Полный текст (1 035 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الحذر من المشتبهات في البيع
كذلك هناك أمور ينبغي أن ينبه إليها، وهي: أن البيع منه الحلال ومنه الحرام ومنه المشتبه، وهو الذي يقع الإنسان به في الشبهة ولا يدري أحلال هو أو حرام؟! فإذا وقفت أمام الشبهات فاحتط لدينك، واستبرئ لدينك؛ يسلم لك دينك؛ وتسلم لك آخرتك،؛ ويعوضك الله خيراً مما فقدت، ولذلك قالوا في الحكمة -وتروى مرفوعة، ولكن الصحيح عدم ثبوتها-: (ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه).
فقد تقف أمام بيع أو تجارة أو معاملة، ولكن فيها شبهة، والنفس غير مطمئنة، وتسأل العلماء فتجد هذا يحلل وهذا يحرم؛ فتقع في لبس من أمرك؛ فحينئذ الأتقى لربك، والأنقى لصدرك، والأعظم لأجرك أن تدعها لله، فإن تركت باباً فتح الله عليك أبواباً، وإن تورعت عن شيء فتح الله لك غيره، فما عامل أحد الله فخاب.
стр. 352
شكر النعمة وأنواعها
الوصية الأخيرة التي أختم بها هذا المجلس المبارك: أن الله وعد المحسن على الإحسان إحساناً، فمن نعم الله على التاجر أن يفتح له أبواب رحمته، فيشرح صدره بشكر نعمة الله باللسان وبالجنان وبالجوارح والأركان.
فإياك أن تدخل متجرك أو تخرج من محلك إلا وأنت تثني على الله حق ثنائه! وقل: يا رب! كنت وضيعاً فرفعتني، وكنت فقيراً فأغنيتني، وكنت ضائعاً فآويتني، فلك الحمد الذي أنت أهله، فإن الله تأذن بالمزيد لمن شكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
وأوحى الله إلى نبيه نوح أن اشكرني فقال: يا رب! كيف أشكرك وشكرك نعمة تستحق الشكر؟ قال: أما وقد علمت أنك لن تستطيع شكري فقد شكرتني.
ما دمت تعتقد أنك لن تصل إلى شكر النعم على الحقيقة فقد شكرتني، هذا شكر القلوب: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه ليس بالذكاء ولا بالشطارة ولا بالفهم، ولكن بفضل الله ورحمته، ما فتح الله من رحمة لا يستطيع أحد أن يغلقها، وما قفل من أبواب لا يستطيع أحد أن يفتحها سبحانه لا إله إلا هو!
стр. 353
النوع الأول: شكر النعمة بالقلب
فأول شيء: شكر نعم الله من جهة الجنان، أن تعتقد فضل الله عليك، ولذلك من اعتقد فضل الذكاء وفضل الفهم والشهرة أن لها أساساً في ربحه وتجارته؛ لا يأمن من مكر الله به، ولذلك انظر إلى قارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨] فلما قال ذلك، خسف الله به وبداره الأرض، فهو يتزلزل فيها إلى يوم القيامة.
فاشكر نعمة الله عليك، اعلم أنك الفقير الذي لا غنى لك عن الله، وأنك الغني بالله وحده لا بالذكاء ولا بالفهم.
стр. 354
النوع الثاني: شكر النعمة باللسان
الأمر الثاني: شكر اللسان، وهو التحدث بنعمة الله، فاذكر ما كنت فيه وما كنت عليه، واجمع أبناءك، ولينظر الله إليك يوماً من الأيام وأنت مع أهلك وأولادك تقول لهم: يا أبنائي! كنت فقيراً فأغناني ربي، وكنت ضائعاً فآواني ربي، وكنت جائعاً فأطعمني ربي، وعارياً فكساني ربي، فله الحمد الذي هو أهله.
فطوبى لك ونعمت عينك إذا نظر الله لك يوماً وأنت جالس مع ولدك تتحدث بنعمة الله عليك! هذه نعمة من الله ، ولذلك كان العقلاء والحكماء وكبار السن دائماً يجلسون مع أبنائهم، يذكرون ما كانوا فيه من شدة وبلاء؛ حتى يعرف الأبناء ويعرف الصغار ما كان فيه الكبار؛ فيدركوا فضل الله عليهم.
стр. 355
النوع الثالث: شكر النعمة بالجوارح
النوع الثالث من الشكر: شكر الجوارح والأركان، اقتحام العقبة بفك الرقبة، وإطعام ذي المسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة، الإحسان إلى الناس؛ فإن العبد إذا أحسن، أحسن الله إليه، فإذا نظر الله إليك فقد شكرت نعمته وشكرت منته، فأطعمت الجائع وكسوت العاري.
стр. 356
الصدقات الخفية أكثر ثواباً وأعظم أجراً
اجعل بينك وبين الله صدقات، واجعل هذه الصدقات خفية؛ فإن الله يحب العمل الخفي، ولذلك ذكروا عن زين العابدين -سيد من سادات التابعين وعلمائهم المجتهدين رحمة الله عليه- أنه كان إذا جن عليه الليل حمل على ظهره الطعام إلى بيوت الأرامل والأيتام رحمة الله عليه، وهو إمام في العلم والورع والزهد والصلاح رحمة الله عليه، حتى إنهم لما أرادوا أن يغسلوه ويكفنوه خلعوا ثيابه من أجل أن يغسل، فوجدوا ظهره متشحطاً من أثر الدقيق الذي كان يحمله على ظهره رحمة الله عليه.
فكان يحسن ولكن كان في الخفاء، لم يحسن أمام الناس، ولم يحسن ليقال: إنه كريم.
لا، فإن العبد إذا أحسن أمام الناس على رياء منه وسمعة؛ سمع الله به يوم القيامة، فيأتي العبد بحسناته وأجوره بين يدي الله فيسأله الله: ماذا أردت عبدي؟ فإذاً لابد أن تكون للإنسان صدقات خفية.
نعم تستطيع أن تربح الألف والعشرة الآلاف والعشرين والثلاثين من أي باب خير كان، ولكن الأكمل والأجمل والأعظم أجراً أن تخطو في ظلمات الليل بثيابك، وتغبر قدمك في طاعة الله؛ فإنها خطوات عزيزة عند الله ﷻ ، وتقرع أبواب الأيتام والأرامل؛ حتى تصيب صالح دعائهم، فلعلك في لحظة من اللحظات تطرق فيها باباً تكون أبواب السماء مفتوحة، فيدعى لك بالخير، ويكون لك به حسن العاقبة في دينك ودنياك وآخرتك؛ فإن الله لا يضيع دعوات الأيتام والأرامل.
وكم من محسن كريم عاش الأيتام والأرامل على يديه! ويا لها من نعمة عظيمة إذا مات الإنسان فافتقدت الأرامل أثره! ولذلك لما توفي علي زين العابدين، فقده ثلاثون -وفي رواية ستون- من بيوت الضعفة ممن يطرق عليهم في ظلمات الليل أبوابهم، فعرفوا أنه علي زين العابدين رحمة الله عليه.
اجعل بينك وبين الله صدقات خفية، أما الظاهر فجزاك الله عنه خيراً: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٧١] (خير): بمعنى أخير، أي: أعظم أجراً وأكثر ثواباً لكم، لأن هذا ينمي عن حب الله وإرادة وجه الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٩ - ١١] حتى إن القرآن لم يسكت، بل ذكر أمنيتهم؛ فقال: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠] وما سكت الله عن هذا فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:١١].
سروا الأيتام؛ فسرهم الله يوم القيامة، سرهم الله يوم المساءة، وضاعف لهم من الخير والإحسان لما كان منهم لعباده.
واعلم رحمك الله! أن الأيتام والأرامل والضعفاء يزعجون ويقلقون، ولربما تضيق عليك الأرض بسبب سؤالهم، فمن من الأمور التي توسع عليك، شعورك أن الله يرحمك برحمته، وأن أي شيء تقدمه ولو كان قليلاً أنه عند الله كثير.
وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، سبحان الله! ما قال: اتقوا النار بركعة ولا بسجدة، وإن كان الركوع والسجود يحفظ بإذن الله من النار، ولذلك لا تمس النار مواضع السجود من بني آدم، وهذه من صفات المؤمنين، لكن لما أراد أن يذكر الفضل قال ﵊ في حديث عدي في الصحيحين (ما من عبد منكم إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم -يعني من الصالحات- وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم -يعني من السيئات- وينظر تلقاء وجه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) يعني نصف تمرة يمكن يحجب الله العبد من النار بها، نصف تمرة.
ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أن امرأة طرقت على عائشة ﵂ وكانت معها ابنتان، فاستطعمتها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل بنت تمرة، وأخذت تمرة تريد أكلها، فاستطعمتها إحدى البنتين، فأخذت التمرة وأعطتها لها.
فعجبت عائشة ﵂ من رحمة هذه الأم! فلما دخل النبي ﷺ قالت: فذكرت له ما صنعت.
قال: أو تعجبين مما صنعت؟! إن الله قد حرمها على النار بتمرتها تلك).
فالإحسان لا يذهب عند الله ، ولذلك من جاد ساد وأحيا العالمون له بديع حمد بمدح الفعل متصل كم من أناس ماتوا وهم أحياء في الناس! أحياء بأخبارهم الحميدة ومآثرهم المجيدة، وكم من أناس فرجت بهم كربات، فأصبح المكروبون كلما ذكروهم ترحموا عليهم، وهذا هو الذي يبقى، وهذا الذي يراه الإنسان أمام عينيه شكر نعمة الله بالإحسان، وتفقد ضعفة المسلمين.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإياكم من أهل البر والتقوى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
стр. 357
الأسئلة
стр. 358
حكم التستر عن أناس لا توجد عندهم إقامات مشروعة
السؤال
التستر أحد الآفات التي يعاني منها مجتمعنا، هل من كلمة في هذا الموضوع عن هذه الظاهرة.
الجواب
الحقيقة ما دام أنه يوجد طريق مشروع لاستقدام الناس وإعطائهم الإقامات المشروعة والنظامية، بالطريق الذي لا وجه فيه ولا شبهة فلا يجوز لأحد أن يتستر على أحد، وينبغي للإنسان أن يسمع ويطيع؛ لأن هذه الأمور قصد بها مصالح الناس عامة، فكم من جرائم تنتشر في المجتمعات، وإخلالات بحقوق الناس العامة والخاصة والمصالح العامة بسبب عدم معرفة من ورائها؛ لأن الرجل الذي ليست له إقامة نظامية ينام حيث شاء ويذهب حيث شاء ويفعل ما يشاء، ليس له كفيل يتابعه، ليس له إنسان يراقبه ويعرف مدخله ومخرجه ويتحمل مسئوليته.
فإذا نظر إلى المصلحة في هذا واندراء المفسدة فلا يشك عاقل أنه ينبغي، بل يجب التعاون في هذا، ولا يجوز -في الحقيقة- التستر على هذا الوجه الذي يضر بمصالح الناس، ويعتبر الإنسان آثماً من وجهين: الوجه الأول: معصيته لولي الأمر فيما ينبغي طاعته فيه.
والوجه الثاني: أنه إذا حصل ضرر من هذا الذي يتستر عليه، فإن الإنسان يحمل وزره بين يدي الله ؛ لأنه أعان على وجوده.
فإذا أراد الإنسان أن يعين أخاه على خير، فليذهب ويطرق الأبواب المشروعة لإقامة هذا الشخص بصورة نظامية؛ حتى يكون في ذلك الخير لهذا الشخص؛ وعصمةً لكرامته؛ وأبعد عن الإضرار بمصالح الناس العامة والخاصة.
стр. 359
حكم الأموال التي يأخذها الشخص بوجاهته
السؤال
ما حكم الأموال التي يأخذها الكفيل بوجاهته؟
الجواب
الحقيقة نحن ذكرنا هذه الصورة من جهة التزام الكفيل بالوجاهة، هذا يتخرج في بعض الأحوال على شركة الوجوه، كأن هناك شراكة بين الكفيل والعامل فيما هو قريب من هذه الصورة.
الآن مثلاً: إذا قال له الكفيل في عمل ما أنا أؤمن لك هذا العمل، ويوجد له فرصة هذا العمل، ويلتزم الكفيل بهذا العمل، كأنه بوجاهته يتحمل مسئولية هذا العمل، حينئذ لا حرج أن يتفق مع العامل على جزء معقول، وبشرط أن لا يجحف فيه بالعامل، حينها لا حرج، لكن إذا فرض عليه من جهة مشبوهة ومحرمة على الإطلاق، يطلقه الشخص ويقول له: ائتني بأربعمائة كل شهر.
ولا يتدخل له في أي عمل، حتى لو جاءه من عمل محرم، المهم أن يدفع الأربعمائة أو المبلغ المتفق عليه، هذا هو الذي يمنع منه.
стр. 360
ضرورة توضيح الأسئلة ليسهل على العلماء الإجابة عليها
السؤال
ما حكم بعض الفتاوى التي تكون الفتوى فيها غير واضحة وخاصة فيما يتعلق بالمؤسسات والشركات العامة؟
الجواب
الحقيقة -يا إخوان- هناك أمر مهم أحب أن أنبه عليه في الفتاوى: هناك بعض القضايا من السهل أن يجاب فيها، لكن لما تكون مشهورة وذائعة وموجودة بين الناس بطرق معينة، أحب أن يكون هناك تصور كامل قبل الفتوى فيها، وأنا لأول مرة أسمع بهذا النوع من الفتاوى، لكني أؤكد على أن تكتب صورة كاملة عن واقع هذه المؤسسات والشركات، ولو عن طريق الغرفة التجارية؛ لأني أرى الحقيقة في بعض الأحيان حينما يُسأل بعض العلماء أسئلة، ويجيبون بفتاوى يتأثرون بطبيعة السؤال، خاصة إذا كان هناك شركات ومصانع فيها مصالح للعامة، ربما يأتي الشخص ويسأل سؤالاً عن صورة ما، وينسى أشياء مهمة في السؤال وفي الجواب، فيأتي العالم فيقول: حرام، ما يجوز.
فيشيع بين الناس أن هذه الشركة فيها معاملة محرمة؛ فتهضم حقوق الناس.
فأنا أرى الأفضل والأكمل أن يكون هناك تصور كامل، وأي قضايا فيها مصالح عامة وترتبط بالمؤسسات والشركات، ممكن عن طريق الغرفة -إن شاء الله- يكون هناك تعاون، يحدد لقاء أو ندوة أخرى نذكر فيها بعض المعاملات الموجودة الآن، وإن شاء الله ما يكون إلا كل خير.
وأنا مستعد بإذن الله، والفتوى جاهزة نسأل الله المعونة والتوفيق.
ونسأل الله أن يرزقنا الصواب في القول والعمل، فإنه المرجو والأمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 361
حكم من يخرج زكاة ماله من السلع الموجودة عنده
السؤال
ما حكم من يخرج زكاة ماله من السلع الموجودة عنده؟
الجواب
تاجر الأقمشة يقوم بإخراج زكاة ماله من الأقمشة، تاجر الأطعمة يخرج زكاة ماله من الأطعمة، هذا لا يجوز بإجماع العلماء، كونه يخرج الزكاة من الأعيان لا يجزيه، وعليه إعادة جميع الزكوات.
والسبب في هذا: أن الزكاة حق لله، وهذا الحق جعله الله بعينه للسائل والمحروم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥] هذا حق، ليس فيه منة حتى قال بعض العلماء: ينبغي على الغني إذا جاء يزكي -قالوا:- لا يرفع يده عند إعطائه الزكاة للفقير، حتى لا يكون فيه منة؛ لأنه حقه، فإذا رفع يده كأنه تفضل على الفقير، قوله تعالى: ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] * ﴿لِلسَّائِلِ﴾ [المعارج:٢٥] (اللام) للتمليك، فهو ملك للسائل، فلا يجوز فيه التصرف.
تصور يا أخي! لو أنك تعمل في عمل ما أو وظيفة ما، وكان الاتفاق أن تأخذ خمسة آلاف في الشهر، ولما جاء آخر الشهر قال: لن نعطيك خمسة آلاف، بل نعطيك ثياباً، ونعطيك أطعمة وأكياس رز، وأكياس سكر، أترضى؟ لن ترضى، تقول: أريد مالي، أريد حقي.
وكذلك هم، كيف ترضى أن إنساناً جعل الله له هذا المال، أو فقيراً قد يريد منه سداد الدين، لا يستطيع أن يسدد بأكياس الأرز ولا يسدد بالقماش ما عليه من الديون؟! الأمر الثاني: أنه ذريعة للتخلص من بعض الأمور الكاسدة التي تكون عند الإنسان وهو يريد أن يتخلص منها.
فلذلك: لا يجوز هذا النوع من الزكاة.
стр. 362
عدم إخراج البدل في الزكاة إلا في الذهب بدلاً عن الفضة
السؤال
هناك فتوى من العلماء أن إخراج زكاة المال من السلع جائز؟!
الجواب
بالنسبة للذي ظهر من نصوص الكتاب والسنة أنه غير جائز.
السائل: يعني أنه لا يوجد من العلماء المتقدمين من أجاز ذلك.
لا أحد -حسب علمي- بالنسبة للعلماء المتقدمين من أجاز بإخراج البدل، وإنما المحفوظ: أن يخرج المال بعينه، إن كان من الذهب فمن الذهب، وإن كان من الفضة فمن الفضة، وأجازوا إخراج الذهب بدل الفضة، هذا فقط في المالين، وأما بالنسبة للسلع فالقول: أنه يخرج الزكاة منها، هذا الذي نعرفه من أقوال أهل العلم.
هذا الذي أحفظ أنه بالإجماع، ومن عاش فسيرى اختلافاً كثيراً.
стр. 363
حكم استقدام العمال للعمل عنده وعند غيره
السؤال
هل يجوز استقدام العمال لغرض تقديم خدمات للمواطنين، ويكون الاتفاق مع العامل -مثلاً- بستمائة ريال في الشهر، ويشترط لدى من يعمل عنده تسعمائة أو أكثر؟
الجواب
قضية عمل العامل: الأصل في العمل أن الإنسان إذا استقدم العامل يستقدمه للعمل عنده، أو يستخدم لإقامة عمل عند الغير مبني على كفالته ووجاهته، فإذا كان العامل يقوم بعمل الإنسان في بيته، أو يقوم بعمل التزم به لغيره كبناء عمارة، أو بناء بيت، وجاء بعمال ليشتغلوا، فهذا لا إشكال ولا حرج في جوازه.
ويعتبر التعاقد مع العمال مندرج تحت عقد معروف في الفقه الإسلامي الذي هو عقد الإجارة، فحينئذٍ لا حرج، لكن يشترط أن تكون أجرة العامل معلومة؛ لقوله ﵊ في حديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره) لا يقول له: سأرضيك، أو سنتفق فيما بعد يعني يجعله على غرر مثلما ذكرنا في البيع، لا، بل لابد من أن يكون على علم وبينة، حتى يكون الأمر لا غرر فيه ولا خلاف، وبناءً على هذا إذا حصل التعاقد على هذا الوجه فهو جائز ومشروع ولا حرج.
الحالة الثانية: أن يترك العامل يذهب ويعمل حيث أراد ثم يقول له: اعمل عند من شئت وأتني بمائة أو مائتين.
فهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وفيه أذية وإضرار؛ لأن الكفيل ما قام بعمل.
فلو قال قائل: الكفيل متحمل بكفالته، ويأخذ لقاء (الفيزة) أو الإقامة التي وفرها لهذا العامل.
فجواب هذا: أن (الفيزة) ليست ملكاً للكفيل، وإنما هي ملك للدولة، والدولة لا تأذن بهذا، ولا تأذن باستغلاله على هذا الوجه؛ لأنه يضر بمصالح الناس.
العامل إذا ألزمته بقيمة في الشهر ولم يجد عملاً ماذا يفعل، خاصة إذا كان عليه ديون، ربما اضطر إلى السرقة، ربما اضطر إلى الأمور التي تخل بشرفه وتخل بحقوق الناس، وربما يبالغ في أمور قد تنتهي به إلى ما لا يحمد عقباه.
فهذا النوع لا شك في حرمته: كونه يقول له: اذهب اشتغل عند من شئت، وأعطني كل شهر مائتين فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من الأمور المحرمة.
ومن باب العبرة: أذكر رجلاً كان قد أنعم الله عليه بالمال، ونسأل الله السلامة والعافية- فتح عملاً من هذا القبيل، ونُصح وذكر من بعض العلماء، وشاء الله أنه أصر على ذلك العمل ولم يكف عما هو عليه، فنسأل الله السلامة والعافية ابتلي بالداء الخبيث -نسأل الله السلامة والعافية- فأنفق أمواله التي كان يأخذها من هؤلاء الضعفاء، حتى إنه خرج على الناس وهو مجنون نسأل الله السلامة!، كان في غنى وثراء ونعمة، فوالله العظيم إني لأعرفه، نسأل الله السلامة والعافية! نسأل الله أن يغنينا بحلاله عن حرامه.
стр. 364
حكم بيع السلع المعلبة والتي تتغير بكثرة اللمس
السؤال
هل يجوز بيع علبة مغلقة مكتوب عليها ما بداخلها، ولكن الكتابة لا تغني عن معاينة السلعة؟
الجواب
الإجماع قائم على أنه لا يجوز بيع الشيء إلا إذا كان معلوماً.
هذه مشكلة: فالتاجر عنده سلعة، وقد تكون بعض السلع لو كشفت لتضرر التاجر، وقد يقول الزبون: لا أريدها.
وإذا خفيت حينئذ يُظلم المشتري، فالشريعة بين ظلم البائع وظلم المشتري.
مثلاً: الثياب تكون مطوية مطبقة، عرض السلعة له أثر في قبول الزبون، فلو قلنا مثلاً: هذه الثياب لابد أن تفتش وتقلب، فكل من جاء يفتش الثوب ويقول: لا أريده؛ لأن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، قال: رأيت فما أعجبني، والشريعة ما تلزمني بالشراء.
حسناً: الآن سيتضرر البائع بعرض السلعة.
فإذا قلنا: يبيع السلعة وهي محفوظة سيتضرر المشتري، فما الحل؟ هناك حل وسط: أن يخرج عينة واحدة من المبيع، ويجعل المشتري يتأمل هذه العينة، إن كان يبيع ثياباً أخرج ثوباً من هذه الثياب، بشرط أن تكون الثياب الموجودة في (الكراتين) أو المغلفة لا تختلف صفتها عن الثوب الذي يعتبر كعينة، إذا فعل هذا -بل يلزم فعل هذا- فحينئذ يصح البيع ولا حرج فيه.
أما إذا كانت غير معروفة فلا، لأنه لا يجوز بيع المجهول، ولذلك: (نهى النبي ﷺ عن بيع الملامسة والمنابذة) لمكان الجهالة، فلابد أن يعرف حقيقة هذا البيع.
أما المعلبات فيمكن أن يجعل عينة للمعلبات يعرف بها، أو يجعل مواصفات دقيقة؛ لأن السائل هنا يقول: والكتابة لا تغني عما بداخلها، أما إذا كانت المعلبات مصنعة والكتابة تغني مثل ما هو موجود الآن في كثير من المعلبات، تكون المعلومات واضحة، يكتب عليها -مثلاً- ما بداخلها، يكتب الغذاء الموجود بداخلها والمواد المركبة، يعني الآن الموجود في السوق -في الغالب يعني- معلومات شبه كاملة، فالمعلومات الموجودة على هذه العلب تكفي، ما دام أنه دقيق والغالب فيه، ولذلك العلماء يقولون: حكم الغالب.
لأن الغالب وبالتجربة وجدنا أنها صحيحة، تفتح العلبة فلا تجد اختلافاً بين الموجود على المعلبات والموجود بداخلها؛ لأن الشركات طبعاً متابعة ومراقبة، سواء من جهات مختصة أو من جهة الناس أنفسهم للحصول على سمعتهم، وليس من المعقول أن يجعل الكتابة شيئاً، ويكون بداخلها شيء آخر؛ لأن هذا يضر بسمعتهم كثيراً.
فنحن نقول: إذا كانت الكتابة واضحة فلا حرج، أما كون الكتابة لا تفي بالغرض، فهذا من النوع المحرم ولا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى بيع المجهول، وبيع المجهول لا يجوز.
стр. 365
حكم من لم يخرج زكاة ماله وما يجب عليه
السؤال
رجل لم يخرج زكاة ماله لمدة خمس سنوات، فهل يخرج الزكاة لهذه المدة؟
الجواب
أولاً: عليه الندم والاستغفار، وأن يحمد الله على العافية، فلو قبضت روحه قبل أداء هذه الزكاة لكانت له شجاعاً أقرع يعذبه الله به في قبره، كما روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له صفائح من نار، يكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيد عليها فأحميت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها فصيلاً، يجدها أوفر ما تكون - يعني: أسمن ما تكون- تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلما مر عليه أخراها أعيد عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار).
منع الزكاة هذا أمر عظيم جداً، ولو يوماً واحداً، ويحاسب الله عن ذلك، الزكاة ينتظرها المحروم، ينتظرها المجنون، ينتظرها المهموم، حق جعله الله في مالك، أعطاك الكثير ورضي منك القليل.
فعليه بالتوبة والاستغفار، والمبادرة بإخراج الزكاة قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، وينبغي عليه أن يبادر.
الأمر الثاني: عليه أن يخرج الزكاة الآن، يقدرها للسنوات التي مضت، وإذا فعل ذلك وتاب تاب الله عليه.
والله تعالى أعلم.
стр. 366
وصايا ونصائح لبائعي الكتب الدينية والأشرطة الإسلامية وللتجار عموماً
السؤال
تجارة بيع الأشرطة الإسلامية والكتب الدينية من الأعمال التي يبتغى بها وجه الله، ما نصيحتكم لأصحاب التسجيلات الإسلامية، علماً أنني منهم ولله الحمد؟ وما نصيحتكم لأصحاب الأموال؟ نرجو التوجيه.
الجواب
أما بالنسبة للأشرطة والتسجيلات فلا شك أنها قامت بجهد عظيم، وكذلك المكتبات الإسلامية أغنت وأفادت وأجادت وسدت ثغراً عظيماً.
أسأل الله العظيم أن يتقبل منا ومنكم ومنهم صالح الأعمال، ولا شك أنها نعمة عظيمة، فما يدريك لعل هذا الشريط أن يخرج الله به عبداً من الظلمات إلى النور، وكم أصلح الله من بيوت! وكم أصلح الله من جماعات بهذه الأشرطة القيمة! ولا شك أن وجود الشريط في هذه الأيام فتح من الله ، وهذا تبليغ عن الله ونصرة لله ولكلمته .
فتجد الإنسان وهو راكب في سيارته يسمع إلى العالم، من كان يتوقع أن عالماً يركب معه في سيارته يحدثه، ويفتيه، ويجيبه، ويجد هذا الخير الكثير وهو جالس في السيارة أو نائم على فراشه! هذا نصر من الله ورحمة، فنسأل الله أن يبقي هذا الخير، وأن يعظم للإخوة أجورهم.
أوصيهم بالنصيحة وإعطاء هذا الأمر حقه، والرضا بأجر الآخرة، ولا حرج أن يكون للإنسان حظ من أجر الدنيا، ولكن يجعل الهم هم الآخرة، فإن هذه الكلمات الطيبة والنصائح الغالية والمحاضرات القيمة والندوات العلمية فيها أجر كثير، ومن أعان عليها أُجر كأجر صاحبها.
من أعان على خير أجر كأجر صاحبه، ولذلك أخبر النبي ﷺ : (أن الخادم الأمين الذي يؤدي ما أمره به سيده له مثل أجره)، هذه نعمة كبيرة جداً، فنوصيهم بالإخلاص لله .
الأمر الثاني: أن يتقنوا هذا العمل، فإن الشريط الإسلامي يحتاج إلى إتقان وإخراج جيد، بعيداً عن التشويش في إلقاء المحاضر، وبعيداً عن الأمور التي تكدر عند سماعه، كما أحثهم على الاهتمام بتنقيته، وتهذيبه وإخراجه بالصورة الحميدة، وكذلك محاولة نشر هذا الشريط بالتشجيع على توزيعه، وكذلك إخبار ذوي الأموال والغنى أن يكون لهم حظ في المساهمة لنشره.
وأوصي إخواني التجار أن يكون لهم حظ، اشتر مائة شريط ليوزع في توجيه مشكلة اجتماعية، توجه الناس إلى حلها؛ لأننا نريد ما ينفع الناس، ونريد بهذه المحاضرات تقويم الناس وإرشادهم، والذي ليس عنده إلا الدلالة على طاعة الله، والتقريب إلى محبة الله ومرضاة الله، فعليك بنشر الأشرطة الهادفة التي تعالج مشاكل المجتمع الأخلاقية ونحوها، فإنها تدل على طاعة الله وتقرب منه، فهذا خير كثير.
وأسأل الله العظيم أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.
стр. 367
زكاة السلع المعروضة تكون عند البيع على الراجح من الأقوال
السؤال
مسألة القيمة الشرائية للمال.
الجواب
إذا كان الشخص مثلاً عنده سلعة اشتراها بمبلغ وعرضها للبيع، إذا قلنا -مثلاً-: عليه أن يزكي.
فهل ينظر إلى القيمة التي اشترى بها أم القيمة التي يعرضها؟ هذا فيه خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، أصح الأقوال عند من يقول بالزكاة على عروض التجارة: أنه ينظر إلى قيمة البيع في يوم حولان الحول، فلو كان حوله أول محرم، ومثلاً لديه سيارات يعرضهن للبيع، وفي اليوم الأول من محرم سنة (١٤١٤هـ) كانت قيمة السيارة بناءً على قرب وقتها مائة وعشرين، لكن لما صار في حولان الحول نزلت القيمة -فرضاً إلى الربع- فصارت أقل، فرضنا السلعة بمائة فصارت بخمسين ألفاً، فالعبرة بالقيمة التي ثبتت عليها في العرض للتجارة؛ لأنه يملك هذه القيمة، لأن حولان الحول على هذه السلعة في ذلك اليوم فالعبرة بالقيمة فيه.
فحينئذ إذا كان قيمة السلعة مائة ألف بالشراء، وفي حولان الحول أصبحت مائتين، تزكي على مائتين، ولو اشتريت مائتين وأصبحت في حولان الحول مائة تزكي على مائة، فالعبرة بقيمة البيع، وهذا هو أصح الأقوال.
ولذلك: هذا القول فيه إنصاف؛ لأن في الحقيقة أنك مالك للقيمة التي هي قيمة السوق في يوم حولان الحول، فكأنها في جيبك، فأنت تزكي مالاً في حكم ما هو مقبوض في اليد، لذلك يعتبر في يوم الحول.
стр. 368
حكم زكاة المصانع وحالتها
السؤال
ما مقدار زكاة المصانع؟
الجواب
المصانع زكاتها فيما يخرج منها، أي: ما يخرج من المصانع إذا كانت تصنع ذوات الأشياء، لأن المصنع له حالتان: الحالة الأولى: إما أن تكون مهمة المصنع أن يصنع الأشياء الموجودة، وتخرج إلى السوق وتباع، فالزكاة في الأشياء الموجودة.
الحالة الثانية: أن يكون المصنع مستأجراً للتصنيع، فيكون صاحب المصنع يصنع للناس ويصنع لهم، فتأتي شركة -مثلاً- تعطي المصنع مواد خام من أجل أن يصنع، فحينئذ الزكاة على صاحب المصنع في رأس المال الذي يجنيه من المصنع، بشرط حولان الحول عليه.
المصنع له طاقة، هذه الطاقة كل يوم يصنع بألف، الألف تقبض، كل ألف في كل يوم لها حولها، وإن أحب في بداية السنة أن يجمع جميع ما عنده ويزكيه زكاة واحدة فلا حرج، وهذا يقول به طائفة من العلماء، مثل الرواتب، الذي لديه رواتب، فبدلاً من أن يجعل لكل راتب شهر حولاً، يجعل حوله شهراً واحداً، وإذا جاء هذا الشهر جمع ما عنده قليلاً أو كثيراً وزكاه، قياساً على زكاة الغنم، لا يشترط فيها حولاً عن حول.
وإن أحب أن يجعل لطاقة كل يوم وكل أسبوع وكل شهر رأس مال، يعني كل عمل ينتجه المصنع تكون القيمة على هذا العمل، بشرط أن يحول الحول على هذه الألف التي هي قيمة الإنتاج.
أما آلات المصنع وُعدد المصنع وما في داخل المصنع فهذا لا تجب فيه الزكاة، مثل الثلاجة التي في البقالة لا تجب فيها الزكاة، ومثل الآلات التي تستخدم في المصانع، هذه ليس فيها زكاة؛ لأنها ليست بعرض للتجارة، وإنما المقصود أن يتاجر بما يكون منها من نفع.
стр. 369
حكم زكاة العقارات ومذاهب العلماء فيها
السؤال
نود توضيح مقدار الزكاة في العقارات، علماً بأن الإنسان يشتري أرضاً وقد يبيعها أو يبني عليها مستقبلاً.
الجواب
إن اشترى أرضاً فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يشتريها بنية البناء، وتظل عنده سنوات بنية أنه إذا يسر الله عليه بنى هذه الأرض، فهذه الأرض ليس فيها زكاة بإجماع العلماء؛ لأنها ليست بعرض للتجارة، وإنما هي قنية، وقد قال ﵊: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه زكاة)، هذا إذا كان نيته أن تكون عنده لا للبيع.
الحالة الثانية: أن ينوي بيعها، يعرضها في السوق أو ينتظر غلاء السوق ويبيعها، فهذه الحالة فيها الزكاة، وللعلماء قولان: قال بعض العلماء: إذا عرضت بيتاً أو أرضاً أو مزرعة للبيع فتجب الزكاة في كل حول.
كل سنة تجب عليك، ويبتدئ الحول من نيتك للبيع؛ بشرط أن تمر عليك السنة كاملة وأنت تنوي البيع، فلو في نصف السنة حولت النية للبناء، أو حولتها هبة للغير، أو حولتها للاستثمار -كأن تبنيها- من أجل أن تكون مستودعات، أو تكون مثلاً دكاكين- قالوا: فلا تجب الزكاة، أي أنه لابد من سنة كاملة تعرض.
هذا المذهب الأول.
والمذهب الثاني: أنه تجب عليك الزكاة إذا حصل البيع حقيقة، وهذا مذهب طائفة من السلف منهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد وغيرهم من العلماء، وهو أصح القولين إن شاء الله: أنه تجب عليه الزكاة إذا باعها لسنة واحدة.
ولذلك قد تجد الرجل يعرض الأرض للبيع عشر سنوات ثم يطرأ أن يبنيها لنفسه، فلم يتحقق بيعها أصلاً، ولذلك أصح الأقوال في هذا: أن الأرض تزكى لعام، فإن خرج الإنسان من الخلاف وأحب أن يزكي كل سنة فلن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.
كيف تزكى؟ المبلغ الذي يقبضه يزكيه، وقد ورد في السؤال: وقد يبيعها أو قد يبني عليها مستقبلاً.
فنقول: هذه نية مترددة، إذا كان متردداً بين أن يبيع وبين أن يبني، فلا تجب عليه الزكاة، وإنما تجب الزكاة إذا تمحضت النية، وقصد فعلاً البيع، وثبت على هذه النية.
стр. 370
عدم اختصاص الاحتكار بالأرزاق على القول الراجح
السؤال
هل الاحتكار في جميع الأموال أم يقتصر على الطعام؟
الجواب
هذا فيه خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، بعض العلماء يقول: الاحتكار خاص بالأرزاق، ومنهم من يرى العموم، والذين يرون العموم يقولون: لعموم النص: (لا يحتكر إلا خاطئ) حيث لم يفرق.
والحقيقة: مذهب العموم قوي من ظاهر الحديث والرواية، لكن تخصيص العلماء كان من جهة الإضرار، لأن المعنى الموجود في النص هو الإضرار بالناس.
ولو احتاط الإنسان أفضل، أعني خروجه من الخلاف أفضل.
стр. 371
حقيقة الاحتكار وحكمه وحالاته
السؤال
ما حكم احتكار البضائع؟
الجواب
احتكار البضائع ورد فيه الحديث الذي في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) وورد النهي في أحاديث أخرى منها الحسن ومنها الضعيف، حتى ورد الوعيد الشديد على الاحتكار، لكن العلماء -رحمة الله عليهم- فصَّلُوا: أولاً: الاحتكار -كما هو معلوم- أن يمسك السلعة ولا ينزلها للبيع في السوق وينتظر غلاء الأسعار.
هذا الاحتكار له حالات: الحالة الأولى: أن يمتنع من بيعها بسبب عدم وجود رأس المال أو الربح المعقول فيها، مثال ذلك: اشترى طعاماً بمائة ألف، فالمائة الألف هذه قيمة رأس المال في الطعام، وكانت تكلفة جلب هذا الطعام عشرة آلاف، فأصبح رأس المال وتكلفة جلب الطعام مائة وعشرة آلاف، فجاء يقدر الوضع الموجود الآن -قبل شهر رمضان فرضاً- قال: لو بعت فإنني سأحصل على مائة أو على تسعين أو على مائة وخمسة -مثلاً- إذن فيه خسارة، قال العلماء: يجوز الاحتكار في مثل هذا؛ لأنه يتوصل إلى حقه، وليس قصده الإضرار، فلذلك قالوا: نيته ليست مخالفة للشرع، لا يقصد الأذية، والذي يطلبه حقاً من حقوقه؛ فجاز الاحتكار من أجله.
الحالة الثانية: أن يجد الربح المعقول، ويمتنع من إخراج السلعة لربح أكثر، أو ينتظر ضيق السوق حتى يتحكم في قيمته، فهذا هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (لا يحتكر إلا خاطئ).
فإذا كان يريد غلاء السوق، أو يريد أن يحتكر السوق عنده حتى يعرفه الزبائن، ولا ينطلقون إلى غيره؛ صحيح أنه يبيع ويأخذ قيمة الشيء وينال المال، ولكن نيته آثمة، وإنما الأعمال بالنيات.
فلذلك هذا ينطبق على هذا الحكم، ولا يجوز الاحتكار في مثل هذه الصورة.
стр. 372
رحلة غريب
إن الإنسان مهما طال عمره في هذه الدنيا، فلابد له أن يصير إلى الموت، ومهما عمّر فيها من الدور والقصور، فيوشك أن يفارقها إلى ظلمات القبور، فهي رحلة لكل إنسان يصل بعدها إلى ربه، وكلما زاد ركون المرء إلى الدنيا وإعمارها؛ كلما زاد شعوره بالغربة في حياته الأبدية الأخرى، والتي تبدأ بلبس الأكفان، ومجاورة الديدان.
стр. 373
بداية الرحلة إلى الدار الآخرة
قال رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
رحلة غريب رحلة غريب رحلة غريب.
سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني الموت.
!! ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
طويت الصفحات، وصرت في عداد الأموات، كأن لم تكن في الدنيا.
القبر!! وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني وكشف الثوب عن وجهي لينظرني.
القيامة!! وخرجت من تلك الأجداث وتلك القبور إلى ربها حفاة عراة غرلاً، فلا أنساب ولا أحساب.
الحساب!! ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨] * ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩].
حطت الرحال، ففريق في جنة الله الكبير المتعال في دار الخلد والإجلال، وفريق في دار الخزي والندامة والعذاب والملامة.
﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].
وبدأت الرحلة وبدأت الرحلة.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
إنها بداية الرحلة إلى الآخرة، إنها بداية عظيمة! فتخيل نفسك إذا ضعف جنانك، وثقل لسانك، وكثرت خطوبك، وعظمت كروبك، إذا عرضت عليك عند كشف الغطاء ذنوبك! إنها اللحظة التي يعرف الإنسان فيها حقارة الدنيا إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها أنه فرط كثيراً في جنب الله إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها بالحسرة والألم على كل لحظة فرط فيها في جنب الله، ينادي: رباه! رباه! ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
стр. 374
القبر أول منازل الآخرة
ثم نقلت عن الأحباب، وحملت إلى التراب، فيا ساكن القبر غداً! ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء؟ وأين نخلك المضطرد؟ أين رقاق ثيابك؟ فيا مجاور المهلكات! صرت في محل الأموات.
وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني وكشف الثوب عن وجهي لينظرني وأسبل الدمع من عينيه أغرقني فقام محترماً بالعزم مشتملاً وصفف اللبن من فوقي وفارقني فلا إله إلا الله! من ساعة نزلت فيها أول منازل الآخرة، لا إله إلا الله! إذ صرت في عداد تلك السفينة الناخرة، واستقبلت الحياة الجديدة، فإما عيشة سعيدة أو عيشة نكدة، ونزلت في عداد أولئك الغرباء، بين الأجداث والبلاء، هناك في ظلمة القبر لا أم هناك ولا أب شفيق ولا أخ يؤانسني أين صديقك المؤانس؟ أين رفيقك المجالس؟ لقد وضعت في القبر على غير وهاد ولا وساد، ولا مقدمة زاد ولا استعداد، فتخيل نفسك في ذلك المكان.
فيه الظلام كذا السكون مخيم والروح رُد وجاءني الملكان فلا إله إلا الله! من دار تقارب سكانها وتفاوت عمارها، فقبر يتقلب في النعيم والرضوان العظيم من الرحيم الحليم الكريم، وقبر في دركات الجحيم، والعذاب المقيم.
ننادي ولا مجيب، ونستعصم ولا مستجيب، انقطعت الأيام بما فيها، وعاين الإنسان ما كان يقترف فيها.
وهالني صورة في العين إذ نظرت من هول مَطْلَعِ ما قد كان أدهشني من منكر ونكير ما أقول لهم قد هالني أمرهم جداً فأفزعني وأقعدوني وجدوا في سؤالهم ما لي سواك إلهي من يخلصني أصبحت في ضيق وكربات، وهم وحسرات، من ظلمات القبور وسؤال منكر ونكير، والخلود في البرزخ إلى يوم البعث والنشور.
стр. 375
بعث الناس من القبور
ضمت القبور أهلها، وانطوت على من حل فيها، فلما حان الموعد جمعت تلك الأشلاء والأعضاء، ونادى منادي الله عليها أن تخرج إلى اللقاء الموعود واليوم المشهود إلى يوم تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
وخرج الناس من تلك الأجداث وتلك القبور إلى ربهم حفاة عراة غرلاً، فلا أنساب ولا أحساب، ولا جاه ولا عز ولا مال ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١].
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥١ - ٥٢].
خرج العبد حسيراً كسيراً أسيراً خرج حقيراً ذليلاً، فلا أحد يكفيه، ولا شيء يواريه، خرج إلى الله حافياً عارياً خرج إلى ربه خرج إلى خالقه خرج إلى جبار السماوات والأرض ووقف أمامه حتى يسأله ويحاسبه ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٢ - ٥٤].
فلا إله إلا الله! من يوم بطلت فيه الملهيات، وزالت فيه المغريات، وعاين العبد فيه الحقائق أمام عينيه، جُمع فيه الناس على أرض واحدة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤].
كيف احتيالي إذا جاء الكتاب غداً وقد حشرت بأثقالي وأوزاري وقد نظرت إلى صحفي مسودة من شؤم ذنب قديم العهد أو طاري وقد تجلى لهتك الستر خالقنا يوم المعاد ويوم الذل والعار فلا إله إلا الله! من أرض لم تطأها قدم غير تلك الأقدام، ولا إله إلا الله! إذا شعت الشمس وتبدد الظلام، ولا إله إلا الله! إذا طال الوقوف بين يديه، ولا إله إلا الله! يوم يرهن العبد بما جناه بيديه.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
إنه يوم تجتمع فيه الخصوم، وينصف فيه المظلوم إنه اليوم الذي أعده الله للعباد، فتنشر فيه الدواوين، وتنصب فيه الموازين، لحكومة إله الأولين والآخرين.
стр. 376
حال الإنسان عند حلول سكرات الموت
وتخيل نفسك طريحاً بين أهلك، وقد وقعت في الحسرة، وجفتك العبرة، وثقل منك اللسان، واشتدت بك الأحزان، وعلا صراخ الأهل والإخوان.
كأنني بين كل الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد تجمع حولي من ينوح ومن يبكي علي وينعاني ويندبني ويدعى لك الأطباء، ويجمع لك الدواء؛ فلا يزيدك ذلك إلا هماً وبلاءً.
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني وبعدها: تيقنت أن الموت قد فاجأك، وأن ملك الموت قد وافاك، فيئس منك الطبيب، وفارقك الحبيب، فوقعت في الحسرة، وجاءتك السكرة.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
فتخيل نفسك وأنت في نزع الموت وكربه، إذا نظرت ببصرك إلى من هم حولك، فرأيت أمك وأباك وأختك وأخاك، وقد سالت منهم الدموع فلا ترد عليهم جواباً، ولا يستطيع لسانك خطاباً.
تلك اللحظة التي يلقي الإنسان فيها آخر النظرات على الأبناء والبنات، والإخوان والأخوات، يلقي فيها آخر النظرات على هذه الدنيا، وتبدو على وجهه معالم السكرات، وتخرج من قلبه الآهات والزفرات.
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار ريقي مريراً حين غرغرني ثم اشتد بك النزع والسياق، وقد بلغت الروح التراقي.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩].
وبطلت بعدها كل حيلة، وعجزت كل وسيلة، وعلمت أن نهاية المطاف: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠].
لا إله إلا الله! من ساعة تطوى فيها صحيفتك، إما على الحسنات أو على السيئات، تتمنى حسنة تزاد في الأعمال، تتمنى حسنة تزاد في الأقوال، تتمنى صلاح الأقوال والأفعال.
﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠].
تحس بقلب متقطع من الألم، تحس بالشعور والندم؛ أن الأيام انتهت، وأن الدنيا قد انطوت.
وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شرا الكفن وقام من كان أولى الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني فتخيل حالك -أيها الغافل- يوم تقلّب على المغتسل بيد الغاسل، قد زال عزك عنك، وسلب مالك منك، وأُخرجت من بين أحبابك، وجهزت لترابك، ونودي أين المغسل؟! فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وألبسوني ثياباً لا كمام لها وصار زادي حنوطاً حين حنطني ثم ألبسوك الكفن، وحملت إلى العفن، وأخرجت من بين أحبابك، وجهزت لترابك، وأسلمت إلى الدود، وصرت رهيناً بين اللحود، وصار القبر مأواك إلى يوم القيامة ومثواك.
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢].
في لحظة واحدة أصبح العبد كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، طويت الصفحات، وصرت في عداد الأموات، تذكر كأن لم تكن في الدنيا، كأن عينيك لم تر، وكأن أذنك لم تسمع، وكأن الأرض لم تضرب عليها الخطى.
وأخرجوني من الدنيا فواأسفا على رحيل بلا زاد يبلغني وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
стр. 377
وقوف العبد بين يدي الله
إنها المسئولية العظيمة المسئولية الجليلة الخطيرة، إنها مسئولية الآخرة، كل هذه الجموع، وكل هذه الأمم أقيمت في ذلك المشهد العظيم، وذلك اليوم العظيم؛ لكي تنهال عليها الأسئلة، وتعد لها درجاتها ودركاتها بحسب ما تجيب.
إنه اليوم الذي جمع الله فيه الأولين والآخرين من أجل السؤال، هناك حيث تغص الحناجر بغصصها، هناك ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧].
وأبى الله إلا أن تشخص إلى السماء بعينيك، تنتظر فصل القضاء، تنتظر حكم رب الأرض والسماء، أفي الجنة أم في النار يكون القرار!! وشخصت الأبصار بين يدي الواحد القهار.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
ليت شعري إذا أتيت فردا والموازين قد نصبت حيالي والدواوين قد نشرت وجئنا والنبيون يشهدون سؤالي ما اعتذاري وما أقول لربي في سؤالي وما يكون مقالي هناك حيث تقف بين يدي الله، والشهود حاضرة، والعيون إلى الله ناظرة هناك حيث يوقف العبد بين يدي الله ﷻ ، فينادي منادي الله: يا فلان ابن فلانة! قم للعرض على الله.
فلا ينادى أحد بأبيه؛ لكي تزول الأحساب والأنساب؛ ويذل العباد بين يدي الله رب الأرباب.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٨ - ١٠٩].
فدعيت أمام الأولين والآخرين، فارتعدت فرائصك من خشية الله، واصطكت القدمان بين يدي الله، وجئت من دارك إلى لقاء الله، وسألك الله عن الأيام التي مضت، وعن السنين والأعوام التي انقضت، سألك عن الشباب وما كان فيه من اللهو مع الأصحاب والأحباب فنشرت بين يديك الأوقات لا تفوت منها لحظة واحدة، فإما لك وإما عليك.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
وعرض عليك الشباب بأيامه وما فيه من الشهوات والملهيات، وكشفت الأستار وتبدت للأنظار، هناك حيث تشهد عليك الليالي بما اجترحت فيها.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠].
стр. 378
مصير أهل السعادة يوم القيامة
تذكر حالك وحال قلبك يوم تقف بين يدي الله حافياً عارياً مكشوفاً ذليلاً، مذهولاً متحيراً، قد ترادفت عليك الهموم والكروب، وأحاطت بك الأهوال والخطوب.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
هناك حيث تحمد عيناً سهرت على طاعة الله، وقدماً طالما انتصبت بالوقوف بين يدي الله، فقلت: رباه! أما ليلي فوقوف بين يديك أناجيك بالقرآن، وأما نهاري فصيام لوجهك يا رحمان، وأما يدي فأنت الشهيد وأنت المطلع، فكم سترت بها من عورات، وكم فرجت بها من كربات، ونفقات أنفقتها لهذا اليوم العظيم، فحسن فيك ظني، فلا تخيبني وقد وقفت بين يديك.
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١١ - ١١٢].
وأما جناني فأسكنته حبك وتوحيدك، فعشت -وأنت الشهيد- أوحدك وأنت الحميد المجيد، ما ناديت أحداً سواك، ولا تعلقت بشيء عداك.
ربي! صببت علي البلايا، فعذت بك وحدك ولم أعذ بشيء عداك، وصببت علي الرزايا فصبرت واحتسبت لهذا الموقف بين يديك.
وأما لساني فأنت الشهيد وأنت المطلع، فكم ذكرت به مع الذاكرين، وكم أثنيت عليك به مع المثنيين، وكم تلوت به آياتك، اللهم فعلتها وصغتها لوجهك العظيم اللهم فعلتها ابتغاء رضوانك الكريم.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وأما رجلي فضربت بها الخطى، اللهم خرجت بها في الظلمات فقمت بها مع القائمين، ونصبتها مع الراكعين الساجدين.
وأما يدي فكم رفعتها ضارعة بين يديك.
وأما وجهي فقد عفرته بالسجود بين يديك.
فيا من خشع لك سمعي وبصري! نجني من هول هذا اليوم العظيم.
يا واحداً صمداً بغير قرين ارحم ضراعة عبدك المسكين واعطف علي إذا وقفت مروعاً حيراناً بين يديك يوم الدين ما حيلتي في يوم نشر صحيفتي إذا قيل لي خذها بغير يمين لا حيلة عندي ولا لي موئل إن خانني طمعي وحسن ظنوني يا رب لا تترك عبيدك هالكاً وارحم بفضلك عبرتي وشجوني اللهم مع هذه الحسنات والباقيات الصالحات فالفضل لك جل جلالك، والفضل لك وحدك لا إله غيرك ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
فقيل: من شهودك؟ فشهدت الأرض التي أقلتك، والسماء التي أظلتك.
стр. 379
مآل المؤمنين دخول جنات النعيم
وقال الله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩].
خذوا عبدي إلى جنات النعيم، خذوه إلى الرضوان العظيم، فنال الكتاب باليمين، وصاح أمام العالمين: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤].
ففتحت أبواب الجنان.
هذي الجنان تزينت وتفتحت أبوابها فعجبت للعشاق أينام من عشق الجنان وحورها وكرائم الجنات للسباق بل كيف يغفل موقن بعظيم سلعة ربه وبذا النعيم الباقي فهنيئاً لتلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله تناديه، وهنيئاً لتلك الألسن التي عجّت بالدعاء بين يديه تناجيه، اليوم يومها، والنعيم نعيمها، والسرور سرورها.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣١ - ٣٥].
هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعيمها باق وليس بفانِ وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم ولحوم طير ناعم وسمان وفواكه شتى بحسب مناهم يا شبعة كمُلت لذي الإيمان لحم وخمر والنسا وفواكه والطيب مع رَوح ومع ريحان فيا لها من لحظات سعيدة! إنها لحظة الفوز العظيم إنها لحظة الزحام على الخلد والنعيم المقيم، وعلى السعادة الأبدية، فكأني بأهل الجنة وقد فتحت أبوابها، وقد ذهلوا من عبقها وأريجها وتربها وترابها! وهيج الشوق فيهم قصورها وحسانها! وخطف الأبصار منهم ديباجها وسندسها وإستبرقها! ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٥٤ - ٦٠].
فطوبى لمن كانت الجنة مأواه!، وهنيئاً لمن كان هذا أمله وذلك منتهاه!، فيا غافلاً: انتبه! فيا غافلاً: انتبه! فقد جد الرحيل.
يا غافلاً عما خلقت له انتبه جد الرحيل ولست باليقظان أألهتك اللذائذ والأماني عن الفردوس والظل الدواني؟ ولذة نومة عن خير عيش مع الخيرات في غرف الجنان تيقظ من منامك إن خيراً من النوم التهجد بالقرآن
стр. 380
عرض الظالمين على رب العالمين
ونادى منادي الله لتلك النفس الظالمة في جنب الله: يا فلان ابن فلانة! أن قم إلى العرض بين يدي الله، فسئل عن ليل طالما في الإثم قضاه، وعن نهار طالما في الباطل أضاعه، فنادى منادي الله: أي حسنة ترجوها عندنا؟ وأي صالحة قدمتها في جنبنا؟ فنشرت الفضائح، وصاح بين يدي الله الصائح: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
فقالت القدم: إلى الحرام طالما مشيت، وفي جنبك -رباه- أسأت واعتديت.
وقالت اليد: كم افترفت من الآثام! وكم هتكت وأكلت من الحرام! فما خفت منك -ربي- حقيقة الخوف.
وقالت العين: أما أنا فقد نظرت وتمتعت، رباه! متعني بالحرام، واستعان بي في تزيين الفواحش والآثام، وشهدت الفروج بآثامها، والجوارح بخطيئاتها، ثم عرضت على الله مظالمها ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١].
فشهدت الجوارح بآثامها، وعرضت الفضائح بين يدي الله ربها، فقال الله: يا ملائكتي! خذوه، ومن عذابي أذيقوه؛ فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني.
عصيت الله ألوان المعاصي كأني لست أوقن بالقصاص فما لي لا أنوح على ذنوبي وأبكي يوم يؤخذ بالنواصي ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠ - ٤١].
ووقفت تلك النفس الآثمة الظالمة على نار تلظى، وجحيم لا يفنى، وبدا لها مآلها، وتمنت أن لو رجعت لكي تسكن في جنب ربها، فكبكبت على رأسها وجبينها، فهوت في جهنم كالبهائم، وتقلبت بين الدركات والظلمات والحسرات.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٨].
مضت الشهوات بأهلها، وانقضت النيات بأصحابها، وذاق الهوان بعد المعزة والكرامة، ونزل إلى ذلك الدرك العظيم من الجحيم، فكأن لم يكن مر به نعيم قط.
стр. 381
مآل الظالمين يوم القيامة
روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ : (أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، وعزتك).
فيا سبحان الله! بغمسة واحدة في النار نسي النعيم والسرور، ونسي المرح والحبور، فكيف بمن يكبون على وجوههم مغلولين! النار من تحتهم، والنار من فوقهم عن يمينهم نار، وعن شمالهم نار، فهم غرقى في النار طعامهم نار، وشرابهم نار، ولباسهم نار، ومهادهم نار، تغلي بهم النار كغلي القدور ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١].
أما سمعت بأهل النار في النار وعن مُقاساة ما يلقون في النار أما سمعت بأكباد لهم صدعت خوفاً من النار فانزالت على النار أما سمعت بأغلال تناط بهم فيسحبون بها سحباً على النار أما سمعت بأنفاس لهم حبست عن التنفس من حرارة النار أما سمعت بأجساد لهم نضجت من العذاب ومن غلي على النار ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
وهوى في تلك الدركات، رهين السيئات، فلا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، فرق بين الأم وولدها، والآباء وأبنائهم، وفرق بين الأصحاب والأحباب، فراق لا لقاء بعده أبداً، نعيم لا جحيم بعده، وجحيم لا نعيم وراءه ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١].
стр. 382
فريق في الجنة وفريق في السعير
وحطت الرحال ففريق في جنة الله الكبير المتعال، في دار الخلد والإجلال، وفريق في دار الخزي والندامة والعذاب والملامة، ووجد المؤمن ما قدم من الإحسان في درجات الجنان في جوار الرحمن مع الخيرات الحسان، وهناك يجد الكافر ما عمل من العصيان، في سموم النيران في جوار الشيطان مع الذل والهوان، ووجد المؤمن النعيم والخلود، ووجد الفاجر عذاباً غير مردود.
فهل يستوي الفريقان؟ كلا -والله- لا يستويان.
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:١٨ - ٢١].
أخي: تذكر أن لك موعداً مع الموت وسكرته، والقبر وضمته، ويوم القيامة وكربته، والحساب وشدته، ثم إلى جنة أو إلى نار.
ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن إن الغريب له حق لغربته على المقيمين في الأوطان والسكن لا تنهرن غريباً حال غربته الدهر ينهره بالذل والمحن سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتفكير والحزن دع عنك عذلي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني كأنني بين كل الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد تجمع حولي من ينوح ومن يبكي علي وينعاني ويندبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار ريقي مريراً حين غرغرني
стр. 383
دمعة في الحج
إن للحج أهمية عظيمة في الإسلام، وهو مدرسة فيها من العبر والعظات الكثير، وكثير من أعماله عبادات محضة لا تدرك الحكمة منها؛ لكن من أمعن النظر وغاص بفهمه في مناسك الحج ومواقفه؛ فإنه يقف على لطائف يشهد بها ضعف نفسه وحاجته إلى ربه، ويشهد منها كمال مولاه وعظمته، ومغفرته ورحمته، وعزته وجبروته، كما يشهد فيها حقارة الدنيا وقصرها، وأن الراكن إليها مغتر بزخرف منقطع.
стр. 384
وقفات مع الحاج إلى بيت الله الحرام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: الحج ركن من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره العظام، دعا إليه رب العالمين، وأوجبه على عباده المستطيعين، نادى به نبيه الخليل، كما قص الله خبره في التنزيل، نادى به فأذن، فبلغ الله أذانه، فلما علم عباد الله المؤمنين بذلك الدعاء وذلك النداء، تفتحت له أسماعهم، وتفتحت له قلوبهم، فصاروا له مجيبين ولداعيه ملبين، قطعوا الوهاد وساروا الفيافي وجاوزوا النجاد؛ محبة ومرضاة لرب العباد، ساروا إلى الله ملبين، ولرحمته طالبين، لم يخرجوا للدنيا، وإنما خرجوا لرحمة الله طامعين، وفي جوده وإحسانه وعظيم كرمه آملين، خرجوا إلى الله وقلوبهم مليئة بالإجلال والشوق والحنين إلى عفو الله، خرجوا وما كانت الدنيا نصب أعينهم إذ خرجوا، خرجوا وكلهم أمل في الله ﵎ أن يناديهم: حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور.
لذلك أحبتي في الله! ما ضربت قدم على الأرض أشرف عند الله ولا أزكى من قدم المطيع لربه، وما وفد وافد يسير على الفجاج أحب إلى الله من وافد على بيته من هذا الركب العزيز الذي فارق كل عزيز.
إنه ركب الله ووفد الله القادم على الله، لذلك قصة هذا الركب قصة مليئة بالعبر والعظات، فهو الوفد الذي لله خشع، وفي رحمة الله طمع، إنه وفد الله الذي تذكرك أقواله وأفعاله برحمة الله، أقوام باعوا الساعات واللحظات لكي يتقربوا إلى رب البريات.
خرجوا إلى الله ﵎ بهذه الرحلة التي سطرت في دواوين الحسنات، فأقيلت بها العثرات، ورفعت بها الدرجات، فيا لله! كم فائز منهم برحمة الله! ويا لله! كم سعيد منهم برضوان الله!
стр. 385
الوقفة الأخيرة: حال الحاج عند طواف الوداع
أحبتي في الله! وبعد ذلك -وما بعد ذلك؟ - يسير العبد إلى آخر مرحلة من حجه، وهي: طواف الوداع، وهيا للحظة الأخيرة التي يودع فيها الإنسان بيت الله الحرام، يودع فيها دار السلام، يطوف بذلك البيت لكي يكون آخر عهده بالبيت طوافاً، ولطواف الوداع حلاوة، ولطواف الوداع لذة وطلاوة.
طواف الوداع يذكرك بفضل هذه المنازل، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان الناس يسفرون من فجاج منى وعرفات) كان الناس يسفرون، يعني: يخرجون إلى ديارهم، ويرجعون إلى أمصارهم من فجاج منى وعرفات (فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً).
فإذا طاف الإنسان طواف الوداع طافت به أشجان وأحزان، لأن العبد الصالح من أعظم ما يؤلمه، وأشد ما يجده في دينه إذا فارق الطاعة والعبادة، ولذلك كان بعض السلف إذا كانت آخر ليلة من رمضان جلس يبكي ويقول: ألا ليت شعري من هو المحروم فنعزيه؟ ألا ليت شعري من هو المقبول فنهنيه؟ فالإنسان إذا قضى عبادته وانتهى من حجه، فإنه لا يدري أقبل الله حجته أم لم يقبلها، وإن كان الظن بالله حسناً، فوالله لو عاملنا الله بما نحن أهل ما طمعنا في شيء، ولكن هي رحمته، وهو حلمه، ولذلك قال ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فما هذه العبادة التي قمت بها؟ وما هذا الموقف الذي وقفته؟ وما هذه الجمرات التي رميت؟ وما هذه الليالي التي بت في جنب نعم الله، وفي جنب منن الله، وفي جنب فضائل الله وإحسان الله بي؟ فتأتي تلك الساعة وهو يحتقر العبادة.
إياك ثم إياك أن يأتي وأنت تدلي على الله بالعمل، إياك ثم إياك أن تحس من النفس غرورها، أو يلتهب في النفس شرورها، فتقول: أنت العبد الصالح، ها قد أديت فريضة الله، ها قد فعلت وها قد فعلت.
لا، إنها ساعة الفراق التي يمتلئ فيها القلب ذلة لله وطمعاً في أن يتقبل الله منك العمل.
كان عبد الله بن عمر صحابياً جليلاً، حتى ورد في بعض كتب السير: -كما في الحلية وغيرها- (أن النبي ﷺ بشره بالجنة) من صلاحه ﵁ وأرضاه، وكان إذا رأى عبداً يصلي ويكثر الصلاة أعتقه لوجه الله، قالوا له: إنهم يخدعونك بكثرة الصلاة.
قال: من خدعنا لله انخدعنا له.
هذا الصحابي الجليل حضرته الوفاة فجلس يبكي فجاءه ابنه سالم، وقال: يا أبتاه! ألم تكن كذا وكذا وكذا.
يذكره بما كان عليه من صحبة النبي ﷺ ، وأخذ يعدد فضائله التي فضله الله بها حتى أكثر عليه، فقال ﵁: أجلسوني، ثم قال: يا بني! أتدري ممن يتقبل الله؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] ما عد نفسه شيئاً.
إذا كان هذا عبد الله بن عمر، فكيف نحن نطمع بحسناتنا وصالح أقوالنا وأفعالنا؟! وما يدري العبد لعل ذنباً أصابه أوجب عليه سخطاً لا رضا بعده، ولعل كبيرةً أصابها، ولعل عبداً من عباد الله ظلمه بمظلمة لم يقبل الله عليه بعدها؟! والأمور مردها إلى الله : ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:١٠٥].
لا أحد يدري هل قبل الله العبادة أم لم يقبلها؟! لذلك فإن الإنسان في هذه اللحظات يوصى باحتقار العمل، ولذلك قال العلماء: إن احتقار العمل من مظان القبول.
إذا جاءت هذه اللحظة وصدرت عن البيت صدرت وكلك شوق وحنين أن يرحمك الله بقبول الحجة، وناديه وناديه وقل: يا رب! اقبل حجتي، واغفر ذنبي، وضع عني إصري.
ادع الله دعاء المضطر ودعاء المستغيث المستجير به جل شأنه.
حتى إذا انتهيت من ذلك فاسأل الله أن لا يجعله آخر العهد ببيته، بل تعود مرات ومرات.
ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن بعض السلف: أنه وقف بمزدلفة -في المشعر- وقال: والله الذي لا إله إلا هو! إن لي ثلاثين عاماً أسأل الله ألا يجعله آخر العهد بهذا الموضع، وقد استجاب الله دعوتي، وإني لأستحيي أن أسأله هذا العام.
فرجع فقبضه الله .
ولذلك من طمع في أن الله لا يجعلها آخر حجة له فإن الله كريم قد لا يخيبه في طمعه، فاجعل في نفسك حنيناً ألا يجعلها آخر العهد ببيته، وألا يجعله آخر العهد بطاعته.
حتى إذا رجعت إلى الديار، وأقبلت على الأمصار عندها تذكر ما بينك وبين الله من العهود، تذكر ما بينك وبين الله من المواثيق، وقل بلسان الحال والمقال: توبة نصوح لا ذنب بعدها إن شاء الله.
قال بعض العلماء: من علامة قبول الحج أن يكون العبد بعد الحج أصلح منه حالاً قبل الحج.
يا عبد الله! إذا لبيت لله فاعلم أنك قد عاهدت الله على توحيده؛ فإياك أن ترجع -والعياذ بالله- بالله مشركاً، إياك بعد أن ناديته وتشرفت بالوقوف بين يديه أن تستغيث بأحد سواه، أو تستجير بمن عداه، فقد وجدته حليماً رحيماً، ووجدته جواداً كريماً، فإلى أين تفر؟! إلى أين تعرض؟! فلذلك اجعله عهداً بينك وبين الله أن لا معاذ ولا ملاذ ولا منجى ولا ملجأ من الله إلا إلى الله، اجعله عهداً مؤكداً، واجعله عهداً موثقاً أن تكون على طاعة واستقامة إلى أن تلقى الله ﵎.
إذا كنت بالمعاصي مبتلى فخذها طريقاً إلى التوبة النصوح، خذها حجة تمنعك وتحجبك عن معاصي الله ، فقد حللت به ضيفاً، وضيف الله يستحيي من الله، فبعد أن أقدمك الله إلى هذه الديار، وتشرفت بذكر العظيم القهار، عندها ترجع عبداً صالحاً تقياً ورعاً.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى حجاً مبروراً! وسعياً مشكوراً! وذنباً مغفوراً! اللهم إنا نسألك أن تيسر لحجاج بيتك الحرام حجهم، اللهم يسر لهم حجهم! اللهم ارحم ضعفهم! اللهم ارحم غربتهم! اللهم ارحم فقرهم! اللهم ردهم إلى ديارهم سالمين غانمين رابحين! اللهم ردهم إلى ديارهم مرداً جميلاً! اللهم ردهم إلى ديارهم مرداً جميلاً! وهب لهم عملاً صالحاً مباركاً جليلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين!! اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تؤمنهم في حجهم بأمنك! اللهم أمنهم في حجهم بأمنك! اللهم أمنهم في حجهم بأمنك! اللهم الطف بهم حضراً وسفراً! اللهم الطف بهم حضراً وسفراً! اللهم ادفع عنهم الوباء! وأزل عنهم الشعث والعناء، واجعلهم في صحة وعافية، وبلغهم رضوانك يا رب العالمين! اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ولمن له حق علينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 386
الوقفة السابعة: حال الحاج عند إفاضته من عرفات إلى المشعر الحرام
ثم إلى المشعر وعند المشعر يفيضون إليه بقلوب مغسولة، مليئة بالخشوع مليئة بالإنابة والخضوع، قلوب تعظم الله ﵎، كيف وقد حطت الخطايا، كيف وقد غسلت الرزايا.
يقفون بالمشعر حتى إذا شاء الله لهم وقضوا منسكهم فصلوا فجرهم ووقفوا موقفهم أنابوا وتضرعوا، ورفعوا الأكف إلى الله وقالوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
يحسون بهيبة المشعر وجلال ذلك الموقف، يقفون وكلهم شوق إلى رحمة الله بعد أن أفاضوا وأنابوا إلى ربهم، ولرحمته أصابوا.
стр. 387
الوقفة الثامنة: حال الحاج في منى
ثم إلى منى، ومن منى إلى البيت العتيق: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] في هذه الأيام المباركات الأيام المعدودات ذكر وشكر واستغفار وتعظيم للعظيم القهار، أيام منىً أيام الذاكرين أيام الشاكرين، أحسوا بأن الله أصابهم برحمته، وأصابهم بعفوه ولطفه؛ فأخذت الألسن لا تفتر عن ذكره وشكره، وحق لها والله! بعد أن أصابت رحمة الله أن تثني على الله، وكيف لا تثني عليه وقد أعطاها عطاءً هو العطاء في الدنيا؟! فليس هناك عطاء أعظم من أن يغفر الله ذنبك وأن يضع عنك وزرك، وهي المنة التي امتن الله بها على عباده، وامتن بها على خير خلقه صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
وفي منى تلك الساعات الطيبات، تلقى فيها الوجوه مضيئة، تلقى فيها الوجوه مشرقة من آثار العبادة، تلقى فيها إخواناً لك في الإسلام والدين لم يجمعك بهم حسب ولا نسب، ولم تجمعك بهم قربى، بل لم ترهم عينك من قبل قط، ولكن ترى وجهه فتعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله فتحبه وتسلم عليه وتهنئه، تهنئه برحمة الله عليك وعليه.
يا أحبتي في الله! أيام منى أيام جمع للمسلمين، لا يليق بالمسلم وهو يسير أمام إخوانه إلا وهو يفشي السلام بين المسلمين ويحسن إليهم بالإجلال والإكرام.
إذا ضاعت أخوة الإسلام في أيام منى وأنت مع إخوانك الطيبين المباركين، الذين أصابهم الله برحمته، فأين توجد أخوة الإسلام؟! أحبتي في الله! إنها الأيام الطيبات، أيام تتلذذ فيها الأسماع بالتكبير والتحميد.
أين المكبرون؟! أين الحامدون؟! أين المهللون؟! أين الذاكرون؟! ولقد كنا منذ أعوام يسيرة في الحج إذا مضينا إلى الجمرات والله ثم والله لا تفتر ألسنتنا عن ذكر الله: الله أكبر، ترتج بها أسواق منى وترتج منها خيام منى، فأين تلك الصفوة المباركة، ما بالنا قد نسينا شرعنا؟! ما بالنا نظرنا إلى هذا الحج وكأنه طقوس لا معنى لها؟! أحبتي في الله! حق لمن وقف بها، وحق لمن نزل إليها أن يرفع صوته بالتكبير إعظاماً للعلي الكبير، وشكراً للعزيز الغفور.
стр. 388
الوقفة السادسة: فضل يوم عرفة وحال الحاج في هذا اليوم
حتى إذا شاء الله ما شاء فمضيت بين الصفا والمروة، تنتقل من معلم توحيد إلى معلم توحيد لرب العبيد، حتى إذا شاء الله لك أن تبلغ الموطن المبارك، الذي هو الحج الأكبر، إنه عرفات، وما أدراك ما يوم عرفات؟! يوم تفطرت فيه القلوب لرب البريات، ما طلعت الشمس على يوم أفضل عند الله من يوم عرفة.
أخي في الله! إذا طلعت عليك الشمس ذلك اليوم فنادي النفس نداءاً صادقاً، هو يوم واحد، وقد كان من لطف الله وتيسيره أن جعل الموقف بعد الزوال سويعات، فاحتسب عند الله ﵎ فيها بالدعوات، وادخل إلى عرفات بقلب منكسر لرب البريات، وأصب من سنن النبي ﷺ ما بين لك.
حتى إذا انتهيت من صلاتك، وسمعت المواعظ التي ينبغي لكل مؤمن بالله واليوم الآخر أن يترسم نهجها، وأن يسير على سبيلها، حتى إذا قضيت ذلك كله سرت إلى الموقف، سرت بذلك القلب المنكسر إلى الله ﵎، سرت وأنت تتذكر ذنوباً بينك وبين الله، والعبد يسير إلى الموقف بخطىً ثقيلة؛ حينما يتذكر الذنوب فيما بينه وبين الله، يسير وهو منكسر إلى العلي الكبير، يسير وهو يحس من نفسه أن الذنوب تؤرقه، وأن الخطايا تحطه وتهده.
حتى إذا صار إلى موقفه ووقف بين يدي الله ﵎ نسي الدنيا وما فيها، وأقبل على الله يناجيه ويناديه، بين لوعتين: لوعة الماضي، ولوعة المستقبل؛ أما الماضي فبينه وبين الله حدود طالما جاوزها، ومحارم طالما أصابها، وبينه وبين الله حدود لعباده أصابها، وحقوق لخلقه ضيعها، فإذا صار العبد إلى ذلك الموقف، يصير بذلك القلب الخاشع الذليل، ويا لله ما أعظمه من موقف! لو أن الإنسان استشعر تلك الساعة المباركة، التي يدنو الله فيها دنواً يليق بجلاله وعظمته لأهل الموقف، ويقول لملائكته: (ما أراد هؤلاء؟) يقول بعض العلماء: استفهام إجلال وإعظام وإكبار، أي: أي شيء أراد هؤلاء؟ يدل على أن الله سينزل عليهم من رحمته ورضوانه بما لم يخطر على بال، (ماذا أراد هؤلاء؟) أينسى الله ﵎؟! ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
تلك الخطى التي قدمت بها عليه، أينسى إذ تغبر الخطى إليه؟ أينسى الشعث الذي تقربت به إليه؟ حتى إن الإمام أحمد ﵀ سئل: هل ينظر الحاج في المرآة؟ قال: إن كان ينظر من أجل إصلاح شعره فلا؛ حتى لا يذهب شعثه.
يقول بعض العلماء: إن الله تعالى يباهي بشعث الإنسان وغبره، ولذلك استحب العلماء إذا كان الإنسان له إزاراً فاتسخ أو أصابه شيء من القذر أن يقف به، حتى يكون أبلغ في الذلة لله ، حتى يكون أبلغ في التجرد من الدنيا، حتى يكون أبلغ في أنه يحس بالآخرة، وأنه والله ما قدم لكي يتعالى على عباد الله؛ ولكن ليذل لله حق والله للعبد أن يتذلل له سبحانه، وحق له أن ينكسر لربه ﵎.
تبارك الله وجل الله فهو أعظم ما فاهت به الأفواه! سبحان من ذلت له الأشراف أكرم من يرجى ومن يخاف وإذا لم يذل العبد لربه فلمن يذل؟! ثم ارم بطرفك إلى هذه الأمم التي اجتمعت على عرفات، ذابت أنسابهم، وذهبت أحسابهم، وأصبحوا لا تستطيع أن تفرق بين الغني والفقير، لا تستطيع أن تميز بين الجليل والحقير، أكف إلى الله رافعة، وعيون من خشيته دامعة، وقلوب وأفئدة لجلاله منكسرة، كم فيها من مظاهر تراهم وكأنهم على صفة رجل واحد، ولكن بين بعضهم بعضاً من الفضل والدرجات كما بين السماء والأرض، بماذا؟ بالقلوب.
وقفوا في تلك المواقف، وقلوبهم متباينة في الإجلال والإعظام والانكسار، والذكر للعليم القهار؛ لذلك يوم عرفة يوم مشهود، هذا اليوم يذكر بالموقف بين يدي الله ، ولذلك إذا وقف العبد بعرفات، ونظر إلى تلك البريات، ونظر إلى تلك الأصوات والصيحات، فسبحان من علم لغاتها! وسبحان من ميز ألفاظها! وسبحان من قضى حوائجها! لا يخفى عليه صوت، ولا تعجزه حاجة، أحد فرد صمد، لا يعييه سؤال سائل! لذلك أحبتي في الله! النظر في حال يوم عرفة يذكر بالله ﵎.
كان الناس مع الخليفة سليمان بن عبد الملك فجاءت صاعقة وهم وقوف بعرفة، ففزع الناس فزعاً شديداً، وفزع الخليفة سليمان ﵀ فزعاً شديداً من تلك الصاعقة، فقال له عمر: يا أمير المؤمنين! هذه بين يدي رحمته؛ فكيف بالتي بين يدي عذابه؟! إذا كان هذا والناس وقوف بين يدي الله يرجون رحمته؛ فكيف إذا وقفوا بعرصات يوم القيامة؟! وكما ثبت في الخبر يقول: (لقد غضب الله في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله قط ولم يغضب مثله قط)، وهذا يدل على عظم الموقف بين يدي الله ﵎.
اللهم سلمنا في ذلك الموقف! اللهم سلمنا فيه بعظمتك يا عظيم! ورحمتك يا رحيم! أحبتي في الله! يوم عرفة وما يوم عرفة! كل من حولك يحرك وجدانه، كل من حولك يحرك إحساسه، إن كان القلب قاسياً فإنه يصير خاشعاً، تسمع هذا يبكي وهذا يشتكي، وهذا يشجي، فتقول: سبحان الله! من لهذه الحاجات سوى الله؟ من لهذه الدعوات غير الله؟ جاءوا إليه من بلاد بعيدة، وقطعوها في أزمنة مديدة، جاءوا بهموم لا يفرجها سواه، وكربات لا ينفسها أحد عداه، جاءوا وكلهم يقين في أنه ليس لحاجتهم أحد غيره؛ وحق لهم ذلك.
أحبتي في الله! وما هي إلا لحظات حتى يشاء الله للعبد، فينقضي موقفه، وتغيب عليه شمسه، ويأذن الله لأهل ذلك الموقف بالانصراف.
وتأتي تلك الساعة العصيبة، والله إنها لمن أمر الساعات في الحج، وأعظم ساعة يتألم الإنسان فيها أثناء الحج، إنها ساعة الانصراف من عرفة، لا يدري هل الله قبل دعوته أم لم يقبلها؟! لا يدري هل أجاب الله سؤاله أم لم يجبه؟! لا يدري أمرحوم أم محروم؟! لا يدري أيعطيه أم يحرمه؟! فلذلك يبلغ بالإنسان من الشجن والأسى ما لا يعلمه إلا الله، فهو يقول: أأفيض ربي؟! فهل أنت راضٍ عني، أم لست راضياً عني؟! يناديه بقلب متقطع منفطر، رباه! إن لم ترض عني قبل هذا الموقف فارضَ عني قبل أن أفارق موقفي، يناديه بحسرة، يناديه بقلب متقطع يرجو رحمة الله؛ حتى لا يكون محروماً من عفو الله وفضل الله.
أحبتي في الله! تلك ساعة مؤلمة، ساعة تهز وجدان المؤمن، حينما يتذكر أنه ينصرف من ذلك الموقف، ولذلك كان بعض السلف إذا حضرت ساعة النفرة من عرفة والدفع منها يشتد بكاؤه، ويعظم تضرعه إلى الله ﵎، وقال بعضهم: والله! لو نادى منادي الله في أهل هذا الموقف: قد غفرت لكم إلا واحداً لعددت نفسي ذلك الرجل.
أخي في الله! حتى إذا سرت بين الشعاب وسرت بين تلك الوهاد، فلا إله إلا الله كم يسير عليها عبد غفرت ذنوبه فهو كيوم ولدته أمه! لا إله إلا الله يدفعون من عرفات، دخلوها مثقلين، ليخرجوا منها من الذنوب والخطايا مغسولين! ما أعظمه من موقف، لا إله إلا الله! يسيرون بين تلك الشعاب، يسيرون بين تلك الأودية كيوم ولدتهم أمهاتهم، ما نظر الله إلى سيئات مضت ولا عاملهم بها.
فيا لله! كم دعوة كتب لصاحبها سعادة لا يشقى بعدها أبداً! ويا لله! كم دعوة كتب لصاحبها رحمة لا يعذب بعدها أبداً! يسيرون بين تلك الشعاب العزيزة عند الله، بقلوب مليئة بإجلال الله، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، يحسون معناها، ويتلذذون حلاوتها، ويصيبون فضلها وبغيتها.
стр. 389
الوقفة الأولى: تذكر فراق الدنيا عند وداع الأهل والأحباب
لذلك أحبتي في الله نسير مع هذه الركاب، وننتقل مع هذه الرحلة مرحلة مرحلة، لماذا عز عند الله شأنهم وارتفع عند الله قدرهم؟ لأن الحاج إلى بيت الله في جهاد وجلاد، من أول لحظة تدخل فيها تلك الكلمة التي تدعوه إلى الإقبال إلى بيت الله يعيش الصراع، هل أحج هذا العام أم أرجئ إلى الأعوام القادمة؟ يعيش أول ما يعيش في صراع مع نفس متخاذلة عن طاعة الله متثابطة، يصارعها يجالدها يجاهدها، ثم مع الزوجات، ثم مع الأبناء والبنات، ثم مع الأموال والتجارات، أأحج أم لا أحج؟ أأنتظر أم أبادر؟ حتى يشاء الله أن يختاره في الركاب.
فإذا عقدت النفس النية، وعقد القلب العزم على المسير إلى الله، والانتقال إلى رياض رحمة الله، إلى البيت العتيق، حتى إذا صدق عزمه وقوي يقينه؛ عندها تكون أول وقفة لنا مع الحاج إلى بيت الله الحرام.
إذا عقدت الحج إلى بيت الله الحرام كانت أول وقفة حينما تشد الرحال، وتعزم على المسير إلى الكبير المتعال.
فتقف على الباب لكي تنظر إلى الابن والبنت، لكي تنظر إلى الأخ والأخت، لكي تنظر بدمعة تسح على الخد لفراقهم، حتى إذا أصابت سويداء قلبك تلك الحسرة على فراقهم، إذا بنداء من الأعماق يذكرك بيوم عظيم، يذكرك بساعة للفراق وأي ساعة فراق! تناديك نفسك: يا عبد الله! اليوم تودعهم، وأنت قادر على الوداع بكلمات رقيقات؛ فكيف إذا انقطع الأثر وخسف البصر ونفذ القدر.
كيف بك إذا أصبحت أسيراً للمسير إلى الله؟ فلذلك تتحرك في النفس ذكر الآخرة، تتحرك في سويداء القلب تلك العظة البالغة، اليوم تودعهم وغداً يودعونك، واليوم تنظر إليهم وغداً ينظرونك، اليوم تبادلهم الكلمات فمن لك إذا انقطع لسانك، ووجل جنانك، ولم تستطع أن تبيح بما في النفس من حسراتها.
فهذه أول وقفة، ومن هذه الوقفة إلى ختام الحج تنتقل من مرحلة إلى مرحلة تذكر بالآخرة؛ فتجيش في النفس عبرتها؛ وتحرك في القلوب خشوعها.
стр. 390
الوقفة الثانية: العظات والعبر التي يستفيدها الحاج من لبس الإحرام
أما الوقفة الثانية: فبعد لحظات يسيرة فارقت الأهل والإخوان، وودعت الأحباب والخلان، فإذا بأوامر الشرع تأتيك عند الميقات، انزع ثيابك، وتجرد عن مخيطك، واغتسل لحجك وعمرتك؛ فاستجبت ولبيت، وقلت: سمعاً وطاعة.
فغسلت واغتسلت وأزلت عنك الثياب.
وما إن رفعت الثوب عن الجسد حتى تحركت في النفس أشجانها، وانبعثت في القلوب أحزانها، اليوم أزيل لباسي بنفسي، فكيف بغدٍ إذا أزيل عني لباسي؟! اليوم أرفع ثوبي بنفسي وأجرد عني المخيط، فكيف بي غداً إذا جردت من الثياب، وولجت من ذلك الباب مصيراً إلى رب الأرباب؟! اليوم أغسل نفسي، فكيف بي غداً إذ يغسلونني؟! وكيف بي إذ يكفنونني؟! وما هي إلا لحظات حتى تلبس الإزار وتنزع المخيط، وتنخرط مع تلك الجماعات؛ تلبية توحيداً تكبيراً تمجيداً، لا إله إلا الله! ما أعزها من خُطىً عند الله، وما أكرمها من وفود على الله، منذ أن تجردت من لباسك وأصبحت في عداد المحرمين، كأن هيئتك تقول لك: الآن أصبحت مع المحرمين، وغداً ستصير في عداد المغتربين.
كما أن صاحب الإحرام تحظر عليه محظورات الإحرام، فلا طيب ولا متعة من الأمور المرفهة، كذلك إذا أوسد في لحده وأودع في قبره، فكأنه في المرحلة الثانية بعد لبس إزاره وردائه، فالله أكبر! ما أجلها من عظات، والله أكبر! ما أعظمها من آيات، دلت وشهدت بوحدانية رب البريات، فسارت الخطى على تلك الأرض، التي والله ما رفعت قدماً ولا حططت أخرى إلا سطرت في ديوانك، ولقيت بها رباً يبيض بها الوجوه إذا لقيه أصحابها.
следующие страницы →