← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كيفية الحصول على حلاوة الإيمان أحبتي في الله! ما اجتمعت هذه الخصال الثلاث في عبد من عباد الله إلا ذاق حلاوة الإيمان، ولا وفق الله عبداً لتحقيقها وتحصيلها إلا كان من أحبابه وكان من خاصة أوليائه. ولذلك السؤال الأخير: كيف السبيل للوصول إلى هذه المحبة؟ وكيف الطريق للوصول إلى هذه الحلاوة التي نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يذيقنا وإياكم تلك الحلاوة وألا يسلبنا إياها إلى أن نلقاه؟ أعظم سبيل لتحصيلها وأقرب طريق للوصول إليها: طريق الدعاء، بأن تسأل الله حلاوة الإيمان، وأن يذيقك لذة العبودية للرحمن، فما دعا عبد ربه إلا استجاب، وما سأل سائل ربه إلا أعطاه الله وبلغه مراده؛ ولذلك قال الله في كتابه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وما حصَّل عبدٌ طاعة من طاعات الله إذا استعصت بشيء مثل الدعاء. أما الأمر الثاني: فهو تحصيل الأسباب التي ذكرناها، والتي من أعظمها: الفقه في الدين ومعرفة سبيل الطاعة لرب العالمين، فمن جمع الله له بين الحسنيين ورزقه هذين الأمرين فإنه لا شك سيصيب حلاوة الإيمان ويكون من الموفقين لطاعة الرحمن. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن ترزقنا حلاوة لا مرارة بعدها، وإيماناً لا كفر بعده، وسعادة لا شقاء بعدها، ورحمة لا عذاب بعدها، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.

стр. 422

الأسئلة

стр. 423

التحذير من سماع الأغاني السؤال أرجو من فضيلتكم أن تدلوني على وسيلة أترك بها سماع الأغاني؟ الجواب أما الغناء فهو محرم، ودلت على حرمته دلائل الكتاب والسنة، أما الكتاب فإن الله قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] قال عبد الله بن مسعود: (والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء! والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء! والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء)، وقال ﵊ كما في حديث البخاري: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر -وهو الزنا- والحرير والمعازف والقيان، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين) نسأل الله السلامة والعافية. والغناء ينبت النفاق، وما من إنسان استمع إلى شيء منه إلا أمات الله قلبه على قدر ما استمع من تلك الأغاني الداعية إلى المحارم المقربة من الآثام والمظالم الغناء يطيش بعقل المؤمن ويورثه خفة في عقله وطيشاً في لبه، نسأل الله السلامة والعافية، لا يعين على ذكر الله وهو مما يصد عن ذكر الله وطاعة الله، فإذا أراد الإنسان أن يكون مؤمناً حقاً فما عليه إلا أن يصدق في تركه، وأما ما يعينك على ذلك الترك فتذكر أخي في الله ذلك السمع ومن شقه، تذكر لو أن الله غار على هذا السمع فسلبك، إياه فأصبحت أصماً والعياذ بالله تذكر لو أن الله أوقفك بين يديه فسألك عن نعمة السمع، فجئت بهذه العيوب والذنوب؛ فلذلك ينبغي للإنسان أن يبتعد عن الغناء، وأن يتعاطى الأسباب المعينة على الابتعاد عنه، والله تعالى أعلم.

стр. 424

أسباب الخشوع في الصلاة وموانعه السؤال عندي حالة لا تعجبني، وهي: أن الخشوع لا يأتيني في الصلوات المفروضة، ولكني أحس به أحياناً في أداء النوافل؟ الجواب أما الخشوع في الصلاة فهو لذتها وحلاوتها، وليس للإنسان إلا ما عقل من صلاته، وقد أخبر الله في كتابه أن الفلاح لا يكون إلا بالخشوع في الصلاة، وأعظم الأسباب التي تعينك على الخشوع سبب أشار الله إليه بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦] قال بعض العلماء: (في هذه الآية دليل على أن كثرة ذكر الآخرة أعظم معين على الخشوع في الصلاة). وقد يكون هناك سبب يمنعك من الخشوع؛ إما مظلمة بينك بين الله سلبك الله بها الخشوع في الصلاة كإتيان حدٍ من حدود الله أو حرمة من محارم الله في سمع أو بصر أو لسان، وقد تكون غيبة لمسلم، وقد تكون عداوة للمسلم، فآذنك الله بها بحرب. أما السبب الثاني الذي يسلب الخشوع فهو: الاشتغال بالدنيا، وشرود الذهن أثناء الوقوف بين يدي الله ، وانصرافك عن استشعار عظمة وهيبة المقام بين يديه، فإياك ثم إياك واشتغال النفس بالدنيا إذا دخلت إلى المسجد، ذكروا عن بعض السلف: (أنه صلى بالناس عشرين عاماً ما سها في صلاة قط، فسئل عن ذلك فقال: والله الذي لا إله إلا هو، ما دخلت المسجد وفي قلبي غير الله) من أراد الخشوع بمجرد أن تطأ قدمه المسجد؛ يدخل وليس في قلبه إلا الله، هذه المساجد بيوت الله اختارها الله لذكره، واصطفاها للإنابة إليه بتمجيده وشكره، فإذا دخلها الإنسان خلّف الدنيا وراء ظهره، فإذا أردت الخشوع فاجتهد في تحصيل هذه الأسباب، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم حلاوة الخشوع والإخلاص فيها، والله تعالى أعلم.

стр. 425

وسائل ترك المعاصي الخفية السؤال أطلب من فضيلتكم موعظة لي ولإخواني عن معاصي السر، فإني أحس أني من الراسخين في النفاق، وإني أحب الله ورسوله فادع الله لي بالخير والثبات والإعانة على طلب العلم؟ الجواب ما ذكرته -أخي في الله- من بلاء السر، فإن الله قد يبتلي الإنسان ببعض المعاصي والذنوب الخفية التي بينه وبين الله ، ولذلك لا يكون الإنسان خائفاً من الله حقيقة الخوف ويخشى الله حقيقة الخشية إلا في مثل هذه المواطن، وليس هناك أحد منا إلا وبينه وبين الله هنات وزلات، وعورات وخطيئات، ولكن تذكر قدرة الله وسلطانه عليك ونعمته التي أسداها إليك واجعل ذلك شعوراً يدعوك إلى الحياء من الله والخجل، والخوف من الله ﵎ والوجل. إذا أُرخيت عليك، الأستار وغابت عنك الأنظار، فاعلم أنه لم يغب عنك نظر العظيم القهار، ولو أن إنساناً استشعر عظمة الله وهو يقارف الذنوب ويتلبس بالعيوب لهانت عليه شهوته، ولذلت عليه معصيته، والمعين والمثبت من ثبته الله، نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم الخشية الصادقة، فإن العلماء يقولون: الخشية الصادقة هي خشية الغيب، وأما خشية الشهادة فهي خشية يشترك فيها كثير من الناس، ولكن الخشية الصادقة هي الخشية التي تكون بالغيب، حينما تتيسر لك المعصية، وليس لك عليها حسيب ولا رقيب إلا حسيب الله العليم المجيب، نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجهه الكريم أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، ومن أهل خشيته في الغيب والشهادة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 426

حكم الغش في الامتحانات الدراسية السؤال أحد الإخوة التزم قريباً، ثم يسأل فيقول: كنت أخذت الكفاءة عن طريق الغش في الامتحان قبل أن ألتزم، والآن أنا في السنة الأولى الثانوية ولا أستطيع أن أواصل دراستي إلا بالغش، فما نصيحتكم لي؟ الجواب الغش في الامتحان وغيره أمرٌ محرم، وهو داخل في عموم قوله ﵊ في حديث أنس في الصحيح: (من غشنا فليس منا)، وفي رواية: (من غش فليس منا) فهذا النص عام يشمل كل غش سواء كان في الامتحان أو في غيره، وعليه فإن الطالب إذا غش في امتحانه فهو آثم في غشه، وينبغي لك أن تتقي الله ، ولذلك ما من إنسان ينال الشهادة بهذا الطريق إلا كان محروم التوفيق؛ بل إنه لا يؤمن إذا كان الإنسان أخذ الشهادة بدون حق أن يكون غير مستحق للمرحلة التي وصل إليها. وجزم بعض العلماء من مشايخنا على أنه: إذا كان الإنسان قد غش وكانت هذه الوظيفة تتوقف على المعلومات الموجودة في الاختبار أن يكون حافظاً لها عالماً بها ولم يكن كذلك ونال شهادته على هذا الوجه؛ فإنه لا يؤمن عليه أن يكون آكلاً للمال الحرام والعياذ بالله؛ لأنه واضع نفسه في غير موضعه، ومدعٍ لما ليس له، فلذلك ينبغي أن يحذر من هذه الخصلة التي تدل على ضعف الإيمان في القلب، وتدل كذلك على عدم صلاح الإنسان وكمال تقواه لله ، فالمؤمن الصالح أبعد ما يكون عن الغش والكذب والخداع، كما بين النبي ﷺ ذلك في الحديث الذي سبقت الإشارة إليه، ولذلك قال بعض شراح الحديث في قوله: (من غشنا فليس منا) أي: ليس على هدينا ولا على سنتنا، والله تعالى أعلم.

стр. 427

نصيحة لحفاظ كتاب الله السؤال نحن مجموعة من الطلبة نحفظ القرآن الكريم في أحد المساجد، فنرجو منك أن تبين لنا، الطريقة السليمة في حفظ القرآن الكريم، وكيف نتعامل مع شيخنا وزملائنا أثناء التلقي والطلب؟ الجواب يا حافظ القرآن! ويا من شرفك الله بالجلوس في تلك المجالس المملوءة بذكر الرحمن! أول ما ينبغي أن يعتني به من وفقه الله لتلك المجالس وكان من أهلها: أن يخلص لله ، فإذا خرجت إلى حلقة التحفيظ خرجت وليس في قلبك إلا الله الحفيظ، خرجت وأنت ترجو رحمة الله، وتتلقف رضوان الله في كل خطوة تخطوها، وفي كل قدم ترفعها وتضعها، فإنك إن فعلت ذلك أعظم الله أجرك وبارك الله لك في علمك. أما الخلة الثانية التي ينبغي أن يتخلق بها من جلس في مجلس القرآن: أن يجل ذلك المجلس، فيبكر إلى مجالس التحفيظ وألا يقصر في ذلك، فإن التأخر عن مجالس الذكر ومجالس العلم يدل على نقص أدب الإنسان مع ذلك العلم؛ ولذلك كان السلف الصالح ﵏ أكمل ما يكونون أدباً في مجالس العلم حتى كان طالب العلم منهم يسبق شيخه قبل أن يخرج من منزله لطلب العلم، وكان ابن عباس ﵄ ينام على عتبة زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه. إذا جلست في ذلك المجلس فاستشعر عظمة ذلك الكتاب الذي بين يديك، واستشعر نظر الله إذ ينظر إليك، وتذكر أن هذا الكتاب الذي بين يديك يطالبك بالآداب، ويسألك أن تتخلق بأخلاق أولي الألباب، فتكون على أكمل ما يكون عليه الطلاب، فتكون على وقار وخشوع وخشية لله ، تحس كأن الله يخاطبك، واعلم أن كلام الله هو أعظم رسالة على وجه الأرض، فإذا وفقك الله لهذا الشعور جاءت الآثار حينما تتأدب فتكون متأدباً في صوتك في مجلس الحفظ متأدباً في حديثك مع شيخك، مراعياً لحرمته ومكانته؛ فإن وفقك الله لذلك فقد وفقك الله لخير كثير. يا طالب العلم! لن تكون خير الطلاب إلا إذا كنت أكملهم أدباً، وينبغي لك أن تنافس غيرك في الأدب، فأحب الطلاب إلى الله أكملهم أدباً مع شيخه، وأكملهم رعاية للحرمة مع عالمه الذي يتلقى عنه، فاحفظ حرمة ذلك الشيخ، واحفظ حرمة من تحفظ القرآن على يديه. هناك قصة لطيفة للإمام الشافعي حاصلها: (أنه جاءه رجل عامي وهو جالس في مجلس العلم وقد مد رجليه، فقبض الإمام الشافعي رجله، واستوى في مجلسه مع أصحابه حتى جاء ذلك العامي، فلما جلس هابه الشافعي، ثم لما مضى وانصرف مد رجليه وعاد إلى الحالة الأولى، فعجب طلاب الشافعي من ذلك الصنيع، فقرأ في أنفسهم ذلك التعجب، فقال لهم: إن هذا الرجل أخبرني -كان الشافعي يوماً من الأيام يشرح حديث ابن عمر: (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الشغار) أن الكلب لا يشغر رجله ليبول إلا إذا كان بالغاً، فلما قال هذه المقالة للإمام الشافعي اعتبرها الإمام الشافعي فائدة، وإن الحر من حفظ وداد لحظة وتعليم لفظة، فكيف بمن يعلمك كلام الله ، وكيف بمن يعلمك القرآن؟ فاحفظ ذلك الحق لمن تتعلم على يديه. أما الأمر الأخير: فالصبر على أذية المعلم، إذا آذاك المعلم فاصبر على أذاه؛ فإن الله قد يبتليك بإنسان فظ غليظ لكي يبتلي صبرك، وهنا قصة لطيفة -هي خاتمة هذا الأدب- عن أحد العلماء الفضلاء: سمع بعالم قدم من الهند إلى دمشق، فخرج هذا العالم من بلدته حتى جاء إلى دمشق في الليل، فسأل عن بيت ذلك العالم فدل على بيته، فجاء وقرع الباب في السحر قبل الفجر، ففتح العالم بابه، فوجد ذلك العالم الضيف، فسأله: ما الذي تريد؟ قال: أتيت لكي أتلقى العلم عنك، فأخذ ذلك العالم الباب وأغلقه في وجه ذلك العالم الذي جاء لطلب العلم -وكان يوماً شديد البرد- فما كان من ذلك الطالب إلا أن جلس على عتبة الباب حتى أذن الفجر، فلما أذن الفجر خرج العالم من بيته، فوجد الطالب نائماً على عتبة الباب، فأخذه واحتضنه وقال: والله ما أردت إلا أن أختبر صبرك على العلم، فأخذه واحتضنه وكان من خيار طلابه. فالعلم يحتاج إلى صبر، فلذلك إذا رأيت زلة أو أذية من عالم أو ممن تحفظ القرآن على يديه فاصبر ابتغاء مرضاة الله، والله تعالى أعلم.

стр. 428

جلسة مع طلبة العلم إن لأهل العلم وطلابه فضائل خصهم الله بها في الدنيا والآخرة، وما ذلك إلا لعظيم ما فعلوه وقدموه من حفظ الكتاب والسنة، وتبليغها وتعليمها الناس، فمن حمل العلم فإن عليه أن يفقه ما يحمل، ويعرف واجبه نحو ما يحمله، ثم إن الله يؤتيه ثمرات ذلك في الدنيا والآخرة، فاظفر بطلب العلم تربت يداك!

стр. 429

من فضل العلم في الدنيا والإخلاص فيه الحمد لله حمداً كثيراً طيباً طاهراً مباركاً فيه، يليق بجلال ربنا وعظمته وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفع من قالها يوم لقائه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله، ومن سار على نهجه ومنواله. أما بعد: فأحييكم بتحية الإسلام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن القلوب لتطمئن، وإن الصدور لتنشرح حينما تسمع عن شباب أحبوا العلم وأحبوا أهله، وحرصوا على أن يتسلحوا بهذا السلاح العظيم، يبتغون من فضل الله الكريم، إنها لنعمة من الله إذا شرح صدر عبده لطلب العلم، فحببه إلى قلبه، وجعل أشجانه وأحزانه في رياض الجنة، لا يرتاح ولا يطمئن إلا بمجلس يسمع فيه كتاب الله أو حديث رسول الله ﷺ ؛ لكي يخشع من ذلك قلبه، وتعمل به جوارحه، ويدعو الناس إلى ما علم وعمل، والدنيا فانية ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وطالب علم انتفع بعلمه: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله علماً وحكمة فعمل بهما وعلَّم) فنال الدرجات وفاز بالمحبة والمرضات، فلقي الله يوم يلقاه راضياً عنه. إذا هدى الله العبد إلى الصراط المستقيم، وحببه في هذا الدين، وأراد أن يتمم عليه النعمة ويزيده من فضله شرح صدره للعلم والعمل: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). هذا العلم لا يحبه أحد إلا ناله خيره، ونال من بركته التي وضعها الله فيه، فإن الله وصف كتابه بالبركة: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] فهذه البركة والخير في هذا العلم إذا شرح الله صدر العبد فأحبه وأحب أهله فلابد وأن يصيب من الخير على قدر حبه، ومن حيل بينه وبين بلوغ مراتب العلماء ولكن اطلع الله على قلبه أنه يحبهم وأنه يتمنى أن يكون له لسان صدق مثل ما أوتوا بلغه الله درجاتهم، قال: (يا رسول الله! المرء يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: أنت مع من أحببت) فمن أحب العلماء وأحب طلاب العلم الصالحين الأتقياء حشره الله مع العلماء، ومن أحب العلماء وأحب أن يتمثل بهم وأحب أن يكون له من الخير ما لهم. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل هذه المحبة خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفقنا بها إلى سلوك العلم والعمل. أيها الأحبة في الله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) والله يؤتي الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩] العلم بصيرة، ومن آتاه الله العلم أبصر الحق وعرفه فلم تلتبس عليه السنة بالبدعة، وتتضح له بذلك المحجة، ويستمسك بفضل الله بالدليل والحجة.

стр. 430

حسن خاتمة أهل العلم ومن ثمرات العلم يقول العلماء: قلّ أن يخلص أحد في العلم ويرى ثمرة العلم في عمله ودعوته للناس إلا حسنت خاتمته. ولذلك وجدنا من عاجل ما أعطى الله العلماء حسن الخاتمة في هذه الدنيا، ومن منّا لا يتمنى حسن الخاتمة؟! فإن الأمور بخواتيهما: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) اللهم إنا نسألك العافية، فيحرص الإنسان على هذا العلم حتى يحسن الله به خاتمته، ذكر عن بعض السلف أنه لما حضرته الوفاة بكت ابنته فقال: أي بنية! أتبكين عليَّ وقد أفتيت عن الله فأمرت بأمره ونهيت عن نهيه؟! يعني: هل يخذلني الله بعد أن شرفني بحمل العلم فأمرت بأمره ونهيت عن نهيه؟ لا، والله! لا يخزيك، ولما قالت فاطمة ﵂: (واكرب أبتاه! قال ﷺ : لا كرب على أبيك بعد اليوم) فالعلماء تحسن خواتمهم، وكم رأينا -والله- من أهل العلم -الصادقين الذين حرصوا على العمل بالعلم والدعوة إليه والإخلاص فيه- من حسن الخاتمة لهم! وكم رأينا من بشائر الخير! فهذا كله من عاجل ما يضعه الله للعبد، وهو من خاتمة ما يكون له في الدنيا.

стр. 431

الله يصرف قلب صاحب العلم إلى الآخرة كذلك من ثمرات العلم النافع: أن الله يصرف قلب صاحبه إلى الآخرة ويزهده في هذه الدنيا، ولذلك تجد العلماء أغنى الناس بالله ﷻ ، جاء رجل إلى الحسن البصري ﵀ برحمته الواسعة، فجلس في مجلس الحسن وكان غنياً ثرياً، فلما قام من مجلس الحسن أرسل إليه بخمسة آلاف درهم -خمسة آلاف درهم في أيام الحسن شيء عظيم وكبير- ثم أرسل له بثياب وقطن، ثم جاء إلى الحسن ودفعها إليه في بيته قال له الحسن: عافاك الله ضمّ إليك دراهمك وثيابك وقطنك، فإنه ما حدث أحد بما حدثت به فأخذ ما أعطيت إلا كان يوم القيامة لا خلاق له؛ لأنه يريد ما عند الناس ولا يريد ما عند الله ﷻ . ويجعل الله الآخرة أكبر همك ومبلغ علمك، دائماً تفكر بآخرتك، وهذا شأن العلماء! تجد العالم دائماً يتذكر مثل هذه الساعة وهو في القبر وهو في اللحد، يتذكر وهو قائم بين يدي الله يسأله عن علمه ماذا عمل به، فإذا كان خالياً دمعت عيناه من خشية الله وقال: اللهم إني أسألك أن تلطف بي، اللهم اجعل علمي حجة لي لا حجة عليَّ، يحس بالآخرة في قلبه فينصرف، وتنصرف همته كلها إلى الآخرة، ولذلك عندما تقرأ في سير السلف الصالح وأخبارهم وأقوالهم وأفعالهم تحس أن هذه الثمرة قد عجلها لهم الله في الدنيا قبل الآخرة، ومن خاف من الآخرة أمّنه الله فيها، فإن الله لا يجمع للعبد بين خوفين وأمنين، فإما خوف في الدنيا وأمن في الآخرة، أو العكس، ولذلك لما قيل لبعض السلف وقد اجتهد في العبادة: أتعبت نفسك، قال: راحتها أريد. فالذي يتعب اليوم ويخاف اليوم يأمن غداً. الله أعلم كم ضمت اللحود أقواماً وجلت قلوبهم من خشية الله! فإذا فيها النعيم والرضوان المقيم، الله أعلم كم ضمت اللحود الآن من أئمة ودواوين للسلف وعلماء للأمة علم الله منهم أنهم خافوا الآخرة فأمّنهم اليوم وهم فيها! وذكرهم بصالح الدعوات وقد ولوا ومضوا، فهذه عاجل ثمرات الدنيا.

стр. 432

الله يزكي طالب العلم كذلك من ثمرات العلم في هذه الدنيا: أن الله يزكي أهله، وإذا زكىّ الله عبداً بارك له، الله تعالى لا يزكي العبد بحسبه، ولا يزكيه بنسبه، ولا يزكيه بنومه، ولا يزكيه بماله: (فرب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) وما كان أصحاب النبي ﷺ إلا في ضيق من الدنيا، وما كان رسول الأمة ﷺ إلا معرضاً عن هذه الدنيا، فالله لا يزكيك بهذه الدنيا، ولكن يزكي بما وقر في القلب وصدقه العمل.

стр. 433

الله يقذف في قلوب الناس حب طالب العلم وثمرات هذا العلم: أن الله يقذف في قلوب الناس حبك، فإذا أخلصت الآن، وحرصت كل الحرص على الأدب مع العلماء ومع من تتلقى عنهم قيض الله لك من تصرف الناس ومعاملتهم معك ما تقر به عينك، ويطمئن به قلبك، وتبهج به نفسك، والله! ما رأينا طالب علم تأدب مع علمائه ومشايخه إلا رأينا آثار ذلك في طلابه، وما رأينا فظاً غليظاً سيئاً جافياً متجافياً عن الحق إلا رأينا مكر الله به كما مكر بمن كان على شاكلته ممن سبقه. فإياك ثم إياك أن تغفل عن هذه الثمرة الكريمة! أن يزكي الله علمك، فيجعل لك بين الناس القبول والمحبة والرضا، وهذا -كما ذكرنا- بالإخلاص، ثم بذكر الله ﷻ ، ثم بالحرص على الأدب مع أهل العلم، فيفتح الله لك من فضله، فترى ثمرة العلم في الدنيا، وترى بأم عينيك ما كنت تفعله مع مشايخك من الإجلال والتقدير في طلابك، ومن يأخذ العلم عنك؛ فما ﴿جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] والله ﷻ يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠]. فمن كان في رياض العلم متأدباً تعلوه السكينة والوقار، وإذا سأل عرف عن أي شيء يسأل، وإذا تكلم عرف أين يضع لسانه، وحفظ لأهل العلم حقهم وقدرهم، وأخذ يختار النماذج الكريمة من السلف الصالح وطلاب العلم الأحياء الذين يرى فيهم وقار العلم وسمته، والأدب مع العلم فتخلق بهذه الأخلاق؛ زكاه الله ﷻ ، والله إن القلوب لتسر حينما ترى نماذج من طلاب العلم في السكينة والوقار يذكرون بهدي السلف الصالح! وإن القلوب لتتقرح وتتألم حينما ترى عكس ذلك! كذلك أيضاً: إذا زكاك الناس وشهدوا لك بالخير كان من عاجل البشرى لك في الدنيا يقول ﵊: (إن الله إذا أحب عبداً من عباده نادى: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه) الله أكبر! لو نودي باسمك في السماوات العلى: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، اللهم اجعلنا ذلك الرجل! الله ذو العزة والجلال الذي بيده ملكوت كل شيء ينادي باسمك! إذا صلح قولك وعملك، ورأى الله منك هذه المحافظة على الحقوق والواجبات! (نادى يا جبريل! إني أحب فلاناً) لا، والله! ما أحب الله للدنيا، وما أحب للأحساب والأنساب، ولكن أحب للدين والإخلاص. وانظر إلى الأسلوب (إني) وهو للتوكيد والإثبات- (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال ﷺ : فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) فإذا تكلم وضع الله البركة في قوله، فكم من تائب أناب ومهتدٍ اهتدى بإذن الله بتذكيره ووعظه! فترجع إلى قومك وعشيرتك وقد وضع الله لك القبول، من عامل الله كان الله له. فمن الآن وطِّن نفسك على أن يحبك الله، فترى هذه الثمرة العاجلة في الدنيا فتقول: يا رب! أحمدك وأشكرك والفضل كله لك، إذا أحبك الله ووضع لك القبول فهذه ثمرة الدنيا؛ فيزكيك الناس ويشهدون لك بالخير والفضل ويترحمون عليك، ويذكرونك بصالح الدعوات، ما ذكرت إلا أثنوا عليك ودعوا لك بالخير، وهذا من عاجل البشرى، ولذلك من ذكره الناس بصالح الدعاء كان هذا من عاجل البشرى، والعكس بالعكس! فعلى المسلم أن يحرص على توطين نفسه بالأصول التي تفضي إلى هذه الثمرة الكريمة.

стр. 434

التوفيق في طلب العلم فتأتي بعد ذلك الثمرة الثالثة: وهي التوفيق في العلم، إذا أخلصت وأكثرت من ذكر الله ﷻ فكنت ممن يقوم الليل، ويصوم النهار، ويستغفر ربه قائماً وقاعداً، يذكر الله على كل حاله، فإن الله يفتح لك أبواب التوفيق، وقلّ أن تجد طالب علم كثير الذكر لله إلا وجدته موفقاً في طلب العلم، وبارك الله له في جوارحه، وبارك الله له في ليله ونهاره فأحبه الله، وإذا أحب الله العبد عصمه من فتنة الشهوات، وحفظه مما يقذفه الشيطان من الشبهات، فأصبح على البصيرة والنور والهدى وعلى الصراط المستقيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] فيجعل الله للعبد بهذا السبب العظيم نور التقوى. فإذا أخلصت وذكرت الله ﷻ وفتح لك أسباب التوفيق كان من أعظمها وأجلها أن توفق للعالم الرباني الذي أخذ العلم عن أهله، فابحث عن من زكا في علمه وقوله وعمله، وأخذ هذا العلم عن العلماء الصالحين الذين ورثوا علم الكتاب والسنة، فإن النبي ﷺ زكَّى حملة العلم، وأخبر ﷺ أنه: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله). فإذا أراد الله أن يوفقك في طلب العلم حبب إلى قلبك العالم العامل، ورزقك العالم الرباني الذي يذكرك بالله منظره، ويدلك على الله مخبره، يدلك على عالم تلتزم به حجة بينك وبين الله ﷻ ، قال الإمام الشافعي ﵀: (رضيت بـ مالك حجة بيني وبين الله)، لما رأى من مالك ﵀ حبه للكتاب والسنة، وحرصه على النص، وعلى الاهتداء بهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين، رضيه حجة بينه وبين الله ﷻ ، فإذا وفقك للعالم فقد أخذت مفاتيح العلم، والعالم الرباني يدل على الله ﷻ ، يدل على الله بقوله وعمله وسمته ... وإذا أردت أن تنال ثمرة العلم على أتم الوجوه وأكملها فالزم ذلك العالم محافظاً على حقه، مستديماً لما له عليك من واجب حبه وتقديره وإجلاله وإكرامه، فإن العقول السلمية أجمعت -والحكماء أجمعوا- على أن من أجلّ شيئاً وأحبه انتفع به. ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يجعل علمه مقروناً بالأدب والإجلال والتقدير، ولذلك قال موسى بن عمران للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] وهذا شيء من التذلل والتواضع للعلماء، وهذا يدل على أنه ينبغي لطالب العلم أن يشعر العالم بالتقدير والإجلال؛ لأن تعظيم العلماء وإجلالهم تعظيم لشعائر الله. فإذا رزقت هذا العالم العامل فاحرص على أن تكون أفضل طلابه، واحرص بارك الله فيك على أن لا تقع عينه منك على شيء يشينه! واحرص وفقك الله على أن لا يسمع منك ما يؤذيه! واحرص بارك الله فيك على سؤال الله أن يجملك وأن يجعلك خير الطلاب! فإن العالم يحرص على نفع خير الطلاب وأفضلهم. وإياك أن تزدري العلماء! إياك ثم إياك أن تزدري من حمل كتاب الله وسنة النبي ﷺ ! بل اجعل في قلبك حبهم وودهم وتقديرهم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. فإذا عاشرت العالم وكنت معه فكن معه بمشاعرك وأحاسيسك، فإياك أن تضيق عليه في قول! أو تحرجه في مسألة! أو تعييه في وقت هو وقت راحته واستجمامه، وتحرص على الأدب معه فيما يأمرك به وينهاك، فإنه إن كان متقياً لله أمرك بأمر الله، ونهاك عما نهى الله عنه. كان العلماء يوصون طلاب العلم دائماً بالعمل، فإذا سمعت العالم يدلك على سنة فاحرص على العمل بها، وإذا دلك على خير احرص على تطبيقه، وإياك أن تتعذر بالعجز أو الكسل، إذا سمعته يذكر سنة في الصلاة أو في الطهارة أو في حجك وعمرتك فاحرص على تطبيقها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فإن كل كلمة تسمعها من هذا العالم من العلم إما حجة لك أو حجة عليك، لو أن طالب العلم كلما جلس في مجلس علمه شعر أن هذه الكلمات وهذه الجمل التي تقال له في هذا المجلس إما حجة له أو حجة عليه، فإنه -والله- يشفق على نفسه من الهلاك، كل كلمة وكل جملة إن عملت بها كانت حجة لك، وإن تركتها كانت وبالاً وحجة عليك. جاء رجل إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، وأخذ يسألها المسائل ثم رجع لها بعد حين وسألها عن مسائل ثم رجع لها ثالثة وسألها عن مسائل فقالت له ذات يوم: (أي بني! أكل ما سألتني عنه عملت به؟ -أي: هذه السنن التي سألتني عنها من هدي رسول الله ﷺ عملت بها- فقال الرجل: لا يا أماه!، وجلس يشتكي من التقصير والعجز والكسل، فقالت: يا بني! لِمَ تستكثر من حجج الله عليك؟ هذا العلم الذي تسمعونه في المحاضرات والدروس والمجالس، بل حتى لو مررت على حلقة عالم وسمعت سنة -والله- أنها حجة لك أو حجة عليك، وخاصة إذا تغرّبت عن بلدك وعن الأهل والأوطان والأحباب والخلان؛ فاعلم أن هذا العلم سيسألك الله عنه إن سألك أهلك وعشيرتك فضيعتهم، إن الله سائلك عن هذه الحجج التي تسمعها، فكما تغربت من أجل أن ترجع إليهم عالماً حاملاً احرص على ضبط كل سنة وكل مسألة، وهذا من دلائل التوفيق، هذه ثمرة الإخلاص. والله! ما أخلص أحد في طلب العلم إلا فتح الله له من أبواب رحمته، ويسر له من العلماء ومن العلم الذي يتعلمه على قدر إخلاصه وزاده الله من فضله، فيحرص طالب العلم على هذا الأمر العظيم، وهو أن يعمل بكل ما علم وأن يطبق ذلك على أتم الوجوه وأكملها.

стр. 435

محبة كل ما يقرب إلى الله وبغض كل ما يبعد عنه أما الأمر الثاني: فمن أخلص لله ﷻ وتوجه إلى الله سبحانه أحب كل شيء يذكره بالله، ونفر من كل شيء يبعده عن الله ، وإذا أصبح العبد يأنس بكل شيء يقربه إلى الله كثر ذكره لله سبحانه، فتجده كثير التلاوة لكتاب الله، كثير الاستغفار من ذنبه والاسترحام لربه، فيصبح في ذكر دائم لله ﷻ ، ومن ذكر الله ذكره الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ولذلك لهجت ألسنة العلماء بذكر الله وخشعت قلوبهم لما عند الله . فإذا أخلصت أصبحت أقوالك كلها لله بذكره : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وما شقي الأشقياء إلا بالغفلة عن الله، وإذا أراد الله أن يهلك عبداً من عباده جعله من الغافلين، وإذا غفل قسا قلبه، وإذا قسا قلبه ساء وأظلم، وإذا ساء وأظلم تحركت الجوارح إلى الظلم والظلمات، نسأل الله السلامة والعافية! فأهم ما يكون للإنسان أن يكون كثير الذكر لله ﷻ ، ولذلك تجد العلماء العاملين الأئمة المتقين جميع أقوالهم وأفعالهم مقرونة بأمر الله ونهيه، لا يتقدمون إلا إذا أمرهم الله، ولا يتأخرون إلا عن شيء يعلمون أن التأخر عنه فيه مرضات الله، وتلك أمارات التقوى! وذلك سبيل الهدى! قال بعض السلف في تعريف التقوى: أن لا يفقدك الله حيث يحب أن يراك، وأن لا يراك حيث يحب أن لا يراك. فإذا أكثر الإنسان من ذكر الله طاب عيشه، ولذلك تجد العالم يقرأ العلم بلسانه، والله أعلم كم من مثاقيل الحسنات في ميزانه! الله أعلم هذه الكتب التي ألفها العلماء والأئمة الصلحاء الأتقياء من سلف هذه الأمة كم لهم فيها من أجور! وكم لهم فيها من حسنات لا يعلمها إلا الله ! ولذلك قال ﷺ لـ علي: (فوالله! لأن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ومن أكثر ذكر الله ﷻ فإن الله سبحانه يبارك له في عيشه وفي حياته.

стр. 436

أن يرزق الله العبد التقوى أيها الأحبة في الله! ثمرة العلم! وما ثمرة العلم؟! فهي أطيب الثمرات، وأعظمها وأجلها وأكرمها؛ لأنها من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وأكرم شيء على الله في هذا الوجود كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فإن الله رفع قدرهما وأحبهما، فإذا أراد الله أن يكرم العبد بأطيب الثمار وأحبها في الدنيا والآخرة ذاق حلاوة العلم. ثمرة العلم ثمرتان: ثمرة عاجلة، وثمرة آجلة. أما الثمرة العاجلة: فإن الله إذا أراد أن يرزق العبد علماً نافعاً رزقه الإخلاص، وقذف في قلبه نور التقوى، فأصبح علمه لله، وقوله لله، وأفعاله وحركاته وسكناته لله ﷻ ، وعندها يطيب عيشه، فما طاب العيش إلا بالله، قال الحسن البصري ﵀: (لا يزال الرجل بخير؛ إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله). أول ثمرات العلم في هذه الدنيا الإخلاص، ومن عرف الإخلاص عرف الأمر الذي من أجله خلق الله الخليقة وأوجد هذا الكون، بل الأمر الذي من أجله أظلم الليل وأضاء النهار، ومن أجله كان العشي والإبكار، من عرف الإخلاص عرف الله ﷻ . فأول ثمرات العلم التي جناها العلماء: أن الدنيا هانت عليهم فتوجهوا إلى الله وحده، إن أصابتهم سراء شكروا وإن أصابتهم ضراء صبروا فعاشوا الحياة الآمنة المطمئنة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وعد الله ﷻ الذي لا يخلف الميعاد أن من عمل الصالحات أن يحييه الحياة الطيبة، وما طابت الحياة على أتمّ صورها وأكمل حللها وأجملها وأجلّها إلا لأهل العلم، فترى الرجل منهم مرقع الثياب! حافي القدمين! لكنه غني بالله ﷻ ، ما اشتكى يوماً ربه إلى الناس، وتجده يتوسد الأرض ويلتحف السماء راضياً مرضياً، وتجد غيره يرفل في نعيم الدنيا، وهو في هم وغم وكرب ونكد لا يعلمه إلا الله . أول ثمرات العلم: أنه يوجهك إلى الله، فتعلم الله بأسمائه وصفاته، وعندها يطيب عيشك، تعلم أن الأمر كله لله، وأن الأمور كلها مردها إلى الله؛ فتهون عليك الدنيا بما فيها، وتحب الله بصدق المحبة، وتتوجه إلى الله بصدق التوجه، ومن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن تقرب إلى الله فإن الله يفتح له من أبواب رحمته، وإذا فتح الله أبواب رحمته لا يستطيع أحد أن يغلقها كائناً من كان، وإذا نشر للعبد من بركته وخيره لا يستطيع أحد أن يقبض ذلك الخير كائناً من كان. دخل سليمان بن عبد الملك إلى بيت الله الحرام وفيه علم من أعلام المسلمين وإمام من أئمة الدين عطاء بن أبي رباح ﵀ برحمته الواسعة، هذا الإمام الذي كان ينادي المنادي في الحج ويقول: لا يفتي الناس إلا عطاء لعلمه وفضله، كان عطاء في ذلك المسجد يومها فأخذه سليمان وطاف معه، ثم قال: يا عطاء! سلني حاجتك؟ ما هي حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني لأستحي أن أسأل أحداً في بيت الله ﷻ -إني لأستحي أي من الله-، فلما خرجا من المسجد قال: يا عطاء! سلني حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! أن يغفر الله ذنبي، قال: ليس ذلك بيدي، قال: ماذا تريد أن أسألك؟ قال: سلني حاجتك من الدنيا، قال: يا أمير المؤمنين! إني لم أسألها من يملكها أفأسألها من لا يملكها! كان العلماء ﵏ علماء بحق. فأول ثمرة العلم: الإخلاص والتوجه إلى الله، ولذلك قال الله ﷻ : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] سكنت في قلوبهم خشيته، وسكنت في قلوبهم محبته ، فأصبحت حياتهم كلها لله، لا يسأمون ولا يملون ولا يضجرون من شيء فيه محبة الله ﷻ ، فأول ثمراته في الدنيا هذا المقام العظيم الذي هو روح الإسلام ولبه يقول شيخ الإسلام ﵀: (بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله ديناً سواه).

стр. 437

من ثمرات العلم في الآخرة أما ثمرات العلم في الآخرة، فأمرها إلى الله علام الغيوب، الله أعلم ماذا ينتظر العلماء في موازين حسناتهم وأجورهم من السنن التي دلوا عليها، وحبّبوا فيها، وعلموها عباد الله، وحرصوا على أن يهتدوا بهديها، وأن يربوا الناس عليها! الله أعلم كم لهم من الأجور والثواب والحسنات والدرجات! الله وحده هو الأعلم، وهو سبحانه لا يضيع أجورهم ولا سهر الليالي وتعب النهار والكدح في طاعة الله ومرضاته: والعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] فالمعروف يدوم ويبقى، والخير والبر أبداً ما ينسى!

стр. 438

إذا مات لا ينقطع ذكره في الدنيا ثمرات الآخرة من أعظمها: أن العلماء إذا ماتوا وكانوا في قبورهم فمن عاجل ما يجدون الرحمات التي تغشاهم في قبورهم، لا ينقطع ذكرهم ولا خبرهم، خاصة إذا قيض الله لهم طلاباً صالحين يذكرونهم بالخير، قال الإمام أحمد ﵀ الرحمة الواسعة لأحد أبناء مشايخه: أبوك -أي: وهو ممن علمني وانتفعت بعلمه- أحد الستة الذين أدعو لهم في صلاتي) ما ذكروا وهم في قبورهم إلا ترحم عليهم، ويذكرون بالجميل! ومن ذكرهم بغير ذلك فهو على غير السبيل!

стр. 439

تغشى العالم الرحمات إلى قبره كذلك أيضاً: تغشاهم الرحمات، ويرون في قبورهم ما يكون لهم من الأجور التي من بعد موتهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: -وذكر منها-: أو علم ينتفع به) فهم يموتون وما ماتت مكارمهم، ماتوا وما ماتت مآثرهم، فهي منقوشة في الصدور! والتلميذ البار إذا ذكر شيخه ترحم عليه ودعا له، ومن ذلك: أني رأيت الوالد ﵀ -وكان قد تتلمذ على الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ أكثر من مرة ما ذكر الشيخ إلا فاضت عيناه بالدمع، وطأطأ رأسه ثم دعا له وترحم عليه، وكان يقول: ما رأيت بعيني عالماً ملؤها مثل الشيخ ابن إبراهيم ﵀ برحمته الواسعة! وتجده يقول إذا ذكره: نعم! نعم العلم والعمل، مما رأى من شيخه من العلم والعمل، ووالله! إذا ذُكِرَت سيرته -لا أبالغ- إذا بالشيخ يسكت فتجد الدمعة تذرف مما يذكر من جميله وإحسانه، وهكذا كان ﵀ برحمته الواسعة. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى عالماً عن علمه وورعه وصلاحه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 440

اليقين بالله أعظم زاد للسائر إلى الله اليقين بالله، فهو المثبت على صراط الله حتى يلقى العبد ربه، فإذا ادلهمت الخطوب، واحلولك الظلام، وعبست في وجهك الأيام، تصدى لذلك اليقين بالله، فصار الحزن فرحاً، والضيق سعة، والعسر يسراً. فأعظم باليقين للمؤمن من دواء، وأنعم به من شفاء.

стр. 441

فضل الذكر والذاكرين الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، ومن فطر القلوب على المحبة واليقين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم المبارك إلى يوم الدين. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني في الله! أحمد الله ﵎ أن جمعني بكم في هذا البيت المبارك من بيوت الله، وبعد هذه الفريضة من فرائض الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. أيها الأحبة في الله! ما أطيب المجالس إذا طُيبت بذكر الله، وما أطيب الساعات واللحظات إذا عُمرت بطاعة الله، وما الذي يأخذه العبد من هذه الدنيا غير مجلس جلسه لذكر الله أو خصلة طاعة بينه وبين الله، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعمر مجالسنا ومجالسكم بذكره، والإنابة إليه وحبه وشكره. وفي المؤمن وفاء لربه وحب لخالقه، فما ذكِّر بالله إلا انشرح صدره، ولا ذُكر الله عنده إلا اطمأن قلبه، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ولذلك كان بعض العلماء ﵏ يقولون: إذا أراد الإنسان أن يعرف مقدار إيمانه بالله، فلينظر إلى حال قلبه إذا جلس في مجالس ذكر الله، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل دلائل الإيمان في تلك المجالس تفوح من ذكره وشكره. أيها الأحبة في الله! وأطيب ما تطيب به المجالس أن يعرف العبد ربه، فالحديث عن الله حديث يحرِّك القلوب إلى الله، ويشوِّق أرواح المؤمنين إلى حب الله، وما ذكِّر مؤمن بالله إلا تعلق قلبه بالله، ولذلك قلوب المؤمنين موصوفة بالهجرة إلى رب العالمين، فقوالبها في الأرض ولكنها في السماء، فلا تنظر إلى آية من آيات الله إلا ذكرت الله، وكم نثر الله في هذا الوجود من الشواهد والدلائل التي تدل على أنه الواحد المعبود! وكم نثر الله في هذه الأرض وهذه السماوات من عبرٍ وحجج وآيات شهدت بأنه فاطر الكائنات! الحديث عن الله هو أجلُّ الأحاديث وأطيبها عند الله، الحديث عن الله يطيب لكل مؤمن يؤمن بلقاء الله، وكلما عرف العبد ربه هابه وخافه، وكلما اقترب الإنسان من الله أحبه واشتاق إليه، وكم غرس الله في قلوب المؤمنين من حبه، والتعلق به، تبارك إله الأولين والآخرين. حديثنا اليوم عن خصلة من خصال المؤمنين، وخلة لعباد الله المحسنين، خلة قامت لها السماوات والأرض، وشهدت بها سماوات الله وأرضه، ألا وهي (اليقين بالله)، فكل ما في هذا الكون ليله ونهاره، صباحه ومساؤه، يذكرك فيقول لك بلسان الحال والمقال: لا إله إلا الله. ما أظلم الليل إلا وذكرك بمن أظلمه، ولا أضاء النهار إلا وذكرك بمن أضاءه، ولا جاءت ظلمة الليل تغطي ضياء الشمس، وتلألأت -في ظلامه- كواكبه إلا قالت بلسان الحال والمقال: لا إله إلا الله. يقبل الليل على النهار فلا يختلط الليل بالنهار، ولا يختلط منه عشيٌ بإبكار، تبارك الله الواحد القهار، كل ما في هذا الكون يقودك إلى اليقين، حتى تتعلق بإله الأولين والآخرين، وصدق الله إذ يقول في كتابه المبين: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠].

стр. 442

الأنبياء واليقين اليقين هو خُلق أنبياء الله وعباده الصالحين، رفع الله به درجاتهم، وكفَّر به خطيئاتهم، وأوجب لهم الحب منه والرضوان، والصفح من لدنه والغفران، إنه اليقين بالله الذي وقف معه نبي الله آدم أبو البشرية جمعاء، وقف ﵊ في موقف أليم إذ أحس بالذنب في حق ربه الكريم، وقد بدت له سوءته، فطفق هو وزوجه يخصفان عليهما من ورق الجنة، ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، فجاءه اليقين بالله فنادى ربه وناجاه، فغفر الله ذنبه، وستر عيبه وكفَّر خطيئته، هذا اليقين الذي دخل به يونس بن متى ﵇ بطن الحوت في ظلمات ثلاث، لا يراه إلا الله، ولا يطلع على خبيئة قلبه من الآلام والحسرات سوى الله، فناداه وناجاه، وتقرب إليه جل في علاه، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فناداه بهذا النداء وكله يقين بأن الله سيرحمه، وناجاه بهذه النجوى وكله يقين بأن الله سيلطف به، فأخرجه الله من الظلمات إلى رحمة فاطر الأرض والسماوات، هذا اليقين الذي وقف به أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد أصابه الضر والبلوى، وعظُمت عليه الشكوى، فنادى ربه جل وعلا، فناداه وناجاه بقلب لا يعرف أحداً سواه، ففرج الله كربه، ونفسَّ همه وغمه، ورد عليه ما افتقده. هذا اليقين الذي وقف به الأنبياء والمرسلون في أشد الشدائد، وأعظم المكائد، فكان الله بهم رحيماً، وبحالهم عليماً، ففرج عنهم الخطوب، وأزال عنهم الهموم والكروب. وقف موسى ﵊ البحر أمامه والعدو وراءه ومعه أمة خرجت ذليلة لله، مستجيبة لأمر الله، فوقف أمام البحر فلما قال له بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] قال واليقين معمور به قلبه ومليءٌ به فؤاده: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، كلا؛ لا أُدرك ولا أُهان ومعي الواحد الديان، ففي طرفة عين تنزلت أوامر الله ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣] وإذا بتلك الأمواج المتلاطمة العظيمة تنقلب في طرفة عين إلى أرض يابسة، وإذا به على أرض لا يخاف دركاً فيها ولا يخشى، قال الله : ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٣]، سبحان الله! بحر عظيم؛ وفي طرفة عين تنقلب أمواجه إلى صفحة لا يجد فيها رذاذ الماء، ويضرب لهذه الأمة المستضعفة الموقنة بالله جل وعلا طريقاً في ذلك البحر لا يخاف دركاً ولا يخشى، كل ذلك باليقين بالله.

стр. 443

اليقين أعظم زاد سار الصالحون على نهج الأنبياء، واتبع آثارهم عباد الله المهتدون، فما نزلت بهم خطوب، ولا أحاطت بهم كروب، إلا عاذوا بالله علام الغيوب، والمؤمن في كل زمان ومكان يحتاج إلى هذا اليقين بالله، تحتاجه إذا عظمت منك الذنوب، وعظمت منك الإساءة في حق الله، تحتاجه وأنت مع أهلك وولدك، وتحتاجه وأنت مع عدوك، وصديقك، ولذلك كان لزاماً على كل من يحب الله أن لا يمسي ويصبح وفي قلبه غير الله، وإذا أراد الله أن يحبك وأن يصطفيك ويجتبيك ألهمك أن يكون قلبك متعلقاً به ﷻ ، إذا أردت أن يحبك الله كمال المحبة، فلا تمسينّ ولا تصبحنّ وفي قلبك غير الله وحده، تدور أحزانك وتدور أفراحك مع الله، وجميع شُعب قلبك منيبة إليه، فكم في عباد الله من أناس ملئوا قلوبهم بحب الله واليقين به، فكان الله معهم، ومن ذكر الله ذكره الله، ومن ذكره الله فالأمن له كل الأمن. لذلك كان من منازل العبودية ودلائل الإنابة إلى الله أن توقن بالله الذي لا إله إلا هو، قال الإمام ابن القيم ﵀: واليقين من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فمن قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإن الله يمتحنه باليقين. ذكروا عن رجل من أهل العلم أنه كتب كتاباً في تفسير القرآن العظيم، وكان فقيراً، فخرج إلى إخوانه وخلانه من العلماء يستشيرهم، فأشاروا عليه برجل عنده المال والثراء، فقالوا له: اذهب إلى فلان يعطك المال فتنسخه، فاستأجر ﵀ سفينة، وخرج في البحر حتى إذا مشى وأراد ذلك الثري ليعينه بالمال، فسخَّر الله له رجلاً يمشي على شاطئ البحر، فأمر قائد السفينة أن يركبه معه، فلما ركب الرجل معه سأل العالم وقال له: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، قال: المفسِّر؟ قال: نعم، قال: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إني ذاهب إلى فلان، أريد منه أن يساعدني في نسخ كتابي. فقال له الرجل: بلغني أنك فسَّرت القرآن؟ قال: نعم، قال: سبحان الله! ماذا قلت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟ ففسر العالم الآية، وفهم مراد الرجل، فقال لقائد السفينة: الآن ترجع بي إلى بيتي، فرجع ﵀ إلى بيته وكله يقين بالله أن الله سيسد فقره، وأن الله سييسر أمره، فما مضت إلا ثلاثة أيام وإذا برجل يقرع الباب، فلما فتح الباب، قال له: إني رسول فلان إليك، بلغه أن عندك تفسيراً للقرآن يحب أن يراه، فأعطاه ذلك الكتاب الذي خرج من أجل أن يعرضه عليه، فرجع الرسول بالكتاب، فنظر فيه ذلك الثري فأعجبه، فأمر أن يوضع في كفة وأن يصب الذهب في كفة وأن يُبعث بذلك إلى الإمام. ما وثق أحدٌ بالله فخيبه الله، ولا أيقن عبد بالله ﷻ إلا كان الله له، فكم من أمور نزلت بالإنسان وخطوب أحاطت به ولم يجد غير الله مجيباً ولا مفرجاً. فاليقين بالله هو حلاوة الإيمان، وألذُّ ما تكون الساعة إذا عُمرت القلوب باليقين بالله لذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يعمرون القلوب باليقين. وقد قرر العلماء ﵏: أن الله يبتلي الإنسان باليقين في موضعين: أحدهما: وجود الحاجة، وثانيهما: وجود الغنى، ولذلك قال بعض العلماء: إذا أردت اليقين فكن أفقر الخلق إلى الله، مع أن الله أغنى ما يكون عنك. فاجعل فقرك إلى الله، فإنه يسد فقرك ويسد حاجتك وعوزك، ولذلك ما عُمر قلب إنسان في أية مصيبة أو أية نازلة بالله إلا كفاه الله، ترى المؤمن يفقد سمعه ويفقد بصره، ويفقد قدمه، ويفقد ماله، وتقول له: كيف أنت؟ يقول: الحمد لله في نعمة من الله، من اليقين الذي عُمر في تلك القلوب فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعمر قلوبنا وقلوبكم باليقين به، وأن يجعلنا وإياكم من أهل اليقين.

стр. 444

التوبة واليقين أحبتي في الله! أول موقف من مواقف اليقين: موقف التوبة الصادقة، ولذلك ما من إنسان كثرت ذنوبه وأراد أن ينيب إلى الله إلا امتحنه الله باليقين، وكلما عظمت ذنوب الإنسان ينبغي أن يقف بيقين أعظم منها بالله الرحمن. ولذلك ذكروا عن رجل أنه كان كثير الذنوب، كثير الخطايا والعيوب، فجاءه رجل يذكره بالله، وكان هذا الرجل كثير النصح له، فلما أكثر عليه نصحه ذات يوم قال له: إن الله لا يغفر لك، فاستفاق من غفلته وانتبه من منامه، وقال له وهو على يقين بالله: سأريك كيف يغفر الله لي ذنبي، فخرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة تائباً إلى الله فطاف بالبيت فخرَّ ميتاً بين الركن والمقام. فما أيقن الإنسان بالله وخيبه الله سبحانه، ولو أنه جاء إلى الله بذنوبٍ بلغت عنان السماء وقلبه عامر باليقين بالله ما خيبه الله، قتل رجل مائة نفس، آخرها عابد من العبّاد، فلما قتله جاء إلى رجل من أعلم أهل الأرض في زمانه، وقال له: هل لي من توبة، فإني قتلت مائة نفس؟ فقال له ذلك العالم: وما الذي يمنعك من التوبة ثم أمره أن يخرج إلى قوم صالحين، وأن يهاجر إلى الله رب العالمين، فخرج من قرية السوء إلى تلك القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائباً إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه قد قتل مائة نفس فأرسل الله إليهم ملكاً فأمرهم أن قيسوا ما بين القريتين -عزت عند الله خطواته إليه في آخر حياته، تائباً إلى الله ، ونظر الله إلى قلبه وهو معمور باليقين- فأوحى الله إلى قرية الصالحين أن تقاربي، وإلى قرية السوء أن تباعدي. وإن دلّ هذا فإنما يدل على أنه ما أيقن أحد بالله فخيبه الله. فخير ما يوصى به الإنسان من منازل اليقين أن يقوي يقينه بالتوبة إلى الله، وما أكثر عبدٌ التوبة والإنابة إلى الله إلا تحاتت ذنوبه فازداد إيمانه وقوي يقينه.

стр. 445

اليقين عند المصيبة الحالة الثانية التي يظهر فيها يقين الإنسان: إذا نزلت به المصيبة، ولذلك يصاب المؤمن في نفسه، ويصاب في أهله، ويصاب في ولده، وتأتيك تلك الساعة، يأتيك ذاك الخبر المزعج المؤلم على قلبك وفؤادك، فتُخبر بابن فقدته، أو ابنة أو أب أو أم أو صديق عزيز عليك وفيٌّ لديك، فتقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقلبك كله يقين أن الخلف والعوض من الله رب العالمين، فسرعان ما يكون من الله لطفه، وسرعان ما يكون من الله عطفه. فما ألذ اليقين، إذا نزلت المصائب بعباد الله المؤمنين، والله! ما أُصيب إنسان في نفسه أو في أهله وولده أو في ماله أو في أي شيءٍ عزيز عليه واعتقد في قلبه أن الله يعوضه إلا عوضه الله ، فيجب ألا يكون في قلب الإنسان مثقال ذرة من سوء الظن بالله، ولذلك الشيطان أحرص ما يكون في مثل هذه المواقف، وتجد المؤمن إذا أصابته المصيبة يأتيه الشيطان من كل حدب وصوب لكي يخيب ظنه بالله، يقول له: لو كنت مؤمناً ما ابتلاك الله بفقد ولدك، ولو كنت مؤمناً ما ابتلاك الله بفقد ابنتك، ولو كنت مؤمناً! ما ابتلاك الله بفقد مالك، ولو كنت ولو كنت ولكن ما أحسن عبد ظنه بالله فخيبه الله أبداً، إياك أن يدخل إلى قلبك مثقال ذرة من سوء الظن بالله ، فلعلك عندما تفقد المال تخرج منك كلمة تثني بها على الله فيحبك الله حباً لا يسخط عليك بعده، وقد يرفعك الله بهذه الكلمة إلى درجة لا تبلغها بكثير صلاة ولا صيام. ذكر رجل أنه في ذات يوم من الأيام دخل على أبيه وهو في هم وغم، فلما نظر إليه سأله، فإذا به قد أصابه دين، يقول هذا الرجل -وكان من عباد الله الصالحين، ومن الشباب الأخيار-: فكان دين والدي بمقدار عشرة آلاف أو خمسة عشر ألفاً، وكان مالي عشرون ألف تعبت عليها حياتي وأنا أجمع هذا المال؛ لكي أبني مستقبلي، فلما نظرت إلى ما أصاب أبي ذكرت وصية الله بالوالدين، وذكرت وصية الله بالإحسان إليهما، فقلت في نفسي: لو أنني أعطيته هذا المال الذي أملكه، فجاءني الشيطان وقال لي: تعبك ومالك ومستقبلك يضيع في هذه اللحظة، يقول: فأصبحت في صراع هل أعطيه أو لا أعطيه! فقررت أن أعطيه، قال: فذهبت فأخذت المال وكلي يقين بأن الله سيعوضني عني، فوضعت الخمسة عشر ألفاً بين يديه، وأنا على يقين بأن الله لا يخيبني، يقول: فلما وضعتها بين يديه فاضت عيناه بالدمع وقال: أسأل الله العظيم أن يفتح لك أبواب فضله، يقول: فقمت من عنده، وما مضت إلا أيام قليلة فدُعيت إلى مناسبة فيها رجل من الأثرياء، وكان يبحث عن رجل يقوم على أمواله، فقال الرجل الذي استضافه: لن تجد أصلح من هذا الرجل الذي أمامك، يقول: فأخذني وكيلاً على ماله، وكانت أول صفقة لي من ذلك المال في أول بيعة مائتا ألف ريال، فرحمة الله ولم يخيبه سبحانه. ولربما أن الإنسان قد يصاب بفقد البصر، فيسترجع ويحمد الله ، فيعوضه الله إيماناً في قلبه، ويقيناً بربه، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله ﵌ واشتكت إليه ما تجده من فقد عقلها والمس الذي أصيبت به في نفسها، فقال لها النبي ﵌: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك، قالت: أصبر ولي الجنة) فكانت امرأة مبشرة بالجنة وهي تمشي على وجه الأرض، وكان ابن عباس ﵄ يقول لأصحابه: (هل أريكم امرأة من أهل الجنة؟ انظروا إلى هذه المرأة السوداء) ﵂ وأرضاها. ما أيقن أحد بالله فخيبه الله ، فاليقين بالله هو حلاوة الإيمان.

стр. 446

دلائل اليقين

стр. 447

جعل الإنسان الآخرة نصب عينيه الدليل الثاني على دلائل اليقين: فهو أن يجعل الإنسان الآخرة نصب عينيه. فكما أن اليقين يكون بالفرج، يكون كذلك بيقين الإنسان أنه إلى الله صائر، وأنه منقلب بين الجنادل في الحفائر، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحركون القلوب باليقين بالآخرة، ولقد ذكر الله في كتابه أن من أيقن بالآخرة صحت عبادته وكملت زهادته، فقال جل ذكره: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦].

стр. 448

عدم صرف الحب والخوف لغير الله إن اليقين بالله له دلائل، وهذه الدلائل تجدها في نفسك، وتجدها في قلبك، ومن أعظمها: أنك لا تمسي ولا وتصبح وفي قلبك أحد أحب إليك من الله، فإذا أمسيت وأصبحت وأخوف ما يكون في قلبك هو الله، وأحب ما يكون في قلبك هو الله فاعلم أن الله قد أعطاك اليقين، فلا تمسي ولا تصبح وفي قلبك حب لغير الله أكثر من حبك لله، وتمسي وتصبح وليس في قلبك خوف من أحد إلا الله جل وعلا. لذلك ما انصرفت شعبة من شعب المحبة والخوف إلى أحد غير الله إلا نقص يقين الإنسان، ولذلك قد يصيبك الله ببلية لا قدَّر الله، فتصاب في نفسك، فتضيق عليك الأرض بما رحبت، حتى إذا بلغ بك الأمر غايته فاعلم أن اليقين عند الضيق، ولذلك كان يقول بعض العلماء: (كلما اشتد البلاء كان اليقين أكمل في الإنسان، وكان الفرج قريباً). قد ذكر الله في ذلك قصتين، القصة الأولى: الثلاثة الذين خلفوا، فقال : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١١٨] وهذا من بلاغة القرآن: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨]؛ لأن الإنسان قد تكون نفسه ضيقة ولكن الأرض واسعة عليه، وقد تكون الأرض ضيقة عليه ولكن نفسه واسعة، فقد تجد أعداءه كثيرين، أو تجد البلايا تحيط به في أمواله وأهله وأولاده، ولكن نفسه منشرحة وقلبه متسع ويقينه بالله عظيم، فهذا ضيق الخارج، ولكنه منشرح الداخل، وقد يكون ضيقاً في داخله موسّعاً في خارجه، فتجده من أغنى الناس ولكن في داخل قلبه من الأمراض النفسية والضيق والكبت والهم ما لا يعلمه إلا الله ، نسأل الله السلامة والعافية، إذاً الضيق إما من الخارج وإما من الداخل، فالله أشار إلى هؤلاء الثلاثة جاءهم الضيق من الناحيتين: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] لكن: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فجاءهم الفرج. فكلما اشتدت عليك المصائب وأحاطت بك الديون والغموم والهموم فاعلم أن الله قريب منك، ولذلك انظر إلى الكفار عبدة الأصنام يعبدون غير الله ويستغيثون ويستجيرون بغيره، فإذا أصابهم الضر قالوا: لا إله إلا الله، فكشف عنهم وفرَّج الله كربهم. فكلما قوي يقين الإنسان واشتدت عليه المصائب والمصاعب والمتاعب فليعلم أن الفرج قريب فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعمر قلوبنا وقلوبكم باليقين به، وأن يجعلنا وإياكم من أهل اليقين الذين أوجب لهم درجات النعيم.

стр. 449

التعلق بغير الله ينافي اليقين أيها الأحبة في الله! الكلمة الأخيرة عن اليقين كلمة تقطع قلوب المؤمنين، كلمة تدل على بعدنا عن الله وطول غربتنا عن داعي الله وجهلنا بعظمة الله ، فكم من أناس بيننا إذا نزلت بهم الشدائد وأحاطت بهم الهموم والغموم تعلقوا بغير الله والعياذ بالله! وكم من أناس بيننا يقولون: لا إله إلا الله؛ ولكن يعظمون الأسباب ويحبونها أشد من حبهم لله، فكم من مريض أصابه المرض ظن أن طبيبه يداويه وأنه يعافيه ويشفيه، فنقص الإيمان من قلبه على قدر ما فات من يقينه، وكم من مديونٍ ظن أن عبداً يفك دينه ويقضي حاجته فخيب الله ظنه وقطع رجاءه، فأصبح فقيراً صفر اليدين من اليقين به ﷻ . لذلك لا يليق بالإنسان أن يعلق رجاءه بغير الله، والله ﵎ إذا امتحن الإنسان باليقين فتعلق بغير الله، فإن الله ﵎ يمكر به، ومن مواطن المكر بالإنسان أن يصرف قلبه لغير الله ، ولذلك تجد بعض من يستعين بالسحرة وبالمشعوذين -والعياذ بالله- يمهلهم الله ﷻ ، ويستدرجهم بتفريج الخطوب والكروب حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، والله ثم إنه -والله- إذا أراد الله بك الضر فلن ينجيك منه أحدٌ سواه، ولذلك استحب النبي ﵌ لكل مؤمن إذا وضع خده ليسلم نفسه للموتة الصغرى أن يقول الدعاء المأثور: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك). فلا يظن الإنسان أن أحداً ينجيه من الله ، ولذلك أول ما يفكر فيه الإنسان إذا نزلت به المصيبة أو حلّت به بلية أن يتجه إلى الله وحده لا شريك له. وقف إبراهيم ﵊ مع تلك المرأة الضعيفة، مع صبي ضعيف في وادٍ، -أمره الله بالهجرة إليه- غير ذي زرع، لا أنيس به ولا جليس، فكان صلوات الله وسلامه عليه مستجيباً لأمر ربه مسلَّماً لخالقه كما وصفه الله في كتابه، فجاءته تلك المرأة الضعيفة وتعلّقت به بعد أن حطَّ رحالها وتركها وصبيها، فقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟ فأعرض عنها ﵊ كأنه يقول لها: أنت تعلمين لمن أدعك فمضى إلى الوادي، فجرت وراءه وقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟ فنظر إليها ثم أعرض عنها، ثم في المرة الثالثة، تعلقت به وقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟ فقال: لله، قالت: إذاً لا يخيبنا الله، فوقع ما وقع لها ولصبيها فاستغاثت بالله واستجارت في شربة ماء لها ولطفلها، ففجّر الله الماء من تحت قدم صبيها. فمن أيقن بالله في أي شدة أو أي خطب فإن الله لا يضيعه. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا وإياكم حلاوة اليقين، وأن يرزقنا وإياكم كمال الإيمان بالله رب العالمين. اللهم إنا نسألك يقيناً لا يخالطه شك، ونسألك إيماناً لا يخالطه شرك، ونسألك الصدق في حبك والشوق إلى لقائك، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 450

الأسئلة

стр. 451

عصاة الموحدين السؤال عندما أقوم بدعوة بعض الشباب إلى الله والعودة إلى الله، يقول محتجاً بالقدر: أنا من عصاة الموحدين، فماذا نرد على هؤلاء، جزاكم الله خيراً؟ الجواب أقول كلمة واحدة: هل تضمن أن تموت على التوحيد؟ إذا كان حرم الله العبد التوفيق باستجابة داعيه على معصية من المعاصي، فلا يُؤمن -والعياذ بالله- أن يأتي يوم من الأيام وقد سلب الإيمان من قلبه؛ لأن الشيطان يستدرجه، فمعصية تلو معصية حتى يسلب -والعياذ بالله الإيمان- فلا يأمن مكر الله، ولذلك ينبغي للإنسان ألا يقول هذه الكلمة، ولكن يقول: أنا المسيء وأنا المذنب، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، فلا ينبغي للإنسان أن يحتج بالقدر، ولا يحتج بعصاة الموحدين. وأما عصاة الموحدين، فقد أخبر النبي ﵌ أن منهم من يتغمده الله برحمته ويدخله الجنة دون سبق عذاب ولا حساب، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: (يوقفه فيقر بذنوبه، فيقول: يا عبدي! سترتها عليك في الدنيا وهأنا أسترها عليك اليوم). نسأل الله أن يسترنا وإياكم بستره. وأما القسم الثاني منهم: فيشاء الله بعدله أن يدخلهم النار، واللحظة الواحدة من النار تطيش معها العقول، فإن (أهون أهل النار عذاباً، من وضع في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، يظن أنه أشد الناس عذاباً في النار) فالشاهد: أنهم يتقلبون في عذاب النار على قدر ما عصوا الله ، وقد تكون زنية واحدة تردي الإنسان في عذاب الله بما ينسى معه نعيم الدنيا وما كان فيها من سرور، ولكن نسأل الله أن يلطف بنا وبكم وأن يعصمنا وإياكم بعصمته. وأما الأمر الذي ينبغي أن ننبه عليه: أنه لا ينبغي لأحد أن يحتج بالقدر ولا بالشفاعة، فيقول: أنا من عصاة الموحدين، فإن ذلك لا يأمن على صاحبه أن يستدرجه الله فيختم له بخاتمة السوء والعياذ بالله! والله تعالى أعلم.

стр. 452

بين الجد والمزاح السؤال لي صديق كثير المزح كثير الضحك قليل النصيحة لي، وإذا ذكرته بالله جل وعلا فهو يكثر من المزح ولا يتقبل مني ذلك، فكيف السبيل إلى الخلاص من هذا الداء العضال؟ الجواب أما المزاح فهو يكون بقدر، والله جعل شريعتنا شريعة رحمة، لا شريعة عنت ولا حرج، فإذا أراد الإنسان أن يمزح فليمزح بقدر، ولذلك شبه العلماء المزح بالملح الذي تضعه في الطعام، فإذا كثر الملح فسد الطعام، وإذا كان طعاماً بدون ملح لم يكن للطعام طعم، الحياة هكذا، لابد من وجود المزح لكن بقدر، وقد صوّر الشاعر ذلك بقوله: أفد طبعك المكدود بالجد راحةً ويَجِمَّ وعلله بشيءٍ من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح فينبغي علينا أن نعلم أن المزح ينبغي أن يكون بقدر، وكان بعض العلماء يقولون: إن من دلائل صلاح الإنسان وخيريته وجود الطرفة فيه؛ لأن أهل الصلاح فيهم تواضع، والمزح يدل على نوع من التواضع، إذا كان بقدر، ولذلك قال عمر ﵁: (والله! لئن وليتموها علياً ليحملنَّكم على السنة، وفيه دعابة). وهذه الدعابة موجودة في الأخيار، ومن قرأ تراجم العلماء وسير الصلحاء وجد هذا موجوداً فيهم؛ ولكنهم كانوا إذا جاءت الطرفة فتحوا لها قلوبهم ولكن بقدر، وإذا جاءت الشدة وجاءت المحنة وجاء الجد شمَّروا عن ساعد الجد. فاقبل من أخيك أن يمزح، ولكن إذا جاء وقد الجد ووقت ذكر الله فلا تقبل أن يسخر ويمزح، ولذلك كان الإمام محمد بن سيرين يمازح أصحابه؛ وكان إماماً من أئمة التابعين، كان يقال عنه سيد من سادات التابعين، وأوصى أنس بن مالك ﵁ الصحابي الجليل أن يغسله محمد بن سيرين، هذا الإمام الجليل، يقول أحد جيرانه: كان إذا جن عليه الليل سُمع بكاؤه من القرآن من بيته، وإذا أصبحنا سمعنا الضحك من الغرف. فكان يمزح مع أصحابه حتى يسمع ضحكه، رحمة الله عليه. لأن أهل الصلاح دائماً قلوبهم سليمة، لكن من كان عنده الكبر والغرور فلا يمزح، وتجد الذي عنده نوع من الترفع على الناس ما عنده طرفة، وقلَّ أن تراه يبتسم، ولذلك ينبغي للإنسان أن يكون وسطاً، فلا إفراط ولا تفريط. وأما ما ذكرته من كونه يمزح أثناء الجد، فهذا يدل على موت قلبه والعياذ بالله! فإذا وجدت الرجل تذكره بالله فيتبسم ويضحك ولا يقيم لآيات الله وزناً، فمثل هذا حري به أن يبكي على قلبه -نسأل الله أن يعافينا وإياكم من موت القلوب- فقد كان السلف الصالح ﵏ من حياة قلوبهم إذا قيل للواحد منهم: اتق الله! يبكي، فكيف بهذا يضحك أو يمزح؟!! ولذلك إياك أن تجلس مجلس موعظة وتسمع الموعظة وتحدثك نفسك بأي طرفة؛ لأن ذلك فيه استخفاف بما عظَّم الله، ولذلك كانوا يقولون: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أجبن عند اللقاء، ولا أكثر عند الطمع، فأنزل الله فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) وفي قراءة واحدة وهي قراءة حفص: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٦]، ولكن في بقية القراءات: (إِن يُعْفَ) حتى العفو يعني جعله بمثابة الاستبعاد لهم (إِن يُعْفَ عن طائفة منكم نعذب طائفة) ولذلك قال الناظم: لـ عاصم قراءة لغيرها مخالفة إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة فالمقصود: أنه لا ينبغي للإنسان إذا حضر وقت الجد والتذكير بالله أن يمزح، وكان النبي ﵌ يجلس مع أصحابه بعد صلاة الفجر فيتحدثون بشئون الجاهلية فيتبسم صلوات الله وسلامه عليه، وجلس ذات يوم فذكر الجنة، وقصَّ عليهم النبي ﵌ كما في صحيح البخاري: (أن رجلاً يشتاق إلى الزرع في الجنة فيقول: أريد أن أزرع، وإذا به في لحظة واحدة قد جمع له الحب، وفي لحظة واحدة قد اخضر، وفي لحظة واحدة قد جنى ثمره، فإذا به قائم بين يديه -هذا غرس الجنة- فلما أبى؛ لأنه يحب الزرع فقال رجل من قريش: أما هذا فلن يكون إلا أنصارياً -لأن قريشاً ليس عندهم زراعة- فضحك صلوات الله وسلامه عليه) قال: هذا الذي يحب الزرع في الجنة لن يكون إلا واحداً من الأنصار، ﵃ وأرضاهم. المقصود: أنه ينبغي للإنسان أن يعلل نفسه بالطرفة، والقلوب لها إقبال وإدبار، وإذا استدامت الموعظة فقد تمل، ولذلك قال بعض الصحابة: (كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة؛ مخافة السآمة والملل). والله تعالى أعلم.

стр. 453

ثمرات الحب في الله السؤال ما هي الثمرات التي يجنيها العبد عندما يحب أخاه في الله ؟ الجواب أما الثمرات فاعلم حفظك الله أنك إذا وجدت قلبك يتجه إلى الصالحين ويرتاح للصالحين فأول ثمرة: أن هذا دليل على الإيمان؛ لأنه لا يحب المؤمن إلا مؤمنٌ، ولا يحب الصالحين إلا صالح، ولا يطمع في مجالس الصالحين إلا موفق، فاحمد نعمة الله على ذلك، هذا أول دليل على الإيمان، ولذلك كان من كمال الإيمان، الحب في الله والبغض في الله وذاق حلاوة الإيمان من أحب في الله ووالى في الله وعادى في الله. أما الأمر الثاني: إذا أحببت في الله فمن ثمرات المحبة أن تجني من أخيك صلاحه، فإن كان أفضل منك اقتديت به، وإن كان مثلك نافسته، وإن كان دونك دعوته، هذه من ثمرات الحب في الله تكون قريباً من إخوانك، ولذلك تجد الشباب الصالحين يحرصون على هذه الثلاث الأحوال: إن وجدوا من هو فوقهم تمثلوا به، وإن وجدوا من هو مثلهم نافسوه، وإن وجدوا من هو دونهم دعوه إلى الزيادة فتجدهم أقرب ما يكونون إلى طاعة الله ، وما فقدنا لذة الأخوة في الله إلا حينما أصبحت مجالسنا معطلة من ذكر الله، وأصبحنا نحب في الله ولا يتشبه بعضنا ببعض في الصلاح وفي العفة وفي الخير وفي الاستقامة، إذا قلت لأحد: إني أحبك في الله وكان أفضل منك حاول أن تكون مثله، وأن تتأسى به، سواءً في كلامه أو في أفعاله، أو غير ذلك من الخصال التي وفقه الله إليها من الصلاح. الأمر الثاني: ما تجنيه في آخرتك: فإن الله ﵎ أخبرنا على لسان رسوله ﵌ أن هذه المحبة من أعمال القلوب، وأنها بينك وبين الله فإذا قدمت عليه يوم القيامة، أظلك بها يوم لا ظل إلا ظله ولذلك فاعلم أن أمور الدنيا الخفية التي لا يعلمها إلا الله يأبى الله يوم القيامة إلا أن يظهرها أمام العيان: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠]، فانكشف ما في قلبك أنك تحب أخاك في الله فأبى الله إلا أن يظهرك أمام الناس؛ لكي تظل في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ولذلك أوصي إخواني بالحب في الله، وهذه المحبة ينبغي علينا أن نؤدي حقوقها، فلا تغتب أحداً، ومن الغيبة التي بلينا بها الآن قول البعض: شباب الصحوة فيهم شباب الصحوة يفعلون شباب الصحوة يقولون شباب الصحوة كذا وكذا، يا أخي هؤلاء إخوانك في الله! هؤلاء أقوام يحبون الله ورسوله! واحمد الله أن الله متعك بزمان ترى فيه الصلاح في الشباب، فينبغي علينا أن نحفظ حقوق الأخوة في الله، وأننا مهما سمعنا من بعضنا من الأخطاء والنقائص ينبغي أن يكمِّل بعضنا نقص بعض، وأن يشد بعضنا من أزر بعض، وأن يكون فينا الحب الذي يرضي الله ورسوله، وأن نكون إخوة في الله كما أمر الله، ولذلك تجد الأخوة في الله على مراتب من أعلاها: من كان يسد من أخيه الخلة، ويستر له العورة، ويحرص على جمع القلوب وائتلافها، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. ولذلك أوصي بتحقيق الأخوة التي ترضي الله، فإنها خالدة باقية إلى لقاء الله، كما أخبر الله بقوله: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، ولذلك أبى الله إلا أن يبقي أخوة الإسلام حتى بعد الوفاة، (وإذا مات فاتبعه) فجعل من سنن المرسلين تشييع الموتى وتشييع الجنائز، يُوضع الإنسان جثة بين إخوانه كلهم يقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، كل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل الأخوة في الله، كلهم يشفعون ويدعون، حتى إذا قام الأربعون غفر الله ذنبه، كما ثبت في الحديث الصحيح، ولا يقف الأمر عند هذا، ويذهبون معه حتى يوضع في القبر، ويأبون أن ينصرفوا من القبر حتى يقول قائلهم: اللهم ثبته عند السؤال؛ لأن أشد ما يكون في القبر عند أول لحظة وهي لحظة السؤال، فكان هذا من هدي النبي ﵌ وكان يقول ﵌: (استغفروا لأخيكم)، لأخيكم!! انظروا كيف! (واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)، كأنك أنت الذي تعيش هذه الحالة وتعاني هذا الكرب، وجعل الله لك فيها من الأجور قيراطين وغير ذلك من الفضل، فنسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم حب المؤمنين. وأختم هذه الكلمة بمناسبة المحبة في الله بواجب الائتلاف على طاعة الله ، وأنه ينبغي على كل واحد منا إذا قام من هذا المجلس حق عليه أن يحب إخوانه في الله، وأن نذكر هذه العروة التي جمعت بيننا، وأن لا تفرق بيننا الأقاويل ولا التراهات ولا الشائعات، وينبغي أن تُقبل قلوبنا على محبة فاطر الأرض والسماوات. والله إنه لمن نعم الله أن تحدث الفتن بين بعض الأخيار؛ ولكي يظهر الله المعادن البريئة، لكي يظهر الله بعض القلوب البريئة التي تحب لإخوانها ما تحب لنفسها، وتتألم وتتأوه لأي شيء يحدث لهم. فنسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم صدق المحبة فيه، وأن يغرس في قلوبنا وقلوبكم حب المؤمنين والائتلاف على طاعة رب العالمين. والله تعالى أعلم.

стр. 454

علاج العجب والغرور السؤال ما هو السبيل إلى طرد خاطر العجب من القلب؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن العجب داء قاتل ما بُلي به إنسان إلا هان عند الله ، ولذلك ذكر الله في كتابه أنه أهلك من ظلم، وأخبر أن سبب هلاكهم هو الغرور، فلذلك ينبغي للإنسان ألا يغتر، فإذا أنعم الله عليك بالمال فاكسر نفسك للكبير المتعال، وإذا أنعم الله عليك بالصحة فتذكر منّة الله عليك بها، وأثن على الله بما هو أهله، ولذلك كان أنبياء الله ورسله أعرف الناس بالله، وكان الواحد منهم إذا أعطاه الله نعمة خاف ألا يقوم بشكرها، فإذا كان عندك ذكاء أو فهم أو مال أو غنى أو جاه أو غير ذلك فلا تغتر، فكم من إنسان اغتر بماله فأتلفه الله بذلك المال، وكم من إنسان اغتر بصحته فمكر الله به وجعل عاقبته من صحته التي اغتر بها وبالاً عظيماً، ألا ترى الرجل الشجاع يغتر بشجاعته حتى يسلط الله عليه من هو أقوى منه فيعاديه ويظن أن شجاعته تنقذه فتهلكه تلك الشجاعة، إياك أن تغتر، ولذلك كان النبي ﵌ أكمل الأمة إيماناً يظهر لله الفاقة والحاجة، وكان يقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، فلا تغتر بذكاء ولا بفهم ولا بحول ولا بقوة. ولذلك ذكروا عن الإمام الماوردي ﵀ -وهو إمام من أئمة العلم- له كتاب ثلاثون مجلداً في خلاف العلماء في الفقه دخل يوماً من الأيام المسجد وحدثته نفسه فقال: هل هنا مسألة في الفقه لا أعرفها؟ فاغتر بنفسه، فدخل إلى الدرس، فلما جلس بين طلابه، أرسل الله إليه امرأة معها صبية قد قاربت البلوغ فجاءت ووقفت على ذلك العالم الجليل فقالت له: يا شيخ! هنا مسألة في الحيض، فسألته عن مسألة من حيض هذه الصبية يقول: وإذا بي لا أحسن من الفقه شيئاً، فخذله الله، وحرمه فضله؛ لأنه اعتقد أن الفضل له، وظن أن ذكاءه وفهمه هو الذي ينجيه أو يعوِّل عليه، فأرسل الله إليه هذه المسألة البسيطة من مسائل الطهارة، يقول: فلم أدر لها جواباً، فأصبح الطلاب لما رأوا الشيخ أصابه الدهش لم يستطع أن يجيب، مندهشين وما استطاع أحدهم أن يقول: يا أمة الله! جواب المسألة كذا وكذا، فلما يئست المرأة من الجواب انصرفت، فلقت طالباً من طلابه المبتدئين، كان في بداية دخوله للمسجد، قالت له: أصلحك الله صبية أصابها من الحيض كذا وكذا، فما الحكم؟ قال: الحكم كذا وكذا، قالت له: أنت خير من هذا الذي جلس. فالإنسان إذا اتكل على حوله وقوته وذكائه خذله الله وأذكر عن بعض الصالحين أنه قال: دخلت إلى اختبار إحدى المواد وكنت أظن أنه لا أفهم مني، وليس هناك مسألة في هذه المادة إلا وسأجيب عليها، يقول: فلما وضعت الورقة بين يدي وإذا بي لا أحسن من المادة حرفاً واحداً، يقول: فأصابني من الرعب ما الله به عليم، يقول: والله! إني في شدة البرد أتفصد عرقاً مما أصابني، يقول: فلما وجدت ما وجدت علمت أنني أُتيت من قبل نفسي، فاستغفرت الله وتبت إليه، وفي لحظة واحدة كأن لم يكن بي بأس، فشرح الله صدري وأجبت في خلال نصف ساعة عن الأجوبة كلها. فالإنسان إذا اغتر بنفسه فليعلم أن الله سيمتحنه، ولذلك انظر! ما من غني يغتر بماله إلا سلّط الله عليه مصيبة في المال وما من عالم يغتر بذكائه إلا سلّط الله عليه حرمان التوفيق في علمه، وما من مهتدٍ يغتر بهدايته إلا سلب الخشوع وسلب الإنابة إلى الله، فالمهم أنه لابد أن يبتلى؛ لأنه يظن أن الفضل له. ولذلك كان السلف ﵏ يخافون من الغرور، وكان أبو هريرة ﵁ يدخل ويحمل الحطب على ظهره أمام الناس في سوق الكوفة وهو أمير الكوفة ﵁ وأرضاه؛ لكي يكسر نفسه، ولما أصاب الغرور عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- حمل الحطب على ظهره؛ لكي يهين نفسه. فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بحوله وقوته، ولكن ينبغي عليه أن يتعلق بحول الله وقوته، ولذلك من الدعاء المأثور ومن ذكر الله الذي هو كنز من كنوز الجنة: (لا حول ولا قوة إلا بالله). والوقفة الأخيرة مع الغرور، بأي شيء تغتر والأمور بعواقبها؟! هل أحد كشف لك عن الغيب فتعلم أن هذا الصلاح عاقبته حسن الخاتمة؟!! بل تأمل ذلك الذي كفر نعمة الله واغتر بعلمه، فسلبه الله نعمه فانسلخ من آياته وكان من الغاوين والعياذ بالله! وكذلك أمية بن أبي الصلت لما كان آية في الفهم والعلم والذكاء، وجاء إلى النبي ﵌ لكنه حسده واغتر بنفسه فكان من الهالكين والعياذ بالله! ما الذي يدعو الإنسان إلى الغرور وهو لا يضمن العاقبة؟! الأمر الثاني: إذا قمت في الصلاة وأعجبك القيام أو أعجبك من نفسك الصيام، فتذكر أن العبرة بالقبول، فهل تعلم أن الله قبل طاعتك؟!! وهل تعلم أن الله قبل عبادتك؟!! فهذا أمر من الأهمية بمكان: علاج الغرور أن تنظر إلى العاقبة. أيضاً مما يكسر الغرور في النفس: إذا أعطاك الله نعمة المال أوصيك أن تزور الفقراء. وإذا أعطاك الله نعمة الصحة أوصيك أن تزور المرضى، تزور المستشفيات ولو يوماً واحداً، حتى ترى المريض الذي يتأوه من قدمه فتقول: الحمد لله الذي عافاني في قدمي، والذي يتأوه من سمعه وبصره فتعلم أن الصحة لا تغني عنك من الله شيئاً، وتجد الرجل من أشد ما يكون عافية وقوة وفي طرفة عين يبتليه الله بالبلاء فيصير من أضعف عباد الله ، وتجده ذليلاً حتى في كلامه إذا تكلم. فلذلك ينبغي للإنسان أن يسلم الأمر لله، وأن يعتقد صدق الاعتقاد أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. والله تعالى أعلم.

стр. 455

معنى حديث: (أنا عند ظن عبدي بي) السؤال يذنب البعض ذنوباً كثيرة فإذا نُصح استشهد بقول النبي ﵌ في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي) فكيف يكون الرد على هؤلاء، جزاكم الله خيراً؟ الجواب لو أحسن الظن بالله ما عصى الله ، وقوله ﵊: يقول الله تعالى: (أنا عند حسن ظن عبدي بي)، هذا في سكرات الموت، فمن حضرته سكرات الموت وتخبطته الشياطين عند الموت فأحسن ظنه بالله كان له من الله فوق ما يرجو ويأمل. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل من عباد الله الصالحين، ذكره وسمَّاه وقد نسيت اسمه الآن، يقول: كان رجلاً كثير الخوف من الله ، حتى يقولون: إنه لما مرض مرض الموت أُخذ -أكرمكم الله- بوله إلى الأطباء، وكان الأطباء يعرفون بعض الأمراض بألوان البول، فلما رآه الطبيب قال: هذا المريض قطّع الخوف كبده، أو مزق الخوف كبده، وهذا من كثرة خوفه من الله ، فتوفي هذا الرجل الصالح، يقول فرؤي بعد الممات، كما حكى شيخ الإسلام ذلك، رؤي بعد مماته، فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، فقال: ما هذا يا عبدي ألم يبلغك أني أنا الغفور الرحيم؟!! أي: لماذا تخافني هذا الخوف وقد بلغك أني أنا الغفور الرحيم؟ وذكر أيضاً بعض العلماء: عن رجل من أهل العلم أنه توفي، وكان هذا العالم يتساهل في بعض الأمور، وكانت عنده زلات بينه وبين الله ، يقول: فكان يحسن الظن بالله ، فلما حضره الموت، يقول: أحسن الظن بالله ﵎ وكان عند موته يكثر من الاستغفار والتوبة ويسترحم ويستعطف الله عليه، فشاء الله أن يُتوفى، فرؤي بعد مماته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا عبدي ألم تفعل كذا وكذا؟ قال: يا رب! ما هكذا بلغنا عنك، -هو عالم من أهل العلم- قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني عنك أن رحمتك تسبق عذابك، قال: قد غفرت لك ذنبك. فحسن الظن بالله من الأمور المطلوبة، لكن ينبغي أن يقرن حسن الظن بالخوف، والله جعل أهل النجاة على جناحين، إذا كُسر أحدهما فإن الإنسان على عطب وهلاك، الخوف والرجاء، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وما ذكر الله الجنة إلا أتبعها بالنار، وما ذكر النار إلا أتبعها بالجنة، حتى نكون على جناحي السلامة، ولذلك الخوف والرجاء كحافتي الطريق، إن بالغ في الخوف رده إلى الرجاء، وإن بالغ في الرجاء رده إلى الخوف، فمن غلب رجاؤه فإنه على هلاك، كمن يفعل المعاصي ويقول: إن الله غفور رحيم، فهذا يُخشى عليه أن يمكر الله به، وأن يستدرجه من حيث لا يحتسب، ولكن يقول: إن الله غفور رحيم، اللهم إني ظلمت نفسي، ويبكي ويندم ويظهر لله الخوف، فإن هذا من كمال الأدب مع الله، وأيضاً إذا قوي خوفه يقرن بذلك حسن الظن بالله تعالى. والله تعالى أعلم.

стр. 456

خطورة الذهاب إلى السحرة السؤال ما هي نصيحتك لمن يذهب إلى السحرة والمشعوذين والعياذ بالله؟ الجواب أعوذ بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا صرف الله قلب الإنسان في أي مصيبة، إلى أحد سواه فليعلم أن الله قد خذله، فإذا أصبت بمصيبة ووجدت شعبة من شعب قلبك تنصرف إلى أي شيء من دون الله فاعلم أن الإيمان ناقص، ولذلك إذا نزلت بك مصيبة -ولو كان عندك قدرة على دفعها- فليكن عندك يقين أنه لا حول لك ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإياك أن تعتمد على مالك أو على قوتك أو على قدرتك، ولكن اعتمد على الله وحده لا شريك له، فكيف بالسحرة والمشعوذين؟!! والله! لن يغنوا عنك من الله مثقال ذرة من خردل، فالله هو الذي يشفيك، وهو الذي يعافيك، وهو الذي يهمُّك وهو الذي يزيل همّك، وهو الذي يغمُّك وهو الذي يزيل غمك، فاعتقد ذلك في الله وحده لا شريك له. أما السحرة فإنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله، وكم من ساحر خيب الله ظنه، وقطع سحره، وجعله وبالاً عليه، فكن قوي اليقين بالله ، سبحان الله! يذهبون إلى السحرة والمشعوذين ويخسرون الأموال والأوقات ويعلقون القلوب بمن لا يسمن ولا يغني من جوع، وكل الأمر يقف عند لحظة واحدة يدعو فيها ربه ويستغيث بالله ﷻ فيفرج عنه، ثم يتركون الله الذي بيده النفع والضر ويستغيثون بمن عداه! نسأل الله السلامة والعافية، فنعوذ بالله العظيم رب العرش الكريم من هذا البلاء. والله! ما حضر الموت إنساناً يعتقد أن الساحر ينجيه من عذاب الله أو ينجيه من همه وغمه من دون الله إلا كان مشركاً والعياذ بالله! خرج من الدنيا والجنة عليه حرام، فمن نواقض لا إله إلا الله أن تعتقد النفع والضر فيمن عدا الله، ولو كان الإنسان من أصلح عباد الله فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، فكن قوي اليقين بأنه لا ينجيك من الله إلا الله، فلا أحد يغني عن أحد من الله شيئاً. أذكر ذات مرة رجلاً نحسبه من الصالحين، كان عنده في مزرعته رجل ساحر، ولم يكن يعلم بأنه ساحر، فكان هذا الساحر يسهر الليل ويفعل بعض الأفعال المريبة، فانتبه له بعض العمّال الذين معه، فأخبروا صاحب المزرعة، فجاء إلى هذا الساحر واكتشف أمره، فقال له: لن تبق عندي لحظة واحدة، فقال له الساحر: سأضرك، قال: لو علمت أنك تضر وتنفع من دون الله ما أخرجتك من مزرعتي، وبيني وبينك الله الذي لا رب سواه، خرج هذا الساحر، يقول الأخ: الحقيقة أصابني بعض الخوف من هذا الساحر، يقول: وشاء الله أنني تلك الليلة جلست أتضرع إلى الله، يقول: وما جاءني النوم، وأنا أقوم وأصلي، والله إنها لعبرة، ففي فجر ذلك اليوم صلى الفجر وذهب إلى دراسته، يقول: فمررت بحي وإذا بالناس مجتمعة، في السكة والطريق، ما بكم؟ يقولون: حادث، يقول: ليس من عادتي أنزل وأرى الحوادث، وأنا ذاهب إلى الدراسة، يقول: فنزلت وإذا بصاحبي قد ضُرب على الأرض والدم يسيل من أذنه ومن أنفه ميتاً على الأرض، ما أحد يغني عن أحد من الله شيئاً، ولكن المشكلة أننا ما قدرنا الله حق قدره، ولا عظمنا الله حق تعظيمه، ولا التجأنا إلى الله حق اللجأ. فليكن الإنسان على يقين بأنه لا ينفعه ولا يضره أحد من دون الله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨]. فنسأل الله العظيم أن يصرف قلوبنا وقلوبكم إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 457

كيف تنال محبة الله السؤال ما هي السبل الموصلة إلى محبة الله جل وعلا؟ الجواب أعظم السبل وأجلها: كتاب الله . فمن أكثر تلاوة القرآن والتدبر في آياته فإنه سرعان ما يحب الله ، والله ما وجدت محبة الله في قلب الإنسان بشيء مثل التلذذ بكلام الله ، ولما كان الصحابة رضوان الله عليهم مع القرآن في الليل والنهار وجدوا حلاوته ووجدوا لذة المحبة لله . الأمر الثاني الذي يعين على حب الله: أن تحب الله من نعمه، وأن تنظر في صباحك ومسائك ما ترفل فيه من النعم. انظر إلى هذه النعم المغدقة عليك في الصباح والمساء، يقول الأطباء: إن قلب الإنسان فيه نسبة من مادة لو زادت (١%) أو نقصت (١%) لسقط ميتاً من ساعته، فما هذا اللطف وما هذه الرحمة وما هذا العطف من الله ، فانظر إلى نعمة الله عليك، تمر على العباد فترى فيهم المريض، ترى فيهم المبتلى، والفقير والضعيف، والله أغناك وكفاك وآتاك الصحة والعافية ومنَّاك، فكيف لا تحبه وأنت ترفل في نعمه؟!! سبحان الله! ولله المثل الأعلى، لو أن واحداً منا في يوم من الأيام احتاج إلى أمر بسيط من أمور الدنيا، فجاء رجل فقضى لك هذه الحاجة بعد أن ضاقت عليك الأرض، وأصبحت في شدة ماذا يكون؟ يأسرك بهذا المعروف، حتى إن بعضنا إذا جاء يجلس مع أولاده أول ما يتكلم يقول: فلان فعل معي كذا وكذا جزاه الله خيراً، إذا جلس مع جماعته: فلان فعل معي كذا وكذا جزاه الله خيراً، لكن هل جلست مع أولادك يوماً من الأيام تقول: كنت فقيراً فأغناني الله، وكنت ضعيفاً فقوَّاني الله، وكنت مريضاً فشفاني الله، هل أحد منا فعل هذا؟! فعليك أن تحب الله من هذه النعم التي ترفل فيها صباحاً ومساءً، فالبصر مثلاً، لو تعلم ما فيه من اللطف والرحمة من الله، إذ نوَّر لك هذا البصر لأحببت الله صدق المحبة. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن أحب الله صدق المحبة، وأن يورثنا هذه المحبة التي تعلقنا به وحده لا شريك له. ولله المثل الأعلى، فكم تحب وتكن لوالديك من عطف وبر فإنه لا يأتي مثقال ذرة من عطف الله وبره بك. فلذلك خير ما يوصى به الإنسان أن ينظر إلى نعم الله التي يرفل فيها صباح مساء، فإذا دخلت إلى بيتك تقول: الحمد لله إذا أكلت، الحمد لله إذا شربت، الحمد لله إذا قمت وإذا وقفت تقول: الحمد لله، وتتذكر من لا يستطيع الوقوف، إذا جلست تقول: الحمد لله وتتذكر من لا يستطيع الجلوس، إذا نمت تقول: الحمد لله الذي كفاني يومي حينما تتذكر المهموم والمغموم والمحروم، والله أعطاك ما أعطاك، فتقول: يا رب لك الحمد، فتحبه صدق المحبة وتتعلق به ﷻ . العقل، من الذي حفظ لك نور العقل؟ من الذي حفظ لك نعمة العقل؟ وأنت ترى من فقد العقل ومن يعيش الآلام النفسية حائراً في فهمه وعقله، والله صان لك هذه النعمة. فلذلك النعم تقود وتدل على محبة الله. أيضاً: إجلال الله. فإنك إذا نظرت إلى ملكوت الله وآياته المنثورة في الكون تحبه، فالشمس سخرها لك، والقمر والنجوم والأرض وكل خيرات هذه الأرض أغدقها الله عليك، الطعام يقاد إليك على أمواج البحار، ولو شاء الله أن تلتقمه البحار لالتقمته، ويقاد إليك بين السماء والأرض بالطائرات من فجاج بعيدة، كتب الله لك رزق هذا الطعام الذي تطعم، فكيف لا تحبه؟! تقاد إليك الثمرات من المزارع والبساتين، وكتب الله أن عبدي فلاناً يطعمها في الساعة الفلانية واللحظة الفلانية، كل ذلك لماذا؟ من أجل أن تحبه، فكيف لا تحبه؟! يقود إليك هذه النعم والمنن والآلاء كي تقود قلبك وقالبك إليه ﷻ ، فلا ترفل بنعمة إلا ولسانك يلهج من صميم قلبك: اللهم لك الحمد الذي أنت أهله. ولذلك كان النبي ﵌ يقول: (لا نحصي ثناءً عليك) أي: لا نستطيع أن نشكرك حق شكرك، ولا نستطيع أن نذكرك حق ذكرك، بماذا؟ بهذه النعم. فنسأل الله العظيم أن يحيي قلوبنا وقلوبكم بهذا كله، وأن يرزقنا وإياكم حبه الصادق. والله تعالى أعلم.

стр. 458

وسيلة دفع الوساوس الشيطانية السؤال تأتيني الكثير من الوساوس والشبهات في العقيدة، وفي اليقين بالله، وفي اليوم الآخر، وفي الإيمان، ويأتيني الشيطان ويصور لي ذات الله والعياذ بالله، ويجعلني أتفكر في ذاته، فما نصيحتكم لي حفظكم الله؟ الجواب خسئ عدو الله، وكلما تجده في نفسك من الوساوس المردية والخواطر المهلكة فاعلم أنها من الشيطان، وما العلاج؟ يلتفت عن يساره ويقول بيقين كامل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأول ما أوصيك به أن تعوذ بالله ﷻ وتفر إليه من هذه الوساوس. وأذكر أن رجلاً كان قلبه مبتلىً بهذه الوساوس والعياذ بالله! وأكثر من الشكوى، فقلت له: يا أخي! أتشتكي إلي وأنا عبد ضعيف وعندك العلاج! قال: كيف؟ قلت: يا أخي اعرض أمرك على الله، وإن من أغرب ما وجدت من الهموم والمصائب التي يصاب بها الموسوس -والعياذ بالله- ما وجدت في هذا الرجل، فشاء الله ، أن قلت له: يا أخي! ما يمنعك أن تعتمر، وتطّرح بين يدي الله وتبكي وتناجي الله في عمرتك، وتقبل على الله، فالله إذا نظر إليك وأنت مقبل إليه فإنه سيفرج عنك ما أنت فيه، فأقبل على الله، وشاء الله أن لقيته بعد شهر، وإذا بذلك الوجه قد تغير، قد أسفر وأنور، إي والله الذي لا إله إلا هو! فقلت: ما الخبر؟ فتبسم وقال لي: جزاك الله كل خير، قال لي: أُبشرك، ذهبت لاعتمر، وكان هذا في يوم الخميس فاعتمرت في سحر الجمعة، وتضرَّعت إلى الله ، يقول: والله! إني عند المقام وأنا في ركعتي الطواف أبتهل إلى الله ، وبمجرد أن سلمت كأنني غُسلت بماء، وما كأن بي شيئاً وإلى ساعتي هذه ولا أجد شيئاً مما كان. وكان أحد الإخوة مبتلىً -والعياذ بالله- في نفسه، وبلغ به من الضر ما الله به عليم، وفي هذه السنة أذكر أنه حج، وكنت -والله- أرثي لحاله، وكان معه بعض الأخيار يشفق عليه، فشاء الله أنني لقيته بعد الحج، وإذا بالوجه قد تغيّر والحال قد تغيّر، فقال لي: أبشرك يا شيخ! الذي كنت أجده الحمد لله لا أجد منه الآن شيئاً، قلت: كيف؟ قال: سبحان الله العظيم! في يوم عرفة ذكرت ما أنا فيه وذكرت قوله ﵊: (أن تعبد الله كأنك تراه) يقول: ذكرت همومي وغمومي، وحصل عندي يقين أنه لا ينجيني إلا الله وحده لا شريك له، يقول: فبكيت وتضرعت، يقول: سبحان الله! وإذا بجسمي له حرارة عجيبة، يقول: وإذا بها لحظة واحدة كأن لم يكن بي من بأس. فمن أيقن بالله، كفاه الله والمشكلة أننا ما قدرنا الله حق قدره، وما عظّمنا الله حق تعظيمه، فهذا الكون بآثاره ودلائله وشواهده كان بكلمة (كن) فكان، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل:٧٧]، ولربما يسلط الله عليك هذه الوساوس؛ لكي يمتحن إيمانك، يأتيك الخبيث ويقول لك: من هو الله الذي تعبده؟ ومن هو الله الذي تفعل لأجله؟ فقل له: اخسأ عدو الله، ويكون عندك يقين بأن وسوسته لا قيمة لها، والمشكلة أن البعض يأتيه الوسواس -والعياذ بالله- فيعظم أمر الوسواس، لكن أنت انظر إليه محتقراً له؛ لأن الله وصف الباطل بأنه لا جذور له: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٦] كماذا؟ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم:٢٦] فكل الوساوس تدفعها كلمة واحدة، ما هي؟ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، كلمة تخرج من القلب وليس كلمة هكذا يقولها، بل وهو يحس أنه لا ينجي من هذا الكرب إلا الله وحده لا شريك له. فنسأل الله العظيم أن يرزقنا هذا اليقين، وأن يعجل لك بالفرج من لدنه، إنه هو أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم.

стр. 459

المعصية واليقين السؤال كيف يكون المسلم على يقين دائم بالله إذا كان يذهب بعض الأوقات لفعل المعاصي، والعياذ بالله؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإنه ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بالله ، ومهما فعل من المعاصي فليعلم أن الله لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة، ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) فينبغي على الإنسان إذا اقترف الذنوب والمعاصي أن يحسن الظن بالله ﷻ ، وأن يصدق في التوبة، فإنه من صدق مع الله صدق الله معه. فخير ما يوصى به الإنسان إذا كثرت ذنوبه أن يكثر التوبة، صحيح أنك إذا أذنبت نقص اليقين في القلب، والعياذ بالله، وكل ذنب بين الإنسان وبين الله ينقص اليقين، وبقدر الذنب والجريمة ينقص ذلك اليقين، ولذلك خير علاج لمن بلي بالذنوب أن يكثر من الاستغفار، ومن أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. فأوصيك -أخي في الله- أن تكثر التوبة والاستغفار، والله تعالى أعلم.

стр. 460

تذبذب اليقين السؤال أنا رجل يرتفع يقيني بالله تارة، ويقل أخرى، وهكذا دائماً تكون حالتي، وأنا رجل شيخ ممن يقوم الليل، ولكني لا أحس بحلاوة ما أفعل، ولا أبكي من خشية الله جل وعلا، فأرشدنا إلى سبب ذلك، بارك الله فيك؟ الجواب أما ما ذكرت من اختلاف قلبك بالإقبال والإدبار، فهذا من حكمة الله بالعباد، فالقلوب لها إقبال وإدبار، فإذا أقبل قلبك على الله فاستكثر من خصال الخير، فجد واجتهد في الطاعات، وإذا أدبرت نفسك عن الله فاحفظ فرائض الله، وسأوصيك بأمور: أولها: أن تتفقد نفسك، فإن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلعلّ ذنباً بينك وبين الله حال بينك وبين القبول من الله، ولعلّ ذنباًَ بينك وبين الله حرمك اليقين بالله، فأول ما يفكر فيه الموفق أن ينظر كيف حاله مع الذنوب، فإن وجد ذنباً استغفر الله وتاب منه، وعقد العزم على عدم الرجوع إليه. وأما ما ذكرته من قيام الليل وعدم وجود الخشوع، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإن قيام الليل من أهم الأسباب التي تعين على خشوع القلوب، ومن قام الليل ولم يجد لقيامه خشوعاً فليبك على نفسه وليطرَّح بباب ربه وليستعذ بالله من قسوة قلبه، وليعلم أن بينه وبين الله حائلاً، إما ذنباً من عقوق أو معصية أو قطيعة رحم أو أكل مالٍ ظلماً أو هتك ستر الله أو نحو ذلك من المعاصي، فأول ما يفكر فيه أن يتفقد نفسه، وأن يحاول قدر استطاعته أن يتوب إلى الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، وكان العلماء ﵏ إذا أعيتهم المسألة وأصبحت شديدة عليهم أكثروا من الاستغفار، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إن كانت المسألة ليستغلق عليَّ فهمها -فيما معنى كلامه- فلا أزال أستغفر الله حتى أبلغ ألف مرة ثم يفتح عليَّ فيها). فعليك أن تكثر من الاستغفار، فإذا قمت في الليل فاجعل ليلك مطية للاستغفار، فإن الله يرحم من يستغفره، ويلطف به: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، فنسأل الله العظيم أن يعافينا وإياكم من هذا البلاء، وأن يرزقنا وإياكم اللذة في مناجاته وذكره. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →