Полный текст (1 035 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الأسئلة
стр. 492
صور التكاسل عن أداء الصلوات وعلاجه
السؤال
إني أتكاسل عن أداء بعض الصلوات أحياناً فما العلاج؟
الجواب
التكاسل عن أداء بعض الصلوات علاجه أن تدعو الله أن يجعلك من المصلين الذين هم على صلاتهم يحافظون، وعلى صلواتهم دائمون، وأن تتذكر لقاء الله وحساب الله لك عن هذه الصلاة؛ لأن الله سيسألك عن هذه الصلاة، وسيحاسبك عن هذه الصلاة، فإذا علمت أن الله سيسألك عنها فإن هذا يدعوك إلى المحافظة عليها، وأسعد الناس في الصلاة من بكر إليها، والناس في الصلاة على مراتب: منهم من يبكر إليها، ومنهم من يأتيها عن دبر، وكل يفوز برحمة الله على قدر ما هو سابق إليه من رضوانه، فعليك أن تبادر إلى فعل الصلاة، والتكاسل عن الصلاة بتأخيرها يكون على صور، منها: أولاً: عدم الصلاة مع الجماعة، وهذا فيه إثم وعقوبة، فإذا سمعت منادي الله يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فاجعل نصب عينيك فعل الصلاة، ولذلك كان الصحابة إذا أذّن المؤذن والسكين في اللحم ما يتم قطع اللحم حتى يصلي؛ وهذا من كمال الإجابة لله .
الصورة الثانية من التقاعس عن الصلاة: تأخير الصلاة، يأتيك الشيطان ويقول لك: العشاء بقي له وقت، ليس هناك داع أن تذهب إلى المسجد، بل في بعض الأحيان يأتيك الشيطان يقول لك: لماذا تذهب إلى المسجد؟ أنت ترائي الناس؟ تريد الناس أن يقولوا عنك: إنك مصلٍ، يريد أن يخذِّلك عن طاعة الله، فاعقد العزم واذهب، وستحس في اليوم الأول أن الأمر ثقيل وقلبك ضيق، وفي اليوم الثاني يتسع، واليوم الثالث والرابع تصبح الصلاة مع الجماعة مثل الطعام والشراب اللذين لا صبر لك عنهما.
كان بعض السلف إذا فاتته الصلاة يبكي كالطفل، ذكروا عن بعض السلف قال الراوي: خرجت من صلاة العصر فوجدت الناس مجتمعين، فقلت: ما بهم؟ قالوا: فلان فاتته صلاة العصر يعزونه في صلاة العصر التي فاتته، يقولون له: مصيبة أصبت بها لما فاتتك صلاة العصر، فاتتك درجات وأجور، يعزونه لأنها مصيبة في الدين، فانظر رحمك الله! تفوته صلاة واحدة ومع ذلك يعزونه، بينما في وقتنا من تفوته صلوات كثيرة.
نسأل الله السلامة والعافية! وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 493
وسائل الحصول على الخشوع في القلب
السؤال
هل من طريقة لكي يدخل الخشوع إلى قلبي؟
الجواب
الطريقة المختصرة هي أن تدعو الله ، قل: اللهم إني أسألك قلباً خاشعاً، والله بيده الخشوع، في لحظة واحدة يكون القلب أقسى ما يكون وإذا بالله يقذف في قلبك نور الخشوع، وإذا بك ما تسمع آية إلا وتخشع، ولا تسمع أحداً يقول لك كلمة من كتاب الله إلا خشعت لها، ولذلك تجد بعض الناس إذا اهتدى بمجرد ما يسمع القرآن يتعلق بالله ، ما يتحمل، لو تلوت عليه آية من كتاب الله يبكي من كمال خشوعه، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فمن حرم الخشوع فقد حرم خيراً كثيراً، ونسأل الله أن يجعل قلوبنا وقلوبكم خاشعة لله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢].
فالمقصود إذا أردت الخشوع فأول شيء تقوم به هو أن تدعو الله، ثاني شيء إذا أردت الخشوع أن تزور الصالحين، وثالث شيء أن تغشى المحاضرات والندوات الطيبة، ورابع شيء أن تقرأ القرآن وتتأثر بالقرآن، وبإذن الله ستجد الخشوع، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم خشوع القلب وخشوع الجوارح، والله تعالى أعلم.
стр. 494
دوام المراقبة لله من أعظم الوسائل لترك المحرمات
السؤال
لقد ابتليت -أعاذني الله من هذا البلاء- بمشاهدة (أفلام الفيديو) الخليعة، وقراءة المجلات الماجنة والفاضحة، وأحاول التخلص من هذا، فما ترشدوني، وهل من وسيلة للتخلص من هذا البلاء، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الله المستعان، الله أكبر، سبحان الله! لو تصور هذا الإنسان أنه واقف بين يدي الله في عرصات يوم القيامة، وقال الله له: أما تستحيي يا عبدي؟! أما ترى الأعمى الذي لا يبصر وأنا نورتك بهذا البصر تنظر به إلى محارمي؟ وهذه المعصية قد يراها الإنسان معصية واحدة فقط أو مشهداً واحداً مقطعاً معيناً من (فيلم) يدعو إلى محارم الله، قد يغضب الله على العبد غضباً لا رضا بعده -نسأل الله السلامة والعافية-، وقد ينطفئ نور الإيمان في القلب فيصبح القلب مظلماً إلى أن يلقى الله ، المعاصي خطيرة يا إخوان! المعاصي تميت القلوب، وتطفئ منها نور الإيمان، الله الله! إذا جئت يوم القيامة ووقفت بين يدي الله ، وعرضت عليك هذه المشاهد ما تخرم منها مشهداً واحداً، وقلعت هذه العين بمسامير النار، وكحلت بكحل النار، وقد يجد الإنسان لمشاهدتها لذة لكنها حسرة وندامة يوم القيامة، ثم يسأل الإنسان نفسه سؤالاً صادقاً، يا أخي! اسأل نفسك: ما الذي جنيته من هذه المشاهد؟ ما هي الثمرة؟ وما هي الفائدة؟ رأيت وتمتعت، لكن ما هي العاقبة؟ نظرت في الصحيفة حتى إذا جئت في عرصات يوم القيامة، عرض عليك الكتاب، وإذا فيه هذه النظرة التي لا ترضي الله عنك.
يقولون عن رجل: إنه كان من طلاب العلم، وكان مع أحد العلماء، فذات يوم كان هناك غلام نصراني -والعياذ بالله- كافر، وكان الغلام له صورة جميلة، ففتن به طالب العلم ونظر إليه، فلما نظر إليه نظرة جاء الشيخ ورآه ينظر، فقال له: لماذا تنظر؟ فكف الطالب، فقال الشيخ للطالب: والله لتجدن أثر هذه السيئة ولو بعد حين، يعني: سيعاقبك الله عليها ولو في آخر حياتك، يقول هذا الطالب: فما زلت أنتظر هذه العقوبة، فمكثت عشرين سنة -وهذه القصة ذكرها الإمام ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين- يقول: مكثت عشرين سنة وأنا أنتظر العقوبة، وإذا بي في ليلة من الليالي نمت -وهو حافظ للقرآن- فأصبحت فأنسيت كتاب الله ، نسأل الله السلامة والعافية.
فالذنب قد يستهين به الإنسان في جنب الله لكنه عظيم، ولذلك قال بعض السلف: (لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت)، النظرة الواحدة قد تدمر حياة الإنسان كلها، نظرة واحدة إلى الحرام! فالله الله يا أخي في الله، أنا لا أقنطك من رحمة الله، ولا أيئسك من روح الله، ولكن أبشر بكل خير، أريد منك دمعة تدمعها على ما فات من هذه الأفلام، أريد منك أن تجلس يوماً لوحدك في الغرفة وتتذكر وتقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي خسارة بليت بها؟! الله أعطاني البصر وهذه النعمة فنظرت بها إلى الحرام! كم من (فيلم) نظرت؟ وكم من مشهد رأيت؟ كيف ألقى الله؟ فتحترق من داخل قلبك حتى تدمع، ولعل هذه الدمعة تغسل ذنوب العمر، أريد منك هذه الدمعة وأنت خالٍ، فإن النبي ﵌ بشَّر من دمع هذه الدمعة أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، عندما قال في السبعة -نسأل الله أن يجعلنا الله وإياكم منهم- الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) أي: من خشية الله ، فادمع هذه الدمعة.
الأمر الثاني: أوصيك أخي! أن تقلع عن هذه المعاصي، وأن تبتعد عنها، والله سيعينك، والله ما عقدت في نفسك أنك تتوب عن شيء إلا وفقك الله، والشيطان يأتيك ويقول: لا.
أنت فعلت كذا، وأنت رأيت كثيراً، فلا توبة لك، يقنطه، والله لو غرق الإنسان في المعاصي من أخمص قدمه إلى شعر رأسه وأحسن الظن بالله، فإن الله يهديه ويوفقه.
فهذان الأمران اللذان أدعوك إليهما: ترك المعصية، والندم على ما كان منك فيها وحسن الظن بالله، وأسأل الله العظيم أن يبدل سيئاتك حسنات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 495
كيفية التعامل مع رفقاء غير الصالحين
السؤال
أريد أن أتوب إلى الله، وقد سلكت طريق الصلاح والهداية، ولكني أكون ساعة مع الصالحين وأكثر الأوقات مع الشباب غير الصالحين، ولا أستطيع أن أتركهم؛ لأنهم معي في كل وقت، فماذا أفعل يا شيخ، دلوني على الطريق، جزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً أهنيك بنعمة الله عليك بالتوبة، فإن الله لا يمن بالتوبة إلا لمن أحب، ولا يقذف الله التوبة والندم في قلب إنسان إلا وهو يحبه ، وبداية الخير كما يقول العلماء: الندم، والتوبة باعث من بواعث الندم، أو ثمرة من ثمرات الندم، فمادام أنك قد تبت وأقبلت على الله فازدد إقبالاً على الله ، وانظر إلى الراحة النفسية التي وجدتها في الإقبال على الله، أما أصحابك فأوصيك بأمرين: الأمر الأول: إذا جاءوك فما المانع أن تكون لهم مشعل هداية، ذكّرهم بالله، أوصيك أخي في الله! إذا جلست معهم أن تذكرهم بالجنة والنار، وذكرهم بنعم الله عليهم بالليل والنهار الذي يتقلبون ويتنعمون فيهما، وادعهم إلى طاعة الله، وما يدريك لعل النصيحة تخرج من قلبك، فيشرح الله بها صدر إنسان لا يصلي ولا يطيع، فيكون في ميزان حسناتك، بعض الشباب موفق إذا دخلت الهداية في قلبه لا يرتاح حتى يدخل الناس في هداية الله ، بعض الناس مبارك عندما يذوق طعم الهداية لا يرتاح حتى يبلغها عن الله إلى غيره، وهذا والله من خير الناس وأعلاهم منزلة، فإذا أحب الله وذاق لذة الهداية أحب أن يعطيها لكل إنسان، فيذهب إلى إخوانه الذين كانوا معه قبل الهداية لكي يقول لهم: إني وجدت الراحة في القرب من الله، يذكرهم بالله ، يا أخي! عندك سلعة غالية، وكلمة ثمينة، وحياة طيبة، انظر إلى الأخ الذي لا خير فيه يأتي ويجلس معك فيقول: يا فلان ما رأيك أن تسهر معنا في هذه الليلة، فالسهر على البحر فيه وفيه وفيه! المهم أنه يحسِّن ويزين لك معصية، لماذا لا تقول له: يا أخي! ما رأيك لو ذهبنا إلى المسجد؟ ما دام أنه يعرض عليك سلعة الهلاك والفساد، فلماذا لا تعرض عليه سلعة النجاة والصلاح، قل له: يا أخي! ما رأيك أن تجرب مرة واحدة أن نذهب إلى المسجد، قد توفق وتأخذ شخصاً عاصياً إلى جلسة من مجالس الخير، فيشرح الله صدره ويكون في ميزان حسناتك، هذه تجارة رابحة، ولربما أن الله يغفر ذنوبك حينما تهدي الناس إليه.
جربوا يا إخوان! هذا دينكم ودين آبائكم وأجدادكم، إن تبليغ الدين شرف والله لك، ليس بعيب ولا ذلة ولا مهانة أن تبلغ الرسالة، بل شرف لك، هذا دينك ودين آبائك، ليس بعيب أن تطيع الله، وليس بعيب أن تذل لله، ولكن العيب كل العيب أن نأكل من طعامه وأن نشرب من شرابه وأن نكفر نعمته، هذا هو العيب والله، والعيب كل العيب أن يظل الإنسان يكفر بنعمة الله عليه، ويدعو إلى معصية الله، أما أن تدعو إلى طاعة الله فهو شرف، ذكِّر قرناء السوء بالله ، قل لهم: والله إن الحياة التي أنتم تعيشونها كنت أعيشها وأجد العذاب، ما وجدت الراحة إلا في القرب من الله، واعرض عليهم سلعة الله.
الأمر الثاني: إذا لم يطيعوك فادع الله لهم بالهداية واجتنبهم وسيعوضك الله خيراً منهم، اعلم أنك ما تركت شيئاً لله إلا عوضك الله خيراً منه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعينك على البعد عنهم، وأن يهديهم إن كان الله أراد لهم الهداية، وإلا صرف قلوبهم عنك، وصرف قلبك عنهم إلى الأخيار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 496
معنى حديث: (لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع)
السؤال
ما معنى قول النبي ﵌ في الحديث الصحيح: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها: عن عمره فيما أفناه)؟
الجواب
هذا الحديث يعتبر جزءاً من حديث يدل على مشهد من مشاهد الآخرة، وهو مشهد السؤال، فالناس على قسمين: مؤمن وكافر، أما الكافر فبمجرد موقفه في عرصات يوم القيامة يختطف والعياذ بالله إلى النار، وأما المؤمن: فهو يمر في بلاء وضيق في عرصات يوم القيامة على قدر صلاحه وطلاحه، فإن كانت عنده ذنوب كبيرة، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حاسبه الله بتلك الذنوب، ومن الحساب موقف السؤال، فالمؤمنون الذين هم القسم الثاني أيضاً على ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: طائفة لا تسأل عن شيء ومباشرة يأمر الله بدخولها إلى الجنة، وهم السبعون الألف الذين هم من أمة محمد ﷺ ، يأذن الله بدخولهم إلى الجنة دون سبق حساب ولا سؤال ولا عذاب، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
وأما الطائفة الثانية: فطائفة عظمت حسناتها والله أحبها مع وجود الأخطاء، فيسترها الله في عرصات يوم القيامة، كما في حديث ابن عمر: (أن الله يدني العبد فيقول: يا عبدي فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ يقول: بلى يا رب، ويقول: فعلت كذا وكذا؟ فيقول: بلى يا رب! فيقول: سترتها عليك في الدنيا وها أنا أسترها عليك اليوم).
وأما القسم الثالث فهو قسم يفضحه الله ، فهذا المشهد من مشاهد السؤال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) ومنها ما ورد في السؤال: (عن شبابه، وفي رواية: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، العمر الذي هو لحظات الحياة قلَّت أو كثرت، يسأل الإنسان فتعرض عليه أيام الدنيا يوماً يوماً، تعرض عليك في عرصات يوم القيامة يوماً يوماً، وكل يوم يعرض عليك ساعة ساعة، وكل ساعة تعرض عليك بالثواني، تسأل عنها ثانية ثانية، ولذلك قال النبي ﵌: (من نوقش الحساب عذب)، يعني: إذا كان الحساب عن العمر دقيقاً فاعلم أنه الهلاك، ما يشك أحد أبداً أن الله لو دقق عليه الحساب هلك؛ لأن نعم الله عظيمة والإساءة موجودة ولو كان الإنسان فيه صلاحاً وخيراً.
فيعرض عليه هذا الشباب، وتعرض عليه الصحة، وتعرض عليه اللحظة، والثانية الفلانية من الساعة الفلانية، من يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من عام كذا وكذا، فيقال: في اللحظة الفلانية فعلت كذا وكذا، وجلست مع أصحابك فقالوا: كذا، فقلت: كذا وكذا، وإذا بالكلام تذكره كاملاً ما تخرم منه حرفاً واحداً، فيعرض على الإنسان وما ينسى مثقال خردلة، فتوضع موازين القسط ليوم القيامة، يقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، عرصات يوم القيامة مشهد عظيم شيبت رءوس الصالحين وأقضت مضاجعهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، ولذلك العبّاد الصالحون عندما يتذكرون مثل هذه المواقف ما يتحمل أحدهم، فيكثرون من الأعمال الصالحة لعل الله أن ينجيهم من كربات ذلك اليوم، فيتعبون الآن ولكن لراحة الغد.
فالمقصود أن الله يعرض عليك هذه اللحظات، ويعرض عليك هذه الساعات، ومن الناس من يعرض الله عليه حسناته، فيقول له: عبدي في يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا، فيقول: بفضلك يا رب! فيقول: عبدي في يوم كذا وكذا جلست مع الصالحين في ساعة كذا، فيقول: بفضلك يا رب! فيقول: في يوم كذا وكذا زرت أخاك في الله، في يوم كذا وكذا وصلت الرحم، في يوم كذا وكذا تصدقت على مسكين، أعنت أرملة، فعلت كذا فيقول: بفضلك يا رب! بفضلك يا رب! فيقول له: ادخل الجنة، يعرض الله عن إساءتك، والله فعال لما يريد يحكم ولا معقب لحكمه، من يستطيع يوم القيامة على رءوس الأولين والآخرين أن يقول: يا رب لا تدخل فلاناً الجنة؟! ما أحد يستطيع أبداً، إن رحمك الله فلا معذب، وإن عذبك فلا راحم، من يستطيع أن يتكلم؟! تأمل ملائكة الله الملك الواحد منهم لو بسط جناحه لسد الأفق، مع ذلك يسكت ولا يستطيع أن يتكلم ذلاً لله ، مع ما أعطاهم الله من البسطة في الجسم، فيخنس أمام عظمة الله ، ويذل أمام قهر الله في ذلك اليوم العظيم، مع أن الملائكة لم تذنب لكن من عظمة الله وهيبة السؤال سكتت، هذا من عرصات وأهوال يوم القيامة، تسأل عن كل الأفعال، وعن جميع الأقوال، تعرض على الإنسان كاملة لا ينسى منها مثقال خردلة، نسأل الله أن ينجينا وإياكم من ذلك الموقف، وأن يجعل حسابنا وحسابكم يسيراً وألا يجعله عسيراً، والله تعالى أعلم.
стр. 497
صيام يوم عاشوراء يكفر صغائر الذنوب وكبائرها
السؤال
هل صيام يوم عاشوراء يكفر كل الذنوب كما في حديث ابن عباس؟
الجواب
هذا الحديث قيده بعض العلماء بصغائر الذنوب، وقالوا: إن كبائر الذنوب موقوفة على التوبة النصوح، والذي يظهر من ظاهر الحديث أنه يشمل صغائر الذنوب وكبائرها، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، وليس هناك ما يقيده من النصوص، والذي يظهر إن شاء الله أنه يكفر صغائر الذنوب وكبائرها، وليس ذلك بعزيز على الله، والله تعالى أعلم.
стр. 498
عدم الالتفات إلى المستهزئين والعاقبة للمتقين
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا صاحب قلب قاسٍ، وأريد أن أتوب ويلين قلبي، وأريد أن أحيا حياة سعيدة طيبة، ولكن أخشى الاستهزاء من الآخرين، فماذا أفعل، وما هو الحل جزاكم الله خيراً؟.
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فأبشر أخي في الله! بكل خير ترجوه من الله ، ما دمت أنك تحس أن قلبك قاسٍ، وتجد من نفسك الندم من هذه القسوة فهذه بداية خير، والله تعالى لا يورث الإنسان الندم إلا وهو يريد منه أن يتحرك إليه ، وأوصيك أخي في الله! أن تجتهد في الإقبال على الله ، وألا يمنعك سخرية الساخرين ولا استهزاء المستهزئين عن طاعة رب العالمين، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والله ما تطيع الله إلا أورث الله هيبتك في القلوب، فاليوم الأول يستهزئون، واليوم الثاني يضحكون، واليوم الثالث إذا بالقلوب قد تغيرت، وجرب وستجد ذلك، وقد وجدنا هذا، أول شيء يستهزئون بك لماذا؟ لأن النبي ﵌ لما قال: (قولوا: لا إله إلا الله) استهزءوا به، ولما قال الصحابة: (أحد أحد) اُستهزئ بهم، ولما قال الصالحون: (إنا إلى الله تائبون منيبون) اُستهزئ بهم، ولكن ما هي العاقبة؟ ما هي النتيجة؟ ما هي الثمرة؟ إنها رضوان الله ، ولذلك النبي ﵌ كانوا يستهزئون به، وسموه الساحر، والمجنون، والأفاك الأثيم، وتوفي وهو سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه، فالعبرة بالعواقب، وهذا الاستهزاء يكفر الله به ذنوبك، ويجعله الله رفعة لدرجاتك، فما عليك من الاستهزاء والسخرية، ويوم القيامة تجتمع عند الله الخصوم، وكما استهزءوا بالمطيعين لله فيستهزئ بهم المطيعون: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦].
فأبشر أخي بكل خير، وأقبل على الله ، إذا استهزأ بك الأشرار فسيبدلك الله محبة الأخيار، وإذا استخف بك البعيدون عن الله فسيعظمك ويحبك القريبون من الله، وشتان ما بين الفريقين، وشتان ما بين الطائفتين، والله تعالى جعل جنده هم الغالبون وهم الفائزون، وهذا وعد لن يخلفه الله ، فأبشر بكل خير، قال بعض السلف: (والله ما قام عبد لله مقام ذل إلا أقامه مقاماً أعز منه) يعني: إذا التزمت وأطعت الله وسخر منك الناس، فسيقيمك الله مقاماً يجلك فيه الناس، ولذلك تجد الشخص إذا رأى شاباً ملتزماً مستقيماً فإنه يحس في قرارة قلبه أن هذا الشاب الملتزم شيء كبير، ووالله حتى العصاة ينظرون إلى أهل الطاعة نظرة إجلال، وكم مرة سمعت بأذني من أناس عصاة يقولون: يا شيخ نتمنى أن نكون مثل الأخيار، نتمنى أن نكون مثل هؤلاء الصالحين الذين نجد فيهم الوقار والسكينة والقرب من الله، نتمنى أن نكون مثلهم، فالمرة الأولى استهزاء، والمرة الثانية سخرية، ولكن العاقبة للتقوى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم ألا يجعلنا ممن حجبه استهزاء الناس عن طاعة رب الناس، فانج بنفسك قبل أن يدهمك الأجل وتستنفد الأمل، وعندها لا ينفع الإنسان إلا ما قدم من صالح القول والعمل، والله تعالى أعلم.
стр. 499
فضل صيام عاشوراء
السؤال
ما فضل صيام يوم عاشوراء الذي نحن على أبوابه الآن؟
الجواب
ثبت في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ ذكر فضله: أنه احتسب على الله أن يكفر عاماً كاملاً عن الإنسان، فصيام يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة؛ فينبغي للإنسان أن يجتهد في صيامه، والأفضل والسنة أن يصوم التاسع والعاشر؛ لأن النبي ﵌ قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر) فيصوم الإنسان غداً وما بعد غد، وهو يوم الخميس والجمعة، والله تعالى أعلم.
стр. 500
الثبات على الهداية
إن الهداية نعمة من الله عظيمة، ومنة منه جليلة، فبالهداية ينال الإنسان مرضاة الله سبحانه، وبالهداية تكون الراحة والطمأنينة في الدارين، لذلك يضطرب الجنان من خشية الله؛ خوفاً من تبدل الأحوال، وتقلب القلوب، وسوء العاقبة والمآل، ولا يكون الحفاظ عليها إلا بمعرفة الأسباب التي تعين على الثبات على هذه النعمة العظيمة التي امتن الله بها على عباده.
стр. 501
نعمة الهداية وأهميتها
الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ما أظلم الليل وأضاء النهار.
أما بعد: إخواني في الله! كم هي نعمة من الله عظيمة، ومنة من الله ﵎ جليلة؛ تلك النعمة التي أخرج بها العبد من الظلمات إلى النور، وأنقذه من مزالق الهوى والردى والشرور! أيُّ ساعة تلك الساعة التي أقبلت فيها القلوب والقوالب على الله، أيُّ ساعة تلك الساعة التي عرف العبد فيها سيده ومولاه، أيُّ ساعة تلك الساعة التي انفطر فيها الفؤاد من خشية الله! أيُّ ساعة تلك الساعة التي أقبل العبد فيها على الله ﵎ من بعد إدبار وأحسن من بعد إساءة! ما أعظمها من ساعة تلك الساعة التي نادت فيها النفس اللوامة، وانبعثت في النفس أشجان وأحزان؛ تُذكر العبد بعظيم نعمة الله جل وعلا عليه وجليل منته لديه، فانتبه من الغفلة، واستيقظ من المنام، وأقبل على الملك العلام أيُّ ساعة تلك الساعة التي لا يستطيع العبد شكرها ولا الوفاء بعظيم حقها، حُرِمتها أمم فهوت في مهاوي الردى والشرور، وأكرمك الله جل وعلا بالإقبال عليه، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، نعمةً منك وحدك لا شريك لك، فلك كما ينبغي أن تُحمد عليها.
إخواني! إن القلوب الصادقة تتقطع لهفاً وشوقاً للثبات على هذه النعمة، تريد البقاء في الطريق إلى الله تريد الثبات على سبيل الله تريد البقاء على هذه الهداية التي رُحمت بها من عذاب الله ﵎ تريد أن يثبت القدم؛ ولذلك يضطرب الجنان من خشية الله خوفاً أن تتبدل الأحوال أو تسوء العاقبة والمآل؛ لذلك تتساءل القلوب الصادقة، وتتلهف شوقاً وحنيناً لمعرفة الأسباب التي توجب ثبات القدم في السبيل إلى رب الأرباب تريد من يهديها ويدلها إلى العلاج الناجح لذلك البقاء تريد أن تثبت على هذه الهداية إلى لقاء الله جل وعلا، استجابةً لأمره وطاعة له سبحانه إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] فحفظوا وصية الله وأرادوا تطبيقها، فاشتاقوا وتلهفوا لكي يكرمهم الله بالبقاء والثبات على الهداية.
стр. 502
أسباب الثبات على الهداية
стр. 503
البعد عن المحارم
من أسباب ثبوت القدم على الهداية واستجلاب الولاية: بُعد العبد عن محارم الله وخوفه وخشيته لله ، إن تنكب العبد عن صراط الله جل وعلا له أسباب تدعو إلى ذلك، وأعظمها: الميل إلى الهوى، وإيثار الشهوات والشبهات؛ فإذا استدمن القلب حديث النفس الداعية إلى محارم الله تنكب ذلك القلب -والعياذ بالله- عن صراط الله، فينبغي للعبد إذا وجد في نفسه الوساوس والخطرات أن يستعيذ ويستجير ويستغيث بالله من شرها وضرها.
إذا أراد العبد أن تثبت قدمه على الهداية، فليبتعد عن تلك المحارم الموجبة لضعف الإيمان في القلب، وأن يحاول قدر استطاعته إذا وجد من النفس دواعيها أن يكبح جماحها بالخوف من الله ﵎، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
стр. 504
مجالسة الصالحين والأخيار
ومن أسباب الثبات على الهداية: معاشرة الصالحين والأخيار، فإن الجلوس معهم والأنس بهم من أعظم الأسباب الموجبة للهداية، وكذلك الحرص على زيارتهم والتأدب بأخلاقهم، فالنبي ﷺ أخبرنا أن الله غفر لعبد جلس في مجلس ذكر مرة واحدة فقال: (وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فالجلوس مع الأخيار وزيارتهم من أهم الأسباب الموجبة للثبات على الهداية، فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على الجلوس معهم، فلو سألت القلوب يوماً: من الذي دعاها لمحارم الله؟ من الذي زين لها الشبهات والشهوات، ومهد السبيل لمحارم الله؟ لوجدت وراء ذلك قرين السوء والعياذ بالله! فهو الذي زين كأس الخمر وجعلها ألذ إلى النفس حتى أعرضت عن الله حين شربتها؟ وهو الذي حبب إليك الزنا وقربك منه ومهد السبيل إليه، فهؤلاء هم شياطين الإنس والجن؛ فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على البعد عمن لا خير فيه، والله إذا أراد أن يثبت قدم عبده على الهداية؛ دعاه إلى كراهية الأشرار، وجعل قلبه لا يرتاح لهم ولا للجلوس معهم؛ ولذلك بلغت الهداية ببعضهم أنه يقلق إذا مر عليه من عصى الله خشية أن يذكره بمعصيته.
إخواني! إن كثيراً ممن أكرمهم الله بالهداية قد يتساهلون في هذا الأمر العظيم، فتارة تجدهم يجلسون مع من لا خير فيهم ويتساهلون في ذلك، ووالله إنه لخطرٌ عظيم! فمن تعرف على الله وامتلأ قلبه بالإيمان بالله، فإن قلبه لن يسكن فيه غير داعي الله ومحبته، ولذلك لن يجتمع في قلب عبد محبة الله ومحبة عدوٍ لله أبداً، ولن تدخل محبة الله إلى قلب عبد أدخل معها شريكاً يضادها؛ لأنه إما أن تكون محبة لله خالصة تنتفي معها محبة ما سواه إلا أن يكون حبيباً لله، وإما العكس والعياذ بالله! فينبغي للإنسان أن يحذر من الجلوس مع الأشرار؛ لأن الجلوس والضحك واللهو معهم من الأمور التي توجب للعبد الردى وتورده موارد الشهوات والهوى؛ ولذلك من تعود على مجاملة الأشرار فلا يلومنّ إلا نفسه.
стр. 505
قراءة القرآن
ومن الأسباب الموجبة للهداية: كثرة تلاوة القرآن، فإن القرآن شفاء القلوب والأرواح، وكثرة تلاوة القرآن -خاصة أثناء قيام الليل- من أعظم الأسباب الموجبة للثبات على الهداية، ولقد كان النبي ﷺ أكمل الأمة إيماناً، فقد تفطرت قدماه في القيام بين يدي الله في جوف الليل؛ فمن حبب الله إلى قلبه قيام الليل ثبتت له تلك القدم على الهداية، فتعود -أخي في الله- على قراءة القرآن في ليلك ولو جزءاً واحداً تتقرب إلى الله جل وعلا به، فإننا نجلس الساعات الطويلة في مجالس اللغو واللهو، ونسهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ووالله لو بذلت ربع معشار تلك الساعات لأصابتك من الله نفحة ورحمة قد تكون سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة.
إنه يعز على الإنسان لو أنه قام ربع ساعة بعد صلاة العشاء، يقلب فيها ذلك القلب أمام تلك الآيات الطيبة، وإن تيسر للعبد أن يقوم آخر الليل، فإنه أكمل وأجمل له في عين ربه، فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على قيام الليل، فإن قيام الليل من الأمور الموجبة لثبات القدم على الهداية؛ لأن العبد إذا قطع ليله في تلاوة القرآن تأثر في صباحه بذلك القيام، قال بعض السلف: (والله ما حفظت قيام الليل إلا وجدت أثر ذلك في علمي وعملي في يومي ونهاري) إنها دعوة لأن نحيي الليل وخاصة في الأسحار، فحق على الله أن يثبت تلك الأجساد الطيبة الطاهرة التي تقلبت في جوف الليل بين يديه، فحرام على تلك العيون التي سحت بالبكاء في جوف الليل أن تمسها النار، وحرام على تلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله أن يمسها عذاب الله وعقوبته، وحرام على تلك السواعد الطيبة الطاهرة التي أكرمها الله بقيام الليل فانتصبت بالسجود بين يدي الله أن ترى النار أو تمسها.
وجماع الخير كله: تقوى الله ، فمن اتقى الله ثبت الله قدمه على الهداية، وأوجب له الولاية، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم -بأسمائه الحسنى وصفاته العلى- أن يثبت أقدامنا، اللهم إنا نعوذ بك من الضلال بعد الهدى، ومن العمى بعد البصيرة، ونعوذ بك من الحور بعد الكور، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
стр. 506
طلب العلم الشرعي
السبب الخامس من أسباب الثبات على الهداية: طلب العلم، فطلب العلم يجعل العبد أكمل العباد إيماناً بالله ومعرفة به ؛ وذلك لأن الله جل وعلا وعد أهل العلم بالخير كله، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فإذا اتجهت في سبيل طلب العلم، واتجهت إلى حلق العلماء تريد أن يكرمك الله بالعلم، فاعلم أن الله أراد بك خيراً، وحاشا لعبد أراد اللهُ به خيراً أن يُقلّب قلبه على الشر أبداًَ، لذلك تجدوا أكمل الناس ثباتاً على الهداية طلاب العلم، وأعرفهم بالله وأصدقهم في معاملته وأرجاهم له بعد العلماء، فقد صقلت قلوبهم روحانية الكتاب والسنة أولئك الذين جلسوا مجالس الذكر فحفتهم الملائكة فنجوا من شرور الشياطين ووساوسهم وخطراتهم؛ فكانوا أكمل العباد ثباتاً على طاعة الله ومرضاته، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
حقيق بأولئك الأخيار الذين قضوا الليل والنهار في قراءة تلك الكلمات العطرة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أن يثبت الله أقدامهم أولئك الذين احتسبوا عند الله أن يُسقطوا الإثم عن الأمة بأن جندوا أنفسهم دعاة وهداة وعلماء، يعلمون الخير ويهدون إليه.
هنا إشكال يرد كثيراً وهو: أن بعض طلاب العلم -والعياذ بالله- خاصة في هذه الآونة الأخيرة قد ينتكس عن طلب العلم، فما هو السبب في كونه ينتكس -والعياذ بالله- عن الهداية؟
و
الجواب
أن المراد بطالب العلم الذي أراد الله له الثبات هو طالب العلم الصادق مع الله في طلبه، المتأدب مع العلماء؛ ولذلك لن تجد إنساناً يستجمع خصلتين: الصدق في طلب العلم، والأدب مع العلماء إلا وجدته عالماً في عاقبة أمره، والعكس بالعكس والعياذ بالله! فينبغي للإنسان أن يجند نفسه لسلوك سبيل العلم علَّ الله أن يثبت بذلك قدمه على الهداية.
стр. 507
محبة العلماء والجلوس بين أيديهم
السبب الرابع من أسباب الثبات على الهداية: محبة العلماء وغشيان حلق الذكر، فإنهم هم القوم الذين لا يشقى بهم جليس، ومن أحب رياض العلماء وداوم الجلوس فيها تقرباً إلى الله وتحبباً إليه؛ ثبت الله قلبه على الهداية، وثبت قدمه في السبيل المفضي إلى رحمة الله ورضوانه، فلا تجد إنساناً يحافظ على مجالس العلماء، ويحافظ على حلق الذكر إلا كان قلبه في انشراح عظيم، ونفسه في طمأنينة عظيمة بذكر الله جل وعلا وشكره والثناء عليه.
لقد جعل الله العلماء هداة مهتدين، جعلهم ورثة للأنبياء، وجعل الخير في اتباعهم والاقتفاء لآثارهم، ومن أحب قوماً حشر معهم؛ فمن أحب العلماء حشره الله مع العلماء، ومن تطفل على حلق الذكر راجياً رحمة الله بيض الله وجهه في الدنيا والآخرة وثبت له القدم حين تزل الأقدام.
стр. 508
الاستجابة لداعي الكتاب والسنة
السبب الثالث من أسباب الثبات على الهداية: الاستجابة لداعي الكتاب والسنة، فإذا أتتك الآية من آيات القرآن، وأتاك الحديث من قول المصطفى ﷺ أو إقراره أو عمله، تلهفت نفسك شوقاً للعمل به، فإنه ما من عبد يدمن الطاعة لله ورسوله ثم تزل قدمه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] إخواني! لأنه ما من إنسان يسعى جهده في تطبيق أوامر الشرع، والتزام أوامر الكتاب والسنة إلا ثبّت الله قدمه على الهداية.
فلتتأثروا بمواعظ القرآن كلام الرحمن، واغسلوا القلوب بذلك الدواء النافع والعلاج العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].
من تأثر بمواعظ القرآن وانكسر قلبه خشية للرحمن، فإن الله يثبت له الجنان، ويجعله على استقامة وطاعة لله ؛ ولذلك ما عرف عن إنسان حريص على اتباع السنة وتطبيقها -في نفسه وولده وأهله- أن قلبه ينقلب عن طاعة الله يوماً من الأيام؛ لذلك -إخواني- انتهجوا هذه المناهج الكريمة، وتعرضوا لنفحات من الله ورضوان، وذلك إنما يكون بالتأثر بآيات القرآن.
لقد كان السلف الصالح من أقوى العباد وأكملهم استجابة لأوامر الكتاب والسنة، فصلحت لهم الأحوال، وأوجب الله لهم حسن الخاتمة والمآل؛ فمن تغذى قلبه بمحبة الكتاب والسنة، فإن الله ﵎ يثبت قلبه؛ لأن القرآن طريق الهداية الأول الذي لا هداية إلا عن طريقه.
قال الله في محكم كتابه: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] فدل هذا على أن الوحي طريق الهداية، وأن العبد إذا اهتدى بالوحي دعاه ذلك للثبات على سبيل الله وطاعته ومرضاته، وكذلك السنة؛ فهي نور على نور، ورحمة على رحمة، فمن اقتفى آثار النبي الكريم هداه الله ﵎ وثبت الله قدمه على الهداية، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] اتبعوا هذا النبي الكريم لعلكم تهتدون، فكل من أحب رسول الله ﷺ ، وكان متأثراً بأقواله وأفعاله فإنه يحب السنن، ويحب تطبيقها والتزامها وكلما سمع سنة كان جل همه أن يطبقها، فذلك هو العبد الذي أوجب الله له الهداية والثبات.
إخواني! ينبغي للإنسان أن يُغذي قلبه بمحبة النبي ﷺ محبة تدعوه أن يؤثره على كل شيء حتى على نفسه التي بين جنبيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... ) فإذا كان العبد يحب الله من كل قلبه، ويحب رسوله ﷺ محبة تدعوه إلى المتابعة الصادقة المجردة من الهوى، فإنه لا شك أنه من أسعد العباد وأفوزهم بالهداية، ولذلك لما تأثر أصحاب النبي ﷺ بآثاره واهتدوا بهديه كانوا أكمل الأمة ثباتاً على الحق؛ اكتمل لهم الإيمان عندما تأثروا بسنة النبي ﷺ ، فكانوا يدمنون تطبيقها، ولا يطمئن الرجل منهم إلا بالتزامها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فقد تأثروا بتلك السنة حتى كان الواحد منهم يحب الطعام الذي يحبه رسول الله ﷺ ، فلذلك -إخواني- ينبغي للإنسان أن يُغذي قلبه بمحبة السنن والآثار والسير على نهجها والاقتفاء بآثارها.
стр. 509
سؤال الله الهداية والثبات عليها
أول تلك الأسباب وأعظمها: أن يتوجه العبد إلى الله جل وعلا بقلب صادق منكسر بين يديه يسأله الثبات على الهداية، فإن الدعاء حبل متين من الله ؛ من استمسك به نجا، ومن استعصم به أغاثه الله جل وعلا إذا استغاث، وأجاره إذا استجار، فالله بيده الهداية والضلال، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، هو الذي يعطي ويمنع؛ فإن أعطى فلا مانع لما أعطى، وإن منع فلا معطي لما منع.
إن أول طريق للبقاء على الهداية والثبات عليها: أن يتوجه القلب إلى الله بصدق وإخلاص، فما من عبد يسأل الله بصدق أن يثبت قدمه وقلبه على الهداية إلا كان حقاً على الله أن يثبته، فسلوا الله الثبات على الهداية فذلك شأن الأخيار ودأب الصالحين الأبرار، وقد حكى الله جل وعلا دعاءهم في محكم كتابه: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
أولئك الأقوام الأخيار علموا أن الهداية منحة من الله، وعطية منه جل شأنه، لا سبيل للبقاء عليها ولا طريق للدوام عليها إلا إذا صدق العبد في سؤال الله ذلك، وقد دلت دلائل السنة على ذلك، فقد كان النبي ﷺ -وهو أهدى العباد لربه وأتقاهم وأشدهم خشية لله كثيراً ما يسأل الله الهداية، فقد صح عنه ﵊ أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى) فكان يسأل الله الهداية.
وفي الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه كان يقول بين السجدتين: (اللهم اهدني وارحمني، وعافني وارفعني، واجبرني ... ) إلى آخر الدعاء المأثور، فمن تعلق بباب الله ولجأ إلى جنابه، وصدق في دعائه بسؤاله أن يثبت قلبه على الهداية، فحقٌ على الله أن يُعطيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم ... ) وعد من الله أن يهدي من سأله الهداية.
إخواني! من الذي أنقذ القلوب من تلك الظلمات؟ فإن أقواماً ما عرفوا الله في حياتهم كلها! وما وقفوا يوماً من الأيام ببابه يسألونه الهداية، ومع ذلك تكرم وتفضل ووهب سبحانه، أليس خليقاً به جل وعلا إذا تعلقت ببابه، ولذت بجنابه، وأظهرت الفاقة إليه أن يثبت لك القدم على سبيله؟! فهو الحقيق بأن يهب ذلك، لذلك؛ وإني أدعوكم إلى الله جل وعلا في مظان الإجابة التي ثبتت بها النصوص الصحيحة عن المصطفى ﷺ ، فسلوه الثبات على الهداية في الأسحار، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود؛ فإن الدعوة تقرع بابه، وتنزل إلى رحابه طالبة من عظيم فضله ومنه وكرمه.
فأول أسباب الثبات على الهداية: أن تدمن سؤال الله أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يذيقك حلاوة طاعته وذكره وشكره.
стр. 510
تقوية شجرة الإيمان بالله في القلب
أما السبب الثاني وهو أجلها وأعظمها: تغذية القلوب بالإيمان بالله؛ لأنه ما من قلب يقوى اعتقاده في الله جل وعلا إلا ثبت ولم تزل قدمه أبداً؛ ولذلك قال بعض السلف: "ما عرف سوء الخاتمة لإنسان مستقيم في عقيدته" فإذا تغذت القلوب بالإيمان بالله، وتعرفت على الله جل وعلا حق المعرفة -عن طريق ذلك الكتاب المبين وتلك السنة العطرة النضرة- أوجب ذلك لها الثبات على طاعة الله جل وعلا.
تعرفوا على الله، فإن القلوب التي تعرف الله لا تجحده، ولا تُعرض عن الله أبداً، ولذلك إذا نزل الإيمان إلى جذور القلوب اهتدت إلى علام الغيوب: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن:١١].
من ازداد في إيمانه، وزاده الصباح والمساء معرفة بمن يقلب الليل والنهار، وبمن له العشي والإبكار؛ دعاه ذلك للثبات على الهداية، وأن يكون الله أحب إليه من كل حبيب، وأرجى لقلبه من كل مرجو.
إخواني! لا يمكن أن يثبت القدم إلا إذا عظم الإيمان بالله ﵎، وهذا الكون محراب التفكر والتأمل والنظر، فقد جعل الله فيه الدلائل الناطقة بوحدانيته، والشاهدة بعظمته وألوهيته، فإنك إن نظرت أمامك وجدت دلائل عظمته، وإن نظرت وراءك وجدت دلائل قدرته، وإن نظرت عن يمينك ويسارك ومن فوقك وتحتك -بل لو نظرت في نفسك- لوجدت دلائل عظمته وشواهد رحمته، فإذا تغذى القلب بالإيمان بالله فإنه سيرسخ في البقاء على طاعة سيده ومولاه.
стр. 511
الأسئلة
стр. 512
نصيحة للمرأة المسلمة
السؤال
نرجو توجيه نصيحة للمرأة المسلمة؟
الجواب
يا نساء المؤمنين! إن الله أدبكن فأحسن تأديبكن، ورباكن فأحسن تربيتكن، إن الله تعالى وعد المحسنات منكن أجراً عظيماً، ووعد العباد بأنه لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى على أيديكن تتربى الأجيال، فأوصيكن بتقوى الله التي هي سبب التوفيق لكل خير في الدين والدنيا والآخرة، وأوصيكن أن تتقين الله في محارم الله، وأن تحاول الواحدة جل أمرها أن تحرص كل الحرص عن البعد عن الفتن والمحن، فرأس المال في هذه الدنيا هو الدين، فلا تعرضن أنفسكن لمحارم الله جل وعلا.
لتحاول كل واحدة أن تكون صادقة مع الله في تربية الأبناء والبنات، فإن صلاح الأم صلاح للمجتمع، ولكُنَّ في السلف الصالح من نساء النبي ﷺ القدوة الحسنة، لكُنَّ في نساء النبي ﷺ تلك النماذج الطاهرة، فأوصيكن بقراءة سيرة السلف بقراءة سيرة الصالحات الطاهرات اللاتي عمرن الكون بطاعة الله جل وعلا، وبإخراج الرجال الصادقين في طاعتهم ومحبتهم لله جل وعلا.
إن صلاح الأم صلاح للأمة، فكم وجدنا من العلماء العاملين والرجال الصادقين الصالحين من كان السبب في صلاحه أمه، حتى قالت أم سفيان الثوري رحمها الله قولتها المشهورة: (يا بني! اطلب العلم أكفك بمغزلي)، فلذلك أختي المسلمة! فاحتسبي عند الله تربية الأجيال على طاعته ومحبته.
كما أوصيكن بالأزواج خيراً، ولتكن الواحدة منكن -على قدر استطاعتها- معينة لزوجها على محبة الله ومرضاته، فكم من نساء صالحات طاهرات كن سبباً في صلاح الأزواج، وكم من نساء صالحات طاهرات ثبت الله بهن القلوب على الهداية، ألم يأت رسول الله ﷺ إلى أم المؤمنين خديجة ذَعِرَاً مرعوباً مرهوباً فقال لها: (لقد خشيت على نفسي) فمن الذي ثبته بعد الله؟ من الذي قال له تلك الكلمات الطيبات؟ إنها تلك المرأة الصالحة التي عرفت ربها واتقت الله في بعلها، فقالت له المقالة الصادقة: (كلا، والله لا يخزيك الله).
وأحذركن من تلك النماذج السيئة التي بليت بها الأمة في هذا العصر.
الله! الله! أن ترغبن عن تلك الصالحات الطاهرات، وأن تستبدلن بسيرهن العطرة ومواقفهن النضرة بسير الماجنات الداعرات، الله! الله! أن تؤثر عليكن الكثرة الداعية إلى محارم الله، البسي جلبابك واحفظي حياءكِ، واتقي الله في ليلكِ ونهارك، واعلمي أن جمالكِ في الحجاب الذي به استترتي، وبالقلب الذي تضمينه بين جنبيكِ، ليس الجمال جمال الصورة بمثل جمال القلوب التي هي محط نظر الرحمن، ومحط رحمته وصلواته، ففي الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
كم نحن بحاجة إلى تلك النماذج الطاهرة الطيبة الصالحة التي تُذكِرُ بالنساء الصالحات وتجدد لنا المآثر الكريمة من سلفنا الصالح، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح الأحوال، وأن يحسن العاقبة والمآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 513
وسائل التخلص من الرياء
السؤال
كيف يمكن أن يتخلص من الرياء؟
الجواب
لا أعرف سبباً يعين على التخلص من الرياء مثل الأمرين اللذين سبقت الإشارة إليهما، أولهما: الدعاء، فتسأل الله أن يجعلك مخلصاً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦].
الأمر الثاني: تذكر الآخرة هذان الأمران.
من أهم الأسباب التي تعين الإنسان على الإخلاص وترك الرياء، ولذلك لا تجد إنساناً قلبه معمور بالآخرة ثم يكون مرائياً، والعكس بالعكس؛ فما من إنسان يغفل عن الآخرة إلا وجدته والعياذ بالله مرائياً في قوله وعمله، ومرائياً في ظاهره وباطنه.
ومن الأمور التي تعين على الإخلاص وترك الرياء: إعظامك للمثوبة عند الله ، فإذا علمت أن الله يتقبل منك القليل ويجزيك عليه بما لم يخطر لك على بال دعاك ذلك إلى الإخلاص؛ لأن العبد إذا عظم الله دعاه ذلك إلى إحسان المعاملة مع الله ، ونسأل الله أن يكرمنا وإياكم بالإخلاص لوجهه.
стр. 514
وسائل التخلص من العجب
السؤال
أنه إذا قام جزء من الليل يعجب بنفسه وعمله، فهل هذا من الرياء؟
الجواب
العجب داء وبلاء عظيم، وقد قال بعض السلف: (لئن أبيت نائماً وأصبح نادماً، أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً) بماذا تعجب؟ من الذي وفقك للقيام؟ من الذي صرف عنك الهوى والشهوات التي لو أطبقت عليك ما استطعت أن تتخلص منها إلا أن يرحمك الله؟ من الذي أعانك بالصحة والعافية؟ من الذي حبب لك أن تقوم بين يديه؟ من الذي سهل لك السبيل؟ وماذا تساوي هذه الركعات والسجدات التي تسجدها وتركعها بين يدي الله مقابل نعم الله عليك؟ فاحتقر العبادة، وما تقدمه في جنب الله، فالله لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، والله جل وعلا لن نبلغ نفعه فننفعه، ولن نبلغ ضره فنضره: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
تذكر من هم أكثر منك إيماناً، تذكر العلماء الراسخين في العلم الذين أوجب الله لهم درجات لم تخطر لك على بال، تذكرهم واحتقر نفسك.
فمن وصايا العلماء: (أن الإنسان إذا بلي بداء عالجه بضده) فإذا بليت بالعجب، عالج ذلك العجب باحتقار العمل، وإذا كان الإنسان معجباً بالطاعة فعليه أن يعاشر الأخيار حتى يحتقر طاعته في جنب طاعتهم، وأن يكثر من حضور حلق الذكر حتى يتأثر بالعلماء فيحتقر صلاحه في جنب صلاحهم.
والله تعالى أعلم.
стр. 515
نصيحة لطالب العلم
السؤال
رجل لم يستفد من طلبه للعلم خلال ثلاث سنوات؛ وذلك لأنه لا يسير على منهج واحد، فكيف يصحح مسيره في طلب العلم؟
الجواب
إذا أردت أن تصحح مسيرك في طلب العلم، فعليك: أولاً: بالإخلاص لله ؛ وثق ثقة تامة أنك ستعطى من العلم على قدر إخلاصك، فإذا تكلمت تكلمت لله، وإذا عملت عملت لله، والسلف الصالح ﵏ عندما صدقوا مع الله في طلب العلم هانت عليهم الأسفار، وهانت عليهم مشاق الليل والنهار، كل ذلك عندما أخلصوا لله ، وقد قال بعض العلماء موصياً ابنه: (يا بني! أخلص لله يأتك العلم).
أذكر أني ذات مرة كنت مع الوالد ﵀ في المكتبة، فجاء لكي يضع تفسير القرطبي ففاضت عيناه من الدمع، ثم قال لي: يا بني! لقد كنت أحلم أن أرى القرطبي بعيني، وكنت شغوفاً بجمع كتب العلم وعلم جدك بذلك، فقال لي: يا بني! أخلص لله تأتِ كتب العلم إليك، قال: فهأنذا عندي ثلاث نسخ منها، أليست هذه نعمة؟ قلت: بلى، والله إنها لنعمة، فمن أخلص لله في طلب العلم أعطاه الله العلم.
ثانياً: عليك أن تحاول قدر استطاعتك أن تأخذ العلم عن العلماء؛ لأن كثيراً من طلاب العلم -خاصة في هذا الزمان لا يأخذون العلم إلا من الكتب، نعم الكتب فيها خير ولكن يفوتهم من الخير ما لم يخطر لهم على بال، العلم يؤخذ من صدور الرجال، يؤخذ حينما تزاحم العلماء بركبتيك وتتعرض لرحمة الله بالتواضع في الجلوس في حلق الذكر، فتكون خطواتك وأنفاسك وسمعك وبصرك في سبيل الله؛ لأنك تقرأ وتكتب وتسمع، وتفكر في مسائل العلم، فالعلم لا يؤخذ من السطور كما يؤخذ من الصدور؛ ولذلك قال بعض العلماء في شرح الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء؛ ولكن يقبضه بموت العلماء) قال بعض العلماء: (في هذا دليل على أن العلم يؤخذ عن الرجال)؛ لأنه لو كان العلم يؤخذ عن الكتب ما قال: ينتزعه انتزاعاً، ولكن قال: (بموت العلماء) فدل على أن العلم مربوط بالعلماء، ولذلك أوصي كثيراً طلاب العلم أن يكونوا حريصين على أخذ العلم من العلماء، قالوا: (من كان شيخه الكتاب، فخطؤه أكثر من الصواب) فإن الإنسان لا يأمن من تحريف المطبعة أو من الفهم السقيم، فلربما يفهم الشيء على غير ظاهره، وكذلك أيضاً قال بعض العلماء من مظنة الفهم في العلم: (أن الإنسان يوفق للجلوس أمام يد العالم) ومن المجرب أنك إذا جلست في مجالس العلماء وجدت من التيسير في طلب العلم ما لم تجده لو جلست تقرأ وحدك، فالمقصود: إن من أسباب عدم ثباتك أنك تطلب العلم من الكتب، وهذا ظني، والله أعلم.
الأمر الأخير الذي أوصيك به: بما أنه تبين لنا أن طلب العلم يؤخذ من العلماء؛ فينبغي أن تتخير العالم الذي هو أهل لأن يؤخذ العلم عنه، وقد قال عبد الله بن مسعود -كما ورد في صحيح البخاري-: (أيها الناس! إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) إذا كنا في تجارة الدنيا نترقب ونحاول أن نجد التاجر الصادق في معاملته، فقل لي بربك، كيف بتجارة الآخرة؟ فينبغي للإنسان أن يتخير العالم العامل الذي يذكره بالله في قوله وعمله، ويعينه في الثبات على طلب العلم، والله تعالى أعلم.
стр. 516
حكم قراءة القرآن نظراً في التهجد
السؤال
هل يجوز قراءة القرآن نظراً في قيام الليل إذا لم يكن القائم يحفظ القرآن؟
الجواب
نعم، يجوز ذلك طلباً للمصلحة المترتبة على القراءة، واحتج العلماء لجواز ذلك بما ورد عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت تأمر مولاها أن يقوم بها الليل بالمصحف، والله تعالى أعلم.
стр. 517
وسائل معينة لحفظ كتاب الله
السؤال
إن حفظي للقرآن رديء جداً، وإني أحاول بشتى الطرق أن أحفظه، فهلا أرشدتني إلى طريق يسهل عليَّ حفظه؟
الجواب
أول طريق هو: الدعاء، وما من مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة تدرك بشيء مثل الدعاء، فأوصيك، فإن الله ﵎ هو القادر أن يهبك الحفظ وأن يسلبك إياه.
الأمر الثاني: أن تأخذ بالأسباب المعينة على الحفظ، وأعظمها وأساسها: الإخلاص لله ، تفقد نفسك، فلربما كانت نيتك فيها دخن، حاسب نفسك علَّ الله أن يكرمك بإعادة النظر الذي يوجب لك صلاح النية، وإذا صلحت النية أعان الله العبد على مقصوده.
الأمر الثالث: أن تتوخى الأسباب، وذلك بأن تحاول كثرة التكرار والترداد.
الأمر الرابع: اختيار الآيات القليلة، فالإنسان إذا أراد أن يحفظ يتخير آيات قليلة ولا يستعجل الحفظ، فقلة الشيء الذي تقرؤه وكثرة تكراره يوجب لك الحفظ ويكون حفظك قوياً.
اكتب قليلاً إن أردت تحفظ وعظم الحروف إن أردت تلفظ فالإنسان إذا أراد أن يحفظ القرآن يكون القدر الذي يريد أن يحفظه قليلاً، وأن يدمن التكرار في حفظ ذلك.
الأمر الخامس: كثرة المراجعة وخاصة عند قيام الليل.
ومن أهم الأسباب التي أوصى السلف الصالح ﵏ بها والتي تعين على الحفظ: البعد عن محارم الله ؛ لأنهم يقولون: إن المعاصي شؤمها عظيم على العبد؛ ولذلك إذا نزلت في الديار والأعمار محقت بركتها والعياذ بالله! فينبغي على الإنسان أن يبتعد عن المعاصي ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي ذلك يقول الشافعي ﵀: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي والله تعالى أعلم.
стр. 518
قضاء صلاة الوتر
السؤال
أريد أن أقوم من الليل؛ ولكن النوم يغلبني، فماذا أفعل إذا فاتني الوتر؟ هل أقضيه من النهار؟ وكيف أستطيع المواظبة على قيام الليل؟
الجواب
بالنسبة لقضاء الوتر: فإن السنة أن يقضيه الإنسان إذا فاته بالليل بعد طلوع الشمس إلى الزوال؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (من فاته حزبه من الليل فقرأه بين طلوع الشمس إلى زوالها؛ كتب له كأنما قرأه من ساعته) أو كما قال ﷺ .
ومن السنة أنه إذا قضى الوتر أن يشفعه بركعة واحدة، فإذا كان وتره ثلاثاً شفعه بواحدة حين يكون أربعاً؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ إذا فاته قيامه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة) قال العلماء: لأن سنته في قيام الليل كانت إحدى عشرة ركعة، فكان يشفع ركعة الوتر فتمت بذلك الركعة الثانية عشرة، فهذا يدل على أن وتر النهار يشفع.
ومن الفوارق أيضاً: أنه لا يقنت في وتر النهار بخلاف وتر الليل، والله تعالى أعلم.
أما المحافظة على قيام الليل فهناك سبب من أهم الأسباب التي تدعو إلى قيام الليل؛ وهذا السبب هو تذكر الآخرة، فمن أحب أن يُحافظ على قيام الليل فعليه ألا يغيب عن ذهنه ذكر الآخرة، وذكر الآخرة هو السعادة بعينها من تذكر أنه ستمر عليه مثل هذه الساعة وهو ضجيع اللحد والبلاء، رهين بالقول والعمل؛ فإنه تهون عليه الدنيا وما فيها من تذكر أنه سُيغلق عليه في تلك الظلمة والحفرة، وأنه لا يجد إلا هاتين الركعتين أو هذه التسبيحة والاستغفار؛ دعاه ذلك إلى أن يهون عليه النوم، فيتقلب بين يدي الله راكعاً ساجداً: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] من علم أنه ستمر عليه مثل هذه الساعة واللحظة، لا يجد مؤنساً ولا شفيعاً، ولا يجد موجباً لذهاب الهم والغم إلا العمل الصالح؛ دعاه ذلك إلى أن يكون جل همه أن يديم الطاعة ليلاً ونهاراً، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] كان السلف الصالح ﵏ من أكمل الأمة ذكراً للآخرة، فقد كان أحدهم إذا أراد أن يضطجع لكي ينام تذكر النار، فقام يتقلب وهان عليه ذلك المضجع، وآخر إذا جاء لكي ينام وشعر بالدفء والراحة تذكر ضجعة القبر فوجل فؤاده واضطرب جنانه، وسهل عليه أن يقوم في شدة البرد أو في شدة الحر لكي يتوضأ وينتصب بين يدي الله بركعة أو سجدة يرجو بها رحمة الله ورضوانه، والله لو أن أهل القبور سُئلوا عن أعز شيء يتمنونه، لتمنوا تسبيحة أو استغفاراً يزاد في صحيفة العمل.
نسأل الله العظيم أن يكرمنا وإياكم بذلك.
стр. 519
تحديد وقت السحر وما يفضل فيه من العمل
السؤال
ما هو وقت الأسحار؟ وما الأفضل فيه: القيام أو الاستغفار والتسبيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]؟
الجواب
وقت الأسحار هو ما قبل الفجر مباشرة، ويطول ويقصر بحسب طول الليل وقصره؛ ولذلك كان أفضل قيام الليل قيام الثلث الآخر من الليل وهو الذي ينزل فيه الله تعالى -نزولاً يليق بجلاله وعظمته- لكي يبسط موائد رحمته وفضله، فيقول: (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).
إن من الأفضل أن يجمع الإنسان بين الصلاة والاستغفار فيقوم الليل ويستغفر في قيام الليل، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (من أفضل العبادة: ركعتان يركعهما المؤمن في جوف الليل) فهذا يدل على فضل إحياء ذلك الوقت بالعبادة، فإذا جمع الإنسان بين الخيرين فهو الأفضل؛ لأنه تحصيل لأمرين دل الشرع على فضلهما، والله تعالى أعلم.
стр. 520
المحبة في الله وثمارها
السؤال
كيف تكون المحبة في الله، وما فضلها؟
الجواب
المحبة في الله هي بمعنى أن يكون السبب الباعث على محبتك للإنسان هو أن الله يحبه، وذلك يكون حينما ترى عليه الآثار الموجبة لمحبة الله، فعلى سبيل المثال: ترى عبداً محافظاً على الصلاة؛ فتحبه لمحافظته على الصلاة، وترى إنساناً من طلاب العلم، فتحبه لطلبه للعلم، فالصلاة وطلب العلم يحبهما الله ، فإذا كان السبب الباعث على المحبة ما يحبه الله ويرضاه، فتلك هي محبة في الله.
أما آثارها: فالتواصي بالحق؛ والله قد نفى الخسارة عن أهلها فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] فالأخ في الله هو الذي إذا نسيت الله ذكرك، وإذا ذكرت الله أعانك.
إن من سعادة المؤمن أن يهيئ الله له أخاً صالحاً يعينه على طاعة الله.
ومن آثارها وفوائدها: أنها سبب للثبات على طاعة الله، فهذا نبي الله موسى ﵊ يحمله الله النبوة التي هي أعز وأكرم شيء يكرم به العبد، ومع ذلك ماذا يقول؟ قال الله تعالى مخبراً عنه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٢٥ - ٣٤] نبي من أنبياء الله يتمنى أن يعطيه الله أخاً صادقاً يعينه على ذكر الله.
إنك تجد من أخيك الصادق خيراً كثيراً حتى في أمور الدنيا؛ كأن يحفظ لك الأسرار، ويحاول أن يكون لك نعم العون بعد الله.
إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيه شمله ليجمعك عندما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "والله لا أبكي على فراق الدنيا، ولكن أبكي لأني لم أجد في الحياة خِلاً خليلاً، صادقاً صديقاً في مودته ومحبته".
وهذه الأوصاف لا توجد إلا في الإخوان والأحباب في الله.
وأما ثمراتها في الآخرة فقد بينها النبي ﷺ في الحديث القدسي عنه تعالى أنه قال: (وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ، والمتحابين فيَّ) وفي الحديث الآخر القدسي عنه تعالى أنه يقول: (أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) وقال الله في محكم التنزيل: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] ولله در الشاعر إذ يقول: انظر إذا آخيت من تؤاخي فما كل من آخيت بالمؤاخي نسأل الله العظيم أن يكرمنا وإياكم بذلك.
ومن ثمراتها: أن يُظل العبد في ظل الرحمن، كما في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة ﵁ في حديث السبعة: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
стр. 521
عقوق الوالدين من أسباب ضعف الإيمان
السؤال
أنا رجل وفقني الله للاهتداء قبل سنتين، وفي هذه الأيام أشعر بالتقصير، فأرجو توجيه نصيحة لي؟
الجواب
كما سبق وهو السؤال نفسه؛ لكن أذكر بعض الإخوان أنه أصابه شيء من هذا، وكان طالب علم يقول: أجد في نفسي قسوة لا أدري ما سببها، وأجد في نفسي أنه تمر عليَّ الآيات التي تبكي من خشية الله ومع ذلك لا أتأثر، فقلت له: يا أخي! أسألك -واصدق معي في جوابك- كيف حالك مع الله؟ حق الله أمران: فعل الفرائض وترك المحارم، فكيف أنت في فعل الفرائض وترك المحارم؟ قال: والله لا أنكر من نفسي شيئاً، ولا أقول ذلك تزكية لنفسي.
فقلت: الحمد لله، هذا حق الله، فلننتقل إلى حق العباد، كيف أنت مع والديك؟ إن بيني وبين أبي نوع من سوء التفاهم، لا أستطيع أن أُحسن الكلام معه، ولا أستطيع أن أُحسن بره، فقلت: يا أخي! من هنا جاءك البلاء، فإنك عندما عصيت الله في بر الوالدين أوجب لك تلك القسوة، فحاول إصلاح حاله، قال: فما مضت إلا ثلاثة أيام حتى تغير حالي، يقول لي: والله حتى حفظي تغير، عندما أحسن في بر الوالدين، بر الوالدين ليس شيئاً هيناً، الله تعالى يذكر عبادته ويقرن بر الوالدين بها: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] حتى قص علينا شرائع من قبلنا فذكر بر الوالدين فيها: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] بر الوالدين من أعظم الأسباب التي توجب للعبد سعادة الدنيا والآخرة، إذا بلغ ببر الوالدين أن يوصي النبي ﷺ أصحابه -الذين هم أكمل الأمة إيماناً واتباعاً له- يوصيهم إذا رأوا أويس القرني أن يدعو لهم.
إن كثيراً من الشباب الذين أكرمهم الله بالهداية ربما يلاحظون على الوالدين بعض التقصير، فيسيئون إليهما، ولربما يبلغ الحال إلى ما فيه سخط الله وغضبه؛ فإذا أردت أن يذهب الله عنك ما تجد فعليك أن تتفقد أوامر الله ونواهيه، ثم عليك أن تتفقد حقوق العباد، وأولها حق الوالدين وتفقد -أيضاً- من تحت يديك من العمال أو الموظفين، تفقد جميع من ولاك الله أمره، حتى أبناءك انظر إلى معاملتك لهم، فقد تجد أسباباً أوجبت لك ذلك التغير، واعلم أنه ما من هم يصيبك إلا ووراءه سيئة أو خطيئة أوجبته: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، والله تعالى أعلم.
стр. 522
دعوة الوالدين
السؤال
ما هي الطريقة التي تجعل والدي مهتدياً؟
الجواب
أولاً: اعلم أنه ليس هناك أفضل من الدعاء، فعليك أن تدعو لأبيك في صباحك ومسائك أن يهديه الله إلى سواء السبيل.
ثانياً: أن تأخذ بالأسباب الموجبة لهدايته؛ وذلك بكثرة تذكيره بالله .
ثالثاً: ينبغي عليك أن تتوخى الأسلوب المؤثر، فإن الأب يتأثر بنصيحة ابنه إذا جاءت بأسلوب طيب مؤدب، وقد علمنا الله تعالى الأدب مع الوالدين في دعوتهم، فهذا نبي الله إبراهيم ﵊ عندما دعا أباه قال الله تعالى حاكياً عنه ذلك عندما قال له أبوه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٦ - ٤٧] مع أنه آذاه وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٦ - ٤٧] منهج رباني يبين لنا أنه ينبغي للابن أن يحسن الأدب مع أبيه ولو كان كافراً.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] فينبغي عليك أن تحرص كل الحرص على أن تكون متأدباً في دعوة أبيك حتى يرى أن الهداية أثرت فيك، فإذا أقبلت عليه أظهرت له السرور والمودة، وكل ذلك طلباً لهدايته والعكس بالعكس، فكثير من الإخوان لا يحسن معاملة الوالدين ولا النصح لهما، وتكون النتائج على خلاف ذلك؛ ولذلك ما من إنسان يحسن الأدب مع والديه إلا تأثر الوالدان بنصحه، فينبغي لك بعد الدعاء أن تدعو الوالدين وأن تحسن الأدب في الدعوة.
رابعاً: أن تتوخى الأسباب المؤثرة، فإذا حدث أمر يحبه والدك فذكره بنعمة الله عليه، وكذلك -لا قدر الله- إذا حصلت مصيبة ذكرته بشديد عذاب الله وعظيم نقمته.
стр. 523
من أسباب الانتكاس
السؤال
بعض الشباب الذين اهتدوا بسبب مجالستهم للشباب الملتزمين، الآن نلاحظ عليهم بعض الانتكاس، فماذا نفعل؟
الجواب
هذا الانتكاس له أسباب؛ ذلك أننا نجد كثيراً من الشباب يقولون: كنا في بداية الهداية نحس براحة نفسية، وكنا نحس بإقبال على الخير، وتلهف وشوق إلى رحمة الله، ولكن سرعان ما نفقد ذلك، وسرعان ما تتغير القلوب بعد فترة معينة، فما هو السبب في ذلك؟ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] إن كثيراً من الشباب لو نظر في حاله عند بداية الهداية وحاله الآن لوجد البون شاسعاً؛ لقد كنا في بداية الهداية تتفطر قلوبنا شوقاً لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وكنا نحسن الأدب مع العلماء، ونحسن الأدب في الحديث، وكنا نراقب الله في أقوالنا وأفعالنا، ولكن غيرنا فغير الله علينا، نعم.
عندما تغيرت تلك المجالس التي كانت مليئة بذكر الله ومليئة بالتذكير والتواصي بالحق عندما تغيرت إلى القيل والقال، وفي أمور لا يحبها الله ولا يرضاها -من غيبة ونميمة- أدى ذلك إلى تغير الحال؛ فينبغي أن ننظر في حالنا.
إن بعض الشباب إذا أصاب لذة الهداية لربما يغتر إلى درجة أنه يخطئ العلماء، وقد يجترئ على القول على الله بدون علم.
هذه الأمور هي التي أظلمت بها القلوب وتنكبت بها الأقدام في الدروب وحادت عن طريق علام الغيوب؛ لأن الإنسان إذا كان صادقاً مع الله صدق الله معه، فينبغي لنا أن نتواصى بأمر مهم يضيعه كثير من الشباب؛ وهو عدم الغرور.
ينبغي للإنسان -دائماً- أن يكون محتقراً لنفسه ولو كان أكمل الناس هداية، وينبغي أن يحس أنه بحاجة إلى رحمة الله وعفوه.
كما أن بعض الشباب الذي له قدم سابقة في الهداية قد يتعالى على إخوانه المتأخرين في الهداية، وقد يفعل أموراً توجب انتكاس قلبه والعياذ بالله! فالمقصود: أن السبب في تغير الأحوال هو تغير القلوب، فبعد أن كانت خاشعة أصابها نوع من القسوة، وأصبحت في غفلة عن ذكر الله، فبُليت من السقم والمرض بقدر ما أصابها من ذلك، فينبغي للإنسان أن يراجع نفسه ويحاول قدر استطاعته أن يكون هادياً صادقاً في هدايته، وأن يحاول احتقار نفسه، ومهما صدر منك لا تنظر إلى من هو أسفل منك؛ بل انظر إلى من هو فوقك، وسابق غيرك في الطاعات وتنافس معه في الصالحات، فذلك يدعو العبد إلى الثبات على الهداية، والله تعالى أعلم.
стр. 524
التقوى وحسن الخلق
تقوى الله ﵎: أن تعبد الله على نور من الله، ترجو ثواب الله وتخشى عذابه، وهي نور يقذفه الله في قلب العبد، فيحمله هذا النور على أمرين: أولهما: أداء فرائض الله على الصفة المطلوبة، وثانيهما: اجتناب محارم الله على ما أراد الله تعالى.
وهذه التقوى تلازم صاحبها في كل مكان، وهي خير زاد للمسلم الذي ينتظر لقاء الله.
стр. 525
التقوى خير وصية وخير زاد
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فاطر الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه، وآتاه الآيات البينات والحجج الواضحات، صلى الله عليه وعلى آله، ومن سار على نهجه ومنواله إلى يوم تتفطر فيه الأرض والسماوات.
أما بعد: فخير ما يوصى به المسلم تقوى الله ، وهي الوصية التي وصى الله بها الأولين والآخرين، وخص بها عباده الأخيار من الأنبياء والمرسلين، فقال : ﴿وَلَقَدْ وَصيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
وتقوى الله نورٌ يقذفه الله في القلوب، وسرٌ بين العبد وربه لا يعلمه إلا الله علَّام الغيوب، الله أعلم بمن اتقى، وأعلم بمن صلح وتزكى، ولذلك قال : ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
стр. 526
معنى التقوى ولوازمها
وتقوى الله أن تعبد الله على نور من الله ترجو رحمة الله، وتخشى عذاب الله، وهذا النور يحمل العبد على أمرين عظيمين ما كانا في عبد إلا أحبه الله: أولهما: أداؤه لفرائض الله على الوجه الذي يرضي الله.
وثانيهما: خوفه وخشيته من حدود الله ومحارمه، وكلما كمل تقوى العبد كلما وجدته أسبق إلى الخيرات، وأعف عن الحدود والفواحش والمنكرات، وكلما كمل هذا النور في القلوب كلما كان هذا العبد متعلقاً بربه، قريباً من طاعته، بعيداً عن حدوده ومعصيته.
وكان النبي ﷺ يوصي أصحابه بهذه الوصية العظيمة تأسياً بكتاب الله، وسَيراً على نهج رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم إلى يوم الدين، ولذلك لما جاءه الرجل وهو يريد السفر، قال: (يا رسول الله! إني أريد السفر فزودني، قال: زودك الله التقوى) فما وجد النبي ﷺ زاداً يقذفه في سمع ذلك المؤمن إلا أن يدعو له أن يزوده الله التقوى، وأي زاد ذلك الزاد الذي شهد الله أنه خير زاد، كما قال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧].
قال بعض العلماء: قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] فيه دليل على أنه ما خرج عبد بخصلة بعد الإيمان أحب إلى الله من تقوى الله ، وتقوى الله يربيها المسلم في قلبه بقراءة كتاب الله جل وعلا، وتدبر تلك الآيات، والنظر في تلك الكلمات العظيمات، والمواعظ البالغات، التي تقرب القلوب إلى ربها، وتحببها في طاعة خالقها، وتجعلها أعف ما تكون عن حدود الله جل وعلا ومحارمه.
وما كمل تدبر العبد للقرآن إلا كمّل الله تقواه، ولذلك صدّر الله كتابه بقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] فأخبر أن هذا القرآن والكتاب يهتدي به المتقون، وينتفع به الصالحون جعلنا الله وإياكم منهم، فخير ما يتواصى به الأخيار تقوى الله جل وعلا.
وتقوى الله تكون مع الإنسان وهو بين الناس، وتكون مع الإنسان وهو وحيد وفريد، وبين أهله وولده، ومع الأزواج والزوجات، ومع الأبناء والبنات.
التقوى تكون مع الإنسان خالياً، فلربما ملكت قلبه ففاضت عيناه من الدمع، فحرم الله تلك العين على النار، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (كل العيون باكية أو دامعة يوم القيامة إلا ثلاثة أعين -وذكر منها- عين بكت من خشية الله) فتكون التقوى مع العبد فريداً وحيداً، ولربما انفرد في ليلة لكي ينام، وأضجع شقه لكي يرتاح، حتى إذا أراد أن ينام تذكر حدود الله وحقوقه، فأشفق على نفسه من تقوى الله جل وعلا، ودمعت عيناه وهو لا يشعر، فأظله الله بتلك الدموع في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ في السبعة: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
قال بعض العلماء: وقلَّ أن يكون لعبد إلا إذا كان فيه تقوى لله جل وعلا، وتكون تقوى الله مع الإنسان وهو بين أهله وأولاده، يأمرهم بطاعة الله، ويحببهم في مرضاة الله، ويأخذ بتلك القلوب البريئة إلى محبة الله ومرضاته، ويجعلها على خير ما يكون عليه الابن وعلى خير ما تكون عليه البنت، يتقي الله وهو بين أهله وأولاده، قال ﷺ في الحديث الصحيح: (أنه جاءه النعمان وقال: يا رسول الله! إني نحلت بعض ولدي نحلة، وقالت أم فلان: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ عليها، فقال له النبي ﷺ : أكل ولدك نحلته ذلك؟ قال: لا، يا رسول الله! قال: اذهب فأشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور) وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).
فتقوى الله تكون مع المسلم حتى وهو مع أولاده، في حركاته معهم وسكناته، وتفضيله لبعضهم على بعض، فيتقي الله فيهم في مطعمهم ومشربهم وملبسهم، وفي إدخال السرور عليهم، وفي تأمينهم، وغير ذلك من الحقوق التي فرضها الله عليه، والتي إذا أداها على أتم الوجوه جعله الله على منبر من نور يغبطه عليه الأنبياء والشهداء، قال ﷺ : (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء، الذين يعدلون في أهليهم وما ولُّوا).
كذلك تكون تقوى الله مع المسلم وهو في تجارته، في بيعه وشرائه، وأخذه وعطائه، لا يمكن أن تقبض يده على مال، إلا وقد اتقى الله جل وعلا حين يأخذه، ولا يمكن أن تبذل يده شيئاً من المال إلا وقد اتقى الله جل وعلا وهو يبذله، يتقي الله جل وعلا؛ لأنه يعلم أن الله يحاسبه على كل شيء جنته يداه، وعلى كل شيء أعطته يداه، فتقوى الله تدخل مع العبد في جميع شئونه وأحواله.
ولذلك قالوا: من أوصى بتقوى الله فقد أوصى بالدين، بل أوصى بجامعة الخير، كما قال الإمام الحافظ ابن عبد البر: جماع الخير كله تقوى الله، وما وصَّى نبي ولا عالم إلا استفتح وصيته بقوله: أوصيك بتقوى الله جل وعلا.
ولذلك هي الوصية العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يستشعرها في جميع شأنه وأحواله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من عباده المتقين، اللهم إنا نسألك أن تقذف في قلوبنا نورها، وأن تجعلنا من أهلها إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
стр. 527
الأسئلة
стр. 528
حكم خروج الدم من المتوضئ
السؤال
هل خروج الدم ينقض الوضوء، سواءً كان كثيراً أم قليلاً أثابكم الله؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح وهو مذهب الجمهور أن خروج الدم لا ينقض الوضوء لا كثيره ولا قليله، لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث) وخروج الدم ليس بحدث وليس له حكم الحدث، والذين قالوا بوجوبه قالوا بالقياس فقاسوا خروج دم الإنسان من سائر البدن على خروج الفضلة، أي: البول والغائط، وهذا قياس مع الفارق، ويجاب عنه بأنه قياس في مقابل النص، والفارق بين الأصل والفرع أن البول والغائط خرجا من المخرج المؤثر، وأما الدم فإنه لم يخرج من مخرج مؤثر؛ فلا ينقض الوضوء.
فمن خرج منه الدم يغسل عنه ذلك الدم ثم يصلي؛ فإن كان الدم كثيراً كالنزيف -والعياذ بالله- المستفحل؛ فهذا يصلي ولو نزفت جروحه؛ لأن عمر ﵁ صلى وجرحه ينزف من الطعنة التي طعن، يوم طعنه المجوسي عليه لعنة الله، وكذلك عباد بن بشر لما كان قائماً على الشعب، فإنه صلى وجراحه تنزف، فلا حرج على الإنسان في هذه الحالة كالمستحاضة تصلي ودمها يجري معها، والله تعالى أعلم.
стр. 529
حكم الإكثار من اللعن
السؤال
هناك بعض الناس يكثرون من لعن الحيوانات والجمادات، فما حكم ذلك أثابكم الله؟
الجواب
لا يجوز الإكثار من اللعن، حتى ولو كان لجماد أو حيوان، وقد تقدم أن اللعنة تغلق دونها أبواب السماء، وترد على صاحبها إذا كان الملعون غير مستحق لها، فلا يجوز للإنسان أن يكثر من اللعن، وقد قال ﵊: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) ومعنى قوله (لا يكونون) شفعاء أي: لا يشفعون لأهليهم وقرابتهم وأصحابهم يوم القيامة، (ولا شهداء) أي: يوم القيامة بين يدي الله جل وعلا.
فالأمر خطير، فلا يجوز للإنسان أن يكثر من اللعن، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن امرأة لعنت دابتها فقال ﷺ : (لا تصحبنا ملعونة) قال الراوي: فلقد رأيتها تسير -أي: الدابة- ولا يركبها أحد.
فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يلعن، واللعن لا خير فيه، وينبغي للمسلم دائماً أن يعوَّد لسانه ذكر الله جل وعلا، والكلام الطيب، فإن اللسان إذا ألف ذكر الله جرى بذلك الذكر، ولو لم يكن في ذكر الله إلا انشراح الصدر، وطمأنينة القلب لكفى، والله تعالى أعلم.
стр. 530
حكم الصلاة في أوقات النهي
السؤال
هل لأوقات النهي في الحرم المكي والمدني اعتبار أثابكم الله؟
الجواب
الحكم فيها على العموم، فقد قال ﵊: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) ولم يفرق بين أرض وأرض، وثبت في الحديث الصحيح عن الراوي أن النبي ﷺ قال: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة) فهذه كلها نصوص عامة، وليس هناك تفريق بين مكة وغيرها، واستثنى بعض العلماء ركعتي الطواف بمكة، لقوله ﵊: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بالبيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار) والله تعالى أعلم.
следующие страницы →