← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

خطورة الذهاب إلى السحرة السؤال ما هي نصيحتك لمن يذهب إلى السحرة والمشعوذين والعياذ بالله؟ الجواب أعوذ بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا صرف الله قلب الإنسان في أي مصيبة، إلى أحد سواه فليعلم أن الله قد خذله، فإذا أصبت بمصيبة ووجدت شعبة من شعب قلبك تنصرف إلى أي شيء من دون الله فاعلم أن الإيمان ناقص، ولذلك إذا نزلت بك مصيبة -ولو كان عندك قدرة على دفعها- فليكن عندك يقين أنه لا حول لك ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإياك أن تعتمد على مالك أو على قوتك أو على قدرتك، ولكن اعتمد على الله وحده لا شريك له، فكيف بالسحرة والمشعوذين؟!! والله! لن يغنوا عنك من الله مثقال ذرة من خردل، فالله هو الذي يشفيك، وهو الذي يعافيك، وهو الذي يهمُّك وهو الذي يزيل همّك، وهو الذي يغمُّك وهو الذي يزيل غمك، فاعتقد ذلك في الله وحده لا شريك له. أما السحرة فإنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله، وكم من ساحر خيب الله ظنه، وقطع سحره، وجعله وبالاً عليه، فكن قوي اليقين بالله ، سبحان الله! يذهبون إلى السحرة والمشعوذين ويخسرون الأموال والأوقات ويعلقون القلوب بمن لا يسمن ولا يغني من جوع، وكل الأمر يقف عند لحظة واحدة يدعو فيها ربه ويستغيث بالله ﷻ فيفرج عنه، ثم يتركون الله الذي بيده النفع والضر ويستغيثون بمن عداه! نسأل الله السلامة والعافية، فنعوذ بالله العظيم رب العرش الكريم من هذا البلاء. والله! ما حضر الموت إنساناً يعتقد أن الساحر ينجيه من عذاب الله أو ينجيه من همه وغمه من دون الله إلا كان مشركاً والعياذ بالله! خرج من الدنيا والجنة عليه حرام، فمن نواقض لا إله إلا الله أن تعتقد النفع والضر فيمن عدا الله، ولو كان الإنسان من أصلح عباد الله فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، فكن قوي اليقين بأنه لا ينجيك من الله إلا الله، فلا أحد يغني عن أحد من الله شيئاً. أذكر ذات مرة رجلاً نحسبه من الصالحين، كان عنده في مزرعته رجل ساحر، ولم يكن يعلم بأنه ساحر، فكان هذا الساحر يسهر الليل ويفعل بعض الأفعال المريبة، فانتبه له بعض العمّال الذين معه، فأخبروا صاحب المزرعة، فجاء إلى هذا الساحر واكتشف أمره، فقال له: لن تبق عندي لحظة واحدة، فقال له الساحر: سأضرك، قال: لو علمت أنك تضر وتنفع من دون الله ما أخرجتك من مزرعتي، وبيني وبينك الله الذي لا رب سواه، خرج هذا الساحر، يقول الأخ: الحقيقة أصابني بعض الخوف من هذا الساحر، يقول: وشاء الله أنني تلك الليلة جلست أتضرع إلى الله، يقول: وما جاءني النوم، وأنا أقوم وأصلي، والله إنها لعبرة، ففي فجر ذلك اليوم صلى الفجر وذهب إلى دراسته، يقول: فمررت بحي وإذا بالناس مجتمعة، في السكة والطريق، ما بكم؟ يقولون: حادث، يقول: ليس من عادتي أنزل وأرى الحوادث، وأنا ذاهب إلى الدراسة، يقول: فنزلت وإذا بصاحبي قد ضُرب على الأرض والدم يسيل من أذنه ومن أنفه ميتاً على الأرض، ما أحد يغني عن أحد من الله شيئاً، ولكن المشكلة أننا ما قدرنا الله حق قدره، ولا عظمنا الله حق تعظيمه، ولا التجأنا إلى الله حق اللجأ. فليكن الإنسان على يقين بأنه لا ينفعه ولا يضره أحد من دون الله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨]. فنسأل الله العظيم أن يصرف قلوبنا وقلوبكم إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 457

كيف تنال محبة الله السؤال ما هي السبل الموصلة إلى محبة الله جل وعلا؟ الجواب أعظم السبل وأجلها: كتاب الله . فمن أكثر تلاوة القرآن والتدبر في آياته فإنه سرعان ما يحب الله ، والله ما وجدت محبة الله في قلب الإنسان بشيء مثل التلذذ بكلام الله ، ولما كان الصحابة رضوان الله عليهم مع القرآن في الليل والنهار وجدوا حلاوته ووجدوا لذة المحبة لله . الأمر الثاني الذي يعين على حب الله: أن تحب الله من نعمه، وأن تنظر في صباحك ومسائك ما ترفل فيه من النعم. انظر إلى هذه النعم المغدقة عليك في الصباح والمساء، يقول الأطباء: إن قلب الإنسان فيه نسبة من مادة لو زادت (١%) أو نقصت (١%) لسقط ميتاً من ساعته، فما هذا اللطف وما هذه الرحمة وما هذا العطف من الله ، فانظر إلى نعمة الله عليك، تمر على العباد فترى فيهم المريض، ترى فيهم المبتلى، والفقير والضعيف، والله أغناك وكفاك وآتاك الصحة والعافية ومنَّاك، فكيف لا تحبه وأنت ترفل في نعمه؟!! سبحان الله! ولله المثل الأعلى، لو أن واحداً منا في يوم من الأيام احتاج إلى أمر بسيط من أمور الدنيا، فجاء رجل فقضى لك هذه الحاجة بعد أن ضاقت عليك الأرض، وأصبحت في شدة ماذا يكون؟ يأسرك بهذا المعروف، حتى إن بعضنا إذا جاء يجلس مع أولاده أول ما يتكلم يقول: فلان فعل معي كذا وكذا جزاه الله خيراً، إذا جلس مع جماعته: فلان فعل معي كذا وكذا جزاه الله خيراً، لكن هل جلست مع أولادك يوماً من الأيام تقول: كنت فقيراً فأغناني الله، وكنت ضعيفاً فقوَّاني الله، وكنت مريضاً فشفاني الله، هل أحد منا فعل هذا؟! فعليك أن تحب الله من هذه النعم التي ترفل فيها صباحاً ومساءً، فالبصر مثلاً، لو تعلم ما فيه من اللطف والرحمة من الله، إذ نوَّر لك هذا البصر لأحببت الله صدق المحبة. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن أحب الله صدق المحبة، وأن يورثنا هذه المحبة التي تعلقنا به وحده لا شريك له. ولله المثل الأعلى، فكم تحب وتكن لوالديك من عطف وبر فإنه لا يأتي مثقال ذرة من عطف الله وبره بك. فلذلك خير ما يوصى به الإنسان أن ينظر إلى نعم الله التي يرفل فيها صباح مساء، فإذا دخلت إلى بيتك تقول: الحمد لله إذا أكلت، الحمد لله إذا شربت، الحمد لله إذا قمت وإذا وقفت تقول: الحمد لله، وتتذكر من لا يستطيع الوقوف، إذا جلست تقول: الحمد لله وتتذكر من لا يستطيع الجلوس، إذا نمت تقول: الحمد لله الذي كفاني يومي حينما تتذكر المهموم والمغموم والمحروم، والله أعطاك ما أعطاك، فتقول: يا رب لك الحمد، فتحبه صدق المحبة وتتعلق به ﷻ . العقل، من الذي حفظ لك نور العقل؟ من الذي حفظ لك نعمة العقل؟ وأنت ترى من فقد العقل ومن يعيش الآلام النفسية حائراً في فهمه وعقله، والله صان لك هذه النعمة. فلذلك النعم تقود وتدل على محبة الله. أيضاً: إجلال الله. فإنك إذا نظرت إلى ملكوت الله وآياته المنثورة في الكون تحبه، فالشمس سخرها لك، والقمر والنجوم والأرض وكل خيرات هذه الأرض أغدقها الله عليك، الطعام يقاد إليك على أمواج البحار، ولو شاء الله أن تلتقمه البحار لالتقمته، ويقاد إليك بين السماء والأرض بالطائرات من فجاج بعيدة، كتب الله لك رزق هذا الطعام الذي تطعم، فكيف لا تحبه؟! تقاد إليك الثمرات من المزارع والبساتين، وكتب الله أن عبدي فلاناً يطعمها في الساعة الفلانية واللحظة الفلانية، كل ذلك لماذا؟ من أجل أن تحبه، فكيف لا تحبه؟! يقود إليك هذه النعم والمنن والآلاء كي تقود قلبك وقالبك إليه ﷻ ، فلا ترفل بنعمة إلا ولسانك يلهج من صميم قلبك: اللهم لك الحمد الذي أنت أهله. ولذلك كان النبي ﵌ يقول: (لا نحصي ثناءً عليك) أي: لا نستطيع أن نشكرك حق شكرك، ولا نستطيع أن نذكرك حق ذكرك، بماذا؟ بهذه النعم. فنسأل الله العظيم أن يحيي قلوبنا وقلوبكم بهذا كله، وأن يرزقنا وإياكم حبه الصادق. والله تعالى أعلم.

стр. 458

وسيلة دفع الوساوس الشيطانية السؤال تأتيني الكثير من الوساوس والشبهات في العقيدة، وفي اليقين بالله، وفي اليوم الآخر، وفي الإيمان، ويأتيني الشيطان ويصور لي ذات الله والعياذ بالله، ويجعلني أتفكر في ذاته، فما نصيحتكم لي حفظكم الله؟ الجواب خسئ عدو الله، وكلما تجده في نفسك من الوساوس المردية والخواطر المهلكة فاعلم أنها من الشيطان، وما العلاج؟ يلتفت عن يساره ويقول بيقين كامل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأول ما أوصيك به أن تعوذ بالله ﷻ وتفر إليه من هذه الوساوس. وأذكر أن رجلاً كان قلبه مبتلىً بهذه الوساوس والعياذ بالله! وأكثر من الشكوى، فقلت له: يا أخي! أتشتكي إلي وأنا عبد ضعيف وعندك العلاج! قال: كيف؟ قلت: يا أخي اعرض أمرك على الله، وإن من أغرب ما وجدت من الهموم والمصائب التي يصاب بها الموسوس -والعياذ بالله- ما وجدت في هذا الرجل، فشاء الله ، أن قلت له: يا أخي! ما يمنعك أن تعتمر، وتطّرح بين يدي الله وتبكي وتناجي الله في عمرتك، وتقبل على الله، فالله إذا نظر إليك وأنت مقبل إليه فإنه سيفرج عنك ما أنت فيه، فأقبل على الله، وشاء الله أن لقيته بعد شهر، وإذا بذلك الوجه قد تغير، قد أسفر وأنور، إي والله الذي لا إله إلا هو! فقلت: ما الخبر؟ فتبسم وقال لي: جزاك الله كل خير، قال لي: أُبشرك، ذهبت لاعتمر، وكان هذا في يوم الخميس فاعتمرت في سحر الجمعة، وتضرَّعت إلى الله ، يقول: والله! إني عند المقام وأنا في ركعتي الطواف أبتهل إلى الله ، وبمجرد أن سلمت كأنني غُسلت بماء، وما كأن بي شيئاً وإلى ساعتي هذه ولا أجد شيئاً مما كان. وكان أحد الإخوة مبتلىً -والعياذ بالله- في نفسه، وبلغ به من الضر ما الله به عليم، وفي هذه السنة أذكر أنه حج، وكنت -والله- أرثي لحاله، وكان معه بعض الأخيار يشفق عليه، فشاء الله أنني لقيته بعد الحج، وإذا بالوجه قد تغيّر والحال قد تغيّر، فقال لي: أبشرك يا شيخ! الذي كنت أجده الحمد لله لا أجد منه الآن شيئاً، قلت: كيف؟ قال: سبحان الله العظيم! في يوم عرفة ذكرت ما أنا فيه وذكرت قوله ﵊: (أن تعبد الله كأنك تراه) يقول: ذكرت همومي وغمومي، وحصل عندي يقين أنه لا ينجيني إلا الله وحده لا شريك له، يقول: فبكيت وتضرعت، يقول: سبحان الله! وإذا بجسمي له حرارة عجيبة، يقول: وإذا بها لحظة واحدة كأن لم يكن بي من بأس. فمن أيقن بالله، كفاه الله والمشكلة أننا ما قدرنا الله حق قدره، وما عظّمنا الله حق تعظيمه، فهذا الكون بآثاره ودلائله وشواهده كان بكلمة (كن) فكان، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل:٧٧]، ولربما يسلط الله عليك هذه الوساوس؛ لكي يمتحن إيمانك، يأتيك الخبيث ويقول لك: من هو الله الذي تعبده؟ ومن هو الله الذي تفعل لأجله؟ فقل له: اخسأ عدو الله، ويكون عندك يقين بأن وسوسته لا قيمة لها، والمشكلة أن البعض يأتيه الوسواس -والعياذ بالله- فيعظم أمر الوسواس، لكن أنت انظر إليه محتقراً له؛ لأن الله وصف الباطل بأنه لا جذور له: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٦] كماذا؟ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم:٢٦] فكل الوساوس تدفعها كلمة واحدة، ما هي؟ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، كلمة تخرج من القلب وليس كلمة هكذا يقولها، بل وهو يحس أنه لا ينجي من هذا الكرب إلا الله وحده لا شريك له. فنسأل الله العظيم أن يرزقنا هذا اليقين، وأن يعجل لك بالفرج من لدنه، إنه هو أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم.

стр. 459

المعصية واليقين السؤال كيف يكون المسلم على يقين دائم بالله إذا كان يذهب بعض الأوقات لفعل المعاصي، والعياذ بالله؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإنه ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بالله ، ومهما فعل من المعاصي فليعلم أن الله لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة، ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) فينبغي على الإنسان إذا اقترف الذنوب والمعاصي أن يحسن الظن بالله ﷻ ، وأن يصدق في التوبة، فإنه من صدق مع الله صدق الله معه. فخير ما يوصى به الإنسان إذا كثرت ذنوبه أن يكثر التوبة، صحيح أنك إذا أذنبت نقص اليقين في القلب، والعياذ بالله، وكل ذنب بين الإنسان وبين الله ينقص اليقين، وبقدر الذنب والجريمة ينقص ذلك اليقين، ولذلك خير علاج لمن بلي بالذنوب أن يكثر من الاستغفار، ومن أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. فأوصيك -أخي في الله- أن تكثر التوبة والاستغفار، والله تعالى أعلم.

стр. 460

تذبذب اليقين السؤال أنا رجل يرتفع يقيني بالله تارة، ويقل أخرى، وهكذا دائماً تكون حالتي، وأنا رجل شيخ ممن يقوم الليل، ولكني لا أحس بحلاوة ما أفعل، ولا أبكي من خشية الله جل وعلا، فأرشدنا إلى سبب ذلك، بارك الله فيك؟ الجواب أما ما ذكرت من اختلاف قلبك بالإقبال والإدبار، فهذا من حكمة الله بالعباد، فالقلوب لها إقبال وإدبار، فإذا أقبل قلبك على الله فاستكثر من خصال الخير، فجد واجتهد في الطاعات، وإذا أدبرت نفسك عن الله فاحفظ فرائض الله، وسأوصيك بأمور: أولها: أن تتفقد نفسك، فإن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلعلّ ذنباً بينك وبين الله حال بينك وبين القبول من الله، ولعلّ ذنباًَ بينك وبين الله حرمك اليقين بالله، فأول ما يفكر فيه الموفق أن ينظر كيف حاله مع الذنوب، فإن وجد ذنباً استغفر الله وتاب منه، وعقد العزم على عدم الرجوع إليه. وأما ما ذكرته من قيام الليل وعدم وجود الخشوع، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإن قيام الليل من أهم الأسباب التي تعين على خشوع القلوب، ومن قام الليل ولم يجد لقيامه خشوعاً فليبك على نفسه وليطرَّح بباب ربه وليستعذ بالله من قسوة قلبه، وليعلم أن بينه وبين الله حائلاً، إما ذنباً من عقوق أو معصية أو قطيعة رحم أو أكل مالٍ ظلماً أو هتك ستر الله أو نحو ذلك من المعاصي، فأول ما يفكر فيه أن يتفقد نفسه، وأن يحاول قدر استطاعته أن يتوب إلى الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، وكان العلماء ﵏ إذا أعيتهم المسألة وأصبحت شديدة عليهم أكثروا من الاستغفار، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إن كانت المسألة ليستغلق عليَّ فهمها -فيما معنى كلامه- فلا أزال أستغفر الله حتى أبلغ ألف مرة ثم يفتح عليَّ فيها). فعليك أن تكثر من الاستغفار، فإذا قمت في الليل فاجعل ليلك مطية للاستغفار، فإن الله يرحم من يستغفره، ويلطف به: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، فنسأل الله العظيم أن يعافينا وإياكم من هذا البلاء، وأن يرزقنا وإياكم اللذة في مناجاته وذكره. والله تعالى أعلم.

стр. 461

السعادة إن السعادة أمر يبحث عنه وينشده كل إنسان، ولكن من الناس من بحث عن السعادة في المال، والبعض بحث عنها في اتباع الشهوات وفعل المحرمات، ولكن هؤلاء كلهم -في الحقيقة- لم يجدوا السعادة؛ لأن السعادة قد جعلها ربنا جل وعلا في طاعته وذكره، واتباع سنة نبيه ﷺ ، فليسع الإنسان إلى طاعة الله، لكي يتذوق السعادة في حياته الدنيا وفي الآخرة.

стр. 462

من هو السعيد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! من هو السعيد الذي امتلأ قلبه بذكر الله؟ من هو السعيد الذي إذا أمسى وأصبح ليس في قلبه غير الله ﷻ ؟ من هو السعيد الذي أسعده الله في نفسه فاطمأن قلبه بذكره ولهج لسانه بالثناء عليه؟ من هو السعيد الذي أقر الله عينه بالطاعات، وأسرَّه بالباقيات الصالحات؟ من هو السعيد الذي أسعده الله في أهله وماله وولده فرأى قرة العين وحمد الله على القليل والكثير؟ من هو السعيد الذي أسعده الله بين الناس، فعاش طيب الذكر، حسن السمعة، لا يذكر إلا بخير، ولا يعرف عنه إلا الخير؟ من هو السعيد الذي إذا وقف على آخر أعتاب هذه الدنيا وقف بقلبٍ ثابت ولسانٍ ذاكر، وقد رضي عن الله وأرضاه الله؟ من هو السعيد الذي إذا ذهبت ساعته وحانت قيامته تنزلت عليه ملائكة ربه تبشره بالروح والريحان والرحمة والغفران وأن الله راضٍ عنه غير غضبان؟ من هو السعيد الذي ختم له بخاتمة السعداء فكان آخر ما نطق به من الدنيا: لا إله إلا الله؟ من هو السعيد الذي أسعده الله في قبره، وأقر عينه في لحده، حتى إذا أدخل في ذلك القبر وعوتب في ذلك اللحد وسئل -إن ثبت الله له الجنان واللسان- فقال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فنادى منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، ففرش له من الجنان، وفتح له منها يأتيه من الروح والريحان، فقال السعيد: يا رب! أقم الساعة، يا رب! أقم الساعة، شوقاً إلى رحمة الله وحنيناً إلى عظيم ما ينتظره من فضل الله؟ من هو السعيد الذي إذا بعث من قبره وخرج إلى حشره ونشره خرج مع السعداء، فتتلقاهم الملائكة ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣]؟ من هو السعيد الذي إذا دنت الشمس من الخلائق، وأذل الله فيه كل عزيز، وأخرس ناطق، واشتد لهيبها وعظم حرها وذهب العرق في الأرض سبعين ذراعاً فاشتد الخطب، فإذا به في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله؟ من هو السعيد الذي إذا وقف بين يدي ربه وقف موقف الكريم، فأعلى الله شأنه وأنطق بالخير لسانه، ونادى الله عليه بالبشرى بالجنة؟ من هو السعيد -أيها الأحبة في الله- الذي ينتهي مآله ويكون قراره إلى الجنة دار السعداء ومنزل الأتقياء؟

стр. 463

أسباب السعادة أيها الأحبة في الله! إنها السعادة الحقيقية التي يتمناها كل عبدٍ صالح إنها السعادة الحقيقية التي إذا فتح الله لك أبوابها لم يستطع أحدٌ أن يغلقها عليك.

стр. 464

حسن الخلق ونقاء القلب والسريرة أيها الأحبة في الله! إذا أراد الله أن يسعد العبد بين الناس أسعده بحسن الخلق، قال ﷺ : (إن العبد ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم)، وأخبر ﷺ (خير المؤمنين وأكملهم إيماناً أحسنهم أخلاقاً)، فإذا أراد الله أن يسعدك طيَّب شمائلك وأخلاقك، فأحبك الناس من قربك وفعلك، من رزقه الله حسن الخلق عاش سعيداً، ومات حميداً، ورضي الناس عنه وشهدوا له بكل خير، ولربما بقي حياً بعد موته في الذكر الجميل، فالأخلاق والآداب الطيبة ومعاشرة الناس وتوطئة الكنف من أعظم أسباب السعادة. إذاً: مما ينبغي على الإنسان إذا أراد أن يكون سعيداً مع المسلمين أن يكون نقي القلب والسريرة، فلا سعادة إلا إذا أخرج العبد من قلبه الشحناء والبغضاء، والحسد واحتقار الناس، وآفات القلوب جميعها، وأسلم لله قلبه، واستحيا من الله أن ينظر إلى قلبه وفيه غلاً على مسلم، واستحيا من الله أن ينظر إلى قلبه وفيه الحسد أو البغضاء أو الشحناء، لقد بشر رسول الله ﷺ رجلاً بالجنة فانطلق مع هذا الرجل عبد الله بن عمرو بن العاص، وبات معه ثلاث ليالٍ ليرمق عبادته، وينظر أقواله وأفعاله، فلم يجد كثير صيام ولا قيام! ثم قال له في اليوم الثالث: (إني كنت عند رسول الله ﷺ فقال: يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة فكنت هو، فأخبرني عن أرجى عملٍ تعمله، فقال ذلك الصحابي المبشر بالجنة وهو يمشي على وجه الأرض قال: أما إنه ليس عندي كثير صيامٍ ولا قيام، ولكني لا أمسي وأصبح وفي قلبي غلٌ على مسلم). إن القلوب إذا تغيرت، والنفوس إذا تبدلت، أظهر الله ما في السرائر على الظواهر. ومن أسر سريرة الخير أظهر الله للناس خيره، ومن أسر سريرة السوء والشر أظهر الله للناس عورته. فأول ما ينبغي على الإنسان لكي يكون سعيداً مع الناس: أن ينزع من قلبه الحسد والبغضاء، وإياك أن تحتقر مسلماً لقلة ماله أو مركزه أو وظيفته، فالمسلمون جميعاً يجب أن تحب لهم ما تحب لنفسك، وترضى لهم ما ترضى لنفسك، وينبغي أن تحسن بهم الظن كما ينبغي عليهم أن يحسنوا بك الظن أيضاً، فإذا سلم صدرك سلمت جوارحك، وقد قال ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ووالله لن يصلح القلب إلا بالسلامة لله من أذية المؤمنين. وإذا أردت سعادة مع الناس: فعليك أن تسلم الناس من لسانك، فلا يسمعون منك إلا الطيب؛ لأن المسلم طيب سلم لله لسانه وجنانه وجوارحه وأركانه. ولقد وصف الله أهل الجنة بأنهم طابوا، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويسلمون عليهم، ويقول الله : ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] فلما طابت أقوالهم وأفعالهم كانوا من أهل الجنة، فمن أراد أن يكون من السعداء فليحفظ لسانه عن الناس، وإذا أراد أن يعيش بين الناس عيشةً هنية رضية فليحفظ لسانه عن عورات المسلمين وأذية إخوانه المؤمنين، وأن يعطي إخوانه المسلمين من الكلام ما يحب أن يأخذه منهم. كذلك من أسباب السعادة مع الناس: الحرص على مجالستهم ومباسطتهم ومؤانستهم، فإن ذلك من أسباب السعادة، فإن من نعم هذه الدنيا التي ينعم الله بها على عباده الصالحين مجالس الذكر والخير، فإذا جلست مع الناس فتفقد أحوالهم، فإذا رأيت المهموم بدلت همومه بكلمةٍ طيبة، وإذا رأيت القلق الحيران أرشدته في حيرته ووجهته من غفلته وذكرته بالله، فإنها كلماتٌ طيبات يعظم أجرها في الدنيا وفي الآخرة بعد الممات. من أراد أن يعيش سعيداً مع الناس حرص على أمرهم بالخير ودلالتهم عليه، فإذا فعل ذلك طيب الله ذكره ومجالسه، وقذف في قلوب الناس حبه وحب الجلوس معه، حتى ولو كانوا من جيرانك الأقربين إذا زرتهم وتفقدت أحوالهم، فإن رأيت تقصيراً كملته، وإن رأيت عيباً دللتهم ونبهتهم عليه، وأرشدتهم إليه، وأخذت بمجامع قلوبهم إلى الله، واحتسبت الأجر عند الله.

стр. 465

الدعاء أيها الأحبة في الله! لا تنال السعادة إلا بتوفيق الله ﷻ ، فأول ما ينبغي على من أراد أن يسعده الله في الدنيا والآخرة فعليه أن يكثر من الدعاء بأن يسأل الله أن يحييه حياة السعداء، وأن يميته موتة الشهداء، وأن يرزقه مرافقة الأنبياء، فإن الله كريم، فلا تستكثر على الله أن يسعدك في أهلك ومالك وولدك، فإن الله مقلب القلوب والأحوال، وكم من شقي قلبه الله سعيداً في طرفة عين! فالله على كل شيءٍ قدير. ولذلك جاء الرجل إلى رسول الله ﷺ وهو على الكفر فأسلم في آخر لحظة، ثم حمل سيفه فقاتل وجاهد في سبيل الله فاستشهد، فقال ﷺ : (عمل قليلاً وأجر كثيراً). فالسعادة من الله، وإن فتح لك الله بابها فلا يستطيع أحد أن يغلقه عليك ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢] فأكثر من الدعاء، وإذا نظر الله إليك وأنت تفتقر إليه بأن يرحمك فإن الله سيجزيك ويجيب دعوتك، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا السعادة، وأن يتأذن لنا ولكم بالخير والزيادة.

стр. 466

قراءة القرآن وسير الأنبياء والسلف الصالح كذلك من أسباب السعادة: أن يكثر الإنسان من تلاوة القرآن، فإن الله جل وعلا أسعد أهل القرآن، فطوبى ثم طوبى لمن جعل الله القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب همه وغمه، وسائقه وقائده إلى رحمته ورضوانه. من أسباب السعادة: قراءة سير الأنبياء، والتدبر والتأمل فيها، وكثرة النظر في سيرة النبي ﷺ ، كيف كان مفوضاً الأمور كلها إلى الله، يحتسب الأجر من الله . من أسباب السعادة: قراءة سير السلف الصالح من العلماء العاملين والأئمة المهديين، ومن سار على نهجهم من الأخيار والصالحين، فإن ذكر الصالحين والنظر إلى أحوالهم وما كانوا عليه من الاستقامة والثبات على الحق والخير وحبه مما يقوي القلوب على طاعة الله وعلى مرضاته.

стр. 467

حضور حلق الذكر فمن أسباب السعادة التي ييسر الله بها للعبد سبيلها: طلب العلم وغشيان حلق الذكر، فقد قال ﷺ في الحديث الصحيح عن مجالس الذكر: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). فمن أمارات السعادة وأسبابها ودلائلها: أن يوفق الله العبد لحب مجالس العلماء وغشيان حلق الذكر. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم سعادة الدين والدنيا والآخرة. اللهم إن نسألك سعادةً لا نشقى بعدها أبداً، اللهم إن نسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلوبنا، وتصلح بها أحوالنا، اللهم إنا نسألك رحمة تتأذن لنا بها منك بالمزيد، وتؤمننا بها يوم السطوة والوعيد يا ذا الأمر الشديد! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 468

صلاح الأبناء واستقامتهم على الخير وإذا أراد الله أن يسعد العبد أسعده في أولاده، فرأى قرة العين في الولد عند صلاحه، وهذا إنما يكون بكثرة الدعاء للأولاد في أوقات الإجابة أن يرزقهم الصلاح والاستقامة على الخير والفلاح، قال الله عن عباده الصالحين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم قرة العين، وأن يجعل أبناءنا وبناتنا سبب سعادة لنا في الدنيا والآخرة، فإن الولد من أعظم أسباب السعادة، فإذا أردت أن ترى السعادة في الولد فانظر إلى الولد الصالح، فإنك إن نسيت الله ذكرك! وإن ذكرت الله أعانك! وإذا كنت على طاعةٍ ثبتك. والولد الصالح أمنية الأخيار والصالحين، لذلك قال الله عن نبيه لما سأله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] ولا تطيب الذرية إلا بالصلاح والاستقامة على الخير والفلاح، ولكن من الآن ابدأ في تربيته بدعوته للخير؛ لأنك إن أقمته على طاعة الله من صغره أقر الله عينك في كبره، من تعب الآن بأمر أولاده بالصلاة وتحبيبهم إلى طاعة الله والتقوى والزكاة أقر الله عينه في الكبر، فمن أخلص لله في الصغر مع أبنائه أقر الله عينه عنه في كبره، ومن تساهل معهم وفرقهم فإنه قد ضيع حق الله فيضيعه في ولده، ووالله لن ترى والداً ووالدةً أهملا أولادهما بعد أمرهم بطاعة الله وحثهم على مرضاته إلا جاء اليوم الذي يبكي فيه كل واحدٍ منهما بكاءً شديداً، ولذلك قلّ أن تجد والدين فرطا أو ضيعا إلا وجدت الأولاد يعقون عند الكبر، نسأل الله السلامة والعافية. فمن أسباب السعادة في الأولاد تربيتهم على الصلاة والطاعة والخير والبر، يقول بعض العلماء: إن الولد إذا تعوّد من الصغر على الأمر والحث على الصلاة، وفي كل يوم خمس مرات وأنت تقف على رأسه وتتابعه في صلاته وعبادته، أصبح عنده شعور لا يزول إلى الأبد بالذل لك، والسمع والطاعة، والامتثال بأمرك، ولذلك قلّ أن تجد ذريةً يحاسب والداها على الأمر بالخير إلا وجدتهم عند الكبر مطيعين محبين ممتثلين يهابون الوالدين؛ لأن الله لا يجزي بالإحسان إلا الإحسان، ومن وفّى لله في نعمة الولد وفّى الله له، وأقر عينه عاجلاً وآجلاً.

стр. 469

بذل المال وإنفاقه في وجوه الخير من أسباب السعادة: أن يسعدك الله في مالك، ومن أسباب السعادة في المال بذله في طاعة الله ، فمن أنفق لله أنفق الله عليه، قال ﷺ : (يا أسماء! أنفقي ينفق الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك) من رزقه الله المال الصالح الذي أخذه من حله وكسبه كسباً طيباً حلالاً، ووفقه لتفريج الكربات، وتكفيف دموع الأرامل واليتامى والثكالى؛ فإن الله يسعده في ذلك المال، فإن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع عن العبد البلايا والرزايا، وقلّ أن تجد عبداً كثير الصدقات إلا وجدت الله يلطف به من حيث لا يحتسب. فيا إخواني! الحرص ثم الحرص على الإنفاق! وعلى إدخال السرور على الضعفاء والفقراء والمحتاجين، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ومن أنفق لله بارك الله له في ماله، وجعل هذا المال قرة عينٍ له في الدنيا والآخرة، فعليكم بالحرص على الصدقات؛ لأن الحرص على الإحسان إلى الضعفة والبائسين والمحتاجين من أجلّ نعم الله على العبد، ولذلك عندما قال ﷺ : (إن الصدقة تطفئ غضب الرب) قال بعض العلماء: إنها تحجبُ البلاء؛ لأنه إذا كانت تطفئ غضب الرب فمعنى ذلك: أن العبد يحفظ من البلاء. ثم إن الإحسان إلى الناس سببٌ في الدعوات الصالحة، فقد تأتي إلى أرملةٍ ضعيفة أو مسكينٍ أو يتيمٍ أو بائس فتحسن إليه، وتتفقد حاله فتقضي حاجته، فينظر وإذا به عاجزٌ عن شكرك ورد جميلك فلا يملك إلا أن يرفع كفه إلى الله سائلاً أن يشكرك، فلربما غفرت ذنوبك وسترت عيوبك وفرجت كروبك، قال ﷺ : (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يّسر على معسرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة). فمن أعظم أسباب السعادة في المال: كثرة إنفاقه، ولذلك قال بعض العلماء: إن المال الصالح عند العبد الصالح طريق إلى الجنة. في الحديث الصحيح: (أن امرأة جاءت إلى عائشة وكان معها ابنتان، فاستطعمت أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها فأطعمتها ثلاث تمرات -ولربما كانت التمرة الواحدة قوتاً للإنسان يومه كله- فأخذت هذه الأم تمرتين فأعطت كل بنت تمرة، ثم أخذت التمرة الثالثة تريد أن تأكلها، فاستطعمتها إحدى بناتها، فأطعمتها تلك التمرة ولم تأكلها، فعجبت عائشة ﵂ وأرضاها! فدخل عليها رسول الله ﷺ فأخبرته خبر المرأة، فنزل الوحي من السماء على رسول الله ﷺ ، فقال لأم المؤمنين ﵂ وأرضاها: أتعجبين مما صنعت؟! إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك) هذه -والله- هي السعادة حينما تنفق لله، وأي مالٍ أخرجته مخلصاً لوجه الله تحتسب به ما عند الله، فإن الله يخلفه عليك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يخلف عليك بالبركة في مالك، ولذلك قال ﷺ : (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).

стр. 470

بر الوالدين والإحسان إليهما وكما أن السعادة تكون في النفس بالاستقامة تكون في الأهل والمال والولد، فإذا أراد الله أن يسعدك في قرابتك رزقك رضا أقرب الناس إليك ورزقك الرضا من أقرب الناس إليك وأعظمهم حقاً عليك، فإذا أراد أن يسعدك رزقك رضا الوالدين، فمن أعظم أسباب السعادة: رضا الوالدين، ومن أرضى والديه ﵁، وكم من ابنٍ بار فتحت أبواب السماء لدعواتٍ مستجابةٍ من والديه، وكم من ابنٍ بار فتح الله أبواب الخير في وجهه عندما أرضى الله في والديه، قال ﷺ : (رضي الله على من أرضى والديه، وسخط الله على من أسخط والديه) وفي الحديث: (يا رسول الله! أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله). فمن أعظم أسباب السعادة بر الوالدين، والله تعالى إذا أراد أن يسعد الإنسان جعل قلبه معلقاً برضا والديه، فإذا كانا حبيبين نظر إليهما نظر الرحمة فيرحمهما عند المشيب والكبر، ورزقه الله انكسار القلب وهو يرى والده في آخر هذه الدنيا ضعيفاً سقيماً كبيراً، فألهمه بره والإحسان إليه، ونظر إلى أمه وهي ضعيفةٌ سقيمة في آخر أعتاب هذه الدنيا، فأحبها من كل قلبه، واشتغل ببرها بسائر جوارحه، ينتظر رضاها الصباح والمساء والعشي والإبكار، حتى يتأذن الله له بتمام الرضا، فكم من حوادث ووقائع رأى أهلها السعادة بفضل الله وحده ثم ببر الوالدين. إذاً: بر الوالدين من أعظم أسباب السعادة، حتى ولو كانا ميتين، فإن كثرة الترحم عليهما والاستغفار لهما والصدقة عنهما من أسباب السعادة، ولذلك قال الرجل: (يا رسول الله! هل بقي من بري لوالدي شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟ -من رحمة الله أنه لم يقفل عليك هذا الباب الكريم وهو رضا الوالدين، حتى بعد موتهما- قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) والله لن ترى عبداً يبرُ والديه من أهل الإيمان إلا وجدته سعيداً قرير العين عن الله ﷻ .

стр. 471

أثر الإيمان في سعادة العبد إذا أراد الله أن يسعد العبد كان أول ما يوفقه إليه هو الإيمان بالله ﷻ ، فمن عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ورزقه الله سلامة الإيمان واستقامة الجنان وصوَّب الأمور كلها للواحد الرحمن، واعتقد من قرارة قلبه ألا ملجأ ولا منجى ولا مفر من الله إلا إليه. السعيد الذي ملأ الله قلبه بالإيمان فإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، لا تتبدل أحواله ولا تتغير هدايته، قد جعل الجنة والنار نصب عينيه، فهو يعمل للجنة ويفر من النار. إذا أراد الله أن يسعد العبد رزقه انشراح الصدر بذكره وطمأنينة القلب بالإنابة إليه وشكره، فالذاكرون الله كثيراً والذاكرات هم السعداء، وإذا أراد الله أن يسعد العبد رزقه قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، فأصبح لسانه لا يفتر عن ذكر الله ﷻ ، وأصبحت ساعاته وحركاته وسكناته كلها لله ، ينتقل من طاعةٍ إلى طاعة، ومن برٍ إلى بر، ومن خيرٍ إلى خير، لا يسأم ولا يمل، وقلبه متعلق بالله . سعادة المؤمن في ذكر الله، ولقد سبق المفردون (قالوا: يا رسول الله! من هم المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) فإن كلمة واحدة من ذكر الله قد تسعدك إلى لقاء الله، وذكر الله عظيمٌ عند الله، قال ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فمن أكثر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وصوَّب الأمور كلها لله فقد كملت سعادته وعظمت هدايته.

стр. 472

الرضاء بقضاء الله إذا أراد الله أن يسعد العبد رزقه الرضا بقضائه، فوالله لو لبس مرقع الثياب وعاش فقيراً مدقعاً فإن الله يملأ قلبه بالغنى، فإن ابتلي وهو يشكر ربه ويحمده يحس أنه لا أسعد منه حينما رضي عن الله، ولو رأى مصائب الدنيا وأهوالها ونكباتها فإنه سيعلم أن الأمور كلها لله ، فلا يضيق عليه قلب، ولا يسأم ولا يمل، ولا يشتكي الرب إلى الخلق، ولا يشتكي من سقمه ولا من مرضه لعلمه أن الله ابتلاه، فيحب أن يري الله من نفسه ما يحب ويرضى، ويحب أن يسمع الله من لسانه ذكره وشكره والإنابة إليه سبحانه، فمن أمسى وأصبح راضياً عن الله أرضاه الله، وكم من غني ألبسه الله ثوب الغنى والعافية، ومع ذلك تنصب عليه الأموال صباح مساء، ولو سألته عن حاله لقال: إني في همٍ وكربٍ وغم! المال لا يأتي بالسعادة، ولو كان المال يأتي بالسعادة لكان أسعد الناس قارون، كانت مفاتيح خزائنه تنوء بالعصبة القوية عند حملها، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. المال لا يأتي بالسعادة، وكم من غنيٍ كريم أبكاه ماله فطال بكاؤه! وكم من غنيٍ أشقاه ماله فما نال السعادة بعد شقائه! السعادة لا تكون إلا بالرضا عن الله، والعلم اليقيني أننا ملكٌ لله، فإذا علم العبد أنه لله توسع عليه ضيق الدنيا، وزال همها وغمها، فأبدله الله الفرح والسرور والكرامة، ومن ظن أن السعادة في الأموال فإنه قد أخطأ. حدثني الوالد ﵀: أن رجلاً كان غنياً ثرياً، أنعم الله عليه بالنعمة، ووسع عليه بالرزق، قال ﵀: لما اشتد الحال بالناس اشترى صفقةً من الطعام، وكانت صفقةً كبيرة، قال ﵀: فدخلت عليه وقد أخبره رجل أن سعر الطعام الذي اشتراه قد ارتفع إلى أضعافٍ كثيرة، فلم يتحمل الفرحة فسقط ميتاً على دفتره، قال: ومضت الأيام، وتبدلت الأحوال، فدخلت على رجلٍ من أهل المدينة في كرائم نعمه وقد اشترى صفقةً من نفس الطعام، قال: والله فأتاه الخبر بأن سعر الطعام قد انخفض، فلم يتحمل الصدمة فسقط ميتاً. فقال: سبحان الله! عجبت لرجلٍ يموت عند الغلاء فرحاً، ورجلٌ يموت عند الرخص حزناً!! فالسعادة ليست في المال، فوالله كم من غنيٍ ثري يتمنى أنه كالفقير! وكم من غنيٍ ثري أبكته زوجته بسبب المال وأبكاه أولاده وأقاربه بسبب المال! فلم أر السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد ولربما رأيت الرجل فقيراً مدقعاً قليل المال ولكن الله أغناه بالإيمان والرضا، فإذا دخلت عليه قلت له: كيف حالك؟ قال: الحمد لله، في نعمةٍ من الله وفضل. وكم من قويٍ في البدن قد أنعم الله عليه بالعافية، ومع ذلك سلبه الرضا في قلبه، فإذا سئل عن حاله اشتكى وبكى! وكم من مريضٍ فقيرٍ طريح الفراش قد يكون مشغولاً في مقعده، تسأله: كيف حالك؟ يقول: الحمد لله، لأن الله ملأ قلبه بالرضا! إذا أراد الله أن يسعد العبد أسعده أولاً في نفسه، وظهرت دلائل السعادة بالتوبة والإنابة إلى الله، والبكاء على ما سلف وكان من الذنوب والعصيان، فيسأل الله -دائماً- العفو والغفران، وسيصلح الله من حاله ويبدل من أفعاله ومقاله إلى خيرٍ وبر. ثم تأتيك السعادة في الهداية والإنابة إلى الله والرجوع إليه : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلام﴾ [الأنعام:١٢٥].

стр. 473

الأسئلة

стр. 474

أسباب قسوة القلوب السؤال إن الله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] وإن الناظر في أحوال الناس يرى أن القلوب بدأت تتحجر ولا تخشع، ولا العيون تدمع عند سماع آيات القرآن، فهلا ذكرت لنا موعظة لتلين قلوبنا وتدمع أعيننا، وما هي أسباب قسوة القلوب؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله! والله المستعان! إن الوعظ والتذكير مسئولية عظيمة، وتذكير الناس ووعظهم ليس بكلمات تذكر فقط، بل تحتاج إلى حضور قلب، وأحتاج قبل أن أعظكم أن أعظ نفسي، وأحتاج قبل أن أذكركم أن أذكر نفسي، والله من أصعب الأسئلة عليَّ وأعظمها عليَّ أن يقال: عظنا! من أنا حتى أعظ؟! الكل يحث ويذكر بالله ﷻ . كم من أناس كانوا معنا في العام الماضي، أين هم الآن؟ كم من أناس كانوا في نعمة وأصبحوا في نقمة! فالليل يذكر بالله، والنهار يذكر بالله، وكل شيءٍ في هذا الوجود إلا وهو يعظكم، ما من شيء منذ طلوع الشمس إلى غروبها إلا وهو يذكرك بغروبك من الدنيا وخروجك منها، فقط موقف تقفه إذا دنت الشمس من الغروب، أتتأمل تلك الساعة، كانت الشمس في قوتها ووهجها، يسقط الناس من حرارتها، وإذا بها عند الغروب قد أسلمت لله وذلت له ﷻ ، فإذا بذلك الشعاع ينكسر، وإذا بتلك القوة تنحسر وتنفطر، وإذا بها تؤذن بالغروب، يذكرك الله ﷻ أن هذه النعمة التي تعيشها -إن كنت في قوتك- ستزول وتنتهي وتسلم الروح له ﷻ ، كل شيءٍ يذكر بالله، ولكي تكون قلوبنا حية فلنتأمل في كل شيء، بيتك الذي تدخله ومسكنك الذي تسكن فيه الآمن الجديد الجميل وإذا به يصير إلى هدم وإلى حالة أسوأ مما كان عليها، يجدده الليل والنهار، ويغيره العشي والإبكار، فكل شيء يذكر بالله ﷻ ، يوم أن توجه نظرة في هذا الوجود إلا ويصيبك شيء من التأمل. أما قسوة القلوب فمن آثار الذنوب، وكل الذي يصاب به الإنسان هو بسبب الذنوب، فعليك ألا تقول وتعمل إلا خيراً، وعلى المسلم أن يتذكر قول الله : ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]. ثقل الموازين بالطاعات والحسنات، وليتذكر الإنسان لماذا خلق؟ ولماذا أوجده الله؟ فكل لحظة ينبغي أن تسخرها لهذا الأمر فتسبح وتحمد وتهلل وتكبر وتذكر الله ﷻ لعل الله أن يثقل موازينك، فكم من كلمة يسيرة من ذكر الله ﷻ ثقل الله بها الميزان ورفع بها الدرجات. فعلى المسلم أن يكون دائماً ذاكراً لله ، فمن عبرة إلى عبرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وإذا حاول المسلم تغيير ما في قلبه من شر إلى خير فإن الله يوفقه ويسدده إلى كل خير، وهذه من الأسباب التي تزيل قسوة القلب، كذلك من الأسباب كثرة تلاوة القرآن، ولو أن الإنسان لا يحفظ إلا الفاتحة فليكررها؛ لأن قراءة القرآن من أعظم أسباب لين القلوب، وكم من حافظٍ للقرآن إذا تلاه كتبت لها ملايين الحسنات، إن هذا مما يلين القلوب بالله ﷻ . كذلك أيضاً مما يلين القلوب لذكر الله : أن يبتعد الإنسان عن الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصبر نفسه على الخير. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرحمنا برحمته. اللهم إننا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم تب علينا في التائبين، وارحمنا برحمتك وأنت أرحم الراحمين. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم ألا يفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وأجر مرفوع، وعمل صالح مقبول مبرور. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 475

من علامات قبول الأعمال السؤال إذا عمل الإنسان عملاً صالحاً، فما هي علامات قبول هذا العمل؟ وكذلك إذا تاب، هل هناك علامات لقبول توبته؟ الجواب أما بالنسبة لأمارات القبول فهو غيبٌ لا يعلمه إلا الله سبحانه، الله وحده هو الذي يعلم من المقبول وغير المقبول، كان علي ﵁ إذا كانت آخر ليلة من رمضان صاح وبكى، وقال ﵁: (ألا ليت شعري من هو المقبول فنهنيه، ومن هو المحروم فنعزيه) فقد يكون الذنب سبباً لعدم قبول العمل، فنسأل الله أن يتقبل منا ومنك. انظروا إلى نبي الله الخليل حبيبه وصفيه ﵊، لما بنى القواعد من البيت وهو في العمل الصالح يقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، فكان يسأل الله القبول. ومن أمارات القبول: أن الإنسان يكون حاله بعد الطاعة أفضل من حاله قبل الطاعة. ومن علامات القبول: أن الإنسان بعد الطاعة يحسُ بانشراحٍ لعمل طاعةٍ للرب، فأنت -مثلاً- إذا تبت إلى الله ثم وجدت بعد ذلك انشراحاً لزيارة أرحامك، فتخرج من صلة رحمك لينسأ لك في أثرك، ويبسط لك في رزقك، ويزاد لك في عمرك، فتخرج تحتسب الأجر من الله، وما أن تفرغ من بر الوالدين إلا وصدرك ينشرح، فبدلاً من أن تذهب إلى بيتك لتذهب إلى محاضرة أو مجلس ذكر أو موعظة، فتجد أن الطاعات تتبع بعضها بعضاً، فلا يزال العبد المقبول يدخل في رحمات الله ﷻ من بر إلى بر، ومن طاعة إلى طاعة، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. ومن علامات قبول الأعمال الصالحة: ظهور آثارها على العبد، فإن الصلاة لها أثرٌ عظيم، ومن ذلك أنها تحفظ صاحبها -بإذن الله- من الفحشاء والمنكر، فإذا خرج المصلي من المسجد يغض بصره عن محارم الله، ويكف لسانه عن أذية المسلمين، ويحفظ فرجه عن حدود رب العالمين، فليعلم أن صلاته -إن شاء الله- مقبولة، تجده بعد فعل الطاعة، إذا جاء دافع الشهوة يقول: أعوذ بالله! أعوذ بالله! فيخشى ويخاف، فمثل هذا يرجى له القبول، ونسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، والله أعلم.

стр. 476

تحذير من القنوط من رحمة الله السؤال أنا شاب ظاهري الصلاح، ولكن أحس بقسوةٍ في قلبي وأحب فعل الطاعات وأعزم على فعلها، ولكن سرعان ما أقع في المعصية، وأجد تأنيباً من نفسي، حتى أني أخشى على نفسي من القنوط واستحواذ الشيطان على قلبي، فهل من علاج لهذه المشكلة؟ الجواب لا زال الخير موجوداً في قلبك ما دمت أنك تندم وتتألم، وأبشر بالخير، وكل من عصى الله وابتلي بالمعصية فإن الله إذا أراد به خيراً ألهمه حسن الظن بالله، فإذا ابتليت بالمعصية -ولو مئات المرات أو آلاف المرات- فتب إلى الله، فإن الله يفرح، والله يحب منك أن تقول: اللهم إني تائبٌ إليك، ويفرح بذلك -وهذا أخبر به النبي ﷺ فرحاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله : (لله أفرح بتوبة عبده) فإذا ابتليت بالمعصية إياك أن تقنط! واعلم أنه لو بلغت ذنوبك عنان السماء، واستغفرت الله لغفرها لك ولا يبالي، ولو أتيت بقراب الأرض خطايا وتبت إلى الله توبة نصوحاً أتاك الله بقرابها مغفرة ولا يبالي. وانظر هذا النداء: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] الذين أسرفوا، فمهما بلغت ذنوبك، فأحب ما يكون من العاصي أنه بعد المعصية يتوب إلى الله ، وإذا تبت إلى الله فإنك تغيظ الشيطان، والذي أوصي به: من وقع في أي ذنب بعد التزامه وهدايته ألا يقنط، فإن الشيطان يقول له: إن الذنب منك ليس من غيرك، وأنت الآن ملتزم ومطيع فكيف تفعل هذه المعصية؟ أنت لا خير فيك ولو كان الله يحبك ما جعلك تعصيه، فالشيطان خبيث، فإذا قال ذلك فقل: اخسأ عدو الله، فإن رحمة الله واسعة، وإن رسول الله ﷺ أصدق منك حينما قال: (لله أفرح بتوبة عبده) فتتوب إلى الله من ذلك، واعلم أن هذا الذي تفعله من توبة تغيظ به إبليس، فما أوصيك إلا بحسن الظن بالله، وأن تعلم أن الله يحب منك التوبة، ونسأل الله العظيم أن يتوب علينا وعليكم وهو أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم.

стр. 477

كيفية بر الوالدين بعد موتهما السؤال كيف تكون الصلاة على الوالدين بعد موتهما؟ الجواب الصلاة تطلق على معنيين: الصلاة التي هي الصلاة على الميت، ومن حق الوالد على ولده أن يشهد جنازته وأن يصلي عليه وأن يدعو له في هذه الصلاة؛ لأن هذا من أقرب الدعاء؛ لأن الشفقة والحنان الذي بينه وبين والديه تدعوه إلى الدعاء بإخلاص وصدق. أما المعنى الثاني: وهو الذي فسّر به جمعٌ من شراح الحديث: أن الصلاة بمعنى، الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] أي: ادع لهم، ولذلك قوله ﵊: (الصلاة عليهم والاستغفار لهم) قيل: من باب عطف الخاص على العام، فالاستغفار نوعٌ من الدعاء، فعطف الاستغفار لفضله وشرفه، فأفضل ما تقول أن تقول: ربِّ اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا. سبحان الله! كلمة يسيرة، ولربما يكون الوالد أو تكون الوالدة الآن في قبرها وهي أحوج منك إلى دعوة. البر أصدق ما يكون بعد الموت؛ لأنك لا تحابي ولا تجامل، وبرك من الأمور الكريمة الطيبة التي وجدنا من آثارها الحميدة وعواقبها الحميدة خيراً كثيراً. إن كثرة الدعاء للوالدين بعد الممات من الأمور الجليلة الكريمة؛ لأنه قد يكون في كربة وفي ضيق من ضيق القبر ينفس الله عنه، بفضله سبحانه ثم بدعائك كما قال ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث -وذكر منها- ولد صالح يدعو له) فتذكر لو أنك أنت الميت ما فتر لسان الوالد ولا فتر لسان الوالدة من الدعاء لك، فلا تشغلك الدنيا عن والديك، وما الذي تخسره وأنت جالس تقول: رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيراً، وتسأل الله لهما أن يوسع لهما القبر، وأن يهون عليهما السؤال في القبر، وأن يهون عليهما الحساب، واعلم أنك -والله- ما ذكرتهما بدعوةٍ صالحة وهم في القبور وضيقها إلا سخر الله لك من يدعو لك كما دعوت لهما وخاصةً الأم؛ لأن حقها كثير، وفضلها كبير، سئل رسول الله ﷺ : (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك). كثرة الدعاء للوالدة والترحم عليها بقولك، اللهم اغفر لها اللهم ارحمها اللهم سامحها اللهم اغفر لأبي اللهم ارحمه اللهم تُب عليه اللهم سامحه اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ونحو ذلك من الدعوات الطيبة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولربما تقول: اللهم افسح لأبي في قبره ونور له فيه، فيفسح له في قبره إذا دعوت بهذه الدعوة، أو ربما تسأل الله لوالديك رحمةً في القبر فيستجيب الله لك، فالله الله في كثرة الدعاء للوالدين والاستغفار لهما. وكذلك الصدقة عنهما مستحبة؛ لأن سعداً ﵁ كما في الحديث الصحيح قال: (يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها -يعني: ماتت ولا أراها لو بقيت إلا أوصت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم) فأوصاه أن يتصدق عنها فتصدق سعد ﵁ ببستانٍ كامل عن أمه، ﵁ وأرضاه، وكانت التمرة الواحدة يتغذى منها الرجل يوماً كاملاً، فما بالك ببستانٍ كامل؟!! قدّمه للآخرة ورآه قليلاً يسيراً أمام فضل أمه عليه، وقد كان من أبر الناس بأمه ﵁ وأرضاه. فعلى الإنسان أن يحرص على الدعاء وألا يغفل عن الوالدة، ونحن كلنا فينا غفلة إلا أن يرحمنا الله برحمته، فيحرص الإنسان على كثرة الدعاء للوالدين وخاصةً بعد الموت، بأن يترحم عليهما، وأن يجعل لهما شيئاً من صدقة، ينظر إلى مكهول أو إلى أيتام ويجعل لهم قسطاً في الشهر، فيأخذ من طعامه ويجعلها صدقة جارية على والديه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهذا هو الذي ينفع، والمعروف لا يبلى، والخير لا ينسى، ومن زرع خيراً وجده، ومن التزم بالمعروف أحبه الله. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. والله تعالى أعلم.

стр. 478

من مقومات السعادة الزوجية السؤال كيف يكون الرجل سعيداً مع زوجته، مع العلم أني سعيدٌ مع زوجتي، لكنها -بطبعها- قليلة الكلام، وأنا أجد في نفسي السآمة والملل عندما لا تتحدث معي، فما هي مقومات السعادة الزوجية؟ الجواب الحقيقة أنه لا سعيد إلا من أسعده الله، وإذا أراد الله أن يسعد الزوج بزواجه والزوجة بزواجها رزقهما الدعاء قبل الزواج، وقبل أن يتحمل المسئولية ويبتلى بالأمانة يلهج بالدعاء، ويسأل الله أن يبارك له في زوجته وأهله وأن يصلح بعله، ولذلك قال الله عن نبيه زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَه﴾ [الأنبياء:٩٠] فالذي أصلح لزكريا وأصلح لمن قبله يصلح لك زوجك، فأعظم أسباب السعادة: كثرة الدعاء. الأمر الثاني: حسن النية في الزواج، ألا يتزوج الإنسان لشهوته، ولكن يتزوج لكي يعف نفسه عن الحرام ويبتعد عن الفواحش والآثام، ويأخذ بينه وبين الله أن يبارك له في هذه الزوجة فيغض بصره عما حرم الله، ويحصن فرجه عما نهاه الله عنه، وإذا حسنت نيته بارك الله له فيه؛ لأنه يكون له عبادة طاعةً. ومما يعين على السعادة الزوجية: الاهتداء بهدي النبي ﷺ في تألفه ومودته ومحبته لزوجه وتواضعه وإخلاصه وجميع شمائله. كان ﷺ خير زوجٍ لزوجه، يقول ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) فشهد -وهو الصادق- ﷺ أنه خير الناس لأهله وزوجه. كان ﷺ إذا دخل البيت لا يدخل وفي قلبه على أهله شيء، حتى كانت أم المؤمنين ﵂ وأرضاها تقول: (كان إذا دخل لا يدخل من وجه الباب). وكان إذا دخل ﵊ ابتدأ بالسواك حتى لا تشم منه إلا رائحة طيبة؛ لأنه طيب قد طيبه ربه، فكان يتفقد المشاعر والأحاسيس. كان إذا خرج ﵊ إلى الأمة وقف على منبره فأخشع القلوب لربها، وقاد جحافل الإيمان لنصرة القرآن والدين صلوات الله وسلامه عليه، فكانت لا تأخذه في الله لومة لائم، وإذا دخل إلى بيت الزوجية دخل أكرم بعل وأكرم زوج على أهله صلوات الله وسلامه عليه، دخل بشيءٍ من الألفة والمحبة، لا يدخل وهو يشعرهم أنه عظيم وكبير، وإذا هو بذلك وتلك الألفة يرسم النموذج العالي للزوج، فالحياة الزوجية تحتاج إلى شيءٍ من الحذر وإلى شيء من التوقي وتلمس المشاعر، وقد كان ﷺ ينادي عائشة ﵂ ويقول: (يا عائش!) يرخم مع النداء حتى إذا نادى لها ﵂ وأرضاها. وما عاب طعاماً بين يديه قط صلوات الله وسلامه عليه، ولا سب ولا شتم امرأة، بل ولم يسئ إلى أحدٍ بلسانه صلوات الله وسلامه عليه، إن وجد خيراً حمد الله ورد الجميل بأجمل منه، وإن وجد غير ذلك شكر وصبر وذكر الله ﷻ . يأتي إلى أم المؤمنين ويقول لها: (هل عندكم طعام؟ قالت: لا والله، قال: إني إذاً صائم) ولو أن رجلاً منا نادى وقال: هل عندكم طعام؟ فقالت امرأته: لا ما عندنا طعام، لأقام الدنيا وأقعدها فضيق الله عليه، وأساء فرأى عاقبة السوء فما سميت السيئة سيئة إلا لأنها تسيء إلى صاحبها، وإذا جرحت مشاعر الأهل بالسيئة ساءتك السيئة التي خرجت من لسانك. كان يحذر صلوات الله وسلامه عليه في كلامه وخطابه وندائه، وإذا وضعت عائشة ﵂ الطعام والشراب بين يدي رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- إذا به يقسم عليها أن تشرب قبله ﷺ ، فتشرب قبل نبي الأمة وأحب الخلق إلى الله ﷺ . إن كريم الأصل من طاب وطابت شمائله وآدابه، الرجال العظماء والفضلاء لا يرتفعون إلا بالتواضع فالزوج إذا دخل إلى بيت الزوجية وهو يرى نفسه أنه فوق المرأة والمهيمن والمسيطر فإن هذا ينعكس على مشاعره وأحاسيسه، يدخل كما دخل نبي الرحمة ﷺ ، ويعاشر كما كان يعاشر صلوات الله وسلامه عليه، فإذا جاءت المناسبات والأفراح أدخل السرور على أهله وعلى زوجه. ففي الصحيحين: لما قام الأحباش يلعبون يوم العيد في المسجد، سألت عائشة ﵂ رسول الله أن تنظر إليهم فما كسر خاطرها ﷺ وما قال لها: أقف لك وأنا نبي الأمة حتى تنظري؟ بل قام ﷺ ونعم القيام قيامه، فوقف ووقفت أم المؤمنين تنظر إليهم وهم يلعبون من وراء ظهره صلوات الله وسلامه عليه، فيقول: (هل فرغت؟ تقول: لا بعد، فيقول: هل فرغت؟ تقول: لا بعد) فانظر إلى طيب وقوفه! وانظر إلى إصرارها وطول وقوفها موقفها ﵂ وأرضاها! تعلم رحمته وشفقته، تقول له: لا بعد، لا بعد، تجملت من الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعمره صلوات الله عليه في الستينات وهي صبية، وتقول: اقدروا قدر الصبية الجهلاء. الواحد منا يريد من زوجته أن تكون موطأة الكنف كثيرة الإحسان والتبعل لزوجها، ولكن لا ننظر ما الذي قدمناه لزوجاتنا، وبمجرد أن يفكر الواحد منا في حسن العشرة جاءه الشيطان من شياطين الإنس أو الجن، فأقام له الدنيا وأقعدها، وقال له: إن أحسنت إلى زوجتك فإنها تؤذيك في مستقبلك، إنك إن تواضعت لها ركبتك، وإن تذللت لها أهانتك، فلا يزال القلب يمتلئ بسوء الظن في الأهل حتى لا يستطيع الإنسان أن يتواضع لأهله، نسأل الله السلامة. ومن الناس من يدخل بيته يدخل بيته وهو دائم الأذية شديد الصراخ كثير الكلام، حتى إنك لتعجب والله من الرجل منا إذا جلس مع الناس تبسم وتهلهل وجهه وتحبب إلى الناس، ولربما جاءه رجل فأساء إليه فيسعه بحلمه ويبدي له الصبر، ولكن ما إن يدخل إلى بيته -نسأل الله السلامة والعافية- إلا كشر عن أنيابه وغير وجهه فأضر وآذى أهله، يقول ﷺ : (ما أولئك من خيراكم) أي: الذين يضربون نساءهم، فخيار الأمة خيارهم للأهل. ما الذي نريد؟ نريد هدي النبي ﷺ ، هذا الهدي الكريم الذي جمعه الله في آيةٍ واحدة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] فالكلمة الطيبة تلمس المشاعر والأحاسيس. ومما يوصى به لاستقامة بيت الزوجية وسعادته: أنك تتذكر دائماً أنك لست الأولى بالفضل، وهذه من الحكم المعروفة المأثورة وهي: أن الرجل الكريم لا تطيب شمائله إلا إذا تواضع للناس ألا تستوجب على الناس شيئاً، ولذلك أي إنسان أعطاه الله نعمة وأحس أن له فضلاً على الناس؛ تعالى على الناس وأهانهم وأذلهم وظلمهم حقوقهم، نسأل الله السلامة والعافية، لقد كان بعض العلماء يقول: إذا حضرت المسجد فرأيت الناس قد اجتمعوا قلت: فضل عليَّ لهم أنهم جاءوا، فلا يرى أنه ذاك العالم الذي جاء الناس لعلمه. وللرجل القوامة على المرأة كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ولكن هناك آداب وشمائل زين الله بها أهل التقوى، فإذا لم نكن طيبين بأخلاقنا وشمائلنا لأهلنا فلمن نكون؟!! وإذا لم تكن بيوتنا مبنية على المحبة والألفة فأين تكون الألفة والمحبة؟!! ومهما بدرت من زوجتك إساءة فاصبر عليها، وانظر لنفسك بعين النقص، فلا تحس أن لك كمالاً على الناس، فإذا دخلت البيت ووجدتها قد طبخت طعاماً، قلت لها: جزاك الله كل خير، وقلت الكلمة الطيبة: بارك الله فيك، أحسن الله إليك، هذه الدعوات الصالحة تجد أثرها وخيرها عليك في بيتك (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه)، فاحمد الله أنك وجدت امرأةً تطبخ لك، وكم من امرأةٍ تمردت على زوجها بسبب سوء أخلاقه، وإذا رأيتها غسلت ثوبك أو أحسنت إليك أو جاءتك بالشيء، قلت لها: جزاك الله كل خير فتثني عليها أمام أولادها، حتى يجلونها وتقابلك هي بالإجلال، فإذا بأولادك يحبونك ويحبونها، ويكرمونك ويكرمونها، وإذا بالبيت تنتشر فيه الرحمة، وينتشر بين أهله الحب والود الذي ينبغي أن تقوم عليه بيوت المسلمين، وأما إذا أصبح الرجل يرى أنه ذلك المستحق للاحترام، وأن أقلّ خطأ من المرأة لا يغفر، وأنه إذا زلت بلسانها قام فسبها وشتمها وربما أمام أولادها. من أعظم العيب وأقبحه أن تكون المرأة بنت خمسين أو ستين سنة وإذا بزوجها يكفكفها أمام أولادها! من أقبح العيب والله أن يكسر خاطرها ويهين كرامتها أمام أولادها! وهذا والله ليس من العشرة بالمعروف. راقب أفعالك وتصرفاتك، فالسعادة تحتاج منك إلى ثمنٍ كبير، وإلى تضحية، كان الصالحون يتأذون من زوجاتهم، ويضطهدون فلا يسمع منهم إلا الخير، وقيل: إن زكريا ﵇ كانت امرأته تشتمه وتهينه، ومع ذلك كان صابراً، فالمرأة ابتلاء من الله، ولربما يبتليها الله بك حتى بالاحتقار. كان هناك عالم من علماء المدينة، قال لزوجته ذات يوم -وقد كانت تهينه- تعالي إلى المسجد وانظري فجاءته إلى المسجد ونظرت وإذا بالأمة قد أصغت إليه، فالمرأة لأنها تنظر إلى زوجها بعينٍ ناقصة تهين زوجها، فالمقصود: أنه لا بد من الصبر، ومن التحمل واحتساب الأجر، يبتليك الله بزوجتك لدرجةٍ في الجنة لا تبلغها بكثرة صلاة ولا صيام. عندما تدخل إلى البيت فإن سمعت خيراً قلت: الحمد الله الذي رزقني زوجة تخاف الله، وإذا رأيتها غير ذلك، قلت: اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اهدها، اللهم أصلحها. يقولون عن رجلٍ من العلماء: أنه دخل عليه أحد طلابه، فوجد عنده ابناً باراً عجب من بره، فقال له: أتعجب من بره؟ والله لقد عشت مع أمه عشرين أو ثلاثين عاماً ما تبسمت في وجهي قط، فصبرت فعوضني الله ما ترى. الذي يريد السعادة يدخل إلى بيته بقلبٍ واحد، ما رأى من خيرٍ شكره، ويشعر أهله بأنه زوج كريم، فعندما تضع زوجتك الطعام فتشكرها، فيسمعك أولادك فيعتادون شكر الناس على الإحسان، وإذا رأوك كريماً مع زوجتك تعلموا كيف يعيشون مع الناس كراماً؛ لأن البيت مدرسة، وعلينا أن نتقي الله في أفعالنا وأقوالنا وخاصةً أمام الأبناء والبنات. فالسعادة الزوجية لا تكون ولن تكون إلا إذا عرف المسلم هدي رسول الله ﷺ فطبقه وسار على نهجه واحتسب الأجر عند الله عز و

стр. 479

أسباب تعين على قيام الليل السؤال إن من أسباب السعادة أن يوفق العبد لقيام الليل، وإني كلما حاولت القيام لا أستطيع رغم بذل الأسباب، فهل من كلمة توجهها إليَّ؟ الجواب قيام الليل من أجلّ الطاعات وأشرف القربات التي يرحم الله بها المؤمنين والمؤمنات، وانظر إلى نصوص الكتاب والسنة وما فيها من الدلائل العجيبة التي تدل على فضل هذه العبادة؛ لأن الله أوحى لنبيه وأمره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]، فكان أول ما أمره أن تنتصب قدمه بين يدي الله في جوف الليل، وقد نامت العيون وهدأت الجفون، وقام العبد بين يدي الله يتلو كتاب الله ويرجو رحمته، فهي ساعات الصالحين، وأمنية المتقين، وشعار عباد الله المفلحين. ما رزق أحد قيام الليل إلا أفلح ونجح وربحت تجارته في الدنيا والآخرة: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : (أما العبد إذا كان في جوف الليل وقام ليتهجد وترك زوجته وحبه، فقال الله: يا ملائكتي! عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه؟ فيقولون -والله أعلم- يرجو رحمتك ويخشى عذابك، فيقول الله: أشهدكم أني أمنته من عذابي وأصبته برحمتي). قيام الليل خيرٌ كثير، فهو شأن الصالحين وعباد الله المفلحين، ما حبب قيام الليل إلى عبد إلا رزقه الله الصلاح والفلاح، وكم من دعوةٍ استجيبت في ظلمات الليل! قال: (يا رسول الله! أيُ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر) جوف الليل الأظلم، إذا نامت العيون، وهدأت الجفون. ثم إن هذه العبادة تربي في الإنسان الإخلاص لله ﷻ ، فلا أحد يراك ولا يعلم بك إلا الله، وإنما تتقلب بين يديه، وهذه العبادة تعين الإنسان على كثيرٍ من الخير إذا أصبح، فمما يعين على أمور الدنيا إحياء الليل في طاعة الله، فإن النبي ﷺ عندما جاءته فاطمة -كما في الحديث الصحيح- تسأله خادماً: قال لها: (أولا أدلك على خير من ذلك؟ إذا آويت إلى فراشك، تسبحين الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين، وتكبرينه أربعاً وثلاثين، فذلك خيرٌ لكِ من خادم) فإن هذا الذكر من المجرب أنه إذا تركه الإنسان وجد أثره في رزقه وحاله. فذكر الله في الليل فيه خير كثير، ثم إن الإنسان إذا أصبح يتلألأ وجهه من نور الصلاة، قال ﷺ : (الصلاة نور، والصدقة برهان) فمن أكثر من قيام الليل تلألأ وجهه بنور العبادة ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] أي: سيما نور العبادة، قال بعض السلف: (كان الرجل من الصحابة إذا أصبح كأن وجهه الشمس من نور العبادة). يتقلب بين يدي الله في جوف الليل، فلا يزال العبد بخير إذا أقام الليل وذكر الله في ليله وفي جوف الليل الأظلم سأل الله في الساعة التي تستجاب فيها الدعوة. وأما بالنسبة لأعظم الأسباب التي تعين على ذلك فأعظمها وأجلها وأولها: كثرة الدعاء، بأن يرزقك الله قيام الليل. والأمر الثاني: أن تكثر من تلاوة القرآن، فإن القرآن يحبب في الطاعة كلها وبالأخص في قيام الليل. ثم إن مما يعين على قيام الليل: علم الإنسان بعظيم أجره وجزيل ثوابه، فإن الركعة في جوف الليل الأظلم لها أجر كبير، خاصةً إذا كانت على هدي النبي ﷺ ، فأطال قراءة القرآن، وتلذذ بمناجاة الحليم الرحمن، قال ﷺ : وهذا أحد الصحابة قرأ سورة الكهف، فجاءت سحابةٌ أو غمامة، فقال رسول الله: (اقرأ فلان فيك السكينة تنزلت لقراءة القرآن) وإذا نزلت السكينة على العبد ثبت الله قلبه، ولذلك قلّ أن تجد إنساناً يحافظ على قيام الليل إلا وجدته في الصباح غالباً مأموناً من الفتنة بإذن الله . فاحرص بارك الله فيك على هذا الخير. أما ما يمنع الإنسان من قيام الليل: قال سفيان الثوري ﵀: (أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل ستة أشهر). فإن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم -نسأل الله السلامة والعافية- والغيبة والنميمة وسب الناس واحتقارهم من أعظم الآفات التي تحول بين المهتدي والهداية، وكم من شابٍ مهتدٍ التزم بدين الله، فكان في بداية هدايته عفيف اللسان والجنان والجوارح والأركان، فكان من أكمل الناس إيماناً، ولما غيّر غيّر الله ما في قلبه، فأصبح يتكلم في زيدٍ وعمرو وينتقص زيداً وعمراً، ولربما تكلم في عالمٍ أو داعية أو نحو ذلك، فبلي بالفتنة على قدر ما أصاب من الذنوب. فليتق الله الإنسان وليتفقد نفسه، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. نسأل الله العليم أن يرزقنا السداد والرشاد. والله تعالى أعلم.

стр. 480

صدق اللجوء إلى الله سبب في الهداية السؤال من ظن أن السعادة في إشباع الرغبات والشهوات والإعراض عن طاعة الله، ثم علم بعد ذلك أن السعادة في غير ما سبق، فكيف يترك هذه المعاصي، مع أنه شُقي بها دهراً طويلاً وهو يظن أنه يحسن العمل؟ الجواب أخي في الله! إذا أراد الله لعبده خيراً رزقه قوة الرجاء والإيمان به ، فالشيطان قد قعد لك على طريق التوبة، يقول لك: لم تتوب؟ ولم تترك هذه المعاصي ما دمت قد ألفتها؟ ولكن والله ثم والله -وأقسم موقناً بالله- أنك إن صدقت مع الله صدقك الله، وأنك إن تركت شيئاً لله أبدلك الله خيراً منه. فمن ابتلي بالشهوات والفتن والملهيات ثم أعرض عنها لله وفي الله فإن الله لا يخيبه، وسيعوضه إيماناً يجد حلاوته في قلبه وحاله، وسيجد عاقبة ما فعل من الخير. أخي في الله! لا تيأس ولا تظن أن هذه المعاصي والفتن تمنعك وتحول بينك وبين الله، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي) فالرجاء واليقين في الله ، كم من أناس نعلمهم وقد أسرفوا في المعاصي ولكن الله منّ عليهم في آخر اللحظات بقلوب أقبلت بالصدق واليقين، فبدل الله أحوالهم، فلا إله إلا الله كيف بدلت سيئاتهم حسنات! وكيف تأذن الله بغفران الخطيئات وزيادة في الدرجات ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١] لا تعجز، وكن قوي الإيمان بالله ﷻ . وإني أعرف رجلاً كنت معه وهو في السبعين من عمره، حدثني وهو صائم في مسجد النبي ﷺ وقال: إنه كان مبتلىً بشرب الخمر -أعاذنا الله وإياكم- منذ كان عمره الخامسة عشرة حتى بلغ الأربعين، فدخل ذات يومٍ على طبيب فوجد أن الخمر قد استنفذ جسمه والعياذ بالله، فقال له الطبيب: يا فلان! لا دواء لك وذلك بسبب الذي كنت فيه، فوقف المريض عاجزاً حائراً، قال: فلما قال لي ذلك كأنني انتبهت من المنام، وقلت له: ليس عندك علاج؟ قال: نعم، ليس لك علاج عندي، قال: فنزلت من ساعتي تلك، وأعلنتها توبةً لله، وصليت في مسجد النبي ﷺ ، وانطلقت إلى بيتي فلبست إحرامي تائباً إلى الله، ومضيت إلى مكة -وكان بينه وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام- قال: فلما وصلت إليها في ظلمة الليل قبل السحر أديت العمرة، ولما فرغت منها التجأت إلى الله وبكيت وتضرعت، وقلت: يا رب! إما أن تشفيني وإما أن تقبض روحي وأنا تائب، فشعرت في نفسي أن شيئاً يحركني إلى أن أشرب من ماء زمزم، فنزلت إلى زمزم، فأخذت دلواً ومن شدة الظمأ شربته كاملاً، فلما شربت هذا الدلو إذا ببطني تتقلب، فشعرت بالقيء -أكرمكم الله- فانطلقت فلم أشعر إلا عند باب إبراهيم وقد قذفت ما في بطني وإذا بها -أكرمكم الله- قطعٌ من الدم مظلمة، فلما قذفتها شعرت براحة عظيمة، وشعرت بعظمة الله ﷻ ، وأيقنت أنه من التجأ إلى الله لا يخيب، وأن الله بيده من الخير ما لم يخطر على بال. يقول: فرجعت مرةً ثانية في يقينٍ أكثر وإيمانٍ أعظم، فدعوت وابتهلت وسألت الله وبكيت بين يديه، وقلت: يا رب! إما أن تشفيني وإما أن تتوفاني على هذه التوبة، قال: فإذا بنفسي تحدثني بزمزم مرةً ثانية، فشربت الدلو مرةً ثانية، وحصل لي ما حصل في المرة الأولى، فانطلقت حتى بلغت الباب فقذفت -أكرمكم الله- فإذا بالذي قذفته أهون من الأول، ثم رجعت مرةً ثالثة، وإذا بي بإيمانٍ ويقينٍ أكثر -لأنه نظر إلى عظمة الله وجلاله وقدرته دعوت وابتهلت، فإذا بي أشعر أنني أحب الشرب، فنزلت وشربت من زمزم مرة ثالثة فتحرك بي كما في الأولى، فقذفت فإذا به ماء أصفر. قال: فشعرت براحةٍ عجيبة ما شعرت بها منذُ أن بلغت، ثم رجعت ودعوت الله وابتهلت إليه فألقى الله عليَّ السكينة فنمت وما استيقظت إلا على أذان الفجر، فقلت: والله لا أفارق هذا البيت ثلاثة أيام، فما زال يبكي، ويسأل الله العفو والمغفرة، ويشرب من ماء زمزم. قال: ثم رجعت إلى المدينة بعدها، فلما استقر بي المقام أتيت إلى الطبيب المداوي، فوقفت عليه، فنظر في وجهي فإذا به قد استنار -والحمد لله- من الهداية، فلما جاء كشف عليّ اضطربت يده وهو لا يصدق ما يرى، ثم التفت إلي وقال لي: يا عبد الله! إن الله قد أنعم عليك بشيء عظيم، يعني: هذا الشيء الذي أنت فيه -بعرف الأطباء- لا يمكن أن يصل إليه طبيب، ولكن الله هو الذي تولاك، ثم استقام هذا الرجل من ذلك الوقت لمدة ثلاثين عاماً، يقول لي: وأنا أحدثك اليوم صائمٌ وأنتظر من الله حسن الخاتمة. وقد توفي ﵀ على خير. منذُ الخامسة عشرة إلى الأربعين وهو يشرب الخمر، وأنتم تعرفون فتنة الخمر وبلاءها، ومع ذلك تاب إلى الله فتاب الله عليه، لا إله إلا الله! والله أعلم كم من أبواب رحمةٍ فتحها على المعذبين، الله أعلم كم من أبواب برٍ وإحسان أغدقها على عباده الموقنين، أيقن بالله وثق بأن الله سيعطيك فلن يخيب الله رجاءك. من هذا الذي وقف بباب الله فطرده عن بابه؟ ثق ثقة تامة أنك عندما تعلنها توبة إلى الله، فإن الله يحب منك ذلك، ووالله ما دعوت ربك ورجوته، وملأت قلبك بحبه إلا أراك الله السعادة في الدنيا والآخرة، فقد قال ﵎ في الحديث القدسي: (من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً) ويفرح بتوبة التائبين سبحانه، رغم أن العبد مذنب ومخطئ ومسيء، ولكن الله يفرح بتوبته! ما أرحمه وما أكرمه سبحانه لا إله إلا هو! يفرح بتوبة التائبين، والتوبة لنا فلن نبلغ ضره فنضره أو نبلغ نفعه فننفعه (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، ونسألك أن تتوب علينا وعلى عبدك هذا وعلى جميع عبادك المؤمنين. اللهم تب علينا في التائبين، وانشر لنا من رحمتك يا أرحم الراحمين، واغفر لنا إنك أنت خير الغافرين. والله تعالى أعلم.

стр. 481

تحذير المسلمين من فتنة النظر إلى ما حرم الله السؤال يظن كثير من الناس أن السعادة تحصل بالنظر إلى الأفلام والمسلسلات، وسماع الأغاني وغيرها، عن طريق القنوات الفضائية والدشوش، ولهذا ربما يتفاخر الناس في المجالس بما يشاهدونه بالدش أو عن طريق التلفاز وهذا معلومٌ؛ لأنه لم يعد يخلو منه بيت، حتى ظن بعض الآباء أنه لا يمكن أن يعيش في بيته بدون هذه الدشوش، أو بدون مشاهدة الأفلام عن طريق الفيديو أو غير ذلك. فنرجو من فضيلتكم تصحيح هذا الظن، وبيان انعكاسه وآثاره على المجتمعات الإسلامية؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: أولاً: لا ينبغي أن يعمم الإنسان في الحكم، أو يقول: إن كثيراً من البيوت فيها كذا وكذا، لا زال -ولله الحمد- الخير موجوداً، ولا يزال في الناس بقية خير، والخير موجود إلى قيام الساعة، ولقد كان في زمن النبي ﷺ في المدينة يوجد المنافقون والمرجفون، وكان يرى ابتلاء المؤمنين؛ لكي يظهر صدق الصادقين، وثبات الموقنين، ويظهر -والعياذ بالله- فساد المفسدين: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة﴾ [الأنفال:٤٢]. ثانياً: ليعلم كل من ابتلي بالنظر إلى ما حرم الله أن الله سائلك عما ترى، ومحاسبك على نعمة البصر التي أنعم بها عليك، الله أعلم كم من كفيفٍ للبصر يتمنى لحظةً يرى فيها أهله وولده! الله أنعم عليك بهذه النعمة وهو سائلك ومحاسبك ومجازيك بين يديه، فعليه أن يتقي الله في نفسه؛ وأرجو من الله ألا يكون فينا من ابتلي بهذا الشيء، ونسأله أن يحيينا على السلامة، ولا نزكي أنفسنا على الله فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. هذا البلاء وهو بلاء النظر، سواء كان في رؤية هذه الأشياء أو في غيرها، فلربما يفتن الإنسان في بصره وهو في طريقه إلى مسجده، فعليك أن تعلم أن البصر نعمة، وأنه لن تزول قدمك بين يدي الله حتى يسألك عن جميع ما أبصرت عيناك، وتراها أمام عينيك في يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ثم اعلم -أخي في الله- أن النظر يؤثر على القلب، وإذا تعرض العبد للفتنة فقد يزيغ قلبه فلا يهتدي أبداً والعياذ بالله، فاحذر من الفتن، فلربما فتنةٌ واحدة تهلك الإنسان دهره كله، نسأل الله السلامة والعافية، وإياك أن تقول: إنها لحظات يسيرة! وساعات قليلة! فإن الله إذا غضب على عبدٍ أهلكه: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١] الله يغضب على البصر والجوارح والأركان، يغضب على بصرك إذا نظرت إلى الحرام، ويغضب على لسانك إذا تكلمت بالآثام، ويغضب بسبب جوارحك وأركانك إذا اقترفت الحرام، ولذلك قال ﷺ : (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها أبعد ما بين المشرقين في نار جهنم) وفي روايةٌ له: (يهوي بها في النار سبعين خريفاً). كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوفاً على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور جاء بالضرر على المسلم أن يحمد الله إذا نجاه من ذلك الجهاز، ثم إذا تساهل في ذلك وأدخله على أهله وأولاده فإن الله يحاسبه وسيقف بين يدي الله في كل فتنة أدخلها على أهله وولده، والله لن تزول قدمه بين يدي الله حتى يتعلق به أولاده، ويقولون: يا رب! سل أبانا كيف أدخل علينا هذا البلاء؟ ولربما نظر الولد -وهو حديث السن- إلى نظرةٍ واحدة فتنت قلبه إلى الأبد. إن الشهوات أضرارها عظيمة، ومن زلق في الشهوات هلك، فعلى المسلم أن يعلم أن الأولاد أمانة في عنقه، والله سائله عنهم ومحاسبه بين يديه عنهم، وإذا أشقى ولده بالسوء والفتنة فإنه يحمل وزره بين يدي الله : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]، فعلى المسلم أن يتقي الله ويحمده على العافية، فكم من أمور تسر بها العيون من ذكر الله وطاعته وتربية الأولاد على الخير. إن هذه الأشياء التي يفتخر بها ويبتهج بها وهي -والله- شقاء وبلاءٌ وعناء، وهذا الذي يراه من المعصية والسوء والدعوة إلى الإثم بلاءٌ على العبد في دينه ودنياه وآخرته. فينبغي على المسلم أن يتقي الله في نفسه وفي أهله وولده، وأن يحفظ هذه الرعية التي استرعاه الله إياها، قال ﷺ : (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راعٍ وهو ومسئول عن أهل بيته). فليتق الله كل من ابتلي بهذا البلاء، وإذا كان مبتلىً ولا بد فليحفظه عن أولاده وعن زوجته، حتى لا يبتلى بغضب الله عليه، وحتى لا يحمل أوزارهم. نسأل الله العظيم بعزته وجلاله وعظمته وكماله في هذه الساعة المباركة أن يمن بالهداية على ضال المسلمين، اللهم اهد قلوبهم واشرح صدورهم، اللهم أصلح شباب المسلمين.

стр. 482

الحياة الطيبة إن للحصول على الحياة الطيبة أسباباً، ألا وهي التوبة من المعاصي، واستشعار النعمة، وفعل الفرائض، وترك النواهي، فبفعل هذه الأسباب يصبح العبد قريباً من الله ، حينها سينال الحياة الطيبة، وسيعيش السعادة الحقيقية بقربه سبحانه. ومن أهم الثمرات للحياة الطيبة استجابة الدعاء، فلنحرص على الحصول على هذه الحياة الطيبة.

стр. 483

التوبة واستشعار نعم الله من أسباب الحصول على الحياة الطيبة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده فاطر الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى والمجتبى لخير الرسالات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم تتفطر فيه الأرض والسماوات. أما بعد: أيها الأحبة في الله! الحديث عن الحياة الطيبة هو الحديث الذي ينبغي أن يعيشه كل واحد منا؛ لأن الحياة إما للإنسان وإما عليه، تمر ساعاتها ولحظاتها وأيامها وأعوامها على الإنسان، وتقوده إلى المحبة والرضوان؛ حتى يكون من أهل الفوز والجنان، أو تمر عليه فتقوده إلى النيران، وإلى غضب الواحد الديان. الحياة إما أن تضحكك ساعة لتبكيك دهراً، وإما أن تبكيك ساعة لتضحكك دهراً، الحياة إما نعمة للإنسان أو نقمة عليه، هذه الحياة التي عاشها الأولون وعاشها الآباء والأجداد، وعاشها السابقون، وصاروا إلى الله بما كانوا يفعلون، الحياة معناها كل لحظة تعيشها، وكل ساعة تقضيها، ونحن في هذه اللحظة نعيش حياة إما لنا وإما علينا، فالرجل الموفق السعيد من نظر في هذه الحياة وعرف حقها وقدرها، فهي والله حياة طالما أبكت أناساً فما جفت دموعهم، وطالما أضحكت أناساً فما ردت عليهم ضحكاتهم ولا سرورهم. أحبتي في الله! الحياة الدنيا جعلها الله ابتلاءً واختباراً وامتحاناً تظهر فيه حقائق العباد، ففائز برحمة الله سعيد، ومحروم من رضوان الله شقي طريد، كل ساعة تعيشها إما أن يكون الله راضياً عنك في هذه الساعة التي عشتها، وإما العكس والعياذ بالله، فإما أن تقربك من الله، وإما أن تبعدك من الله، وقد تعيش لحظة واحدة من لحظات حب الله وطاعته تغفر بها سيئات الحياة، وتغفر بها ذنوب العمر، وقد تعيش لحظة واحدة تتنكب فيها عن صراط الله، وتبتعد فيها عن طاعة الله؛ تكون سبباً في شقاء الإنسان في حياته كلها، نسأل الله السلامة والعافية. فهذه الحياة فيها داعيان: داعٍ إلى رحمة الله ورضوان الله ومحبته، وأما الداعي الثاني: فهو داعٍ إلى ضد ذلك، من شهوة أمارة بالسوء، أو نزوة داعية إلى خاتمة السوء، والإنسان قد يعيش لحظة من حياته يبكي فيها بكاء الندم على التفريط في جنب ربه، يبدل الله بذلك البكاء سيئاته حسنات، وكم من أناس أذنبوا، وكم من أناس أساءوا، وكم من أناس ابتعدوا وطالما اغتربوا عن ربهم، فكانوا بعيدين عن رحمة الله، غريبين عن رضوان الله، وجاءتهم تلك الساعة واللحظة وهي التي نعنيها بالحياة الطيبة؛ لكي تراق منهم دمعة الندم، ولكي يلتهب في القلب داعي الألم؛ فيحس الإنسان أنه قد طالت عن الله غربته، وقد طالت عن الله غيبته؛ لكي يقول: إني تائب إلى الله، ومنيب إلى رحمته ورضوانه! وهذه الساعة ساعة الندم هي مفتاح السعادة للإنسان، وكما يقول العلماء: إن الإنسان قد يذنب ذنوباً كثيرة، ولكن إذا صدق ندمه وصدقت توبته بدل الله سيئاته حسنات، فأصبحت حياته طيبة بطيب ذلك الندم، وبصدق ما يجده في نفسه من الشجا والألم، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحيي في قلوبنا هذا الداعي إلى رحمته، وهذا الألم الذي نحسه من التفريط في جنبه. أحبتي في الله! نريد من كل واحد منا أن يسأل نفسه سؤالاً عن الليل والنهار، كم يسهر من الليالي؟! وكم يقضي من الساعات؟! كم ضحك في هذه الحياة؟! وهل هذه الضحكة ترضي الله عنه؟ وكم تمتع في هذه الحياة؟! وهل هذه المتعة ترضي الله عنه؟ وكم سهر؟! وهل هذا السهر يرضي الله عنه؟ وكم وكم؟ يسأل نفسه أسئلة، وقد يبادر الإنسان ويقول: لماذا أسأل هذا السؤال؟ نعم! تسأل هذا السؤال؛ لأنه ما من طرفة عين ولا لحظة تعيشها إلا وأنت تتقلب في نعمة الله، ومن الحياء والخجل مع الله أن نستشعر عظيم نعمة الله علينا، وأن نحس أننا نطعم طعام الله، وأننا نستقي من شراب خلقه الله، وأننا نستظل بسقفه، وأننا نمشي على أرضه، وأننا نتقلب في رحمته، فما الذي نقدمه في جنبه؟ فليسأل الإنسان نفسه. يقول الأطباء: إن في قلب الإنسان مادة لو زادت (١%) أو نقصت (١%) مات في لحظة، فأي لطف وأي رحمة وأي عطف وأي حنان من الله يتقلب فيها الإنسان. يسأل الإنسان نفسه عن رحمة الله فقط: إذا أصبح الإنسان وسمعه معه، وبصره معه، وقوته معه، فمن الذي حفظ له سمعه؟ ومن الذي حفظ له بصره؟ ومن الذي حفظ له عقله؟ ومن الذي حفظ له روحه؟ فليسأل نفسه من الذي حفظ عليه هذه الأشياء؟ من الذي يمتعه بالصحة والعافية؟ هاهم المرضى على الأسرة البيضاء يتأوهون ويتألمون، والله يتحبب إلينا بهذه النعم، يتحبب إلينا بالصحة، بالعافية، بالأمن، بالسلامة، كل ذلك فقط لكي نعيش هذه الحياة الطيبة.

стр. 484

من أسباب الحصول على الحياة الطيبة فعل الفرائض وترك النواهي إن الله تعالى يريد من عبده أمرين: الأمر الأول: فعل فرائضه. والأمر الثاني: ترك نواهيه وزواجره، ومن قال: إن القرب من الله فيه الحياة الأليمة أو فيه الضيق، فقد أساء الظن بالله، والله! إذا ما طابت الحياة في القرب من الله فلن تطيب بشيء سواه، وإذا ما طابت بفعل فرائض الله وترك محارم الله فوالله لا تطيب بشيء سواه، ويجرب الإنسان متع الحياة كلها فإنه والله لن يجد أطيب من متعة العبودية لله؛ بفعل فرائض الله وترك محارم الله. أنت مأمور بأمرين: إما أن يأتيك الأمر: افعل أو لا تفعل، إذا قمت بفعل أي شيء في هذه الحياة فاسأل نفسك: هل الله أذن لك بفعل هذا الشيء أم لم يأذن لك؟ فالأجساد والقلوب والأرواح ملك لله، ينبغي للإنسان إذا أراد أن يتقدم أو يتأخر أن يسأل نفسه، هل الله راضٍ عنه إذا تقدم؟ فليتقدم، أو الله غير راضٍ عنه؟ فليتأخر، فوالله ما تأخر إنسان ولا تقدم وهو يرجو رحمة الله إلا أسعده الله.

стр. 485

السعادة الحقيقية في القرب منه سبحانه إن السعادة الحقيقية والحياة الطيبة تكون بالقرب من الله، القرب من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، فالأمر أمره، والخلق خلقه، والتدبير تدبيره، ولذلك تجد الإنسان دائماً في قلق وتعب، تجد الشخص يتمتع بكل الشهوات، ومع ذلك تجده من أكثر الناس آلاماً نفسية، وأكثرهم قلقاً نفسياً، وأكثرهم ضجراً بالحياة، واذهب وابحث عن أغنى الناس تجده أتعب الناس في الحياة، لماذا؟ لأن الله جعل راحة الأرواح في القرب منه، وجعل لذة الحياة في القرب منه، وجعل أنس الحياة في الإنس به . والصلاة الواحدة يفعلها الإنسان من فرائض الله، بمجرد ما ينتهي من ركوعه وسجوده وعبوديته لربه فإنه ما يخرج من مسجده إلا ويحس براحة نفسية، والله لو بذل لها أموال الدنيا ما استطاع إليها سبيلاً، إذاً الحياة الطيبة في القرب من الله، والحياة الهنيئة في القرب من الله، إذا ما طابت الحياة بالقرب من الله فبمن تطيب؟

стр. 486

عوائق القرب من الله هناك ثلاثة عوائق تمنعك من القرب من الله: أولها: الشهوة التي تحول بينك وبين القرب من الله. ثانيها: سوء الظن بالله. ثالثها: الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد أن يبعدك من الله . فأما الشهوة: فهي لذة ساعة وألم دهر شهوة اللهو واللعب الذي وصف الله به هذه الحياة الدنيا أنها لهو ولعب، ولكن كم من أجساد لهت ولعبت وهي الآن تتقلب في عذاب القبور! وكم من أجساد لهت ولعبت ترى الآن الضنك في ضيق القبور! وكم من أناس الآن تضيق عليهم اللحود، هؤلاء يتمنون لحظة واحدة من ذكر الله وطاعته. لن تعرف قيمة هذه الحياة ولا حقيقة هذه الشهوة التي دعت إلى معصية الله، إلا إذا جاء وقت فراق هذه الحياة، ولن تجد ندماً أصدق من ندم الإنسان إذا ودع هذه الحياة، وسيعرف الإنسان حقيقة الشهوة التي هي أول العوائق إذا فارق الحياة، وبمجرد أن تأتي لحظة الفراق تبكي بكاء الندم، ويقول الإنسان -ولو كان صالحاً-: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، يتمنى -ولو كان صالحاً- أن يرجع؛ لكي يزيد من صحيفة العمل، ولا يغتر الإنسان ويقول: إن هذه الساعة بعيدة؛ لأنه شباب، فكم من حوادث أخذت أناساً في عز الشباب وزهرته، وشدة النشوة واكتمال العمر، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعرف حقيقة هذه الشهوة، والله لم يحرمنا من الشهوة، ولا منعنا من اللذة، بل جعل للشهوة موضعاً ومكاناً معيناً، أميناً سليماً نقياً، ولا يأذن لك أن تضع الشهوة في غير هذا المكان. أما الأمر الثاني من العوائق فهو: سوء الظن بالله، وبعض الناس إذا قلت له: أقبل على الله! يقول لك: يا أخي! لماذا تضيق عليّ؟! دعني أتمتع بالحياة! دعني أسهر وأتمتع بسهري، وأذهب وآتي وأتمتع بذهابي دون قيود أو حدود! يحس أن الحياة الضنكة والأليمة إذا اقترب من الله!! فوالله ثم والله! أنه لا أطيب من القرب من الله! ومن أراد أن يجدد لذة القرب من الله فليزدد من طاعة الله ، وليزدد من الصالحات، وليزدد من الأعمال التي تحبب إلى الله ، وتدعوه إلى مرضاته؛ حتى يحس ساعتها بلذة العبودية لله ﵎. أما الأمر الثالث الذي يعيق الإنسان عن طاعة الله ومحبته فهو: الشيطان الرجيم، وهذا الشيطان على نوعين: شيطان إنس، وشيطان جن، فمن أراد القرب من الله فعليه أن يفر من شياطين الإنس وشياطين الجن، أما شياطين الإنس فهم الذين يزهدون في طاعة الله، وييئسون الإنسان ويقنطونه من رحمة الله، فينبغي للإنسان ألا يصغي إليهم، وليعلم أن الصديق الصادق في محبته ومودته وخلته، هو الذي يهدي إليه عيوبه، ويدعوه إلى محبة ربه وذل العبودية لخالقه. وأما شيطان الجن فهي الوساوس التي يقذفها في قلب الإنسان، ويقول له: انتظر فلا زال في العمر بقية، ولا تعجل، وتمتع بهذه الحياة، تمتع بالشهوات فيها، واسهر ما شئت من الليالي، وافعل ما شئت من لذات هذه الحياة، فإن الحياة طويلة، ولا يزال يمنيه ويسليه حتى يسلمه إلى عاقبة الردى، نسأل الله جل وعلا أن يعصمنا وإياكم من ذلك.

стр. 487

كيفية اجتناب عوائق القرب من الله إخواني في الله! الحياة الطيبة متمثلة في ظل مخالفة هذه الثلاثة الأمور، أما داعي الشيطان فيستبدله الإنسان بداعي الرحمن، وأما شياطين الإنس فيستبدلهم بدعاة الخير من الصالحين وعباد الله المتقين، وأما سوء الظن بالله فيبدله بحسن الظن بالله . أما إبدال داعي الشطان بداعي الرحمن؛ فاعرض نفسك على كتاب الله ، واجعل لك كل يوم جلسة مع القرآن، لا يحس الشاب أن هذا القرآن نزل لغيره، والله إنك مخاطب بالقرآن شئت أم أبيت، اقتربت أو بعدت، وكل إنسان يوم القيامة سيأتي هذا القرآن حجة له أو حجة عليه، لا يقول الإنسان: إن هذا القرآن لغيره، القرآن لك وأنت المخاطب به ولو كنت من أبعد الناس عن طاعة الله، فأنت مخاطب بهذا القرآن، وسيكون هذا القرآن حجة لك أو حجة عليك، واستبدال هذا الداعي وهو كتاب الله ففيه طمأنينة القلوب، وانشراح الصدور، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فاعرض نفسك على كتاب الله لتعيش في رحمة الله إذ يخاطبك ، واعرض نفسك على داعي الله بتحقيق ما أمر الله به في القرآن، وترك ما نهى الله عنه في كتابه. وأما إبدال دعاة السوء بدعاة الخير فالجلوس مع الصالحين، وغشيان حلق الذكر التي لا يشقى بهم جليس، فزيارة الصالحين، والأنس بهم ومحبتهم خير للإنسان في الدنيا والآخرة، والله هم القوم ونعم القوم، ما جلس إنسان مع رجل صالح إلا وجد منه الخير: لا يدعوه إلا لصلاح دينه ودنياه وآخرته، وأما قرين السوء فعلى العكس من ذلك، فهو الذي يدعو إلى محارم الله، ولو سأل الإنسان نفسه عن أي معصية فعلها لوجد وراءها داعي سوء، ووجد وراءها شيطان الإنس الذي حبب وسهل في الوصول إليها. فيستبدل الإنسان الأشرار بالأخيار، ويقول للأخيار: أريد الجلوس معكم، أريد الأنس بكم، فيزورهم ويجلس معهم، ولذلك قد يأتي الرجل إلى مجلس من مجالس الذكر فيجلس مع الصالحين جلسة واحدة، وقد تكون هذه الجلسة سبب في نجاته من النار، وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ : (أن الله إذا أنزل أهل الجنة في الجنة، وتمتعوا بما هم فيه من النعيم، قالوا: يا ربنا! كيف نتنعم في الجنة وإخواننا يعذبون؟) إخوانهم من؟ أناس كانوا معهم ولكن كانت عندهم سيئات، مثلاً: رجل كان مع الصالحين ولكن عنده سيئات كأن يشرب الخمر، أو يزني، أو يفعل أي شيء من المحرمات -نسأل الله السلامة والعافية- فشاء الله أنه لم يتب من هذه الأشياء، لما جاء في يوم القيامة وأدخل النار، فإذا دخل ذلك الرجل الصالح -الذي جلس معه- الجنة يقول: يا رب! كيف أتنعم بنعيم الجنة وأخي يعذب؟ فيأذن الله بالشفاعة، يقول النبي ﷺ : (فلا يزال الرجل يشفع حتى يشفع للرجل الذي جلس معه لحظة واحدة في ذكر الله ، لحظة واحدة في ذكر الله توجب للإنسان الشفاعة، فهذه من ثمار الجلوس مع الصالحين. ومن ثمار الجلوس مع الصالحين: أن القلوب والصدور تنشرح وتطمئن بذكر الله ، ولذلك تجد الإنسان إذا جلس مع الصالحين يقوم ونفسه معلقة بالسماء، معلقة بطاعة الله، يريد أن يفعل أي خير يقربه إلى الله، والله ما جلس الإنسان مع صالح موفق إلا دله على الله، وهذا والله هو الصديق، الذي تقوم من عنده وحالك أصلح من حالك قبل الجلوس معه، بعض الناس مبارك إذا جلست معه تقوم من عنده وقلبك معلق بالله، وفؤادك وروحك تريد رضوان الله، لا تريد إلا شيئاً يدلك على الله، ولا تريد إلا خصلة من خصال الخير تقربك إلى الله، ومجلس واحد من ذكر الله قد يجعل الإنسان يغير حياته كلها، إذا صدق في عبوديته لله، وتأثر بما يقال له من أوامر الله ونواهيه. المقصود أن الجلوس مع الصالحين يعتبر من أهم الأسباب التي تدل الإنسان على ربه، والجليس الصالح هو الذي إذا نسيت الله ذكرك، وإذا ذكرت الله أعانك، والكلمة الطيبة من الرجل الطيب تستطيب بها القلوب، والنصيحة الصالحة من الرجل الصالح يصلح الله بها الأحوال، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم مجالس الصالحين، وقد بين النبي ﷺ أن مجالس الصالحين تغشاها الملائكة، وهي حلق الذكر التي تحفها الملائكة إلى السماء، ويطيب بها وقت الإنسان وتطيب بها حياته. وأما استبدال سوء الظن بحسن الظن فهذا أمر مهم جداً لكل إنسان، فالله تعالى فوق ما تظن من الرحمة، إن تقربت منه شبراً تقرب منك ذراعاً، وإن تقربت منه ذراعاً تقرب منك باعاً، وإن أتيته تمشي أتاك هرولة، كل واحد ينبغي عليه أن يكون عنده شعور وعلم أنه لا أرحم به من الله . والله لو أن الإنسان حمل ذنوب هذه الحياة كلها وجاء في لحظة واحدة تائباً إلى الله، منكسراً بين يدي الله، يرجو رحمة الله، والله! لا يخيبه الله من رحمته، ولا يقنطه من روحه ، فهو أكرم من سئل، وأعظم من رجي وأُمل، وفي قصص التائبين عبر، فإن الإنسان قد يتوب من ذنوب الحياة ويجعل الله توبته في لحظة واحدة موجبة لغفران حياته كلها، ولذلك أصدق شاهد أن بعض الحجاج يقدم على الله في هذه البلاد الطيبة، وعمره سبعون سنة وهو لا يعرف الله ، يعيش في معاصٍ وذنوب وسيئات، فيأتي إلى الله في آخر عمره تائباً منيباً، لا تتمالك عينه الدمعة. وهذه قصة أحد هؤلاء: كنت مع رجل من كبار أهل المدينة، وقال لي: في حج هذه السنة حصلت عبرة، يقول: كان هناك أحد أصدقائنا نخشى الجلوس معه من كثرة معاصيه، وكثرة ما يفعل والعياذ بالله من المعاصي، يقول: فشاء الله في آخر حياته قبل الحج أن ابتلاه الله بمرض، فدخل المستشفى وأجريت له عملية، فخرج من المستشفى منهوك القوى، في حالة لا يعلمها إلا الله ، يقول: فجلس فترة النقاهة بعد العملية -وهذا قبل الحج بشهر تقريباً- فارتاحت واطمأنت نفسه، فشاء الله مع المرض وما له في الإفاقة من المرض إلا أيام قليلة، واقتربت أيام الحج، وإذا به يصيح على أبنائه وهو رجل ثري في نعمة وجاه، يصيح على أبنائه ويقول: أريد الحج! قالوا: يا أبانا أنت ضعيف ومريض، وما تستطيع أن تحج وفيك عملية، قال: أريد الحج! فما كان من أبنائه إلا أن أعانوه على الحج، وكانت معه امرأته، فشاء الله أن قدم إلى جدة، ومضى في اليوم السابع يريد الحج، وفي طريقه إلى مكة إذا به يتأوه ويتألم من قلبه، تقول زوجته حاكية عنه: جلس يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم تقول له امرأته: ماذا بك يا فلان؟ قال لها: الموت، ثم قال: لا إله إلا الله وسقط ميتاً في ساعته. هذا إن دل على شيء فإنما يدل على سعة رحمة الله، هذا الرجل حياته كلها بعيدة عن الله، وما انتقم الله منه، والله قادر وهو جالس على المعصية أن يخسف به الأرض، فوالله لو أذن الله للأرض أن تنتقم من العاصي لخسفت به في لحظة واحدة، الله مالك الملك، له العزة والكمال والجلال، كل شيء في هذا الكون تحت أمره وقهره وملكه، سبحان الله! يعصيه الإنسان ومع ذلك يعطيه الصحة، ويمكنه من لذة المعصية، وهو قادر أن يسلب منه الروح في لحظة واحدة، ويستره وهو يفعل المعصية. فسبحانه ما أحلمه! فهذا يفعل المعصية في عافية وصحة وستر! ثم مع ذلك يدعو الإنسان ويقول له: هلم إلى رحمتي، هلم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، عبدي! ما أريد منك إلا لساناً طيباً وعملاً طيباً، ما أريد منك غير هذا. كذاب من يقول: إن القرب من الله فيه ضيق! لا والله، فالله لا يريد منك إلا كلاماً طيباً وفعلاً طيباً، وعقيدة ترضيه، ثلاثة أشياء فقط: قلب صالح نقي من الشوائب، ولسان طيب تقول به الكلام الطيب، وجوارح تسخرها في الشيء الطيب، لا شيء غير هذا أبداً، بدل ما كان الواحد يسب الناس، ويحتقر الناس، ويتكلم على الناس أصبح يتكلم بكلام طيب، ويحترم الناس، بدل ما كان يفعل الأمور التي لا تليق بأتفه الناس إذا به يحترم نفسه، ويفعل الأفعال التي تليق به كمسلم يؤمن بلقاء الله ، لا شيء غير هذا. ما عندنا في الطاعة والشيء الطيب إلا هذه الثلاثة الأشياء: صلاح العقيدة، وصلاح القول، وصلاح العمل، ومن فعل هذه الثلاثة الأشياء عصمه الله إلى أن يلقاه، وأوجب له حبه ورضوانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. إذا أتيت بهذه الثلاثة الأشياء أقسم الله أن يحييك الحياة الطيبة، ولذلك لن تجد إنساناً يطيع الله ثم يخاف من غيره، وجرب فالخوف لا يأتي إلا من معصية الله. فهذا الرجل حياته بعيدة عن الله، ويقسم لي رجل كبير السن وأعرفه في المدينة، وهو الآن في آخر حياته، ووالله لما قص لي القصة كانت دمعته على عينه، يقول لي: -سبحان الله! ما أحلم الله! وما ألطف الله! أن ختم له هذه الخاتمة الحسنة في آخر حياته!، على أي شيء يدل هذا؟ يدل على رحمة الله-: ليس هناك داعٍ لسوء الظن بالله، والشيطان يأتي الإنسان ويقول له: أنت فعلت وفعلت والله لا يغفر لك أبداً! وبمجرد ما يفعل الإنسان المعاصي -ولو عظمت- ويقول: اللهم إني تائب إليك! إذا بالله يبدل تلك المعاصي حسنات، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]. هذا الكلام الذي نقوله لنا جميعاً، ليس لأناس وأناس، فالكلام لنا جميعاً؛ لأن المفروض أن يكون المؤمن في كل لحظة قريباً من الله، وليس أحد هناك إلا وهو يعصيه، وليس أحد هناك إلا وهو يذنب، فنحن مطالبون دائماً بهذه الثلاثة الأشياء التي توجب الحياة الطيبة.

стр. 488

ثمرات الحياة الطيبة

стр. 489

من ثمرات الحياة الطيبة: الاستقامة أما الخصلة الثانية التي يجنيها صاحب هذه الحياة الطيبة فهي: خصلة الاستقامة، وهذه الخصلة ثمرتها أن أصحابها إذا شاء الله أن يتوفاهم وهم عليها فما ما من إنسان إلا وهو سيخرج من هذه الدنيا قريباً أو بعيداً، وما أحد يضمن أن يقوم من مجلسه هذا، فلا بد من لحظة وهي: لحظة الفراق، فمن ثمرات الاستقامة الطيبة والعمل الصالح أن الإنسان إذا حانت ساعة قيامته، ودنت ساعة فراقه في هذه الحياة، كانت أطيب ساعة عنده ساعة لقاء الله ، فالناس عند الموت يخافون إلا صاحب الحياة الطيبة، إذا جاءه الموت يحس أنه في حنين وشوق إلى الله ، ولذلك تجد أصحاب الحياة الطيبة إذا دنت منهم سكرات الموت تجدهم في انشراح نفس وطمأنينة وراحة بال، وبعضهم يسلم الروح وهو يتبسم، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، ممن حسنت خاتمته وكان من الذين قيل لهم: ((لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)) [الأعراف:٤٩] ((ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) [النحل:٣٢] نسأل الله العظيم أن يجعل أسعد لحظة لنا في هذه الحياة، لحظة فراقها والخروج منها. فهذه من الثمرات التي يجنيها الإنسان، وينبغي للإنسان أن يجتهد قدر استطاعته في هذه الأمور التي ذكرناها: صلاح الباطن، وصلاح الظاهر، وصلاح القول والعمل، لا تتكلم إلا وأنت تعرف أن الله يرضى عن كلامك، ولا تعمل إلا وأنت تعلم أن الله يرضى عن عملك، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم لصالح القول والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأترك المجال للأسئلة، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله. جزى الله شيخنا الفاضل خير الجزاء على هذه الكلمة التي أحيا بها قلوبنا، ونسأل الله ﵎ أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

стр. 490

من ثمرات الحياة الطيبة: استجابة الدعاء من ثمرات الحياة الطيبة: أنك إذا أقبلت على الله فهناك خصلة عجيبة وكريمة، ولو خسرت ما خسرت، لو خسرت الأصحاب والليالي الطيبة، فإن هناك شيئاً لم تخسره، وهو الله ﷻ ، إذا أقبلت على الله وفعلت هذه الثلاثة الأشياء: عقيدة صالحة، وقولاً طيباً، وعملاً طيباً، فلا ترفع كفك وتقول: يا رب! إلا أجاب الله دعوتك، ولا قلت: أسألك إلا أجاب الله سؤالك، ولذلك ورد في الحديث: (أن العبد إذا كان صالحاً أصبح معروفاً في السماء)؛ لأن العمل الصالح يصعد إلى الله ، فإذا صعدت منك الكلمات الطيبة فأنت دائماً تقول: لا إله إلا الله، أستغفر الله، وتذكر الله، وتتكلم بالكلام الطيب، وتحسن إلى الناس، وتفعل الأعمال الصالحة، إذا بالأعمال الصالحة تصعد، فإذا بكثرة الأعمال الصالحة تحبك بها الملائكة، ويجعل الله حب الملأ الأعلى لك في السماوات، فإذا جاء كرب من الكروب: جاءتك مشكلة، أو جاءك شيء تخافه، فقلت: يا رب! قالت الملائكة في السماء: صوت معروف من عبد معروف. وهذا الصوت معروف من عبد معروف، من هو؟ إنه المطيع لله ، عبد بلغ به أنه إذا دعا الله استجاب الله دعاءه، ما الذي ينقصه في هذه الحياة؟! إذا أصبحت في لحظة بعبوديتك الخالصة وطاعتك الصادقة لله، وقلت: يا رب! أجاب الله دعاءك، فأي مقام، وأي منزلة وأي شرف أصبحت فيه؟ هذا هو العز، وهذا هو الجاه، وهذه هي الحياة الطيبة التي ينبغي لكل إنسان أن يفكر فيها، وأن يجتهد في تحصيلها. فأكرر وأقول: أن الضيق كل الضيق في معصية الله، والسعة كل السعة في رحمة الله والقرب من الله ، ونسأل الله بعزته وجلاله وأسمائه الحسنى أن يرزقنا هذه الحياة الطيبة!

стр. 491

الأسئلة

стр. 492

صور التكاسل عن أداء الصلوات وعلاجه السؤال إني أتكاسل عن أداء بعض الصلوات أحياناً فما العلاج؟ الجواب التكاسل عن أداء بعض الصلوات علاجه أن تدعو الله أن يجعلك من المصلين الذين هم على صلاتهم يحافظون، وعلى صلواتهم دائمون، وأن تتذكر لقاء الله وحساب الله لك عن هذه الصلاة؛ لأن الله سيسألك عن هذه الصلاة، وسيحاسبك عن هذه الصلاة، فإذا علمت أن الله سيسألك عنها فإن هذا يدعوك إلى المحافظة عليها، وأسعد الناس في الصلاة من بكر إليها، والناس في الصلاة على مراتب: منهم من يبكر إليها، ومنهم من يأتيها عن دبر، وكل يفوز برحمة الله على قدر ما هو سابق إليه من رضوانه، فعليك أن تبادر إلى فعل الصلاة، والتكاسل عن الصلاة بتأخيرها يكون على صور، منها: أولاً: عدم الصلاة مع الجماعة، وهذا فيه إثم وعقوبة، فإذا سمعت منادي الله يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فاجعل نصب عينيك فعل الصلاة، ولذلك كان الصحابة إذا أذّن المؤذن والسكين في اللحم ما يتم قطع اللحم حتى يصلي؛ وهذا من كمال الإجابة لله . الصورة الثانية من التقاعس عن الصلاة: تأخير الصلاة، يأتيك الشيطان ويقول لك: العشاء بقي له وقت، ليس هناك داع أن تذهب إلى المسجد، بل في بعض الأحيان يأتيك الشيطان يقول لك: لماذا تذهب إلى المسجد؟ أنت ترائي الناس؟ تريد الناس أن يقولوا عنك: إنك مصلٍ، يريد أن يخذِّلك عن طاعة الله، فاعقد العزم واذهب، وستحس في اليوم الأول أن الأمر ثقيل وقلبك ضيق، وفي اليوم الثاني يتسع، واليوم الثالث والرابع تصبح الصلاة مع الجماعة مثل الطعام والشراب اللذين لا صبر لك عنهما. كان بعض السلف إذا فاتته الصلاة يبكي كالطفل، ذكروا عن بعض السلف قال الراوي: خرجت من صلاة العصر فوجدت الناس مجتمعين، فقلت: ما بهم؟ قالوا: فلان فاتته صلاة العصر يعزونه في صلاة العصر التي فاتته، يقولون له: مصيبة أصبت بها لما فاتتك صلاة العصر، فاتتك درجات وأجور، يعزونه لأنها مصيبة في الدين، فانظر رحمك الله! تفوته صلاة واحدة ومع ذلك يعزونه، بينما في وقتنا من تفوته صلوات كثيرة. نسأل الله السلامة والعافية! وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 493

وسائل الحصول على الخشوع في القلب السؤال هل من طريقة لكي يدخل الخشوع إلى قلبي؟ الجواب الطريقة المختصرة هي أن تدعو الله ، قل: اللهم إني أسألك قلباً خاشعاً، والله بيده الخشوع، في لحظة واحدة يكون القلب أقسى ما يكون وإذا بالله يقذف في قلبك نور الخشوع، وإذا بك ما تسمع آية إلا وتخشع، ولا تسمع أحداً يقول لك كلمة من كتاب الله إلا خشعت لها، ولذلك تجد بعض الناس إذا اهتدى بمجرد ما يسمع القرآن يتعلق بالله ، ما يتحمل، لو تلوت عليه آية من كتاب الله يبكي من كمال خشوعه، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فمن حرم الخشوع فقد حرم خيراً كثيراً، ونسأل الله أن يجعل قلوبنا وقلوبكم خاشعة لله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢]. فالمقصود إذا أردت الخشوع فأول شيء تقوم به هو أن تدعو الله، ثاني شيء إذا أردت الخشوع أن تزور الصالحين، وثالث شيء أن تغشى المحاضرات والندوات الطيبة، ورابع شيء أن تقرأ القرآن وتتأثر بالقرآن، وبإذن الله ستجد الخشوع، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم خشوع القلب وخشوع الجوارح، والله تعالى أعلم.

стр. 494

دوام المراقبة لله من أعظم الوسائل لترك المحرمات السؤال لقد ابتليت -أعاذني الله من هذا البلاء- بمشاهدة (أفلام الفيديو) الخليعة، وقراءة المجلات الماجنة والفاضحة، وأحاول التخلص من هذا، فما ترشدوني، وهل من وسيلة للتخلص من هذا البلاء، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الله المستعان، الله أكبر، سبحان الله! لو تصور هذا الإنسان أنه واقف بين يدي الله في عرصات يوم القيامة، وقال الله له: أما تستحيي يا عبدي؟! أما ترى الأعمى الذي لا يبصر وأنا نورتك بهذا البصر تنظر به إلى محارمي؟ وهذه المعصية قد يراها الإنسان معصية واحدة فقط أو مشهداً واحداً مقطعاً معيناً من (فيلم) يدعو إلى محارم الله، قد يغضب الله على العبد غضباً لا رضا بعده -نسأل الله السلامة والعافية-، وقد ينطفئ نور الإيمان في القلب فيصبح القلب مظلماً إلى أن يلقى الله ، المعاصي خطيرة يا إخوان! المعاصي تميت القلوب، وتطفئ منها نور الإيمان، الله الله! إذا جئت يوم القيامة ووقفت بين يدي الله ، وعرضت عليك هذه المشاهد ما تخرم منها مشهداً واحداً، وقلعت هذه العين بمسامير النار، وكحلت بكحل النار، وقد يجد الإنسان لمشاهدتها لذة لكنها حسرة وندامة يوم القيامة، ثم يسأل الإنسان نفسه سؤالاً صادقاً، يا أخي! اسأل نفسك: ما الذي جنيته من هذه المشاهد؟ ما هي الثمرة؟ وما هي الفائدة؟ رأيت وتمتعت، لكن ما هي العاقبة؟ نظرت في الصحيفة حتى إذا جئت في عرصات يوم القيامة، عرض عليك الكتاب، وإذا فيه هذه النظرة التي لا ترضي الله عنك. يقولون عن رجل: إنه كان من طلاب العلم، وكان مع أحد العلماء، فذات يوم كان هناك غلام نصراني -والعياذ بالله- كافر، وكان الغلام له صورة جميلة، ففتن به طالب العلم ونظر إليه، فلما نظر إليه نظرة جاء الشيخ ورآه ينظر، فقال له: لماذا تنظر؟ فكف الطالب، فقال الشيخ للطالب: والله لتجدن أثر هذه السيئة ولو بعد حين، يعني: سيعاقبك الله عليها ولو في آخر حياتك، يقول هذا الطالب: فما زلت أنتظر هذه العقوبة، فمكثت عشرين سنة -وهذه القصة ذكرها الإمام ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين- يقول: مكثت عشرين سنة وأنا أنتظر العقوبة، وإذا بي في ليلة من الليالي نمت -وهو حافظ للقرآن- فأصبحت فأنسيت كتاب الله ، نسأل الله السلامة والعافية. فالذنب قد يستهين به الإنسان في جنب الله لكنه عظيم، ولذلك قال بعض السلف: (لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت)، النظرة الواحدة قد تدمر حياة الإنسان كلها، نظرة واحدة إلى الحرام! فالله الله يا أخي في الله، أنا لا أقنطك من رحمة الله، ولا أيئسك من روح الله، ولكن أبشر بكل خير، أريد منك دمعة تدمعها على ما فات من هذه الأفلام، أريد منك أن تجلس يوماً لوحدك في الغرفة وتتذكر وتقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي خسارة بليت بها؟! الله أعطاني البصر وهذه النعمة فنظرت بها إلى الحرام! كم من (فيلم) نظرت؟ وكم من مشهد رأيت؟ كيف ألقى الله؟ فتحترق من داخل قلبك حتى تدمع، ولعل هذه الدمعة تغسل ذنوب العمر، أريد منك هذه الدمعة وأنت خالٍ، فإن النبي ﵌ بشَّر من دمع هذه الدمعة أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، عندما قال في السبعة -نسأل الله أن يجعلنا الله وإياكم منهم- الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) أي: من خشية الله ، فادمع هذه الدمعة. الأمر الثاني: أوصيك أخي! أن تقلع عن هذه المعاصي، وأن تبتعد عنها، والله سيعينك، والله ما عقدت في نفسك أنك تتوب عن شيء إلا وفقك الله، والشيطان يأتيك ويقول: لا. أنت فعلت كذا، وأنت رأيت كثيراً، فلا توبة لك، يقنطه، والله لو غرق الإنسان في المعاصي من أخمص قدمه إلى شعر رأسه وأحسن الظن بالله، فإن الله يهديه ويوفقه. فهذان الأمران اللذان أدعوك إليهما: ترك المعصية، والندم على ما كان منك فيها وحسن الظن بالله، وأسأل الله العظيم أن يبدل سيئاتك حسنات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 495

كيفية التعامل مع رفقاء غير الصالحين السؤال أريد أن أتوب إلى الله، وقد سلكت طريق الصلاح والهداية، ولكني أكون ساعة مع الصالحين وأكثر الأوقات مع الشباب غير الصالحين، ولا أستطيع أن أتركهم؛ لأنهم معي في كل وقت، فماذا أفعل يا شيخ، دلوني على الطريق، جزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً أهنيك بنعمة الله عليك بالتوبة، فإن الله لا يمن بالتوبة إلا لمن أحب، ولا يقذف الله التوبة والندم في قلب إنسان إلا وهو يحبه ، وبداية الخير كما يقول العلماء: الندم، والتوبة باعث من بواعث الندم، أو ثمرة من ثمرات الندم، فمادام أنك قد تبت وأقبلت على الله فازدد إقبالاً على الله ، وانظر إلى الراحة النفسية التي وجدتها في الإقبال على الله، أما أصحابك فأوصيك بأمرين: الأمر الأول: إذا جاءوك فما المانع أن تكون لهم مشعل هداية، ذكّرهم بالله، أوصيك أخي في الله! إذا جلست معهم أن تذكرهم بالجنة والنار، وذكرهم بنعم الله عليهم بالليل والنهار الذي يتقلبون ويتنعمون فيهما، وادعهم إلى طاعة الله، وما يدريك لعل النصيحة تخرج من قلبك، فيشرح الله بها صدر إنسان لا يصلي ولا يطيع، فيكون في ميزان حسناتك، بعض الشباب موفق إذا دخلت الهداية في قلبه لا يرتاح حتى يدخل الناس في هداية الله ، بعض الناس مبارك عندما يذوق طعم الهداية لا يرتاح حتى يبلغها عن الله إلى غيره، وهذا والله من خير الناس وأعلاهم منزلة، فإذا أحب الله وذاق لذة الهداية أحب أن يعطيها لكل إنسان، فيذهب إلى إخوانه الذين كانوا معه قبل الهداية لكي يقول لهم: إني وجدت الراحة في القرب من الله، يذكرهم بالله ، يا أخي! عندك سلعة غالية، وكلمة ثمينة، وحياة طيبة، انظر إلى الأخ الذي لا خير فيه يأتي ويجلس معك فيقول: يا فلان ما رأيك أن تسهر معنا في هذه الليلة، فالسهر على البحر فيه وفيه وفيه! المهم أنه يحسِّن ويزين لك معصية، لماذا لا تقول له: يا أخي! ما رأيك لو ذهبنا إلى المسجد؟ ما دام أنه يعرض عليك سلعة الهلاك والفساد، فلماذا لا تعرض عليه سلعة النجاة والصلاح، قل له: يا أخي! ما رأيك أن تجرب مرة واحدة أن نذهب إلى المسجد، قد توفق وتأخذ شخصاً عاصياً إلى جلسة من مجالس الخير، فيشرح الله صدره ويكون في ميزان حسناتك، هذه تجارة رابحة، ولربما أن الله يغفر ذنوبك حينما تهدي الناس إليه. جربوا يا إخوان! هذا دينكم ودين آبائكم وأجدادكم، إن تبليغ الدين شرف والله لك، ليس بعيب ولا ذلة ولا مهانة أن تبلغ الرسالة، بل شرف لك، هذا دينك ودين آبائك، ليس بعيب أن تطيع الله، وليس بعيب أن تذل لله، ولكن العيب كل العيب أن نأكل من طعامه وأن نشرب من شرابه وأن نكفر نعمته، هذا هو العيب والله، والعيب كل العيب أن يظل الإنسان يكفر بنعمة الله عليه، ويدعو إلى معصية الله، أما أن تدعو إلى طاعة الله فهو شرف، ذكِّر قرناء السوء بالله ، قل لهم: والله إن الحياة التي أنتم تعيشونها كنت أعيشها وأجد العذاب، ما وجدت الراحة إلا في القرب من الله، واعرض عليهم سلعة الله. الأمر الثاني: إذا لم يطيعوك فادع الله لهم بالهداية واجتنبهم وسيعوضك الله خيراً منهم، اعلم أنك ما تركت شيئاً لله إلا عوضك الله خيراً منه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعينك على البعد عنهم، وأن يهديهم إن كان الله أراد لهم الهداية، وإلا صرف قلوبهم عنك، وصرف قلبك عنهم إلى الأخيار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →