← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الوقفة السابعة: حال الحاج عند إفاضته من عرفات إلى المشعر الحرام ثم إلى المشعر وعند المشعر يفيضون إليه بقلوب مغسولة، مليئة بالخشوع مليئة بالإنابة والخضوع، قلوب تعظم الله ﵎، كيف وقد حطت الخطايا، كيف وقد غسلت الرزايا. يقفون بالمشعر حتى إذا شاء الله لهم وقضوا منسكهم فصلوا فجرهم ووقفوا موقفهم أنابوا وتضرعوا، ورفعوا الأكف إلى الله وقالوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. يحسون بهيبة المشعر وجلال ذلك الموقف، يقفون وكلهم شوق إلى رحمة الله بعد أن أفاضوا وأنابوا إلى ربهم، ولرحمته أصابوا.

стр. 387

الوقفة الثامنة: حال الحاج في منى ثم إلى منى، ومن منى إلى البيت العتيق: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] في هذه الأيام المباركات الأيام المعدودات ذكر وشكر واستغفار وتعظيم للعظيم القهار، أيام منىً أيام الذاكرين أيام الشاكرين، أحسوا بأن الله أصابهم برحمته، وأصابهم بعفوه ولطفه؛ فأخذت الألسن لا تفتر عن ذكره وشكره، وحق لها والله! بعد أن أصابت رحمة الله أن تثني على الله، وكيف لا تثني عليه وقد أعطاها عطاءً هو العطاء في الدنيا؟! فليس هناك عطاء أعظم من أن يغفر الله ذنبك وأن يضع عنك وزرك، وهي المنة التي امتن الله بها على عباده، وامتن بها على خير خلقه صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. وفي منى تلك الساعات الطيبات، تلقى فيها الوجوه مضيئة، تلقى فيها الوجوه مشرقة من آثار العبادة، تلقى فيها إخواناً لك في الإسلام والدين لم يجمعك بهم حسب ولا نسب، ولم تجمعك بهم قربى، بل لم ترهم عينك من قبل قط، ولكن ترى وجهه فتعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله فتحبه وتسلم عليه وتهنئه، تهنئه برحمة الله عليك وعليه. يا أحبتي في الله! أيام منى أيام جمع للمسلمين، لا يليق بالمسلم وهو يسير أمام إخوانه إلا وهو يفشي السلام بين المسلمين ويحسن إليهم بالإجلال والإكرام. إذا ضاعت أخوة الإسلام في أيام منى وأنت مع إخوانك الطيبين المباركين، الذين أصابهم الله برحمته، فأين توجد أخوة الإسلام؟! أحبتي في الله! إنها الأيام الطيبات، أيام تتلذذ فيها الأسماع بالتكبير والتحميد. أين المكبرون؟! أين الحامدون؟! أين المهللون؟! أين الذاكرون؟! ولقد كنا منذ أعوام يسيرة في الحج إذا مضينا إلى الجمرات والله ثم والله لا تفتر ألسنتنا عن ذكر الله: الله أكبر، ترتج بها أسواق منى وترتج منها خيام منى، فأين تلك الصفوة المباركة، ما بالنا قد نسينا شرعنا؟! ما بالنا نظرنا إلى هذا الحج وكأنه طقوس لا معنى لها؟! أحبتي في الله! حق لمن وقف بها، وحق لمن نزل إليها أن يرفع صوته بالتكبير إعظاماً للعلي الكبير، وشكراً للعزيز الغفور.

стр. 388

الوقفة السادسة: فضل يوم عرفة وحال الحاج في هذا اليوم حتى إذا شاء الله ما شاء فمضيت بين الصفا والمروة، تنتقل من معلم توحيد إلى معلم توحيد لرب العبيد، حتى إذا شاء الله لك أن تبلغ الموطن المبارك، الذي هو الحج الأكبر، إنه عرفات، وما أدراك ما يوم عرفات؟! يوم تفطرت فيه القلوب لرب البريات، ما طلعت الشمس على يوم أفضل عند الله من يوم عرفة. أخي في الله! إذا طلعت عليك الشمس ذلك اليوم فنادي النفس نداءاً صادقاً، هو يوم واحد، وقد كان من لطف الله وتيسيره أن جعل الموقف بعد الزوال سويعات، فاحتسب عند الله ﵎ فيها بالدعوات، وادخل إلى عرفات بقلب منكسر لرب البريات، وأصب من سنن النبي ﷺ ما بين لك. حتى إذا انتهيت من صلاتك، وسمعت المواعظ التي ينبغي لكل مؤمن بالله واليوم الآخر أن يترسم نهجها، وأن يسير على سبيلها، حتى إذا قضيت ذلك كله سرت إلى الموقف، سرت بذلك القلب المنكسر إلى الله ﵎، سرت وأنت تتذكر ذنوباً بينك وبين الله، والعبد يسير إلى الموقف بخطىً ثقيلة؛ حينما يتذكر الذنوب فيما بينه وبين الله، يسير وهو منكسر إلى العلي الكبير، يسير وهو يحس من نفسه أن الذنوب تؤرقه، وأن الخطايا تحطه وتهده. حتى إذا صار إلى موقفه ووقف بين يدي الله ﵎ نسي الدنيا وما فيها، وأقبل على الله يناجيه ويناديه، بين لوعتين: لوعة الماضي، ولوعة المستقبل؛ أما الماضي فبينه وبين الله حدود طالما جاوزها، ومحارم طالما أصابها، وبينه وبين الله حدود لعباده أصابها، وحقوق لخلقه ضيعها، فإذا صار العبد إلى ذلك الموقف، يصير بذلك القلب الخاشع الذليل، ويا لله ما أعظمه من موقف! لو أن الإنسان استشعر تلك الساعة المباركة، التي يدنو الله فيها دنواً يليق بجلاله وعظمته لأهل الموقف، ويقول لملائكته: (ما أراد هؤلاء؟) يقول بعض العلماء: استفهام إجلال وإعظام وإكبار، أي: أي شيء أراد هؤلاء؟ يدل على أن الله سينزل عليهم من رحمته ورضوانه بما لم يخطر على بال، (ماذا أراد هؤلاء؟) أينسى الله ﵎؟! ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. تلك الخطى التي قدمت بها عليه، أينسى إذ تغبر الخطى إليه؟ أينسى الشعث الذي تقربت به إليه؟ حتى إن الإمام أحمد ﵀ سئل: هل ينظر الحاج في المرآة؟ قال: إن كان ينظر من أجل إصلاح شعره فلا؛ حتى لا يذهب شعثه. يقول بعض العلماء: إن الله تعالى يباهي بشعث الإنسان وغبره، ولذلك استحب العلماء إذا كان الإنسان له إزاراً فاتسخ أو أصابه شيء من القذر أن يقف به، حتى يكون أبلغ في الذلة لله ، حتى يكون أبلغ في التجرد من الدنيا، حتى يكون أبلغ في أنه يحس بالآخرة، وأنه والله ما قدم لكي يتعالى على عباد الله؛ ولكن ليذل لله حق والله للعبد أن يتذلل له سبحانه، وحق له أن ينكسر لربه ﵎. تبارك الله وجل الله فهو أعظم ما فاهت به الأفواه! سبحان من ذلت له الأشراف أكرم من يرجى ومن يخاف وإذا لم يذل العبد لربه فلمن يذل؟! ثم ارم بطرفك إلى هذه الأمم التي اجتمعت على عرفات، ذابت أنسابهم، وذهبت أحسابهم، وأصبحوا لا تستطيع أن تفرق بين الغني والفقير، لا تستطيع أن تميز بين الجليل والحقير، أكف إلى الله رافعة، وعيون من خشيته دامعة، وقلوب وأفئدة لجلاله منكسرة، كم فيها من مظاهر تراهم وكأنهم على صفة رجل واحد، ولكن بين بعضهم بعضاً من الفضل والدرجات كما بين السماء والأرض، بماذا؟ بالقلوب. وقفوا في تلك المواقف، وقلوبهم متباينة في الإجلال والإعظام والانكسار، والذكر للعليم القهار؛ لذلك يوم عرفة يوم مشهود، هذا اليوم يذكر بالموقف بين يدي الله ، ولذلك إذا وقف العبد بعرفات، ونظر إلى تلك البريات، ونظر إلى تلك الأصوات والصيحات، فسبحان من علم لغاتها! وسبحان من ميز ألفاظها! وسبحان من قضى حوائجها! لا يخفى عليه صوت، ولا تعجزه حاجة، أحد فرد صمد، لا يعييه سؤال سائل! لذلك أحبتي في الله! النظر في حال يوم عرفة يذكر بالله ﵎. كان الناس مع الخليفة سليمان بن عبد الملك فجاءت صاعقة وهم وقوف بعرفة، ففزع الناس فزعاً شديداً، وفزع الخليفة سليمان ﵀ فزعاً شديداً من تلك الصاعقة، فقال له عمر: يا أمير المؤمنين! هذه بين يدي رحمته؛ فكيف بالتي بين يدي عذابه؟! إذا كان هذا والناس وقوف بين يدي الله يرجون رحمته؛ فكيف إذا وقفوا بعرصات يوم القيامة؟! وكما ثبت في الخبر يقول: (لقد غضب الله في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله قط ولم يغضب مثله قط)، وهذا يدل على عظم الموقف بين يدي الله ﵎. اللهم سلمنا في ذلك الموقف! اللهم سلمنا فيه بعظمتك يا عظيم! ورحمتك يا رحيم! أحبتي في الله! يوم عرفة وما يوم عرفة! كل من حولك يحرك وجدانه، كل من حولك يحرك إحساسه، إن كان القلب قاسياً فإنه يصير خاشعاً، تسمع هذا يبكي وهذا يشتكي، وهذا يشجي، فتقول: سبحان الله! من لهذه الحاجات سوى الله؟ من لهذه الدعوات غير الله؟ جاءوا إليه من بلاد بعيدة، وقطعوها في أزمنة مديدة، جاءوا بهموم لا يفرجها سواه، وكربات لا ينفسها أحد عداه، جاءوا وكلهم يقين في أنه ليس لحاجتهم أحد غيره؛ وحق لهم ذلك. أحبتي في الله! وما هي إلا لحظات حتى يشاء الله للعبد، فينقضي موقفه، وتغيب عليه شمسه، ويأذن الله لأهل ذلك الموقف بالانصراف. وتأتي تلك الساعة العصيبة، والله إنها لمن أمر الساعات في الحج، وأعظم ساعة يتألم الإنسان فيها أثناء الحج، إنها ساعة الانصراف من عرفة، لا يدري هل الله قبل دعوته أم لم يقبلها؟! لا يدري هل أجاب الله سؤاله أم لم يجبه؟! لا يدري أمرحوم أم محروم؟! لا يدري أيعطيه أم يحرمه؟! فلذلك يبلغ بالإنسان من الشجن والأسى ما لا يعلمه إلا الله، فهو يقول: أأفيض ربي؟! فهل أنت راضٍ عني، أم لست راضياً عني؟! يناديه بقلب متقطع منفطر، رباه! إن لم ترض عني قبل هذا الموقف فارضَ عني قبل أن أفارق موقفي، يناديه بحسرة، يناديه بقلب متقطع يرجو رحمة الله؛ حتى لا يكون محروماً من عفو الله وفضل الله. أحبتي في الله! تلك ساعة مؤلمة، ساعة تهز وجدان المؤمن، حينما يتذكر أنه ينصرف من ذلك الموقف، ولذلك كان بعض السلف إذا حضرت ساعة النفرة من عرفة والدفع منها يشتد بكاؤه، ويعظم تضرعه إلى الله ﵎، وقال بعضهم: والله! لو نادى منادي الله في أهل هذا الموقف: قد غفرت لكم إلا واحداً لعددت نفسي ذلك الرجل. أخي في الله! حتى إذا سرت بين الشعاب وسرت بين تلك الوهاد، فلا إله إلا الله كم يسير عليها عبد غفرت ذنوبه فهو كيوم ولدته أمه! لا إله إلا الله يدفعون من عرفات، دخلوها مثقلين، ليخرجوا منها من الذنوب والخطايا مغسولين! ما أعظمه من موقف، لا إله إلا الله! يسيرون بين تلك الشعاب، يسيرون بين تلك الأودية كيوم ولدتهم أمهاتهم، ما نظر الله إلى سيئات مضت ولا عاملهم بها. فيا لله! كم دعوة كتب لصاحبها سعادة لا يشقى بعدها أبداً! ويا لله! كم دعوة كتب لصاحبها رحمة لا يعذب بعدها أبداً! يسيرون بين تلك الشعاب العزيزة عند الله، بقلوب مليئة بإجلال الله، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، يحسون معناها، ويتلذذون حلاوتها، ويصيبون فضلها وبغيتها.

стр. 389

الوقفة الأولى: تذكر فراق الدنيا عند وداع الأهل والأحباب لذلك أحبتي في الله نسير مع هذه الركاب، وننتقل مع هذه الرحلة مرحلة مرحلة، لماذا عز عند الله شأنهم وارتفع عند الله قدرهم؟ لأن الحاج إلى بيت الله في جهاد وجلاد، من أول لحظة تدخل فيها تلك الكلمة التي تدعوه إلى الإقبال إلى بيت الله يعيش الصراع، هل أحج هذا العام أم أرجئ إلى الأعوام القادمة؟ يعيش أول ما يعيش في صراع مع نفس متخاذلة عن طاعة الله متثابطة، يصارعها يجالدها يجاهدها، ثم مع الزوجات، ثم مع الأبناء والبنات، ثم مع الأموال والتجارات، أأحج أم لا أحج؟ أأنتظر أم أبادر؟ حتى يشاء الله أن يختاره في الركاب. فإذا عقدت النفس النية، وعقد القلب العزم على المسير إلى الله، والانتقال إلى رياض رحمة الله، إلى البيت العتيق، حتى إذا صدق عزمه وقوي يقينه؛ عندها تكون أول وقفة لنا مع الحاج إلى بيت الله الحرام. إذا عقدت الحج إلى بيت الله الحرام كانت أول وقفة حينما تشد الرحال، وتعزم على المسير إلى الكبير المتعال. فتقف على الباب لكي تنظر إلى الابن والبنت، لكي تنظر إلى الأخ والأخت، لكي تنظر بدمعة تسح على الخد لفراقهم، حتى إذا أصابت سويداء قلبك تلك الحسرة على فراقهم، إذا بنداء من الأعماق يذكرك بيوم عظيم، يذكرك بساعة للفراق وأي ساعة فراق! تناديك نفسك: يا عبد الله! اليوم تودعهم، وأنت قادر على الوداع بكلمات رقيقات؛ فكيف إذا انقطع الأثر وخسف البصر ونفذ القدر. كيف بك إذا أصبحت أسيراً للمسير إلى الله؟ فلذلك تتحرك في النفس ذكر الآخرة، تتحرك في سويداء القلب تلك العظة البالغة، اليوم تودعهم وغداً يودعونك، واليوم تنظر إليهم وغداً ينظرونك، اليوم تبادلهم الكلمات فمن لك إذا انقطع لسانك، ووجل جنانك، ولم تستطع أن تبيح بما في النفس من حسراتها. فهذه أول وقفة، ومن هذه الوقفة إلى ختام الحج تنتقل من مرحلة إلى مرحلة تذكر بالآخرة؛ فتجيش في النفس عبرتها؛ وتحرك في القلوب خشوعها.

стр. 390

الوقفة الثانية: العظات والعبر التي يستفيدها الحاج من لبس الإحرام أما الوقفة الثانية: فبعد لحظات يسيرة فارقت الأهل والإخوان، وودعت الأحباب والخلان، فإذا بأوامر الشرع تأتيك عند الميقات، انزع ثيابك، وتجرد عن مخيطك، واغتسل لحجك وعمرتك؛ فاستجبت ولبيت، وقلت: سمعاً وطاعة. فغسلت واغتسلت وأزلت عنك الثياب. وما إن رفعت الثوب عن الجسد حتى تحركت في النفس أشجانها، وانبعثت في القلوب أحزانها، اليوم أزيل لباسي بنفسي، فكيف بغدٍ إذا أزيل عني لباسي؟! اليوم أرفع ثوبي بنفسي وأجرد عني المخيط، فكيف بي غداً إذا جردت من الثياب، وولجت من ذلك الباب مصيراً إلى رب الأرباب؟! اليوم أغسل نفسي، فكيف بي غداً إذ يغسلونني؟! وكيف بي إذ يكفنونني؟! وما هي إلا لحظات حتى تلبس الإزار وتنزع المخيط، وتنخرط مع تلك الجماعات؛ تلبية توحيداً تكبيراً تمجيداً، لا إله إلا الله! ما أعزها من خُطىً عند الله، وما أكرمها من وفود على الله، منذ أن تجردت من لباسك وأصبحت في عداد المحرمين، كأن هيئتك تقول لك: الآن أصبحت مع المحرمين، وغداً ستصير في عداد المغتربين. كما أن صاحب الإحرام تحظر عليه محظورات الإحرام، فلا طيب ولا متعة من الأمور المرفهة، كذلك إذا أوسد في لحده وأودع في قبره، فكأنه في المرحلة الثانية بعد لبس إزاره وردائه، فالله أكبر! ما أجلها من عظات، والله أكبر! ما أعظمها من آيات، دلت وشهدت بوحدانية رب البريات، فسارت الخطى على تلك الأرض، التي والله ما رفعت قدماً ولا حططت أخرى إلا سطرت في ديوانك، ولقيت بها رباً يبيض بها الوجوه إذا لقيه أصحابها.

стр. 391

الوقفة الثالثة: العظات والعبر التي يستفيدها الحاج حين يتوجه إلى بيت الله حين تسير مع الوافدين في عداد المسافرين، وكأن سفر الحج يذكرك بالسفر الطويل، يذكرك بالمسير إلى العظيم الجليل، سرت معهم فرأيت عبراً لا تنسى، وآيات عظيمة جل من وضعها وعلا، تسير في الركاب فترى في السفر عجباً وأي عجب! تسير مع الأصحاب والأحباب وترى إن نظرت أمامك إلى قفار ووهاد، إلى أشجار وثمار، إلى جبال وأنهار، تذكر بالواحد العظيم القهار. ما تقدمت ولا خطوت إلا وكان في قلبك أثر يذكرك بأن لا إله إلا الله، إنه كون مليء بالعبر، وعبادة تهز كيانك حتى تكون من المعتبرين، فسرت مع الراحلين وسرت مع المغتربين، وما هي إلا أيام حتى وطئت دار السلام.

стр. 392

الوقفة الرابعة: ما ينبغي على الحاج حين وصوله إلى بيت الله أخي في الله! تصدع بشكر الله والثناء على الله، فكم من وفود تمنت! وكم من قلوب حنت لكي تدخل البيت الحرام! كم من عيون تمنى أصحابها رؤية البيت الحرام! وكم من أجساد وأرواح طمعت أن تطوف ببيت الله! اخترمتها البحار، والتقمتها القفار، وصارت إلى العزيز القهار، والله تفضل فاختارك من بين العباد حاجاً وافداً، فما أجلها من نعمة وما أعظمها من منة! حتى إذا وطئت بيت الله وطئته وأنت تجل نعمة الله، وتعظم منحة الله، وطئت البيت الحرام وكلك إجلال وإعظام للملك العلام. أي بيت؟! أي مكان؟! أي بلد؟! أي منزل؟! إنه البلد الذي اختاره الله من بين البلاد، صحيح أنه ليس فيه أنهار ولا أشجار ولا فتن من الدنيا بادية، ولكن فيه الروح والريحان، فيه الرضا والغفران، فيه الصفح والإحسان، فيا لله! ما أعظمها من منازل! عظمها الله ورفع شأنها الله، ما أعظمها من منازل! لو أذن لتلك البقاع أن تتحدث، لو أذن لتلك المواضع أن تنطق، فكم عليها من دعوات أجيبت! وكم عليها من هموم فرجت! وكم عليها من أمور نفست،! إنها منازل الله، ومحط رحمة الله، حتى إذا وطئتها وطئتها بقلب يعظمها: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. يا عبد الله! إذا نزلت إلى بيت الله فادخله لله منكسراً، ومن هيبته خاشعاً، ادخله بذلة لله، ادخله بالسكينة والوقار، فإن النبي ﷺ دخل يوم الفتح في يوم أعز الله فيه أهل دينه، دخل صلوات الله وسلامه عليه مطأطئاً رأسه ذلة لله، حتى إن لحيته تكاد تمس رحل دابته صلوات الله وسلامه عليه؛ ذلة وتواضع لله ، منازل لا ترفع فيها الرءوس خشية لله، ولا يظهر الإنسان فيها إلا الفاقة والحاجة إلى الله، فيها بيت توجهت إليه القلوب والقوالب، من الصفا، والمروة، ومنى، ومزدلفة، وعرفات، وأي عرفات! منازل مباركات، منازل عند الله جليلة، وأماكن عند الله عظيمة! لذلك أحبتي في الله! إذا دخل الحاج إلى تلك المواطن دخلها بقلب يعظم الله، دخلها وكله ثناء على الله إذ بلغها، وأما إجلالها فكله شوق وطمع في الله أن يرزقه الأدب في جوار بيته المحرم، فما أسعده من عبد رزقه الله عفة السمع والبصر! وما أسعده من عبد رزقه الله الأدب معه، والأدب مع خلقه، في جوار كعبته وبيته! وما هي إلا لحظات حتى يرى العبد بيت رب البريات، وعندها يخشع القلب لله، ويذل لله ﵎، ويبتدئ في طوافه، وينتهي من مطافه حتى يرقى الصفا.

стр. 393

الوقفة الخامسة: أن يتذكر الحاج حال النبي عند ما قى الصفا لقد رقى النبي ﷺ الصفا، فلما رقاها قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). لماذا هلل؟ هلل لأنه بالأمس القريب كان يقف على الصفا يقول لهم -منذراً ومحذراً ومبيناً-: (سلوني من مالي ما شئتم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، فقال له أبو لهب: تباً لك! ألهذا جمعتنا؟!) فبالأمس يكذب وبالأمس يهان وعلى هذا المكان، ويشاء الله يوم حجة الوداع أن تأتي مائة ألف نفس تأتمر لرسول الله ﷺ . فلما رقى الصفا تذكر عندما كان يهان بجوار البيت، فكان أول ما لفظ به توحيد الله، فقال: (لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده) تذكر نعمة الله ، وهذا هو شأن الأخيار، شأن الصفوة الأبرار، إذا أصابهم الله بنعمته، وتفضل عليهم بمنته؛ أجلَّوا الله حق إجلاله؛ وعظموه حق إعظامه.

стр. 394

الأسئلة

стр. 395

نصيحة لأهل البلاء بأن لا يقنطوا من رحمة الله السؤال إنني أعيش في حزن وهم وغم بما أعانيه من مرض قد أصابني كم تمنيت الموت! تمر اللحظة تلو اللحظة وأتمنى الموت في اللحظة الأولى قبل الثانية، والشيطان يوسوس لي ويقول لي: افعل كذا كأنه يقول: هل أقتل نفسي أم ماذا أفعل؟ وهل من نصيحة تعيد لي الأمل في الله ؟ الجواب أخي في الله! لمن هذا الكون؟ لمن الأمر كله؟ الأمر كله لله، أنزل بك البلاء وهو أرحم بك من أمك التي ولدتك، أرحم بالخلق منهم بأنفسهم، والله لو علمت رحمة الله تباك وتعالى لامتلأ قلبك رجاءً فيما عند الله . أخي! هذا بلاء أنزله الله بك، وأنت مسلم تؤمن بالله واليوم الآخر، ولذلك ليس البلاء أن يصاب المؤمن؛ ولكن البلاء كل البلاء للكافر الذي إذا أصابه البلاء لا يدري أين يذهب، ولا يدري إلى أين يشتكي، هذه الآلام التي تحصل للبعض إنما تكون مؤلمة حقيقة لأهل الكفر الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لا يدري أين ربه والعياذ بالله! لا يدري أين يذهب! حائر، ولكن المؤمن الصادق في إيمانه يعرف أين يذهب، يعرف من ينادي. لقد بلغ الضر بنبي الله أيوب مبلغه فنادى ربه نداءً صادقا؛ فجاءته رحمة الله ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]. يقول بعض العلماء: من رحمة الله بعباده أن المبتلى إذا صدع بالدعاء وكان صادقاً فإنه لا يفرج كربه فقط، بل يفرج كربته وزيادة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] ما معنى: ذكرى للعابدين؟ معناه: إذا عبدت الله ودعوته بدعاء صادقٍ، فإن الله يستجيب لك كما استجاب لأيوب. ناده وقل: يا من لك الرحمة التي رحمت بها أيوب! ارحمني، يا من أنت الحليم بخلقك والرحيم بعبادك! أصابني وأصابني، وناد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأذكر أن بعض الناس أصيب بشيء قريب من هذا، لقد عاش حياة مؤلمة، وشاء الله يوم من الأيام أن جاء فاشتكى، فقلت له: يا أخي! الأمر يسير. يقول لي: هل تعرف طبيباً نفسياً يداوي؟ هل تعرف رجلاً يداوي بالقرآن؟ قلت له: لا، أعرف لك من إذا جئته لم تخب في مجيئه، وإن دعوته لم تخب في دعائه. قال: من؟ قلت: الله. قال: سبحان الله! قلت له: لو قلت لك: زيد أو عمرو أو فلان لرفعت رأسك، ولو قلنا: الطبيب الفلاني، ولو قلنا: فلان وفلان، لقلت: أين؟ من يعرفه؟ كيف السبيل إليه؟ فكيف برب الأرباب؟! يا هذا! دعوة الأسحار وما أدراك ما دعوة الأسحار! إذا رفعت إلى العظيم القهار من قلوب تجله، وهو العزيز الغفار، دعوة، وأنت واقف أمام الله تناديه بصدق، وتشتكي إلى الله . وشخص ثانٍ كان مبتلى بوساوس لا يقر قراره فيها، وشاء الله أن يجلس مع بعض أهل العلم، فقوى فيه عقيدته بالله، يقول: فمضيت لأعتمر ودعوت واستجرت بالله ، والله إني لواقف أدعو وأستغيث بالله في صلاتي بعد انتهائي من طوافي، يقول: والله ما انتهيت من صلاتي حتى وانتهى عني كل شيء. من بيده الأمر كله؟ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨] ولكن ضعف يقيننا بالله ضعف إيماننا بالله، لم نعرف من هو الله، لم نعرف من هو الذي بيده ملكوت كل شيء، يعلم أنَّاتك، ولا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ونحن ما قدرنا الله حق قدره. الانتحار وقتل النفس هذا لأقوام لا يؤمنون بالله أقوام ضائعين أقوام تائهين، أما المؤمن الصادق فإنه يتلذذ بالبلاء أشد من تلذذه بالعافية، والله تعالى يقول عن أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. وأذكر أن الوالد رحمة الله عليه -وأقولها عن الوالد؛ لأنني قد أقولها عن شخص فيظن أنها قصة خيالية- بلي بمرض الحساسية، وتورم عليه جلده، والله مكث ثلاث سنوات ونحن لا ندري أنه مريض، حتى تقرح جسمه رحمة الله عليه. البعض يتلذذ بالبلاء لماذا؟ لأن حسنات وأجور البلاء لا يعلمها إلا الله ، وإذا وقفت في عرصات يوم القيامة، وثقل ميزانك بهذا الهم والغم، وعظم عند الله أجرك تمنيت والله أن حياتك كلها بلاء: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] وبغير حساب من الله ليست بالهينة! فهو شيء لا يخطر على بال. فذلك أخي في الله! أدعوك إلى ربك، أدعوك أن تلوذ بخالقك، أدعوك أن تستجير بمن بيده حياتك وموتك، وبيده غناك وفقرك، وبيده عذابك ورحمتك، ناده واشتك إليه واستجر به، واسأله إحدى الحسنيين؛ إما أن يثبت قلبك ويصبرك على البلاء حتى تصيب من الله رضواناً، ورحمة وغفراناً؛ وإما أن يزيل عنك البلاء بالكلية. ولذلك المرأة التي كانت تتكشف كانت مبتلاة في عقلها، (جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يشفيني أو يعافيني. قال: إن شئت صبرت ولكي الجنة، وإن شئت دعوت لك. قالت: أصبر؛ ولكن ادع الله لي ألا أتكشف) ﵁ وأرضاها؛ ولذلك كانت مبشرة بالجنة وهي تمشي على وجه الأرض. يا أخي! ما يدريك ما في هذا البلاء؟! أخي! لو أن والدتك علمت بما بك؛ تألمت وتأوهت؛ وأحست بمرارة العيش من ألمك، حتى إن بعض قرابة المريض يتألم أكثر من المريض، والله لألم والدتك ورحمة والدتك بك لا تساوي مثقال ذرة من رحمة الله بك، هو يعلم أنك مبتلى، ويعلم أنك تقاسي وتعاني، ولكن يختبر صبرك، يختبر ثباتك؛ ولذلك اثبت وداوم على ذكر الله، وكن مع الله، وكن في راحة وطمأنينة وانشراح صدر مع الله، فوالله ما خاب عبد قرع باب الله. اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن تفرج عن هذا العبد كربه، وأن تثبت قلبه، وأن تزيل حسرته، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 396

حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج السؤال وماذا عن صيام يوم عرفة؟ الجواب أما صيام يوم عرفة فقد سئل عنه من هو أفضل منا صلوات الله وسلامه عليه فقال: (أحتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والباقية) فصيام يوم عرفة مسنون وله فضل، لكن لغير الحاج، أما الحاج فيسن له أن يفطر؛ لأن النبي ﷺ أفطر، وقد جاء بها حنيفية سمحاء لا حرج فيها ولا مشقة ولا عنت، فأفطر صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الفطر يقوي على الذكر الذي هو المقصود من يوم عرفة، والصيام منفك، فتقدم العبادة المتصلة على العبادة المنفصلة، ولذلك لم يشرع للمقاتل إذا كان في وجه العدو أن يكون صائماً؛ لأنه بالصيام يضعف عن البلاء المقصود من قتاله. وهكذا بالنسبة لمن وقف في يوم عرفة، فإن مقصوده ذكر الله، فينبغي أن يتقوى وأن يأخذ بالأسباب التي تقويه على ذلك. أما بالنسبة لموافقته يوم الجمعة: فالذي يظهر والذي يستحب للإنسان أن يصوم الخميس والجمعة، وأما السبت فيوم عيد ولا يصام، وقد اجتمع فيه النهي عنه على الانفراد، وكذلك أيضاً كونه يوم عيد، فلذلك يسن للإنسان أن يصوم يوم الخميس والجمعة. والله تعالى أعلم.

стр. 397

حكم تغطية الوجه للمحرمة وكشف شعرها أمام محارمها السؤال هل غطاء الرأس بالنسبة للمرأة طول الوقت يكون عليها حتى في الخيمة وهي بعيدة عن الرجال؟ وإذا أزالت الغطاء هل يفسد الإحرام، وكذلك حكم تغطية الوجه بالنسبة للمحرمة؟ الجواب المرأة يشرع لها أن تغطي وجهها ورأسها إذا رأت الأجانب أو إذا كان هناك أجانب، أو كانت بين الأجانب، للحديث الصحيح عن أسماء ﵂ وأرضاها أنها قالت: (فإذا مر بنا الركب سدلت إحدانا خمارها) فدل هذا على مشروعية سدل المرأة لخمارها عند مرور الرجال الأجانب، وأما إذا كانت بين محارمها، أو كانت في خيمتها، أو كانت بمعزل عن رؤية الغير لها؛ فإنه يجب عليها كشفها لوجهها؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك ضمناً، كما في حديث ابن عمر ﵄ في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) فنهاها عن سترها لوجهها. وأما بالنسبة لقولك: هل تكشف؟ نعم، القاعدة تقول: (ما أبيح للحاجة يقدر بقدرها)، فهي في الأصل يمنع عليها السدل، لكن لمكان الحاجة شرع لها السدل. والقاعدة: إن ما شرع لحاجة يبطل بزوالها، فإذا لم يوجد الأجانب فإنه قد زالت الحاجة؛ فيجب عليها الرجوع إلى الأصل. أما بالنسبة لشعر الرأس فإن المرأة تغطي شعرها وجوباً إذا كانت بين الرجال الأجانب، وأما بالنسبة لمحارمها فإنه يجوز لهم النظر إلى شعرها، ولكن كره بعض العلماء ذلك من السلف وقال: أخشى على محرمها الفتنة. ولذلك من ناحية الأصل لا يجب عليها كشف شعرها، شعر الرأس لا يجب كشفه في الإحرام، الإحرام للمرأة في الوجه والكفين، لحديث ابن عمر الذي سبقت الإشارة إليه، وأما الرأس فإنها تغطيه، وهذا مما يختلف فيه الرجل والمرأة. والله تعالى أعلم.

стр. 398

اندراج طواف الوداع في طواف الإفاضة السؤال هل يجوز الجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع، وكيف تكون الصفة في ذلك؟ الجواب نعم إذا أخر الحاج طواف الإفاضة، أو كان عند المرأة عذر الحيض فلم تطف طواف الإفاضة، وطهرت ثم أرادت أن تجمع بين طواف الوداع والإفاضة جاز لها؛ لأن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر العهد بالبيت طوافاً، وهذا يتحقق بطواف الإفاضة، فينوي طواف الإفاضة أصلاً وطواف الوداع اندراجاً، ينويه تحت طواف الإفاضة، فإذا نوى ذلك أجزأه، وسقط عنه طواف الوداع. والله تعالى أعلم.

стр. 399

فضل عشر ذي الحجة وأحكامها السؤال فضيلة الشيخ! لو تحدثت عن العشر الأوائل من شهر ذي الحجة وعن فضلها والعمل فيها، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أما عشر من ذي الحجة فقد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك). فدل هذا على فضل هذه الأيام المباركات، يغتنمها الإنسان في ذكر الله وطاعة الله، ويستكثر فيها من خصال الخير، وإن صامها فحسن صيامها، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح) والعمل الصالح يشمل الصيام، بل إن الصيام من أفضل الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله ﵎؛ لما فيه من عبادة الصبر؛ ولما فيه -أيضاً- من كسر شهوة النفس. إلى غير ذلك من فضائله. وأما أحكام هذه العشر: فيسن فيها التكبير، قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] قالوا: هي عشر من ذي الحجة، وهو: التكبير المطلق، يكبر الإنسان سواءً كان تكبيره شفعاً أو وتراً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. وإن شفع فلا حرج عليه، وقد كان السالف الصالح يحيون التكبير، فهذا عبد الله بن عمر ﵄ كان يغدو إلى السوق وليس له حاجة في السوق فيكبر، فيكبر أهل السوق بتكبيره؛ إحياءً لهذه السنة. فينبغي للإنسان أن يحرص على إحيائها، وأن يرفع صوته إحياءً لهذه الشعيرة؛ علّ الله أن يرفعه، فما رفع عبد شعيرة إلا رفعه الله بها. ومن أحيا سنة أحياه الله كما أحياها، فلذلك ينبغي إحياء هذه السنن، والحرص عليها والدلالة عليها، وقد كان الناس إلى عهد قريب يكثرون من ذكر الله في هذه العشر لفضلها. قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] قالوا: هي عشر من ذي الحجة؛ لأن الله أقسم بها للدلالة على فضلها وشرفها، فهذا يدل على فضلها. أما أحكامها: فإن الإنسان إذا نوى الأضحية في عشر من ذي الحجة فإنه لا يمس شعراً ولا يقلم ظفراً؛ لقوله ﵊: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن شيئاً من شعره). والله تعالى أعلم.

стр. 400

اختلاف العلماء في المراد بالحج الأكبر السؤال ما المراد بالحج الأكبر الوارد في كتاب الله؟ ولماذا سمي بالحج الأكبر؟ الجواب قيل: هو يوم عرفة، وقيل: يوم النحر. وقول بعض العلماء أن يوم النحر هو الحج الأكبر؛ لأنه يجتمع فيه طواف الإفاضة وكذلك تجتمع فيه الشعائر من رمي الجمار وحلق الرأس والتحلل. وأما يوم عرفة فلأن عرفة هي الحج، ولكن القول الثاني قواه بعض العلماء لاجتماع الفضائل التي لا توجد في غيره. والله تعالى أعلم.

стр. 401

معنى التشريق السؤال ما معنى كلمة: التشريق، المذكورة في أيام التشريق؟ الجواب هذا من تشريق اللحم، لكن الثلاجات أضاعت التشريق، كانوا يشرقون اللحم يقطعونه ويعرضونه للشمس.

стр. 402

عدم وجوب الحج على المديون وإن حج فحجه صحيح السؤال إنني رجل عليَّ ديون كثيرة لا أستطيع سدادها، وإنني أملك سيارة كبيرة وأرغب في الحج والعمل بالسيارة، فهل يصح لي الحج وأنا مديون، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟ الجواب أما بالنسبة للشخص المديون فإن الأصل فيه أن يقضي دينه، ولا يجب الحج على المديون حتى يؤدي دينه؛ لأنه مطالب بقضاء حقوق عباد الله، وبعد أداء الحقوق يتوجه إليه الخطاب بالحج، فإذا كانت عليه ديون؛ فإنه غير مستطيع للحج، فلا يجب عليك الحج، لكن لو استأذنت صاحب الدين فأذن لك فحججت صح حجك وأجزأك، ولا حرج عليك؛ لأنك استأذنت. وأما إذا كان الإنسان لم يستأذن فإن حجه أيضاً صحيح، ومسألتك التي ذكرتها من كونك ذاهب إلى مكة من أجل التجارة فيها وجه للترخيص؛ لأن ذهابك من أجل التجارة معونة على قضاء الدين، وليس المقصود الحج بأصله، فلذلك لما كان ذهابك متعيناً وأردت أن تصيب الأمرين -الحج والحاجة- فلا حرج عليك، وقد ورد الشرع بالإذن في ذلك، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]. ولذلك ورد في الحديث أنها نزلت في قوم يحجون بنية التجارة، أي: جمعوا بين نية الحج والتجارة، على أن الحج أصل والتجارة تبع. والله تعالى أعلم.

стр. 403

تقديم طواف الوداع عن الرمي مخالف للسنة السؤال هل يجوز أن يخرج الحاج من منى قبل الظهر ويطوف طواف الوداع، ثم يعود إلى منى ويرمي، ثم يخرج إلى بلده؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن السنة المطلوبة التي أمر النبي ﷺ فيها بطواف الوداع، أن يكون آخر العهد بالبيت طوافاً، فإذا طاف الإنسان طواف الوداع ورجع إلى منى لم يكن آخر عهده بالبيت طوافاً، ومن ثم فإنه ينبغي له أن يؤخر الطواف إلى ما بعد الرمي، وهذا قد يرخص فيه البعض من المتأخرين؛ ولكن لا أحفظ دليلاً يدل عليه، بل ظاهر حديث عائشة في الصحيح وغيره؛ أنها قالت: (كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات، فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً) وهذا يدل على تعين المصير إلى البيت. والله تعالى أعلم.

стр. 404

حكم تأخير طواف الوداع إلى ما بعد الخروج إلى جدة ومن ثم العودة إلى مكة السؤال هل يصح لأهل جدة أن يؤخروا طواف الوداع إلى بعد النزول من الحج بيوم أو يومين -يقصد النزول إلى جدة- حيث يقول: إنني سمعت بعض العلماء يقول: يصح لأهل جدة أن يؤخروا طواف الوداع أي: قبل نهاية شهر ذي الحجة؟ الجواب طواف الوداع يشرع للحاج إذا صدر عن البيت، فلو صدر بعد اليوم واليومين كما ورد في السؤال فلا حرج عليه، سواء كان من أهل جدة أو من غيرهم، بل لو أنه تأخر صدوره إلى آخر شهر ذي الحجة فإنه يطوف طواف الوداع عند صدوره. أما في مسألة النزول فالسائل لم يبين أنه نزول إلى جدة أو غيرها، فنقول: المسألة فيها تفصيل: فإن كان نزولهم إلى مكة يبقون حتى يعقدوا العزم على الذهاب إلى بلدهم وهو جدة، فيطوفون إذا صدروا، وإما إذا كان نزولهم إلى جدة ورجوعهم بعد ذلك إلى مكة لطواف الوداع، فهذا محل نظر؛ لأن النص عام شامل لمن جاور البيت ومن كان بعيداً عن البيت، وتخصيصه بالاجتهاد محل نظر، ولذلك الذي يظهر من ظاهر النص أنه يطوف عند صدوره وانتهائه من حجه، لا يؤخر ذلك إلى نزلة أخرى أو ذهاب آخر. والله تعالى أعلم.

стр. 405

وجوب الإحرام لمن مر بميقات غير ميقاته إن نوى الحج السؤال رجل يريد أن يحج من جدة، ولكنه قبل الحج يريد أن يذهب إلى أبها لزيارة بعض الأقارب في شهر ذي الحجة، ويعود إلى جدة ليحرم منها، هل هذا يصح، علماً بأنه قد ارتبط مع جماعة للحج من هنا، فعليه أن يعود إلى جدة؟ الجواب من خرج إلى أبها أو خرج إلى موضع غير جدة قاصداً زيارة رحم أو غير ذلك، ثم قدم وفي نيته الحج؛ فإنه يجب عليه أن يحرم من ميقات يلملم لماذا؟ لأنه يمر بالميقات ناوياً الحج بذلك السفر، صحيح أنه سيمر بجدة، ولكنه يمرها متوقفاً، وهذا السفر إلى جدة ليس أصالة، والمقصود أصالة: أن ينزع منها إلى مكة؛ فلذلك يجب عليه أن يحرم من ميقات أهل أبها، وذلك لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال في المواقيت: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة). صحيح أنك من أهل جدة، ولكن لما مررت بميقات أبها وما جاورها -وهو يلملم- فإنك أخذت حكم أهلها. والله تعالى أعلم.

стр. 406

جواز الإتيان بعمرة التمتع يوم التروية السؤال هل يجوز أن آتي بعمرة التمتع يوم الثامن من ذي الحجة؟ الجواب نعم يجوز للإنسان أن يأتي بالعمرة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وبعد ذلك يتحلل ولو بتقصير شعره، ثم يلبس مرة ثانية، فإن نزع ولبس ثيابه يعود مرة ثانية ويلبس إزاره ورداءه ويمضي إلى منى، وإلا مضى إلى عرفات إن تأخر إلى يوم عرفة. والله تعالى أعلم.

стр. 407

الموضع الذي يحرم منه من له بيت بمكة وخارجها السؤال رجل له بيت في مكة وبيت في جدة وعمله في جدة، يمكث في جدة مع أهله أربعة أيام، وبقية أيام الأسبوع يقضيها في مكة -أيضاً- مع أهله، حيث يذهب بهم من جدة إلى مكة، فمن أين يحرم؟ الجواب هذه المسألة يعتبرها العلماء ﵏ مسألة المكي الذي يأخذ حكم الآفاقي من وجه، يعني: يعتبر صاحب منزلين، يعتبر آفاقياً من وجه، ويعتبر مكياً من وجه آخر، ومثلوا لها بصاحب التجارة بصاحب المزرعة، أن يكون له -مثلاً- بيت في المدينة وبيت في مكة، فيعطى حكم أهل مكة إن كان بمكة، ويعطى حكم أهل المدينة إن كان بالمدينة. ولذلك أقول: إذا أنشأت نية الحج فإن كنت في جدة أخذت حكم أهل جدة، وإن كنت في مكة أحرمت من مكة وأخذت حكم أهلها، فينظر إلى الحالة التي عقدت العزم فيها على الحج، فيجب عليك الإحرام من موضعك. والله تعالى أعلم.

стр. 408

من اعتمر في رمضان وحج من عامه دون أن يقرن حجة بعمرة لا يكون متمتعاً بل مفرداً السؤال أريد أن أحج متمتعاً، هل تكفيني العمرة التي أديتها في رمضان؟ الجواب بالنسبة للمتمتع لا يعتبر الإنسان متمتعاً إلا إذا أوقع العمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وتوضيح ذلك: أنك إذا أحرمت بالعمرة في رمضان، وتحللت منها في رمضان، ثم حججت في عامك ذلك دون أن تقرن مع حجك عمرة؛ فأنت مفرد ولست بالمتمتع، هذا إذا وقعت العمرة بكاملها في رمضان. ولذلك أقول: من أحرم في رمضان، لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يوقع العمرة بكاملها في رمضان، وحكمه أنه مفرد كما قلنا. الحالة الثانية: أن يوقع بعض العمرة في رمضان وبعضها في شوال، مثال ذلك: شخص قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لبى بالعمرة ونوى، ولم يطف ولم يسع إلا صبيحة يوم العيد أو ليلة العيد، فهذه مسألة خلافية عند العلماء ﵏: القول الأول: فمذهب طائفة من العلماء: أن العبرة في الإحرام بالنية، قالوا: إذا أتى الميقات ونوى قبل غروب شمس آخر يوم فهو مفرد، وإن نوى بعد غروب شمس ذلك اليوم فهو متمتع، وهذا مذهب طائفة ومنهم الظاهرية. القول الثاني: في أن العبرة بدخوله مكة، وهو مذهب بعض السلف ومنهم عطاء، فإن دخلها قبل غروب الشمس كان مفرداً، وإن دخلها بعد الغروب كان متمتعاً. والقول الثالث: العبرة بطوافه، فإن طاف وابتدأ الطواف قبل غروب الشمس فهو مفرد، وإن ابتدأ الطواف بعد غروب الشمس فهو متمتع. والقول الرابع: قول الحنابلة والحنفية في أن العبرة بأكثر الطواف. والقول الخامس: قول المالكية في أن العبرة بالتحلل. فهذه خمسة أقوال في المسألة، أصحها -والعلم عند الله-: أن العبرة ببداية الطواف، فإن ابتدأت الطواف في ليلة العيد بعد مغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان فأنت متمتع، وإن كان قد وقع بداية الطواف قبل الغروب فأنت مفرد. أما بالنسبة للمتمتع فيشترط ألا يرجع إلى بلده بعد العمرة؛ لأن حقيقة التمتع أن يجمع بين النسكين في سفر واحد، فإذا كان قد رجع من عمرته وأتى بسفر مستقل للحج فهو غير متمتع، وإنما يعتبر مفرداً، ومن هنا أهل جدة لو نزلوا للعمرة ثم رجعوا بعد العمرة وما أقاموا بمكة، ثم حجوا من عامهم فهم مفردون لا متمتعون ولا دم عليهم. والله تعالى أعلم.

стр. 409

أقوال العلماء في كون الرسول ﷺ أوتر ليلة النحر أم لا السؤال هل أوتر الرسول ﷺ ليلة النحر؟ الجواب هذه المسألة للعلماء فيها وجهان: يقول بعض العلماء: إنه لم ينقل أن النبي ﷺ أوتر ليلة العيد -وهي ليلة النحر-، فلذلك نقول: إنه لا يسن فعل الوتر ليلة العيد، ولأنه ما دام لم ينقل ذلك؛ فإن هذا يدل على أنه لا يسن فعل الوتر. ويقول جمهور العلماء: إنه يسن للإنسان أن يوتر ليلة العيد؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: (أوتروا يا أهل القرآن) ولم يقل إلا ليلة النحر، وقد قال ﵊: (أوتروا قبل أن تصبحوا)، وقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة) ولم يقل: إلا ليلة النحر، قالوا: فهذه نصوص تأمر بالوتر وتحث عليه، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر). فلذلك قالوا: هذه النصوص ليس فيها تخصيص، وسكوت الصحابي عن الرواية لا يدل على الإسقاط، إذ قد يكون الصحابي سكت عنه للعلم به، وعدم اطلاع الصحابي لا يدل على النفي أيضاً. ثم أكدوا ذلك بأمر ثانٍ، قالوا: لو أن إنساناً قال: لا يشرع للإنسان أن يصلي سنة الفجر صبيحة يوم العيد، هل هو مصيب أم مخطئ؟ قالوا: لا هو مخطئ، إذاً لماذا الوتر فقط؟ وفي رغيبة الفجر لم ينقل لنا أنه صلاها أيضاً صبيحة العيد. فالذي يظهر -والعلم عند الله-: أن يأخذ الإنسان بالأحوط، وإن أخذ بالقول الثاني فلا حرج عليه، والأمر على السعة: من ترك متأولاً السنة كتب له الأجر، ومن فعل متأولاً السنة كتب له الأجر. والله تعالى أعلم.

стр. 410

حكم مشط الشعر للمحرم السؤال هل يجوز للإنسان -رجلاً أو امرأة- أن يمشط شعره وهو محرم، وإن تساقط شعر من رأسه فهل عليه دم؟ الجواب يجوز للإنسان أن يمشط شعره لكن بحيث لا يسقط الشعر، ومن العلماء من منع ذلك لأنه اعتبره نوعَ ترفهٍ، وليس هناك نص يدل على المنع؛ ولكن الأولى والأسلم أن يحتاط الإنسان فلا يمشطه؛ لأنه نوع من الترفه، فلو تركه كان أولى؛ لكن الحكم بحرمة ذلك وتحريمه يحتاج إلى دليل، وقالوا: إنه ليس هناك دليل يدل على المنع من ذلك، والأصل الإباحة. والله تعالى أعلم.

стр. 411

كيفية ذكر الله في الحج وتبيين مواضعه السؤال هل للشيخ أن يخبرنا أو ينبئنا عن مواضع التكبير والتلبية والدعاء في الحج؟ الجواب أما بالنسبة للتلبية فإنه يسن الإكثار منها، ولذلك ورد عند ابن ماجة (أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يضحى لله -الضحى: أول النهار- يلبي فتغيب عليه الشمس؛ إلا غابت بذنوبه؛ فرجع كيوم ولدته أمه) يعني: إذا استدام التلبية. وورد عنه ﵊ -أيضاً- عند ابن ماجة أنه قال: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه ويساره من حجر وشجر ومدر حتى تنقطع الأرض) فكل شيء يحب ذكر الله من الجمادات وغيرها من مخلوقات الله ، ولكن ما أعصى الثقلين! فلذلك يسن للإنسان أن يكثر من التلبية على كل حال، أن يستديمها وأن يكثر منها، وهي ذكر مشروع، والسنة أن يرفع صوته بها، ولذلك قال ﷺ : (الحج: العج والثج) (العج): رفع الصوت وذلك بالتلبية والنسك. وأما (الثج) فهو: نحر الأضاحي، ونحر الهدي لمن كان متمتعاً أو قارناً. فالمقصود: أن الإنسان ينبغي أن يكثر من التلبية. وأما التهليل والتكبير فهو جائز للحاج فله أن يهلل يوم عرفة، كما ثبت في الصحيح من حديث أنس ﵁ وأرضاه أنه قال: (غدونا مع رسول الله ﷺ إلى عرفة فمنا الملبي، ومنا المهلل، ومنا المكبر) فدل هذا على أنه يسن أن يذكر الله بالتلبية وأن يذكره بالتهليل وأن يذكره بالتكبير. والله تعالى أعلم. لكن بالنسبة للتكبير يكبر عند رمي الجمار، ويكبر مع كل حصاة؛ لأنها سنة النبي ﷺ ، ويكبر أيام منى، وذلك إحياءً لذكر الله في ذلك الموضع المبارك، كما أمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]. فينبغي للحاج أن يشتغل بالذكر والتكبير في هذه الأيام، وهذه السنة -كما قلنا- أضاعها والله كثير. فإذا مضيت في شوارع منى وفي أسواقها فارفع صوتك، فما جعلت منى إلا لأجل هذا التكبير، تكبر الله تحمد الله تهلل الله تجل الله حق إجلاله. والله تعالى أعلم.

стр. 412

حكم تكرار الموجب للدم مع اتحاد الجنس واختلافه السؤال هل يتكرر على الحاج الدم مع تكرر موجبه كأن ترك واجباً أو غيره؟ الجواب هذه المسألة فيها تفصيل: إذا كان الواجب أو المحظور وترك الإنسان شيئاً متحداً من جنس واحد، مثلاً في محظورات الإحرام: لو تطيب فإنه لا يخلو إما أن يكرر هذا الموجب مع اتحاد الجنس، أو يتعدد الموجب، فقولك: وجوب الدم إذا ارتكب الإنسان محظوراً من جنس واحد وكرره؛ وجبت عليه فدية واحدة، مثلاً: تطيب أربع مرات، تطيب المرة الأولى الساعة الثانية، والمرة الأخرى الساعة الثالثة، ثم الرابعة فالخامسة، فإذا كان لم يفتد عن الطيب الأول فإنه يفتدي بفدية واحدة عن الأربع؛ لأنها من جنس واحد، كما لو جامع في نهار رمضان أكثر من مرة في يوم واحد؛ فإن عليه كفارة واحدة. هذا بالنسبة إذا اتحد الموجب، وأما إذا اختلف النوع، ومن أمثلة ذلك: أن يكون أصاب طيباً وحلق شعراً وقلم أظفاراً؛ فللشعر فدية وللطيب فدية ولتقليم الأظفار فدية؛ لأن كل نوع منها مستقل. أما لو اتحدت الأسباب، وكانت من جنس واحد؛ فإنها -ولو تعددت- تجب فدية واحدة، ويجب -أيضاً- دم واحد. والله تعالى أعلم.

стр. 413

حكم من دخل مكة أيام الحج للعمل ثم أحرم منها وحج السؤال أنا من سكان جدة، وذهبت للعمل في مكة يوم السابع من ذي الحجة، وفي صبيحة يوم عرفة أحرمت من منى بنية الحج مفرداً، فهل يصح ذلك؟ الجواب هذا فيه تفصيل: إذا كان الشخص قد خرج من جدة للعمل بمكة في أيام الحج، فلا يخلو حال خروجه من حالتين: إما أن يخرج وفي نيته أن يحج ذلك العام، فحينئذ يجب عليه أن يحرم من جدة؛ لأن النبي ﷺ قال: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ) فهذا أنشأ الحج من هذا الموضع؛ فوجب عليه الدم في هذا الموضع. وإما أن يكون قد خرج من جدة وهو على إحدى حالتين: الحالة الأولى: أن يقول: لا أريد أن أحج، وليس في نيتي الحج. الحالة الثانية: متشكك، كأن يكون لا يدري هل يسمح له أو لا يسمح. ففي هاتين الحالتين يجوز له الدخول، فإذا عقد العزم أحرم من موضعه الذي عزم فيه، ولا دم عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 414

حكم من وقف بعرفات ثم سافر ولم يتم بقية المناسك السؤال ما حكم من حضر عرفة وجمرة العقبة، ثم سافر إلى بلده بدون أن يأتي بباقي المناسك؟ الجواب باسم الله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: اعلموا رحمكم الله! أن المقصود من الحج أن يحقق الإنسان طاعة الله ، ويترسم هدي النبي ﷺ بفعل المناسك على الوجه الذي يرضي الله، ومن ثم فإنه من الخطأ كل الخطأ التساهل في المناسك، والنظر إلى وجود جبرانها، ولذلك كان من الخطأ ترك المبيت ورمي الجمار. فمن فعل هذا فقد ارتكب ذنباً بتركه المبيت، وهل ذلك لكل ليلة بحسبها، أم أن جميع الليالي تعتبر ليلة واحدة؟ للعلماء في هذا وجهان. أما الأمر الثاني فعليه دم أيضاً على ترك رمي الجمرة؛ لأن رمي الجمار في باقي أيام التشريق التي تلي يوم العيد واجب ما عدا يوم النحر، الذي يخير الإنسان فيها بين التعجل والتأخر. وبناءً على ذلك فإنه يلزمه دم. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها: بعض الناس يفعل المحظورات، فيقال له: لا شيء عليك إلا أن تذبح دماً. لا، من ترك واجباً من واجبات الحج عليه أمران: أحدهما: التوبة والندم والاستغفار، وهذا أمر مهم جداً يُغفل كثيراً في الفتاوى، نقول: عليه الندم والاستغفار، لأنه ترك أمراً أوجب الله عليه فعله. أما الأمر الثاني: ضمان ذلك الحق، وذلك بالدم الذي يسمى: دم الجبران، فليس كون وجود الدم يعفي الإنسان من حصول الإثم عليه، ينبغي على الإنسان أن يتوب إلى الله وأن يستغفر الله، وإذا قصر في واجب من واجبات الحج دون أي عذر، فعليه أن ينيب إلى الله، وأن يستغفر الله؛ لأنه نوعُ استخفاف بشعيرة من شعائر الله. والله تعالى أعلم.

стр. 415

حلاوة الإيمان الإيمان بالله تعالى له حلاوة ولذة، وهذه الحلاوة لا يذوقها كل أحد، بل يذوقها من توفرت فيه ثلاث خصال، وهذه الخصال الثلاث جاءت في الحديث عن الرسول ﷺ ، وهي: محبة الله ورسوله أكثر مما سواهما، والمحبة في الله، وكراهة العودة إلى الكفر، فمن توفرت فيه هذه الخصال فإنه يشعر بحلاوة الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو الواحد المعبود، والذي من أجله كان الوجود.

стр. 416

الإيمان سر سعادة القلوب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه وبالحق أرسله، فأحيا الله به القلوب، وأنار به السبل والدروب، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ما آذنت شمس بغروب. أما بعد: إخواني في الله! ليس هناك نعمة أعظم من نعمة الإيمان، وليس هناك منة من الله ﵎ أجل ولا أعظم من منة التوفيق لطاعة الرحمن، الإيمان الذي هو أعظم قضية وأعظم شيء من أجله كان الوجود، الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو الواحد المعبود، من أجله كان الليل والنهار، ومن أجله كان العشي والإبكار، ومن أجله خلقت السماوات والأرض، ومن أجله كان الحساب والسؤال والعرض، الإيمان الذي ما من لحظة من لحظات حياتك، وما من برهة من زمانك إلا وهي مذكرة بهذه القضية العظيمة، ما من حركة في هذا الوجود وما من سكون في هذا الكون إلا وهو يذكرك بالواحد العظيم المحمود، يذكرك بالله الذي لا إله إلا هو المعبود. قبل ساعات يسيرة كنا في ضياء النهار، وفي هذه اللحظة العجيبة نعيش في هذا الظلام الدامس، وفي هذا الليل البهيم العابس، وهو يذكرك بالله، ويذكرك بأن لا إله إلا الله، هذه السماوات في هذا الليل البهيم قد أشرقت كواكبها واستنارت نجومها لكي تدلك على هذه القضية العظيمة، فبعد ساعات يسيرة إذا بالليل يذكرك بالله، ويؤذنك بأن لا إله إلا الله حتى إذا حان أفوله ودنا ذهابه وزواله فجاء ضياء الفجر وانفجر، وشع ضياء الشمس في الأفق وانتشر، وإذا بدليل جديد يذكر بالعظيم الحميد. الإيمان الذي كل شيء في هذا الوجود يحققه ويصدقه ويدل عليه، يشهده الإنسان في جميع أحواله وفي جميع أطواره، آيات الزمان وآيات المكان تهديك إلى توحيد العظيم المنان؛ لذلك -أحبتي في الله- ما خلق الله الإنسان إلا من أجل الإيمان، ولا أوجده الله إلا من أجله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ما خلق الإنسان إلا لكي يعمر قلبه بتوحيد الواحد الديان، وأسعد لحظة في الحياة والعمر تلك اللحظة التي يحس فيها العبد أنه مؤمن حقاً بالله ، إن أسعد لحظة في الحياة إذا مُلئ القلب يقيناً بالله ، وأصبح الفؤاد يعيش مع الإيمان في كل حركة من حركات الإنسان وسكونه، إنه اليقين بالله والإيمان به. السعادة والشقاء الفلاح والطلاح الربح والخسارة النجاة والهلاك، فما بين العباد وبين الله قضية أعظم من هذه القضية، ولا بين الله وبين العباد شيء يُتقرب به إلا بعد هذا الأساس العظيم، فأعظم ما يَعتني به المؤمن في هذه الحياة هو تغذية قلبه بالإيمان بالله، فما دخل الإيمان قلباً إلا انشرح لله، ولا دخل الإيمان صدراً إلا اطمأن بذكر الله، وليس هناك ساعة أبهج من تلك الساعة التي عرف فيها العبد ربه، ودنا فيها من خالقه فعمَّر قلبه بتوحيده وذل العبودية له . هذا الإيمان الذي هو الباب الوحيد بينك وبين الرحمن، له لذة وأثر في القلوب، هذه اللذة هي حلاوته وطلاوته، ما أصابها مؤمن إلا ذاق حلاوة الالتزام، ولا وجدها مؤمن إلا أصاب محبة الرحمن، إن هذه الحلاوة تحتاج من المؤمن -أولاً- إلى جهاد صادق وسير حثيث في طاعة الله ومرضاته، وكل حلاوة لها لذة عند الإنسان بقدر ذلك الشيء الذي يذوق حلاوته، فإذا كان الشيء الذي تُذَاقُ حلاوته هو أعظم الأشياء وأجلها عند رب الأرض والسماء، فهي الحلاوة التي لا ألذ منها؛ إنها حلاوة الإيمان ولذة الطاعة والعبودية للرحمن، التي تجد الإنسان فيها ومعها إذا أصابته الضراء صبر، وإذا أصابته السراء شكر حلاوة الإيمان التي إذا ذاقها الإنسان نسي كل لذة من معاصي الله إنها حلاوة كانت سبباً في هجران الشهوات وترك الفواحش والمنكرات، والتذلل لله رب الكائنات، فما أعظم سلطان الإيمان على القلوب، وما أجل حلاوة الإيمان في القلوب.

стр. 417

علامات حلاوة الإيمان إن لحلاوة الإيمان أمارات وعلامات دل عليها نبينا المصطفى، وحبيب ربنا المجتبى ﷺ ، ففي الصحيح من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه أنه سمع النبي ﷺ يقول: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار) ثلاث خصال تحتاج إلى رجال متذللين متعبدين للكريم المتعال، خصلة بينك وبين الله، وخصلة بينك وبين أحباب الله، وخصلة بينك وبين دين الله وشرعه، هذه الثلاث الخصال يعرضها المؤمن على قلبه في كل زمان ومكان، فإن وجدها في فؤاده وفي نفسه أحس بلذة الإيمان، وإن نقصت هذه الخصال نقصت لذة الإيمان في قلبه لا سمح الله.

стр. 418

كراهة الانتكاس والخوف منه إذا وفق الله الإنسان بتحقيق هذه الخصلة الثانية من خصال حلاوة الإيمان وهي: الحب في الله، والبغض في الله جاءت الثمرة الثالثة وهي: (أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يُلقى في النار) أن يكره الانتكاسة، ولذلك إذا دخل الإيمان إلى قلب العبد وصدق في هذا الإيمان، فإن من أبرز الدلائل على صدقه خوفه من الانتكاسة، وكلما وجدت الشاب يخاف من الانتكاسة والرجوع والحور بعد الكور، فإن ذلك دليل على إيمانه، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يخافون النفاق، وقال بعض السلف: (والله ما عرضت قولي وعملي على القرآن إلا اتهمت نفسي بالنفاق) وقال آخر: (والله ما عرضت نفسي على القرآن إلا عددتها من الراسخين في النفاق). الخوف من الانتكاسة يشمل حالتين: الحالة الأولى: الخوف من الكفر، وهو الذي أشار إليه النبي ﷺ : (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار) ولو قيل للإنسان: أتكفر بالله أو تلقى في النار؟ لاختار أن يلقى في النار على الكفر بالله، وهذا لأن الإيمان عمر قلبه وتغلغل في فؤاده. نسأل الله العظيم أن يبلغنا وإياكم هذه الدرجة، وأن يجعلنا وإياكم في هذه المنزلة، فإن الإنسان لا يأمن من سوء الخاتمة: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٩٩] فهذا استفهام يدل على أن الإنسان مهما كان على صلاح لا يأمن من مكر الله، ولذلك قال بعض العلماء: (كلما ازداد الإنسان صلاحاً وتقوى لله ، كلما كان أخوف من أن يعود على عقبه فيكون خاسراً) فهذه الخلة وهذه الخصلة تدل على إيمان الإنسان؛ لأنه لما عمر قلبه وذاق حلاوة الإيمان خاف من الضد، ولا يخاف من الكفر إلا المؤمن الصادق في إيمانه، ولذلك نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت إلى لقائه، وأن يجعل الإيمان الذي لامس قلوبنا في زيادة إلى لقائه وألا يبتلينا بالانتكاسة. والحالة الثانية هي: (الخوف من نقصان الخير)، ولذلك قال بعض العلماء: (من رزقه الله طاعة كقيام الليل وصيام النهار فأصبح يتردى فيها وينتقص فعليه أن يجاهد في الرجوع إليها؛ فإنه لا يؤمن عليه أن يخذله الله فيرجع على عقبه خاسراً والعياذ بالله) ولذلك ينبغي للإنسان المؤمن أن يراقب نفسه دائماً في طاعة الله، فإذا كان على خصلة من خصال الخير لا يتركها مهما كان الأمر، والله تعالى يبتلي الإنسان؛ فإن كنت في قيام الليل سخر لك بعض المشاغل وابتلاك ببعض الشواغل، فإن كنت صادقاً في الإيمان وثبت عليها أذاقك بعد ذلك حلاوة الثبات، وقد قال إن بعض العلماء: (إن الإنسان إذا أطاع الله وتقرب إليه بخصلة من خصال الخير فجاءه الشيطان بفتنة، فليعلم أن الله يمتحنه في تلك الخصلة) فما من إنسان يمتحن في خصلة من الطاعات ويثبت عليها بعد امتحانه إلا ذاق حلاوتها إلى لقاء الله غالباً، وقد قال بعض السلف: (جاهدت نفسي في الصلاة عشرين عاماً فتلذذت بها أربعين عاماً) عشرون عاماً والوساوس والخطرات وشواغل الدنيا تأتيه من كل حدب وصوب، وهو صابر محتسب حتى أذاقه الله حلاوة الصلاة فزالت عنه جميع تلك الخطرات، ولذلك الشاب الملتزم في أول التزامه تأتيه من الوساوس والخطرات مالا يعلمه إلا الله ، فإذا صبر وصابر واحتسب زالت عنه كما يزول الليل بضياء النهار، وفي بعض الأحيان تزول عنه في لحظة لا يشعر بها، وإذا بقلبه أكمل ما يكون انشراحاً وطاعة لله .

стр. 419

المحبة في الله الخصلة الثانية: (المحبة في الله) أوثق عُرى الإسلام بعد الإيمان: الحب في الله والبغض في الله . ما هي أسباب المحبة الصادقة؟ ومتى تعلم أنك تحب لله وتعادي لله؟ قال بعض العلماء ﵏: (لن تكون المحبة لله وفي الله إلا إذا كان السبب الباعث إليها هو الله يقولون: يُحب العبد لله إذا نظرت عينه من العبد ما يُرضي الله أو سمعت أذنه من العبد ما يُرضي الله؛ ولذلك إذا كان الإنسان كاملاً في إيمانه ودخل في أي مكان فرأت عينه عبداً لله في طاعة أحبه، وهو لا يعرف اسمه ولا نسبه، ولربما تكون تلك اللحظة التي رآه فيها على طاعة الله هي أول لحظة رآه فيها. من كمال الإيمان: أن يكون السبب الباعث والداعي إلى المحبة هو الله والدار الآخرة؛ ولذلك هذه العلامة من علامات الإيمان حتى قال بعض العلماء: (إذا أراد الإنسان أن يختبر كمال إيمانه فليختبره بالحب في الله والعداوة في الله) وهذا شيء مشاهد مجرب، جرب يوماً من الأيام لو دخلت المسجد وكان القلب في نشوة من الإيمان فتلتفت يميناً فترى المصلي فتحبه، وتلتفت شمالاً فترى قارئ القرآن فتحبه، وتنظر أمامك فترى إنساناً يذكر الله فتحبه، وهذا من كمال الإيمان، وإذا كان قلبك في ضعف من الإيمان ودخلت المسجد على تلك الحالة دخلت وأنت في سهو وغفلة، ولذلك تجد أحباب الله وأولياءه يجمعهم مجلس كهذا حتى إذا انصرفوا سلم بعضهم على بعض وعانق بعضهم بعضاً؛ لأنهم يعلمون أن الذي حضر هذا المكان يريد الله والدار الآخرة، فما حضره أحد إلا أحبه مؤمن ووالاه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فالله ألف بين القلوب بالإيمان. وليس هناك جامعة جمعت بين العباد أطهر وأصدق وأعظم تأثيراً من جامعة الإيمان، التي جمعت في أول الإسلام بين المهاجرين والأنصار، وجمعت في حاضر الإسلام بين عباد الله الأخيار، قلوب تجتمع على إيمانٍ بالله وطاعة لله ورسوله، فنعم القلوب ونعم ما اجتمعت عليه، الناس يجتمعون على الشهوات والملهيات، ولكن من ذاق حلاوة الإيمان يجتمع مع إخوانه على طاعة الله ومحبته، فالدليل الصادق على المحبة في الله أن يكون السبب الداعي إليها طاعة الله ومرضاته. وقرر بعض العلماء أن الناس في الحب في الله والعداوة في الله على مراتب: فبعض الناس يكون في أعلى مرتبة من المحبة في الله والعداوة في الله، وبعض الناس دون ذلك، ومهما اجتمع الأخيار على قاعدة الحب في الله والموالاة في الله فبين بعضهم بعضاً في هذه القاعدة كما بين السماء والأرض، ولذلك كلما اجتمعت القلوب على طاعة وكانت صادقة في المحبة في الله كلما كانت الألفة بينها، وكثير من الأخيار أول ما اجتمعوا على الحب في الله وكان اجتماعهم صادقاً في الموالاة لله ، كانت قلوبهم أخشع ما تكون لله ، ولو نظر الإنسان إلى مجالسه الأولى عند بداية هدايته كيف كانت تلك المجالس، وكيف كان العبد يجلسها قبل أن يجلسها وهو ضعيف إيمان ثم إذا قام منها قام وهو أكمل ما يكون إيماناً. لذلك فإن الإنسان إذا أحب أخاه في الله ينبغي أن يراقب أحاسيسه ومشاعره في هذه المحبة، ولذلك قال بعض العلماء: (إن الشيطان قد يدخل على الإنسان من باب المحبة في الله، تبدأ محبة في الله ثم تنقص يوماً فيوماً حتى تصبح محبة للدنيا والعياذ بالله) فينبغي لك -أيها الإنسان- إذا أحببت أحداً في الله أن تراقب قلبك كل يوم في تلك المحبة، ولتعلم أنك مأجور على تلك المحبة التي هي من أعمال القلوب، ولن يدعك الشيطان طرفة عين فلربما يكون حبيبك في البداية حبيباً لله ، فترى يوماً من الأيام غناه أو ترى حسبه أو نسبه أو جاهه فيدخل الشيطان بشعبة من شعب القلب فيفسد تلك المحبة من تلك الشعبة، فتكون البداية رحمة والنهاية عذاب والعياذ بالله. ينبغي للإنسان -إذا أحب في الله وأراد أن يذوق حلاوة الإيمان بسببها- أن يكون صادقاً في هذه المحبة، وألا يجلس مع أخيه في الله إلا وهو يرجو الله والدار الآخرة. ولهذه المحبة الصادقة لوازم ذكرها العلماء في خصلتين: الخصلة الأولى: أمر بالمعروف، والخصلة الثانية: نهي عن المنكر، وكل إنسان مهما كان على طاعة واستقامة ومحبة فهو يحتاج إلى إخوانه؛ يحتاج إلى من يُذكره بالله إذا نسي، ويثبته على طاعة الله إذا ذكر، فمن لوازم المحبة في الله أن يعين الأخ أخاه على طاعة الله ومحبته، بل إن بعض العلماء قال: (إن الإنسان لو قال لأخيه: إني أحبك في الله، ثم رأى من أخيه تقصيراً -ولو في ذكر الله- حاسبه الله عن ذلك التقصير والسكوت عنه). فالمحبة في الله أمر يحتاج إلى تصديق وتحقيق، فلا يكفي قول بعضنا لبعض: إني أحبك في الله، المحبة في الله شهادة على عروة وثقى من عرى الإسلام ينبغي أن تُغذى بطاعة الله ومرضاته. وقد ذكر الله لهذه المحبة آثاراً طيبة؛ من أعظمها: أنها تعين على طاعة الله ومحبته، وأشار إلى ذلك بقوله عن نبيه موسى قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٢٥ - ٣٥] فالأخ في الله يعينك على ذكر الله وطاعته الله. ومن ثمرات الأخوة في الله: أنها أعظم معين على البعد عن محارم الله وحدوده، ولذلك الإنسان إذا حدثته نفسه بشهوته أو حدثته نفسه بأمر بينه وبين الله أن يفعله من معاصي الله فما عليه إلا أن يجلس مع أخ في الله يرهبه من عذاب الله، ويذكره ببطشه الله وعقوبته.

стр. 420

محبة الله ورسوله الخصلة الأولى: بينك وبين الله وهي: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) والكلام في محبة الله والرسول صلوات الله وسلامه عليه ينحصر في أمرين وثالثهما هو الثمرة. أما الأمر الأول: فإن العلماء ﵏ يقولون: كل محبة من العبد لها سبب، وهذا السبب إما أن يكون دنيوياً محضاً، أو أخروياً محضاً أو جامعاً بين الدنيا والآخرة؛ ولكن محبة الله جمعت هذه الثلاثة الأسباب، فمحبة الله تكون لسبب ديني محض وهو: نجاتك في الدنيا والآخرة، وتكون لسبب دنيوي محض فلا سعادة في الحياة إلا بطاعة الله. ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقي هو السعيد وتكون جامعة بينهم بما ذكرنا. أما محبة الله فقد قال العلماء ﵏: إن الأسباب كلها تهيأت من أجلها، فلو أن إنساناً أحب والده لعظيم إحسانه وجليل يده عليه وكريم امتنانه، فكيف بالله جل وعلا الذي ما من طرفة عين إلا وأنت ترفل في نعمة منه لا يعلمها إلا هو ؟ إن كانت المحبة للإحسان فأين أنت من إحسان الله؟ وإن كانت المحبة للنعم فأين أنت من نعم الله؟ وإن كانت المحبة لدفع النقم فأين أنت من النقم التي دفعها الله؟ تفكر وتدبر لو أنك في يوم من الأيام قد ضاقت بك السبل وتعسرت عليك الأسباب في دين أو كربة أو هم من الدنيا أو حاجة، فاحتجت إلى من يعينك ويساعدك، وإذا برجل وفي يدنو منك في تلك الساعة العصيبة فمد لك يد المساعدة، وأعطاك ما تحتاجه، لو أن عبداً فعل ذلك لأسرك بمعروفه، ولأصبحت تتحدث بذلك المعروف وتثني عليه ليلاً ونهاراً، وعشياً وإبكاراً، وتثني عليه أمام أبنائك صغاراً وكباراً، فأين نعم الله؟ وأين منن الله؟ كم من كربة فرجها الله عنك، وكم من كربة في ظلمات الليل جاءك السقم والمرض وحولك الأبناء والبنات والإخوان والأخوات، فتألمت وتأوهت، ونظرت يميناً ويساراً فلم تجد معيناً سواه، ولا مجيراً عداه، ولا مغيثاً غيره جل في علاه، فقلت: رباه! رباه! فناديته بقلب لا يعرف سواه، وتعلقت به ، وفي لحظة واحدة آتاك رحمته، وأسداك منته، ففرج عنك الكرب الذي تألمه، وأزال عنك البلاء الذي تجده، فهل ذكرت معروفه يوماً من الأيام؟ وهل أثنيت عليه أمام الأنام؟ وهل ذكرت فضله تبارك الله رب العالمين؟ أحبتي في الله! ليس هناك محبة أصدق من محبة الله ، وليس هناك أحد يحب على الحقيقة كمحبة العبد لربه، ومهما أحببت شيئاً فأنت مغالٍ فيه إلا الله تبارك الله رب العالمين، فإنك مهما أحببته وأجللته، ومهما أعظمته وأكبرته، فأنت المقصر في حقه . محبة الله لها أمارات ولها دلائل وعلامات بيّنها العلماء ﵏، ومن أحسن من عبر عن تلك المحبة أحد العلماء ﵏ بقوله: (تحصل محبة الله بفعل واجباته وترك مخالفته، فإذا تهيأ للعبد ذلك كان محباً لله) إذا اجتمعت الخصلتان في العبد -فعل فرائض الله وترك محارم الله- فهو حبيب الله . قال بعض العلماء: (يستدل على محبة العبد لله بتوفيق الله للعبد لطاعته) وبمقدار ما يقصر العبد في الواجبات وبمقدار ما يقع في فعل المحارم والمنكرات كلما كان ذلك نقصاناً في محبته لله ، ولذلك ما استقرت محبة الله في قلب عبد إلا وجدته أنشط ما يكون لفعل فرائض الله، وأبعد ما يكون عن حدود الله ومحارم الله ، فمن أحب الله انتظر في كل لحظة أمراً من أوامره حتى يلبي ذلك الأمر، وانتظر في كل لحظة من لحظاته نهياً من النواهي حتى يتقرب إلى الله في ترك ذلك المنهي. لذلك أحبتي في الله! دلائل محبة الله في هذين الأمرين، وفي تحقيق هاتين الخصلتين: فعل فرائض الله وترك محارم الله، وكلما وقف الإنسان أمام فرضٍ من فرائض الله أو أمام حدٍ من حدود الله فليعلم أنه ممتحن في محبة الله . أما محبة الرسول ﷺ فهي -بعد محبة الله- أشرف مأمول وأعظم محصول، من وفقه الله لمحبة الرسول الكريم ﷺ فقد وفقه لطريق من طرق الجنة، فما أحب عبد رسول الله ﷺ إلا تعطش لسنته وتلهف لاتباع أثره، ومحبة الرسول ﷺ وطاعته واتباعه هي الطريق الوحيد إلى الجنان والفوز بالرضوان؛ ولذلك كما قال بعض العلماء: (إن الله أقفل كل السبل المفضية إليه إلا سبيلاً واحداً وهو الطريق الذي اختاره لنبيه ﷺ وقد أشار الله إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] إذا أردت أن تعرف مقدار محبة العبد لرسول الله ﷺ ، فانظر إلى حرصه على السنة علماً وعملاً ودعوة وتطبيقاً؛ ولذلك قال العلماء: (أصدق الناس في محبة رسول الله ﷺ هم أهل السنة، العاملون بها الداعون إليها) فإذا أردت أن تعرف صدق محبة الإنسان لرسول الله ﷺ ، فانظر إلى خصاله وانظر إلى خلاله، وزِنها بخلال النبي ﷺ وبآدابه، فإن وجدته يترسم نهجه ويقتفي أثره ويتعطش لمعرفة سنته، فوالله إنه الحبيب ونعم الحبيب، والقريب من الله ونعم القريب؛ لذلك فإن أول ما يعتني به المؤمن الصادق في محبة النبي ﷺ معرفة السنن والبحث عنها والحرص على العمل بها وتطبيقها، والدعوة إليها ما استطاع لذلك سبيلاً. حبيب رسول الله ﷺ ما توضأ إلا وتذكر كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ولا مد كفه بالماء ولا أدارها على عضو إلا وهو كأنه يلاحظ رسول الله ﷺ أمامه يتوضأ كوضوئه ويغتسل كغسله، حتى إذا دنا من صلاته وعبادته تذكر هدي المصطفى ﷺ في قيامه في قراءته في ركوعه في سجوده في دعائه فأخذ يحدوه ويقتفي أثره حذو القذة بالقذة، والله إنه لتوفيق للعبد إذا أراد الله له خيري الدنيا والآخرة أن يلهمه محبة هذا النبي الكريم ﷺ . حتى إذا أصاب الإنسان هذه الخصلة الكريمة وهي محبة الله ورسوله ﷺ ، جاءت الثمرة المباركة، فصار لا يمسي ويصبح إلا وقلبه معلق بالله، يقوم لله، ويقعد لله، ويتكلم لله، يراقب الله في حركاته في سكونه في أنفاسه في كلماته، ويترسم كل شيء فيه محبة الله حتى إذا بلغ إلى هذا المقام الشريف وهذا المنزل المنيف وأصاب محبة الله ، وأصاب رضوان الله ، عندها تأتي الثمرة الثانية التي هي ثمرة محبة الله ، قال بعض العلماء: (ما أحب مؤمن ربه إلا تعلق بالله في كل شيء يفعله ويقوله) ولذلك أُثر عن القاضي الإمام الجليل الحافظ ابن دقيق العيد رحمة الله عليه: أنه قضى في قضية فراجعه رجل قضى عليه الإمام في تلك القضية، فقال له الرجل: والله ما أنصفتني، ولقد جُرت في حكمك، فقال الإمام الحافظ رحمة الله عليه: أتقول ذلك؟ فوالله الذي لا إله إلا هو ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله وهذا إنما يكون من كمال المحبة لله ؛ ولذلك ذكر بعض العلماء في شرح هذا الحديث: (إن المؤمن إذا عمر قلبه بمحبة الله جاءت الثمرة الثانية وهي أن يحب حبيب الله ويعادي عدو الله، يصبح قلبه ويمسي لا يُقرب إلا من قربه الله، ولا يبعد إلا من أمره الله بإبعاده، وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (وأن يحب الرجل لا يُحبه إلا لله).

стр. 421

كيفية الحصول على حلاوة الإيمان أحبتي في الله! ما اجتمعت هذه الخصال الثلاث في عبد من عباد الله إلا ذاق حلاوة الإيمان، ولا وفق الله عبداً لتحقيقها وتحصيلها إلا كان من أحبابه وكان من خاصة أوليائه. ولذلك السؤال الأخير: كيف السبيل للوصول إلى هذه المحبة؟ وكيف الطريق للوصول إلى هذه الحلاوة التي نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يذيقنا وإياكم تلك الحلاوة وألا يسلبنا إياها إلى أن نلقاه؟ أعظم سبيل لتحصيلها وأقرب طريق للوصول إليها: طريق الدعاء، بأن تسأل الله حلاوة الإيمان، وأن يذيقك لذة العبودية للرحمن، فما دعا عبد ربه إلا استجاب، وما سأل سائل ربه إلا أعطاه الله وبلغه مراده؛ ولذلك قال الله في كتابه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وما حصَّل عبدٌ طاعة من طاعات الله إذا استعصت بشيء مثل الدعاء. أما الأمر الثاني: فهو تحصيل الأسباب التي ذكرناها، والتي من أعظمها: الفقه في الدين ومعرفة سبيل الطاعة لرب العالمين، فمن جمع الله له بين الحسنيين ورزقه هذين الأمرين فإنه لا شك سيصيب حلاوة الإيمان ويكون من الموفقين لطاعة الرحمن. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن ترزقنا حلاوة لا مرارة بعدها، وإيماناً لا كفر بعده، وسعادة لا شقاء بعدها، ورحمة لا عذاب بعدها، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.

стр. 422

الأسئلة

стр. 423

التحذير من سماع الأغاني السؤال أرجو من فضيلتكم أن تدلوني على وسيلة أترك بها سماع الأغاني؟ الجواب أما الغناء فهو محرم، ودلت على حرمته دلائل الكتاب والسنة، أما الكتاب فإن الله قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] قال عبد الله بن مسعود: (والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء! والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء! والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء)، وقال ﵊ كما في حديث البخاري: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر -وهو الزنا- والحرير والمعازف والقيان، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين) نسأل الله السلامة والعافية. والغناء ينبت النفاق، وما من إنسان استمع إلى شيء منه إلا أمات الله قلبه على قدر ما استمع من تلك الأغاني الداعية إلى المحارم المقربة من الآثام والمظالم الغناء يطيش بعقل المؤمن ويورثه خفة في عقله وطيشاً في لبه، نسأل الله السلامة والعافية، لا يعين على ذكر الله وهو مما يصد عن ذكر الله وطاعة الله، فإذا أراد الإنسان أن يكون مؤمناً حقاً فما عليه إلا أن يصدق في تركه، وأما ما يعينك على ذلك الترك فتذكر أخي في الله ذلك السمع ومن شقه، تذكر لو أن الله غار على هذا السمع فسلبك، إياه فأصبحت أصماً والعياذ بالله تذكر لو أن الله أوقفك بين يديه فسألك عن نعمة السمع، فجئت بهذه العيوب والذنوب؛ فلذلك ينبغي للإنسان أن يبتعد عن الغناء، وأن يتعاطى الأسباب المعينة على الابتعاد عنه، والله تعالى أعلم.

стр. 424

أسباب الخشوع في الصلاة وموانعه السؤال عندي حالة لا تعجبني، وهي: أن الخشوع لا يأتيني في الصلوات المفروضة، ولكني أحس به أحياناً في أداء النوافل؟ الجواب أما الخشوع في الصلاة فهو لذتها وحلاوتها، وليس للإنسان إلا ما عقل من صلاته، وقد أخبر الله في كتابه أن الفلاح لا يكون إلا بالخشوع في الصلاة، وأعظم الأسباب التي تعينك على الخشوع سبب أشار الله إليه بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦] قال بعض العلماء: (في هذه الآية دليل على أن كثرة ذكر الآخرة أعظم معين على الخشوع في الصلاة). وقد يكون هناك سبب يمنعك من الخشوع؛ إما مظلمة بينك بين الله سلبك الله بها الخشوع في الصلاة كإتيان حدٍ من حدود الله أو حرمة من محارم الله في سمع أو بصر أو لسان، وقد تكون غيبة لمسلم، وقد تكون عداوة للمسلم، فآذنك الله بها بحرب. أما السبب الثاني الذي يسلب الخشوع فهو: الاشتغال بالدنيا، وشرود الذهن أثناء الوقوف بين يدي الله ، وانصرافك عن استشعار عظمة وهيبة المقام بين يديه، فإياك ثم إياك واشتغال النفس بالدنيا إذا دخلت إلى المسجد، ذكروا عن بعض السلف: (أنه صلى بالناس عشرين عاماً ما سها في صلاة قط، فسئل عن ذلك فقال: والله الذي لا إله إلا هو، ما دخلت المسجد وفي قلبي غير الله) من أراد الخشوع بمجرد أن تطأ قدمه المسجد؛ يدخل وليس في قلبه إلا الله، هذه المساجد بيوت الله اختارها الله لذكره، واصطفاها للإنابة إليه بتمجيده وشكره، فإذا دخلها الإنسان خلّف الدنيا وراء ظهره، فإذا أردت الخشوع فاجتهد في تحصيل هذه الأسباب، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم حلاوة الخشوع والإخلاص فيها، والله تعالى أعلم.

стр. 425

وسائل ترك المعاصي الخفية السؤال أطلب من فضيلتكم موعظة لي ولإخواني عن معاصي السر، فإني أحس أني من الراسخين في النفاق، وإني أحب الله ورسوله فادع الله لي بالخير والثبات والإعانة على طلب العلم؟ الجواب ما ذكرته -أخي في الله- من بلاء السر، فإن الله قد يبتلي الإنسان ببعض المعاصي والذنوب الخفية التي بينه وبين الله ، ولذلك لا يكون الإنسان خائفاً من الله حقيقة الخوف ويخشى الله حقيقة الخشية إلا في مثل هذه المواطن، وليس هناك أحد منا إلا وبينه وبين الله هنات وزلات، وعورات وخطيئات، ولكن تذكر قدرة الله وسلطانه عليك ونعمته التي أسداها إليك واجعل ذلك شعوراً يدعوك إلى الحياء من الله والخجل، والخوف من الله ﵎ والوجل. إذا أُرخيت عليك، الأستار وغابت عنك الأنظار، فاعلم أنه لم يغب عنك نظر العظيم القهار، ولو أن إنساناً استشعر عظمة الله وهو يقارف الذنوب ويتلبس بالعيوب لهانت عليه شهوته، ولذلت عليه معصيته، والمعين والمثبت من ثبته الله، نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم الخشية الصادقة، فإن العلماء يقولون: الخشية الصادقة هي خشية الغيب، وأما خشية الشهادة فهي خشية يشترك فيها كثير من الناس، ولكن الخشية الصادقة هي الخشية التي تكون بالغيب، حينما تتيسر لك المعصية، وليس لك عليها حسيب ولا رقيب إلا حسيب الله العليم المجيب، نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجهه الكريم أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، ومن أهل خشيته في الغيب والشهادة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →