن نستطيع أن نهدي الناس إلا إذا سلمت صدورنا من آفات القلوب، لن نستطيع أن نأخذ بمجامع قلوب الناس إلا إذا سلمت سرائرنا وضمائرنا من الحقد على عباد الله، وسوء الظن بهم، ولن يكون الداعية كما ينبغي أن يكون عليه الداعية إلا بمجاهدة القلب، فإذا خرج إلى المسلمين أحب لهم ما يحب لنفسه، وكره لهم ما يكره لنفسه؛ لعلمه أن الله يحب منه ذلك.
إذا لم يسلم صدرك ولم يكن نقياً لإخوانك المسلمين، أظهر الله ما في قلبك في فلتات لسانك وزلات جوارحك وأركانك، وقد قال بعض العلماء: ما أسر عبدٌ في قلبه سريرة إلا أظهرها الله في فلتات لسانه، أو في جوارحه وأركانه.
فالذي يريد أن يدعو إلى الله ينبغي له أن يجعل في صدره السريرة النقية للناس التي تتمنى لهم الخير، فإذا قوي هذا الباعث في القلب دعاه إلى أن يبذل كل ما يستطيع لهدايتهم ودلالتهم على الخير وتحبيبهم في طاعة الله ﷻ .
стр. 325
التواضع
ومن الأمور التي كان يتحلى بها ﵊: التواضع، فلا يرى الداعية نفسه أنه فوق الناس، وإنما يتواضع لهم، يتواضع للصغير والكبير والجليل والحقير، والناس عنده في كفةٍ واحدة، من حيث التواضع وتوطئة الكنف، وقد ذكر قول النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يَألفون ويؤلفون).
ما أجمل الدعوة إذا جمل الله الداعية بالأخلاق والتواضع والحلم وتوطئة الكنف! إن كريم الأصل كالغصن؛ كلما ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى.
كان ﷺ يقف لصغار المسلمين وكبارهم وشبابهم، لن يستطيع الداعية أن يكون موفقاً في دعوته إلا إذا حرص على أخلاق الإسلام وآداب النبي ﷺ التي كانت مع الصحب الكرام.
وإذا وفق الله الداعية لهذه الأخلاق والآداب أحبه الناس، فإذا كانت أخلاق الداعية وآدابه وشمائله وتصرفاته تدل على حبه للناس وتوطئته للكنف أحبه الناس.
إنما يتواضع الداعية ويكون قريباً من الناس؛ لأن حوائجهم عنده، فالضال ينتظر منه الهداية بإذن الله ، والمهموم والمغموم ينتظر منه الكلمة التي تبدد -بإذن الله- الهم والغم، والحائر والتائه ينتظر منه التوجيه والإرشاد حتى تذهب الحيرة ويذهب التيه، فإذا به يلتزم بدين الله .
فإذا جاء هذا الحائر أو التائه إلى الداعية ووقف أمامه، فرأى من آدابه وشمائله وتواضعه وحبه الخير للناس ما يشجعه على الاقتراب اقترب ودنا وأنصت وأحب، وتمنى أنه معه وعلى سبيله ونهجه الذي يسير فيه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 326
سعة الصدر
ومن الأمور التي ينبغي للداعية أن يحرص عليها وأن يكون محافظاً عليها: سعة الصدر.
فالداعية تواجهه مواقف حرجة، يأتيه السفيه بسفهه، والطائش بطيشه والغاوي بغوايته، فيتسع صدره للناس حتى يستطيع أن يسع الناس بهذا الحلم، قال ﷺ : (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن سعوهم بأخلاقكم).
فالداعية إلى الله إذا كان واسع الصدر لزلات أهل الزلل وخطيئات أهل الخلل؛ أحبه الناس وتأثروا بدعوته، وأصدق شاهدٍ على ذلك أن النبي ﷺ ثبت عنه في الحديث الصحيح: (أنه عندما قسم غنائم حنين، وجاءه ذو الخويصرة فجذبه وقال له: يا محمد! اعدل، فقال ﷺ : ويحك، من يعدل إذا لم أعدل!) ما تذمر ﵊، ولا أمر بقتله ولا سبه أو شتمه، فما كان ﵊ سباباً ولا شتاماً ولا لعاناً، ولكن كان رحمةً للعالمين، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 327
تسلح الداعية إلى الله بالصبر
من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يحرص عليها في دعوته: التضحية والصبر والتحمل.
إن الدعوة إلى الله تحتاج من الداعية أن يصبر، ولن يستطيع أن يصبر إلا إذا صبره الله ، فالصبر من أجل النعم التي يمتن بها الله على عباده، قال عمر ﵁ وأرضاه: (وجدنا ألذ عيشنا بالصبر)، وقال ﷺ : (ما أعطي عبدٌ عطاءً أفضل من الصبر).
يصبر الداعية في تبليغ رسالة الله، وقد يفاجأ بما يوجب السآمة والملل، فيصبر ويحتسب الأجر عند الله، ولا يقتصر هذا الأمر على الداعية في مسجده أو الخطيب في جمعته، بل إنه يشملك وأنت أمام الابن أو البنت أو الزوجة أو أمام القريب، إذا رأيت منه الصدود والإعراض، أو رأيت منه السخرية والتهكم، تعلم أن هذا البلاء الذي ابتلاك الله به قد يكون لحكمةٍ منه ، فتصبر ولا تتضجر أو تمل أو تسأم، ولكن وطن نفسك على الصبر، فلعل الله -لحكمة- أن يؤخر عنك هداية الأخ أو الأخت أو القريب.
إلخ، حتى يكون ذلك أصدق شاهدٍ على صبرك على طاعة الله.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، فهناك من هو أطيب الطيبين في صبره وتحمله، وهناك من هو دون ذلك، فلا تسأم، بل كرر الدعوة، واقرع القلوب مرةً بعد مرة، واعلم أن هذه الكلمات والنصائح والتوجيهات في ميزان حسناتك، فلو عدت المرة بعد المرة لم تسأم ولم تمل؛ لعلمك أن الله يرضى عنك عند تكرارها، ولعلمك أن الله يحب منك الصبر والتحمل، فتصبر وتصابر وترابط على طاعة الله ﷻ ، تتحمل مهما سمعت ومهما رأيت، فسيأتي اليوم الذي تقر فيه عينك على الصبر الذي صبرك الله، ولن تقف موقف ابتلاءٍ فتهان فيه من أجل الله إلا أقامك الله مقاماً أعز منه وأكرم، فمن أهين في الله ﷻ -كأن يسخر منه أهله أو أقاربه- فإن الله يعزه ويكرمه، ويأتي اليوم الذي تقر فيه عينه، فيرى فيه بشائر صبره، وحسن عاقبة مرابطته في طاعة ربه.
لقد صبر أهل الدنيا على الدنيا وما ملوا، وصبر أهل الباطل على باطلهم فما سئموا ولا تضجروا، وأنت على الصراط المبين، والسبيل المستبين، وفي رحمة أرحم الراحمين، فأنت أحق بالصبر منهم.
ألا ترى إلى التاجر كم يصبر ويتحمل ويجد من الجهد والتعب وأذية الناس! وهو في تجارته يتحمل، ويتحمل لعلمه بالأرباح التي تكون في الأخير، فتعامل الله ﷻ ، لئن سمعت سخريةً من ساخر، فاحمد الله ﷻ أن تغيب عليك شمس ذلك اليوم وقد أهنت في ذات الله ، وإذا سبك أو عابك أو شتمك غويٌ أو ضال، فاعلم أن هذا الشتم والسب مكتوب في صحيفة عملك، فلا يزيدك إلا صبراً وتحملاً واحتساباً عند الله وثواباً وأجراً، والله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
ومن أعظم الإحسان: أن تصبر في ذات الله ﷻ ، فلقد ضحى أهل الباطل، فترى النصراني يدعو إلى نصرانيته وهو في الأدغال فلا يستوحش أو يسأم، ولا يمل أو يتكدر، وأنت على صراط الله، وفي سبيلٍ يحبه الله، فأنت أولى بالصبر منه.
فهذه أمور ينبغي أن يجعلها الداعية نصب عينيه، واعلم رحمك الله أن الصبر يختلف، فلا تتوقع من الله أن يبتليك بشيءٍ تألفه، لا، بل قد يأتيك الابتلاء بشيءٍ لا تألفه، فأنت في دعوتك إذا كنت في بيتك أو في خطبتك أو موعظتك أو درسك وتعليمك، قد يسلط الله عليك من الابتلاء ما يوجب السآمة والضجر بما لم يكن في حسبانك، فما عليك إلا أن تعلم أن الله رقيب وحسيب، وتعلم أن الله معك عندما صبرت لوجهه واحتسبت الأجر عنده .
لقد نعمت وقرت عيون الصابرين حينما سمعوا قول الله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] فمن علم أن الله يحبه إذا صبر وثبت على صبره ازداد صبراً وثباتاً، وتكمل محبة الله لعبده على قدر كمال صبره، فعندما كمل صبر النبي ﷺ كملت محبة الله ﷻ له.
لقد أوذي ﵊ فانطلق إلى الطائف يريد دعوتهم وهدايتهم إلى سبيل الله، فأغروا به السفهاء، وقد وقف أمامهم يدعوهم بدعوة الله ويهديهم إلى صراطه، فقال له القائل: أما وجد الله رسولاً غيرك؟ وقال الآخر: أنا أمزق ثيابي إن كان الله بعثك، ثم أغروا به السفهاء -صلوات الله وسلامه عليه- فانطلقوا يرمون بالحجارة خير خلق الله، وأحب عباد الله إلى الله! فانطلق وهم وراءه يرمونه بالحجارة حتى آوى ﵊ إلى الظل من شدة التعب والنصب.
نعم أوذي ﵊، وسمي: الساحر والكاهن، والأبتر، والصابئ، والأفاك، ومات وهو سيد الأولين والآخرين، ﷺ .
مضت تلك الأيام وما مضى ثوابها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
فيا من يريد الدعوة إلى الله! اجعل نصب عينيك مواقف رسول الله ﷺ يوم شج في وجهه، وكسرت رباعيته، وسالت دماؤه على وجهه، ويقول: (كيف يفلح قومٌ شجوا وجه نبيهم) والله لا تضجر، ولا سئم، بل زاده ذلك ثباتاً على دين الله وتمسكاً بصراطه حتى أتاه الموت وقد ﵁ وأرضاه، فما من إنسانٍ يصبر لله إلا أقر الله عينه بحسن العاقبة، فلن تجد داعية يبتلى ويصبر إلا وجد الثمار اليانعة والعواقب الحميدة.
على الداعية إلى الله أن يعلم أن توجيه الناس ودلالتهم إلى الخير مقام شريف، واعلم أنك إذا وقفت أمام الناس واعظاً أو مذكراً أو هادياً، فأنت تقف في موقف رسول الله ﷺ ، فليكن أول ما يكون منك أن تحمد الله ﷻ ، وأن تقول: يا رب! من أنا حتى تجعلني مذكراً وهادياً ودليلاً إلى سبيلك؟! فلتحمد الله على نعمته وتشكره على فضله.
ثانياً: أن تعلم علم اليقين، أنه إذا أراد الله أن يرضى عنك في دعوتك جعل أتباعك كثيرين، قال ﷺ : (إني لأرجو أن أكون يوم القيامة أكثرهم تابعاً) فالداعية الموفق يحرص على أن يكون أكثر الناس أتباعاً، وهذا يحتاج منه أن يبحث عن الأسباب والوسائل التي تحبب الناس في دعوته، وترضي الناس عن قوله وعمله، فيرضي الله أولاً، ثم يرضي عباد الله بعد ذلك.
стр. 328
رفق الداعية إلى الله بالمدعوين
على الداعية إلى الله أن يلتزم بالقول الحسن والأسلوب الذي فيه رفقٌ بالناس، فإن الله بعث رسوله ﷺ رحمةً للعالمين، ما بعثه صخاباً ولا لعاناً ولا سباباً، إنما بعثه لكي يكون رحمةً للأمة ولكل من اتبعه، فما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ وكان ﷺ رفيقاً بالأمة، فكل ما كان من تشريع أو أمر فيه ضيقٌ على الأمة إلا سأل ربه أن يخفف وأن يلطف بعباده.
فينبغي على الداعية إلى الله أن يلتزم هذا النهج في تحبيب الناس للخير، وهذا يحتاج منه إلى القول الطيب، وأن يكون في دعوة الناس حليماً رحيماً رفيقاً، قال ﷺ : (ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه).
وإذا أراد الله أن يحرم الداعية التوفيق، سلّط عليه الشيطان فأزله بلسانه، فاتجه إلى الناس ساباً أو شاتماً أو كاشفاً لعوراتهم أو مبدداً لأعمالهم، حتى ينفر الناس من دعوته.
قال ﷺ في الحديث الصحيح: (إن منكم منفرين) فليتق الله الداعية، ولا يكن حجرة عثرة في قبول الخير.
ينبغي أن يأخذ الناس باللطف واللين، وعليه أن يعرف كيف يخاطب الناس، وكيف يقرع القلوب، وكيف يوجه، وكيف يدل، وإذا لم يجد في نفسه ذلك، فليسأل العلماء ما هو السبيل.
وإذا أراد الله أن يوقف الإنسان على أكمل هديٍ في التوجيه، فإنه يوقفه ويحبب إلى قلبه هدي رسول الله ﷺ ، ففي الحديث الصحيح: (عندما بال الأعرابيُ في المسجد، طفق الصحابة يريدون أن يؤذوه، فقال ﵊: لا تزرموه، فلما قضى بوله وأتي به إلى رسول الله ﷺ قال ﵊: إن هذه المساجد لم تبنَ لهذا) فلو كان ﵊ أخذه بالعنف والشدة لأضر به وأضر ببيت الله .
انظر إلى الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حينما رأى من المحسن الإساءة كيف تحمله، وأخذه بحلمه ورفقه، ففي الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ عندما أراد فتح مكة، هيأ أصحابه، وغيّب عن قريشٍ خبره، فكتب حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه- إلى قريشٍ كتاباً يحذرهم من رسول الله ﷺ ، فانطلقت المرأة ومعها الكتاب، فنزل جبريل من السماء على رسول الله ﷺ يخبره الخبر، فبعث ﵊ علياً، فأدرك المرأة في الروضة، فقال لها: أخرجي لي الكتاب، فأنكرت، فقال لها: إن لم تخرجيه لأجردنك، فتنحت عنهم وأخرجت كتاب حاطب ﵁ من تحت شعرها، فأخذ علي الكتاب، وأتي به إلى رسول الله ﷺ تصوروا مثل هذا الموقف، صحابي يكتب بسر رسول الله ﷺ إلى أعدائه، وفعل ذلك على غرة دون علمٍ من النبي ﷺ وأصحابه، (فلما وقف ﵊ على الخبر، وقرأ الكتاب واستبان الأمر، وحاطب أمامه، قال: يا حاطب! ما حملك على هذا؟) ما الذي حملك على أن تكتب لقريشٍ بهذا الأمر؟ هل سبه أو شتمه؟ لا، بل يسأله عن العذر أولاً؛ لكي يعلم ما الذي دفعه إلى ذلك (قال حاطب ﵁: والله -يا رسول الله- ما فعلت ذلك حباً للكفر، ولا إيثاراً له عن الإسلام، ولكنني رجل لا عشيرة عندي، وإني أخاف على قومي، فأحببت أن أتخذ يداً عند قريش، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ : يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم).
قد ترى من رجل بعض الزلات والهنات، فاذكر ما لهذا الرجل من الحسنات أو المواقف الطيبة، كما فعل رسول الله ﷺ ، وقد عظم الله -من فوق سبع سماوات- لـ حاطب موقفاً شهده، نصر به الإسلام، فما كان ربك نسياً.
فينبغي على الداعية إلى الله أن يأخذ الناس بالتي هي أحسن إلى السبيل الأقوم والهدي الأكمل والأجمل بلسانه الطيب وكلماته الرقيقة.
وما من إنسان يحرص على الدعوة بالأسلوب الطيب والكلمات الطيبة إلا وضع الله له الأثر؛ فإن الكلام الطيب حسن الوقع والأثر في القلوب، فالطيب لا ينبت إلى طيباً، ولا يأتي إلا بالطيب، والله قال: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:١٠٠].
فاتقوا الله، فكلما كان الإنسان في دعوته يخرج منه الكلمات الطيبة ويأخذ بمجامع قلوب الناس بالتي هي أحسن؛ كلما نفع الله بدعوته.
أيها الأحبة في الله: الحديث عن الدعوة يطول، ولكن أحب أن أنبه على أن الدعوة إلى الله لا تقتصر على منبر، ولا تقتصر على تعليم أو توجيه في مكانٍ جامع، بل أنت داعيةٌ إلى الله في كل لحظة وفي كل طرفة عين ما دمت منتسباً للإسلام ومتبعاً لرسول الله ﷺ ، واعلم أنك إذا جئت بين قومٍ ضلوا السبيل، وأنت مهتدٍ بسبيل الله، فاعلم أن العيون تلحظك، وأن الناس ينظرون إليك كقدوة وإمام وداعية إلى الخير.
علينا أن نعلم أن الدعوة ليست محجورة أو محصورة على الخطبة أو الموعظة، أو على من يخطب أو يعظ، بل أنت داعية إلى الله في كل كلمة تقولها وتهدي بها إلى صراط الله، لو قلت لابنتك: اتق الله، فأنت داعيةٌ إلى الله، ولو قلت لابنك: خف الله، فأنت داعيةٌ إلى الله، ولو أمرت بأمرٍ أمر الله به أو نهيت عن نهيٍ نهى الله عنه، فأنت داعيةٌ إلى الله.
стр. 329
إكثار الداعية من ذكر الموت والآخرة
أختم هذه الكلمات بأمرٍ عظيم ما وفق الله له الداعية إلا كان له خير الدنيا والآخرة، هذا الأمر العظيم الذي لا ينال إلا بتوفيق الله ذي العزة والجلال، هذا الأمر العظيم الذي إذا وقر في القلب أتبعه الإنسان العمل، ألا وهو كثرة ذكر الآخرة.
ينبغي للداعية إلى الله أن يعلم أنه إلى الله صائر، وأنه منقلبٌ إلى الجنادل والحفائر، فإن وجد ثمار دعوته، فرمقته العيون، وأصغت إليه الأسماع، فليعلم أن الله يحاسبه، وأن الله سائله، وأن الله موقفه بين يديه، وقائلٌ له: عبدي ماذا أردت بهذا؟ فإن قال: أردت وجهك وما عندك -وكان صادقاً- قال الله: صدقت، وقالت الملائكة: صدقت، وقال الله: اذهبوا بعبدي إلى الجنة.
إذا أحس الداعية إلى الله أن له موقفاً بين يدي الله هانت عليه الدنيا وما فيها.
إذا أكثر الداعية من ذكر الموت والبلاء وقرب المصير إلى الله جل وعلا، هانت عليه الدنيا وما فيها وأصبحت كلماته ومواعظه للآخرة، فنفع الله به وانتفع.
أيها الأحبة في الله! نقول ونعمل، وبين يدي الله نسأل، ولسنا ندري أهذه الأمم التي وراءنا تقاد إلى روضة جنة أم إلى حفرة نار.
فنسأل الله العظيم بعزته وجلاله أن يجعلنا ممن أراد وجهه وأراد ما عنده، ونسأله جل وعلا أن يعمر قلوبنا بإرادة وجهه الكريم.
اللهم إنا نسألك الفقر إليك، والغنى بك، والتوكل عليك، وصدق اللجوء إليك.
اللهم املأ قلوبنا بحبك وحب كل شيءٍ يزيدنا من حبك، واجعل جوارحنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، نسألك عيشة السعداء، وميتة الشهداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، وأسأله تعالى أن يجعل هذا كله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
стр. 330
الأسئلة
стр. 331
وصايا تقوي الهمة في طلب العلم
السؤال
إذا بدأ طالب العلم طلبه للعلم فإنه يجد العزيمة والهمة في ذلك، ولكن بعد فترة تصيبه الفترة والخمول؟ فهل يؤثر ذلك في إخلاصه؟ وما هو سبب ذلك الخمول؟
الجواب
هذا الفتور ابتلاءٌ وامتحان من الله ، فإذا ابتدأ طالب العلم في طلبه للعلم فإن الله يمتحنه ويختبر صبره، فيجد شيئاً من الفتور والضعف، والله من حكمته أنه يجعل للعلم في أوله لذة وحلاوة حتى يتمنى طالب العلم أنه عالم بين العشية والضحى، بسبب ما يجده من حب للعلم، لكن الله لابد وأن يختبر صبرك وإيمانك وصدقك في العزيمة والرغبة فيما عند الله ، فيبتليك بالفتور.
وقد يكون هذا الفتور بسبب الذنوب والمعاصي، نسأل الله السلامة والعافية، فما على طالب العلم إذا وجد مثل هذا إلا أن يتضرع بالدعاء لله أن يعينه ويوفقه ويثبته، فكم من طالب علم ابتلي بمثل هذه الابتلاءات، فصبر وصبره الله حتى جاءته العاقبة الحسنة، فالذي أوصي من وجد الفتور، أوصيه بأمور: أولاً: الاستغفار، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦].
فإذا أراد طالب العلم أن يصرف الله عنه الفتور وما يجد في نفسه من الضيق فليكثر من الاستغفار؛ لأنه معذب، والعذاب لا يرفع إلا بالتوبة والرحمة من الله .
أما الأمر الثاني: أن يبحث عن عالمٍ يشحذ همته، فيوصيه ويقرع قلبه بقوارع التنزيل، وبما جاء عن الرسول ﷺ من الأمور التي تحيي في النفس حب الخير والإقبال عليه، وتشحذ الهمة بطلب العلم أكثر.
ثالثاً: أوصيه بكثرة قراءة سير السلف الصالح، فإنك ما أصبت بضعف أو فتور في طلب العلم فتقرأ سيرة عالم إلا خشع قلبك، وصدقت عزيمتك، وأحببت أن تكون مثله؛ لأن الله جبل قلوب أهل الخير على حب الخير والشوق إليه، فإذا قرأت سيرة العالم العامل تأثرت، فإذا لم تجد كتباً بحثت عن عالم تجلس معه يحدثك عن سير العلماء وما لاقوا من البلاء، فسافروا وتغربوا عن الأوطان والأهل والولدان، ونحن اليوم تأتينا فتن أخرى من الملهيات والمغريات والشواغل، فلكل زمانٍ بلاؤه، فعلى طالب العلم أن يعلم أن هذه الأمور تنصرف بحسن الظن بالله وقراءة مواقف العلماء الصادقين؛ لأنها تسلي وتقوي العزيمة كما قال الله : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] قال العلماء: فيه دليل على أن القصص تثبت القلوب، فإذا أحس طالب العلم أن قلبه يريد أن يضعف ثبته بسير الصالحين وسير العلماء العاملين الأئمة المهديين، فزاده ذلك عزيمةً على الخير، وثباتاً على الخير.
ومما يقوي الهمة: تذكر حسن العاقبة، فإن لأهل العلم وطلاب العلم مراتب ومنازل، فمن كان أكمل صبراً وأكمل وثباتاً كانت عاقبته أعظم.
ويقول بعض العلماء: قل أن تجد إماماً يصل إلى درجة عالية في العلم إلا وجدت صفحات صدره على أكمل ما تكون، فإذا جاء البلاء وانصب عليك بقوة، فاعلم أنك صبرت بقوة كان فتح الله عليك بقوة وبكثرة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] فكل من يصبر يكون إمام هدىً وداعيةً إلى الخير على قدر صبره، ومعنى الآية: أنه إذا كمل الصبر كمل فتح الله على العبد، فبمقدار تعبك ونصبك وجدك واجتهادك وثباتك يكون فتح الله عليك، فاصبر وصابر واحمد الله ﷻ .
وانظر إلى أهل المعاصي وهم يسهرون عن المعاصي ويصبرون عليها حتى يتعلمون الشرور والآفات، فكيف وأنت على طاعة الله ﷻ ؟! إنك تجد بعض أهل الفساد يتغرب عن أهله ويبتعد عنهم ويعاني من المشقة ما الله به عليم، وهو في مخدرات ومعاصٍ ومنكرات، نسأل الله السلامة والعافية، أما أنت فتخوض غمار رحمة الله ﷻ ، فعليك أن تعرف قدر النعمة التي أنت فيها.
المشكلة أن كثيراً من طلاب العلم يأتيهم الضعف بأسبابٍ من أنفسهم، وهذه هي البلية، فلو أن كل طالب علم أحس بضيق نظر إلى نفسه وقال: أنا حينما أخرج من بيتي إلى مجلس هذا العالم، أليس الله يكتب لي خطواتي وحركاتي وسكناتي أنفاسي وجهدي؟ فلو حدث نفسه بذلك لهانت عليه الدنيا وما فيها من تعبٍ ونصب، فأي طاعة أو قربة تريد أن يثبتك الله عليها فاستشعر أن الله يسمعك ويراك وأنه يرضى عما تعمل؛ فإذا جلست في مجلس ذكر وأنت تعلم أن الله يرضى عن جلوسك ويحب أن يراك بين العلماء وبين طلاب العلم، وأن الله يحب أن يراك ساهراً في العلم، مذاكراً له منتفعاً به، إذا علمت أن الله يحب منك ذلك كله أحببت العلم وصبرت عليه، ما الذي جعل السلف الصالح رضوان الله عليهم يكتحلون السهر وتتقرح أقدامهم في الأسفار والمشقات والمصاعب، يتغربون عن الأوطان ويرون الموت وهم يخوضون البحار والفيافي والقفار لطلب الحديث؟ إنما فعلوا ذلك كله لأنهم علموا أن هذه المشقات والمتاعب كلها في ميزان الحسنات، إذا شعرت بسآمة وملل فما أتتك إلا من الغفلة؛ لأن من غفل عن أنه يعامل الله، لن يستطيع السير والصبر.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، ألا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا.
ربنا هب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من عاداك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
стр. 332
التدرج في طلب العلم على ضوء ما يقرره العلماء
السؤال
فضيلة الشيخ! ما الكتب التي تنصح الداعية بقراءتها في الأصول والفقه والعقيدة والتفسير؟
الجواب
خير ما يوصف به من أراد أن يتعلم العلم النافع، وأن يهتدي إلى الصراط المستقيم، فليلتزم بكتاب الله، قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] فالله جعل هذا الكتاب هادياً لأقوم السبل، فإذا أردت أن تتعلم فأول ما تسأل عنه: ماذا قال الله، وقال رسوله ﵊؟ تبحث عن الأساس، فكتاب الله وسنة النبي ﷺ هما السبيل الأقوم والصراط الذي لا نجاة للعبد إلا بهما، وهما الصراط الذي تسأل الله في كل صلاةٍ تصليها بين يديه، وتقف بين يديه حين تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وليس هناك صراط مستقيم إلا صراط القرآن.
قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] قالوا: هو كتاب الله ﷻ ، فالذي يريد أن يدرس العقيدة والفقه والحديث ويدرس الأحكام فعليه أن يبدأ أولاً بكتاب الله ، وإذا بدأ بكتاب الله، فإنه يصيب السداد والرشاد على أتمه وأكمله.
ما ضرنا اليوم إلا الاشتغال بالفروع عن الأصول، وتجد الشخص إذا أراد أن يخطب خطبة أو يحضر موعظة يبحث عن كتب معينة فيها كلمات وأساليب وألفاظ وعظية معينة، وقلَّ أن تجد من تنعم عينه بكتاب الله ﷻ ، ولو أن كل داعية قبل أن يدعو وقف أمام كتاب الله وسأل نفسه قبل أن يتكلم، ماذا قال الله وماذا قال رسوله ﷺ لكان خيراً له، فإذا جاء يبث للناس بث لهم كلاماً من كتاب الله، حتى وإن لم يأتِ بالآيات أتى بمضمونها وبما فيها من دلائل وحجج: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] فلا أصدق من الله قيلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء:٥٨] فأكمل ما يكون الهدي والاهتداء في الكتب والرسائل والمسائل كتاب الله ﷻ وسنة رسوله ﷺ ، وينبغي أن يكون الفقيه أو المعلم ملتزماً بكتاب الله، فيأتي إلى الباب وينثر حجج القرآن والسنة ودلائلهما، وما كان عليه سلف الأمة بينة ومحجة واضحة، فإذا وفق الله طالب علم بهذا فإنه سيوفق كما وفق سلفه، وقد كان بعض العلماء يقول: من أراد التوفيق على أتم ما يكون، فلينظر إلى حال السلف رضوان الله عليهم.
السلف لم يتجاوزوا كتاب الله، بل كانوا مع كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وكان الرجل منهم إذا أراد أن يتكلم فأول ما يبحث في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، فلم يقدموا بين يدي الله ورسوله.
جاءت امرأة إلى الشافعي ﵀ برحمته الواسعة- وسألته عن حجية السنة، فقالت: لماذا السنة حجة ودليل؟ قال لها: أنظريني ثلاثة أيام -وهنا وقفة: انظروا إلى أمانة السلف وإلى علمهم، لم يتسرع بالإجابة، بل قال: أنظريني ثلاثة أيام، أتعرفون لماذا ثلاثة أيام؟ لأنه كان ﵀ يختم كتاب الله في ثلاثة أيام، ومعنى قوله: أنظريني ثلاثة أيام، أي: سأعرض ما سألتي عنه على كتاب الله حتى أعلم ماذا يقول الله- ثم في اليوم الثالث -في وقت السحر- كبّر ﵀ عندما قرأ قوله تعالى: ﴿َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فجاءت المرأة فأخبرها بالآية التي هي من أقوى الحجج -وإن كان كتاب الله فيه حجج أخرى، لكن: ﴿َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وهناك حجج أخرى موجودة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] فـ الشافعي ﵀ أراد أن يعرض القرآن كاملاً، فوجد أقوى الحجج والآيات وأدمغها في الدلالة على حجية السنة، فأهم ما يتواصى به طلاب العلم -بل الناس جميعاً- الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ففي العقيدة ترجع إلى ما قال الله وما قال رسوله ﷺ ، انظر إلى كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ برحمته الواسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- تجده مشبعاً بآيات الله وبأحاديث الرسول ﷺ .
وقد عجبت في بعض الأحيان عند بعض المسائل التي يختارها ﵀، تكاد المسألة لا تتجاوز ألفاظ الآية، وهذا والله لا شك أنه توفيق، ثم انظروا كيف وضع الله له القبول، وكيف نفع الله به الناس، فكلما كان الإنسان ملتزماً بالكتاب والسنة وكان مهتدياً بهديهما، نفع الله بقوله.
ولا يعني ذلك أن نرجع مباشرة إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ ونترك العلماء، قال الإمام ابن القيم: نصٌ من كتابٍ وسنةٍ وطبيب ذاك العالم الرباني لا يكفي الكتاب والسنة، بل لابد من دليلٍ وهادٍ يهدي إليهما، ويبين ناسخ القرآن من منسوخه، ويبين حججه ومحجته، وهو العالم العامل.
ليرجع طالب العلم إلى العلماء ويفهم كتاب الله وسنة النبي ﷺ عن طريقهم، فالله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] اسألوا أهل الذكر، فمن عرف بحب كتاب الله وسنة النبي ﷺ ولزومهما، فهو العالم الذي تنعم به العيون، وهو العالم الهادي إلى صراط الله، الدال على طريق الله الذي ينتهي بمن اتبعه وسلك سبيله إلى الجنة.
أما الكتب: ففي كل علم مراتب ومتون ذكرها العلماء يتدرج فيها طالب العلم، والأفضل لطالب العلم إذا أراد أن يتعلم أن يأخذ بصغار العلم قبل كباره، فإذا أراد أن يقرأ العقيدة فليرجع إلى شيخه ليختار له الكتاب الذي يقرؤه عليه، ابدأ -مثلاً- بكتاب التوحيد ثم تدرج حتى تصل إلى العقيدة الطحاوية، ويتدرج في المتون في الفقه، فيبدأ -مثلاً- بعمدة الفقه للإمام ابن قدامة، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني، ويتوسع بعد ذلك حتى يبلغ درجة الاجتهاد، ويبدأ في أصول الفقه بالورقات، ثم يتوسع بعدها إلى الروضة، ثم المستصفى ثم المطولات، وهكذا في الحديث، يبدأ بما صح من الصحيحين كعمدة الأحكام فيحفظها ويبدأ بالأحاديث الجامعة كالأربعين النووية، ثم بعد ذلك يتوسع بعد عمدة الأحكام وينتقل إلى المحرر، ثم ينتقل إلى بلوغ المرام، ويتوسع بعد ذلك في متون الحديث على حسب ما يقره له علماؤه ومشايخه، والله تعالى أعلم.
стр. 333
تعيير الناس الداعية بفساد أقاربه
السؤال
فضيلة الشيخ! إذا كان بيت الداعية على غير استقامة وأصبح يعير لذلك في حيه إذا أراد أن يدعو إلى الله، فما هي الوصية في هذا الأمر؟
الجواب
الداعية إلى الله يدعو إلى الناس بقوله وعمله، ولو كانت بيئته وأهله وقبيلته وأمته التي خرج منها ضالة بعيدة، فلا يضره ذلك شيئاً، ما ضر عكرمة كفر أبيه.
فالداعية إلى الله يبحث عن رضوان الله، ولا يلتفت إلى ما يقوله الناس، فلست بمسئولٍ عن قرابتك إذا بلغتهم رسالة الله على وجهها، فالرسول ﵊ قد وقف أول موقف في الجهر بالدعوة، فكان أول من سفهه ورد عليه على الأشهاد عمه أبو لهب، (فقال له: تباً لك، ألهذا جمعتنا) فأنزل الله من فوق سبع سماوات غيرةً على نبيه، قال : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] فجعله في تبابٍ إلى يوم القيامة، وجعله يوم القيامة في أعظم التباب وأشد النكال، نسأل الله السلامة والعافية.
فالذي يريد أن ينظر إلى أهله وجماعته وإخوانه أو أحدٍ يقول له: كنت وكنت، وفعلت وفعلت، فإنه لن يستطيع أن يدعو، فلا عليك من كلام الناس إذا وجدت الحلاوة وأردت أن تعامل الله وأن تشكر نعمته عليك، فعاجل ما تنتظره من عظيم الأجر عند الله؛ أن تؤذى في ذات الله ﷻ .
يقول بعض العلماء: من دلائل القبول للداعية أن يؤذى في بداية دعوته.
ولذلك بمجرد ما يأتي الداعية يريد أن يتكلم يقول له قائل: اسكت فمن أنت؟ أنت الذي كنت تفعل وتفعل، اسكت فمن أنت حتى تتكلم، فأبوك ليس بعالم، ولا جدك، فما عليك من سخرية الساخرين وتهكم المستهزئين، وعليك برضوان الله رب العالمين.
فهذا لوط ﵇ أوذي بزوجه، وهذا إبراهيم ﵇ أوذي بأبيه، وأوذي نوحٌ ﵇ بابنه، ويقول العلماء: ما ذكر الله هذه القصص إلا لكي تكون سلواناً لكل داعيةٍ إلى الله ولكل هادٍ يهدي إلى صراط الله، فعليك أن تبحث عن مرضاة الله ﷻ ولا تلتفت إلى غيره، وأسأل الله العظيم أن يصرف عنا قول الناس وضرهم، وأن يجعلنا ممن أراد وجهه وابتغى ما عنده.
قال الله تعالى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩].
فمن أراد الوجاهة عند الله فليصبر على طعن الناس فيه وفي زوجته وأهله وولده، قد يأتي الداعية يريد أن يدعو فينتشر بين الناس أن زوجته ليست بملتزمة، وأن أولاده ليسوا بملتزمين، فما دام أنه نصحهم ووعظهم وذكرهم بالله فهو على خير، ولا يضره كلامهم شيئاً وإذا صدق مع الله وبلغ رسالته إليهم، فقد أعذر إلى الله، وذلك لا يمنعه من تبليغ رسالة الله إلى عباده، والله تعالى أعلم.
стр. 334
وصايا لمن وضع له القبول بين الناس
السؤال
إذا وجد الداعية القبول لدعوته، فإنه يجد لذلك ارتياحاً وفرحاً وانشراحاً فهل يقدح ذلك في إخلاصه؟
الجواب
الله المستعان، ينبغي على الداعية ألا يلتفت إلى الناس، فلو أن الأمة كلها أحبت العبد والله ساخطٌ عليه فماذا ينفعه؟ وإذا رضي الله عن العبد والأمة كلها ساخطةٌ عليه فلا يضره ذلك.
إذا كان العبد لله ورضي الله عنه، نعمت عينه وإن كان الناس كلهم بمعزلٍ عنه، ولكن إذا وجد القبول، فليعلم أن عليه -أولاً-: أن يشكر الله ﷻ مقلب القلوب والأبصار، فيقول: يا رب! ما زلت تُنعمُ علي، وما زلت تتفضل علي، فأنت صاحب الفضل أولاً وآخراً، ولا يعتقد أن لسانه أو كلماته ومحاضراته ودروسه تغني له من الله شيئاً، ولو شاء الله في طرفة عين أن يسلب من قلوب العباد حبه لسلبه، فهو على كل شيءٍ قدير، ولو شاء الله في طرفة عين أن يقلب العباد كلهم على حبك وإجلالك وهم في سخطٍ لك لفعل، فالله على كل شيءٍ قدير.
فينبغي على الداعية ألا يلتفت إلى الناس، بل ينظر ويراقب الله ﷻ ، حتى إذا علم أن الله أنعم عليه بهذه النعمة أجلَّ نعمة الله، ومن عرف نعم الله شكرها وحفظها وحافظ عليها وقام بحقوقها.
فعلى الداعية إلى الله إذا رأى القبول أن يثني على الله بما هو أهله، وأن يعلم أن هذا القبول كله مسئوليات وتبعات وأمانات يحملها على ظهره في الدنيا ويسأل عنها بين يدي الله ﷻ ، فلو سأله الله: قد وضعت لك القبول، فماذا قدمت لي؟ فماذا يقول وبماذا يجيب؟ ثانياً: ألا يأمن من مكر الله فتزل قدمٌ بعد ثبوتها، فإن الله مطلعٌ على قلبه، فإن رأى في قلبه أنه لا يميل إلى الناس ثبته ووفقه وسدده، والله على كل شيءٍ قدير، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وكان ﷺ يقول: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) أنت بكلماتك ومواعظك لا شيء، فإذا كنت تظن أن كلامك ومواعظك وحسن بيانك هو الذي جمع الناس حولك، فما صدقت ولا بررت، فكم من بليغ هو أبلغ منك ولا يجد ربع ما تجده، وكم من فصيح هو أفصح منك، ويجد ثُمنَ أو عُشرَ معشار ما تجده، ولكن الفضل كله لله.
فأول ما ينبغي على الداعية أن يوطن نفسه على حب الله وإجلاله وشكره والثناء عليه.
ثالثاً: إذا أحس الإنسان أن النعمة نعمة الله وأن الفضل كله لله؛ خاف من الله ﷻ أن يكون استدراجاً، فإن الله يستدرج العبد من حيث لا يحتسب، فعليه أن يتقي الله فيما يقول ويعمل، فيأخذ بهذه الأمة التي وضع الله له القبول فيها إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، لا إلى مجده وإلى شخصه والثناء على نفسه، ولا يحتكر هذه النعمة، فيخون الأمانة ويضيع عباد الله على حساب ما يكون له من حظوظ، بل ينبغي أن يصوغ القلوب كلها لله، وفاءً وشكراً لنعمة الله ﷻ عليه.
انظر إلى هدي رسول الله ﷺ عندما رأى بأم عينيه القبول في الأرض؛ قام حتى تفطرت قدماه من طول القيام، وقالت له أم المؤمنين: (يا رسول الله! أوتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) فينبغي على الداعية أن يجعل كل ما عنده -ممن التزم سبيله وسار على نهجه- على صراط الله، فالله معك لئن أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، ووفيت له في دعوتك، فهذه من الأمور التي ينبغي أن يتواصى بها، فإذا وجدت في حيك ومسجدك القبول بين الناس، فصغ عباد الله لله، وارجُ الثواب من الله، فإنك إن فعلت ذلك شكر الله سعيك، وأعظم أجرك، ورفع ذكرك، وأحسن العاقبة لك في الدنيا والآخرة.
ونسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، ونسأله تعالى ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يصرف عنا فتنة الرياء، وفتنة السمعة والثناء، وأن يجعل أقوالنا خالصة لوجهه حتى نقف بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 335
التفصيل بين طلب العلم وغيره من العبادات التفرغ لطلب العلم وإتقانه إولى
السؤال
فضيلة الشيخ! هل الأولى أن يصرف العبد أغلب أوقاته في العبادة والنوافل، أم الأفضل أن يعكف على طلب العلم والدعوة إلى الله؟
الجواب
هذا أمر يختلف باختلاف الناس، فإذا كان الإنسان يستطيع أن يفرغ نفسه لطلب العلم ويعطي العلم حقه من الحفظ والفهم والإتقان ويخرج للأمة إمام هدىً، على بصيرةٍ من الله ونورٍ يخرج إلى الناس لكي يسد لهم ثغرةً من ثغور الإسلام، فإن تعلم العقيدة أتقنها، وعرف ما فيها، وأقام الناس على الصراط السوي في العقيدة، وذب عن الإسلام فردّ الشبهات والضلالات، وقام لله بحقه، وإن تعلم الفقه تعلم كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وعرف الحلال والحرام، وعرف الشريعة والأحكام، وقام بذلك على أحسن وجه وأتقن أتم الإتقان وأكمله، فهو على خيرٍ عظيم، وهو بخير المنازل يوم القيامة؛ لأن العلم هو أشرف ما يطلب، وأفضل ما يكون، وهو أفضل من العبادة.
أما إذا كان الإنسان قد فتح الله عليه في العبادة ويريد أن يجمع بين العلم والعبادة فهذا شيءٌ طيب، ولكن الأفضل والأكمل أن يتقن العلم، وأن يفرغ نفسه للعلم ولضبط العلم حتى يسد الناس ثغرة هذا العلم وخاصةً في هذا الزمان الذي قل فيه العلماء، وكلما فقدت الأمة عالماً قل أن تجد من يخلفه.
كانت القرون الماضية إذا مات عالم خلف للأمة علماء فعندما توفي زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه -الصحابي الجليل العالم العامل العابد القانت- وبلغ الخبر أبا هريرة ﵁ بكى، وقال: (لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً -فقد كان زيد ﵁ أعلم الناس بكتاب الله أعلمهم بالحلال والحرام، وأعلمهم بما في القرآن من حدود، وأعلمهم بأوامر الله ونواهيه- ولعل الله أن يجعل لنا في ابن عباس خلفاً من زيد).
لأن ابن عباس لزمَ زيداً، وقد كان يأتي في شدة الظهيرة وينام على بابه، ويأتي في ظلمة السحر وينام على باب زيد، إعظاماً لكتاب الله، وإجلالاً لأهل كتاب الله ﵁ وأرضاه وجزاه عن الأمة والإسلام خير الجزاء- فخرج بحراً حبراً للأمة وعالماً من علماء المسلمين، فكان العلماء إذا ماتوا وفقدوا خلفوا من ورائهم أمة، ولكن اليوم إلى الله المشتكى! فكون طالب علم يحتسب عند الله أن يتقن ثغر العلم، وأن يلتزم بالتعلم وبحلق العلم، ويحب العلماء، ويحرص على مجالسهم والاستفادة من علومهم، فهذا من أفضل ما يكون، فقراءة العلم والنظر في كتب أهل العلم عبادة، والتفكر والتدبر في المسائل ومناقشتها ومناظرتها بنية الوصول إلى الحق عبادة، ولا تزال في عبادة ما كتبت وسمعت وتعلمت ومشيت، فأي مقامٍ مثل هذا المقام؟ وقد قال ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله -وإذا سهل الله فلا تسأل- له به طريقاً إلى الجنة) يقول العلماء: أقرب السبل إلى الجنة طلب العلم، فنحن نقول: إذا كان الإنسان يستطيع أن يتفرغ للعلم ويعطي العلم كليته ويجعل له حظاً من قيام الليل ومن صيام النهار وحظاً من العبادة والبكاء والخشوع والقراءة في سيرة السلف الصالح، فقد جمع بين الحسنيين، نسأل الله العظيم أن يجعلنا ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.
стр. 336
أفضلية الجمع بين طلب العلم والدعوة إلى الله
السؤال
فضيلة الشيخ! ما هو الأفضل للداعية: أن يعكف على طلب العلم حتى يبلغ الحد الذي يؤهله ليكون داعية، أم يجمع بين طلب العلم والدعوة؟
الجواب
الأفضل والأكمل أن يجمع الإنسان بين الحسنيين، أن تجعل لك وقتاً لطلب العلم، ووقتاً للدعوة إلى الله، وطلاب العلم يختلفون، فهناك من هو قليل العلم، لا ينبغي أن يشغل نفسه بالدعوة حتى يتسلح بالعلم، وهناك من هو في بيئة تحتاج إلى كل كلمةٍ منه، وتحتاج إلى العلم القليل الذي عنده، فينبغي عليه أن يؤدي رسالة الله، وأن يتكلم بما عنده من الخير ويبثه للناس.
كان بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- يأتي إلى رسول الله ﷺ الليالي ذوات العدد، فيمكث عنده، فيقول ﵊: (انطلقوا إلى أهليكم فعلموهم) فإذا كان الإنسان في بيئة تحتاج إليه، وتحتاج إلى مواعظه وتذكيره وإلى خطبه، فليحرص على أن يجعل لهم حظاً من ذلك ونصيباً، فإن الله سائله عن ذلك، ولا ينتظر حتى يكمل طلب العلم، بل يبذل ما عنده من العلم والتوجيه حتى يعذر إلى الله بتبليغ رسالته وأداء أمانته.
والأفضل أن يجعل له وقتاً من الأسبوع للدعوة، فيخرج مثلاً يوم الخميس أو الجمعة حسب المستطاع له، ولن نستطيع أن نضع للناس برنامجاً أو طريقة؛ لأن وضع البرامج في هذا من الخطأ، فقد يناسبُ قوماً ولا يناسبُ آخرين، ولكن اتق الله وسدد وقارب، فلن تزال بتوفيقٍ من الله ما سددت وقاربت، والله تعالى أعلم.
стр. 337
ساعدوا أهل كوسوفا
لقد ربط الله بين المسلمين برابطة الإسلام، وجعلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وما نراه اليوم من تكالب الأعداء على أمة الإسلام، وتداعيهم عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، ليؤذن باتحاد المسلمين وتعاطفهم وتراحمهم فيما بينهم، والتناصر بالنفس والمال والدعاء على قدر الاستطاعة.
стр. 338
وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: أحب في الحقيقة أن أذكر الإخوان جميعاً بأمرٍ مهم لابد من العناية به، خاصةً في هذه الأيام، وهو ما أصاب إخواننا الألبان في كوسوفا، وهم الآن في أشد الحاجة إلى معونة إخوانهم المسلمين، والوقوف معهم، فإن الله جمع بالإسلام بين المسلمين، وألّف بين أرواحهم، وجعلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ومن كمُل إيمانه وإسلامه كان مع أخيه كالجسد الواحد، يتألم بآلامه! ويفرح بأفراحه! وإن المسلم ليأرق ويتألم وهو في مشرق الأرض لأخيه في مغربها؛ لأن أخوة الإسلام أعز من أخوة النسب، وأعز من كل أخوة، وإن الله ليرضى عن المسلم الذي تدمع عينه، ويتقرح قلبه لإخوانه المسلمين؛ لأن هذا الألم والحزن يدل على كمال الإيمان والرحمة التي أودعها الله في القلوب، ومن رحم أخاه المسلم ﵀ في الدنيا والآخرة.
стр. 339
النصرة بالمال والدعاء
وهذه هيئات الإغاثة، والمؤسسات الخيرية، أسأل الله العظيم أن يمدهم بعونه وتوفيقه وتسديده، وأن يلهمهم الصواب والرشد، لقد فتحت ذراعيها للمعونة والمساعدة، قد تزور إنساناً غنياً تقول عنده كلمة، تأمره فيها بنصرة هؤلاء الضعفاء، يكتب الله لك بها رضاه إلى يوم تلقاه، (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضاه إلى يوم يلقاه)، تأتي إليه وتذكره بهؤلاء الضعفاء، والله جعل أبواب الجنة خاصةً في الكربات، فقد تكون الكربات سبباً في دخول الجنة، فكم من متكلم في مثل هذه الحوادث والنكبات يكتب الله له رضاه بكلمات! وكم من كلمات حرّكت القلوب فكفكفت دموع اليتامى، وجبرت قلوب الثكالى، كتب الله بها مثاقيل الحسنات! فاحتسبوا الأجر عند الله ، تكون المساعدة بالمال وبكل ما يستطيع الإنسان، تجب علينا نصرتهم ومعونتهم بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فالمسلم أخو المسلم! ونصوص الكتاب والسنة واضحة جلية في هذا الأمر وجب علينا أن نستشعر هذا الأمر، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه استنصر، وأنه رفع يديه وكفه إلى الله مستغيثاً مستنصراً.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، اللهم إنا نسألك أن تجعل لإخواننا في كوسوفا وفي كل مكانٍ من كل همٍ فرجاً، اللهم اجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية.
اللهم ثبت أقدامهم، اللهم ثبت أقدامهم، وسدد سهامهم، وصوب آراءهم.
اللهم اعطف قلوب عبادك عليهم يا حيُ يا قيوم! اللهم اجبر كسرهم، وارحم ضعفهم، وفرج عنا وعنهم يا حيُ يا قيوم! اللهم إن نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، أن تدمر الكافرين ومن أعانهم.
اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم أحصهم عدداً، اللهم اقتلهم بدداً، اللهم لا تغادر منهم أحداً، اللهم اجعل بأسهم بينهم، وسلم المسلمين من شرورهم، يا حيُ يا قيوم! يا حيُ يا قيوم! يا حيُ يا قيوم! إنك على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله.
стр. 340
وجوب النظر في أحوال المسلمين والشعور بالمسئولية
فالواجب علينا أن نتذكر وأن ننظر في أحوال إخواننا، وأن نحس بالمسئولية، والواجب الذي يحتمه علينا ديننا، ويفرض عليه إسلامنا أن يحس المسلم بما أصاب إخوانه من هذه الأذية، وهذا الاضطهاد والظلم والعسف والجوع الذي ضيعت فيه حقوقهم! وانتهكت فيه أعراضهم! وسفكت فيه دماؤهم! ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم! الواجب على المسلم أن يبذل كل ما يستطيع، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ لنصرة إخوانه المسلمين، وهذا أمر محتم يوجبه علينا إسلامنا وديننا أن نرى هؤلاء المسلمين يشردون ويقتلون، وما نقموا منهم إلا الإسلام، والله لا الأرض، ولا المال، ولا النسب، ليس هناك إلا الإسلام! والمسلم العاقل الواعي يدرك هذه الحقيقة، فليس هناك أي أمر يؤذون من أجله إلا الدين، وما نقموا منهم إلا الإيمان بالله ، في تلك البقعة التي قلَّ أن يوجد فيها مسلم.
حنق أعداء الله -شتت الله شملهم، وفرق جمعهم، وجعل بأسهم بينهم- كيف يكون الإسلام في عقر تلك الدار التي قل أن يوجد فيها مسلم! ويبقى هذه القرون وهذا الردح من الزمن! وهذه الأمة تفتخر بإسلامها، متمسكةً بدينها، تحس أنها مرتبطة بالدين! مرتبطة بأعز شيء! وهي اليوم تقف في أمس الحاجة إلى رحمة ربها أولاً وقبل كل شيء، ثم رحمة إخوانهم من المسلمين، الله الله إخواني في الله!
стр. 341
مسئولية طلاب العلم والخطباء تجاه إخوانهم المضطهدين
على طلاب العلم والأئمة والخطباء أن يعتنوا بهذا الأمر، لا يجوز خذلان المسلم، ومن خذل أخاه المسلم خذله الله في الدنيا والآخرة، والمصائب والنقم تحل سنين إذا خذل بعضهم بعضاً، والله يرفع البلاء على المسلمين إذا كانوا متراحمين متعاطفين، يعطف بعضهم على بعض.
كان بعض العلماء يمرض إذا سمع بكارثة نزلت على المسلمين في صقع من الأرض، وكان بعضهم ربما يمرض حتى يعاد مما يجد من الأسى والحزن، ونحن لا نبدي الخور والضعف، فالله يعلم بما يسكن قلوبنا من الثقة بالله ﷻ ، وخير ما تنصرون به إخوانكم أولاً قبل كل شيء ألا تنسوهم من صالح الدعاء، فإن الدعاء حبل متين، ولا يستهن الإنسان بدعوة، فلعل الله أن يجعل دعوتك تفتح لها أبواب السماء يكتب لك أجرها.
فأنت إذا قلت اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، كتب الله لك كل ما يكون من هذه الدعوة، فتكون معهم بالدعاء، في سجودك وبين الأذان والإقامة وفي الأسحار.
تصور أن هذه المرأة المنكوبة المكلومة المفجوعة المفزوعة أنها أمٌ لإنسان! أو أنها أخت! أو أنها بنت! ماذا يكون حال الإنسان؟! أليس بيننا وبينهم الإسلام؟ أليست هناك وشيجة أعز وأعظم من وشيجة النسب؟ لو أن إنساناً من ذي قرابتك أصابه عشر ما أصابهم لتقرح قلبك! وشعرت بالأسى والحزن فكيف بإخوانك في الله والإسلام؟! فالله الله أيها الأئمة والخطباء وطلاب العلم أن توجهوا الناس وتذكروهم، وأن تعظوهم بهذه الحقوق، ومن نصر مسلماً نصره الله في الدنيا والآخرة، وليس هناك أعز من أن نعتز بديننا، وأن نشعر أن بيننا وبين إخواننا حقاً عظيماً يحتم علينا الوقوف بجوارهم.
стр. 342
رسالة إلى تاجر
التجارة نعمة أنعم الله بها على عباده، يصون الإنسان بها نفسه عن مذلة السؤال، ويكفي بها نفسه وأهله؛ لكن الله جعل للتجارة ضوابط وشروطاً تضبط تداول الأموال بين الناس، فمنع منها ما فيه ضرر على الفرد أو المجتمع، فعلى التاجر -إذا أراد البركة في تجارته- أن يلتزم بضوابط الشرع في البيع، وأن يشكر نعمة الله عليه، فيخرج زكاة ماله، ويتصدق على الفقراء والمساكين، ويصل رحمه؛ فهذه أمور تزيد من بركة التجارة، وتحقق رضوان الله على العبد.
стр. 343
أهمية التجارة في الإسلام
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المؤمنين والمؤمنات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: الحمد لله الذي جمعنا في هذه الساعة الطيبة المباركة من هذا الشهر المبارك الكريم، أحمده وأشكره، وأسأله بمنه وكرمه كما أكرمنا بهذا الاجتماع في هذه الدار، أن يجمعنا في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
بادئ ذي بدء أشكر من كان له الفضل -بعد الله في هذا اللقاء، وشكر الله لكم مسعاكم، وقرن بطيب الجنة ممشاكم؛ حيث أقبلتم على هذه الروضة من رياض العلم، التي نتدارس فيها ما ينبغي على المسلم في تجارته مع الله وتجارته مع الناس.
أيها الأحبة في الله: التجارة نعمة من نعم الله ، وهي مهنة شريفة كريمة، ولو لم يكن في شرفها إلا أن نبي الأمة ﷺ عمل بها يوماً من الأيام، فقد ثبت عنه ﵊ أنه تاجر في مال خديجة ﵂ وأرضاها.
هذه التجارة تولاها الأخيار على مر القرون والأعصار من صحب النبي الأخيار ﵃ وأرضاهم، تولاها أبو بكر صديق هذه الأمة، وكان تاجراً ونعم التاجر، وكذلك أصحاب النبي ﷺ ، كـ عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع.
وكان عبد الرحمن له في التجارة ثلاثة مواقف عظيمة جليلة: أولها: أنه قدم إلى المدينة -وهو من أهل الهجرتين ﵁ وأرضاه- فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، فقال له سعد: يا عبد الرحمن! هذا مالي، أشاطرك هذا المال نصفه لك ونصفه لي، ولي زوجتان انظر إلى أجملهما وأحسنهما أطلقها وتنكحها من بعدي.
فقال عبد الرحمن ﵁ وأرضاه: بارك الله لك في مالك، دلني على السوق.
كان أصحاب النبي ﷺ لهم همة عالية، ونفوس طاهرة زاكية، فاستغنى عبد الرحمن بالله ففتح الله له أبواب الغنى، أقبل على السوق فتعب ونصب، وكان تاجراً أميناً صادقاً وفياً براً في تجارته ومعاملته؛ ففتح الله له أبواب الرحمة؛ فكان له من الخير ما كان.
الموقف الثاني الذي كان له: أنه كان ممن يجهز جيش النبي ﷺ في الغزوات، فصدق فيه قول المصطفى ﷺ : (نعم المال الصالح عند الرجل الصالح).
أما الموقف الثالث: فهو أن إحدى أمهات المؤمنين خشعت بين يدي النبي ﷺ ، وذكرت وفاته صلوات الله وسلامه عليه؛ فقال ﵊: (يحفظكن من بعدي الصادقون) فكان عبد الرحمن ﵁ وفياً لرسول الله ﷺ في أزواجه من بعده، فكان يتحمل نفقاتهن ويكثر الإحسان إليهن، فيا لها من تجارة عادت عليه بخيري الدنيا والآخرة! التجارة نعمة من الله وشرف للإنسان، وأي شرف أن يأكل من كد يديه وعرق جبينه! الذي قال فيه النبي ﷺ ، حينما سُئل عن أطيب الكسب؟ فقال: (عمل الرجل بيده).
الإسلام دين عمل، ودين جد واجتهاد، ودين سعي وتحصيل، وليس بدين خمول ولا كسل، فشحذ الهمم إلى هذا العمل المبارك، يصون الإنسان به وجهه عن ذل السؤال وشدة الحال، ولذلك كان من أعظم الأمور بلية على العبد أن يتعلق أو تتعلق حوائجه بالناس.
ذكروا عن إبراهيم بن أدهم -عابد من العباد، ورجل من الأخيار الصالحين من سلف هذه الأمة رحمة الله عليهم أجمعين- أنه كان في سفينة فتحركت الرياح وكادت السفينة أن تغرق، فسلم الله ولطف، فلما نجوا من الكربة قال قائلهم: يا إبراهيم! ألم تر إلى هذه الشدة؟ قال: لا والله، إنما الشدة الحاجة إلى الناس.
الشدة حاجة الإنسان إلى الناس فإنه يريق بها ماء وجهه، ويذهب بها كرامته، وينال بها شدة الحياة وقسوتها، فإذا فتح الله على العبد أبواب رحمته، ويسر له من عظيم منته ونعمته، فوجد كسباً طيباً يريق به عرقه لكي يحصل به طيب رزقه؛ فهي نعمة من الله عظيمة.
стр. 344
البيوع نوعان مباحة ومحرمة
وقد بين الله أن هذه التجارة تنقسم إلى قسمين: تجارة مباحة، وتجارة محرمة.
أما التجارة المباحة: فقد أشار الله إليها بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وأما التجارة المحرمة: فقد أشار إليها باختصار في قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
قال بعض العلماء: إن الذي أحل الله من البيع أكثر من الذي حرم.
ولذلك لما أراد أن يبين سبحانه الحلال قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ما فرق بين بيع وآخر، ولم يقل: أحل الله بيع البيوت ولا بيع الدواب ولا بيع الأطعمة، ولا الأكسية ولا الأغذية، ولكن قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]؛ حتى يعلم المسلم أن الأصل في البيوع أنها حلال ومباحة، حتى يدل الدليل من كتاب الله وسنة النبي ﷺ على حرمتها.
فعمم الله -جل وعلا- في الحلال، لكن لما أراد أن يحرم قال: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، قال بعض العلماء: في هذا دليل على سماحة الإسلام ورحمة الله بالعباد؛ حيث جعل الحلال أكثر من الحرام.
والذي حرمه الله إما لضرر على الإنسان أو ضرر على الناس، أو ضرر على الاثنين، أو لمقصد شرعي يعلمه الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
стр. 345
تحريم البيوع يرجع إلى أربع قواعد أساسية
لقد أجمع العلماء على أن التجارة المحرمة أصولها تعود إلى أربعة أمور: أولها: أن يكون الشيء محرماً بذاته.
وثانيها: أن يكون محرماً لوجود الربا.
وثالثها: أن يكون محرماً من أجل الغرر.
ورابعها: أن يتضمن شروطاً فيها الربا أو الغرر أو هما معاً.
стр. 346
تحريم البيع لوجود الغرر والخداع
هناك نوع ثالث من المحرمات في التجارة، فمن أسباب تحريم التجارة: الغرر.
الغرر باختصار -والكلام فيه يطول-: هو المخادعة، يقال: غره إذا خدعه، بمعنى أن البيع يتضمن شيئاً من المخاتلة التي يخدع فيها المشتري، مثلاً: يعطيه شيئاً يحتمل أن يقع ويحتمل ألا يقع، مثل: (سحب الأرقام)، يعطيه أرقاماً معينة، يقول له: اسحب منها رقماً، فإن كان رخيصاً فهو لك، وإن كان غالياً فهو لك.
لكن الإسلام يقول: هذا البيع محرم؛ لأن الإنسان قد يدفع ماله، ويظن أنه يحصل على الغالي، فإذا به قد حصل على الرخيص؛ فيندم ويتألم ويغبن في حقه، ويكون ذريعة لأكل الأموال بالباطل، والشريعة تريد من المشتري إذا جاء يشتري ومن البائع إذا جاء يبيع أن كلاً منهما يكون على بينة وعلم، لا تريد الغش ولا تريد الخداع؛ لأن هذا يفسد القلوب.
ولذلك قال: إذا كان المبيع مجهولاً أو كان الثمن مجهولاً لا يصح البيع، مثلاً: قال له: بعني هذه السيارة.
قال: بعتك.
قال: بكم؟ قال: نتفق فيما بعد، فهذا لا يجوز، لابد أن يحدد بكم يكون البيع؛ لأنه ربما أخذتها منك على أننا نتفق، وقيمتها في ظني عشرة، فتقول: هي باثني عشر أو ثلاثة عشر أو أربعة عشر؛ فتتقطع أواصر الأخوة؛ وتحصل النزاعات والخلافات بين المتبايعين.
إذن: الشريعة لا تتدخل إلا إذا وجد الضرر أو وجد موجب الفساد.
وبيوع الغرر كثيرة جداً، وقد منع النبي ﷺ عن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع الحصاة، فما معنى بيع الملابسة والمنابذة والحصاة؟ فمن صور بيع الملامسة: في الجاهلية لم يكن هناك أماكن، ورفوف لعرض البضائع وإنما كانوا يفرشون بضاعتهم على الأرض، فيأتي المشتري والبائع يعرض -مثلاً- ثوباً، ويريد المشتري أن يقلب الثوب، فيقول له البائع: لا تقلب الثوب، أبيعك على أن يقوم لمسك مقام نظرك، فحرم النبي ﷺ هذا النوع من البيع؛ لأنه قد يكون العيب موجوداً داخل المبيع؛ فإذاً لا يريد الشرع أن يدفع المشتري شيئاً دون أن يكون على بينة من أمره.
فنخرج من هذا كله: إلى أن الشريعة حرمت البيع إذا كان هناك ضرر، أما إذا لم يكن هناك ضرر، ولم يكن هناك ما يوجب تحريم البيع؛ فالأصل حل البيع وجوازه.
стр. 347
تحريم البيع لحرمة عين المبيع
أما تحريم عين المبيع فإن الله له حكمه ، يقول هذا حلال وهذا حرام، ﴿يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]، ملك العباد وما ملكوا، فقد يحرم الشيء لذاته، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا النوع من البيوع المحرمة في خطبته حينما فتح مكة -صلوات الله وسلامه عليه- في يوم أعز الله جنده، ونصر فيه عبده وصدق فيه وعده فدخل ﵊ إلى مكة متواضعاً متخشعاً متذللاً لربه .
ولما كان اليوم الثاني -وكان اليوم الأول الناس هم في الحر، ودخل النبي ﷺ مكة وفتحها- قام خطيباً صلوات الله وسلامه عليه، وعليه عمامته السوداء ممسكاً بعضادتي الباب، فقال في خطبته: (إن الله ورسوله حرما بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام).
أربعة أمور ذكرها: الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام.
هذا النوع من التحريم في الشريعة راجع إلى ذات الشيء المبيع، بمعنى أن المبيع لا يصلح أن تدفع الثمن بمقابله.
الميتة: أكلها ضرر وأذية، ولا يمكن أن ينتفع بأجزائها، وهي نجسة؛ ولذلك حرم الله بيعها، فلا تباع بذاتها ولا بأعضائها وأجزائها، إلا ما استثنى الشرع منها وهو جلد الميتة إذا دبغ؛ لقوله ﵊: (أيما إهاب دبغ فقط طهر).
من أمثلة هذا النوع الموجود الآن ويخفى على الكثير: تحريم بعض الدواب الميتة، قد يُؤخذ مثلاً ثعبان ويحنط، وهو ميت فيباع، إذا نظرت إلى هذا البيع فإنه يصدق عليه قول النبي ﷺ : (إن الله حرم بيع الميتة)، إذا تأملت ونظرت وتدبرت وتفكرت هذا الثعبان إذا حنط ودُفعت فيه المبالغ الباهظة والكثيرة، التي تسد الرمق، ويكون فيها الخير لو أنفقها الإنسان في مجالات أخرى، أي مصلحة في دفع هذا المال الكثير لحيوان يحنط ويجسم؟! فإذاً تحريم الشرع فيه الحكمة البالغة لمثل هذا، لكن لو أن الحيوان ذُكي وحنط فلا حرج؛ لأنه أصبح طاهراً، وفي هذه الحالة يزول معنى النجاسة الموجودة فيه، وإن كان بعض العلماء يعده ممنوعاً من جهة المصلحة؛ لعدم وجود المصلحة في بقائه.
إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر؛ فالله حرم الخمر لكونه يفسد العقول ومقاصد الشريعة والأديان السماوية حفظت على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم، فأي شيء يمس هذه الأمور الخمسة فإنه يعتبر في هذه الحالة محرماً، فالخمر تمس العقل الذي يكون الإنسان مرتقياً به عن مرتبة البهيمة؛ فحرم الله بيعها.
ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه فتح الطائف، وكان له صديق في الجاهلية، فرأى النبي ﷺ قد أنعم الله عليه بفتح الطائف فجاءه بهدية، وكانت الهدية عبارة عن قربتين من خمر، فلما جاء إلى النبي ﷺ بهديته -وكان ﷺ حكيماً حليماً رحيماً، لا يعنف ولا يقهر الإنسان في وجهه، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه! - نظر إليه وقال: أما علمت أن الله حرم الخمر -يعني تعطيني هذه من باب الهدية، أما عندك علم أنها حرام-؟! قال: لا.
فقام رجل -وكان جالساً- فسارَّ صاحب الهدية -بمعنى كلمه سراً في أذنه-، فقال ﷺ : بم ساررته -ما الذي قلت؟ - قال: أمرته أن يبيعها -ما دام النبي ﷺ لا يريدها، وهي محرمة في الشرع- فقال ﷺ : إن الذي حرم شربها حرم ثمنها -وفي رواية: بيعها-).
تبيعها؟! فمن الذي يأخذها؟ ومن الذي يستفيد منها؟ فحرم الله مثل هذا البيع لهذا.
стр. 348
قواعد فرعية تتعلق بتحريم البيع
فهذه أربعة قواعد للتجارة المحرمة، وقد يرد التحريم لأمر يتعلق بالوقت أو بالزمان، أو بصفة تتعلق بالبائع أو بالمشتري، فيحرم الله من أجل الوقت كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] فحرم الله البيع في هذا الوقت؛ لأن الوقت مستحق لما هو أهم وأجل، وإذا تعارضت تجارة الدنيا وتجارة الآخرة فتجارة الآخرة مقدمة؛ لأن الله خلق الخلق من أجل هذه التجارة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
فإذا تعارضت تجارة الدنيا وتجارة الآخرة؛ قدمت تجارة الآخرة على تجارة الدنيا؛ فحرم البيع؛ لكن لا لذاته وإنما لعارض يعرض على ذلك البيع، وقد يحرم الله التجارة بسبب قطع أواصر الأخوة والمحبة، وتشتيت المجتمع وتفريقه، وإيجاد الشحناء والبغضاء.
ومن هنا نعلم ترابط الشرع، أنه يربط بين العبادة والمعاملة، فكما أن المسلم يكون في مسجده عابداً لربه كذلك في دكانه وتجارته.
أما المثال على تحريم المنع بالتجارة؛ بسبب كونها تفسد أواصر الأخوة وتقطعها؛ وتكون سبباً في إيجاد الضرر: فتحريم الله لبيع النجش.
وبيع النجش: أن يزيد الإنسان في السلعة وهو لا يريد شراءها؛ فإنه إذا فعل ذلك خدع أخاه وخذله وآذاه، وجعل تجارته وسيلة للإغرار؛ فخرجت عن المقصود الأسمى والأسنى وهو نفع الناس؛ صارت التجارة حرباً وأذية وبلاء فقال الشرع: لا.
لماذا؟ لأن هذا النجش يفضي إلى الأذية بالغير، والإسلام يريد من المسلم أن يكون على محبة وصفاء ونقاء لإخوانه المسلمين؛ فحرم الله النجش.
حرم الله بيع المسلم على بيع أخيه؛ حتى لا يقطع أواصر المحبة: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) لأنه إذا قال المسلم: هي بعشرة.
قال الآخر: عندي سلعة أجود منها أو مثلها بتسعة أو بثمانية.
فكان في ذلك حنقاً للبائع، كيف يدخل بينه وبين من يريد منه تجارته أو بيعه، فحرم الله بيع المسلم على بيع أخيه؛ لأن التجارة أصبحت قاطعة لأواصر الأخوة؛ ممزقة لمعاني المحبة.
فقد يحرم الله البيوع والمعاملات لأمر خارج، أما القواعد الأربع التي ذكرناها فهي لذات البيع ولأصل البيع، فإذا وجدت في البيع هذه الأربعة كانت محرمة، والقواعد الأربع هي: - تحريم عين المبيع.
- الربا.
- الغرر.
- الشروط المتضمنة للربا أو للغرر أو لهما معاً.
стр. 349
نعم المال الصالح عند الرجل الصالح
التجارة نعمة من الله، وإذا صارت في طريقها المحمود فهي خير عاجل، خير من الله لعبده، وقد جمع النبي ﷺ التجارة في كلمتين هما أساس الخير حيث قال: (نعم المال الصالح عند الرجل الصالح) أما قوله: (نعم المال الصالح) أي: نعم ما يكون من مال إذا صلح ذلك المال من الخبث وهو الحرام، ولن نستطيع أن نعرف صالح الأموال من فاسدها إلا بالرجوع إلى العلماء، والاهتداء بهدي كتاب الله وسنة النبي ﷺ .
لذلك: أوصي إخواني التجار، بل نتواصى جميعاً أن نقف عند حدود الله، فإذا قال العالم: لا يجوز؛ فقل: سمعنا وأطعنا.
وإذا قال: يجوز؛ فقل: الحمد لله الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث.
فالمال الصالح يتوقف على حكم من الله بصلاحه، وقد بينا المحرمات.
والجملة الثانية في قوله: (عند الرجل الصالح)، والرجل الصالح المراد به: من أصلح الله سريرته وأصلح الله علانيته، فإن الرجل إذا باع بيعه واتقى الله في بيعه، فهي شهادة من النبي ﷺ بصلاحه، وهذا خير للتاجر الصالح: أن يظفر بتزكية النبي ﷺ له بكونه صالحاً، (عند الرجل الصالح) فالرجل الصالح هو الذي يسلم من الدخل في قلبه، فإذا جاء إلى دكانه أو إلى بقالته أو إلى متجره أو إلى محل عمله دخل وقلبه نقياً للمسلمين، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن بلغ ذلك فقد نصح لله ورسوله ولعباده المؤمنين.
أن يدخل بنية صافية، وقلب نقي زاكٍ، يحب لإخوانه ما يحب لنفسه.
فهذا جرير اشترى فرساً، وأعجبه هذا الفرس، فكانت قيمة الفرس بالمال، فجاء إلى بائع الفرس وزاده في المال، ثم ذهب وركب الفرس فأعجبه، فرجع ثانية وزاده في المال، ثم ركب مرة ثالثة فأعجبه فجاء إلى الرجل وزاده، فنظر إليه الرجل -كأنه يظن أن جريراً به شيء في عقله- فقال جرير ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصيحة لكل مسلم) فلن أغشك، رأيت أن فرسك هذا يستحق أكثر فلذلك زدتك.
فهذه الوصية الأولى: أن يكون الإنسان صالحاً في قلبه وباذلاً النصيحة للمسلمين.
الوصية الثانية: الصدق في وصف المبيع، في الثمن الذي تدفعه، عدم المبالغة، عدم الكذب، عدم الحلف الكاذب الذي أخبر النبي ﷺ أنه يذهب البركة، قال ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
فكل بيع تبتاع أو تبيعه للغير فأنت بين أمرين: بين قوله ﵊ (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما -وقوله-: وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن صدق وبر، ولذلك دعا النبي ﷺ بالرحمة لمن وفق لهذه السماحة، فقال ﵊: (رحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى).
стр. 350
الرضا بالقليل من الربح دليل القبول والبركة
قال بعض العلماء: السماحة في البيع أن ترضى بالقليل من الربح، لا تبالغ، ولذلك ذكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه قيل له: كيف أصبحت غنياً وقد قدمت المدينة فقيراً؟ فذكر كلمة يقول عنها بعض العلماء: هي كنز في التجارة، فقال ﵁: (كنت إذا أعطيت أقل الربح رضيته؛ فبارك الله لي).
يقول بعض العلماء: هذا كنز التجارة.
وتوضيح لذلك قالوا: لأنه إذا رضي بأقل الربح رغب الناس في بيعه؛ فيقبلون على بضاعته؛ لأن ربحه قليل، فيشتهر بين من يشتري منه.
كذلك أيضاً: إذا اشترى الناس منه نفدت منه السلع، فصار يشتري من غيره، فيحبه من يأخذ منه لكثرة أخذه ممن يبتاع إليه، فأصبح محبوباً بين من يبيع له وبين من يشتري منه، فلذلك يقولون: هي كنز من كنوز التجارة.
الأمر الثاني قالوا: إنه إذا رضي بقليل الربح وقعت البركة، ولذلك الإسلام لا يحرج عليك أن تبيع الذي اشتريته بعشرة بألف، فلا يحرج عليك، وأما ما يقوله بعض المتأخرين -هداهم الله وأصلحهم-: من أنه لا يجوز المبالغة في الربح، ليس هناك دليل على تحديد نسبة معينة في الأرباح، هذا في أصل الشرع؛ لكن أجاز العلماء لولي الأمر أن يتدخل في التسعير عند وجود المصلحة، إذا وجدت المصلحة فله أن يسعر ولا حرج، لكن نحن نقول: كون الشخص يشتري بعشرة ويبيع بمائة، فهذا مباح: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ما دام أن نفسك طابت أن تشتري بمائة فلا حرج.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لـ عروة البارقي -أحد الصحابة ﵁ يوماً من الأيام: (خذ ديناراً واشتر لنا من هذا الجلب شاة.
فأخذ عروة الدينار، فذهب إلى الجلب فوجد شاة بنصف دينار، فاشترى شاتين بدينار، ثم باع إحدى الشاتين بدينار، فرجع إلى النبي ﷺ بدينار وشاة، فقال: يا رسول الله! هذه شاتكم وهذا ديناركم.
فقال ﷺ : اللهم بارك له في صفقة يمينه) فكان لو اشترى تراباً ربح فيه ﵁، وهذه من معجزاته ﵊.
الشاهد أنه اشترى بنصف دينار وباعه بدينار، وهذا يدل على جواز ربح المائة بالمائة.
لكن يقول العلماء: السماحة والبركة والخير في عدم التضييق على الناس، فالله قد ينعم على الإنسان ويأخذ الأرباح الباهظة، لكن لا يأمن أن يسلط الله على ماله بلاءً، ولا يأمن أن يسلط الله على ماله نقمة، ولكن إذا اتقى الله ورضي بقليل الربح؛ فتح الله له أبواب البركة؛ فأصبح ربح الواحد كالعشرة.
فليس المهم أن يأخذ الإنسان المائة ولا الألف ولا الألفين، ولكن المهم البركة، والبركة تكون في الأموال، وتكون في الأولاد، وتكون في الأرزاق والأقوات، ولذلك قالوا: ربما أن الإنسان يكون له ولد واحد يضع الله فيه البركة عن عشرة وعن عشرين، وربما يكون له عشرة من الولد ليس فيهم بركة نسأل الله السلامة، حتى يتمنى أنه ما ولد له ولد -نسأل الله السلامة والعافية-.
فالمهم البركة، فقد تأخذ العشرة ويضع الله فيها بركة الألف، وقد تأخذ العشرة فيصلح بها دين العبد ودنياه وأخراه، يتصدق منها، ويصل الرحم، ويغنم منها في أمور بيعه وتجارته.
فالمقصود: أن هذه من دعائم الخير: الصدق في المعاملة، النقاء في القلوب، الرضا بالقليل كما أثر عن هذا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه.
стр. 351
الحذر من المشتبهات في البيع
كذلك هناك أمور ينبغي أن ينبه إليها، وهي: أن البيع منه الحلال ومنه الحرام ومنه المشتبه، وهو الذي يقع الإنسان به في الشبهة ولا يدري أحلال هو أو حرام؟! فإذا وقفت أمام الشبهات فاحتط لدينك، واستبرئ لدينك؛ يسلم لك دينك؛ وتسلم لك آخرتك،؛ ويعوضك الله خيراً مما فقدت، ولذلك قالوا في الحكمة -وتروى مرفوعة، ولكن الصحيح عدم ثبوتها-: (ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه).
فقد تقف أمام بيع أو تجارة أو معاملة، ولكن فيها شبهة، والنفس غير مطمئنة، وتسأل العلماء فتجد هذا يحلل وهذا يحرم؛ فتقع في لبس من أمرك؛ فحينئذ الأتقى لربك، والأنقى لصدرك، والأعظم لأجرك أن تدعها لله، فإن تركت باباً فتح الله عليك أبواباً، وإن تورعت عن شيء فتح الله لك غيره، فما عامل أحد الله فخاب.
стр. 352
شكر النعمة وأنواعها
الوصية الأخيرة التي أختم بها هذا المجلس المبارك: أن الله وعد المحسن على الإحسان إحساناً، فمن نعم الله على التاجر أن يفتح له أبواب رحمته، فيشرح صدره بشكر نعمة الله باللسان وبالجنان وبالجوارح والأركان.
فإياك أن تدخل متجرك أو تخرج من محلك إلا وأنت تثني على الله حق ثنائه! وقل: يا رب! كنت وضيعاً فرفعتني، وكنت فقيراً فأغنيتني، وكنت ضائعاً فآويتني، فلك الحمد الذي أنت أهله، فإن الله تأذن بالمزيد لمن شكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
وأوحى الله إلى نبيه نوح أن اشكرني فقال: يا رب! كيف أشكرك وشكرك نعمة تستحق الشكر؟ قال: أما وقد علمت أنك لن تستطيع شكري فقد شكرتني.
ما دمت تعتقد أنك لن تصل إلى شكر النعم على الحقيقة فقد شكرتني، هذا شكر القلوب: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه ليس بالذكاء ولا بالشطارة ولا بالفهم، ولكن بفضل الله ورحمته، ما فتح الله من رحمة لا يستطيع أحد أن يغلقها، وما قفل من أبواب لا يستطيع أحد أن يفتحها سبحانه لا إله إلا هو!
стр. 353
النوع الأول: شكر النعمة بالقلب
فأول شيء: شكر نعم الله من جهة الجنان، أن تعتقد فضل الله عليك، ولذلك من اعتقد فضل الذكاء وفضل الفهم والشهرة أن لها أساساً في ربحه وتجارته؛ لا يأمن من مكر الله به، ولذلك انظر إلى قارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨] فلما قال ذلك، خسف الله به وبداره الأرض، فهو يتزلزل فيها إلى يوم القيامة.
فاشكر نعمة الله عليك، اعلم أنك الفقير الذي لا غنى لك عن الله، وأنك الغني بالله وحده لا بالذكاء ولا بالفهم.
стр. 354
النوع الثاني: شكر النعمة باللسان
الأمر الثاني: شكر اللسان، وهو التحدث بنعمة الله، فاذكر ما كنت فيه وما كنت عليه، واجمع أبناءك، ولينظر الله إليك يوماً من الأيام وأنت مع أهلك وأولادك تقول لهم: يا أبنائي! كنت فقيراً فأغناني ربي، وكنت ضائعاً فآواني ربي، وكنت جائعاً فأطعمني ربي، وعارياً فكساني ربي، فله الحمد الذي هو أهله.
فطوبى لك ونعمت عينك إذا نظر الله لك يوماً وأنت جالس مع ولدك تتحدث بنعمة الله عليك! هذه نعمة من الله ، ولذلك كان العقلاء والحكماء وكبار السن دائماً يجلسون مع أبنائهم، يذكرون ما كانوا فيه من شدة وبلاء؛ حتى يعرف الأبناء ويعرف الصغار ما كان فيه الكبار؛ فيدركوا فضل الله عليهم.
стр. 355
النوع الثالث: شكر النعمة بالجوارح
النوع الثالث من الشكر: شكر الجوارح والأركان، اقتحام العقبة بفك الرقبة، وإطعام ذي المسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة، الإحسان إلى الناس؛ فإن العبد إذا أحسن، أحسن الله إليه، فإذا نظر الله إليك فقد شكرت نعمته وشكرت منته، فأطعمت الجائع وكسوت العاري.
следующие страницы →