← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

معنى التقوى ولوازمها وتقوى الله أن تعبد الله على نور من الله ترجو رحمة الله، وتخشى عذاب الله، وهذا النور يحمل العبد على أمرين عظيمين ما كانا في عبد إلا أحبه الله: أولهما: أداؤه لفرائض الله على الوجه الذي يرضي الله. وثانيهما: خوفه وخشيته من حدود الله ومحارمه، وكلما كمل تقوى العبد كلما وجدته أسبق إلى الخيرات، وأعف عن الحدود والفواحش والمنكرات، وكلما كمل هذا النور في القلوب كلما كان هذا العبد متعلقاً بربه، قريباً من طاعته، بعيداً عن حدوده ومعصيته. وكان النبي ﷺ يوصي أصحابه بهذه الوصية العظيمة تأسياً بكتاب الله، وسَيراً على نهج رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم إلى يوم الدين، ولذلك لما جاءه الرجل وهو يريد السفر، قال: (يا رسول الله! إني أريد السفر فزودني، قال: زودك الله التقوى) فما وجد النبي ﷺ زاداً يقذفه في سمع ذلك المؤمن إلا أن يدعو له أن يزوده الله التقوى، وأي زاد ذلك الزاد الذي شهد الله أنه خير زاد، كما قال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]. قال بعض العلماء: قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] فيه دليل على أنه ما خرج عبد بخصلة بعد الإيمان أحب إلى الله من تقوى الله ، وتقوى الله يربيها المسلم في قلبه بقراءة كتاب الله جل وعلا، وتدبر تلك الآيات، والنظر في تلك الكلمات العظيمات، والمواعظ البالغات، التي تقرب القلوب إلى ربها، وتحببها في طاعة خالقها، وتجعلها أعف ما تكون عن حدود الله جل وعلا ومحارمه. وما كمل تدبر العبد للقرآن إلا كمّل الله تقواه، ولذلك صدّر الله كتابه بقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] فأخبر أن هذا القرآن والكتاب يهتدي به المتقون، وينتفع به الصالحون جعلنا الله وإياكم منهم، فخير ما يتواصى به الأخيار تقوى الله جل وعلا. وتقوى الله تكون مع الإنسان وهو بين الناس، وتكون مع الإنسان وهو وحيد وفريد، وبين أهله وولده، ومع الأزواج والزوجات، ومع الأبناء والبنات. التقوى تكون مع الإنسان خالياً، فلربما ملكت قلبه ففاضت عيناه من الدمع، فحرم الله تلك العين على النار، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (كل العيون باكية أو دامعة يوم القيامة إلا ثلاثة أعين -وذكر منها- عين بكت من خشية الله) فتكون التقوى مع العبد فريداً وحيداً، ولربما انفرد في ليلة لكي ينام، وأضجع شقه لكي يرتاح، حتى إذا أراد أن ينام تذكر حدود الله وحقوقه، فأشفق على نفسه من تقوى الله جل وعلا، ودمعت عيناه وهو لا يشعر، فأظله الله بتلك الدموع في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ في السبعة: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). قال بعض العلماء: وقلَّ أن يكون لعبد إلا إذا كان فيه تقوى لله جل وعلا، وتكون تقوى الله مع الإنسان وهو بين أهله وأولاده، يأمرهم بطاعة الله، ويحببهم في مرضاة الله، ويأخذ بتلك القلوب البريئة إلى محبة الله ومرضاته، ويجعلها على خير ما يكون عليه الابن وعلى خير ما تكون عليه البنت، يتقي الله وهو بين أهله وأولاده، قال ﷺ في الحديث الصحيح: (أنه جاءه النعمان وقال: يا رسول الله! إني نحلت بعض ولدي نحلة، وقالت أم فلان: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ عليها، فقال له النبي ﷺ : أكل ولدك نحلته ذلك؟ قال: لا، يا رسول الله! قال: اذهب فأشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور) وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). فتقوى الله تكون مع المسلم حتى وهو مع أولاده، في حركاته معهم وسكناته، وتفضيله لبعضهم على بعض، فيتقي الله فيهم في مطعمهم ومشربهم وملبسهم، وفي إدخال السرور عليهم، وفي تأمينهم، وغير ذلك من الحقوق التي فرضها الله عليه، والتي إذا أداها على أتم الوجوه جعله الله على منبر من نور يغبطه عليه الأنبياء والشهداء، قال ﷺ : (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء، الذين يعدلون في أهليهم وما ولُّوا). كذلك تكون تقوى الله مع المسلم وهو في تجارته، في بيعه وشرائه، وأخذه وعطائه، لا يمكن أن تقبض يده على مال، إلا وقد اتقى الله جل وعلا حين يأخذه، ولا يمكن أن تبذل يده شيئاً من المال إلا وقد اتقى الله جل وعلا وهو يبذله، يتقي الله جل وعلا؛ لأنه يعلم أن الله يحاسبه على كل شيء جنته يداه، وعلى كل شيء أعطته يداه، فتقوى الله تدخل مع العبد في جميع شئونه وأحواله. ولذلك قالوا: من أوصى بتقوى الله فقد أوصى بالدين، بل أوصى بجامعة الخير، كما قال الإمام الحافظ ابن عبد البر: جماع الخير كله تقوى الله، وما وصَّى نبي ولا عالم إلا استفتح وصيته بقوله: أوصيك بتقوى الله جل وعلا. ولذلك هي الوصية العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يستشعرها في جميع شأنه وأحواله. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من عباده المتقين، اللهم إنا نسألك أن تقذف في قلوبنا نورها، وأن تجعلنا من أهلها إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 527

الأسئلة

стр. 528

حكم خروج الدم من المتوضئ السؤال هل خروج الدم ينقض الوضوء، سواءً كان كثيراً أم قليلاً أثابكم الله؟ الجواب هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح وهو مذهب الجمهور أن خروج الدم لا ينقض الوضوء لا كثيره ولا قليله، لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث) وخروج الدم ليس بحدث وليس له حكم الحدث، والذين قالوا بوجوبه قالوا بالقياس فقاسوا خروج دم الإنسان من سائر البدن على خروج الفضلة، أي: البول والغائط، وهذا قياس مع الفارق، ويجاب عنه بأنه قياس في مقابل النص، والفارق بين الأصل والفرع أن البول والغائط خرجا من المخرج المؤثر، وأما الدم فإنه لم يخرج من مخرج مؤثر؛ فلا ينقض الوضوء. فمن خرج منه الدم يغسل عنه ذلك الدم ثم يصلي؛ فإن كان الدم كثيراً كالنزيف -والعياذ بالله- المستفحل؛ فهذا يصلي ولو نزفت جروحه؛ لأن عمر ﵁ صلى وجرحه ينزف من الطعنة التي طعن، يوم طعنه المجوسي عليه لعنة الله، وكذلك عباد بن بشر لما كان قائماً على الشعب، فإنه صلى وجراحه تنزف، فلا حرج على الإنسان في هذه الحالة كالمستحاضة تصلي ودمها يجري معها، والله تعالى أعلم.

стр. 529

حكم الإكثار من اللعن السؤال هناك بعض الناس يكثرون من لعن الحيوانات والجمادات، فما حكم ذلك أثابكم الله؟ الجواب لا يجوز الإكثار من اللعن، حتى ولو كان لجماد أو حيوان، وقد تقدم أن اللعنة تغلق دونها أبواب السماء، وترد على صاحبها إذا كان الملعون غير مستحق لها، فلا يجوز للإنسان أن يكثر من اللعن، وقد قال ﵊: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) ومعنى قوله (لا يكونون) شفعاء أي: لا يشفعون لأهليهم وقرابتهم وأصحابهم يوم القيامة، (ولا شهداء) أي: يوم القيامة بين يدي الله جل وعلا. فالأمر خطير، فلا يجوز للإنسان أن يكثر من اللعن، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن امرأة لعنت دابتها فقال ﷺ : (لا تصحبنا ملعونة) قال الراوي: فلقد رأيتها تسير -أي: الدابة- ولا يركبها أحد. فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يلعن، واللعن لا خير فيه، وينبغي للمسلم دائماً أن يعوَّد لسانه ذكر الله جل وعلا، والكلام الطيب، فإن اللسان إذا ألف ذكر الله جرى بذلك الذكر، ولو لم يكن في ذكر الله إلا انشراح الصدر، وطمأنينة القلب لكفى، والله تعالى أعلم.

стр. 530

حكم الصلاة في أوقات النهي السؤال هل لأوقات النهي في الحرم المكي والمدني اعتبار أثابكم الله؟ الجواب الحكم فيها على العموم، فقد قال ﵊: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) ولم يفرق بين أرض وأرض، وثبت في الحديث الصحيح عن الراوي أن النبي ﷺ قال: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة) فهذه كلها نصوص عامة، وليس هناك تفريق بين مكة وغيرها، واستثنى بعض العلماء ركعتي الطواف بمكة، لقوله ﵊: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بالبيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار) والله تعالى أعلم.

стр. 531

حكم سجدة الشكر السؤال ما حكم سجدة الشكر لله تعالى؟ الجواب سجدة الشكر أصح الأقوال فيها هو قول الجمهور، وهو أنها مشروعة وجائزة، فلا حرج على الإنسان أن يشكر ربه، فإن الشكر كما يكون بالقول يكون بالفعل، فالشكر له ثلاث حالات: شكر القلب، وأشار الله إليه بقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] وهو أنك لا تمسي وتصبح إلا وأنت تعتقد أنه لا خير إلا من الله جل وعلا، وأنه لا نعمة تعيشها في نفسك ولا أهلك ولا ولدك إلا بفضل الله وحده، لا بحولك ولا قوتك لكن بفضل الله ﷻ ، فهذا شكر القلب: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] أي: اعتقدوا فضله فيها. النوع الثاني من الشكر: شكر اللسان، وأشار الله إليه بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] وهو أن تحدث وتقول: أنعم الله علي فسترني ورزقني وعافاني وأكرمني ورفعني ويسِّر لي؛ فتذكر نعم الله عليك، وتجلس مع أبنائك وبناتك تحدثهم بما كنت فيه من فقر وما صرت إليه من غنى، وبما كنت فيه من مرض وصرت إليه من عافية هكذا، فهذا من شكر الله جل وعلا، وقد قال الله عن هذا الشكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فمن شكر شكر الله له شكره، وبارك له في نعمته، ومن كفر فإن الله غني حميد، من شكر تأذن الله له بالمزيد، ومن كفر فإن الله غني عن العبيد. الأمر الثالث: وهو شكر العمل؛ فمن شكر العمل أن تصلي، فمثلاً: تذكرت كربة من الكربات فرجها الله عنك في صحتك ومالك وأهلك، فما تمالكت إلا أن قمت وتوضأت وصليت لله ركعتين شكراً له على هذا الفضل؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الشكر، ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣] إن آل داود أعطاهم الله الخيرات وبسط لهم من النعم حتى إن الريح تجري بأمر سليمان رخاء حيث أصاب ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٧ - ٣٩] ففتح الله لهم من الخيرات والبركات ما الله به عليم، ثم قال لهم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾:سبأ:١٣] أي: هذه النعم للشكر، ولكي تقيد بحمد الله والثناء عليه، وورد في الأثر أنه لما أوحى الله إليهم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣] ما مرت عليهم لحظة إلا وفيهم عبد قائم يصلي أو ساجد بين يدي الله ﷻ . فهذا من شكر العمل، فتشكر الله بالصلاة، وتشكره -أيضاً- بالصدقة، فإنه يعطيك المال فتتصدق، وتشكره -أيضاً- حين يأتيك الفقير فتعطيه، تقول: نعم الله أغناني وكنت فقيراً، مثلما ورد في حديث الأعمى، فهذا من شكر النعم، كذلك سجدة الشكر؛ كأن تكون جالساً في يوم من الأيام فجاءتك النعمة أو جاءك الخبر السار، فعظمت نعمة الله في قلبك، فخررت ساجداً لوجه الله ﷻ ، فأثنيت على الله وحمدته، فنظر الله إليك في تلك الساعة التي أصابتك فيها نعمته، أنه أول ما بدا عليك أن شكرت الله ﷻ ، فهذا حال الصالحين، شكر الله بالقول والفعل والجنان. ولذلك إذا كمل شكر العبد كمل بهذه الأمور، وإذا أراد الله بالعبد النقمة سلبه الشكر، قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] قال: من كيد الله للعبد ومكره به، أنه يعطيه النعمة ويسلبه الشكر حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر والعياذ بالله؛ لأنه كلما كفر كلما اشتد غضب الله عليه؛ فيزيده الله نعماً فيزداد كفراً، فيزيده نعماً فيزداد كفراً، حتى إذا جاءته النقمة تأتيه على أكمل ما تكون، نسأل الله السلامة والعافية. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يملأ قلوبنا وقلوبكم وألسنتنا وألسنتكم شكراً له ﷻ . اللهم إنا نسألك شكر نعمك، ونعوذ بك من زوال نعمك وفجاءة نقمك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 532

لا بد من الوفاء بالنذر على حسب النية السؤال زوجتي نذرت صيام أربعين يوماً متواصلة إن يسر الله لها أمراً وهذا قبل زواجنا، فصامت قريباً من واحد وثلاثين يوماً في بيت أهلها، ولكنها متقطعة وسبب ذلك أن والديها كانا يمنعانها إشفاقاً عليها، فهل يجب عليها أن تعيد صوم الأربعين يوماً أو تصوم ما بقي عليها فقط؟ أثابكم الله! الجواب هذا فيه تفصيل، إذا نوت في نذرها أن الأربعين يوماً متتابعة فيلزمها أن تستأنف المدة، وتتابع أربعين يوماً فإن قطعها الحيض فلا يؤثر قطعه، فإذا جاءتها العادة أفطرت، فإذا انتهت العادة استأنفت حتى تتم أربعين يوماً، هذا إذا نوت التتابع، أما إذا لم تنوِ التتابع؛ فإنها تبني على المدة الأولى التي هي بضع وثلاثون يوماً، تبني عليه وتكمل الآن بقية الأيام، ولا حرج عليها، والله تعالى أعلم.

стр. 533

حكم تأجير عقار أو غيره مدة طويلة مع احتمال وجود الغبن السؤال فضيلة الشيخ! سائل يقول: ما حكم الاتفاق على إيجار بمبلغ معين من المال لعقار ما لمدة خمس سنوات على أن يدفع الإيجار سنوياً، لما في ذلك من غبن -ربما- للمستأجر إذا انخفضت أسعار الإيجارات من قابل، أو للمؤجر إذا زادت، فهل مثل هذا العقد جائز؛ خصوصاً أن كلاً منهما حريص على غبن الآخر أثابكم الله؟ الجواب بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فتأجير الدور والعقار سنواتٍ عديدةٍ فيه تفصيل عند العلماء رحمة الله عليهم، فمن أهل العلم من أجاز الإجارة مطلقاً سواءً كانت لأمد قريب أو بعيد، ومنهم من فصل فقال: إذا كانت المدة فيها غرر، ويحتمل أن الدار تسقط فيها، أو أن العقار لا يبقى إلى نهايتها فحينئذ لا تجوز الإجارة، كأن يؤجره بيتاً قديماً قل أن يعيش إلى ثمان سنوات فيؤجرة عشرين سنة، قالوا: فهذا لا يجوز؛ لأنه غرر. أما لو أجرها لخمس سنوات كما ذكر في السؤال؛ فليست بمدة فيها غرر، وارتفاع السوق ونزوله في مثل هذا يسميه العلماء الغرر المغتفر؛ أي: أن رب السلعة رضي بغبنها، والمستأجر رضي بزيادتها ونقصها، وقد قال ﵊: (الخراج بالضمان) فلا حرج عليهما في هذا العقد، والأصل صحة هذه الإجارة حتى يدل الدليل على المنع منها، وما ذكر من التعليل ليس بذاك المؤثر والموجب لبطلان العقد، وهم بالخيار إن شاءوا دفعوا الأجرة وطالب رب السلعة المستأجر بدفع الأجرة من أول العقد، فقال له: ادفع لي الخمسة آلاف التي هي أجرة لهذا المحل لخمس سنوات، أو خمسين ألفاً أو خمسمائة ألف، وإن شاء قسطها عليه أنجماً، فقال: أؤاجرك داري هذه خمس سنوات كل سنةٍ بمائة أو كل سنة بخمسين على أن يقوم بالدفع في كل سنة، فلا حرج عليه في ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 534

حقيقة البركة السؤال فضيلة الشيخ! ما هي البركة؟ وكيف تكون؟ الجواب البركة هي: الزيادة والنماء والخير، فإنه ربما يكون الشيء عندك وهو قليل، فيضع الله فيه البركة، فتجد منه ما تجد من الكثير، وقد جاء في الحديث القدسي وذكره غير واحد منهم الإمام ابن القيم رحمة الله عليه في الجواب الكافي وقد تكلم العلماء على سنده، لكن فيه كلمات عجيبة، يقول فيه الله تعالى: (إني أنا الله إذا رضيت باركت، وليس لبركتي منتهى، وإذا غضبت لعنت، وإن لعنتي لتدرك السابع من الولد) ولذلك ربما تجد نسلاً لا خير فيه، وربما تجد نسلاً مباركاً يخرج منه العلماء والصلحاء والأخيار، كما قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣]. فإذا بارك الله في الشيء نفع، وتكون البركة في علم الإنسان وعمله: تكون في علمه فيكون علماً مباركاً مبنياً على الكتاب والسنة والاهتداء بسلف الأمة، فهذا العلم المبارك. والعمل المبارك هو عمل الصالحين، فتجده ما حل في مكان إلا فعل خيراً أو قال خيراً، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] قالوا: أي داعيةً للخير. ومن بركة الإنسان أين ما كان، أن لا يجلس في مجلس إلا ذكر الله، أو قال خيراً، أو دل على خير، أو فعل شيئاً من الخير، ولو بكلمة طيبة، هذه من بركات العبد؛ أي: مما وضع الله فيه من البركة، فالبركة في الطاعة والاستقامة والسير على نهج الله، وأساس البركة كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] فالقرآن مبارك، وكلما كملت بركته بالاتباع والتأسي كان الإنسان كثير البركة. والبركة تكون في الأوقات، وتكون في الأموال، وتكون في الأولاد، وتكون في الصحة، وتكون في أشياء كثيرة، تكون في الأموال فربما أن الإنسان يستلم راتباً ألف ريال كأنها عشرة ريال في الجيب تمحق بركتها والعياذ بالله، فما يمكث اليوم واليومين إلا وهو مديون، وربما تجد الرجل راتبه العشرة ألف والعشرين ألفاً لا بركة فيها نسأل الله السلامة والعافية، فما ينتصف الشهر إلا وهو يتدين، والسبب في ذلك المعصية، فالمعاصي والحدود والكبائر تمحق البركة من الأموال، ولذلك كلما أطاع العبد بورك له في ماله والخير ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. فأخبر أنه إذا حصلت التقوى فتحت أبواب البركات، فتسلب البركة بمعصية الله في الأموال، وأيضاً البركة تكون في الأعمار، ولذلك تقرأ عن بعض العلماء رحمة الله عليهم من الصالحين أن أعمارهم قليلة، ولكن العلوم والكتب التي كتبوها لا تستطيع أن تزنها بأعمارهم مما وضع لهم من البركة والخير، فالبركة تكون في الأعمار، انظر إلى يومك، فإن استفتحته بهدي النبي ﷺ بورك لك فيه، قال ﷺ : (بورك لأمتي في بكورها) فانظر إلى أي بيت من بيوت المسلمين، إذا كانت المرأة بمجرد ما يأتي السَّحَر تقوم وتصلي ما كتب لها، والرجل يقوم ويصلي ما كتب له، ثم صلى الفجر، ثم أقبل الإنسان على معاشه فأفطر أو أصاب طعامه، ثم خرج إلى وظيفته وإلى عمله من الصباح الباكر أصبح طيب النفس مستجم النفس مرتاح القلب، لما تنظر إليه يتبسم، ونور صلاة الفجر في وجهه، وتراه مطمئن النفس مرتاح البال والخاطر. لما تنظر إليه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر وإذا به يقضي ما يقضى في اليومين والثلاثة وهذا مجرب، حتى في الكتابة أو في العلم، جربنا ذلك ووجدناه كما قال ﷺ : (بورك لأمتي في بكورها) وكان ابن عباس يضرب أبناءه الذين ينامون بعد صلاة الفجر، ويقول: [إنها ساعة تقسم فيها الأرزاق، وتكون فيها البرك] فهذا هو الوقت المبارك. وكما تكون البركة في الزمان، كذلك تكون في المال والولد، فبعض الناس عنده عشرة من الولد، وإذا به يتألم ويتأوه، وكل يوم أحدهم يأتيه بمشكلة وبمعضلة وبفتنة، وبأشياء يشيب منها الرأس والعياذ بالله، حتى يتمنى والعياذ بالله أنهم هلكوا، وهذا موجود نسأل الله السلامة والعافية، وقد يؤذونه بألسنتهم، وقد ينتقصونه فتمحق بركة أبنائه. وبعض الناس تجد عنده ولداً واحداً، وتجد فيه الصلاح والخير والبركة، وهذا الابن سعادة لأبيه، فلا يقوم أبوه ولا يقعد إلا وهو يذكر ابنه، إما بدعوة صالحة أو بخير، مما وضع الله من البركة في هذا الابن، فالبركات تكون في الأبناء وتكون في الأوقات وتكون في الأعمار، حتى في الزوجات، بعض الزوجات مبارك، ولذلك قال ﷺ : (إن يكن الشؤم ففي المرأة والدابة والبيت) فبعض النساء مبارك، فإذا تزوجها الإنسان فتحت عليه الدنيا، وبسط له في الرزق وبورك له في الوقت، كما قال ﷺ : (إن يكن الشؤم ففي ثلاثة) وقالت أم المؤمنين عائشة: [تزوجوا النساء يأتينكم بالأموال] يعني: ففي النساء من هي مباركة وتكون خيراً على زوجها، وهذا لاشك أنه مقرون بالصلاح والخير، وكلما كانت المرأة صالحة كان الخير منها أكثر. كذلك أيضاً تكون البركة في وقت الإنسان كما قلنا، ولذلك ذكروا أن النبي ﷺ يوم النحر رمى جمرة العقبة، ونحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة، وأعطى الحلاق رأسه فحلقه، ثم قسم شعر رأسه، ثم وقف للناس يسألونه، ثم نزل وطاف طواف الإفاضة، ثم مر على العباس واستقى من زمزم وشرب صلوات الله وسلامه عليه، ثم صعد إلى منى وصلى الظهر بها، وهذا لا يكون إلا بالبركة. والآن -الله المستعان- ترمي جمرة العقبة، وتعطي الحلاق رأسك ليحلق وإذا بالساعة عشرة، لم يكن في أيامهم سيارات ولا حافلات، ومع ذلك بورك له صلوات الله وسلامه عليه بأبي هو وأمي، والآن السيارات والحافلات، بمجرد ما تركب الحافلة وتمشي بك قليلاً وإذا به أذن الظهر، وتصل إلا وقد أذن العصر، ثم تذهب وتجدد الوضوء وإذا بالشمس أوشكت أن تغرب، الله المستعان! وهذا من محق البركة. ولذلك الآن تجد البركة محقت من الأزمنة، فتجد الإنسان يعيش السنة كأنها شهر، والشهر كأنه أسبوع، والأسبوع كأنه يوم، واليوم كأنه ساعة، والساعة كأنها طيف من الخيال، وأصبح الإنسان يخشى من محق البركة، ولذلك إذا نزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان، وضعت البركة في الأرض، حتى إن الشاة تكفي أربعين، وهذه مما يضع الله من البركات، والبركات تمحق من الناس على قدر ما يكون بينهم من الظلم، وما يكون بينهم من الإساءة والتقصير في حق الله جل وعلا. ولذلك لو تسأل كبار السن عن أمور وقعت قبل عشرين أو ثلاثين سنةً كأنها شيء من المعجزات ولا تكاد تصدق، ولكنها حقائق ثابتة فالله وضع البركة بسبب ما كان عليه الناس من التراحم والتواصل، فكانت البركة في الأوقات والساعات واللحظات والخيرات، يوم كان الإسلام وكان أهله، ويوم كان الناس وكانت الحياة طيبة، تعيش في كنف أولئك الأخيار، ربما تأتي إلى الرجل الفقير في باديته تجده فقيراً مديوناً لكن يأتيه الضيف في ظلام الليل، حتى أنه لولا الضيف لنام بدون عشاء، فإذا جاءه الضيف ونزل، فتح قلبه وحيّاه وبيّاه، ثم ذهب واستدان الشاة، ولا يمكن أن ينام ضيفه إلا وشاته قد ذبحت، أو إبله قد نحرت، فالله المستعان! محقت البركة بسبب ما فقد الناس من الرحمة، ونسأل الله أن يلطف بنا، ويرحمنا برحمته الواسعة، والله تعالى أعلم.

стр. 535

حكم خروج المعتدة للضرورة السؤال هل يجوز للمعتدة الخروج للطبيب لإجراء عملية ونحو ذلك؟ الجواب بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إذا توفى زوج المرأة عنها فإنه يجب عليها أن تبقى في بيتها أربعة أشهر وعشراً، إلا أن تكون امرأةً حاملاً، فإذا كانت امرأةً حاملاً فإنها إذا وضعت حملها يجوز لها الخروج، وتخرج من عدتها وحدادها، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ في صحيح مسلم في قصة أبي السنابل بن بعكك، وإقراره ﵊ للمرأة الحامل بخروجها من عدتها بذلك. أما وجوب بقاء المرأة المحد في بيت زوجها فلما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لـ فريعة بنت مالك بن سنان، لما أخبرته أن زوجها توفي عنها، قال لها ﵊: (امكثي في بيت زوجك الذي جاءك فيه نعيه حتى يبلغ الكتاب أجله) فدل هذا على أنه لا يجوز لها الخروج. أما إذا وجدت ضرورة فإنه يحل لها حينئذ الخروج، فإن كانت العملية التي ذكرت يترتب على تركها إلى حين خروجها من عدتها ضرر أو تؤدي إلى هلاكها أو تلف عضو من أعضائها، فإنه يجوز لها الخروج بشرط ألا يتأتى فعل العملية في بيتها، وذلك لمكان الاضطرار، وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فحينئذ يجوز لها الخروج، والله تعالى أعلم.

стр. 536

حدود عورة المرأة أمام محارمها السؤال سائل يقول: ما الذي يجوز للمرأة إظهاره من جسدها أمام محارمها؟ الجواب هذه المسألة -وهي عورة المرأة مع محارمها- كان بعض السلف رحمة الله عليهم يتورعون فيها، حتى أن الإمام أحمد رحمة الله عليه -وهو ذلك الإمام العظيم من أئمة السلف علماً وورعاً- لما سئل: أتكشف المرأة عن صدرها وساقيها لمحرمها كأخيها؟ فقال ﵀: لا، إني أخشى عليه الفتنة، فالاحتياط والورع أن المرأة لا تكشف عن صدرها أو عن ساقيها لأخيها، إلا ما كان لحاجة، أو كان عفواً دون قصد، فهذا لا حرج فيه، وأما الكشف عن الصدر وإبداء المحاسن والمفاتن، فإنه ينبغي التورع عن ذلك والبعد عنه؛ لأنه قد يفضي إلى الوقوع في المحظور، والله تعالى أعلم.

стр. 537

فضل حسن الخلق السؤال معلومٌ لديكم فضل حسن الخلق، ولين الجانب والتواضع، ولكن نرى من حال بعضنا عكس هذا الأمر، فهل من نصيحة حفظكم الله؟ الجواب إن الله جل وعلا إذا رزق المؤمن الإيمان كمّل خصاله، وجمّل خلاله، وجعله من عباده الموصوفين بالفضائل، المترفعين عن الرذائل، فمكارم الأخلاق، ومحاسن الأخلاق خصلةٌ من خصال المؤمنين، وخلة من خلال الصالحين، ولذلك أثنى الله بها على نبيه في كتابه المبين، فقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فأثنى على نبيه ﵊ بالخلق، وما أعظم الخلق وما أجله عند الله وعند عباده! حتى ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لما سئل عن أثقل شيء في الميزان قال: (تقوى الله وحسن الخلق) وقال ﵊: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) قال: خيركم، أي: أكثركم خيراً وأرفعكم عند الله قدراً؛ لأن الأخيار هم أرفع الناس قدراً عند الله جل وعلا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه سأله الصحابة وقد سمت أرواحهم إلى الجنة، واشتاقت إلى رحمة الله جل وعلا عن أعظم ما يدخل المؤمن الجنة، فقال ﵊: (تقوى الله وحسن الخلق) فأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله جل وعلا وحسن الخلق، أما تقوى الله فبينك وبين الله، وهو غيب لا يعلمه إلا الله، وأما حسن الخلق فبينك وبين الناس، ولذلك من أجل نعم الله على العبد حسن الخلق. وقال بعض السلف: إنما أدرك من أدرك لا بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن ببذل الندى وكف الأذى. والمراد بهذه العبارة أن هذا العالم من السلف يقول: إنما أدرك من أدرك، أي: أن الأخيار والصالحين والفضلاء والنبلاء وأهل الخير من سلفنا الصالح ما وصلوا إلى الدرجات العلا بعد الإيمان، إلا ببذل الندى وكف الأذى، ولذلك أخبر النبي ﷺ أنها أثقل ما يكون في الميزان، وبذل الندى: الجود والسخاء، وكف الأذى: أساسه الحياء والمروءة الفاضلة التي تمنع الإنسان من أذية إخوانه. فإذا كمل إيمان العبد كمل خلقه، وإذا كمل نبله وفضله كملت آدابه، وأصبح ممن أخبر النبي ﷺ أنهم أقرب الناس منه مجلساً يوم القيامة، يقول ﵊: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة) هل قال: العالم أو العابد أو المجاهد؟ لا، قال ﵊: (أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون) أحاسنكم أخلاقا، أي: أنك لن تنظر إليه إلا وجدته قد أخذ من حسن الخلق بحظ وافر، إن وجدته في السماحة وجدته بلغ منها أعلى مراتبها، وإن وجدته في الجود والسخاء وحسن العشرة وبذل المعروف، وجدته في أعلى مراتبها. ولذلك لن تقرأ سيرة عالم من علماء السلف إلا وجدت حسن الخلق سمة من سماتهم رحمة الله عليهم، يقول ﵊: (أحاسنكم أخلاقاً) ما قال: أحسنكم، أي: الذين كثرت منهم الأخلاق الطيبة، وقال بعض العلماء: قلَّ أن تجد إنساناً كريم الخلق إلا وجدته نقي الصدر؛ لأن مكارم الأخلاق لا تكون إلا بسلامة الصدور، وقلَّ أن تجد إنساناً فظاً غليظاً كثير الجفاء للناس، وكثير الأذية لهم، إلا وجدت في قلبه من الضغينة والبغضاء ما يحمله على ذلك -نسأل الله السلامة والعافية- لأن الأخلاق ما هي إلا نتيجة عما في السرائر والقلوب. والله جل وعلا إذا اطلع على سريرة الإنسان، ووجدها سريرة صالحة فيها الخير والفضل والنبل، أظهر هذه السريرة لعباده في الأخلاق الطيبة، ولذلك قال: (أحاسنكم أخلاقا) إن آذاه أحدٌ عفا عن أذيته، وإن أحسن إليه رد له الإحسان أضعاف إحسانه، فإن عاشر الناس، إن أحسنوا إليه أحسن إليهم أكثر من إحسانهم، وإن أساءوا إليه اجتنب إساءتهم، وإن نظر إلى عوراتهم سترها، وإن نظر إلى خلاتهم وما هم فيه من الحوائج قضاها وقام بها. وقد أُثر عن علي زين العابدين -ذلك الإمام الجليل من أئمة السلف الصالح علماً وفضلا ًونبلاً رحمة الله عليه- أنه كان إذا جَنَّ عليه الليل وضع اللثام على وجهه، ثم حمل على ظهره أكياس الطعام، ومضى إلى بيوت يعرفها للأيتام والأرامل -رحمة الله عليه- ثم أطعم وسقى واقتحم العقبة، ففك الرقبة، وأطعم ذا المسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة، رحمة الله على تلك الروح الطيبة، فلما توفي فقد أكثر من عشرين بيتاً -ممن يقرع عليهم في جوف الليل أبوابهم بذلك الطعام- فعلموا أنه ذلك العالم وذلك العابد، وكان في زمانه آيةً في العلم والصلاح مع ماله من النسب؛ لأنه ابن ابن بنت رسول الله ﷺ ، فجمع الله له بين هذه الخيرات والفضائل، يقول في مدحه الفرزدق: ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم أي: ما جاءه أحد يسأله شيئاً فقال له: لا. وهذا من كمال خلقه وزينها ﵁ ورحمه برحمته الواسعة. فلما أرادوا أن يغسلوه ويكفنوه؛ خلعوا ثيابه فنظروا فإذا ظهره متشحط من الدم؛ بسبب أكياس الدقيق التي كان يحملها رحمة الله عليه. فسلامٌ على تلك القلوب الرحيمة، وسلام على تلك الأخلاق الكريمة، وتلك المعادن الأبية الصالحة التي كانت ترجو ما عند الله، وتريد رحمة الله جل وعلا، كان السلف الصالح رحمة الله عليهم لهم من الأخلاق والفضائل والنوائل ما تضرب به الأمثال. واقرأ في سير الرجال، قد تجد العلم في العالم سمة من سماته، ولكن ما إن يبدأ باب الأخلاق، ويذكر أنه ذلك الرجل المتواضع الكريم السمح، إلا وينفتح قلبك لتلك الخصال، وينشرح صدرك لتلك الخلال وقلت: سبحان الله الكبير المتعال! سبحان من يقسم الأرزاق! ولذلك ورد في الأثر عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم) وإن الله لا يعطي الأخلاق إلا لمن أحب، أما الدنيا فيعطيها لمن أحب ومن كره، أما الأخلاق والفضل والنبل والصلاح، وهذه الخصال التي قال عنها النبي ﷺ : (أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً) ما معنى الموطئون أكنافا؟ توطئة الكنف في التواضع، بمعنى أنه سهل أن تبلغ حاجتك منه، ويسير عليك أن تأخذ بغيتك من يده الطيبة، ما تجده صعباً بمجرد أن تأتيه، حتى إن بعض الأخيار كان من خيره أنه إذا جاءه الفقير ورأى في وجهه الفقر، عاجله بالعطية قبل أن يسأله الفقير المال، وهذا الكرم والفضل والنبل، وكان بعضهم يستحي أن يذكر الفقير حاجته قبل أن يعاجله بذلك العطاء، فكان الناس على خير كثير. وقال بعض العلماء: لا تكون محاسن الأخلاق إلا برحمة من الله جل وعلا، وأول ما تكون محاسن الأخلاق وكريم الخلال للإنسان برحمة يقذفها الله في القلوب، ومصداق ذلك في قوله تعالى يخاطب نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] يعني: أن الإسلام ليس فيه إلا السماحة والعفو ولين الجانب، ولذلك وصف الله المؤمنين مع بعضهم فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] فإذا كمل إيمان العبد أصبح لا يستطيع أن يؤذي أحداً من إخوانه المسلمين، لا ترى منه إلا خيراً، بمجرد أن تلقاه أول ما ترى كريم الخصال وطيب الخلال. ولذلك يقول جرير ﵁ وأرضاه: [ما لقيت النبي ﷺ إلا تبسم في وجهي] وكان ﷺ لا يعبس في وجوه الناس، ولا يقهرهم، ولا يعرض عنهم، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، وهذه الخصلة في قوله: (الموطئون أكنافا) توطئة الكنف: القرب من الناس. فإذا كنت طالب علم فاقترب من الناس بتوجيهك وإرشادك ولا تتعال بعلمك، ولا تفتخر على الناس بما حباك الله جل وعلا من العلم، بل تكون كما مثَّل العلماء كريم الأصل بالغصن الطيب، فإن الأغصان الطيبة إذا ملئت من الخير والثمرات تدلت للناس. وهكذا كريم الأصل والعبد الصالح، الذي يريد الله به خيري الدنيا والآخرة كلما امتلأ علماً وفضلاً ونبلاً؛ كلما وجدته تدلى للناس، وزاده علمه قرباً من الناس، وأذكر علماءنا ومشايخنا -رحمة الله عليهم- كانوا من ذلك على حظ وافر، وأذكر عن بعض مشايخنا رحمة الله عليه -أكاد أجزم- أن كل إنسان يجالسه يحس كأن هذا الشيخ له وحده، وأعرف أناساً من عامة الناس بعضهم يعتبر ممن يتعاطى الحرف الدنيئة ومن ضعفة المسلمين، ربما جاء إلى ذلك الشيخ وجلس يمازحه ويضاحكه ويجالسه، كأنه جليسٌ من كبراء القوم، وما ذلك والله إلا لصلاحٍ في القلوب، وكلما وجدت الإنسان يتقي الله جل وعلا ويرجو رحمة الله، كلما وجدته يشتري هذه الرحمات بالأخلاق الكريمة خاصة مع ضعفاء المسلمين. ولذلك قال بعض السلف رحمة الله عليهم في سفيان الثوري ما كان أعز الفقراء في مجلس سفيان، سفيان هذا ديوان من دواوين العلم والعمل والصلاح والفقه والحديث، كان إذا دخل الفقراء في مجلسه عزوا وأُكرموا، ورفعوا على الأغنياء والأثرياء والوجهاء، وهذا من كرم سفيان رحمة الله عليه. فهكذا أهل الفضل أكنافهم موطأة. (ألا أنبئكم) أي: أخبركم (بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون) إذا جئت بين الناس يألفك الغني والفقير، الجليل والحقير، يألفك الناس على اختلاف طبقاتهم، الجاهل يألفك والعالم يألفك، من كريم الخصال وكريم الخلال، إذا رأيت الرجل تبسمت في وجهه ثم سألته عن حاله، وتعطي هذه الابتسامة خاصةً لضعفاء المسلمين، فإن الابتسامة لضعفاء المسلمين ابتسامة صدق وحق ورحمة تدل على صلاح صاحبها. ولذلك قال ﷺ : (لا تحقر

стр. 538

حكم الاستشهاد بآيات القرآن على مواقف محدودة السؤال فضيلة الشيخ، ما حكم القذف بالآيات؟ مثلاً: يكذب إنسان على آخر، فيقال له: قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَتُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] فما حكم ذلك أثابكم الله؟ الجواب أما بالنسبة للعنة الله لمن كذب، فإن المراد به ما بعد الآية: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ [الأعراف:٤٥] ولذلك المراد به الكذب على الله بأن له صاحباً وشريكاً؛ أي: الكذب بالكفر، ولذلك الكافرون هم الكاذبون؛ لأنهم ادعوا أن مع الله آلهة، وأن مع الله شريكاً، تعالى الله عما يقولون علواً عظيماً. فاللعنة للكاذبين مبنية على هذا الوجه، أما إنسان زلت به الكلمة، ويقول له الإنسان: ألا لعنة الله على الكاذبين، فهذا لا يجوز؛ لأنه فيه تعجل وتسرع في أذية المؤمنين باللعن. والسبب في ذلك أنه ربما أخبرك أخوك بأمر يظنه أنه كما أخبر، ثم يتبين أن ظنه خاطئٌ وليس بصواب، فإذا عاجلته باللعنة رجعت إليك اللعنة والعياذ بالله، ولذلك ورد أنّ اللعنة إذا خرجت من فم صاحبها صعدت إلى السماء فغلقت دونها، ثم إلى الأرض فغلقت دونها، ثم ذهبت إلى من لُعن فإن كان مستحقاً للعن أصابته والعياذ بالله، وإن كان غير مستحق رجعت إلى صاحبها الذي ذكرها والعياذ بالله، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة). فلا ينبغي للمسلم أن يكثر من اللعن، وأشد من ذلك أن يعرض بالآيات الكريمة، إلا في مواضع مخصوصة، إذا كان يستشهد فيها بالقرآن بلعن الذين كفروا، أو ذكر بعض مثالبهم ومعايبهم فلا حرج، وهذا شأن العلماء، وقد قال ﵊: (صدق الله وكذب بطن أخيك) فلا حرج أن الإنسان يستشهد ببعض الآيات عند وجود ما يقتضيها أو يتناسب معها، والله تعالى أعلم.

стр. 539

وصايا للدعاة إلى الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال فضيلة الشيخ! لو ذكرت لنا القواعد التي يجب أن يعلمها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أثابكم الله؟ الجواب ما أهون السؤال! وما أعظم الجواب! الاستفتاء سهل، ولكن لو يعلم المستفتي أي مسئولية يتحملها المسئول والمفتي لأشفق والله عليه، هذا السؤال يحتاج إلى دروس ويحتاج إلى مجالس، وتريد من مثل الحقير في خمس دقائق أو في عشر دقائق أن يذكر لك ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إذا ذكرتها وانتقصت منها شيئاً وتعلقت بي بين يدي الله فمن ينجينا؟ -الله المستعان- فيا أيها الأحبة أشفقوا على أخيكم وأشفقوا على السائل، قال الإمام مالك رحمة الله عليه: لوددت أني جلدت على كل فتوى أفتيتها وخرجت من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي. بعض طلاب العلم جزاهم الله خيراً حرصاً منهم على الخير والفائدة قد يبالغون ببعض الأمور، فحبذا لو قلت: ما هي الوصايا التي توصي بها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ ما هي الأمور التي وردت في كتاب الله وسنة النبي ﷺ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك ينبغي أن يُنظر في جوهر السؤال، وليس في مظاهر السؤال: الضوابط والقيود، هذا والله لو عرض على واحد من أئمة السلف، يمكن أن يسقط على الأرض مغشياً عليه من هيبة الله جل وعلا. الضوابط والقيود هذه تحتاج إلى إنسان يجلس على الأقل ثلاثة أيام يختم كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار حتى يمر على القرآن ويعرف ما هي ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كاملة في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فإلى الله المشتكى، وأنتم تحسنون بنا الظن كثيراً. فيا أيها الأحبة: أوصيكم عند السؤال أن تشفقوا على المسئول، وألا يكون هناك مبالغة؛ لو أني ذكرت ثلاثة ضوابط أو أربعة، ربما بالغ بعض طلاب العلم وظن أن هذه هي ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخرج وهو يظن أنه قد حاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن قل: ما هي الوصايا أو ما هو الذي يوصى به الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ وهكذا حال السلف رحمة الله عليهم في السؤال، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فما هي وصيتك؟ كيف الطريق إلى أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، هذا ربما يكون أخف، ولو أن المسئولية والتبعة موجودة، نسأل الله أن يلطف بنا وبكم. الله أكبر! من يوم تسير فيه الجبال، وتشيب فيه ذوائب الأطفال، ويعرض على الإنسان فيه حصائل الأعمال والأقوال، لا إله إلا الله! لقد كنا حينما نجالس العلماء الكبار رحمة الله عليهم كانوا ينهونا عن مثل هذه الأسئلة التي فيها القواعد والضوابط، فهذه تحتاج إلى إنسان يدرس ويجلس فترة، مهما كان عالماً وعنده العلم والإدراك، ينبغي أن يحتاط لدين الله ولعامة المسلمين ولطلاب العلم. فالذي أوصيك به ما يلي: أولاً: الإخلاص: فلا تدع إلا وأنت مخلص، والكلمة التي تخرج من القلب تقع في القلب، ويأبى الله أن تتكلم وأنت مخلص لوجهه أن تذهب كلمتك هدراً أبداً، لن تجد إنساناً ينصح بصدق وإخلاص وهو يرجو رحمة الله تعالى، إلا وقعت النصيحة في قلب المخاطب بها، لكن من الناس من ختم الله على قلبه والعياذ بالله، فلا ينفع فيه موعظة، كالأرض الميتة، ومنهم من تحركه الموعظة فتقلب حياته من شقاءٍ إلى سعادةٍ، ومن شرٍ إلى خيرٍ، وهذه هي الأرض الطيبة التي تمسك الماء وتنبت العشب، ومنهم من تهزه الموعظة، والأمر بالمعروف النهي عن المنكر يهزه، بمعنى أنه يقلل شره، وربما يحدث نفسه بالقرب من الخير، فهذه ثلاثة أحوال. فإذا كنت مخلصاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلن تعدل عن إحدى ثلاثة أمورٍ: إما أن تستجاب نصيحتك، وهذا غالب حال المؤمنين، فإنك لن تقف على إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر، وتصدق في نصيحتك أو محاضرتك أو موعظتك أو كلمتك، إلا دخلت إلى شغاف قلبه شاء أم أبى، هذا إذا كان مؤمناً، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] قال بعض العلماء: كلما كمل إيمان العبد، كمل انتفاعه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك تجد بعض الناس ينسى ويقع في المنكر، وبمجرد أن تذكره أو تأتيه بأول الذكرى، تجده ينتفض كالعصفور من خشية الله ﷻ ، وهذا ما ذكروه عن بعض السلف أنهم كانوا إذا قيل لأحدهم: اتق الله جلس يبكي! فهذه أكمل ما يكون من عاقبة المخلص لله في الأمر بالمعروف، أو تنال أقل المراتب وهي أن تقيم حجة الله على العباد. الأمر الثاني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: العلم بما تأمر به وتنهى عنه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] فإذا كان هناك علم فإنك على المحجة وعلى الطريق، وأنت صاحب الحجة بإذن الله جل وعلا، فإذا وقع الإخلاص في القلب وجاء العلم الذي هو النور والبصيرة، جاءت خطواتك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أماكنها، فرضي الله عن أمرين منك: رضي عن نيتك؛ لأنك تريد وجهه، ورضي عن كلماتك لأنها حق، والله يحب الحق ويدعو إليه. والأمر الثالث: أن يكون هناك الأسلوب، وهي الواسطة، إخلاص، ثم حق يقال، ثم أسلوب يحبب ويقرب، وهذا عناه النبي ﷺ بقوله: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا) وبقوله: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين). ويستلزم الأسلوب الرحمة والرفق بالناس، فكلما كملت رحمة الداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بمن يأمره وينهاه، كان أقرب الناس من هدي النبي ﷺ ؛ لأن الله يقول عن نبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فإذا كملت رحمة الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فإنه قد أصاب من هدي النبي ﷺ حظاً وافراً، ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فوصفه بكونه بالمؤمنين رءوف رحيم. فإذا رحمت المؤمن بأسلوبك وبكلماتك الطيبة، أحبك وأحب الكلام الذي تقوله والذي تدعو إليه، قال بعض العلماء: من لازم الرحمة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يقدم أسلوب الترغيب والترهيب وهي الجنة والنار، ويستفتح دعوته بما استفتح به النبي ﷺ بذكر الجنة والنار، ولذلك بالمثال يتضح المقال، لو جئت إلى إنسان يشرب حراماً، أو ينظر إلى حرام، أو يفعل أمراً محرماً، فجئت إليه وقلت له مباشرة: يا أخي! هذا حرام، قال الله تعالى، قال رسوله، وهو إنسان -مثلاً- جدلي، أو إنسانٌ عقلانيٌ، كلما ذكرت له أمراً أخذ يسألك ما هي العلة؟ وهذا الحديث من الذي ذكره؟ ولربما يعنت عليك بالأسئلة، فتتعب وتعيي نفسك، ولربما ازداد إصراراً على منكره. لكن تعال إليه، ثم قل له: يا أخي! أما علمت أن وراءك جنة وناراً، أما علمت أن وراءك قبراً، وأن وراءك سكرات الموت، وحساباً، وديواناً تعرض فيه أقوالك وأفعالك، أيسرك وأنت واقفٌ بين يدي الله حسيراً كسيراً أسيراً فقيراً ذليلاً حقيراً عاري الجسد بين يدي الله ، أنك على هذه المعصية، ماذا يقول؟ لا يستطيع أن يقول لك شيئاً، هل يستطيع أن يُكذب بالآخرة؟ هل يستطيع أن يرد عليك عذاب القبر؟ مباشرة يقول لك: جزاك الله خيراً، ولربما سكت فدخلت الموعظة -على قدر إيمانه- إلى قلبه، فكان الرسول ﷺ يستفتح قوله بهذا كما قالت عائشة: [كان أول ما أنزل على رسول الله ﷺ آيات فيها ذكر الجنة والنار. ولو نزل لا تسرقوا لا تشربوا الخمر ما آمن أحد] لأن النفوس ضعيفة، فأول شيء تبدأ به أن تغرس الإيمان بذكر الجنة والنار، وترقيق القلوب لربها، فإذا استجابت القلوب استجابت من بعدها القوالب: (ألا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب). فإذا وفق الله للإخلاص والعلم كان الذي يريد أن يدعو الناس عنده علم، ثم جاء بهدي النبي ﷺ بالرحمة والأسلوب الطيب والأسلوب المقنع، فإن الله إما أن يجعل للإنسان استجابة ويعظم أجره، وإما أن يكون أقل درجاته أن يقيم حجة الله على عباد الله، فيوم القيامة إذا أوقف الله هذا العبد وسأله عن منكره، قال: ألم تبلغك حجتي؟ قد يكابر؛ لأن الله أخبر أن الذين ظلموا يكابرون، فيقيم الله حجته عليه بك، وهذا من أعظم ما يكون من الشرف والفضل، ولذلك رفع الله قدر الرسل بإقامة الحجة على العباد: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فكملت حجة الله على العباد بالرسل، ثم يقوم مقام الرسل العلماء، ثم يتشبه بالعلماء طلاب العلم، ثم يتشبه بهما صالحو عباد الله المؤمنون الصالحون الأخيار، فهذا أمرٌ ينبغي للذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون على إلمامٍ به. والعوامل المساعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: صبرٌ على الدعوة، فإذا جئت إلى قومك أو قريتك أو حيك، أو حارتك تريد أن تنصح أو تذكر أخاك أو زميلك في العمل أو جارك، فلا تحسب أنك بمجرد أن تجلس مجلساً واحداً أو تقول كلمتين أنه يستجاب لك، بل ضع في ذهنك أنك ستبقى إلى أقصى أمد (حتى لو تقول عمر نوح) لا تقدر أنه بمجرد أن تقول له كلمة يستجيب؛ لأن الشيطان يريد أن يمكر بالعبد، فيجعل في قلبك بعد أن يكون عندك العلم والإلمام أنك بمجرد أن تقول يسمع منك، لا أبداً، بل ضع في قلبك الصبر. ولذلك لما أمر لقمان ابنه بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فالصبر يشمل الصبر باستدامة الدعوة، والصبر بتحمل الأذى، فإذا تحلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالصبر كسب النتيجة، ويظهر الصبر في عدة مواقف منها: أنه ربما تأتي وتقول: يا فلان! اتق الله! أمامك جنة ونار اتق الله ، فربما يعاجلك بكلمة

стр. 540

آفات اللسان نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم العظيمة والجليلة نعمة اللسان، ذلك العضو الصغير الذي يتقلب عند الكلام ويقلب الطعام هذا العضو قد يكون سبباً لدخول صاحبه الجنة أو النار، فإن استغله الإنسان في طاعة الله وذكره؛ سلك به طريق الجنة، وإن استغله في الغيبة والنميمة وقول الزور وغيرها؛ قاده إلى النار.

стр. 541

من نعم الله على عبده الحمد لله الذي خلق اللسان، وفجَّر منه ينابيع الحكمة والبيان، وهدى إلى الجنان أو إلى دركات الجحيم والنيران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الديان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى والمجتبى للهداية إلى الجنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه في كل زمان ومكان، وجعلنا وإياكم منهم برحمته ومنه وكرمه إنه هو العظيم الرحمن. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: إخواني في الله: الحمد الله الذي منَّ عليَّ وعليكم بالاجتماع في هذا البيت المبارك من بيوت الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمُنَّ علينا جميعاً بأن يكون مجلسنا مجلساً مباركاً مشهوداً بالخير، وأسأله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه موجباً للفوز بعظيم رحمته. أيها الأحبة في الله: إن لله على الإنسان نعماً وفضائل عظيمة ومنناً لا يحصيها إلا هو ، ومن هذه النعم والمنن والفضائل والنوائل: أن خلقه وكان معدوماً، وأعطاه وكان بئيساً محروماً. من هذه النعم تلك النعمة العظيمة الجليلة الكريمة يوم خلقه؛ يوم براه فصوره وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، يوم تقلب ذلك المخلوق الضعيف المسكين في ظلمات الأرحام تحت منِّه ولطفه ورحمته، فخلقه وسواه، ومنَّ عليه بالخير وأعطاه، فما أعظم خلقته، وما أدق درايته وقدرته. خلق هذا المخلوق، وجعل في خلقه شواهد وحدانيته، ودلائل عظمته وألوهيته وربوبيته، يوم أطعمه ولا مطعم له سواه، ويوم سقاه ولا يسقي تلك الأحشاء الظامئة أحدٌ سواه. ثم من هذه النعم تلك الأعضاء التي خلقها وصَّورها وأوجدها وبراها، تلك الأعضاء التي وقف أمامها الأطباء والحكماء، فحارت عقولهم في بديع صنع الله! يوم وقف الأطباء والحكماء أمام أسرار عظمته ودلائل وحدانيته وألوهيته! قف أمام ذلك العقل الذي لو أراد الناس أن يدركوا دقائق ما فيه من العلوم المعقدة لحارت في ذلك أفهامهم وعقولهم. قف أمام العين، فسبحان من قذف فيها نور البصر! ولو سلب ذلك النور ما استطاع أحدٌ في الوجود أن يرده. قف أمام السمع فلو سلب الله السمع ما استطاعت أطباء الدنيا أن ترده لحظةً واحدةً. يدٌ سبحان من خلقها وبراها! سبحان من مدَّها وبسطها! جرت فيها الدماء، وصرفت فيها عروقها من الله فاطر السماء، فإن قبضها الله فلا يستطيع أحدٌ سواه أن يبسطها، ولئن بسطها الله فشلت، لن يستطيع أحدٌ لحظةً أن يقبضها، فسبحانه! لا إله إلا هو فتبارك الله رب العالمين. تقف أمام هذه الشواهد، وأمام هذه الدلائل والعلامات الصادقة التي تدل على أنه الواحد، فلئن تحرك الإنسان بهرتك حركته، ولئن نام مضطجعاً حقيراً ذليلاً بهرتك ذلته، فسبحان الله العظيم! لكي يعلم كل مخلوق أنه تحت أمره وتحت خلقه وقدره ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] خلق هذه المخلوقات لكي يقف الإنسان أمامها فيسبح ويمجد فاطر الكائنات! خلق هذه المخلوقات لكي تمتلئ القلوب بتعظيم فاطر الأرض والسماوات، خلقها وفطرها وبراها، فلا يعقب حكمه، ولا يغير صنعه تبارك الله رب العالمين!

стр. 542

نعمة اللسان واليوم -أيها الأحبة- نقف أمام عضوٍ خلقه الله، فجعل خلقته دليلاً على وحدانيته عضوٌ حقيرٌ صغيرٌ، ولكنه جليلٌ وخطيرٌ يقود إلى الروح والريحان وعظيم درجات الجنان عضوٌ حقيرٌ إذا لم يتق العبد فيه ربه هوى، وضل عن سبيل ربه وغوى، إنه اللسان الذي إذا نظرت إليه حارك صنعه، ووقفت أمام بديع صنع الله في خلقته، ولئن سمعت أصواته وأنصت إلى عباراته بهرتك تلك الأصوات وتلك العبارات. خلق الله اللسان لكل ناطقٍ من الحيوان، وجعل لكل حيوانٍ لغته، ولكل حيوانٍ منطقه، فعلم ﷻ وتقدست أسماؤه كلمات النمل في ظلمات الليل وضياء النهار، وسمع أصواتها، وعلم لغاتها، وقضى حوائجها ﷻ وتقدست أسماؤه. تقف أمام هذا العضو الحقير، فيستهويك ما فيه من دلائل عظمة الله وشواهد وحدانيته، فلئن أصبحت وسمعت أصوات الطيور، فقل: سبحان الله! ولكل حيوانٍ لغته، ولكل مخلوقٍ عبارته ولهجته، ومع هذا كله لا يختلف عليه صوت من صوت، ولا تشكل عليه عبارة من عبارة، فكلها وسعها سمع الله، وكلها في علم الله ! أيها الأحبة في الله: يقف الإنسان حائراً أمام هذا اللسان الذي أخبر الله ﵎ في كتابه المبين أنه دليلٌ على وحدانية الله رب العالمين، آية آية وما أكثرها! يقول ﷻ في كتابه محركاً القلوب للتفكر والاعتبار بهذه الآية من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]؛ ومن آياته التي دلت على وحدانيته وعظمته وألوهيته وربوبيته اختلاف ألسنتكم وألوانكم، خلق الإنسان، وجعل له هذا اللسان لكي يعبر عما في القلب من أشجانٍ وأحزانٍ، لكي يعبر عما في الجنان من أفراح وأتراح خلق هذا اللسان وخلق صاحبه على صفاتٍ لا يعلمها إلا هو ﷻ . نثر الناس من بني آدم في مشارق الأرض ومغاربها، وجعل لكل قومٍ لسانهم، ولكل أمة لهجتهم، فوقف أمام تلك اللهجات وتلك اللغات علماء اللغات فحيرتهم، ووقفوا أمامها حيارى من عظيم صنع الله ﷻ ! حتى إن اللغة الواحدة كلغة العرب -مثلاً- كم فيها من لهجات قد تفرقت قبائلهم، فأصبحت لكل قبيلةٍ لهجتها، يشب عليها الصغير ويشيب عليها الكبير، فلا إله إلا الله العليم الخبير! هذا اللسان ما خلقه الله عبثاً. هذا اللسان أمره عظيمٌ عند الله الواحد الديان! إنه طريقٌ إلى روح وريحان، أو إلى دركات الجحيم والنيران. هذا اللسان الذي إذا استقام لله جل وعلا استقامت من بعده جوارح الإنسان. هذا اللسان الذي إذا حركه قلبٌ يخاف الله ويخشاه لم تسمع منه إلا طيباً. هذا اللسان الذي إذا أُطلق له العنان هوى صاحبه في دركات الجحيم والنيران. ولقد وصَّى الله جل وعلا عباده المؤمنين بأن يتقوه في هذا العضو، وأن ينظر الإنسان إلى نعمة الله جل وعلا يوم أنطقه، فيستحي من الله أن يسمع منه كلمةً لا ترضيه، ويستحي يوم ينظر إلى الأخرس الذي لا يستطيع أن يعبر عن أشجانه وأحزانه، بينما تفضل الله عليه وأكرمه فأنطق لسانه وأفصح بيانه، فيستحي الإنسان من الله جل وعلا يتقي الله في اللسان. ولذلك وصَّى الله عباده المؤمنين أن يتقوه فيما تنطق به الألسنة فقال جل وعلا في كتابه المبين آمراً عباده المؤمنين، وواعداً لهم بعظيم ما يكون من الخير في الدنيا والآخرة إذا اتقوا الله في اللسان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] من اتقى الله في لسانه، فإن الله وعده أن يصلح حاله، وأن يحسن عاقبته ومآله، وأنه يفوز فوزاً عظيماً.

стр. 543

آفات اللسان أيها الأحبة في الله: إن لهذا اللسان زلات، وله آفات إذا بلي بها العبد فقد خسر الدنيا والآخرة؛ يوم يصبح الإنسان ويمسي وهو لا يراقب الله ولا يخافه فيما يقوله لسانه يوم يصبح الإنسان ويمسي وقد أطلق للسانه العنان لينتهك حدود الله ويغشى محارمه، ولا يخاف الله في عباده؛ يوم يصبح ذلك اللسان جريئاً على حدود الله ومحارمه، فتخط له في صحائف السيئات زلاته وآفاته! فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم قولاً سديداً وعملاً صالحاً رشيداً.

стр. 544

كثرة الكلام في فضول الدنيا الثرثرة التي أخبر النبي ﷺ أن الله كرهها لعباده المؤمنين، قال ﷺ : (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) كره لكم، وإذا كان الشيء يكرهه الله جلَّ وعلا، فحريٌ بالمسلم أن يتقيه ويدعه، مثل كثرة الكلام في فضول الدنيا، وكانوا يقولون: من دلائل نقص عقل الرجل أو نقص عقل المتكلم، مثل كثرة ثرثرته وحديثه في الدنيا، هذا يدل على نقص عقله؛ لأن العقل يعقل الإنسان عن الكلام في الفضول، فليكن منطق الإنسان منطقاً حكيماً سليماً، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولذلك -قال ﵊ يبين لنا أن الله إذا رزق العبد حفظ لسانه فلم يتكلم إلا فيما يعنيه، كان ذلك من حسن إسلامه- قال ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).

стр. 545

كثرة السباب واللعان ومن آفات اللسان: كثرة السباب واللعن الذي أخبر النبي ﷺ أن صاحبها لا يكون شفيعاً، ولا شهيداً يوم القيامة، كثرة السب واللعن تحرم الإنسان الشفاعة والشهادة يوم القيامة -والعياذ بالله- قال ﷺ : (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) كلما حصل شيء يقول لعنة، كلما وقع شيء تلفظ بلعنة، فإذا كثرت منه اللعنة فإنه لا يكون شفيعاً، ولا شهيداً -والعياذ بالله- يوم القيامة.

стр. 546

النميمة كذلك أيضاً من حقوق المسلمين التي تزل بها الألسن، وتحصل بها الآفات: النميمة، وهي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، يوم ينقل ذلك الرجل الذي لا يخاف الله ولا يتقيه تلك الكلمات التي تأجج نار الفتنة والعياذ بالله. تلك الكلمات التي تفرق بين الأحبة والجماعات. تلك الكلمات التي تورث البغضاء والعداوات. تلك الكلمات التي تصطلي بها القلوب بنار الحقد والحسد. تلك الكلمات التي تورث بين الناس المفاسد حتى تسفك الدماء، وتنتهك حدود الله ﷻ ، ألا وهي المشي بين الناس بالقيل والقال، كقولك: فلان يقول فيك كذا وكذا. فإياك أن تكون نماماً! ففي الحديث الصحيح عن حذيفة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ أخبره عن حال من نقل الكلام فأوقع العداوة بين الناس أنه لا يدخل الجنة، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام) والعياذ بالله! يقول بعض العلماء في هذه الأحاديث المشتملة على الكبائر: الغالب أن صاحبها لا يوفق لحسن الخاتمة حتى يكون من أهل الجنة. فاتق الله في نقل الأحاديث! المسلم يصلح ولا يفسد؛ إذا علمت أن بين أخٍ وأخٍ عداوة فاتق الله فيما تقوله، قُل الكلام الطيب، حتى إن الإسلام أباح لك أن تقول الكذب لأجل أن تصلح بين هذه القلوب المتفرقة، الإسلام يريد السلامة ويريد اجتماع القلوب، والتآلف والمحبة والتعاطف والتراحم والتكاتف، يريد اجتماع القلوب على طاعة الله ﷻ ، لا يريد الشحناء، ولا البغضاء لا يريد تفكك القلوب وحصول الفتن والمحن، واشتعالها واصطلائها بسعير الشيطان وأعوان الشيطان، ولذلك ينبغي على المسلم أن يخاف الله في حقوق إخوانه. وإذا رأيت إنساناً ينقل إليك كلاماً يوغر صدرك على إخوانك فذكره بالله ﷻ ، وقل: يا فلان! اتق الله فيما تقول، ولذلك قال ﷺ : (دعوا لي أصحابي. دعوا لي أصحابي إني أريد أن أخرج نقي الصدر لهم) فلذلك ينبغي على المسلم الموفق إذا جاءه هذا النمام -ذو الوجهين- الذي يريد أن يفرق ويبدد الجماعة والشمل أن يقول له: يا فلان! اتق الله! وإذا كنت في المجلس فسمعته ينقل حديثاً يوغر صدر السامع على أحد فقل له: اتق الله. وقد كانت للسلف مواقف جليلة: جاء رجلٌ إلى بعض السلف وقال له: فلان يقول فيك كذا وكذا، فقال له ذلك العالم الجليل: أما وجد الشيطان رسولاً غيرك؟ الله أكبر! تريد أن تغير قلبي على أخي؟ ما وجدت شيئاً تنقله إلا هذه الكلمات الخبيثة حتى ولو قالها، ما وجد الشيطان وعاءً نتناً ينقل النتن غيرك والعياذ بالله! وجاء رجل إلى الحسن رحمة الله عليه فقال: فلان يقول فيك كذا وكذا، قال: والله لأغيظن من أمره بذلك، اللهم اغفر لي ولأخي. أي: لأغيظن الشيطان الذي أمره أن يقول فيه. اللهم اغفر لي ولأخي. هذه صفحاتٌ مشرقةٌ من قلوب تعامل الله علام الغيوب، من يريد الجنة يشتريها بالأعمال الصالحة، وبسلامة الصدر التي بشر النبي ﷺ صاحبها بالجنة، فكان مبشراً بالجنة وهو يمشي على وجه الأرض، لحديث ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة) فاستشرفت تلك العيون تنتظر هذا الرجل المبشر بالجنة وهو في الدنيا، فخرج ذلك الرجل الصالح الموفق فسلم ومضى، فتبعه ابن عمرو ﵁ وأرضاه؛ لأنه يريد أن يفوز بالخير الذي فاز به هذا العبد الصالح، فنام معه ثلاثة أيامٍ يريد أن ينظر كيف دخل هذا العبد الجنة، يريد أن يعرف السبيل الذي أوصل هذا العبد إلى دخول الجنة، فبات معه ثلاث ليال، لا يتحرك حركة، ولا يقول كلمة، ولا يفعل فعلاً إلا وعين ابن عمرو تراقب، حرصاً على الخير، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم قلوبهم معلقة بالجنة، أين طريق الجنة؟ أين سبيل الجنة؟ يبيعون أنفسهم لشراء هذه السلعة الغالية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٠٧] من يشري نفسه، أي: يبيعها ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ليس كل الناس ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة:٢٠٧] فرآه ثلاثة أيام، يقول: فما وجدت منه كثير صلاة ولا صيام، ولا كثير عبادة، ولكن كان إذا تقلب في الليل وهو نائم، ذكر الله، سبح حمد هلل كبر قلب معلق بالله ﷻ ، قلب سليم، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذه القلوب. فلما مضت الثلاث الليالي، ولم ير ابن عمرو عملاً عند هذا الرجل، فقال: يا فلان، إني كنت عند رسول الله ﷺ ، فقال: كذا وكذا، فكنت أنت الرجل، فأخبرني عن أرجى عملٍ تعمله، فقال ذلك الرجل: [أما إنه ليس عندي كثير صلاة، ولا صيام، ولكني لا أمسي وأصبح وفي قلبي غلٌ على مسلم]. فلذلك ينبغي للمسلم الموفق أن يكون قلبه بريئاً، فإذا جاءه ذو الوجهين، أو جاءه من لا يخاف الله ويتقيه يريد أن يقطعه عن إخوانه، فليقل له: اتق الله ولا تنقل لي كلام الناس، لا تنقل لي ما يغير قلبي على عباد الله فهذه من آفات اللسان.

стр. 547

الغيبة ألا وإنَّ للسان آفات، فكما أن لله حقوقاً يزل فيها اللسان، فإن للعباد حقوقاً تزل فيها الألسن، تلك الحقوق التي تهتك بها عورات المسلمين، تلك الحقوق التي تضيع فيها حدود الله رب العالمين، إنها الحقوق التي ينتهكها الإنسان بالكلمة الواحدة في وجه أخيه أو غيبته. ومن آفات اللسان التي تكون بين الإنسان وأخيه: الغيبة، وهي أن يذكر أخاه بما لا يحب أن يذكره به، قالوا: (يا رسول الله أرأيت لو كان فيه ما قلت؟ قال: إن كان فيه ما قلت فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) فإن كان ما قلت فيه فهي غيبة، وإن لم يكن فيه ذلك فقد بهته وظلمته. الغيبة يوم يجلس الإنسان في تلك المجالس فيظن أن الله لا يسمعه ولا يراه، فيذكر أخاً من إخوانه، ويذكر عيباً من عيوبه، فيقول: فلان فيه كذا وكذا، وفلان فعل كذا وكذا، وحينئذٍ تخط هذه الكلمة في صحيفة عمله لكي يلقى الله جل وعلا بذنبه. ألا وإن الغيبة من آفات اللسان وزلاتها، ومما يجب على كل مسلم أن يخاف الله ويرجوه، ويَسلم منه إخوانه المسلمين عند غيبتهم عنه، قال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون يده ولسانه) أي: المسلم الكامل والمسلم الحق. ليسلم الناس جميعاً منك، وارض لعل الله يرضى عنك، سلِّم المسلمين من لسانك، فإذا جلست في المجلس وأردت أن تذكر مسلماً فاجعل الجنة والنار بين عينيك إذا أردت أن تذكر أخاك المسلم فلا تذكره إلا بخير، ولا تذكر عيوبه، فإن ذكر العيوب هتكٌ لستر الله جل وعلا عليه، ولذلك قال الإمام مالك رحمة الله عليه كلمةً عجيبةً غريبةً! قال ﵀: أعرف أناساً لا عيوب عندهم تكلموا في عيوب الناس، فأوجد الناس لهم عيوباً، وأعرف أناساً عندهم عيوب سكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم. أعرف أناساً لا عيوب عندهم -أهل استقامة وطاعة- ولكنهم يتكلمون في عيوب الناس: فلان فيه وفلان فيه، يهتكون ستر الله عليهم، فأوجد الناس لهم عيوباً -أي: صارت الناس تظلمهم وتقول: فيهم. وهو ليس فيهم- لأنهم هتكوا ستر الله على عباده، وأعرف أناساً عندهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فسكت الناس عن عيوبهم، فالكلام في عيوب الناس لا خير فيه. عليك نفسك فاشتغل بعيوبها ودع عيوب الناس للناس سل الله العافية، فإن عيَّرت مبتلىً فلعل الله أن يعافيه ويبتليك، ولذلك ذُكر عن الإمام محمد بن سيرين -وهو إمامٌ من أئمة التابعين وصفحةٌ من صفحات السنة المشرقة والصلاح والعبادة في زمانه، وقد أوصى أنس بن مالكٍ ﵁ أن يغسله إذا مات- أنه لما كان في آخر حياته أصابه الدين، فقال: والله إني لأعرف الذنب الذي من أجله بليت بالدين. قالوا: وما ذاك؟ قال: قلت لرجلٍ قبل أربعين عاماً: يا مفلس!! أذية المسلم لا تفوت؛ إما أن ينتقم الله من المؤذي في الدنيا، أو ينتقم منه في آخر لحظاته من الدنيا، أو ينتقم منه في الآخرة، أو يجمع الله له بين الثلاث النقم والعياذ بالله. عورات المسلمين عظيمة! ما خلق الله الإنسان لكي يهتك عورات المسلمين: (من ستر مسلماً ستره الله، ومن تتبع عورة مسلمٍ تتبع الله عورته) وورد في الرواية الأخرى: (ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره). فاتق الله، لسانك لا تذكر بها عورة مسلم، وخف الله في هذه العورات والعيوب التي في الناس، وقل: يا مسلِّم سلِّم. وقل: الحمد الذي عافاني مما ابتلاهم به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً. اتق الله في عورات المسلمين، ولا تذكر عورة مسلم؛ فإن الله يسترك كما سترتهم، ويعافيك إذا حمدت الله على العافية إذا رأيتهم. وينبغي على المسلم إذا نظر إلى عورة أخيه المسلم أن يسعى في استصلاحها، وألا يشمت بها، فمن كمال إيمان المؤمن أنه يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن كنت مؤمناً حقاً فلا تتبجح في المجالس وتقول: يفعلون ويفعلون ولكن هيئ من نفسك ذلك المؤمن الصالح، واحتسب تلك الخطوات التي تشتري بها رحمة الله ولتذهب إلى هذا المبتلى وتلقي في أذنه كلماتٍ ينفعك الله بها في الدنيا والآخرة، فتذكره بالله وتُهدي إليه العيوب، فلعل ذلك أن يكون سبباً في صلاحه هذا هو المنبغي على الإنسان، أما أن يجلس بين إخوانه، ويذكر العيوب والمثالب فهذا لا ينبغي. وقد يكون العبد صالحاً فيذكر فواحش ومنكرات تقع في المجتمع، وهذا لا ينبغي خاصةً إذا شهر بها على وجه لا يترتب عليه المصالح؛ فإن ذلك ضرره أعظم من نفعه، وخطره أعظم من خيره، قال سفيان ﵀: إذا سمعتم بالفواحش والمنكرات، فلا تذيعوها فإنها ثلمةٌ في الدين. إذا سمع الناس أن فلاناً فعل وفلاناً فعل قد تقتدي بهم، ولكن حاول ألا تذكر هذه العورات إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة من التحذير، وبيان الخطأ كما هو واجب على العالم، ويجب أن يصحب ذلك إخلاص النية لله جل وعلا والإشفاق، وأن يكون ذلك النصح بأسلوب يدل على حسن قصد صاحبه، فنعم والله من يصنع ذلك! فإن النبي ﷺ كان يبين ذلك ويفعل ذلك صلوات ربي وسلامه عليه. فمن حقوق المسلم على أخيه المسلم ألا يذكر عورته، وألا يشهر به، وكان ﷺ إذا أراد أن يوجه يصعد على المنبر ويقول: (ما بال أقوام؟) ما قال: يا فلان بن فلان: لمَ فعلت كذا وكذا؟ لا يشهر صلوات ربي وسلامه عليه، إلا إذا وجدت المصلحة المقتضية لذلك، أو غلب على الظن اندراء المفسدة بتشهيره. ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أن جاراً جاء يشتكي إلى النبي ﷺ من جاره، فأمره أن يخرج متاعه عن بيته، فصار كلما مرَّ عليه الناس قالوا له: ما بك؟ ما شأنك؟ قال: جاري يؤذيني، فكل من مرَّ لعن جاره وسبه وآذاه. فقال له جاره لما رأى ذلك: ارجع إلى بيتك، فلن ترى ولن تسمع مني إلا خيراً). ألا وإن من أعظم من ينبغي أن يستر هو جارك وأقرب الناس منك، فإن من حق الجار على الجار ألا ترسل لسانك على عورته، ولا تدل على عورته، ولذلك وصى النبي ﷺ بالجار، ووصى من قبله كتاب الله الواحد القهار. وقف النبي ﷺ يوماً من الأيام على قدميه ومعه رجلٌ يناجيه، فوقف حتى طال موقف النبي ﷺ ، وجاء صحابي يريد النبي ﷺ في حاجةٍ وذلك الرجل يناجي النبي ﷺ ويكلمه المرة تلو المرة، يقول الصحابي: حتى أشفقت على النبي ﷺ من طول القيام، فلما فرغ الرجل من ذلك المقام ومضى وانصرف، قال النبي ﷺ : (هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)؛ حتى ظننت أن الله سيجعل الجار كالابن الذي من النسب يرثك وترثه. فلا تذكر عورة الجار؛ لأن الجار قريب منك تسمع صيحته وتعلم حاله وتعرف أبناءه وبناته وما يكون غالباً من شأن أهله، فلذلك كان من حقه العظيم أن تستر عورته، ولا تفضح شيئاً من ذلك.

стр. 548

الكفر بالله ألا وإن أعظم آفات اللسان التي إذا بلي بها الإنسان خسر دينه ودنياه وآخرته: الكفر بالله، يوم يمسي الإنسان ويصبح وقد نطق لسانه بكلمة تخرجه من الدين والملة -والعياذ بالله- يوم ينطق الكلمة فيهوي بها إلى دركات الجحيم يوم ينطق الكلمة فيكتب الله بها سخطه عليه إلى يوم الدين، قال ﷺ : (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها أبعد ما بين المشرقين في نار جهنم) وقال ﷺ : (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يتبين فيها يكتب الله بها سخطه عليه إلى يوم القيامة) فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من هذا البلاء. ولذلك خاف النبي ﷺ على أصحابه وأمته من زلات اللسان، فهذا معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه يقف أمام النبي ﷺ يوماً من الأيام لكي ينتهل من معين الوحي، وإذا بالنبي ﷺ يقول له: (أمسك عليك لسانك) أمسك هذا اللسان حتى لا ينطلق في حدود الله ومحارمه أمسك هذا اللسان يا معاذ عن عباد الله المؤمنين أمسك لسانك عن عباد الله المسلمين حتى تكون مسلماً حقاً فقال له: (أمسك عليك لسانك) وإذا بـ معاذ تهوله تلك الكلمة فقال: (يا رسول الله! أو إنا مؤاخذون بما نقول؟) هل هذه الكلمات التي يلفظها هذا اللسان مكتوبة في السجلات؟ فقال ﷺ : (ثكلتك أمك، ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) حصائد الليل والنهار؛ يوم أطلق اللسان في غيبة المسلمين، ويوم أطلقه في عورات عباد الله المؤمنين: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم). وجاءه صحابي يوماً من الأيام يسأله عن الدين والإسلام فقال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. فقال ﷺ : قل آمنت بالله، ثم استقم، فقال: يا رسول الله! ما أخوف ما تخافه عليَّ؟ فقال ﷺ : أمسك عليك هذا)؛ أخاف عليك لسانك، أخاف عليك منطقك وبيانك. فلذلك كان من أعظم آفات اللسان وأعظم ذنوبه أن يكفر بالله جل وعلا، وقد يكفر الإنسان حينما يقول الكلمة الواحدة فيخرج بها من الدين بالكلية، يوم يقول: لا إله والحياة مادة. أو يقول: إن لله ولداً. فيأتي بشيء إداً ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ [مريم:٩٠ - ٩١] يوم ينادي غير الله ويستغيث بغيره، ويستجير بأحدٍ سواه، فيُكتب عليه أن حرمت عليك الجنة وتبوأت النار؛ وذلك يوم يتعلق بغير الله، فيناديه ويناجيه كما يناجي الله جل الله في علاه!

стр. 549

الاستهزاء بالدين وأهله ومن آفات اللسان التي تخرج من الملة أن يستهزئ العبد بالدين. يوم يطلق لسانه في معالم هذا الدين لكي يستهزئ ولو بكلمة واحدة، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه خرج في غزوة تبوك في شدة الحر -وسماها الله ساعة العسرة؛ لأنها ساعةٌ شديدةٌ امتحن الله فيها عباده المؤمنين- وخرج معه أصحابه الكرام، وخرج قومٌ لم تسلم لله قلوبهم كما أسلمت ظواهرهم. فكان من هؤلاء القوم طائفةٌ أرادوا أن يقطعوا طريق السفر لما شعروا بالسآمة والملل، فلما أرادوا أن يتحدثوا بحثوا عن الشيء الذي يتفكهون به بحثوا عن الشيء الذي يضحكهم ويسليهم فلم يجدوا إلا عباد الله الصالحين، فقال قائلهم: (ما رأينا مثل قرَّائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء!) من هم؟ إنهم القراء؛ حفاظ كتاب الله ، يقولون: ما رأينا مثل قرَّائنا هؤلاء أرغب بطوناً -أناس يحبون الدنيا- وأجبن عند اللقاء وأخوف عنده! فنزل جبريل من أطباق السماوات العلى بتلك الآيات العظيمة من الله جل وعلا يوم سمع أحبابه وأولياءه ينتقصون من هؤلاء الذين لا خير فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]؛ ليس لكم عذر، قد كفرتم وخرجتم من الدين والملة بهذه الكلمات اليسيرة، فصاروا يتعلقون بناقة النبي ﷺ ويقولون: (يا رسول الله! كنا نتحدث حديث الركب -كنا نقطع مسافة السفر- وكانت الحجارة تضرب رجل أحدهم فتسيل بالدماء والنبي ﷺ يلتفت إليه ويقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) أضاقت عليكم الدنيا فلم تجدوا شيئاً به تفرحون، أو منه تضحكون إلا عباد الله الصالحين؟ وهذه هي عاقبة كل من استهزأ بأولياء الله وعباد الله الصالحين. فإياك، ثم إياك وأولياء الله! وإياك ثم إياك والراكعين الساجدين، فإن الله يحبهم ويحب من أحبهم، ويعادي من عاداهم، فلا تنطقن بكلمةٍ تستحق بها قول الله تعالى: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، قال بعض العلماء: إن هؤلاء القراء حفظوا كتاب الله، فكان الاستهزاء بهم استهزاء بدين الله ، ولذلك قالوا: من استهزأ بالعالم واستخف بالداعية إلى الله فقد استهزأ بالدين، من قال: هذا العالم لا يفهم شيئاً هذا العالم يحلل ويحرم من عنده، واستهزأ بالعلماء واستهزأ بآرائهم، واستخف بفتواهم فله نصيبٌ من قول الله تعالى: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]. إنهم دواوين العلم الذين شرح الله بالقرآن صدورهم، إنهم رجال الدين والإيمان الذين نور الله بالوحي قلوبهم، إنهم رجال الدين الذين حفظوا كلام الله رب العالمين، وحملوا رسالة إله الأولين والآخرين؛ فكانوا ربانيين بما يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون. فاتق الله، اتق الله في العلماء والدعاة والهداة إلى الله، لا يمسَّنك الله بعذاب في كلمة قلتها في عالم أو داعية إلى الله، وكن ذلك الطيب الذي لا ينفح إلا طيباً، ولا يسمع منه إلا الطيب، فإن الله إذا طيب قلب الإنسان طيب لسانه. كن ذلك الخيِّر الديِّن الذي يخاف الله فيما يقوله وينطق به لسانه، واذكر محاسنهم، وشيَّد بين الناس مآثرهم، وكن حافظاً لعوراتهم داعياً لهم بظهر الغيب، فلك من دعوتك أوفر حظ ونصيب. ألا وإن من الاستهزاء بالدين الاستهزاء بشرع الله رب العالمين، فإياك أن ينطق لسانك بكلمة في حكمٍ لله ﷻ ، إذا سمعت أن الله أحل أمراً أو حرمه فقل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] لا تقل: كيف هذا؟ لا تقل: لا يصلح هذا. لا تقل: هذا لا يعجبني. (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]. أسلم لله قلباً وقالباً ولساناً، وليكن منك الرضا والتسليم، فإن الله يقول للنبي الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] يقسم الله ﷻ هذا القسم العظيم أن لا إيمان لهم حتى يحكموك فيما شجر بينهم، حتى تنصاع وتصبح ذليلاً أمام الكتاب والسنة (حتى يحكموك) فإذا جئت في خصومة بينك وبين جارك أو أخيك، فأول شيء تقوله: ما حكم الله ورسوله فيما بيني وبينك؟ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] وليس وحدها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ [النساء:٦٥] أي: لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً ﴿حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] هذا هو الإيمان، هذه هي العبودية الحقة لله العظيم الديان، فاتق الله فيما تقول، واتق الله فيما تعتقده فإن الله سائلك عن كل ما يلفظ به لسانك.

стр. 550

أمور يحفظ بها الإنسان لسانه من الآفات أيها الأحبة في الله: نتحدث في الوقفة الأخيرة عن كيفية حفظ الإنسان لسانه من الآفات:

стр. 551

سؤال الله القول السديد أما السبب الثاني الذي يعين على حفظ اللسان من الآفات والزلات: أن تسأل الله جل وعلا الذي منه صلاح الأحوال، ومنه الكرم والفضل بطيب المقال، وتسأله أن يرزقك قولاً سديداً، قل: اللهم إني أسألك لساناً يرضيك عني، وأعوذ بك من لسانٍ يغضبك عليَّ، سل الله أن يعطيك قولاً يرضيك عنه، وادعه، فإن الله يستجيب لمن دعاه، سل الله في الأسحار، واسأله آناء الليل وأطراف النهار أن يحفظ لك لسانك فلا تحمل ذنوب الناس. ولذلك قد يمسي الإنسان ويصبح راكعاً ساجداً، قائم الليل وصائم النهار، وحسناته لمن تكلم فيهم، يغتاب وينم وهو قائم الليل صائم النهار، حسنات القيام والصيام لمن هتك ستره وآذاه، فاجتهد رحمك الله في سؤال الله أن يحفظ لك لسانك عن أذية المسلمين وعن أعراض عباد الله المؤمنين، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حفظ اللسان.

стр. 552

قراءة سير السلف الصالح ومن الأمور التي تعين على حفظ اللسان: قراءة سير السلف الصالح رحمة الله عليهم، ففيها النماذج الكريمة التي تحيي في الأنفس الاشتغال بما يعني عما لا يعني.

стр. 553

استغلال اللسان في طاعة الله ومما يعين على حفظ اللسان: استغلاله في طاعة الله جل وعلا، واستشعار ما عند الله من الفضل إذا سخر الإنسان لسانه في طاعة الله، فإن الكلمة الطيبة تقربك إلى الجنة وتبعدك من النار، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن العبد يتقي النار بشق تمرة وبكلمة طيبة. فليجتهد الإنسان بذكر ما عند الله من الفضل والرحمة حتى يحفظ الله لسانه، ويصون منطقه وبيانه. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم قولاً سديداً، وعملاً صالحاً رشيداً، اللهم إنا نعوذ بك من زلات اللسان، وخطرات الجنان، ووساوس الشيطان، ونسألك أن تمن علينا بما يرضيك يا كريم يا رحمن. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 554

ذكر الآخرة ألا وإن من أعظم ما يحصن به المسلم لسانه أن يذكر الآخرة، فذكر الآخرة من أعظم الأسباب التي تهذب للمسلم كلامه ومنطقه، فمن أكثر من ذِكر الموت وهاذم اللذات ومفرق الجماعات، ومن أكثر من ذِكر سؤال الله جل وعلا والموقف بين يدي الله ، دعاه ذلك إلى مراقبة الله في كل كلمة يقولها. أثر عن بعض السلف -وكان قاضياً ﵀ أنه قضى في قضية، وكان المحكوم عليه رجلاً من السفهاء -يعني: رجل لا يبالي بما يقول- فلما حكم هذا القاضي عليه، قال ذلك الرجل: ظلمتني، وجرت عليَّ، وتسلط بلسانه على العالم، فقال ذلك العالم: والله الذي لا إله إلا هو ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله ﷻ ، لكثرة ذكر الآخرة، فإذا أكثر الإنسان من ذكر الموت قل كلامه إلا فيما يعنيه، وأصبح يغار على هذا اللسان، يحترق يريد حسنة، يريد تسبيحة استغفارة تحميدة تكبيرة تزاد له في صحيفة العمل. تذكر -أخي في الله- أنه ستمر عليك مثل هذه الساعة وأنت ضجيع القبر والبلى لا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، وأنت أحوج ما تكون إلى كلمة طيبة تنجيك من عذاب أليم، ذكر الآخرة يحفظ اللسان، ذكر الآخرة يقوم المنطق والبيان، فإذا علم الإنسان أنه صائر إلى تلك الغصص التي تغص عندها الحناجر، ويذل عندها الأصاغر والأكابر، هانت عليه الدنيا، فلم يطلق لسانه إلا فيما يعنيه. ولذلك كان السلف ﵏ يحفظون الألسنة بكثرة ذكر الموت والآخرة، وكان الواحد منهم يعد كلماته خلال الأسبوع كله -من الجمعة إلى الجمعة- ليعرف عدد الكلمات التي تكلم بها؛ من خوف الله جل وعلا، وكثرة الاستشعار لهيبة الموقف بين يدي الله الواحد القهار.

стр. 555

الأسئلة

стр. 556

مشكلة انتشار المساجد السؤال هناك مشكلة -في الحقيقة- استجدت مع انتشار المباني ألا وهي كثرة المساجد؛ لأن الناس كثرت مساكنهم وتباعدت، وبعض هذه المساجد التي أنشئت يسمعون النداء من مسجد القرية الأساسي ومع ذلك ينشئون لهم مسجداً، حتى إنه أصبح في بعض القرى الصغيرة مساجد كثيرةٌ، وفي غالب الأحوال أنه لا حاجة لها، وتفرق الناس بسبب ذلك، فما قولكم في هذه المسألة أثابكم الله؟ الجواب اختصاراً في هذا الموضوع التي عمت به البلوى: الأصل أن كل أهل حي أو منطقة يتفقون على مكان وسط بينهم يرفق بهم جميعاً ويبنون فيه مسجدهم، ولذلك أرى أن هذه المساجد بعضها لا يخلو من الإثم، خاصة المساجد التي أحدثت في أماكن فيها مساجد قديمة، ومن أحدث مسجداً بجوار مسجد قديم قريب منه فمسجده مسجد الضرار -والعياذ بالله- يأثم ولا يؤجر؛ لأنه تفريق للمسلمين، وتفريق لكلمتهم، فإن وصل الأمر إلى أن قوم فلان لهم مسجد، وقوم فلان لهم مسجد فهذه من نعرات الجاهلية، وقد يكون -والعياذ بالله- أصحاب المسجد الذي يبنونه بالنعرة الجاهلية، لماذا نذهب عند بني فلان؟ يحرمون قبول الصلاة، فمقصود الشرع من بناء المساجد جمع القلوب واجتماع الناس، فيأتي هذا ويبني مسجداً لكي يجمع جماعته ويقول لهم: مسجدنا كذا، فإذا رأى أحداً يصلي في المسجد الثاني ربما يغر قلبه عليه -والعياذ بالله- كل هذا من الجاهلية. والذي أراه أن كل جماعة -مثلاً- عشرة بيوت أو عشرين بيتاً، ولو كان عندهم مساجد في بيوتهم ينظرون إلى منطقة متوسطة بينهم، ثم من بنى مسجداً في بيته يقدر هذا المسجد بألفين أو ثلاثة آلاف، فتجمع قيمة هذه المساجد وتهدم هذه المساجد وتضم للبيوت، ثم يبنى بين هذه البيوت مسجداً يجمعهم على كلمة الله وطاعته ومرضاته، هذا هو الذي ينبغي أن يفعل؛ لأن هذا هو مقصود الإسلام. والذي يريد أن ينجو من عذاب الله فليفعل ذلك، ويحس الإنسان أنه يدخل مسجد الله ولا يكون مسجد بني فلان حتى يكون أبلغ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] ليست لبني فلان ولا علان، ونسأل الله أن يجمع القلوب على طاعته، وأن يؤلف بينها في محبته ومرضاته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 557

حكم عزاء أهل الميت وكيفيته السؤال في هذه المنطقة يحصل الاجتماع في العزاء، فيجتمع أهل القرية أو معظمهم في بيت صاحب الميت، أو في بيت شخص آخر قريب له، ويأتي أهل القرى الأخرى ليعزوا أهل القرية، فنرجو من فضيلتكم أن توضحوا هذه المسألة؟ الجواب بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهناك نقطة في السؤال، بعض الأسئلة يقال فيها: في هذه المنطقة، أو هذه المدينة، أو هذه القرية. وأنا أرى أن الأفضل ألا يقال في هذه المنطقة، ولا في هذه القرية، لأنه قد يكون يفعله بعض الناس ويعمم الحكم، وقد يكون هذا -فعلاً- موجوداً عند كثير، لكن الأفضل والذي أرى أن يُسأل، فيقال: هناك من يفعل كذا وكذا، أو هناك من يقول كذا وكذا دون تحديد لمنطقة أو مدينة؛ لأن المقصود التوجيه، والمقصود معرفة حكم الله ؛ لأنه قد يكون هذا الأمر شائعاً عند بعض الناس، لكن لا يعتبر حكماً عاماً على الجميع، فالأفضل أن يقال: بعض الناس يفعل هذا الشيء. أما مسألة العزاء فالسنة أن يعزى المسلم في ميته، والله شرع العزاء؛ لأن المسلم إذا فقد مالاً أو فقد ابناً أو بنتاً أو قريباً فإن قلبه يضعف أمام المصيبة فيحتاج إلى من يثبته، وإلى من يذكره بالله جل وعلا؛ لأن المصائب تهز القلوب -نسأل الله أن يلطف بنا وبكم فيها- لذلك يحتاج المسلم إلى كلمة من أخيه، وكان من هدي النبي ﷺ أنه يعزي، قائلاً له: (إن لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار، فلتصبر ولتحتسب) وقال: (فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون) إنا لله أي: مِلكٌ لله، (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها). المقصود أن العزاء مشروع، ولكن ليس بالطريقة التي توسع فيها الناس من إضاءة الأنوار، وفرش الفرش وبسطها، وجعل المواعيد والولائم في بيوت الميت، فهذا كله من البدع المحدثة، فالرجل يعزى في الميت في المقبرة، وهذا من السنة، وكذلك يعزى في المسجد، تقول له: يا فلان! أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، ونحو ذلك من الكلمات التي تجبر بها خاطره وتقوي بها إيمانه، وتوصيه بالسنة. وأما الجلوس واستقبال الناس على جماعات فقد شدد فيه السلف، ففي صحيح البخاري عن جرير ﵁ أنه قال: [كنا نعد الجلوس في بيت الميت من النياحة] فينبغي تركه قدر المستطاع، ولكن إذا كان هناك أناسٌ يقدمون من سفر، وجلس الإنسان رفقاً بهم ولا يقصد بذلك التشهير فهذا رخص فيه المتأخرون من العلماء، وقالوا: إن الناس بحاجة خاصة الآن مع اتساع المدن، ولكن بشرط ألا يطيل الإنسان عند أهل الميت، بل كان بعض العلماء يشدد في الطعام والشراب عند أهل الميت، حتى إنني أذكر بعض مشايخنا لا يشرب القهوة في العزاء، كل ذلك تورع وتحفظ إذا عزى أهل الميت، حتى لا يذهب أجره. ولذلك ينبغي التحفظ في مثل هذه الأمور، فإطالة الجلوس عند أهل الميت من المنكرات، وأشد ما يكون المنكر أن يجلس الرجل في بيت الميت، ويجلس يتحدث بفضول الدنيا، فلان باع، والعمارة الفلانية، تقول له: لماذا؟ يقول: حتى أُسلِّي أهل الميت. سبحان الله! الله ينزل هذه المصائب حتى تنكسر القلوب وتنيب إلى الله جل وعلا، ويتذكر الإنسان ويتبصر، وتأتي تلهي عباد الله عن ذكر الله جل وعلا! فهذا من الغفلة -نسأل الله العافية- والسلامة، فينبغي اتقاء مثل هذه الأمور، وأن يكون العزاء على الوجه المعتبر شرعاً، والله تعالى أعلم.

стр. 558

حكم حرمان المرأة من الميراث السؤال في بعض القرى يحرمون المرأة من الميراث، فتسكت على ذلك خوفاً من القطيعة، وقد تفاجأ بأن الميراث موقوفٌ على الرجال ونسلهم دون النساء، فما حكم ذلك وما موقف الدعاة وخطباء المساجد تجاه ذلك؟ وما موقف المرأة من مورثها وأقاربها؟ وهل عليها بر والديها بعد أن حرماها من حقٍ لها؟ والسؤال الآخر يقول: معلومٌ أن الله تعالى تولى تقسيم الفرائض بنفسه، ولم يكل ذلك لأحدٍ من خلقه، والسؤال: إن بعض الناس يُلجئ الوارث من النساء إلى التنازل -خاصةً الأخوات- مقابل بعض المال، وذلك حتى لا تنتقل التركة إلى غير الرجال من الوارثين، حتى أصبحت المرأة تعتقد أنه لا حق لها في المطالبة، والتي تتجرأ على المطالبة تنبذ وتقاطع وتحتقر، وتعدُّ مخالفةً لعادة المجتمع، نرجو من فضيلتكم التعليق والنصح، أثابكم الله وأعظم أجركم؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها) قال بعض العلماء: من ذلك أن الرجل يكون على صلاح وديانة واستقامة حتى إذا حضره الموت جار وظلم في الوصية التي يكتبها لأهله، فهذا الظلم والجور يكون سبباً في دخوله النار والعياذ بالله، فيكون آخر ما يكتب له في صحيفة عمله أن خرج ظالماً قاطعاً للرحم -والعياذ بالله-. الميراث حقٌ تولى الله قسمته من فوق سبع سماوات ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] ولم يكل قسمة المواريث لا إلى ملكٍ مقربٍ، ولا إلى نبيٍ مرسلٍ، ولكن تولاها سبحانه ﷻ وحده، فينبغي أن يعلم أن للمرأة حقاً في الميراث، وأن هذا الحق ينبغي أن يحفظ ولا يضيع، وأنه لا يجوز أن يستباح حق المرأة بالحيل والمكر، فإن الحيلة وإن نفعت في الدنيا فلن تنفع صاحبها يوم القيامة. وكذلك ينبغي أنْ يعلم الإنسان أنَّ المرأة إذا كانت ضعيفةً عن أخذ حقها فإن الله قويٌ ينتزع لها حقها، فليتق الإنسان ربه في حقوق هذا الإنسان الضعيف، والله جل وعلا جعل لها هذا الحق ليعينها على العفة، ويحفظ ماء وجهها أن تسأل غيرها، فإن المرأة إذا احتاجت قد تتعرض إلى الزنا والحرام، فالله جعل لها هذا النصيب حتى تصون ماء وجهها وتذكر ميتها فتترحم عليه فتقول: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على أبي وأخي الذي ترك لي كذا وكذا. فيأتي هذا الظالم الفاجر الذي لا يتقي الله جل وعلا، لكي يقطع عنها رزقها، ولكي يؤذيها فيما أعطاها ربها، فهذا من الظلم، ومن الجور. والمسئولية على العلماء عظيمة، وعلى أئمة المساجد، وعلى طلاب العلم، وعليكم عامة أن تبينوا للناس أنه لا يجوز ظلم المرأة في أي شيء خاصةً في هذه الحقوق التي هي المال، فإن الله جل وعلا أخبر عن المال أن النفوس تحبه ومجبولةٌ عليه ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] وقد نهى النبي ﷺ معاذاً عن أن يزيد عن الحق المعتبر في الزكاة التي هي حق لله، فقال: (وإياك وكرائم أموالهم) ثم قال بعدها: (واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وجاء في الرواية الثانية أن الله يرفعها ويقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين) وقال بعض العلماء: إن الله ينتصف للمظلوم من ظالمه ولو كان المظلوم كافراً؛ لأن الله عدل لا يحب الظلم (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فهذا ظلمٌ للمرأة، ولا يجوز ظلم المرأة في الميراث. وكذلك احتقار المرأة وأذيتها واحتقارها وانتقاصها! وكون كثير من الناس يرى أن المرأة أشبه بسقط المتاع حتى يشبهها بعضهم بالحذاء -أكرمكم الله نسأل الله السلامة والعافية- ومن عادات الجاهلية الممقوتة التي تدل على ضعف الإيمان في القلوب قول بعضهم: المرأة أعزك الله! المرأة أكرمك الله! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] المرأة مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، المرأة قد تكون سبباً في صلاح أُمةٍ، خديجة ﵂ وقفت مع النبي ﷺ فثبت الله بها قلبه. لا ينبغي للإنسان أن يكون ضعيف عقل، ويكون عنده تهور في انتقاص الناس واحتقارهم، فالمرأة فيها خير، كما أن الرجل فيه خير، وكون بعض العادات والتقاليد من احتقار المرأة وامتهانها وانتقاصها هذه من بقايا الجاهلية، ومن تخلف العقول، فالله يزن الناس ذكرهم وأنثاهم بالعمل الصالح ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. فلا يجوز ظلم النساء وأذيتهن واحتقارهن، وتبقى مظلومة، وأشد ما يكون الظلم من القريب، فالمرأة إذا ظلمت من أخيها، وإذا ظلمت من ابنها وأبيها، فمن الذي يقف معها بعد الله ؟ الله المستعان! ضعيفة، قد يظلمها زوجها، ثم يأتي أبوها ويظلمها، ثم يأتي أخوها ويظلمها، أين تذهب؟ أين يذهب هذا المخلوق الضعيف؟ مع ما هي فيه من همها ونكدها في عيشها. فينبغي لنا أن نتقي الله فإن الراحمين يرحمهم الله، وهذه الغلظة والجفاء والأذية لعباد الله ليست من الإسلام في شيء، بل الإسلام دين السماحة واليسر، ودين العدل والإنصاف والرحمة، وكان رسول الهدى ﷺ يأمر بالإحسان إليهن حتى قال: (من ابتلي بشيء من هذه البنات فرباهن فأحسن تربيتهن إلا كنَّ له ستراً من النار). فلذلك ينبغي حفظ حقوق النساء، وعادات الجاهلية وبقايا الجاهلية ينبغي أن تنزع من العقول ومن القلوب والقوالب، وأن يعطى للنساء حقوقهن، ويحافظ على هذا الحق حتى ينجو الإنسان في يومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] يفر لأنه يخاف أن يكون ظلم بنته أو ظلم أخته أو ظلم زوجته أو أمه؛ فلذلك ينبغي التناصح في هذا، والمسئولية عظيمة. وقد كان الناس قديماً في الجهل، ولكن الآن انتشر العلم بين الناس، وأصبحت تعي وتعلم أن هذا ظلم، فلا تسكت، فإن رأيت الوالد يوصي بأن ماله للرجال دون النساء فقل له: اتق الله يا والد، واسأل العلماء فيما أنت فاعل، وإذا كان هناك وصية قديمة أو كان الإنسان قد ظلم أخواته، فمن الليلة لا تنام حتى تذهب إلى أختك وقريبتك وتقول لها: خذي حقك كاملاً، فأعطها حقها قبل أن يأتي يوم ينصف الله فيه المظلوم من الظالم، والمحروم ممن حرمه. ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن الله ينصف البهائم بعضها من بعض، فكيف ببني آدم؟ بهائم، شاة جلحاء لا قرن لها يأخذ الله لها حقها من الشاة القرناء، ثم يقول الله لها: كوني تراباً. وهناك صورة أُحبُّ أن أوضحها، وتسمى عند العلماء بالتخارج، وصورتها: أن يكون الرجل قد مات عن بنتين وابنين، فيكون للبنتين لكل واحدة منهن سهم، فيصبح سهم النساء سهمين، ويكون للابنين الذكرين أربعة أسهم، ويكون مجموع الأسهم ستة، فيترك -مثلاً- أرضين، والأرضين هذه قيمتها -في الحقيقة- تعادل إحداها أربعة آلاف ريال، والثانية تعادل ألفي ريال، فيصطلح الذكور والإناث على أن للإناث الأرض التي بألفين، وللذكور الأرض التي هي بأربعة آلاف، وقد اختلف فيها العلماء ﵏ ومذهب طائفة من أهل العلم صحتها وجوازها وهو الصحيح، ويستوي عند العلماء أن يكون التخارج في الفرض والأسهم في النقد، أو يكون بالأعيان، النقد مثل النقود، ويقول له: هذه الدار قيمتها ستة آلاف، نصيبي فيها أربعة أسهم، ولك منها سهمين، فخذ هذه الألفين عن سهميك الباقيين ونحو ذلك. لكن هذه الصورة ليست مما نحن فيه، فهذه الصورة جائزة ليس فيها حرج لكن بشرط: أن يكون مقدار النصيب الذي يعطى للنساء حق وعدل، ولا يكون فيه ظلم، بمعنى: أنه ما يخدع النساء ويقال لهن: التخارج جائز، ثم يأتي كل من هب ودب يقدر لهن ميراثهن ويظلمهن لا، بل يقدر برجلين من أهل الخبرة؛ عدلين، لا يحيفان لأحد من الورثة بالضوابط الشرعية المعتبرة. النقطة الثانية: عند كتابة الوصية إذا كان خروج المرأة إلى القاضي، وقالت: أنا متنازلة عن نصيبي، وكان هذا بالإكراه، فإن ذلك لا يحل نصيبها ألبتة، فإن الإكراه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، فالإكراه لا يوجب حرمة الحلال -بمعنى أن المرأة التي تملك نصيبها يصبح نصيبها حرامٌ عليها- والإكراه لاغٍ ووجوده كعدمه كأنه لم يوجد، فإذا أكرهت المرأة واستحيت، حتى إن بعض العلماء يرى أن الحياء والخجل في بعض الأحيان نوع من الإكراه، وهو أصل عند شيخ الإسلام ابن تيمية قرره في غير ما موضع من المجموع: أن الإكراه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يكره الرجل بالحياء، فلذلك إذا كانت المرأة يضغط عليها عن طريق زوجها، أو عن طريق إخوانها حتى تتنازل، فهذا التنازل وجوده وعدمه على حد سواء، فليتق الله الإنسان في هذه الحقوق، ويؤديها كاملةً على الوجه الذي يرضي الله. فلذلك ينبغي أن تحفظ حقوق النساء، وأن تؤدى كاملة، وكذلك حقوق الرجال، وأن يتقي الله المسلم فيما يعتقده، وأن يؤدي لكل ذي حق حقه والله تعالى أعلم.

стр. 559

حكم الغيبة لمصلحة شرعية السؤال إني أحبك في الله، نحن مجموعة من الشباب نذكر عيوب بعض الأشخاص فيما بيننا، وذلك للتشاور للقيام بزيارته ونصحه، فهل عملنا هذا يعد من الغيبة؟ الجواب أحبك الله الذي أحببتني من أجله، وأشهد الله العظيم على حبكم جميعاً في الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يدخلنا وإياكم بهذا الحب دار كرامته، وأن يجمعنا بكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. أخي في الله! نِعْمَ ما صنعته من الغيرة على إخوانك المسلمين، وحرصك على توجيههم ودلالتهم على الخير، ولكن اعلم -رحمك الله- أنه إذا احتاج الإنسان إلى غيبة أخيه المسلم، فينبغي أن يأخذ بما تحصل به الحاجة، وقد نبه العلماء على هذه المسألة في قاعدة: "ما أبيح للحاجة يقدر بقدرها". وهي قاعدة مشهورة عند العلماء. والكلام في الناس وذكر عيوبهم محتاج إليه، ولكن يقدر بالقدر، مثال ذلك: لو أردت أن تحفز شخصاً أن ينصح جاره، وتعلم أن هذا الجار -والعياذ بالله- يشرب الخمر ويزني ولا يصلي، فحينئذٍ تبدأ بماذا؟ تبدأ بالصلاة؛ لأنها عماد الدين، وإذا صلحت صلاته، نهته عن الفحشاء والمنكر، فتقول له: يا فلان! فلان أراه لا يصلي. ما تأتي تقول: ويشرب الخمر ويزني ويفعل ويفعل. لا تهتك ستر الله على العبد؛ لأن الحاجة تندرئ بهذا القليل. وقد تكلم على هذه المسألة الإمام العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام من صالح الأنام) كلاماً نفيساً، وبين فيه قواعد العلماء الذين تكلموا على هذه المسألة في جرح الشعور والطعن فيمن طعن فيه، كل ذلك حفاظاً على حقوق المسلمين. فتذكر: أقل ما تحصل به الحاجة، ثم تشاور إخوانك في استصلاحه، ثم قليلاً قليلاً تذكر لمن يقوم باستصلاحه من عيوبه حتى يكون ذلك أدعى لصلاح حال من تكلم فيه، والله تعالى أعلم.

стр. 560

حكم تأجير المحلات للذين يبيعون المحرمات السؤال ما حكم تأجير المحلات للذين يبيعون المحرمات مثل: الدخان وأشرطة الأغاني والفيديو؟ الجواب أما بالنسبة لتأجير الدور والدكاكين ونحوها لمن يفعل الحرام فهو محرم، ويختلف هذا باختلاف المحرمات، فإن كانت الإجارة على حرام محض؛ جميع الشيء الذي يفعل محرم، وجميع الشيء الذي يباع محرم، فإن الإجارة تعتبر معونة على الإثم والعدوان، ومن يفعل ذلك فإنه يكون -والعياذ بالله- شريكاً له في الإثم على قدر ما يكون منه من ضرر، وأما إن اختلط بحرام، فإنه في هذه الحالة يكون له من حظ الإثم على قدر ما كان منه من وزر، إن قليلاً فقليل، وإن كثيراً فكثيرٌ، والله تعالى أعلم.

стр. 561

حكم العرضات الشعبية السؤال هل العرضات الشعبية محرمة أم لا؟ الجواب العرضات: التي هي الرقص بالسلاح، ثبت في السنة عن النبي ﷺ أنه دخل والحبشة يلعبون بالسلاح في المسجد، فأراد عمر أن يحصبهم، فقال ﵊: (دعهم، فإنه يوم عيدنا) ووقفت عائشة ﵂ تنظر إليهم فأقرها على ذلك. فيشرع في يوم العيد اللعب بالسلاح دون اشتمال ذلك اللعب على منكرٍ لما في اللعب بالسلاح من إحياء الحمية ولما يحيي في النفوس من معاني الرجولة والفحولة ونحو ذلك، إذا لم يشتمل على محرمٍ من المعازف والغناء ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه عند حصول الموجب. أما بالنسبة لغير ذلك من التوسع فيه دون وجود حاجة، كأن يلعب بالسلاح في أي وقت، فهذا للأفراد قد يشرع أن يلعب الإنسان بسلاحه، ولكنه خلاف الأولى، وهو مكروه، ويشرع بمعنى يجوز، ولكن درجته هي الكراهة لما فيه من إضاعة الوقت، وقد رخص النبي ﷺ في لعب الرجل بسلاحه. أما بالنسبة إذا اشتمل على محظور من الطبل والزمر فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يأتي في آخر الزمان أقوامٌ يستحلون الحر -يعني: الزنا والعياذ بالله- والحرير والمعازف والقيان، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين) فهذه من المحرمات التي لا يجوز فعلها، والله تعالى أعلم.

стр. 562

حكم الإكثار من استخدام لفظة الطلاق السؤال في هذه المنطقة أجد تساهلاً عظيماً في استخدام لفظة الطلاق، فأرجو أن تبين لنا خطورة الاستهانة بهذه الكلمة؟ الجواب الطلاق هي كلمة الفراق التي تفرق الجماعات وتقطع الأرحام، وتوجب الوقوع في كثير من الآثام، الطلاق كلمة تدمر البيوت وتفرق بين الأم وولدها وبين الزوجة وزوجها، كلمة يسيرة ولكنها جليلة خطيرة، والإكثار من هذه الكلمة أمرٌ خطيرٌ ومنكرٌ عظيمٌ، حتى قال بعض العلماء: من أكثر من الطلاق لم يأمن أن يعيش هو وامرأته على الزنا والعياذ بالله. امرأته طالق إن لم تقم امرأته طالق إن لم تقعد امرأته طالق أن تتغدى اليوم عندي أن تتعشى عندي فتطلق المرة الأولى في أول النهار، وتطلق المرة الثانية في وسط النهار، وتطلق المرة الثالثة في آخر النهار، ثم يبيت معها على فراش زنا والعياذ بالله! من يكثر من الطلاق لا يأمن أن يعيش مع امرأته بالزنا شعر أو لم يشعر، فهذه كلمة خطيرة، ولذلك لا ينبغي ذكر هذه الكلمة عند كل قليل وكثير وجليل وحقير، وقد جاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵄ وقال: [يا إمام! إني طلقت امرأتي مائة تطليقة، فقال: ثلاث حرمت عليك، وسبع وتسعون اتخذت بها كتاب الله هزواً]. وجاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: [يا أبا عبد الرحمن! طلقت امرأتي الطلقة الثالثة؟ قال: حرمت عليك. قال: يا أبا عبد الرحمن لا تفعل يرحمك الله -يعني: لا تطلق عليَّ امرأتي- فقال ابن عمر: أنا أفعل؟ أنت الذي فعلت، إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وأنت لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجاً]. فالذي يكثر من لفظ الطلاق لم يتق الله، وحريٌ به أن يضيق على نفسه حتى يعيش هو وزوجه -والعياذ بالله- على الزنا، فليتق الإنسان ربه، فالزوجة وبيت الزوجية أرفع من أن يطلق على شربة ماء، بيت الزوجية كيان مسلم وبيتٌ مسلم أرفع من أن يهدر ويهدم بكلمة تخرج من إنسان متهور. ثم تجد الأعذار التافهة: أنا عصبي أنا لا أملك نفسي سبحان الله! أضاقت عليك عصبيتك فما وجدت أن تنفس غضبك إلا على زوجتك، على امرأة ضعيفة؟! أضاقت عليك الدنيا حينما أصابك الهم والغم والغضب -فآذاك عدوك- أن تنفذ تلك الكلمة فتدمر حياة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر؟! ويكون الإنسان فيه على أخطر ما يكون من ضياع بيته وضياع زوجه وأهله، بل يكون الإنسان لئيماً ضيع حق الناس عليه؛ لأن الذي زوجك أكرمك واختارك لعرضه وأخته وبنته، فكانت العاقبة أن يأتي يوم من الأيام تأتيه تجر ثوبها مطلقةً منك؛ بسبب تافه من أسباب الدنيا؟ فاتق الله ، وإذا سمعت الرجل يقول: طلاقٌ، حرامٌ. فقل له: اتق الله، وخف الله رب العالمين. إذا سمعت رجلاً يطلق وسكتَّ عليه، فإن هذا منكر ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] فمن منكرات الأقوال، الاسترسال في الطلاق، وعدم المبالاة به. وينبغي التناصح والتذكير بالله ، وفي كبار السن المسئولية عليهم أعظم فهم قدوة؛ إذا رأى أحداً يطلق يقول له: يا فلان: اتق الله وخف الله، ولا يستهزئ الإنسان بهذه الكلمة. إن بعض الشباب حديثي السن يطلق وهو ليس عنده زوجه، يقول: عليَّ الطلاق، عليَّ الطلاق، يستهين بهذه الكلمة حتى يبتليه الله ، فإذا تزوج استمرأ لسانه الطلاق فيطلق امرأته بحيث لا يشعر! ولذلك ينبغي التناصح في هذا الأمر، وتوجيه الناس، والحرص على حفظ النفس عن حدود الله ومحارمه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الورع فيما نقول ونفعل، والله تعالى أعلم.

стр. 563

نصيحة للنساء بشأن الغيبة والنميمة السؤال تكثر في مجالس النساء الغيبة والنميمة ونقل الكلام، وبعضها في جهاز الهاتف، فهل من كلمة توجيهية للنساء في ذلك؟ الجواب ينبغي على المرأة أن تتقي الله في عورة أختها المسلمة، وإذا أرادت أن تحدث أختها ينبغي عليها أن يكون قولها سديداً، وأن تتقي الله فيما تقوله من العورات والخطيئات، ولذلك قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] قال: خص الله النساء؛ لأن اللمز بينهن أكثر من الرجال، فيكثر بينهن اللمز والكلام، فلانة جميلة، وفلانة قبيحة، وفلانة فيها كذا وفلانة تفعل كذا، وكل ذلك ذنوب تسطر على المرأة التي تتكلم بذلك. فينبغي للمرأة أن تتقي الله فيما تقوله، وأن تحفظ حق أختها المسلمة، فكما أنها تكره أن يقال فيها ذلك، فينبغي عليها أن تكره لأختها ما تكرهه لنفسها وأن تشتغل بعيبها عن عيوب الناس، والله تعالى أعلم.

стр. 564

حكم غيبة صاحب المعاصي السؤال هل يجوز غيبة الذي لا يصلي، أو الذي لا يحافظ على الصلاة؟ وجزاك الله خيراً. الجواب بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فتسأل أخي في الله! عن عبد لا يصلي أو لا يحافظ على الصلاة، هل تجوز غيبته؟ الجواب فيه تفصيل: فإن ترتبت مصلحة شرعية على غيبته جازت الغيبة بحدود وبقدر، مثال ذلك: أن تعلم أنه لا يصلي، فتذهب وتنصحه، فلا يصلي. وتعلم أن له أباً، أو أخاً يستطيع نصحه وتقويمه وإرشاده، فتذهب إلى أبيه وتقول له: إن ابنك لا يصلي، أو إلى أخيه وتقول: إن أخاك لا يصلي، فهذا جائز ولا حرج فيه، ولكن لا يجوز لك أن تزيد عن الحاجة، فإذا كان لا يصلي فلا تأت فتقول: إن أخاك لا خير فيه وهو ساقط وكذا، بدليل أنه لا يصلي، بل تقتصر فقط على ذنبه، وتقول: إن أخاك لا يصلي، إن ابنك لا يصلي، فما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها. أما الحالة الثانية: أن يكون المقصود من السؤال غيبة من لا يصلي بغير مصلحة شرعية، ومثال ذلك: أن تجلس في المجلس، وتقول: يا جماعة! فلان لا يصلي. وليس هناك مصلحة إلا أن تؤذي هذا الرجل بقولك فيه أنه لا يصلي، فهذا لا مصلحة فيه، إلا إذا كان تشهيره بين الناس يردعه ويزجره فيجوز، ويدل على ذلك حديث معاوية بن الحيدة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (ألا ترعوون؟ ألا ترعوون؟ اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس) يعني: عند الحاجة ولحاجة التحذير. وينبغي إذا أتيت لتحذر أن يفهم من كلامك وأسلوبك أنك تقصد فقط التحذير من هذا الشيء المعين دون زيادة، فإن السلف ﵏ والعلماء يحذرون في مثل هذه الأمور، فإن بعض الناس قد تبلغ به كراهيته لفعل ما فيحقد على صاحبه، ولا يفرق بين التوجيه والإرشاد وبين الحقد والغل، وقد نبه على هذا الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين وقال: إن كثيراً من الناس لا يفرقون في هذا حتى تصل العداوة إلى حقد شخصي، ولذلك قيل لـ أبي ذر لما رأى العاصي: أتبغضه؟ قال: لا، إنما أبغض عمله. هذا له حق الإسلام، وله حق في الدين لا تصل إلى أنك تشفي غلك النفسي، وتحمل عداوة الدين إلى عداوة شخصية، حتى إن البعض إذا رأى أخاه على زلةٍ قد يكره توبته -والعياذ بالله- حتى يبقى يشهر به -والعياذ بالله- فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ فليعلم أن عداوته ليست لله، وإنما هي لحظوظ النفس والعياذ بالله. فالمقصود أن توجيه الناس وإرشادهم مطلوب، وينبغي أن يكون بالأسلوب الذي يعينهم على القرب من الله لا النفرة من طاعة الله، فبعض العصاة إذا شهَّرت به أمام الناس، ثبت على معصيته، فهذا لا يشهر به؛ لأن المفسدة أعظم من المصلحة، والتشهير إنما جاز للحاجة، وبعض الناس إذا شهرت به ارتدع، وإذا بينت لجماعته وقرابته أنه على خطأ، زجروه وأخذوا على يده وقمعوه، فمثل هذا لا تشهر به إلا بعد أن تنصحه وتحذره، وتقول له: إذا لم تستقم فسأخبر عنك إخوانك حتى يزجروك. هذه كلها حقوق للمسلم، فإن للمسلم حقاً على أخيه، وينبغي أن يهيئ للناس، ويعينهم على طاعة الله وقبول النصح والتوجيه والله تعالى أعلم.

стр. 565

وقفات للمحاسبة
следующие страницы →