← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

حكم العرضات الشعبية السؤال هل العرضات الشعبية محرمة أم لا؟ الجواب العرضات: التي هي الرقص بالسلاح، ثبت في السنة عن النبي ﷺ أنه دخل والحبشة يلعبون بالسلاح في المسجد، فأراد عمر أن يحصبهم، فقال ﵊: (دعهم، فإنه يوم عيدنا) ووقفت عائشة ﵂ تنظر إليهم فأقرها على ذلك. فيشرع في يوم العيد اللعب بالسلاح دون اشتمال ذلك اللعب على منكرٍ لما في اللعب بالسلاح من إحياء الحمية ولما يحيي في النفوس من معاني الرجولة والفحولة ونحو ذلك، إذا لم يشتمل على محرمٍ من المعازف والغناء ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه عند حصول الموجب. أما بالنسبة لغير ذلك من التوسع فيه دون وجود حاجة، كأن يلعب بالسلاح في أي وقت، فهذا للأفراد قد يشرع أن يلعب الإنسان بسلاحه، ولكنه خلاف الأولى، وهو مكروه، ويشرع بمعنى يجوز، ولكن درجته هي الكراهة لما فيه من إضاعة الوقت، وقد رخص النبي ﷺ في لعب الرجل بسلاحه. أما بالنسبة إذا اشتمل على محظور من الطبل والزمر فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يأتي في آخر الزمان أقوامٌ يستحلون الحر -يعني: الزنا والعياذ بالله- والحرير والمعازف والقيان، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين) فهذه من المحرمات التي لا يجوز فعلها، والله تعالى أعلم.

стр. 562

حكم الإكثار من استخدام لفظة الطلاق السؤال في هذه المنطقة أجد تساهلاً عظيماً في استخدام لفظة الطلاق، فأرجو أن تبين لنا خطورة الاستهانة بهذه الكلمة؟ الجواب الطلاق هي كلمة الفراق التي تفرق الجماعات وتقطع الأرحام، وتوجب الوقوع في كثير من الآثام، الطلاق كلمة تدمر البيوت وتفرق بين الأم وولدها وبين الزوجة وزوجها، كلمة يسيرة ولكنها جليلة خطيرة، والإكثار من هذه الكلمة أمرٌ خطيرٌ ومنكرٌ عظيمٌ، حتى قال بعض العلماء: من أكثر من الطلاق لم يأمن أن يعيش هو وامرأته على الزنا والعياذ بالله. امرأته طالق إن لم تقم امرأته طالق إن لم تقعد امرأته طالق أن تتغدى اليوم عندي أن تتعشى عندي فتطلق المرة الأولى في أول النهار، وتطلق المرة الثانية في وسط النهار، وتطلق المرة الثالثة في آخر النهار، ثم يبيت معها على فراش زنا والعياذ بالله! من يكثر من الطلاق لا يأمن أن يعيش مع امرأته بالزنا شعر أو لم يشعر، فهذه كلمة خطيرة، ولذلك لا ينبغي ذكر هذه الكلمة عند كل قليل وكثير وجليل وحقير، وقد جاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵄ وقال: [يا إمام! إني طلقت امرأتي مائة تطليقة، فقال: ثلاث حرمت عليك، وسبع وتسعون اتخذت بها كتاب الله هزواً]. وجاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: [يا أبا عبد الرحمن! طلقت امرأتي الطلقة الثالثة؟ قال: حرمت عليك. قال: يا أبا عبد الرحمن لا تفعل يرحمك الله -يعني: لا تطلق عليَّ امرأتي- فقال ابن عمر: أنا أفعل؟ أنت الذي فعلت، إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وأنت لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجاً]. فالذي يكثر من لفظ الطلاق لم يتق الله، وحريٌ به أن يضيق على نفسه حتى يعيش هو وزوجه -والعياذ بالله- على الزنا، فليتق الإنسان ربه، فالزوجة وبيت الزوجية أرفع من أن يطلق على شربة ماء، بيت الزوجية كيان مسلم وبيتٌ مسلم أرفع من أن يهدر ويهدم بكلمة تخرج من إنسان متهور. ثم تجد الأعذار التافهة: أنا عصبي أنا لا أملك نفسي سبحان الله! أضاقت عليك عصبيتك فما وجدت أن تنفس غضبك إلا على زوجتك، على امرأة ضعيفة؟! أضاقت عليك الدنيا حينما أصابك الهم والغم والغضب -فآذاك عدوك- أن تنفذ تلك الكلمة فتدمر حياة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر؟! ويكون الإنسان فيه على أخطر ما يكون من ضياع بيته وضياع زوجه وأهله، بل يكون الإنسان لئيماً ضيع حق الناس عليه؛ لأن الذي زوجك أكرمك واختارك لعرضه وأخته وبنته، فكانت العاقبة أن يأتي يوم من الأيام تأتيه تجر ثوبها مطلقةً منك؛ بسبب تافه من أسباب الدنيا؟ فاتق الله ، وإذا سمعت الرجل يقول: طلاقٌ، حرامٌ. فقل له: اتق الله، وخف الله رب العالمين. إذا سمعت رجلاً يطلق وسكتَّ عليه، فإن هذا منكر ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] فمن منكرات الأقوال، الاسترسال في الطلاق، وعدم المبالاة به. وينبغي التناصح والتذكير بالله ، وفي كبار السن المسئولية عليهم أعظم فهم قدوة؛ إذا رأى أحداً يطلق يقول له: يا فلان: اتق الله وخف الله، ولا يستهزئ الإنسان بهذه الكلمة. إن بعض الشباب حديثي السن يطلق وهو ليس عنده زوجه، يقول: عليَّ الطلاق، عليَّ الطلاق، يستهين بهذه الكلمة حتى يبتليه الله ، فإذا تزوج استمرأ لسانه الطلاق فيطلق امرأته بحيث لا يشعر! ولذلك ينبغي التناصح في هذا الأمر، وتوجيه الناس، والحرص على حفظ النفس عن حدود الله ومحارمه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الورع فيما نقول ونفعل، والله تعالى أعلم.

стр. 563

نصيحة للنساء بشأن الغيبة والنميمة السؤال تكثر في مجالس النساء الغيبة والنميمة ونقل الكلام، وبعضها في جهاز الهاتف، فهل من كلمة توجيهية للنساء في ذلك؟ الجواب ينبغي على المرأة أن تتقي الله في عورة أختها المسلمة، وإذا أرادت أن تحدث أختها ينبغي عليها أن يكون قولها سديداً، وأن تتقي الله فيما تقوله من العورات والخطيئات، ولذلك قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] قال: خص الله النساء؛ لأن اللمز بينهن أكثر من الرجال، فيكثر بينهن اللمز والكلام، فلانة جميلة، وفلانة قبيحة، وفلانة فيها كذا وفلانة تفعل كذا، وكل ذلك ذنوب تسطر على المرأة التي تتكلم بذلك. فينبغي للمرأة أن تتقي الله فيما تقوله، وأن تحفظ حق أختها المسلمة، فكما أنها تكره أن يقال فيها ذلك، فينبغي عليها أن تكره لأختها ما تكرهه لنفسها وأن تشتغل بعيبها عن عيوب الناس، والله تعالى أعلم.

стр. 564

حكم غيبة صاحب المعاصي السؤال هل يجوز غيبة الذي لا يصلي، أو الذي لا يحافظ على الصلاة؟ وجزاك الله خيراً. الجواب بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فتسأل أخي في الله! عن عبد لا يصلي أو لا يحافظ على الصلاة، هل تجوز غيبته؟ الجواب فيه تفصيل: فإن ترتبت مصلحة شرعية على غيبته جازت الغيبة بحدود وبقدر، مثال ذلك: أن تعلم أنه لا يصلي، فتذهب وتنصحه، فلا يصلي. وتعلم أن له أباً، أو أخاً يستطيع نصحه وتقويمه وإرشاده، فتذهب إلى أبيه وتقول له: إن ابنك لا يصلي، أو إلى أخيه وتقول: إن أخاك لا يصلي، فهذا جائز ولا حرج فيه، ولكن لا يجوز لك أن تزيد عن الحاجة، فإذا كان لا يصلي فلا تأت فتقول: إن أخاك لا خير فيه وهو ساقط وكذا، بدليل أنه لا يصلي، بل تقتصر فقط على ذنبه، وتقول: إن أخاك لا يصلي، إن ابنك لا يصلي، فما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها. أما الحالة الثانية: أن يكون المقصود من السؤال غيبة من لا يصلي بغير مصلحة شرعية، ومثال ذلك: أن تجلس في المجلس، وتقول: يا جماعة! فلان لا يصلي. وليس هناك مصلحة إلا أن تؤذي هذا الرجل بقولك فيه أنه لا يصلي، فهذا لا مصلحة فيه، إلا إذا كان تشهيره بين الناس يردعه ويزجره فيجوز، ويدل على ذلك حديث معاوية بن الحيدة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (ألا ترعوون؟ ألا ترعوون؟ اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس) يعني: عند الحاجة ولحاجة التحذير. وينبغي إذا أتيت لتحذر أن يفهم من كلامك وأسلوبك أنك تقصد فقط التحذير من هذا الشيء المعين دون زيادة، فإن السلف ﵏ والعلماء يحذرون في مثل هذه الأمور، فإن بعض الناس قد تبلغ به كراهيته لفعل ما فيحقد على صاحبه، ولا يفرق بين التوجيه والإرشاد وبين الحقد والغل، وقد نبه على هذا الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين وقال: إن كثيراً من الناس لا يفرقون في هذا حتى تصل العداوة إلى حقد شخصي، ولذلك قيل لـ أبي ذر لما رأى العاصي: أتبغضه؟ قال: لا، إنما أبغض عمله. هذا له حق الإسلام، وله حق في الدين لا تصل إلى أنك تشفي غلك النفسي، وتحمل عداوة الدين إلى عداوة شخصية، حتى إن البعض إذا رأى أخاه على زلةٍ قد يكره توبته -والعياذ بالله- حتى يبقى يشهر به -والعياذ بالله- فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ فليعلم أن عداوته ليست لله، وإنما هي لحظوظ النفس والعياذ بالله. فالمقصود أن توجيه الناس وإرشادهم مطلوب، وينبغي أن يكون بالأسلوب الذي يعينهم على القرب من الله لا النفرة من طاعة الله، فبعض العصاة إذا شهَّرت به أمام الناس، ثبت على معصيته، فهذا لا يشهر به؛ لأن المفسدة أعظم من المصلحة، والتشهير إنما جاز للحاجة، وبعض الناس إذا شهرت به ارتدع، وإذا بينت لجماعته وقرابته أنه على خطأ، زجروه وأخذوا على يده وقمعوه، فمثل هذا لا تشهر به إلا بعد أن تنصحه وتحذره، وتقول له: إذا لم تستقم فسأخبر عنك إخوانك حتى يزجروك. هذه كلها حقوق للمسلم، فإن للمسلم حقاً على أخيه، وينبغي أن يهيئ للناس، ويعينهم على طاعة الله وقبول النصح والتوجيه والله تعالى أعلم.

стр. 565

وقفات للمحاسبة

стр. 566

توجيهات ونصائح للدعاة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. وبعد: فهذه مجموعة من الأسئلة تقدم لفضيلة الشيخ محمد الشنقيطي، تختص ببعض المسائل التي تهم الدعوة والدعاة، نسأل الله أن ينفعنا بكلماته وتوجيهه، وما يعطيه لشباب الدعوة وشباب الصحوة من نصائح، نسأل الله أن يعم بها النفع. السؤال الصحوة الإسلامية بحاجة ماسة إلى الترشيد والنقد، وإلى معالجة العيوب وتصحيح المسار، وتشتكي الصحوة الإسلامية اليوم داءً عضالاً، يعاني منه كثيرٌ ممن ينتسب إلى الدعوة إلى الله، فضلاً عن الصالحين وطلبة العلم، وهذا الداء هو: عدم الإحساس بالمسئولية تجاه الدعوة، وعدم تحملها والقيام بأعبائها وواجباتها، فتجد لدى كثير من الدعاة طاقة طيبة، وأعطاهم الله من المواهب ما قد حُرم منه الكثيرون، وبالرغم من ذلك تجد مساهمتهم في الدعوة إلى الله لا تكاد تذكر مع أنهم يسمعون ويعلمون عن واجبهم تجاه هذه الدعوة، ومع أن الواقع حولهم مهيأ لاستماع كلمتهم ولمشاركتهم الفعالة، وكما أننا ننظر إلى الصحوة الإسلامية اليوم بشكل عام فنجد أن حجم هذه الصحوة وهذه الجموع الغفيرة من شباب الإسلام لا يتناسب أبداً مع الواقع السيئ للأمة والمنكرات المتفشية فيها، فإننا كذلك بنظرتنا إلى الدعاة الأفراد نجد أنهم كذلك ينقصهم القيام بواجبهم، وأن ما يؤدونه على الساحة لا يتناسب أبداً مع ما أعطاهم الله من العلم وكثير من القضايا التي يحتاج إليها الدعاة، فما هي توجيهاتكم لشباب الصحوة وللدعاة في هذه القضية؟ الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة عباد الله المؤمنين، وعلى آله الطيبين، وصحابته الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فالحمد لله الذي جمعنا بكم في هذه الليلة المباركة، وأسأل الله أن يجزي الذين تسببوا في هذا اللقاء كل خير، وأن يجعل ذلك في ميزانهم، ثم أقول: إن هذا السؤال مهم جداً، ويحتاج إلى التفصيل فيه الدعاة بصفة خاصة، ويحتاجه كل من له علاقة بدين الله على وجه العموم؛ فالاهتمام بأمور الدين، والدعوة إلى رب العالمين أمر واجب على كل منا، فعلى كل مسلم أن يهتم بهذه الأمانة؛ لأن هذا الدين منوط بكل منا، ولا يمكن لهذه الأمة أن تصلح ولا أن تسعد ولا أن تبلغ درجة الكمال والفضل إلا بما كان عليه سلفها، وبفضل وتوفيق من الله . إذا أردت أن ترى التوفيق على كمال وصلاح أمور هذه الأمة فانظر إلى تلك الساعة التي يقوم فيها كل فرد وكل إنسان بواجبه، فالدين أمانة في عنق كل واحد منا، ورسالة الله التي أوحى بها إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل بها كتاباً مبيناً وأرسل بها رسولاً أميناً. هذه الأمانة العظيمة تنتظر منا أمرين: الأمر الأول: العمل والتطبيق. الأمر الثاني: الدعوة إلى هذا الطريق. العمل والتطبيق أمر يختص بك، فكون الإنسان يلتزم ويسير على طاعة الله ومنهج الله، فهذه رحمة من الله ﵎، لكن تأتي الثمرة الثانية وهي ثمرة الدعوة إلى طاعة الله والهداية إلى سبيل الله ، وإذا أراد الإنسان أن يعرف قدره عند الله ومكانته عنده، فلينظر إلى قدر الدين في قلبه، فإن وجد أن هذه الرسالة لها مكانة في قلبه ولها مكانة في فؤاده، وأنه يتمعر وجهه لله ويحترق من داخله إذا انتهكت حدود الله، وتُعدِّيت محارم الله فليعلم أن قلبه بخير، وأن نور الإيمان لا زال أثره في فؤاده، وأن الله تعالى يجله ويكرمه على قدر إجلال الدين، والله ما من إنسان يعظم هذا الدين ويحرص على تبليغه للأمة والدلالة عليه والهداية بكتابه وسنة نبيه ﵌ إلا وجدته موفقاً أينما كان، ومسدداً أينما كان، وملهماً الخير أينما كان. فالواجب على كل واحد منا أن يعلم هذه القضية الأساسية، وهي: أن قيمتك ومكانتك عند الله على قدر الدين، ولذلك جرب يوماً من الأيام أن تجلس فيه مع أهلك وتذكرهم بالله، وتجلس مع زوجتك فتذكرها بالله، ومع أبنائك فتعلمهم شرع الله ، ثم انظر إلى هيبة أهلك لك، والله يضع الله لك الهيبة على قدر ما وضعت للدين من هيبة، بل ويزيدك، فمن عامل الله فهو الرابح، وليس بيننا وبين الله إلا هذا الدين؛ تحقيقاً ودعوة إليه ودلالة عليه. فإذا كان كل واحد منا استشعر أن مكانته عند الله على قدر إجلاله لهذا الدين، فحينئذٍ الفوز الفوز، كل واحد منا يرشح نفسه أن يكون أسعد العباد برحمة الله بتبليغ رسالة الله، وليس المطلوب أن الشخص يجلس مثلاً في المساجد وينصح ويذكر ويفعل ما يفعله العلماء إذا لم يكن عنده حصيلة علمية كاملة تؤهله لذلك، فهذا ليس بالمطلوب؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهذا ليس بوسعه أن يتحمل هذه الأمانة التي فوق طاقته، إنما المطلوب الشيء الذي بين يديك فتبدأ أولاً بدعوة الأقرب إليك، كأهلك وأبنائك وبناتك وإخوانك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]. المرحلة الثانية: أن تتوسع قليلاً، فتبدأ بدعوة زملائك في العمل، كذلك أيضاً تحرص على جيرانك، وأي خطأ تراه فاعلم علماً مؤكداً أن الله يبتليك بهذا الخطأ الذي رأيته؛ يبتلي إيمانك، يبتليك لكي يعلم وهو علام الغيوب كيف منزلة هذا الدين عندك، الساعة التي ترى فيها المنكر أو ترى فيها أمراً يحتاج إلى نصيحة، يحتاج إلى كلمة طيبة، اعلم أن الله يختبرك فيها، هي ليست محض صدفة كما يقولون، ولم تأت هكذا عبثاً، لا، بل هي ابتلاء واختبار، يقول الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]، فالعمل لا يحسن إلا بالصدق مع الله، وأصدق عمل تصدق فيه مع الله الدعوة إلى الله . والدعوة إلى الله ﵎ تكون لكل إنسان بحسبه، ممكن أن تدعو وأنت في وظيفتك، ممكن أن تدعو وأنت في بيتك، ممكن أن تدعو وأنت في مجلس مع إخوانك وزملائك، وليس المراد أن تجلس أربعاً وعشرين ساعة في الدعوة، لا، المراد أن تعطي هذا الدين ما تستطيع، فالله لا يريد منك أن تتحمل ما لا طاقة لك عليه، وأوصيك أن تقرن مع الدعوة الجد والصدق، واعلم أن الأجر والثواب على قدر إخلاصك. نركز هنا على عدة قضايا: القضية الأولى: إجلال هذا الدين. والله لا تُجل هذا الدين إلا كان على قدر ذلك الإجلال يجلك الناس، ولذلك انظر إلى هيبة العلماء عند الناس، ومحبة الناس للعلماء، لماذا؟ هل لأحسابهم؟ لا والله، لأنسابهم؟ لا والله، لألوانهم؟ لا والله، لمالهم؟ لا والله، لجاههم؟ لا والله، وإنما لشيء واحد وهو الدين، فقد صغت قلوبهم لله، وأذعنت لله وغارت له؛ لأنهم أعرف الناس بالله، فلما عظموا الله، جعل الله لهم القبول في العباد، هذه حقيقة مدركة بالدليل النقلي والدليل الحسي المشاهد، لا تُجل ولا تكرم إلا بقدر إجلالك للدين. فإذاً إذا ثبتت هذه القضية الأولى والركيزة الأولى، وهي: أن مكانتك عند الله على قدر إجلالك للدين، فما عليك إلا أن تؤهل نفسك للدرجات، فتحاول أن تجند نفسك على قدر ما عندك، فإذا رأيت شخصاً تائهاً، فهل من الصعب أن تجلس معه خمس دقائق، وتكلمه كلمتين ربما أنت ما تلقي لها بالاً، يكتب الله لك بها رضا لا سخط بعده؟ يقول ﷺ : (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضاه إلى يوم يلقاه)، هل من الصعب عليك إذا رأيت شاباً حائراً تاركاً للصلاة أن تستوقفه خمس دقائق، فتجلس معه تقول له: هذا الطعام الذي تطعمه لمن؟ والشراب الذي تشربه لمن؟ هذه الروح التي تسري في جسدك فيتحرك بها كل شيءٍ بإذن الله لمن؟ وتقول له: أما تستحي من الله، وأنت ترفل في نعمه ولا تجيب داعي الله في بيت من بيوت الله؟ ثم كلمة بعد كلمة علَّ الله أن يهديه، فوالله ما ركع ركعة بين يدي الله إلا كان لك مثل أجره، ولا سجد سجدة بين يدي الله إلا كان لك مثل أجره، ولا دمعت عينه من خشية الله إلا كان لك مثل أجره، نعمة وفوز وفضل من الله . القضية الثانية: إذا ثبت أنه ينبغي للإنسان أن يجلَّ دين الله وشرعه، فمن إجلالك لدين الله وشرعه: أن نحب لكل إنسان ما نحب لأنفسنا، وأن نسعى أن يكون هذا الدين وهذه الرسالة عند كل أحد، وأن يظفر بها كل أحد، كل ذلك طمعاً في رحمة الله، والتماساً لرضوان الله، وقد أشار النبي ﵌ إلى ذلك بأسلوب التشويق، فقال صلوات الله وسلامه عليه حينما بعث علياً ﵁ وأرضاه، فقال له: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فهذا يدل على أنه ينبغي بعد إجلال الدين: الانطلاقة للدعوة إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩]، لاحظوا يا إخوان مجلس واحد فقط، سمعوا آيات من رسول الله ﵌ تلاها ذلك اللسان الصادق (فلمّا حضروه قالوا: أنصتوا)، هذه مرحلة الإجلال للدين، حتى في مجلس العلم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، (ولوا): انظر حتى أسلوب القرآن، يقال: ولَّى هارباً، يعني: فزع مباشرة، هذا دليل كمال التأثر بالقرآن، فكل من أجلَّ دين الله لا ينتظر، بل مباشرة ينطلق داعية إلى الله، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠]، إذا كان الإنسان تعلق بهذا الدين وعظم هذا الدين ما يتحمّل، ويتمنى هداية الأمة كلها فليس

стр. 567

أساليب كسب القلوب السؤال أثابك الله يا شيخ ونفع بعلمك، أما هذا السؤال فضيلة الشيخ، فهو من القضايا الأساسية في الدعوة إلى الله ، وهي العلم الصحيح وسلامة المنهج، ولكن هناك قضية يغفل عنها كثير من الدعاة، وقد لا يهتدي إليها إلا القليل، ولا يملك مفتاحها ولا يعرف أسرارها إلا الأقل، ألا وهي قضية كسب قلوب الناس ومحبتهم، فما السبيل إلى ذلك؟ الجواب لا شك أن ما تضمنه السؤال من الحرص على قضية العلم، هي قضية أساسية، فالعلم نور، ومن جعل الله له هذا النور فقد أبصر السبيل، وكان الله له دليلاً ونعم الدليل، ولذلك العلم مفتاح كل خير ومنبع كل فضل، وللإمام ابن القيم كلام ما معناه: إن الإنسان يبصر بنورين: نور من داخله، ونور من خارجه، أما النور الداخلي فالبصر، وأما النور الخارجي فالشمس والشعلة المضاءة، فلو انطفأ أحد النورين لم يغن الآخر عنه، ولذلك -مثلاً- لو عمي الإنسان لا تنفعه الشمس، ولو وجد نور العين والشمس غير موجودة والمكان مظلم أتنفع العين؟ لا تنفع، إذاً لا بد من نورين: نور داخلي ونور خارجي، ولذلك يقولون في قوله تعالى: ((نُورٌ عَلَى نُورٍ)) [النور:٣٥]، نور العقل الذي جعل الله به معرفة الخير من الشر، ونور الإيمان والعلم، فقال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، جعلنا الله وإياكم ممن هداه. فلا بد من أمرين، العالم لا شك أنه على نور من الله، ولذلك يقول بعض العلماء، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات﴾ [الأنعام:١٢٢]، قال بعض العلماء في هذه الآية: هذا مثل للعالم والجاهل، (أومن كان ميتاً فأحييناه) أحييناه بماذا؟ بالعلم (وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس) سبحان الله العظيم! إذا كان الناس في مكان مظلم، وجاء شخص معه نور، فكل الناس ستتبع هذا الذي معه نور، لا يمكن لأحد أن يتركه، إلا إنساناً ليس عنده عقل. قضية كسب القلوب، هي سر الصنعة كما يقولون، هذه أمور بيد علام الغيوب، القلوب مفاتيحها بيد الله ، فكسبها يحتاج إلى أمور: أولها: الإخلاص؛ فالمخلص هو الذي يفتح الله له القلوب، ولذلك رب كلمة صادقة من إنسان مخلص تدخل إلى سويداء القلوب، ويحيي الله بها قلوباً طالما ماتت، ورب كلام كثير غير يسير لا يجد الإنسان له أثراً، ولا يجد له تفاعلاً مع نفسه، وكما قال بعض السلف عن سبب تأثيره في غيره، قال: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجَرة، فالنائحة الثكلى هي التي أصيبت، أما النائحة المستأجرة فتصيح بدون صدق، تصيح من أجل الدراهم، لكن الثكلى تصيح من أجل ولدها، لذا تصيح من قلبها، فكأنه يقول: إن الكلمة لما تخرج من القلب تقع في القلب، وهذا من عدل الله ، الله عدل، ووصف نفسه بالعدل المطلق الذي هو غاية العدل، لا يمكن أن يسوي بين إنسان يرائي ويسمع، وإنسان يريد وجهه. فبينهما كما بين السماء والأرض. ولذلك أول شيء تريد أن تكسب به القلوب في الدعوة إلى الله يا طالب العلم! يا داعياً إلى الله! أو أنت في أي مكان كنت، ولو كان الإنسان عامياً يريد أن يكسب القلوب، فأول شيء ينصح به الإخلاص. الأمر الثاني مما يعين على كسب القلوب: التزام الشرع أو الدين؛ لأن الله كتب المحبة لأوليائه، ما من إنسان يلتزم كتاب الله إلا قذف الله في قلوب عباده حبه، أياً كان هذا الرجل، قال تعالى مصداقاً لذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] (وُدًّا): يعني: محبة في الصدور، قال بعض العلماء: العمل الصالح سبب لمحبة العبد. إذاً الأمر الثاني بعد الإخلاص: قضية الالتزام بالشرع، ولذلك الداعية الذي يلتزم بما يقول ويعمل بما يقول يتأثر به الناس أكثر من الداعية الذي يقول ما لا يفعل. الأمر الثالث مما يعين على كسب القلوب: التأسي بالنبي ﵌؛ لأن النبي ﵌ كان من أحب العباد إلى العباد، وكانت القلوب تحبه قبل أن ينطق بمنطقه صلوات الله وسلامه عليه، فقد قذف الله المحبة فيه؛ بمنطقه ومخبره ومنظره قبل مخبره صلوات الله وسلامه عليه، فعندما تلتزم سيرته سيكون لك الأثر، لماذا قذف الله في قلوب العباد حبه؟ بسبب آدابه وأخلاقه، فطالب العلم أو الداعية أو العامي، أي إنسان إذا التزم بآداب النبي ﵌ -سبحان الله! - الزوجة تكرمه والابن يكرمه، فهو عندما يطبق السنة، ويحاول أن يترسم هدي النبي ﵌ في أموره العامة والخاصة، حتى في شئون الطعام والأكل والشرب والمنام، ويحتسب عند الله التأسي بالنبي ﵌، وبعد فترة يجد المحبة ويحس بها دون أن يخسر شيئاً، فتتجه القلوب إلى محبته؛ لأن الله يحب السنة؛ لأنها هي الحكمة التي أوحاها إلى نبيه، ويحب أهلها، وإذا أحبك الله وضع لك المحبة في قلوب عباده. الأمر الرابع الذي يعين على محبة الناس وكسب قلوبهم: المحافظة على مشاعرهم في حدود الشرع، لا يكون الإنسان فظاً غليظاً، وهذا أشار إليه الله تعالى حينما قال لنبيه ﵌: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] إذاً لا بد أن يكون الإنسان حليماً رحيماً، المرأة التي جاءت النبي ﵌ وشرب من مزادتها، وتفجر الماء بين أصابعه، ما قال لها: أنت مشركة، أنت ضالة، أنت كذا، وإنما أحسن إليها وأرسلها، فلما ذهبت إلى قومها قالت: جئتكم من عند أسحر الخلق، إما أنه نبي أو ساحر. عيينة بن حصن الفزاري جاء إلى النبي ﵌، ما قال له أنت مشرك ضال بعيد عن الله -جابهه مباشرة- وإنما أعطاه وادياً من النعم، فلما سرى به إلى أهله قال: يا قوم! أسلموا، فوالذي يحلف به عيينة لقد جئتكم من عند رجل لا يخشى الفقر. ملك القلوب بالإحسان، والآداب والأخلاق، والإنسان عندما يكون مثلاً بين العوام، أو يريد أن يهدي أناساً ضالين، فلا يفكر أنه ركب على أكتافهم، أو أن بيده مفاتيح الجنة والنار، يدخل من شاء ويخرج من شاء، لا. فالأمر يحتاج إلى تقريب القلوب إلى الله ، ويحتاج إلى حكمة في ذلك التقريب، فإذا وفق الله الإنسان لذلك كسب القلوب، وإذا بها بعد فترة تحبه شاء أم أبى، الناس تخسر الملايين من أجل أن يحبوا وأن يكرموا، فالتجار وأهل السمعة والفنانون وغيرهم يخسرون الملايين من أجل أن يحبوا، ولكن طالب العلم لا يخسر شيئاً، فقط يصلح ما بينه وبين الله فيجعل الله له القبول في الأرض، مجرد أن ترى الشخص من عباد الله الأخيار الملتزمين بالكتاب والسنة، تحبه بسبب ماذا؟ الدين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] هذه من المعزة التي كتبها الله لخاصة عباده -جعلنا الله وإياكم منهم-، وعندما تذكر الناس أول شيء ذكرهم بقلب صادق، مثلاً إذا جلس إنسان مع ولده ووالده وأهله وقرابته يريد أن يذكرهم بالله، يقول بعض العلماء: انظر إلى نفسك إن كان رأى الإنسان أخاه أو أخته على معصية، فجاء من باب الغيرة، يعني كيف الأخت تفعل كذا، كيف الأخ يفعل كذا، كيف ابني يفعل كذا، أصبحت ما هي لله، بل أصبحت غيرة للناس، إذا كنت تريد أن تكسب قلبه للدعوة، فلابد أن تكون لله، وتنظر إلى بعده عن طاعة الله وبعده عن سبيل الله وتنطلق من هذا المنطلق. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن كتب الله له حبه ومتعه بحبه وحب خلقه. والله تعالى أعلم.

стр. 568

أهمية العناية بجانب القلوب والرقائق السؤال جزاك الله خيراً، إذا تصفحنا كثيراً من كتب العلم، كتب السنة والحديث، نجد أنها ضمَّت إلى جانب أبواب الفقه والعقيدة والطهارة والسير والجهاد وما إلى ذلك، ضمَّت أيضاً باباً أو كتاباً كاملاً عن الرقائق، وقضية الرقائق والسلوك والإيمانيات أيضاً هي من القضايا التي غفل عنها كثير من الملتزمين وطلبة العلم والدعاة إلى الله ، سواء من الناحية العلمية أو من الناحية العملية، فهم من الناحية العلمية -كما سبق أن ذكرنا- لا يقرءون في هذه إلا القليل، وربما تجد الواحد منهم يعرف الكثير عن العلماء الأعلام كـ ابن تيمية ﵀، فإنهم يعرفون عن علمه ومصنفاته، وعن جهاده ودوره، ولكنهم قد لا يعرفون شيئاً عن قلبه وعن مدى الإيمان العظيم الذي يضمه بين صدره، ومن الناحية العملية تجد أيضاً أن كثيراً من الناس يفتقرون إلى كثير من القضايا التي ترقق القلوب، فلا نجد زيارة للقبور، ولا حرصاً أو تواصياً على قيام الليل، ولا على كثرة الصيام، ولا غير ذلك من هذه القضايا التي ترقق القلوب وتقوي الصلة بين العبد وبين ربه، فما هو توجيهكم في هذه القضية؟ الجواب أما جانب العناية بالقلوب ومحاولة الإنسان أن يكون قلبه ليكون قريباً من الله ، وأن يكون عنده سكينة وخشوع وانكسار، هذا أمر مهم جداً لكل طالب علم، ولكل مسلم فضلاً عن طالب علم أو عن عالم، والنبي ﵌ يقول فيما صح من حديث النعمان: (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، فالعناية بالقلب ورقته وخشوعه وانكساره أمر مطلوب، ولا ينبغي لطالب علم أن يهملها، ولذلك كان ﵊ يتحلى بالخشوع ويتحلى بالرقة، (قرأ عليه عبد الله بن مسعود سورة النساء -بطلب منه ﵊ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] فقال لي: حسبك، قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان صلوات الله وسلامه عليه)، فكان يتأثر صلوات الله وسلامه عليه، قلبه حي، يتفاعل مع القرآن. فإذا جلس طالب العلم مثلاً يتكلم عن موضوع يحتاج إلى تأثر، وأن يكون متفاعلاً معه، يتكلم عن جانب الإخلاص، فينبغي أن يكون عنده تأثر، وأن يكون قلبه في رقة، بحيث يتمعر لله ويظهر أثناء حديثه جانباً من الروحانية، أما لو جاء يقرع جانب الإخلاص بذكر السلبيات، وأن الناس يقصرون، وأنهم يراءون، وأنهم وأنهم، فما هي النتيجة، يخرج الناس ما يدرون كيف يعملون ولا ما هو الحل؟ لكن لو جاء وبيَّن فضل الله على العباد، وأن العبد ينبغي أن يستحي من الله، وأن يكون قريباً من الله، ورويداً رويداً حتى يصل إلى القضية التي يريدها، ويجمع بين المادة وبين الروح، بتهيئة النفس إلى قبول ذلك، هذا أمرٌ مهم جداً، وأصدق شاهد على قضية الترهيب والترغيب والعناية بالرقائق ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل على رسول الله ﷺ -يعني: أول ما أنزل- آيات فيها ذكر الجنة وذكر النار-يا إخوان هذا الحديث مهم جداً، وينبغي أن يتنبه له- تقول فيه أم المؤمنين: (كان في أول ما أنزل على رسول الله ﷺ آيات فيها ذكر الجنة والنار، ولو نزل لا تسرقوا، لا تشربوا الخمر، ما آمن أحد). من أين كانت البداية؟ من جانب الترقيق، لكن جانب الترقيق لا يغلو الإنسان فيه؛ مثلما غلا بعض المتصوفة وبعض أهل الضلالات، لا لا، يجب أن يكون الترقيق منضبطاً بالكتاب والسنة، وتذكر بآيات الكتاب، تذكر بأحاديث النبي ﷺ ، وسيرة النبي ﷺ معين خصب، ورياض ناضرة لا ينضب معينها، لكن تحتاج إلى ذلك الحكيم الذي يتفاعل معها أولاً، ثم ينقلها إلى الغير. فأنا أقول: لا بد لطالب العلم، وكل أحد أن يعتني بجانب الترقيق؛ لأن القلب يقسو بأمور الدنيا، والأخذ والعطاء فيها، فأعط لنفسك في اليوم ولو ساعة تقرأ فيها كتاب الله، مثلاً: الإنسان بعد العشاء ينتهي من أعماله، لماذا لا يتوضأ ويفتح كتاب الله إذا كان غير حافظ فيقوم ويركع ركعتين، ولا يعرف فيها شيئاً إلا كلام الله، ينسى الزوجة والأبناء، حتى يعطي كتاب الله حقه من التدبر. يا إخوان! كل ليلة نؤجل للتي بعدها، نقرأ القرآن بقلوب فارغة، ونقول فيما بعد إن شاء الله يأتينا الخشوع، فيما بعد فيما بعد والنهاية؟ كل يوم ونحن نتدارك الذي بعده، لا، من الليلة، خذ لك ولو نصف ساعة بعد صلاة العشاء اقرأ فيها كتاب الله -سبحان الله العظيم- وحس كأنك المخاطب، إن جاء ذكر النار تصور كأنك فيها، وإن جاء ذكر الجنة تصور كأنك في نعيمها وسرورها، ما بين خوف وبين رجاء، وكما يقول بعض السلف: هما جناحا السلامة، فاقرأ، ثم بعد ذلك قرب قلبك من هذا الكتاب الذي لو نزل على الجبال لاندكت، ولو نزل على الرواسي من خشية الله لانهدت، فقرب نفسك منه، حس كأن هذا الكتاب نزل لك من أجل أن تعمل به، وتتغافل معه فإذا فعلت ذلك فإن قلبك ينشرح، ونفسك ترتاح، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، وإذا بك -سبحان الله العظيم! - هاتان الركعتان أو هاتان الآيتان اللتان تلوتهما وتدبرتهما والله تجد حلاوتهما في يومك بأكمله، وتجد أثرهما في قلبك. وكيف كان علماء السلف، كان عالم السلف لا بد أن يختم القرآن كل ثلاثة أيام، الإمام الشافعي جاءته امرأة سألته عن حجية السنة، قال: أنظريني ثلاثة أيام، لماذا؟ لأنه يمر على هذا الكتاب كل ثلاثة أيام، يعني يختم القرآن كل ثلاثة أيام، فلما كانت الليلة الثالثة كبَّر في السحر؛ لأنه في الليلة الثالثة في الثلث الأخير، وفيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، قال: يكفي هذه الآية، فعثر على حجية السنة. فلذلك كان السلف على صلة، العالم يختم القرآن كل ثلاث ليالٍ، معنى ذلك أن أي همٍ من هموم الأمة إذا مرَّ عليه فخلال ثلاث ليالٍ يعرضه على الكتاب، ولذلك لا تجد أحداً يتكلم إلا يقول لك: قال الله، قال رسوله ﵌. فأنا أقول: جانب العناية بالرقائق والقلوب مهم جداً، لكن يكون أساسه الكتاب والسنة، وينبغي أن ينبه بعدم العناية كثيراً بالقصص، وترك الكتاب والسنة، لأن بعض الناس يعتني بجانب القصص، حتى أنك تسمع محاضرة، كلها قصص وأحداث وأخبار، وقد يتأثر بعض العامة بها أكثر من القرآن ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما ينبغي هذا، والله بعض آيات الكتاب بل كل آيات الكتاب، لو أن الإنسان أحسن تدبرها وخشوعها وتذكرها، فإن القلوب تتفتت من خشية الله ، وإن بعض المجالس نعرفها لبعض مشايخنا رحمة الله عليهم وأحسن الخاتمة لأحيائهم، والله لا زلنا نذكر آيات يسيرة ذكرونا بها ولا تزال في قلوبنا؛ لأن القرآن عجيب. فلذلك ترقيق القلوب يكون بالقرآن، وأما الخيالات والقصص والمنامات وهذه الأمور الحقيقة يفضل تركها إلا ما وافق الكتاب والسنة يذكر بقدر حتى لا يسترسل الناس فيه، ولا مانع أن يستشهد الواعظ بشيء له أصل من الكتاب والسنة. فالمقصود من هذا كله أن جانب الترقيق مهم جداً، ولذلك جرب الآن واجلس في حلقة فيها مثلاً جانب علمي؛ مادة علمية بحتة، تقوم من الحلقة هناك فائدة، لكن ماذا؟ القلب تجده قد يقسو، وقد كان ﵌ يربط الأعمال بأثرها على القلوب، فيذكر مثلاً الوضوء، قال ﵊: من توضأ توضأ وضوءاً كاملاً -كما في حديث حمران عن عثمان في الصحيحين- لما انتهى من الوضوء ماذا قال؟ قال ﵊: (من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه) تشويق، وأسلوب جمع بين المادة وبين الأثر، كذلك إذا جئت تعلم اجمع بين المادة العلمية وبين الآثار المترتبة، أما أن تكون مادة علمية بحتة، قال فلان قال علان، هذا صعب، والإنسان ضعيف، لا يحتمل كثيراً من هذا، فأقول: جانب الإيمانيات مهم جداً، مهم للداعية، مهم لطالب العلم، مهم للعامة، العامي الآن إذا ذكرته بالله أحياناً يبكي وتجده يتأثر ويهلل ويكبر من الأثر، يمكن أن يكون هذا المجلس سبباً في صلاح سنة كاملة منه بل سنوات، بسبب ماذا؟ جانب الإيمانيات، وأهم قضية قضية الإيمان، إذا صلح للإنسان معتقده وإيمانه بالله استقام، وسار على منهج ربه وأصاب دار السلام، بماذا؟ بالإيمان. نسأل الله أن يكمل إيماننا وإيمانكم، وأن يشرح صدورنا وصدوركم. والله تعالى أعلم.

стр. 569

محاسبة النفس السؤال أثابك الله يا شيخ ونفع بعلمك، محاسبة النفس لها أهميتها، والصالحون والدعاة هم أمس الناس حاجة إليها، وقد أقسم ﵎ في كتابه بالنفس اللوامة، ونسمع عن العلماء في وصف محاسبة النفس قولهم: أنه يجب على الإنسان أن يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، ولكنها لكثير من الناس تظل قضايا نظرية أكثر منها عملية في هذا الزمن المادي المليء بالفتن، فكيف السبيل إلى محاسبة للنفس حقيقية عملية؟ وكيف كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يحاسبون أنفسهم؟ الجواب الله أكبر! الله أكبر! وهذا سؤال يحتاج إلى تدبر وتأمل، ويا ليتنا نبلغ هذا المقام، الله المستعان، الله أكبر! المحاسبة مفاعلة من الحساب، ومعنى ذلك: أن الإنسان يعيش مع نفسه في كل لحظة من لحظاته، إن خيراً حمد الله واهب الخير، وإن شراً استغفر الله غافر الشر، فيعيش الإنسان مع نفسه في كل حركة وفي كل سكون، وهذه غاية في مراقبة الله ، ولذلك ما وفق الله العبد لمحاسبة النفس إلا وفقه لطريق السلامة، وإذا أردت أن ترى العبد الناجي من عقوبة الله -بإذن الله- فانظر إلى ذلك الرجل الذي لا يفتر لحظة إلا وهو يحاسب نفسه، تسره حسنته فيحمد الله، وتسوءه سيئته فيدمع من خشية الله. والله ما وفق الإنسان لشيءٍ بعد الإيمان مثل محاسبة النفس، وتأديبها بعد الحساب لها، مرحلتان: مرحلة المحاسبة ومرحلة التأديب، لا يحاسب ويسكت، بعض الناس يقول: أنا مقصر، وكذا وكذا، ادع لي ادع لي، ما ينفع!! مقصر وبعيد عن الله، لكن العمل النجاة، محاسبة النفس هي سبيل النجاة، وكما ورد في الآية أن الله تعالى أقسم بالنفس اللوامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢]، هذا إثبات للقسم، ولذلك قيل: إن (لا) زائدة أي: وأقسم بالنفس اللوامة، قال بعض العلماء: أقسم الله بها؛ لكي يدل على عظيم مكانها وجليل منزلتها، فهو الذي يهب هذه النفس. والنفس اللوامة يهيئوها الله أولاً بالإيمان، فما تأتي الملامة إلا بالإيمان، إذا قوي اعتقاد الإنسان بالله، وقوي إيمانه بالله، وعرف الله بأسمائه وصفاته هاب الله، فلما هاب الله إذا بنفسه تناديه: ما الذي فعلته؟ من الذي عصيته؟ فتأتي ثمرة الإيمان؛ وهي محاسبة النفس. ومحاسبة النفس تكون بالجليل والحقير، والصغير والكبير، تكون للإنسان وهو خالٍ فريد، فيجلس فيقول: يوم كامل -أربعة وعشرون ساعة- فيم قضيته؟ وما الذي كان عليَّ من نعم الله فيها؟ فيعقد موازنة بين أمرين: بين نعم الله عليه وإحسانه عليه، وإساءته في جنب الله، وفي طرفة عين تأتي الآثار المترتبة، دمعة من خشية الله، أو عبرة في جنب الله، هذا بسبب ماذا؟ بسبب المحاسبة الصادقة، ولذلك ورد في أثر عمر أنه قال مخاطباً الناس: (أيها الناس! زنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتهيئوا للعرض الأكبر، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]). ومحاسبة النفس نعمة من الله ، يحاسب الإنسان نفسه خالياً فريداً على ما ضيع من حقوق الله وحقوق العباد، ويحاسب نفسه وهو بين أهله، ويحاسب نفسه وهو بين أصدقائه، ويحاسب نفسه في كل حركاته وسكناته وهذا أكمل ما تكون عليه المحاسبة، يحاسب نفسه في جوارحه؛ في اللسان، كان بعض السلف يعد الكلمات التي يتكلم فيها من الجمعة إلى الجمعة، كما روى ذلك أبو نعيم في الحلية. أُثر عن ابن دقيق العيد رحمة الله عليه، الإمام الجليل صاحب الإحكام، أنه قضى في قضية، فلما انتهى من القضية اتهمه أحد الخصمين بأنه جار في حكمه، وأنه لم يحسن القضاء، فقال له: أتتهمني؟! والله الذي لا إله إلا هو ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله . فكان السلف ﵏ يراقبون الله في أقوالهم، يراقبون الله في أسماعهم وأبصارهم وفي قلوبهم، محاسبة النفس تكون في القلوب، فلا يدخل في قلبه غل على مسلم، ويكون قلبه صافياً نقياً يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، يحاسب نفسه في سمعه، ويخشى أنه في يوم من الأيام ينظر الله إليه وقد أصغى إلى حرام، بمجرد إحساسه بالحرام إذا به ينفر عنه، فالحقيقة إذا أراد الله بالعبد خيراً هيأه لمحاسبة نفسه، وشرح صدره لها. وحال السلف رحمة الله عليهم في المحاسبة حال كمال، وأخبارهم في ذلك يطول ذكرها. بلغ بعضهم من العلم مبلغاً عظيماً، فلما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: أتبكي وقد وفقك الله لعلم وخير كثير؟! وقد كان إماماً وعالماً جليلاً من العلماء، قيل له: أتبكي وقد وفقك الله لهذا الخير الكثير؟! قال: والله الذي لا إله غيره إني لأتمنى أن أخرج من هذا العلم كفافاً لا لي ولا عليَّ. إحساس منه بالتفريط في جنب الله . وكانت المحاسبة في المال والأهل والولد، وكان الإنسان يحاسب نفسه في كل صغيرة وكبيرة، إذا جاء الأمر من أوامر الشرع امتثلوا وكانوا يخافون أن يقعوا في شيء من محارم الله، يحاسبون أنفسهم على أصغر شيء حتى في جانب الورع، كان الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه يبيع الخز -وكفى له بذلك فضلاً وشرفاً أن يتواضع وأن يأكل من كسب يده، فليس في ذلك منقصة له رحمة الله عليه- فجاءه رجل واستدان منه شيئاً، فأراد أن يأخذ المال من عنده، فذهب إلى الذي عليه الدين في وقت الظهر، وكانت الشمس شديدة، وكان معه أصحابه فقرعوا الباب، فجاء أصحابه تحت المظلة، مظلة بيت المدين هذا الذي عليه الدين، فقالوا: هلم يا إمام إلى الظل، فقال: أخشى أن تكون منفعة لي عليه، فتكون من جنس الربا، فأي محاسبة ومراقبة دقيقة هذه، الآن الإنسان قد يجلس في مكتبه، ويأخذ الأوراق الخاصة والأوراق العامة ويكتب عليها رسائل، ويكتب عليها محاضرات وندوات، وقد يكون من الشباب الطيبين، ولا يحاسب نفسه، وقد ينال من السيئات والأوزار ما الله به عليم؛ فقد يأخذ أشياءً هو مؤتمن عليها، وأشياء تتعلق بها مصالح يفعل بها ما يشاء، هذا من ضعف المحاسبة. المحاسبة: تراقب الله في كل صغيرة وكبيرة، وتعلم الحلال فتفعله، والحرام فتتركه. نسأل الله أن يحيي قلوبنا وقلوبكم لذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 570

الإحساس بعظمة الدين هو نقطة الانطلاقة في التبليغ السؤال الحقيقة الأسئلة كثيرة، والقضايا التي نريد علاجها كثيرة، الدعوة إلى الله ليست محصورة في شكل معين ولا نمط من الأنماط ولا في جهد أو نشاط لا يتغير، ولكن يظل الداعية الناجح بحاجة إلى أن يتقن فن الكلام وفن مخاطبة الناس، وإلقاء الكلمات والمواعظ، فهذا مما لا يقدر عليه كل أحد، ولا نقصد بهذا أن يتصدر طلبة العلم المجالس وأن يتصدروا الإفتاء، وغير هذا مما لا ينبغي لهم أدباً مع العلم وعرفاناً بقدر أنفسهم، ولكن كل واحد منّا يحتاج إلى أن يكلم أهل حيّه أو أن يعظ في مسجده أو أن يبلغ جيرانه، أو أن يحدث من في مجلسه بكلمة فيها خير، أو بما يفتح الله عليه لعلّ الله يهدي بكلمته وينفع، وكذلك في الحقيقة يشتكي بعض الإخوة الذين قد يقرءون في بعض الدروس وبعض الكتب ويرون أنهم يستوعبون الموضوع استيعاباً كاملاً ويفهمونه، ولكنهم إذا ما أرادوا تقديمه وإفادة الناس به وجدوا في ذلك صعوبة كبيرة، فما هو توجيهكم لعلاج هذه القضية؟ الجواب فنّ الكلام ليس فيه مشكلة، يعني: الكلام بسيط وسهل، لكن القضية ترجع إلى الكلام الصادق، الشاب الذي يعلم أن الدعوة إلى الله أمانة ومسئولية، سيقوم والله لو كان أمام الأمة كلها، لكن البلاء جاءنا من ضعف الإيمان، يقول الشاب: أنا لماذا أقف؟ قد أخطئ في النحو أو في الصرف فيضحك عليَّ الناس، أصبحت القضية قضية شخصية، -سبحان الله! - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] يا إخواننا! الأمر كله في القلب، فإذا أردت أن تهدي الأمة ستقوم، لا تقل: أنا لا أعرف كيف أتكلم وكيف أقوم في طلاب علم أعظهم، هذا نراه، يقوم عامي في المسجد يصيح والمسجد مليء بطلاب العلم، فيه من هو أحق بالكلام منه، لكن سبحان من أحيا قلب هذا العامي حتى يذكر بالله وأمات قلب غيره، القضية ترجع إلى القلب، والأمر محكه في القلب، إن جاء الداعية وجلس في المجلس وقال: والله أمتي بحاجة إلى الدعوة أنا أتكفل لكم بكلمة في المسجد، يذهب إلى البيت يدرس الموضوع يأتيه الشيطان من كل حدب وصوب جارك فلان يعرفك عندما كنت ضالاً، وجارك الثاني يضحك منك، وجارك فلان كثير الكلام في المجالس، أراك إذا قمت تتكلم سيضحك منك فلان وعلان، حتى يقتل الإيمان الذي في قلبك، ولا يزال يقل منسوب الإيمان عندك حتى يصل إلى الحضيض، فإذا وصل إلى الحضيض أسلمه الشيطان إلى الخلاصة، وهي: لا تتكلم، فيقول: سمعاً وطاعة لا أتكلم، فيأتي في المجلس يقولون له: قم تكلم، يقول: والله أنا لست بأهل، فيجعلها قضية ورع، لا، القضية قضية أن الإنسان يبذل ما عنده، يا أخي! قم وقل لهم: يا إخوة احرصوا على الصلاة، احرصوا على الزكاة، احرصوا على الخير، لا تسهروا في معصية الله يعني أمور واضحة لا تحتاج المسألة إلى كثير علم، قم فلعل الكلمة هذه تلامس قلباً يحييه الله إلى لقائه. فأنا أقول: محك القضية ليس في الكلام، محك القضية في محور الكلام، ما الذي يحرك اللسان؟ القلب. إن كنت تريد أن تقوم لله وفي الله، والله سوف تقوم، وستتكلم بكل ورع وصدق، وإن كانت القضية أن الإنسان يريد أن يقول: أنا طالب علم الآن، قد أصير أضحوكة إذا تكلمت، دعني قليلاً حتى أتعلم وأحسن العبارات الطيبة، ويشهدون بأني عالم وأني أحسن الكلام، انتبه فهذا هو الرياء بعينه -نسأل الله السلامة والعافية- يقول ﵊: (من راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به). أمور الدين يجب أن تكون لله وفي الله، تأمل أنك عندما تقول: لا إله إلا الله، كم أذن ستسمعك من الجن والإنس؟ حتى لو سمعتك أذن واحدة، أي خير سيكون لك. مرة من المرات شاء الله أني جلست مع والدي رحمة الله عليه في الحرم، أريد أن أقرأ عليه، وشاء الله بعد صلاة الفجر أن خرج كثير من الناس لا أدري لماذا، بقيت أنا والوالد في الحرم النبوي، أنا أقرأ والوالد يفسر، والله ما قطع درسه ولا امتنع من الدرس، فقلت: لا يوجد أحد!! فقال لي: اقرأ فقط، سواءً كان هناك أناس أم لا. فالإنسان الذي يعامل الله ما عليه، حتى لو كانت أذن واحدة تصغي له، كان الرسول ﷺ يخطب ولما جاءت العير انصرف الناس إلى التجارة، وتركوه قائماً صلوات الله وسلامه عليه، فما قطع خطبته، ولا قال: أين الناس؟ لأن الخطبة ليست للناس، وإنما هي لرب الناس. فأنا أقول: إذا كان الشخص يريد أن يقف في مسجد حيه، أو مع إخوانه، أو في مجلس يذكر بالله ، إن كان لله فسيتكلم، والله أشهد لله ما تقوم لله في مجلس وتنصح لله إلا وفقك الله في مجلس بعده إذا أخلصت، وما توفق في محاضرة في جلسة إلا وفقك الله لخير منها إذا صدقت، فلذلك يحتسب طالب العلم. أنا أقول: إذا كانت القضية قضية كلام، الكلام سهل، لكن المهم والمحور والأساس القلب، وأنا أقول: كل شخص يحس بقيمة هذا الدين الذي هو الأساس والمنطلق، إذا أحسست بقيمة هذا الدين بإذن الله ستنطلق. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم للقول السديد والعمل الصالح الرشيد، إنه على كل شيءٍ شهيد.

стр. 571

العلماء هم المؤهلون لفهم نصوص الشرع السؤال فضيلة الشيخ حفظه الله، إنك تقول قال الرسول الله ﷺ كذا، وقد ورد عنه كذا، فما الداعي بعد ذلك أن تقول قال مالك أو غيره؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن هذا السؤال فيه إساءة أدب مع أهل العلم ﵏، ينبغي للإنسان أن يعرف قدرهم، وأن يعرف للعالم حقه، ولا خير في إنسان لا يعرف لأهل العلم حقهم وقدرهم، قال الله في كتابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، يا هذا! قد قال الله وقال رسوله ﵌، ولكن ليس كل إنسان متأهل لفهم كلام الله، نقول: قال الله ثم نتبعه بمن هو أهل للفهم، حتى نبين مراد الله كما بين الله، ولذلك قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، ما قال كلهم؛ فلذلك لو كانت النصوص يستوي الجاهل والعالم، ويستوي فيها الناس في فهمها، وليس هناك داعٍ للإمام فلان وعلان، فحينئذٍ ما الحاجة إلى وجود العلماء، ولماذا يقول ﵌: (العلماء ورثة الأنبياء) قال ابن عباس ﵄؛ حبر الأمة وترجمان القرآن: (في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهله، وفي كتاب الله ما لا يعرفه إلا العرب بلسانهم، وفي كتاب الله ما لا يعلمه إلا العلماء). فقسَّم علم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما لا يعذر أحد بجهله: فالذي لا يعذر أحد بجهله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هل يحتاج أحد في فهم هذه الآية؟ الآية واضحة في الدلالة على وحدانية الله، لا يعذر أحد بجهلها ألبتة، فدلالتها على الوحدانية يستوي في فهمها العالم والعامي، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، هذه يستوي في فهمها الجاهل والعالم، هذا ما لا يفضل فيه أحد على أحد. القسم الثاني: ما لا يعرفه إلا العلماء، كمعرفة تقييد مطلق القرآن، وتخصيص عمومه، ومعرفة ناسخه ومنسوخه، وهذا هو الأداة التي يفسَّر بها كلام الله، ولذلك لما قام الرجل ينصح الناس في المسجد ناداه علي ﵁ فقال: (أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: ويحك! هلكت وأهلكت)؛ لأنه ربما يستدل بآية منسوخة، إذا كان لا يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه فربما يهلك بالاستدلال بنصٍ قد رفع حكمه وبقيت تلاوته، فلذلك بيّن أن في القرآن ما لا يعلمه إلا العلماء، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، ما المراد بالذي بيده عقدة النكاح؛ هل هو الزوج، أو ولي المرأة؟ ما لا يعرفه إلا أهل اللسان، ولذلك كان العالم الفحل على سعة علمه وتضلعه في فهم الكتاب تمر عليه الآية مشكلة في اللغة لا يجد حلها إلا عند أهل اللسان، قال ابن عباس ﵄: (ما كنت أعلم قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] حتى اختصم عندي رجلان من كندة؛ قال أحدهما في بئر: هي بئري أنا فطرتها، فعلمت أن معنى (فاطر): موجدها وخالقها. وكذلك في القرآن ألفاظ نزلت بلغة العرب تحتاج إلى معرفة دلالتها وتحتمل معانٍ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير:١٧] عسعس: يطلق على أول الليل ويطلق على آخر الليل، على إقبال الليل وإدبار النهار، وإقبال النهار وإدبار الليل، فما هو المراد؟ المقصود: أننا نرجع إلى العلماء لعلمنا بمنزلة العلماء، وهم ورثة الأنبياء، ولا طريق لنا بالفهم إلا طريقهم، فهم الذين أخذوا عن العلماء حتى اتصل سندهم إلى رسول الله ﵌، ولا خير في إنسانٍ أياً كان ينتقص من قيمة العلماء، فمن انتقص من قيمة العلماء فقال: لا حاجة إلى قول فلان أو علان، فهذا قد ضل السبيل، ولم يعرف لأهل العلم فضلهم، ولا يعرف الفضل إلا صاحب الفضل. نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم الأدب مع العلماء، وحفظ حقوق العلماء الأحياء منهم والأموات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله تعالى أعلم. هنا أنبه على أسلوب السؤال يا إخوان! من الأدب أن الإنسان إذا أراد أن يسأل أن يحفظ أسلوب السؤال، بدل أن يقول: ما الداعي إلى كذا وكذا، يقول: أشكل عليَّ قولك كذا وكذا، فيكون متأدباً في السؤال، وهذا أمر ينبغي أن يراعى ليس عندي فحسب، بل مع كل إنسان يسأله، كما قال العلماء: إنه ينبغي على من جلس في مجالس العلم أن يحفظ ويعلم آداب المجلس؛ لأنه لربما تحصل منه الفلتة فيخشى عليه، قال بعض العلماء: أخشى على من أساء الأدب في مجلس العلم أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قالوا: كيف ذاك؟ قالوا: لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، ويقول النبي ﵌: (العلماء ورثة الأنبياء)، وحبوط العمل في مجلس النبي ﵌ من أجل النبوة، ومن الذي ورث النبوة وحفظها غير العلماء؟! فلذلك ينبغي التأدب في السؤال، فالشخص بدلاً من أن يباشر بالنقد، أولاً ينبغي أن يكون أهلاً للنقد، فرق بين أسلوب النقد وأسلوب الاستشكال، إذا كان مثل هذا جاهل لا يفهم ولا يعرف حق العلماء يقول: أشكل عليَّ كذا وكذا، لا يقول: ما الداعي إلى كذا وكذا، يجمع بين السوءتين، حشفاً وسوء كيلة؛ سؤال عما لا خير فيه واحتقار للعلماء، وأسلوب لا ينبغي أن يلتزمه من جلس في مجالس العلماء. إني أذكر رجالاً من أهل العلم والفضل على دراية وبصيرة بنقد العلماء، كنت أجلس معهم في مجالس بعض أهل العلم رحمة الله عليهم، فيجلس مع العالم، فينسى العالم دليلاً، أو ينسى حجة، أو يلتبس عليه دليل، فيقول: يا شيخ -يريد أن يذكر العالم بالدليل- يقول: يا شيخ هناك حديث أشكل عليَّ في المسألة؛ لأنه يحتمل أن الشيخ نسي الحديث، فلما يقول له هناك حديث، سرعان ما يتذكر الشيخ ويقول: نعم جزاك الله خيراً تذكرت، ولا يستطيع أن يباشره ويقول له حديث كذا وكذا. إلى الله المشتكى، أين حالنا الآن؟ الآن بعض أهل العلم والفضل قد يقول الحديث قبل أن يقول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌؛ لأنه ربما يسبقه طالب علم ويذكر الحديث، وهذه والله يا إخوان رزية، والله إن الأدب نعمة من الله، وجمال طالب العلم الأدب، وإذا رأيت طالب العلم قد التزم الأدب -سبحان الله العظيم! - رأيت الوقار والهيئة، فلا تدري من أي شيء تعجب منه، من حسن طلبه للعلم، أم من جماله في أدب العلم؟! نسأل الله أن يجملنا وإياكم بذلك، فينبغي أن يفرق بين النقد وبين الأدب، النقد فتنة، وأضرب لكم مثالاً: لو أن شخصاً قام أمام الناس وانتقد في سؤاله، ما الذي يحصل؟ يحصل له الاحتقار والنقص من هيبته، ولكن إذا تأدب في سؤاله حصل له الإجلال والاحترام. فالله الله في مجالس العلماء ومجالس العلم، ينبغي أن نفرق بين أسلوب النقد وأسلوب السؤال والاستشكال. والله تعالى أعلم.

стр. 572

وقفة مع من وضع نفسه في زمرة العلماء السؤال جزاك الله خيراً، والشيء بالشيء يذكر، فبمناسبة حديث فضيلتكم على هذا الموضوع، عُرِض هنا سؤال يقول صاحبه: فضيلة الشيخ محمد سلمه الله، ظهرت ظاهرة في بعض طلبة العلم وهم قلة والحمد لله، يقول: تجده يرفع من قدر نفسه ويضعها في طبقة العلماء وفي منزلتهم، فتجده يقول: أرى أنا كذا، وانقلوا عني كذا، وإذا كتب يكتب ويقول: قال مقيد حروفه كذا، ويقول نجد البعض من هذا الصنف -يشكك في العلماء- فهذا فيه كذا، وهذا ينتمي إلى كذا من غير حجة من كتاب ولا سنة، ثم نجدهم يتركون الجلوس إلى العلماء والتعلم منهم، ويجلسون إلى أحدهم ومن زمرتهم يأخذون منه العلم، فما هو توجيهكم ونصيحتكم -أثابكم الله- لهؤلاء؟ وما هي نصيحتكم لغيرهم من طلبة العلم؟ الجواب أولاً: إذا كان المراد من هذا السؤال طائفة معينة أو أمة معينة، فأقول للسائل: اتق الله ، وينبغي أن لا تستغل مجالس العلماء لأي طرف من الأطراف، هذا أول شيء، لأن المراد الحق، والمراد النصيحة لله، الخالصة لوجه الله، هذا أول شيء، وكلنا ناقصون وعندنا أخطاء وكلنا عندنا تقصير، ولكن نسأل الله أن يكمل نقصنا ونقصكم. ثانياً: سوء الأدب وعدم احترام العلماء، وعدم تقدير العلماء، هذا لا شك أعظم سبب فيه: عدم الإخلاص في طلب العلم، والله لو أخلص طالب العلم لبارك الله له في علمه، ولنفعه الله ونفع به. ثالثاً: الاجتماع والقراءة والعلم ينبغي أن لا تكون إلا بين يدي أهل لذلك، والله لن تخطو خطوة إلى إنسان تعلم أنه جاهل تريد أن تكثر سواده إلا لقيت الله بوزره؛ لأنك أنت السبب، فقد غررته بنفسه. فلذلك يا إخوان! أوصيكم بأن نتق الله في العلم، وأن لا نكثر سواد كل من هب ودب، ينبغي أن نفرق بين العلماء وبين المتعلمين الذين يريدون أن يتسلقوا إلى أمر ليسوا هم له بأهل، هذا أمر مهم جداً، ولذلك قال العلماء: لو أن شخصاً جلس مع جاهل فسأله وهو يعلم أنه غير أهل، سأله مجاملة، سأله لأجل عاطفة، بينه وبينه محبة، فأفتى بغير علم كان شريكه في الإثم والعياذ بالله، الدين ليس فيه مجاملة، الدين قيم، حجة واضحة ناصعة تؤخذ من أهلها. رابعاً: قول القائل: الذي أراه، أو الذي يترجح في نظري، أو نحن نقول كذا وكذا، أو ينقل عني كذا وكذا، أقول: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، كلنا ناقصون، ووالله ثم والله لولا خوف الإثم ما جلست في هذا المجلس؛ لأن المقام أمام الناس أولاً يستلزم منك أن تكون أميناً، لا تغش الناس من نفسك، تدعي أنك بعالم وأنت ما أنت عالم، حرام عليك، هذه خيانة للمسلمين، وأذية لعباد الله المؤمنين، فكيف إذا كان معها انتقاص للعلماء، كقول البعض: فلان لا تجلس معه، وهنا أنبه على مسألة؛ نحن كنا قبل الصلاة، نتكلم على القذف، فيا إخوان! كنت أعجب إذا كان الشخص يقول للشخص: يا زانٍ والعياذ بالله أو يقول للمرأة: يا زانية، فإنه يُلعن في الدنيا والآخرة، وموعود بعذاب عظيم، كيف إذا طعن في عقيدته؟! تصوروا يا إخوان! كيف إذا قيل: فلان فيه نظر، عقيدته فيها كذا، وفلان ضال، وفلان صوفي، وفلان مبتدع، يا أخي! قل: فلان صوفي أو قل مبتدع لكن عن بينة، نحن لا نريد عدم الكلام، ما نريده التبين، أما الطعن في الناس وتفسير كلام الناس وتحميله ما لا يحتمل هذا وزر وبهتان، أنا لا أمنعك أن تقول: فلان صوفي أو مبتدع لكن بدليل، أما تأتي إلى كلامه وتفسر كلامه على حسب فهمك، وتحمل الكلام ما لا يحتمل، وتتبع عورة إنسان من المسلمين، فضلاً عن إنسان من علماء الدين، ويحك هلكت وأهلكت نفسك وأقمتها في مقام أنت في غنى عنه. ثم أخي في الله! إذا كان الشخص انتقد داعية أو عالماً -لو كان هدفنا الحق- لماذا لا يأخذ كلام العالم ويذهب به إلى من هو أعلم منه، ويقول: أنا أشكل علي هذا الكلام، أو يذهب به إلى صاحب الكلام، ويقول له: أشكل علي هذا الكلام، ما مرادك به؟ شيخ الإسلام رحمة الله عليه قارع أهل البدع وأهل الأهواء، وسبحان الله العظيم! يأتي إلى كلامهم ويقول: قال منهم فلان كذا وكذا، فإن كان مراده -انظروا إلى الإنصاف، انظروا إلى الأمانة، انظروا إلى العلم، انظروا إلى التجرد لله، إنسان يريد النصيحة- فإن كان مراده كذا وكذا فهو حق، قال الله قال رسوله ﵌، وإن كان مراده كذا وكذا فهو باطل، قال الله قال رسول الله ﵌. هذا العلم، النقيصة والثلب لا تجوز إلا عند الحاجة، والتنفير من المحاضرات، والتنفير من الندوات، والتنفير من مجالس العلماء، هذا شأن أهل البدع، وشأن أهل الأهواء والضلالات. يا أخي في الله! إذا جاءك إنسان وقال لك: لا تجلس مع فلان -وهو من أهل العلم- انظر ما الذي تستفيده من هذا الرجل وما الذي تأخذه، سبحان الله! شخص يأخذ بحجزك عن النار ويقودك إلى رحمة الحليم الغفار، ويأتيك إنسان حثالة يريد أن يجرك عن داعية إلى الله، أو مذكر بالله وينفرك عن مجالس العلماء، لا حول ولا قوة إلا بالله! نسأل الله السلامة والعافية. إذا كان لك مأخذ على عالم، قل: فلان قال كذا وكذا، وهذا هو مأخذي عليه، كن دقيقاً ورعاً، كن إنساناً يراقب الله ، هذا الذي أوصي به. فوالله ثم والله ما من إنسان يتكلم بحق أو باطل إلا سيقف بين يدي الله بذلك الحق أو الباطل، ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]، الشائعات ما تكفي، الدعايات التي تقع بين الناس ما تكفي، والله نعرف أناساً من أهل العلم والفضل والدعوة إلى الله من خيرة الأخيار اتهموا بأشياء نعلم يقيناً أنهم منها برآء، وأنهم أنصح للأمة ممن اتهم، وأنهم أصدق في عبودية الله ، ولكن هناك أناس أتباع كل زاعق وناعق. فالله الله أن تلقى الله بوزر ولي من أولياء الله، خاصة عالماً أو داعية إلى الله ، وأنا لا أقصد شخصاً بعينه، هذا كلام للعامة وللجميع؛ لأن هدفنا أن يتقي الله بعضنا مع بعض. كل الذي نريده أن تأتلف القلوب وتجتمع، كل الذي نريده أن يكون المسلم مع أخيه يشد من أزره، ويعينه على طاعة الله، ويكمل نقصه بالنصيحة الطيبة وبالموعظة الحسنة، والله أعرف طلاب علم طالما تكلموا في علماء، وطالما تكلموا في أهل الفضل، أذكر بعضهم جلست معه، كلمات يسيرة -وأعرف كثيراً منهم عندهم حسن نية ولا نزكيهم على الله- ما إن ذُكر بالله حتى ذهب في اليوم الثاني يعتذر إليهم واحداً واحداً. أذكر ذات مرة وفي عهد قريب شاباً جاء وتكلم كلمة قال: يقولون في العالم الفلاني كذا، قلت له: يا أخي! اتق الله اغتبت أولاً، ونقلت فرية، أنا أعرف هذا العالم أنه بريء من هذا الشيء، والله يا إخوان! دمعت عينه، ما استطاع من الخير الذي فيه أن يرد عليَّ، قال: ماذا أصنع؟ قلت: يا أخي! الآن تتصل عليه وتعتذر منه. نحن هذا الذي نريد، نريد شباباً دعاة ومشايخ، إذا جاءك طالب العلم يريد أن ينتقص أحداً من أهل العلم فذكره بالله، أذكر والدي رحمة الله عليه فقد كان لا يستطيع أحد أن ينتقص أحداً في مجلسه ولو كان من عامة الناس، والويل له لو انتقصه، فكيف بطلاب العلم؟!! ينبغي أن نكون على هذا السمت، وهذا فيه الخير كله. يا إخوان! الدلالة على العورات وفتح باب الإشاعات والسيئات وتتبع العورات لا خير فيه، ولذلك أنا أوصيك بوصية: جرب يوماً من الأيام تتبع عثرات أحد من الناس، وانظر إلى صلاتك في ذلك اليوم، وانظر إلى عبادتك لربك، الحق واضح ليس فيه لبس. أذكر رجلاً جاءني في خضم فتن فيها قال وقيل، قلت له: يا أخي! أسألك بالله قبل أن أجيبك، بالله عليك، كيف تقول بالأمس جلست في مجلس كذا وكان فيه كذا؟ قال: نعم، قلت: متى كان المجلس؟ قال: بعد الظهر، قلت: صليت العصر؟ قال: نعم، والمغرب والعشاء والفجر، قلت: بالله عليك، كيف كانت صلاتك؟ قال: والله ما خشعت فيها، من ألم ما سمعت، معنى ذلك ماذا؟ أن هذه فتن، والله هذا يقع؛ لأن المؤمن لا يرضى أن أحداً يتكلم في أخيه فضلاً عن عالم أو داعية لله . فالله الله يا إخوان! والله كثرت النصيحة، وكلنا سنلقى الله جميعاً؛ من رغب في الكلام ومن نهى عنه، وإني والله لكم من الناصحين، وأول من أنصح نفسي اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في إخوانكم، واتقوا الله في العلماء. ولذلك كان سفيان الثوري يقول: (إياكم إذا سمعتم بالزلة والخطيئة أن تشيعوها، فإن إشاعتها ثلمة في الإسلام). فأنت عندما تشيع بين الناس وتقول: وقع زنا، أو وقع خمر، أو وقع كذا وكذا، فهذه ثلمة، ويقول معاذ: (إنكم تسمعون عن العالم الفلتة فلا تعجلوا عليه عله أن يراجع نفسه فيرجع عنها). ولذلك الذي ضرنا الآن: أنه بمجرد ما يخطئ إنسان خطيئة واحدة تبلغ الآفاق، وإذا بلغت الآفاق وضعنا كل الحواجز لرجعة هذا الإنسان عن زلته. فلذلك الله الله يا إخوان! إذا كنا نريد الحق، فسبيل الحق واضح، فما الذي يعنيني من الكلام في زيد وعمرو، الله يقول: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣٣]، إلا في حالة. والخطأ، قل: الخطأ الفلاني لا نريده، أما زيد وعمرو وكثرة القيل والقال، أنا أنصح الجميع، ولا أريد شخصاً بعينه ولا جماعة بعينها ولا طائفة بعينها، الكلام للجميع؛ لأنه كلام الله وكلام رسوله، أنصح كل طالب علم أن يتقي الله، وليتق الله كل إنسان من عامة المسلمين فضلاً عن طلاب العلم، ونسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجيرنا وإياكم من ذلك. أذكر قصة أختم بها هذه النصيحة: رجل أعرفه من أهل العلم والفضل يقول: جلست مع أحد العلماء، فذكر لي أن شخصاً في مجلسه نال من قاضٍ من القضاة واتهمه بالرشوة في القضاء، فلما انتهى قال له ذلك العالم الموفق: والله إني لأعلم الشيخ الذي تكلمت فيه، وأنه أبرأ مما تقول إن شاء الله، ولكن لا آمن والله عليك سوء الخاتمة، فيقسم لي بالله العظيم، يقول هذا الرجل: والله رأيته بعيني في سوء خاتمته -نسأل الله السلامة- كانت من أسوأ ما تكون. فالله الله لينتبه الإنسان، فلا تحسب أن الأمور ذاهبة هكذا هدراً، فلذلك يا إخوان! أوصيكم ونفسي بتق

стр. 573

وصايا للصائمين والقائمين من أظله الشهر الكريم فقد أظلته نعمة أوجبت عليه الشكر، والناس في رمضان بين قائم وصائم ومعتكف، ولكن وصية للصائم: أن عليه بالإخلاص وضبط النفس عند الغضب، والاستفادة من الصيام في أخذ العبر، وللقائم: أن عليه حسن النية وحضور القلب عند سماع القرآن الكريم، والصبر على القيام والإمام، أما المعتكف فعليه أن يزين المسجد بالعبادة والصلاة وقراءة القرآن، وينقطع عن العباد إلى مناجاة رب العباد.

стр. 574

وصايا للصائمين الحمد لله الذي فرض على عباده الصيام، وندبهم إلى التعبد له بالسجود والركوع والقيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تبارك اسمه ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الهادي والداعي بإذن ربه إلى دار السلام صلى الله عليه وعلى آله ومن سار على نهجه واستقام. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: أيها الإخوة: حديثنا في هذه الليلة المباركة عن شهر رمضان، وما أدراك ما شهر رمضان! شهر البر والإحسان! شهرٌ أوله رحمة وإحسان، وأوسطه عفو من الله وغفران، وآخره فكاك وعتق من الجحيم والنيران، شهرٌ تمنى النبي ﷺ لقاءه، إذ قال في دعائه صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)، فقبل لقائه هو في حنين إلى لقائه، كيف وهو شهر الجهاد والصبر! شهر الطاعة والشكر! شهر الإنابة والذكر! لذلك فإن المؤمن ما ودَّعه إلا وقلبه يحترق ألماً لفراقه ووداعه، وما انصرف شهر رمضان عن عبد صالح أعطاه حقه وقدره إلا ترك انصرافه في نفسه شجناً وحنيناً وحزناً لا يعلمه إلا الله. كم دخله بعيد من الله فقربه إليه! كم دخله مسيءٌ فتاب الله عليه فيه! كم دخله محروم فأعطاه الله! شهرٌ وأي شهر! لذلك إخواني فإن المؤمنين في شوق وحنين إلى لقائه، كان الأخيار من سلف هذه الأمة الصالحة البرة المباركة يتمنون لقاء شهر رمضان، ويدعون الله ﵎ وصوله وبلوغه. ولي في هذا الشهر ثلاث وصايا، الوصية الأولى: للصائمين، الوصية الثانية: للقائمين، والوصية الثالثة: للمعتكفين.

стр. 575

تذكر نعمة الله عليك بحضور شهر رمضان أما الصائمون، فوصية من الأعماق، تتحقق بها هذه العبادة الشريفة المباركة التي جعلها الله ركناً من أركان الإسلام، إذا قدم عليك شهر رمضان فوضعت أول قدمٍ على أعتابه، فإنه حريٌ بك أن تتذكر نعمة من الله ﵎ أسداها، ومنةً إليك أولاها، هذه النعمة أن كتب لك الحياة إلى بلوغ شهر رمضان، فكم من قلوب حنّت واشتاقت للقاء رمضان انقطع بها القدر، وانقطع لها الأثر، فهي اليوم في الأعماق، وتحت التراب والثرى، كانت تتمنى لقاءه، فإذا وضعت -رحمك الله- القدم على أعتاب شهر رمضان فالهج بالثناء على الله ﵎، وقل بلسان الحال والمقال: اللهم لك الحمد أن بلغتني شهر رمضان لا أحصي ثناءً عليك جلَّ شأنك، حتى إذا تمكنت هذه النعمة من قلبك فعرفتها واعترفت لربها بها، عندها تأذَّن الله لك بالمزيد، فكانت بداية الشكر بداية لأن تصاب برحمة الله، فما شكر عبدٌ نعمة إلا بارك الله له فيها، ويتحرك قلب المؤمن بالشكر الصادق، فيخرج من لسانه الشكر بقلب موقن لمعناه، إذا تذكر الأمة المحرومة التي حال بينها وبين الصيام الألم، يتذكر إخواناً له على الأسرِّة البيضاء منعتهم الأسقام والعلل، وحالت بينهم وبين الصيام والقيام، فإذا رأيت العافية ونظرت إلى جسدك وأنت ترفل بنعمة الصحة الغالية فعندها تذكر منة الله ﵎ عليك، واحمد الله ﵎ على الوصول والبلوغ، واسأله أن يعينك على الطاعة والإنابة إليه .

стр. 576

عقد النية على صلاح القلب أما الأمر الثاني لك أيها الصائم وأنت في بداية شهر رمضان: عقد النية على صلاح القول والعمل. فما عزم عبدٌ على طاعة من الطاعات ونوى في قلبه أن يؤديها فحال بينه وبينها حائل إلا بلغه الله أجرها، فليكن من بداية الشهر نية بينك وبين الله على المسير إلى الله ﵎، والتقرب إليه جل شأنه بطاعته وذكره وشكره وإعطاء الصيام والقيام حقه، فهذا أمرٌ ينبغي على الصائم -وهو في بداية صيامه- أن يستلهمه ويتذكره، فكم من أقوام طرقوا أبواب رمضان ثم اخترمتهم المنايا قبل بلوغ آخره، فأدركهم آخره ولم يدركوه، تمنوه ولم يبلغوه، ولم يبلغوا ما تمنوه، لذلك كتبت لهم الحسنات التي كانوا يطمعون في أدائها من رب البريات.

стр. 577

اجتناب الرفث والجهل والصخب أما الأمر الثالث الذي ينبغي على الصائم أن يستلهمه: فوصية نبوية تذكر بحق هذه العبادة الجليلة تذكر القلوب الصادقة المؤمنة التي تعرف العبادة الخالصة لوجه الله ، وصية نبوية تعرفنا بحقيقة هذه العبادة الجليلة، وتذكرنا بما ينبغي أن يكون عليه الصائم في صيامه: يقول ﵊ كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم! إني صائم! إني صائم!). يذكرنا ﵊ بأن الصيام لا يقف عند الإمساك عن الشراب والطعام فحسب، بل هناك صيام بالإحجام عن الكلام الذي لا يرضي الملك العلام، فإذا جاءت بواعث الشرور وحرّكها أهلها في موقف من المواقف، وأنت قد جعت لوجه الله وظمئت لوجهه في يوم صيامك، فحرّك تلك الأشجان من نفسك غضب تريد أن تنتقم به بكلامٍ لا يرضي الله تذكر وذكَّر النفس بما أنت فيه من هذه العبادة الجليلة، وقل: إني صائم! إني صائم، فالصائم ليس خليقاً به أن يرتكب لغط الكلام أو رفثه الذي لا يرضي الله . قال بعض العلماء: ليقل إني صائم بصوت يسمعه من يخاطبه، وقيل: فليقل إني صائم في قرارة قلبه؛ حتى يكبح جماح نفسه عن أن تقول الخنا أو تسترسل مع أهل الشرور والغي والهوى، فليذكر العبد نفسه بالصيام إذا انبعثت أسباب الشرور.

стр. 578

استلهام العبر من الشهر الكريم أما الأمر الرابع للصائم الذي وفقَّه الله لبلوغ شهر رمضان، فهي: استلهام العبر من هذا الشهر المبارك. فكم في شهر رمضان من مواقف تذكر قلوب المؤمنين! وتنبهها من الغفلة وتقودها إلى رب العالمين! أول ما يتذكره الإنسان إذا جاعت أحشاؤه وظمئت أمعاؤه، هو تذكر ذلك اليوم الذي يشتد حره، ويعظم ظمؤه! وهو في يوم يسير يجد الجهد من دقائق وساعات يسيرة، بعدها يصيب البغية وما لذ من الشراب والطعام، ولكن من الذي له ساق إذا وقف في المحشر! ومن الذي يكف عنه الظمأ إذا اصطفت قدمه بين يدي الله ﵎! فما ظمئ مؤمن صائم إلا تذكَّر بالظمأ ظمأ يوم القيامة، وتذكر الظمأ الذي لو شاء الله أن لا يطعم شراباً بعده ما طعم، لذلك ففي يوم الصيام تذكير بيوم القيام. وأما العبرة الثانية للصائمين: فإن الجوع والظمأ يعود العبد على الصبر والجهاد والكفاح في طاعة رب العباد، يهيئ هذه النفس على الصبر والمصابرة والمثابرة والمرابطة في محبة الله ﵎. العبرة الثالثة: الصيام طريق للإخلاص، يغذِّي القلوب بالإخلاص لله ﵎، أليس الصائم قادراً -بإذن ربه- أن يصيب ما شاء من طعامه وشرابه؟ ولكن يعلم أن الله يسمعه ويراه، وأنه مطّلع عليه، فعندها تتحرك في النفس بواعث الإخلاص، ولذلك قال بعض العلماء في قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأن أجزي به) فإن أصدق عبادة وأخلصها هي عبادة الصيام، فقوله تعالى: (فإنه لي) أي: إنه يقع خالصاً له . العبرة الرابعة التي يجنيها عبد الله المؤمن في يوم صيامه: أن يتذكر بذلك الصيام إخواناً له في الدين والإسلام، يتذكر أحشاءً ظامئة، ويتذكر الضعفة والمساكين والبائسين والمحرومين، يذكره الصيام بمن لا يستطيع الشراب والطعام، فيبعث في النفس بواعث الخير، ويحرك فيها المسير في طريق الجود والسخاء والمنح والعطاء علَّه أن يفوز برحمة الله ورضوانه، فعندها لا يتمالك الصائم إذا سمع عن أخٍ له في الإسلام أنه أصابه الجوع والظمأ حتى تتحرك نفسه لكي يغيثه بإذن الله من جوعه وظمئه، فكم من ساق -سقى لوجه الله- سقاه الله يوم الظمأ شربة لا يظمأ بعدها أبداً! وكم من صائم تذكَّر الجائع فأطعمه لوجه الله فوقاه الله شر يوم القيامة! ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:٩ - ١١] فالصيام يحرّك الأخيار الكرام إلى الجود والسخاء إلى التضحية والفداء إلى بذل الأكف في طاعة الله ومحبته، فتسخو اليد لكي تفوز برضوان الله ﵎.

стр. 579

وصايا للقائمين أما الوصية الثانية فإلى القائمين في شهر رمضان، وصايا يضعها كل قائم يرجو رحمة الله في قيامه:

стр. 580

التأثر والبكاء أو التباكي عند سماع القرآن ومن الوصايا للقائمين: التأثر والبكاء ومحاولة البكاء أو التباكي لآيات القرآن، وليكن ذلك بإخلاص، فكم من أقوام دمعت عيونهم، وكان ذلك الدمع لا يراد به وجه الله، ولا يقصد به مرضاة الله فخابوا وخسروا، فليكن الإنسان مجاهداً في بكائه أن يخلص لوجه ربه، أن يدمع لوجه الله، فكم من عين دمعت غُسل بدمعها ذنوب رؤيت! وكم من عين سحّت بالبكاء من خشية الله حرّم الله على صاحبها النار! فهذه مواقف يسيرة ولكنها عند الله جليلة، فليجاهد العبد في قيامه.

стр. 581

إياك والملل في طاعة الله ﵎ الأمر الثالث لك أيها القائم: إياك والضجر! إياك والسآمة! إياك والملل في طاعة الله ﵎! إذا انتصبت لك القدمان واستحضرت الجنان في طاعة الملك الديان عندها لا تبالي أطال الوقت أم قصر، فكم من أناس يشكون طولاً من الأئمة ويضجرون لآيات يسيرة تتلى عليهم ويملون! وقد يغتابون والعياذ بالله، فيبوء العبد بالإثم والوزر والإصر، كم يطول قيامنا في شهوات من حياتنا ما شكونا ولا مللنا، ألما قام العبد بين يدي ربه ألما قام العبد بين يدي سيده ألما تشرف بالوقوف بين يدي الله يشكو الضجر والملل والسآمة من الوقوف بين يدي الله! من نحن الفقراء؟! من نحن الأذلاء حتى نقف بين يدي الله؟! من نحن؟! لولا أن الله تفضل علينا وتكرم فأذن لنا أن نقف بين يديه نناديه نناجيه نقرأ آياته نتفكر في عظاته ومع هذا كله نعرض عنه ونتأثر ونضجر، سبحان الله! كم من إمام أطال القيام فقرب خطواتك إلى الجنان! كم من إمام نفرت عنه لطول قراءته وعظيم الآيات التي يتلوها في قيامه يقربك إلى الجنة شعرت أو لم تشعر! وكم من إمام بحثت عنه ولهثت وراءه لقصر قيامه قد باعد بينك وبين المسير إلى الجنان! فالله الله أن تحرم النفس هذا الخير وأن تكون على نفسك بخيلاً! فمن دلائل الحرمان والعياذ بالله الضجر لآيات القرآن! كان الصحابة ﵃ إذا قام الواحد منهم في صلاته أطال قيامه، وغفل حتى عن أشياء من حوائجه التي هو بحاجة إلى قضائها، إذا دخل الصلاة نسي الدنيا وما فيها، وأقبل على الله ﵎، فطابت الأيام والليالي لما قويت الصلاة والصلة بالله ، والعكس بالعكس! فإن الله لا يعبأ بمن لا يبالي به جلَّ شأنه، ومن لم يعظم ما عظم الله ولم يجلَّ شعائر الله فالله لا يبالي به، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وأعظم شعيرة في الإسلام هي الصلاة وهي الصلة بين العبد وربه، فالله أن تضجر أو تملَّ من طاعة الله ﵎.

стр. 582

التفكر في آيات القرآن أما الأمر الثاني إليك يا قائم رمضان: أن تتفكر في آيات القرآن وأن تتأثر بهذه العظات البالغات تذكر من الذي يناديك! تذكر من هذا كلامه! تذكر هذه النداءات وما انطوت عليه من الخيرات لك في الدين والدنيا والآخرة! واستجمع الفؤاد وعش مع هذه الآيات في عظاتها! عش مع أهل الجنة في نعيمهم وسرورهم حتى تتحرك النفس إلى الجنان، وعش مع أهل النار في جحيمهم وسعيرهم فإن هذا يزكي الفؤاد حال تذكرهما، ويكسبه الرقة والخوف من رب العباد، فما تفكر عبدٌ في آيات القرآن إلا تذكر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] كن ذلك المدكر! فكم من أناس وقفوا! وكم من أناس بين يدي الله انتصبوا! تفكروا في آيات القرآن فخرجوا بعظات بالغات! وكم من آيات تفكر فيها العبد بقيت في قلبه ما شاء الله أن تبقى! تفكروا في القرآن فكم نحن عنه بعيدون! ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُور﴾ [يونس:٥٧] فاعرض القلب على مائدة القرآن، فإن كنت كما قال الله وقال رسوله ﷺ فاحمد الله ﵎، إذا وجدت هذه الآيات التي اشتملت على الواجبات قد حققتها فالهج بالثناء على الله ﵎، وإن وجدت التقصير والبعد عن هذه الآيات فحفز النفس للكمال، وذكرها التقصير في حق الكبير المتعال، القرآن ما نزل لكي يتلى فلا يتذكر التالي، ويُسمع فلا يتذكر السامع، كم من قائم سمع الآيات فكانت عليه حجة يوم يقوم العباد لرب العالمين! فالله الله أن تسمع في القرآن عظات لا تلقي لها بالاً، ولا تحسن الاستجابة لنداءاته، ولا التفكير في آياته، ولا التأثر بعظاته، والمحروم من حرم ذلك، فوالله ثم والله إن الشقاء كل الشقاء أن يحرم العبد التذكر بالقرآن، وإنه والله لمن السعادة كل السعادة أن يكون العبد متأثراً بالقرآن، كم من أقوام قاموا في رمضان فحرّكوا النفوس للتأثر بآيات القرآن! ما خرج رمضان إلا وهم خاشعون، كم من أناس أخذوا من رمضان ثمرات كان منها الخشوع في الصلوات والتأثر لآيات القرآن! أيها القائم بين يدي الله تفكر! كم تمر علينا شهور وأيام وليالٍ لا نقرأ القرآن إلا قليلاً! فهذه فرصة، هذه نعمة، هذا موقف، هذا موسم يهيئ العبد للتفكر في القرآن. عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كان النبي ﷺ أجود ما يكون إذا كان رمضان، وكان أجود ما يكون إذا لقيه جبريل، وكان يلقاه جبريل في رمضان كل ليلة فيدارسه القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة). قال بعض العلماء: التأثر بالقرآن والجلوس في حلقه والتفكر في آياته من أعظم الأسباب التي تحرك العبد إلى طاعة ربه، فإذا لقيه جبريل (كان أجود بالخير من الريح المرسلة) قال بعض العلماء: قوله (أجود بالخير) خيران: خير الحس وهو السخاء والجود، وخير المعنى وهو بذل العلم وتذكير العباد وهدايتهم وإرشادهم للخير. هذه مدرسة تذكر العباد بالإقبال على الله في قيام رمضان، لذلك ينبغي لك أيها القائم أن تتذكر بهذا القيام ما يدعوك إلى محبة الله ورحمته.

стр. 583

الإخلاص لله في القيام أول ما يوصى به من أراد قيام ليالي رمضان: الإخلاص لوجه الله في قيام شهر رمضان، قال ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) (من قام رمضان إيماناً) أي: أنه مصدق بوعد الله ووعيده، (واحتساباً) أي: رجاءً في رحمة الله ، (غفر له ما تقدم من ذنبه). إذا خرجت من الدار لكي تعمر المسجد بقيام رمضان فاخرج وليس في قلبك إلا الله فاخرج بنية ترجو بها رحمة الله ، إذا خرجت بهذه النية لم تُرفع لك قدم إلا رفعت بها درجات، ولم توضع لك قدم إلا حُطَّ عنك بها آصار وسيئات، اخرج بهذه النية الصادقة، لا رياءً ولا سمعة، ولو خيَّرت بين أن يراك الناس وبين أن لا يروك، لاخترت أنك وحيد خالٍ بقيامك لا يراك إلا الله، اخرج وأنت ترجو رحمة الله، فكم من قدم أخلصت في القيام بين يدي الملك العلام أوجب الله لها بذلك القيام دار السلام! فإن الله ﵎ يصيب عبده برحمته على قدر إخلاصه في عبادته، فليجاهد العبد نفسه في إخلاص النية لله، والمحروم من حرم الإخلاص في قيامه، فكم من أقدام انتصبت في جوف الليل تتعبد الله بالقيام، ما كان لها حظ إلا التعب والنصب، نسأل الله السلامة والعافية. فالله الله أن يُحرم العبد بسبب فتنة -يرجو بها نظرة العباد- رحمة رب العباد! فما الذي يجني العبد من النظرات؟! وما الذي يأخذه العبد من البريات؟! لا يغني أحد عن أحد من الله شيئاً، حرّك النفس للإخلاص في القيام، وقل إني أرجو رحمة الملك العلام، فإذا خرجت من دارك تذكرت بخروجك أنك في الحشر بحاجة إلى هذه الخطوات، فإذا قمت في قيامك تذكرت حاجتك إلى هذه الركعات والسجدات إذا طوي عليك قبرك، وأُقفل عليك لحدك، لذلك ينبغي للمؤمن أن يجاهد نفسه بالإخلاص في قيامه، ومن خرج من بيته مخلصاً لوجه الله في القيام أذاقه الله حلاوة القرآن، فتجد عنده الخضوع والخشوع والإنابة لله ﵎، وما خرج مخلص لله في خروجه إلا نال التوفيق في عبادته.

стр. 584

وصايا للمعتكفين أما الوصية الثالثة، فإلى المعتكفين إلى أهل الاعتكاف إلى الذين هجروا البيوت والدعة والسرور؛ لكي يأووا إلى بيوت الله إلى الذين أرادوا قضاء أفضل أيام الشهر ولياليه إليهم وصية من الأعماق ملؤها الأشواق أن يهدى العبد إلى الكريم الخلاق، وصية إلى المعتكف:

стр. 585

مراعاة تقديم الفرائض على النوافل أما الأمر الثاني: فقدم الفرض على النفل، ولا تقدم النفل على الفرض، هيئ الأسباب لمرضاة الله، فإن الله لا يطاع من حيث يعصى، فإذا تعارض الاعتكاف وبر الوالدين وحقوق الأبناء والبنات أو تعريض الزوجات إلى المحرمات فقدِّم ما أمرك الله بتقديمه، والله يبلغك بالنية الثواب، فالمعامَلُ كريم ، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: (ما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضته عليه)، فإذا كان الوالد يدعوك لبره والوالدة تدعوك لبرها، فقدم برهما على الاعتكاف، فالقرب من الوالدين أفضل من الاعتكاف ولو كان الاعتكاف في ليالي العشر. ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه جاءه رجل فقال: (يا رسول الله! إني قدمت من اليمن أبايعك على الهجرة وعلى الجهاد)، يريد أن يعيش في ظل النبي ﷺ ، ويجاهد تحت سنانه وسيفه، ومع ذلك قال له النبي ﷺ : (أحية أمك؟ قال: نعم، قال: الزم رجلها، فإن الجنة ثم -أي هناك- الزم رجلها فإن الجنة ثم!). فيا من تريد الجنان! ويا من تريد الفوز برحمة الرحمن! بر الوالدين، أحسن إليهما وعش في كنفهما، كلاماً ليناً وقولاً كريماً تفوز فيه برحمة الله، فما بال كثير من الشباب قد عزف عن هدي الصواب فخرج عاقاً لوالديه؟! فالله لا يطاع من حيث يعصى، ولذلك قد يجد كثير من الشباب حرمان التوفيق في الاعتكاف فتقسو القلوب من القرآن، وتصبح في ضنك من العيش لا يعلمه إلا الله؛ والسيئة سببٌ في ذلك، فلذلك قدم الواجب، وقدم ما أمرك الله بتقديمه، واعتبر فرض الله على غيره.

стр. 586

خذوا زينتكم عند كل مسجد استغلال الوقت بالطاعات وترك إضاعة الأوقات وأما الأمر الثالث: إذا دخلت رحمك الله إلى بيوت الله فادخلها وأعطها حقها وقدرها من العبادة والإنابة، واستغل الوقت في محبة الله، واصرفه في طاعته ومرضاته، تذكر أنك سافرت عن الأب والأم والأخ والأخت! وأنك هجرت مجالس الأقارب وفارقت الأحباب ترجو رحمة الله غريباً عن أهلك! غريباً عن إخوانك وخلانك وجيرانك، وذلك من أجل عمارة الوقت في طاعة الله، فكيف يصرف في قيل وقال؟! كيف يصرف في تلك المجالس التي تعقد في المساجد!! ضحك ولعب وسخرية واستهزاء؟! فلو جلس هؤلاء المعتكفون في بيوتهم لكان خيراً لهم؛ لما في ذلك من الإضرار بأنفسهم وبغيرهم، فكم من عابد ما قرت عينه بالعبادة لوجود أمثال هؤلاء من صياح ولغط وغير ذلك! وقد يصل الأمر إلى الخصومة والعياذ بالله، ما هذا الاعتكاف؟! أين اعتكاف السلف الصالح ﵏؟!! لقد رأيت رجالاً صالحين -وأنا في معقد الصبا- إذا دخلوا معتكفهم في حرم المدينة مشى الرجل لا يجاوز بصره موضع قدميه، وإذا جئت إليه وقد توارى بذلك الكساء قائماً يصلي، فحينها تتلذذ وأنت تسمعه يتلو القرآن ويبكي من خشية الله، وكنا صغاراً نأتي إليهم بين تلك اللحف التي قد وضعوها بمثابة القباب، تسمع الواحد منهم يقول: أستغفر الله، وهو مليء بالنشيج والبكاء، فكانت كلماتهم والله ألذَّ إلينا من كثير. أين الصادقون؟! أين المعتكفون الذين إذا جنَّ الليل تعفرت جباههم بالسجود؟! تعفرت بالقيام بين يدي الله وحسن طاعته والإنابة إليه؟! ذهبت حلاوة العبادة والاعتكاف! وضاعت الأوقات في قيل وقال! وغير ذلك من فضول الكلام، فليهتد العبد بهدي السلف الصالح. كان مسلم بن يسار رجلاً من خيار السلف الصالح، وكان رجلاً إذا قام في صلاته لم يلتفت إلى شيءٍ ألبتة. أُثر عنه ﵀ أنه قام في مسجده فصلى في الضحى، وكان الناس يتبايعون في السوق، فسقط جانب المسجد ولم يعلم به مسلم ﵀، وجاء الناس سراعاً من السوق يخافون أنه هلك تحت تلك الأنقاض فوجدوه قائماً يصلي ما شعر بسقوطه إلا بعد السلام. أين أولئك الرجال؟!! أين أهل العبادة؟!! أين أهل الخشوع والخضوع؟!! أين تلك الأقدام الصادقة في موقفها، والسواعد المنيبة لربها، والقلوب المستشعرة لعظمة القهار ؟!! فكم من أناس وقفوا تلك المواقف الكريمة في معتكفهم فأصابوا من الخير ما لا يعلمه إلا الله! الاعتكاف مدرسة تهيئ العبد للخلوة بذكر الله ، وإلا لماذا تُركت البيوت -ما تُركت البيوت التي فيها الحقوق والواجبات، وكان النبي ﷺ في معتكفه يشد مئزره، ويوقظ أهله، ويعتكف تلك العشر- ما ذلك إلا لعظيم فضل العبادة في المساجد، ولذلك قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] قال: هي العشر الأواخر من رمضان، أقسم الله في كتابه بها؛ لكي ينبه على عظيم شأنها. فلنكن صادقين في اعتكافنا، وإذا كان ولا بد -وأراد الإنسان أن يعتكف مع أناس- فليجعل له مقاماً يخلو فيه بربه. المعتكف تذكر ماضياً فرَّط فيه في جنب الله، وتذكر مستقبلاً لا يدري ما غيبته الأقدار، فدخل إلى المعتكف يبكي على ماضٍ فرط فيه في جنب الله، ومستقبل لا يدري كيف حاله ولا مصيره ومآله! ألهاه حاله عن الناس ألهاه حاله عن قيل وقال، وإضاعة العمر فيما لا يرضي الله . فهذه وصية إلى المعتكفين، ووصية لنا أجمعين، إذا دخلنا المساجد أن نعطيها حقها وقدرها. فالصيام والقيام مطية لمرضاة الملك العلام، فـ: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) لذلك أحبتي في الله، لنتهيأ لهذا الشهر، ولنعد له العدة صادقين في قبوله والإقبال عليه. اللهم رب شعبان ورمضان ورب الشهور كلها نسألك أن تبلغنا رمضان، اللهم بارك لنا فيما بقي من شعبان، اللهم بلغنا رمضان. اللهم إنا نسألك شهراً يرضيك عنا، اللهم إن كتبت لنا فيه الحياة فنسألك أن تجعلنا أحظ العباد عندك في الرحمة والمغفرة والعتق من النار، اللهم إنا نسألك الفوز بالعتق من النار. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى إن كنت تعلم أنا إليك ماضون، وإليك مسافرون مرتحلون أن تبلغنا أجر رمضان قبل بلوغه. اللهم ونسألك أن ترحمنا برحمتك الواسعة، وأن تذكرنا في تلك الظلمة وذلك الحشر العظيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك شهراً يرضيك عنا، اللهم إنا نعوذ بك أن نكون ممن رغم أنفه فدخل عليه شهر رمضان فلم يغفر له، اللهم إنا نعوذ بك أن نكون ممن رغم أنفه فدخل شهر رمضان وخرج ولم يغفر له. اللهم ارحم موتى المسلمين الذين كانوا يؤملون العيش معنا، اللهم ارحم موتى المسلمين أجمعين، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.

стр. 587

أن يكون الاعتكاف خالصاً لله أولاً: أن يخلص لله في اعتكافه ويكون كل مراده أن يخرج من ذلك المعتكف والله راضٍ عنه. إذا خرجت إلى الاعتكاف خرجت بنية خالصة لوجه الله ، ولو كان بيدك أن لا يطلع أحد ولا يعلم بأنك اعتكفت شيئاً من رمضان لفعلت، فأين الشباب؟! أين أولئك الذين يتحدثون بالاعتكاف ويتباهون به والعياذ بالله، والعجب كل العجب أن الشاب يخبرك باعتكافه من أول رمضان، ويقول: إذا جاء العشر فأنا معتكف! فأخلص لله واهتد بالسلف الصالح، وغيب ما بينك وبين الله ، فذلك أسلم لدينك وأكمل لطاعة ربك، اعتكف وأنت ترجو رحمة الله ، فإن هجران البيوت والإيواء إلى بيوت الله وعمارتها بالاعتكاف يقع عند الله بمكان، فاتق الله في اعتكافك، ولتكن مخلصاً في خروجك لوجه ربك.

стр. 588

وصية نبوية من جوامع الكلم التي أوتيها نبينا ﷺ قوله: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع ...) الحديث، فقد اشتمل هذا الحديث على ثلاث وصايا شاملة لخيري الدنيا والآخرة، أولها: التقوى، فحري بكل مسلم أن يتمسك بها ويطبقها خير تطبيق.

стр. 589

صفحات مشرقة من تاريخ أبي ذر الغفاري الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إنه كان بعباده خبيراً بصيراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني في الله! إن الله إذا أحب عبداً من عباده ألهمه فعل الخيرات وترك الفواحش والمنكرات، وحبب إلى قلبه الباقيات الصالحات، فالحمد لله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك في بيت من بيوت الله، وبعد هذه الفريضة من فرائض الله، فـ (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) ولقد وجبت محبة ربك للمتحابين فيه، وللمتجالسين فيه، وللمتزاورين فيه، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. إخواني في الله! إن الله بعث نبيه بالهدى والنور، فشرح به القلوب، وأنار به الصدور، بعثه شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، فما ترك باب خير إلا دلنا عليه، ولا سبيل هدى ولا بر ولا طاعة إلا هدانا إليه، أخذ بمجامع قلوب الناس إلى ربها، ودلهم على الله خالقها وفاطرها، فيا لها من كلمات وعظات بالغات خشعت لها قلوب الصحابة والصحابيات! يوم وقف النبي ﷺ بينهم وصدع بكلمة الله في رحابهم، ففتح الله له قلوبهم وأسماعهم؛ فخشعت تلك القلوب لربها، وأصغت إلى نبي الله ﷺ يذكرها ويعظها، وهذه كلمة من تلك الكلمات ووصية من الوصايا البالغات حفظها أبو ذر الصحابي الأغر البر، صاحب العلم والزهد جندب بن جنادة ﵁ وأرضاه، وجعل طيب الجنة مسكنه ومثواه، رضي الله عن أبي ذر -صفحات الإيمان والتضحية والصبر- يوم خرج ودان أهله وعشيرته إلى رسول الله ﷺ مهاجراً، خرج بقربة من الماء صغيرة، ولكن بقلب كبير يريد أن يضع فيه الإيمان بالله اللطيف الخبير، وجلس بين يدي النبي ﷺ فعرض عليه التوحيد والإيمان، عرض عليه الوحي والقرآن، وعرض عليه نبذ الجاهلية والأوثان، فما فارقت قدما أبي ذر ﵁ رسول الله ﷺ حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ﵁ وأرضاه يوم أسلم لربه ومولاه؛ فبرقت أسارير السرور في وجه النبي ﷺ . ﵁ وأرضاه يوم أن أرضى رسول الله وأدخل السرور على حبيب الله ﷺ ، فما إن دخل ذلك الإيمان إلى ذلك القلب حتى تغلغل في سويدائه فقال: (والله لأصدعن بكلمة الحق بين ظهرانيهم، فقال له النبي ﷺ : إني أخاف عليك أن يقتلوك) فخرج ﵁ وأرضاه مؤمناً موقناً متوكلاً، خرج لكي يقول كلمة الله، فخرج في يوم كان فيه خامس من أسلم على يدي رسول الله ﷺ ، ودخل مسجد الكعبة وقد جلست فيه قريش برجالها وأبنائها، فوقف أبو ذر ﵁ وأرضاه عليهم وصاح صيحته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فما بقي رجل إلا قام إليه وضربه؛ حتى سالت دماؤه ﵁ وأرضاه، فلما سالت دماؤه كتب أجره وعظم ثوابه، وخرج من الدنيا وله صفحة يوم ابتلي فيها في جنب الله، خرج من الدنيا وله يومٌ أوذي فيه في جنب الله وفي ذاته، فلما رأى النبي ﷺ صدقه ومحبته وإيمانه أمره أن يسير إلى قومه مسير البشير النذير فخرج هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ فأسلمت غفار عن بكرة أبيها، وجاء بها إلى النبي ﷺ تؤمن بالله وتشهد بالنبوة لرسول الله ﷺ ، فوقف في ذلك اليوم ﵊، فلما رأى إسلامها قال ﵊: (غفار غفر الله لها) وغفار هم قوم أبي ذر، بل ثمرة أبي ذر اليانعة، فرضي الله عنه وأرضاه. وما زال أبو ذر يجاهد مع رسول الله ﷺ يشهد المشاهد، يجاهد ويجالد حتى ابتلى ربك أصحاب نبيه ﷺ بالغزوات والمشاهد المباركات، فجاءت غزوة العسرة في زمان شديد الحر والقر، في شدة الصيف إلى عدو شديد كلبه، عظيم خطره، فندب النبي ﷺ رجال الإيمان إلى أهل الجاهلية والأوثان، ندبهم ﷺ إلى أهل الصليب وعبدة الأوثان، فخرج أبو ذر ﵁ وأرضاه مع نبي الهدى يجاهد العدى حتى سار المفازات، وقطع المسافات الشاسعات، لا يصيبه ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلا أُجر، حتى تعطل به بعيره عن المسير فوضع متاعه على ظهره وخرج في شدة الهاجرة والظهيرة -والمتاع على ظهره- يتصبب عرقاً فرآه الصحابة من بعيد فقالوا: فلان، لا بل فلان، فقال ﷺ : (كن أبا ذر رحمك الله يا أبا ذر تعيش وحيداً، وتموت فريداً) فعاش ﵁ وأرضاه عيشة الإيمان والإحسان.

стр. 590

وصية الرسول ﷺ لأبي ذر في هذا اللقاء نقف أمام وصية من الوصايا سمعتها أذنا أبا ذر ووعاها قلبه، ونجلس اليوم نعطر مجالسنا بذكرها، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعظم أجره وثوابه عليها، اللهم اجعل قبره في هذه الساعة أنواراً، اللهم عظم أجره، اللهم نور قبره يا ذا الجلال والإكرام! وصية من رسول الله ﷺ إليك يا من تؤمن بالله، ويا من تؤمنين بالله، إليك يا من ترجو لقاء الله وتخافه وتتقيه، وتعلم علم اليقين أنك موقوف بين يديه، هذه الوصية ثلاث كلمات، كلمتان عظيمتان كريمتان بينك وبين الله ﷻ ، اثنان بينك وبين الرحمن، وثالثة بينك وبين الناس، من حفظ هذه الوصايا الثلاث حفظه الله ﷻ .

стр. 591

الوصية الثالثة: حسن الخلق مع الناس أحبتي في الله: الوصية الثالثة من رسول الله ﷺ وصية بينك وبين خلق الله، سيرة عطرة، ومواقف جميلة جليلة، نظرة تحقق بها الإسلام والعبودية والهداية والالتزام، هذه الوصية العظيمة قسمة من الله جل وعلا، لا يعطيها إلا من أحب، ألا وهي الخلق الحسن، الذي سئل عنه النبي ﷺ يوماً من الأيام، سأله الصحابة رضوان الله عليهم وكلهم شوق إلى رحمة الله وجنته، سمعوا القرآن يدعوهم إلى الجنة، فوجهوا السؤال إلى رسول الله ﷺ عن هذه الجنة التي وصفها الله في كتابه، أي شيء يكون سبباً في دخولها؟ وما هو أكثر ما يدخل الناس إلى الجنة؟ فقال ﷺ : (تقوى الله، وحسن الخلق) أكثر ما يُدخل الناس إلى الجنة تقوى الله وحسن الخلق. وإذا نصبت الموازين ونشرت الدواوين، فإن الإنسان أحوج ما يكون إلى الحسنات، حتى إذا قدم على الله جل وعلا وفي صحائف أعماله الأخلاق الكريمة ثقل الله ميزانه بها، قال ﷺ : (أثقل شيء في الميزان: تقوى الله وحسن الخلق). وإذا دخلت إلى الجنة كانت أمنيتك مرافقة النبيين وجوار الصالحين مع الذين أنعم عليهم رب العالمين، نسأل الله العظيم أن يبلغنا الجنة بمنه ورحمته وهو أرحم الراحمين. يدخل العبد الجنة وكله شوق أن تكون منزلته في أعالي المنازل، فإذا دخلها وكان طيب الخلق رفعت درجاته ومنازله، ورأى أمام عينيه عواقب الأخلاق الحميدة، ومعاملة الناس والعطف عليهم، والشفقة على المسلمين وتفريج النكبات والفجائع عن المنكوبين، رآها أمام عينيه جزاءً وفاقاً، فما جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ، رآها عند رب كريم منان لا يضيع عمل العاملين وسعي الساعين، قال ﷺ يشير إلى هذا المعنى: (ألا أنبئكم) أي: ألا أحدثكم، ألا أخبركم، فنبأنا بأمر غيبي لا تراه عيوننا ولا تسمعه آذاننا، عالم غير العالم الذي نحن فيه، ألا أنبئكم عن أمر من غيب أطلعه الله علي ﷻ : (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة) فما أعظمها من كلمة! وما أعظمه من وصف! (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون) أن تكون مسلماً منقاداً لله مستسلماً، قد سلم المسلمون من يدك ولسانك وزلات جوارحك وأركانك، تستقيم على طاعة الله، حتى إذا رآك العبد كأنه يرى شمائل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إن من الأخيار من لو رأيته ذكرت الله عند رؤيته، من الأخيار من إذا سمعت قوله في حال الغضب أو سمعت قوله في حال الرضا علمت أن وراء هذا القول قلباً يخاف الله ﷻ ، الأخلاق الحميدة تعيش بها حميداً، وتموت بها قرير العين راضياً عن ربك سعيداً، مات أناس وهم في الناس أحياء بسيرتهم العطرة وأخلاقهم الجليلة الجميلة النظرة، عاشوا في الناس وهم أموات في القبور، يذكرون بالجميل، ويترحم عليهم الحقير والجليل، فرحمة الله على تلك القلوب المؤمنة، وتلك الجوارح التي أرادت وجه الله ﷻ في سعيها. أحبتي في الله! الأخلاق عطية من الله لا بالتملق والنفاق والرياء، ولا بالكلمات المعسولة والقلوب التي مُلئت حمقاً وغيظاً على المسلمين، ولكن قول سديد وعمل صالح رشيد، تعلم أن وراءه عبداً يرجو الوعد ويخاف الوعيد. الأخلاق منحة من الله ﷻ ، ألا وإن أحق الناس بأخلاقك وأحق الناس بعطفك وحنانك وبرك وإحسانك ومن تظهر له الخلق الحسن والداك: أمك وأبوك: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]، كان أبو هريرة ﵁ وأرضاه إذا وقف على الباب وأمه بالبيت قرع الباب وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رحمك الله يا أماه كما ربيتني صغيراً، فقالت أمه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، رحمك الله يا بني كما بررتني كبيراً. وكان عثمان ﵁ وأرضاه لا يرفع بصره في وجه أمه كما تقول عائشة: [كان أبر الناس بأمه لا يرفع بصره إلى وجهها]. وسئل بعض السلف: ما بلغ بك من برك لأبيك؟ قال: والله ما رقيت على سطح تحته أبي أو أمي. وقيل لثالث: ما بلغ بك من برك لوالديك؟ قال: والله ما طعمت معهما من قصعة واحدة، قيل: أو ذاك من البر؟ قال: أخشى أن تمتد يدي إلى طعام يحبانه. وكان بعض الأخيار إذا قدم بالمال إلى والديه يضع المال أمام والده، فقيل له: ما هذا؟ قال: إنني أخشى إذا مددت يدي أن تعلو يدي على يد أبي فيكون فضلي على أبي، وفضله عليَّ على فضلي عليه. وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم إذا طلبت أمه الحاجة ولم يفهم كلامها، لم يستطع أن يستبين منها حتى يخرج ويسأل من كان جالساً: ماذا تقول أمه؟. وكان محمد بن سيرين سيداً من سادات التابعين، وإماماً من العلماء المجتهدين، رحمة الله عليهم أجمعين، هذا الإمام العظيم كان ديواناً في العلم من تلامذة أنس بن مالك، وكان في غاية من العلم والصلاح والورع وتقوى الله ﷻ ، قال بعض من صحبه وقد جاوره: كان إذا جن الليل سمعنا بكاءه بالقرآن في الظلمات، وكان إذا جلس مع أصحابه ضحك ومزح وأدخل السرور عليهم، فإذا دخلت أمه عليه خشع كأنه مصاب بمصيبة رحمة الله عليه. كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يبرون بالوالدين، أحق الناس بعطفك وإحسانك وبرك والداك، فمن مجلسك هذا تعاهد الله على أن تغير في أخلاقك ومعاملتك، قال بعض السلف: من عبس وجهه بحضور والديه فقد عق والديه. وقال بعضهم: من نادى أباه باسمه فقد عقه، ومن نادى أمه باسمها فقد عقها، إنما يقول: يا أماه، ويقول: يا أبتاه. هذه من البر والأخلاق الحميدة، فلا تزال تبر الوالدين فتقوم من عندهما وقد رفعت الدعوات إلى الله لك بالأمور التي تنشرح بها الصدور وتأمن بها من هول البعث والنشور، وما زال البار يبر والديه حتى استجاب الله دعوته وفرج الله نكبته وكربته، كما في حديث الثلاثة الذين في الغار، وما زال البار يبر والديه حتى عزت عند الله دعوته فما رد له دعوة سأله فيها، كما في قصة أويس القرني رحمة الله عليه. أحق الناس بأخلاقك الحميدة زوجتك وأهلك وأولادك، تكون على شمائل عطرة، سل عن هدي رسول الله ﷺ مع أزواجه، سل عن أخلاقه العطرة ومواقفه الجميلة الجليلة النضرة مع الصغير والكبير، وخذ ذلك المثال الذي يحتذى به، هذا هو الالتزام وهذه هي وصية رسول الله ﷺ لك: (وخالق الناس بخلق حسن) فتبدأ أول ما تبدأ بوالديك ثم بأهلك وأولادك، تدخل إليهم حليماً رفيقاً براً رقيقاً، حتى تكسب تلك القلوب بالحنان والمودة والإحسان، وكم من أب ما زال يحسن إلى أهله حتى خرج من الدنيا وقد أسر قلوبهم بالجميل، وكم من زوج صالح خرج من الدنيا وقد أسر قلب امرأته بالجميل والعمل الصالح الجليل. أحبتي في الله! الأهل أحوج ما يكونون إلى الأخلاق الحميدة، فالعفو عن زلتهم، والصبر على أذيتهم، واحتساب الأجر فيما يكون منهم. كذلك أحق الناس بأخلاقك الحميدة العلماء والدعاة إلى الله، فيذكرون بالجميل، ومن ذكرهم بغير ذلك تنقصاً فقد ضل عن سواء السبيل. العلماء مشاعل الحكمة والنور، أهل الهدى والخير والرحمة والبشر والسرور -فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعظم أجورهم، وأن يشرح صدورهم، وأن يخلد حبهم في العباد- فحبهم في الله قربى، والدعاء لهم بظهر الغيب حسنة، لا يحبهم إلا مؤمن يخاف الله، ولا يذكرهم بالجليل إلا من يتقي الله، فهم أحق الناس بالأخلاق الحميدة، فإذا رأيت العالم فتواضع له وأجله وأكرمه، كان ابن عباس ﵄ -حبر الأمة وترجمان القرآن وابن عم رسول الله ﷺ ومن أرفع الناس علماً ونسباً وفضلاً ونبلاً- كان ينام على عتبة زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، فالعلماء حقهم كبير، عيون سهرت وقد نامت عيون الناس، سهرت على مشاكل المسلمين وهمومهم وغمومهم ومسائلهم، فالله أعلم كم تكبدوا من مشاق، وصدعوا بحق دمغ أهل الزيغ والنفاق، العلماء حقهم كبير، فكن -رحمك الله- من أحسن الناس خلقاً مع العلماء، وإذا جلست بين يدي عالم فكن التلميذ المبرز في الخلق الحميد، وإذا جلست في مجلسه فكن التلميذ المبرز في الكلمات الطيبة التي تدل على إجلال من أمر الله بإجلاله، وتعظيم من أمر الله بتعظيمه، وتوقير من أمر الله بتوقيره، فتلك سنة الصالحين، ودأب عباد الله المتقين جعلنا الله وإياكم منهم أجمعين. ثم أحق الناس بالخلق الحسن الضعفاء والفقراء واليتامى والثكالى، فتواضع لهم فإن رحمة الله في التواضع لهم، وأدخل السرور عليهم فمن سرهم سره الله يوم المساءة، تفقد عورات المسلمين والضعفة والمحتاجين، وافتح قلبك لهمومهم وأحزانهم، واحتسب عند الله ﷻ ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولعل مالاً تنفقه يحجبك الله به عن النار، ولعل كربة تفرجها يفرج الله عنك بها كربة يوم القرار، احتسب عند الله في ضعفة المسلمين فإنهم أحق الناس بعطفك وحنانك، واحتسب عند الله جل وعلا ألا يراك العبد إلا على فعل جليل، وألا يسمع الناس منك إلا القول الجميل. أحبتي في الله! عشنا مع وصية من وصايا رسول الله ﷺ ، عشنا مع هذه الوصية وقد نقلت اليوم إلينا فهي إما حجة لنا أو حجة علينا. اللهم إن نسألك بعزتك وجلالك وعظمتك وكمالك أن تجعل علمنا نافعاً وصالحاً، وأن تجعله حجة لنا لا حجة علينا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

стр. 592

الوصية الأولى: تقوى الله هذه الوصايا الثلاث تزيد جمال المؤمن وكماله وبهاءه وزينته عند الله، استفتحها نبي الله ﷺ بالوصية الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، فقال النبي ﷺ لـ أبي ذر ﵁ وأرضاه: (اتق الله). التقوى وصية الله للأولين والآخرين ووصيته للأنبياء والمرسلين. التقوى: أن تعبد الله على نور من الله، ترجو ثواب الله وتخشى عقابه. التقوى ألا يراك الله حيث يحب أن يفقدك، ولا يفقدك حيث يحب أن يراك. التقوى نور في القلوب، ظهرت آثاره على الجوارح والقوالب، نور أسكنه الله في قلوب المؤمنين، فلا يعلم قدره أحد سواه، فالله أعلم بالمتقين والخائفين، وبالصادقين المخلصين. التقوى صفات أهل الإيمان، وخلال أهل الطاعة والإحسان، وَقَرت في القلوب والجنان. التقوى سبب الصلاح ومنبع الفلاح والإصلاح، أهلها الرابحون لا أشقياء ولا محرومون. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم منها أوفر حظ ونصيب. تقوى الله أن تتقي الله -أول ما تتقيه- في إيمانك، أن تتقي الله في التزامك وهدايتك. تقوى الله أن تلتزم بدين الله وطاعته حتى إذا جاءتك المنية جاءتك على الخيرات والباقيات الصالحات، أن تتقي الله في التزامك وهدايتك وإيمانك، فتنصب وجهك لله لا لشيءٍ سواه، حتى إذا جاءك الأجل جاءك على الخيرات والباقيات الصالحات، فما زالت التقوى بأهلها حتى أخرجتهم بالروح والريحان والرحمة والرضوان ورب راض عنهم غير غضبان. التقوى تمسكٌ بحبل الله المتين، وسير على صراطه المستبين، حتى إذا جاءك الموت نعمت عينك عن ربك، ورأيت أمامك صحائف الأعمال والأقوال فقلت: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وقلت بلسان الحال والمقال: اللهم إني راضٍ عنك فارض عني. يخرج التقي من الدنيا نقياً، خالياً من المعاصي سرياً، تحجر قلبه عند حدود الله، وتحفظت جوارحه عن محارم الله، فالله أعلم كم رجفت قلوب المتقين من هيبته، والله أعلم كم خافت قلوب المتقين من جلاله وخشيته. التقوى نور في القلوب وأثره في الجوارح والقوالب كما قال ﷺ : (التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره وقلبه ﷺ قال بعض العلماء: اختار الله للتقوى أجلَّ الأماكن وأشرفها وهو القلب؛ حتى يكون العبد مخلصاً لوجهه ﷻ . وأول ما ينبغي على المتقي أن يتقي الله في دينه وإيمانه، فلا يضحي بشيء من هذا الدين والإيمان، إذا التزمت واستقمت وآمنت تمسكت بحبل الله، واتقيت الله في نوره الذي قذفه في قلبك. هذا الإيمان والالتزام والهداية نور وضعه الله في قلبك وحرمه سواك، فاحمد الله على نعمته، واشكره على فضله ومنه وكرمه، لم يجعلك ساجداً لحجر، ولا معظماً لوثن ولا بقر، ولكن جعلك ساجداً لوجهه، ذلت له رقابنا، وخشعت له قلوبنا، وسجدت له جباهنا، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي، فكل يوم يمر على المهتدين حق عليهم أن يتقوا الله رب العالمين في التزامهم، ومن دلائل تقوى الملتزم لله أنه تثبت قدمه على طاعة الله ﷻ ، هذه الهداية رحمة فازدد منها حتى تكون من المهتدين، تزداد بعلم نافع وعمل صالح، تزداد منها بغشيان حلق الذكر وبمجالسة العلماء والصلحاء، تزداد منها بعشرة الأخيار والأبرار، تزاد منها بكلمة ترضي الله عنك أو خصلة من خصال الخير في يدك أو رجلك أو في جوارحك كلها. تقوى الله رحمة من الله، ولذلك سأل النبي ﷺ ربه أن يهبه هذه الرحمة، وهذه الرحمة لا تنال بالأماني ولا بالشهوات والدعوات، ولكن بالدعاء الصادق لله ﷻ أن يجعلك من المتقين، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم إني أسألك الهدى والتُقى) اللهم يا رب الأرباب! ويا سامع الدعاء! ويا واهب الخير وكاشف البلاء! أسألك أن تهب لي الهدى والتُقى، فاسأل الله أن يهبك هذا النور، سله في السجود وأدبار المكتوبات والأسحار والأذان والإقامة، وتحين حالة يخشع فيها قلبك، وتسأل فيها حاجة إلا قرنتها بتقوى الله ﷻ ، إن اتقيت الله أحبك، والله يحب المتقين، إن اتقيت الله فرج كربك، والله يفرج كرب المكروبين: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ومن يتق الله يجعل له من كل هم فرجاً؛ ومن كل ضيق مخرجاً، ويجعل له نوراً وفرقاناً يسير به إلى لقائه : (اتق الله حيث ما كنت) التقوى لا تكون في بيوت الله وحدها حتى إذا خرج الإنسان إلى تجارته أو مسكنه أو عمارته أو مزرعته كشَّر عن أنيابه لدنياه، وغفل عن لقاء ربه وأخراه، ولكنها لزمت القلوب وتعلقت بها حيثما كان الإنسان، إن سافر كان من المتقين، وإن أقام كان من المتقين، ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ في السفر: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى) تقوى الله في كل زمان ومكان، وتقوى الله في الأقوال والأحوال، فإذا رضيت فاتق الله واشكره، وإذا أنعم عليك فاتق الله وتشكره، وإذا قرت عينك اتقيت الله وحمدته، فإن الله يرضى عن العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها، تقوى الله تكون في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وبين الناس وفي أهلك وولدك.

стр. 593

الوصية الثانية: الإتيان بالحسنة بعد السيئة أما الوصية الثانية: فقد أوصى بها النبي ﷺ هذا الصحابي الجليل ولكنها وصية للمؤمنين والمؤمنات، وصية للصالحين والصالحات، ووصية للعاصين والعاصيات، هذه الوصية ما أحوج المؤمن أن يتأملها وأن يتدبرها وأن ينظر فيها، فما أحكمه وما أعلمه صلوات ربي وسلامه عليه يوم جعل هذه الوصية تلو الوصية بتقوى الله! هذه الوصية الثانية، يقول فيها النبي ﷺ : (أتبع السيئة الحسنة تمحها) السيئة: سماها الله وسماها رسول الله ﷺ بهذا الاسم؛ لأنها تسوء صاحبها في الدنيا والبرزخ والآخرة. السيئة تسيء إلى صاحبها في الحياة وفي الممات، فلا تزال السيئة مكتوبة في ديوان العبد حتى يمحصه الله منها، إما ببلية في الدنيا أو بتوبة صادقة إلى الله قبل الموت، أو ببلية يصيبه بها أو بعذاب يبتليه به في قبره، أو بعذاب يبتليه به في حشره ونشره، السيئة بلاء وشقاء وعناء، من سلم منها فقد سلم، ومن بلي بها فقد حرم، إلا أن يرحمه الله برحمته. أعظم السيئات كفر بالله ﷻ ، وردة عن الإسلام وإعراض عن الله بالكلية: بالاستهزاء بالدين، أو الاستخفاف بالصالحين، أو التهكم بشعائر رب العالمين. أعظم السيئات: إطلاق اللسان في الفواحش والمنكرات، وإطلاق الجوارح في الفواحش والمنكرات، واستباحة حدود الله، وانتهاك محارم الله بسفك الدماء، والزنا، وشرب الخمور، وغير ذلك -والعياذ بالله- من معاصٍ وفجور، كلها شقاء وبلاء وعناء ينطمس بها نور الإيمان على قدرها عند الله العظيم الرحمن. ما زالت السيئة بصاحبها حتى أظلم وجهه وقلبه وتنكد عيشه، ولربما حجبت الرزق عنه والعياذ بالله. قال الفضيل ﵀: إذا رأيت الناس سبوك أو شتموك أو أهانوك؛ فاعلم أن لك ذنباً بينك وبين الله، وإذا رأيت الناس احتقروك أو ذموك أو عابوك فاعلم أنها السيئات جنت عليك في الحياة قبل الممات. فتب إلى الله قبل أن ينتقم الله منك. السيئة تسوء صاحبها في دينه فتطمس نور الإيمان من قلبه، قالوا: إنه ما من عاص يعصي الله إلا حرم من العلم على قدر معصيته، وقد يكون من الحفاظ فيسلبه الله نعمة الحفظ، وقد يكون من الخاشعين فيسلب نعمة الخشوع، وقد يكون من القائمين والذاكرين والمخبتين والمنيبين والصائمين فترفع هذه الحسنات بسبب ذنب بينه وبين الله ﷻ . السيئة تسوء صاحبها حتى إذا حرم هذا الخير بكى حين لا ينفع البكاء والندم إلا أن يشاء الله ﷻ . فلما علم ﷺ -بل علم ربه الذي أرسله وبعثه- أننا لا نستطيع أن نتقيه كمال التقوى إلا أن يرحمنا برحمته، وعلم أن منا هنات وزلات وعيوب ومنكرات دلنا على علاجها، وأرشدنا إلى دوائها، فقال: (أَتبع السيئة الحسنة تمحها) قال بعض العلماء: الحسنة قول العبد الصالح: أستغفر الله أستغفر الله حسنة من أعظم الحسنات التي تمحو السيئات، وما من إنسان إلا عنده عورات وخطيئات ولو كان من صالح المؤمنين والمؤمنات، ولكن الله ﷻ برحمته يرحمك، فأولاً: لا يبادرك بعقوبته، وثانياً: يتولى بجميل لطفه وعظيم رحمته وحلمه سترك وأنت تعصيه، سبحانه ما أحلمه وما أرحمه! حين يغلق العبد بابه على حد من حدود الله وهو يعلم علم اليقين أن الله يسمعه ويراه، وهو يعلم أن هذه الأرض التي يعصي عليها الله لو أذن لها لخسفت به، وأن هذه السماء التي يستظل بها لو أذن الله لها لأرسلت عليه ما يهلكه، ومع هذا كله يتولاه الله بالرحمة والستر تفضلاً منه وكرماً وجوداً ، حتى إذا انتهى الإنسان من معصيته انطفأ نور الإيمان من قلبه على قدر ما أصاب من السيئات، فعاد قلبه مظلماً بعد النور، وعاد منقبضاً بعد الانشراح والسرور، عاد قلبه ضيقاً عليه فأرشده الله جل وعلا على لسان رسوله أن يتبع السيئة الحسنة، وأن يقول بقلب يستشعر الندم مليءٍ بالحزن والألم: اللهم إني أسأت وأنت المحسن إلي، وأذنبت وأنت الغافر الجواد الذي تمن عليَّ، فيريق دمعة من دموع الندم فلعلها تمحو ذنبه فلا يراه أبداً. علم الله أنا مذنبون ومقصرون، لكنه فتح أبواب رحمته، قال له إبليس: وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني، فالله رحيم بعباده وحليم بخلقه. (اتبع السيئة الحسنة تمحها) إن كنت من الصالحين، فهذا نداء من النبي ﷺ لكل مؤمن صالح، ضعفت نفسه الأمارة بالسوء، فدعته إلى المنكرات والفواحش والشهوات فأصابه الهم أن يرجع إلى الله ﷻ ، ثم هذه الدعوة الطيبة المباركة لأقوام كانوا بيننا فابتعدوا عنا، كانوا فينا فأصبحوا ليسوا منا، لأقوام انتكسوا ورجعوا على أعقابهم فارتكسوا، هذا النداء الرحيم الحليم: (أتبع السيئة الحسنة تمحها). يا من أذنبت وأسرفت وبعدت عن الله! يا من تغربت عن الله! أتبع السيئة الحسنة تمحها، قل في ساعة المعصية بقلب صادق: أستغفر الله، فإن الله يغفر الذنوب، قل في هذه الساعة: أتوب إلى الله، فإن الله يرحم التوابين والمستغفرين، تب إلى الله قبل أن يداهمك الممات وتصير إلى اللحود والرفات، فالله ﷻ جعل هذه الوصية سلواناً للمسيئين والمذنبين، فرحماك يا أرحم الراحمين! ما أرحمك وما أحلمك بهذا الخلق من بني آدم! وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]. ما زال ربنا يكرمنا ونهين أنفسنا، ويرحمنا ونعذب أرواحنا، فاللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 594

الأسئلة

стр. 595

لا يوجد في حياة المسلم وقت يضيعه السؤال ما حكم لعب (البلوت) والسهر من أجله إذا كان ذلك لا يؤثر على تأدية الفروض، ولا يتخلله سب ولا حلف بالله؟ الجواب أعند الإنسان وقت حتى يلعب الورق؟ الله المستعان، نسأل الله العظيم ألا يبتلينا بالغفلة، وألا يجعلنا من أهل الحرمان، تصور يا أخي أهل القبور وهم الآن في ضيقها وفي لحودها يتمنون التسبيح والاستغفار! تصور أهل القبور الآن وهم في ظلمتها وكربتها وشدتها ومحنتها وهم يتمنون حسنة واحدة تزاد في الأعمال! وهذا العمر الذي أعطاك الله إياه تنفقه في اللعب، أعندك فراغ من الوقت وأنت بين طرفة عين وغمضتها قد تفارق هذه الحياة، وقد تصير إلى ما صار إليه القوم، وتصرع كما صرعوا، وتنزل منازلهم التي نزلوا، وإنا إلى ما صار إليه القوم صائرون، وإلى ما انقلبوا إليه منقلبون؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون! فيا أخي في الله! دع مسألة الورق على جنب، ولكن هذا مرض قلب، فابدأ بقلبك أولاً، هذه غفلة والله حتى لو كان جائزاً، أعندك وقت تضيعه في غير طاعة الله جل وعلا؟ أعندك وقت تضيعه في الفضول؟ فليست المشكلة أن تقول: حرام، ويقول غيرك: جائز، لا، اتركنا في الأصل، هب أنه جائز ومباح، ولو أنه لا يقل عن درجة المكروه؛ لأن النبي ﷺ قال: (كل لهو باطل) فهذا أقل درجاته أنه مكروه، وإلا فمن العلماء من يرى أنه في حكم النرد الذي حرمه الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، لكن الذي نسأل عنها الآن هي الغفلة ولو كان مباحاً: هل لإنسان عنده نفس ينعم الله عليه بالحياة، ويجعل هذه الروح تدب في الجسد، أن يجلس ويلعب ورق؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! فنسأل الله العظيم ألا يميت قلوبنا! يا أخي! انتبه من غفلتك واتق الله فيما أنت فيه، واعلم أن الله سائلك، قال ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه ...)، فتعرض أمام عينيك، ساعات السهر واللعب بالبلوت والورق وتجدها أمام عينيك لا تفقد منها ثانية واحدة، وتراها أمام عينيك: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. فيا أخي! اتق الله في هذا العمر، وفي ساعاته ولحظاته، واحمد الله جل وعلا، كم من أناس على الأسرة البيضاء يتمنون العافية التي أنت فيها، كم من إنسان مريض على فراشه في هذه اللحظة التي تلعب فيها الورق، وهو يتأوه ويقول: يا ليت لي مثل ما لك من العافية، أكان جزاء شكر نعمة الله بالعافية أن تضيعها هدراً؟ أيسرك وأنت واقف بين يدي الله والناس حاف عار في العرض الأكبر أن يأتي في صحيفة عملك ساعة في لهو من هذا اللهو؟ لا والله. فنسأل الله العظيم أن يمن علينا بالتوبة النصوح، وألا يكتب لنا الخزي والفضيحة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أسال الله العظيم أن يشكر سعيكم، وأن يعظم أجرنا وأجركم، وأن يفرق هذا الجمع بذنب مغفور، وعمل صالح مبرور، وأن يجعلنا ممن قال فيهم: (قوموا قد بدلت سيئاتكم حسنات). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 596

مخالفة أمر الله لأجل إرضاء الزوج لا تجوز السؤال أنا أوقظ زوجي لصلاة الفجر، ومع ذلك يغضب عليَّ ويهجرني ولا يكلمني؛ لأنني أيقظته للصلاة، بحجة: أنه يأتي من العمل وهو متعب، فيريد أن يرتاح في هذا الوقت؟ الجواب جزاك الله كل خير، عظم الله أجرك وأحسن ثوابك، اشكري نعمة الله عليكِ يوم نظر إليكِ في بيتك ومع زوجك وأنت تأمرينه بطاعة الله ﷻ ، هنيئاً لكِ هذا الفضل يوم أمرتِ بما أمر الله ونهيتِ عما نهى الله عنه، فذلك شأن الأخيار والصفوة الأبرار، وتلك نعمة الله جل وعلا يمن بها على من يشاء، فاحمدي فضل الله عليكِ إذ جعلك امرأة صالحة، توقظي زوجك إذا نام، وتنبهيه إذا غفل، وتحيي قلبه بذكر الله ﷻ . أختي المؤمنة! استمري على ما أنتِ عليه، فإن غضب عليكِ فإن الله لا يغضب، وإن غضب عليك رضي الله، وإن أرضيتِ الله أرضى عنك الناس، قال ﷺ : (من أرضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) فأرضي الله جل وعلا ولو سخط زوجكِ ولو هجرك ولو غضب عليك، فبلغي رسالة الله وذكريه بالله حتى تنعم عينك غداً بثواب الله، والله تعالى أعلم.

стр. 597

من أصيب بالعجب فليتذكر نعم الله عليه السؤال كيف نتخلص من العجب بالعمل؟ الجواب الله المستعان، هل عندنا عمل حتى نعجب؟! الله المستعان، أين قيام الليل؟! وأين صيام النهار؟! أين بكاء الأسحار؟! وأين القنوت؟! وأين الخشوع الذي رفع من القلوب إلا ما شاء الله ﷻ ؟! كان الرجل إذا نُظر إليه ذُكِر الله ﷻ ، لا شك أن نعمة الله علينا عظيمة ولكن نغتر بماذا؟ مع السيئات والخطيئات وفتن النظر وفضول الكلام؟! تأمل نفسك يوماً كاملاً -ولو كنت أعبد الناس- هل سلم المسلمون من لسانك؟! تأمل يوماً كاملاً ما الذي قلته منذ أن أنعم الله عليك فأحياك وأمات غيرك، فقمت من صباحك الباكر إلى أن أويت إلى فراشك ما الذي تكلمت به وما الذي قلته؟ وانظر إلى الذي قلته من الكلام الذي يرضي الله، كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يعدون الكلام الذي يقولونه بغير ذكر الله ﷻ ، هل بلغت هذا المبلغ؟! بأي شيء تعجب؟! بأي شيء تغتر؟! كان السلف الصالح ﵏ إذا قيل لأحدهم: اتق الله، خشع وجلس يبكي، ولربما غشي عليه، فهل بلغت هذا المبلغ؟ وهل عندك علم بلغت به أعالي المراتب فأجبت به عن المسائل وحللت به المشكلات والنوازل حتى بلغت الغاية والتفوق، حتى تغتر بما أنت فيه؟ أي شيء عندنا حتى نغتر؟ جهل وإسراف وبعد عن الله جل وعلا إلا أن يرحمنا الله برحمته، ومع ذلك يعد الإنسان نفسه وكأنه أصلح الخلق، إذا أطلق لحيته وقصر ثوبه وصلى في المسجد فكأنه إمام زمانه علماً وصلاحاً وورعاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون! فإن العبد يحرم البركة في إخلاصه واستقامته والتزامه بعجبه بنفسه، فلا تغتر ولا تعجب، قال مطرف ﵀: [لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً] أبيت نائماً وأصبح نادماً؛ لأن الله بالندم يبلغه درجة العامل، أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً، وكم من عبد أعجب بنفسه حتى مكر الله به وبعلمه، ويعجب العالم فينزع الله من القلوب حبه، يعجب العالم فينزع الله من القلوب الثقة في كلامه ويصرف وجوه الناس عنه، ويعجب طالب العلم فيمحق بركة العلم وخشوع العلم، فلا يجد لعلمه أثراً على عامله وصلاحه -نسأل الله السلامة والعافية- العجب لا خير فيه، وإذا أردت أن تتخلص من هذا العجب فدعوة صادقة من الله ﷻ ، كل الأمراض -أمراض القلوب وأمراض الأجساد- أول شفاء ودواء لها أن تقول: يا رب وأن تقول: اللهم، من قلب لا يعرف أحداً سواه، تسأل الله أن يعافيك وأن يشفيك، بمجرد أن تصلي فوجدت أنك أعجبت بصلاتك، أو ذكَّرت الناس فأعجبت بتذكيرك، أو وعظتهم فأعجبت بوعظك، فابكِ لله وقل: اللهم إني أسألك ألا يحبط الشيطان عملي فأكون من الخاسرين، اللهم انزع من قلبي العجب بعمل عملته فيما بينك وبينه. سل الله أن ينزع من قلبك العجب. الأمر الثاني: النظر إلى الصلحاء وقراءة سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، كثير من الشباب يغتر لأنه ينظر إلى واقعه وقل أن يجد من هو على الكمال والجلال، فليقرأ في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم حتى يعرف منزلته، وليقرأ في أخبار العلماء والصلحاء حتى يعلم أين هو، فهذه من الأمور التي تعين على احتقار الإنسان نفسه. أما الأمر الثالث: فإن الأعمال ولو صلحت ولو كانت من أحب الأعمال إلى الله فالعبرة كل العبرة على القبول، قد تجلس من طلوع الفجر إلى أن يغلق المسجد في العشاء وأنت تتلو كتاب الله ولا يتقبل الله منك حرفاً واحداً، هل تستطيع أن تقول: لا؟ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه﴾ [الرعد:٤١] ولذلك هذا الذي أهم السلف الصالح رحمة الله عليهم، فكانت قلوبهم منكسرة لله ، يحملون هم القبول: قد آلم القلب أني جاهل ما لي عند الإله أراض هو أو قالي وأن ذلك مخبوء إلى يوم اللقاء ومقفول عليه بأقفال ما أحد يعلم من المقبول ومن المحروم، كان علي ﵁ إذا كانت آخر ليلة من رمضان صاح وبكى وقال: [ألا ليت شعري من هو المقبول فنهنيه ومن هو المحروم فنعزيه] وكان ابن عمر ﵄ وأرضاه يقول: [لو أعلم أن لي صلاة واحدة مقبولة لاتكلت] ولا يستطيع ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يعلم أن الله تقبل، إلا إذا أطلعه الله ﷻ ، ما أحد يعلم، المدار على القبول، ربما عقوق والديك يحجب عنك القبول، وهذا ذكره العلماء ﵏ واستنبطوه من الآية التي ذكرناها في البر وقال الله عقب البر: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف:١٦] فما يدريك فلعل كلمة أسخطت والديك أو عققت بها والديك حجبت عنك قبول عملك أو صلاحك أو عبادتك، فإذاً الإنسان مداره على القبول، فالإنسان لا يغتر بالعمل وإنما يفوض أمره إلى الله. الأمر الخامس الذي يعين على احتقار العمل: أن تنظر إلى نعم الله التي تغدق عليك في الصباح والمساء، التي تغدق عليك آناء الليل وأطراف النهار وأنت ترفل فيها، ما الذي يقدم في جنب هذه النعمة، انظر إلى عينك هذه التي حفظها الله لك، ويدك وسمعك وبصرك، وهذه الرحمة الإلهية التي لطف الله بها بجوارحك وأركانك حتى وقفت على قدمك وحتى مشيت بها إلى المسجد، وانظر إلى رحمة الله بك يوم صرف عنك الفتن والمحن، وقد كان بالإمكان ألا تقرب مسجداً لذكر الله وطاعته، والله لو شاء الله ما خطت ولا وقعت قدم أحدنا في بيت من بيوته إلا رحمته سبحانه لا إله إلا هو، ما نحن بشيء تحت رحمة الله ﷻ ، فلا تغتر رحمك الله، بأي شيء تغتر؟ فالإنسان تحت رحمة الله، وفي حديث العابد أنه لما قال الله له: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: لا، بعملي -والقصة معروفة- فأمر الله أن توزن نعمة البصر -نعمة البصر فقط- فرجحت بأعماله الصالحة في عمره كلها، ومع ذلك بقيت لها فضل على هذه الأعمال الصالحة، فقال: أَدخلوا عبدي الجنة برحمتي، نحن لسنا بشيء يا إخوان، نحن تحت رحمة الله ﷻ ، ومهما عملنا وقلنا، فالمنة والفضل كله لله، نقول: الحمد لله والفضل كل الفضل لله ﷻ ، يقول لنبيه أشرف الخلق وأفضلهم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣] المنة لله والفضل كله له، وقف ﷺ يوم حنين وقد قسم الغنائم فأعطى غير الأنصار وحرم الأنصار، فقالوا: أيعطيهم وسيفونا تقطر من دمائهم؟ فقال: اجتمعوا لي، فاجتمعوا وقال: ما مقالة بلغتني عنكم؟ قالوا: يا رسول الله، أما سفهاؤنا فقالوا: أيعطيهم وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ وأما ذوو الحلم فما قالوا إلا خيراً، وكانوا قوم صدق مع رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : أو قد وجدتم لعاعة من الدنيا يا معشر الأنصار؟! -يخاطبهم وهم لوحدهم ليس معهم أحد من غيرهم إلا النعمان بن أختهم- قال: (يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟! ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله بي؟! فبكوا وقالوا: المنة لله، ثم قال: ولو شئتم لقلتم، ولو قلتم لصدقتم وصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وخائفاً فأمناك، فبكى الصحابة رضوان الله عليهم، وقالوا: المنة لله) ما قالوا: لنا المنة ولا اغتروا، والنبي ﷺ قال: المنة لله، ردوا عليه صلوات الله وسلامه عليه وهو يقول: (ولو شئتم لقلتم ولو قلتم لصدقتم وصدقتم قالوا: المنة لله) العبد الصالح يجعل المنة كلها لله، فالغرور بلاء وشقاء يغتر به الإنسان حتى يكون من الهالكين، نسأل الله العظيم أن يكسر قلوبنا لوجهه الكريم، وأن يصرف عنا منكرات الأخلاق إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 598

حكم لبس المرأة للثوب الضيق والكم القصير وكلمة في تربية الأبناء السؤال ما حكم لبس الثوب والكم القصير أمام النساء، وكذلك الثوب الضيق، ثم نريد كلمة في تربية أبنائنا تربية إسلامية، وترسيخ الدين في أذهانهم، وفقكم الله؟ الجواب أما بالنسبة للمسألة الأولى: فقد شاع وذاع بين النساء لبس هذا القصير، ونسأل الله بعزته وجلاله في هذا المكان الطيب الطاهر المبارك أن يذهب هذه العادة الممقوتة التي لا خير فيها، اللهم بعزتك وبجلالك نسألك أن تهدي قلوب النساء وأن تصلحهن وأن تنزع من قلوبهن هذا المرض العظيم، كشف المرأة عن ساقها وفخذها، والغريب أن بعض اللاتي يدعين العلم -نسأل الله السلامة والعافية- يحتج بعضهن: بأن العلماء ﵏ يقولون: عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل. هذا صحيح، ولكن الآن لو أن رجلاً دخل علينا وهو لا يلبس إلا سروالاً قصيراً وفنيلة إلأى نصف كمه، تسقط عدالته بإجماع العلماء، وترد شهادته؛ لأن هذا الفعل ينبئ عن ضعف عقله -والعياذ بالله- وأنه قدوة سيئة، ليس في الإسلام فقط الواجبات، هناك الكمالات، وهناك العرف والحياء الذي ينبغي للإنسان أن يصونه عما لا يليق، صحيح هذا الأمر ذكره العلماء، لكن ذكروا ضابطاً له عورة المرأة مع المرأة، إذا كان الأمر هو وجود عرف وضوابط فالإجماع منعقد على أن العادة محكمة، والله ردنا إلى العرف، فقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] وأجمع العلماء على أن أمور اللباس والهيئات مردها إلى الأعراف بشرط ألا تعارض شرع الله، فكيف إذا وافقت شرع الله، المرأة التي تلبس إلى نصف ساقها، في هذا المجتمع المعروف بالمحافظة والالتزام والحياء والخجل ذاهبة المروءة -والعياذ بالله- ساقطة العدالة، وينطبق عليها قول النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فلو كانت تستحي وفيها مروءة ما فعلت هذا، ففعلها هذا يدل على ضعف العقل -نسأل الله السلامة والعافية- قال بعض العلماء: ضعف المروءة مقرون بضعف العقل. فالمرأة التي تفعل ذلك لا عقل عندها، لأن العقل يعقل -وسماه الله عقلاً، وسماه حجراً؛ لأنه الذي يعقل الإنسان ويحجره، أي: يمنعه عما لا يليق به- فإذا نزع هذا النور -نسأل الله ألا ينزعه منا ومنكم- أظلم صاحبه فأصبح يتخبط خبط عشواء -أعوذ بالله- إذا جلست المرأة كاشفة لساقيها في مجمع النساء، هل يرضيك لو رأيت أمك بهذه الصفة؟ أمَّا أن تنعم عينك بأن ترى أمك بهذه الصفة كاشفة عن فخذيها بين النساء فهذا تهتك وانحلال، نسأل السلامة والعافية، ونعوذ بالله من هذه الأخلاق الرديئة التي دخلت على بيئة المسلمين. فينبغي على النساء أن يتناصحن، وأن يأتمرن بأمر الله ، وأن يتقين الله جل وعلا، يتقين الله في البنات، ويتقين الله في النشء، فإن النشء يتأثر، إذا نشأت المرأة نشأت وأمها تحتجب حتى في البيت تستحي بعض الأحيان إلى عهد قريب، بل لا زال من النساء الصالحات من تستحي أن تكشف شعرها لولدها، إي والله من النساء صالحة تستحي أن تكشف شعرها لولدها، ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عن المرأة تكشف ساقها لأخيها ومحرمها، وساعدها كذلك، قال: أخاف عليها الفتنة، مع أنه محرم، وبذلك لا ينبغي إحداث هذه القدوة السيئة، وهذه الصور التي تدل على ضعف العقل، ينبغي المحافظة على الأخلاق الكريمة وصيانتها والدعوة إليها، والتحبيب فيها، والحرص كل الحرص على هذه الأخلاق الطيبة التي جعلها الله في الناس على فطرهم، فهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فنسأل الله العظيم أن يهديهن وأن يصلحهن، وأن يزيل عن هذا المجتمع الطاهر هذه المنكرات والأخلاق والأدواء إنه ولي ذلك والقادر عليه. أما الثوب الضيق فلا يليق بالمرأة، ضيق الله عليها كما ضيقت ثوبها، المرأة التي تضيق ثوبها ماذا تريد أعوذ بالله -نسأل الله السلامة والعافية- فالمرأة تفكر، هذه امرأة مثلها، ماذا تريد بلبس الضيق؟ ما تريد إلا تشبهاً بكافرات -والعياذ بالله- أو عاهرات فاجرات -نسأل الله السلامة والعافية- هل هذا من صنيع الصالحات أن تلبس المرأة لبساً ضيقاً أمام أخواتها من النساء؟ ماذا تريد؟ المرأة تتزين لزوجها، تتزين لبعلها، أما لأخواتها فتتزين بالمعروف، ولذلك لبس الضيق يعتبر أقل ما فيه كما قال العلماء ﵏ أنه ككشف العورة؛ ولذلك الآن الذي نشأ بين بعض النساء لبس هذا اللباس الذي هو العباءة المفصلة، اليد على حدة، وغيرها على حدة هذا لا يجوز؛ لأنها إذا فصلت يدها على حدة عرف جرمها، وتحدد الجرم، لكن لو لبست عباءتها، ما عرف شيء من تفاصيل جسمها، بل كان بعض العلماء يقول: لا يجوز للمرأة أن تجعل عباءتها على عاتقيها؛ لأنها إذا جعلت غطاءها للرأس عرف حجم رأسها، والمرأة تفتن بكل صورها، ولكن انظر إليها وهي في عباءتها قد وضعت عباءة على رأسها لا ترى فيها شيئاً، وتحس أنك أمام امرأة، ولية لله ﷻ ، تخاف الله وتراقبه، وتتقي الله في عباد الله المؤمنين، والعكس بالعكس، نسأل الله العافية والسلامة. أما تربية الأبناء فجماع الخير في تقوى الله، الابن تربيه بأمرين: الأمر الأول: القول السديد والنصيحة الهادفة، أن يكون قولك سديداً، دائماً تعاهده بالنصيحة في المواطن والمواضع المؤثرة، وحببه في طاعة الله، واغرس في قلبه محبة الله ومرضاته، وذلك قربة وحسبة، هذا أول شيء في لسانه، الشيء الثاني: في جوارحك وأركانك قدوة حسنة توجدها لهذا الابن الصالح، تأمره بالبر فإذا بك أبر الناس بوالديك، تأمره بصلة الرحم وإذا بك أنت الذي تصل الرحم، وتأخذه إلى صلة الرحم وتعويده على الخير بالقدوة الصالحة، الأبناء يتأثرون بالآباء، والبنات يتأثرن بالأمهات، ولذلك حق على الآباء والأمهات التربية الصالحة بالقول والعمل، وذلك كله لا يكون إلا بعد توفيق الله، والأخذ بالأسباب الصالحة، إن وجدته مع الصالحين ثبته وشجعته وأعنته، وإن وجدته مع غير أولئك سحبته وحذرته وخوفته وقرعته، إن أساء ذكرته بالله، وإن أحسن شكرته وثبته على طاعة الله، وبذلك تنعم عينك بذرية صالحة، رفعت الأكف إلى الله من أنبياء الله أن يرزقهم الأبناء الصالحين: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] كان هذا من دعاء الأخيار والأنبياء، وذكر الله عن عباده الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] لأن العيون تقر عندما ترى ابناً صالحاً يحدثك، وقد يكون أصلح منك، فتقول: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعبد الله لا يشرك به شيئاً، الحمد الله الذي أخرج من صلبي من يسجد لله لا يسجد لأحد سواه، والله تعالى أعلم.

стр. 599

حكم تزين كبيرة السن بالكحل والطيب وغيره أمام الأجانب السؤال أنا امرأة أبلغ من العمر خمساً وخمسين سنة، وألبس البرقع والحلي، وأضع الكحل في العينين، وأضع الطيب وأخرج إلى الأسواق أو إلى المسجد وأنا بهذه الحال، فهل هذا أمر يجوز أم أنا من القواعد؟ الجواب يا أمة الله، اتقي الله في جمالك، واتقيه في وجهك ولو كنت بهذا السن، إن الله أباح لك عند الكبر أن تكشفي للنظر، أما أن تتبرجي بالزينة فيأبى الله ويأبى عباده الأخيار، فتنة للناظر وفتنة للمنظور، فاتقي الله -يا أمة الله- وأنت خارجة إلى بيوت الله ومساجد الله أن تفتني عباد الله، فلكل ساقطة لاقطة، فاتقي الله ، لا يجوز لك أن تضعي الكحل على العينين، ولو أُذن لك بكشف العينين للحاجة؛ لأن كبيرة السن يضعف بصرها وتقل الفتنة فيها، فلذلك جاز لها أن تضع عن عينها الحجاب من أجل الحاجة، وليس من أجل أن تفتن نفسها وتفتن عباد الله، فاتقي الله يا أمة الله وتوبي إلى الله مما تصنعين، أما الطيب فإنه حرام ويعتبر على النساء من الآثام؛ لأن المرأة إذا مرت على الرجال فشموا طيبها نظروا إلى مصدر الطيب ففتنوا بالنظر إلى المرأة، ولو كانت عجوزاً في آخر عمرها، إن وضع الطيب للنساء إنما هو ما خفي ريحه وبدا لونه، والطيب للرجال ما بدا ريحه وخفي لونه، فهذه هي السنة المأثورة والمعروفة المشهورة، فكوني على السنة، وابتعدي عن الفتن والمحن خير لك في الدين والدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

стр. 600

أكثر ما يكون الثبات والأجر عند الفتن والإيذاء السؤال أنا شاب كنت ضالاً فهداني الله، ولكن عندي أبٌ يرتكب بعض المعاصي، وتضايق كثيراً من التزامي حتى أنه إذا رأى معي كتاباً مزقه، ففي مرة من المرات كاد أن يمزق المصحف وحاول أن يدوسه بقدمه، فلما رأيت منه ذلك تركت الصلاة وابتعدت عن أهل الخير، ومنَّ الله عليَّ بشاب طيب زارني وناصحني، وأبشركم أني رجعت -ولله الحمد- إلى المساجد، فما نصيحتكم كيف أتعامل مع والدي؟ الجواب أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدي والدك، أسأل الله العظيم أن يشرح صدره وأن ينور قلبه وأن يمنَّ عليه بالتوبة إليه، إن ما فعله أمر عظيم، ما فعله كفر وردة -والعياذ بالله- وإذا مات فإن الجنة عليه حرام -نسأل الله السلامة والعافية- أعوذ بالله من سخط الله، ونعوذ بالله من كل شيء لا يرضي الله. أخي في الله! الحمد الله الذي هدانا وهداك واجتبانا واجتباك فأهنئك بنعمة الله عليك، فقل من كل قلبك وفؤادك: الحمد لله، فإن الله يحب الحامدين، فاحمد الله على نعمته، ولولا أن الله يريد بك خيراً ما قيض من ينتشلك، وأسأل الله أن يجزي هذا الأخ كل خير، وأسأل الله أن يعظم أجره وأن يوفقه، ويوفق أمثالاً من هؤلاء الذين نشهد الله أن الأمة كلها خاسرة إلا أمثال هؤلاء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] فهنيئاً له هذا الفضل الذي وفقه الله له حينما كتب هدايته عليك، ثم أوصيك أخي في الله: أن تجعل الجنة والنار نصب عينيك، ولا عليك من سخرية الساخرين ولا استهزاء المستهزئين، فإن في الله عوض عن الخلق أجمعين: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] كان موحداً حنيفياً على وجه الأرض يوم لا أحد سواه في قومه وعشيرته يؤمن بالله، فلما رأى هذا الإعراض منهم عن الله قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] فأعرض عنهم فعذبوه وآذوه، ثم انظر كيف يعامل ربك عباده الأخيار؟ ما خاب أحد عامل الله وصدق مع الله، بل إنه إذا صدق الله صدق الله معه، خرج من قومه وعشيرته، فأبدله الله الأرض المقدسة أرضاً أبرك وأطهر من الأرض التي كان عليها ثم فارق أباه فجعل الله في ذريته النبوة والكتاب إلى يوم الدين خلف من الله ، فاستعصم بالله وإياك أن تعيد الكرة، فبمجرد أن ترى من أبيك أو من قريبك الاستهزاء تضعف، فإن المؤمن قوي، المؤمن لا تزيده الفتن والمحن إلا ثباتاً وقوة وصبراً على طاعة الله ﷻ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:٤] فنسأل الله أن يثبت قلوبنا بالتثبيت، إياك أن ترجع لها، وإياك أن تعود، فاثبت بتثبيت الله ﷻ ، ولو رأيته مزق المصحف فمزق من قلبك حبه، وانزع من قلبك ولاءه، واجعل حبك لله ولو كان أقرب الناس منك، ولو كان أباك أو أمك ولو كان أقرب الناس إليك، فعدو الله عدوك، وولي الله وليك ولو كان من كان من الخلق والناس، فكن مع الله صادقاً بصدقك. أولاً: أوصيك فيما بينك وبين الله ببغضه في الله لأجل عمله، والقلوب لا سلطان لأحد عليها إلا الله ﷻ ، فالله يحاسبنا على محبة أعدائه أو موالاة من لا يرضاه ، القلب ليس لأحد عليه سلطان، فهذا لا تعذر فيه أباك، ولا تواليه ولا تحبه في الله ﷻ ، بل تبغضه في الله ، وهذا البغض عمل قلبي يرفع الله به درجتك ويعظم الله به أجرك ويصلح به أمرك. الأمر الثاني: نصيحة صادقة، واهتداء بهدي الأنبياء والمرسلين واتباع للخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ذكره بالله ﷻ ، واغتنم أفضل الأوقات لتذكيره بالله، حتى تعذر إلى الله وتنفض من ثوبك ومن عهدتك المسئولية بين يدي الله ﷻ ، استشعر آناء الليل وأطراف النهار أن الله سائلك عنه، فالله سيسألك عن هذا الأب، فابذل كل ما تستطيع لنصحه، وله عليك فضل كبير بعد فضل الله ، فليكن من رد المعروف أن تهديه، ثم دعوة صادقة في دياجير الظلمات والسجود، ودعوة صادقة تخرجها من قلب مؤمن بالله ﷻ إلى مقلب القلوب ومصلح الأحوال علاَّم الغيوب سبحانه أن يهديه، وقل: رب أسألك أن تنعم عيني فأرى أبي من الساجدين، وأن تنعم عيني فأرى أبي من المطيعين والمؤمنين المخبتين، وما ذلك على الله بعزيز، هو على الله هين، أمره بين الكاف والنون ، والقلوب بين إصبعين من أصابعه، فاسأل الله فإن العطية من الله ﷻ . أما الوصية الأخيرة: فاصبر على الأذى واحتمل لوجه الله جل وعلا، قال عروة بن الزبير: [والله ما قام أحد مقاماً لله فأهين فيه إلا أقامه الله مقاماً أعز منه وأكمل] فإذا أهانك في البيت فاعلم أن الله سيجعل لك يوماً تكرم فيه في هذا البيت، أهانت قريش نبي الأمة على الصفا حين دعاها إلى التوحيد؛ فجاء اليوم الذي تحته ﵊ مائة ألف من أمته وأصحابه يحجون كحجه -صلوات الله وسلامه عليه- ووقف على الصفا فقال: الله أكبر، فكان أول ما قال: الله أكبر، بالأمس يهان على هذا الجبل، واليوم الأمة كلها تقول: ماذا يفعل رسول الله ﷺ ؟ بالأمس يقولون له: الصابئ والأبتر والكذاب، وحاشاه! واليوم يقولون: ماذا يفعل رسول الله ﷺ ؟ ويقتتل الرجال والنساء حتى يرون شخصه ماذا يفعل من هديه صلوات الله وسلامه عليه، فاعلم أن الله يخلفك بخير، فإذا استهزأ بك فإن الله لا يستهزئ بك، وإن استخف بك فإن الله يجلك ويكرمك، وهذا الاستهزاء والسخرية التي تسمعها من إخوانك وأخواتك وأولادك وزوجك ما هي إلا حسنات تخط لك في دواوين الحسنات، فقر عندها عيناً، وارض عن الله لعل الله أن يرضيك، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →