Полный текст (1 035 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مخالفة أمر الله لأجل إرضاء الزوج لا تجوز
السؤال
أنا أوقظ زوجي لصلاة الفجر، ومع ذلك يغضب عليَّ ويهجرني ولا يكلمني؛ لأنني أيقظته للصلاة، بحجة: أنه يأتي من العمل وهو متعب، فيريد أن يرتاح في هذا الوقت؟
الجواب
جزاك الله كل خير، عظم الله أجرك وأحسن ثوابك، اشكري نعمة الله عليكِ يوم نظر إليكِ في بيتك ومع زوجك وأنت تأمرينه بطاعة الله ﷻ ، هنيئاً لكِ هذا الفضل يوم أمرتِ بما أمر الله ونهيتِ عما نهى الله عنه، فذلك شأن الأخيار والصفوة الأبرار، وتلك نعمة الله جل وعلا يمن بها على من يشاء، فاحمدي فضل الله عليكِ إذ جعلك امرأة صالحة، توقظي زوجك إذا نام، وتنبهيه إذا غفل، وتحيي قلبه بذكر الله ﷻ .
أختي المؤمنة! استمري على ما أنتِ عليه، فإن غضب عليكِ فإن الله لا يغضب، وإن غضب عليك رضي الله، وإن أرضيتِ الله أرضى عنك الناس، قال ﷺ : (من أرضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) فأرضي الله جل وعلا ولو سخط زوجكِ ولو هجرك ولو غضب عليك، فبلغي رسالة الله وذكريه بالله حتى تنعم عينك غداً بثواب الله، والله تعالى أعلم.
стр. 597
من أصيب بالعجب فليتذكر نعم الله عليه
السؤال
كيف نتخلص من العجب بالعمل؟
الجواب
الله المستعان، هل عندنا عمل حتى نعجب؟! الله المستعان، أين قيام الليل؟! وأين صيام النهار؟! أين بكاء الأسحار؟! وأين القنوت؟! وأين الخشوع الذي رفع من القلوب إلا ما شاء الله ﷻ ؟! كان الرجل إذا نُظر إليه ذُكِر الله ﷻ ، لا شك أن نعمة الله علينا عظيمة ولكن نغتر بماذا؟ مع السيئات والخطيئات وفتن النظر وفضول الكلام؟! تأمل نفسك يوماً كاملاً -ولو كنت أعبد الناس- هل سلم المسلمون من لسانك؟! تأمل يوماً كاملاً ما الذي قلته منذ أن أنعم الله عليك فأحياك وأمات غيرك، فقمت من صباحك الباكر إلى أن أويت إلى فراشك ما الذي تكلمت به وما الذي قلته؟ وانظر إلى الذي قلته من الكلام الذي يرضي الله، كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يعدون الكلام الذي يقولونه بغير ذكر الله ﷻ ، هل بلغت هذا المبلغ؟! بأي شيء تعجب؟! بأي شيء تغتر؟! كان السلف الصالح ﵏ إذا قيل لأحدهم: اتق الله، خشع وجلس يبكي، ولربما غشي عليه، فهل بلغت هذا المبلغ؟ وهل عندك علم بلغت به أعالي المراتب فأجبت به عن المسائل وحللت به المشكلات والنوازل حتى بلغت الغاية والتفوق، حتى تغتر بما أنت فيه؟ أي شيء عندنا حتى نغتر؟ جهل وإسراف وبعد عن الله جل وعلا إلا أن يرحمنا الله برحمته، ومع ذلك يعد الإنسان نفسه وكأنه أصلح الخلق، إذا أطلق لحيته وقصر ثوبه وصلى في المسجد فكأنه إمام زمانه علماً وصلاحاً وورعاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون! فإن العبد يحرم البركة في إخلاصه واستقامته والتزامه بعجبه بنفسه، فلا تغتر ولا تعجب، قال مطرف ﵀: [لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً] أبيت نائماً وأصبح نادماً؛ لأن الله بالندم يبلغه درجة العامل، أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً، وكم من عبد أعجب بنفسه حتى مكر الله به وبعلمه، ويعجب العالم فينزع الله من القلوب حبه، يعجب العالم فينزع الله من القلوب الثقة في كلامه ويصرف وجوه الناس عنه، ويعجب طالب العلم فيمحق بركة العلم وخشوع العلم، فلا يجد لعلمه أثراً على عامله وصلاحه -نسأل الله السلامة والعافية- العجب لا خير فيه، وإذا أردت أن تتخلص من هذا العجب فدعوة صادقة من الله ﷻ ، كل الأمراض -أمراض القلوب وأمراض الأجساد- أول شفاء ودواء لها أن تقول: يا رب وأن تقول: اللهم، من قلب لا يعرف أحداً سواه، تسأل الله أن يعافيك وأن يشفيك، بمجرد أن تصلي فوجدت أنك أعجبت بصلاتك، أو ذكَّرت الناس فأعجبت بتذكيرك، أو وعظتهم فأعجبت بوعظك، فابكِ لله وقل: اللهم إني أسألك ألا يحبط الشيطان عملي فأكون من الخاسرين، اللهم انزع من قلبي العجب بعمل عملته فيما بينك وبينه.
سل الله أن ينزع من قلبك العجب.
الأمر الثاني: النظر إلى الصلحاء وقراءة سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، كثير من الشباب يغتر لأنه ينظر إلى واقعه وقل أن يجد من هو على الكمال والجلال، فليقرأ في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم حتى يعرف منزلته، وليقرأ في أخبار العلماء والصلحاء حتى يعلم أين هو، فهذه من الأمور التي تعين على احتقار الإنسان نفسه.
أما الأمر الثالث: فإن الأعمال ولو صلحت ولو كانت من أحب الأعمال إلى الله فالعبرة كل العبرة على القبول، قد تجلس من طلوع الفجر إلى أن يغلق المسجد في العشاء وأنت تتلو كتاب الله ولا يتقبل الله منك حرفاً واحداً، هل تستطيع أن تقول: لا؟ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه﴾ [الرعد:٤١] ولذلك هذا الذي أهم السلف الصالح رحمة الله عليهم، فكانت قلوبهم منكسرة لله ، يحملون هم القبول: قد آلم القلب أني جاهل ما لي عند الإله أراض هو أو قالي وأن ذلك مخبوء إلى يوم اللقاء ومقفول عليه بأقفال ما أحد يعلم من المقبول ومن المحروم، كان علي ﵁ إذا كانت آخر ليلة من رمضان صاح وبكى وقال: [ألا ليت شعري من هو المقبول فنهنيه ومن هو المحروم فنعزيه] وكان ابن عمر ﵄ وأرضاه يقول: [لو أعلم أن لي صلاة واحدة مقبولة لاتكلت] ولا يستطيع ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يعلم أن الله تقبل، إلا إذا أطلعه الله ﷻ ، ما أحد يعلم، المدار على القبول، ربما عقوق والديك يحجب عنك القبول، وهذا ذكره العلماء ﵏ واستنبطوه من الآية التي ذكرناها في البر وقال الله عقب البر: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف:١٦] فما يدريك فلعل كلمة أسخطت والديك أو عققت بها والديك حجبت عنك قبول عملك أو صلاحك أو عبادتك، فإذاً الإنسان مداره على القبول، فالإنسان لا يغتر بالعمل وإنما يفوض أمره إلى الله.
الأمر الخامس الذي يعين على احتقار العمل: أن تنظر إلى نعم الله التي تغدق عليك في الصباح والمساء، التي تغدق عليك آناء الليل وأطراف النهار وأنت ترفل فيها، ما الذي يقدم في جنب هذه النعمة، انظر إلى عينك هذه التي حفظها الله لك، ويدك وسمعك وبصرك، وهذه الرحمة الإلهية التي لطف الله بها بجوارحك وأركانك حتى وقفت على قدمك وحتى مشيت بها إلى المسجد، وانظر إلى رحمة الله بك يوم صرف عنك الفتن والمحن، وقد كان بالإمكان ألا تقرب مسجداً لذكر الله وطاعته، والله لو شاء الله ما خطت ولا وقعت قدم أحدنا في بيت من بيوته إلا رحمته سبحانه لا إله إلا هو، ما نحن بشيء تحت رحمة الله ﷻ ، فلا تغتر رحمك الله، بأي شيء تغتر؟ فالإنسان تحت رحمة الله، وفي حديث العابد أنه لما قال الله له: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: لا، بعملي -والقصة معروفة- فأمر الله أن توزن نعمة البصر -نعمة البصر فقط- فرجحت بأعماله الصالحة في عمره كلها، ومع ذلك بقيت لها فضل على هذه الأعمال الصالحة، فقال: أَدخلوا عبدي الجنة برحمتي، نحن لسنا بشيء يا إخوان، نحن تحت رحمة الله ﷻ ، ومهما عملنا وقلنا، فالمنة والفضل كله لله، نقول: الحمد لله والفضل كل الفضل لله ﷻ ، يقول لنبيه أشرف الخلق وأفضلهم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣] المنة لله والفضل كله له، وقف ﷺ يوم حنين وقد قسم الغنائم فأعطى غير الأنصار وحرم الأنصار، فقالوا: أيعطيهم وسيفونا تقطر من دمائهم؟ فقال: اجتمعوا لي، فاجتمعوا وقال: ما مقالة بلغتني عنكم؟ قالوا: يا رسول الله، أما سفهاؤنا فقالوا: أيعطيهم وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ وأما ذوو الحلم فما قالوا إلا خيراً، وكانوا قوم صدق مع رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : أو قد وجدتم لعاعة من الدنيا يا معشر الأنصار؟! -يخاطبهم وهم لوحدهم ليس معهم أحد من غيرهم إلا النعمان بن أختهم- قال: (يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟! ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله بي؟! فبكوا وقالوا: المنة لله، ثم قال: ولو شئتم لقلتم، ولو قلتم لصدقتم وصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وخائفاً فأمناك، فبكى الصحابة رضوان الله عليهم، وقالوا: المنة لله) ما قالوا: لنا المنة ولا اغتروا، والنبي ﷺ قال: المنة لله، ردوا عليه صلوات الله وسلامه عليه وهو يقول: (ولو شئتم لقلتم ولو قلتم لصدقتم وصدقتم قالوا: المنة لله) العبد الصالح يجعل المنة كلها لله، فالغرور بلاء وشقاء يغتر به الإنسان حتى يكون من الهالكين، نسأل الله العظيم أن يكسر قلوبنا لوجهه الكريم، وأن يصرف عنا منكرات الأخلاق إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 598
حكم لبس المرأة للثوب الضيق والكم القصير وكلمة في تربية الأبناء
السؤال
ما حكم لبس الثوب والكم القصير أمام النساء، وكذلك الثوب الضيق، ثم نريد كلمة في تربية أبنائنا تربية إسلامية، وترسيخ الدين في أذهانهم، وفقكم الله؟
الجواب
أما بالنسبة للمسألة الأولى: فقد شاع وذاع بين النساء لبس هذا القصير، ونسأل الله بعزته وجلاله في هذا المكان الطيب الطاهر المبارك أن يذهب هذه العادة الممقوتة التي لا خير فيها، اللهم بعزتك وبجلالك نسألك أن تهدي قلوب النساء وأن تصلحهن وأن تنزع من قلوبهن هذا المرض العظيم، كشف المرأة عن ساقها وفخذها، والغريب أن بعض اللاتي يدعين العلم -نسأل الله السلامة والعافية- يحتج بعضهن: بأن العلماء ﵏ يقولون: عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل.
هذا صحيح، ولكن الآن لو أن رجلاً دخل علينا وهو لا يلبس إلا سروالاً قصيراً وفنيلة إلأى نصف كمه، تسقط عدالته بإجماع العلماء، وترد شهادته؛ لأن هذا الفعل ينبئ عن ضعف عقله -والعياذ بالله- وأنه قدوة سيئة، ليس في الإسلام فقط الواجبات، هناك الكمالات، وهناك العرف والحياء الذي ينبغي للإنسان أن يصونه عما لا يليق، صحيح هذا الأمر ذكره العلماء، لكن ذكروا ضابطاً له عورة المرأة مع المرأة، إذا كان الأمر هو وجود عرف وضوابط فالإجماع منعقد على أن العادة محكمة، والله ردنا إلى العرف، فقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] وأجمع العلماء على أن أمور اللباس والهيئات مردها إلى الأعراف بشرط ألا تعارض شرع الله، فكيف إذا وافقت شرع الله، المرأة التي تلبس إلى نصف ساقها، في هذا المجتمع المعروف بالمحافظة والالتزام والحياء والخجل ذاهبة المروءة -والعياذ بالله- ساقطة العدالة، وينطبق عليها قول النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فلو كانت تستحي وفيها مروءة ما فعلت هذا، ففعلها هذا يدل على ضعف العقل -نسأل الله السلامة والعافية- قال بعض العلماء: ضعف المروءة مقرون بضعف العقل.
فالمرأة التي تفعل ذلك لا عقل عندها، لأن العقل يعقل -وسماه الله عقلاً، وسماه حجراً؛ لأنه الذي يعقل الإنسان ويحجره، أي: يمنعه عما لا يليق به- فإذا نزع هذا النور -نسأل الله ألا ينزعه منا ومنكم- أظلم صاحبه فأصبح يتخبط خبط عشواء -أعوذ بالله- إذا جلست المرأة كاشفة لساقيها في مجمع النساء، هل يرضيك لو رأيت أمك بهذه الصفة؟ أمَّا أن تنعم عينك بأن ترى أمك بهذه الصفة كاشفة عن فخذيها بين النساء فهذا تهتك وانحلال، نسأل السلامة والعافية، ونعوذ بالله من هذه الأخلاق الرديئة التي دخلت على بيئة المسلمين.
فينبغي على النساء أن يتناصحن، وأن يأتمرن بأمر الله ، وأن يتقين الله جل وعلا، يتقين الله في البنات، ويتقين الله في النشء، فإن النشء يتأثر، إذا نشأت المرأة نشأت وأمها تحتجب حتى في البيت تستحي بعض الأحيان إلى عهد قريب، بل لا زال من النساء الصالحات من تستحي أن تكشف شعرها لولدها، إي والله من النساء صالحة تستحي أن تكشف شعرها لولدها، ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عن المرأة تكشف ساقها لأخيها ومحرمها، وساعدها كذلك، قال: أخاف عليها الفتنة، مع أنه محرم، وبذلك لا ينبغي إحداث هذه القدوة السيئة، وهذه الصور التي تدل على ضعف العقل، ينبغي المحافظة على الأخلاق الكريمة وصيانتها والدعوة إليها، والتحبيب فيها، والحرص كل الحرص على هذه الأخلاق الطيبة التي جعلها الله في الناس على فطرهم، فهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فنسأل الله العظيم أن يهديهن وأن يصلحهن، وأن يزيل عن هذا المجتمع الطاهر هذه المنكرات والأخلاق والأدواء إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أما الثوب الضيق فلا يليق بالمرأة، ضيق الله عليها كما ضيقت ثوبها، المرأة التي تضيق ثوبها ماذا تريد أعوذ بالله -نسأل الله السلامة والعافية- فالمرأة تفكر، هذه امرأة مثلها، ماذا تريد بلبس الضيق؟ ما تريد إلا تشبهاً بكافرات -والعياذ بالله- أو عاهرات فاجرات -نسأل الله السلامة والعافية- هل هذا من صنيع الصالحات أن تلبس المرأة لبساً ضيقاً أمام أخواتها من النساء؟ ماذا تريد؟ المرأة تتزين لزوجها، تتزين لبعلها، أما لأخواتها فتتزين بالمعروف، ولذلك لبس الضيق يعتبر أقل ما فيه كما قال العلماء ﵏ أنه ككشف العورة؛ ولذلك الآن الذي نشأ بين بعض النساء لبس هذا اللباس الذي هو العباءة المفصلة، اليد على حدة، وغيرها على حدة هذا لا يجوز؛ لأنها إذا فصلت يدها على حدة عرف جرمها، وتحدد الجرم، لكن لو لبست عباءتها، ما عرف شيء من تفاصيل جسمها، بل كان بعض العلماء يقول: لا يجوز للمرأة أن تجعل عباءتها على عاتقيها؛ لأنها إذا جعلت غطاءها للرأس عرف حجم رأسها، والمرأة تفتن بكل صورها، ولكن انظر إليها وهي في عباءتها قد وضعت عباءة على رأسها لا ترى فيها شيئاً، وتحس أنك أمام امرأة، ولية لله ﷻ ، تخاف الله وتراقبه، وتتقي الله في عباد الله المؤمنين، والعكس بالعكس، نسأل الله العافية والسلامة.
أما تربية الأبناء فجماع الخير في تقوى الله، الابن تربيه بأمرين: الأمر الأول: القول السديد والنصيحة الهادفة، أن يكون قولك سديداً، دائماً تعاهده بالنصيحة في المواطن والمواضع المؤثرة، وحببه في طاعة الله، واغرس في قلبه محبة الله ومرضاته، وذلك قربة وحسبة، هذا أول شيء في لسانه، الشيء الثاني: في جوارحك وأركانك قدوة حسنة توجدها لهذا الابن الصالح، تأمره بالبر فإذا بك أبر الناس بوالديك، تأمره بصلة الرحم وإذا بك أنت الذي تصل الرحم، وتأخذه إلى صلة الرحم وتعويده على الخير بالقدوة الصالحة، الأبناء يتأثرون بالآباء، والبنات يتأثرن بالأمهات، ولذلك حق على الآباء والأمهات التربية الصالحة بالقول والعمل، وذلك كله لا يكون إلا بعد توفيق الله، والأخذ بالأسباب الصالحة، إن وجدته مع الصالحين ثبته وشجعته وأعنته، وإن وجدته مع غير أولئك سحبته وحذرته وخوفته وقرعته، إن أساء ذكرته بالله، وإن أحسن شكرته وثبته على طاعة الله، وبذلك تنعم عينك بذرية صالحة، رفعت الأكف إلى الله من أنبياء الله أن يرزقهم الأبناء الصالحين: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] كان هذا من دعاء الأخيار والأنبياء، وذكر الله عن عباده الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] لأن العيون تقر عندما ترى ابناً صالحاً يحدثك، وقد يكون أصلح منك، فتقول: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعبد الله لا يشرك به شيئاً، الحمد الله الذي أخرج من صلبي من يسجد لله لا يسجد لأحد سواه، والله تعالى أعلم.
стр. 599
حكم تزين كبيرة السن بالكحل والطيب وغيره أمام الأجانب
السؤال
أنا امرأة أبلغ من العمر خمساً وخمسين سنة، وألبس البرقع والحلي، وأضع الكحل في العينين، وأضع الطيب وأخرج إلى الأسواق أو إلى المسجد وأنا بهذه الحال، فهل هذا أمر يجوز أم أنا من القواعد؟
الجواب
يا أمة الله، اتقي الله في جمالك، واتقيه في وجهك ولو كنت بهذا السن، إن الله أباح لك عند الكبر أن تكشفي للنظر، أما أن تتبرجي بالزينة فيأبى الله ويأبى عباده الأخيار، فتنة للناظر وفتنة للمنظور، فاتقي الله -يا أمة الله- وأنت خارجة إلى بيوت الله ومساجد الله أن تفتني عباد الله، فلكل ساقطة لاقطة، فاتقي الله ، لا يجوز لك أن تضعي الكحل على العينين، ولو أُذن لك بكشف العينين للحاجة؛ لأن كبيرة السن يضعف بصرها وتقل الفتنة فيها، فلذلك جاز لها أن تضع عن عينها الحجاب من أجل الحاجة، وليس من أجل أن تفتن نفسها وتفتن عباد الله، فاتقي الله يا أمة الله وتوبي إلى الله مما تصنعين، أما الطيب فإنه حرام ويعتبر على النساء من الآثام؛ لأن المرأة إذا مرت على الرجال فشموا طيبها نظروا إلى مصدر الطيب ففتنوا بالنظر إلى المرأة، ولو كانت عجوزاً في آخر عمرها، إن وضع الطيب للنساء إنما هو ما خفي ريحه وبدا لونه، والطيب للرجال ما بدا ريحه وخفي لونه، فهذه هي السنة المأثورة والمعروفة المشهورة، فكوني على السنة، وابتعدي عن الفتن والمحن خير لك في الدين والدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.
стр. 600
أكثر ما يكون الثبات والأجر عند الفتن والإيذاء
السؤال
أنا شاب كنت ضالاً فهداني الله، ولكن عندي أبٌ يرتكب بعض المعاصي، وتضايق كثيراً من التزامي حتى أنه إذا رأى معي كتاباً مزقه، ففي مرة من المرات كاد أن يمزق المصحف وحاول أن يدوسه بقدمه، فلما رأيت منه ذلك تركت الصلاة وابتعدت عن أهل الخير، ومنَّ الله عليَّ بشاب طيب زارني وناصحني، وأبشركم أني رجعت -ولله الحمد- إلى المساجد، فما نصيحتكم كيف أتعامل مع والدي؟
الجواب
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدي والدك، أسأل الله العظيم أن يشرح صدره وأن ينور قلبه وأن يمنَّ عليه بالتوبة إليه، إن ما فعله أمر عظيم، ما فعله كفر وردة -والعياذ بالله- وإذا مات فإن الجنة عليه حرام -نسأل الله السلامة والعافية- أعوذ بالله من سخط الله، ونعوذ بالله من كل شيء لا يرضي الله.
أخي في الله! الحمد الله الذي هدانا وهداك واجتبانا واجتباك فأهنئك بنعمة الله عليك، فقل من كل قلبك وفؤادك: الحمد لله، فإن الله يحب الحامدين، فاحمد الله على نعمته، ولولا أن الله يريد بك خيراً ما قيض من ينتشلك، وأسأل الله أن يجزي هذا الأخ كل خير، وأسأل الله أن يعظم أجره وأن يوفقه، ويوفق أمثالاً من هؤلاء الذين نشهد الله أن الأمة كلها خاسرة إلا أمثال هؤلاء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] فهنيئاً له هذا الفضل الذي وفقه الله له حينما كتب هدايته عليك، ثم أوصيك أخي في الله: أن تجعل الجنة والنار نصب عينيك، ولا عليك من سخرية الساخرين ولا استهزاء المستهزئين، فإن في الله عوض عن الخلق أجمعين: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] كان موحداً حنيفياً على وجه الأرض يوم لا أحد سواه في قومه وعشيرته يؤمن بالله، فلما رأى هذا الإعراض منهم عن الله قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] فأعرض عنهم فعذبوه وآذوه، ثم انظر كيف يعامل ربك عباده الأخيار؟ ما خاب أحد عامل الله وصدق مع الله، بل إنه إذا صدق الله صدق الله معه، خرج من قومه وعشيرته، فأبدله الله الأرض المقدسة أرضاً أبرك وأطهر من الأرض التي كان عليها ثم فارق أباه فجعل الله في ذريته النبوة والكتاب إلى يوم الدين خلف من الله ، فاستعصم بالله وإياك أن تعيد الكرة، فبمجرد أن ترى من أبيك أو من قريبك الاستهزاء تضعف، فإن المؤمن قوي، المؤمن لا تزيده الفتن والمحن إلا ثباتاً وقوة وصبراً على طاعة الله ﷻ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:٤] فنسأل الله أن يثبت قلوبنا بالتثبيت، إياك أن ترجع لها، وإياك أن تعود، فاثبت بتثبيت الله ﷻ ، ولو رأيته مزق المصحف فمزق من قلبك حبه، وانزع من قلبك ولاءه، واجعل حبك لله ولو كان أقرب الناس منك، ولو كان أباك أو أمك ولو كان أقرب الناس إليك، فعدو الله عدوك، وولي الله وليك ولو كان من كان من الخلق والناس، فكن مع الله صادقاً بصدقك.
أولاً: أوصيك فيما بينك وبين الله ببغضه في الله لأجل عمله، والقلوب لا سلطان لأحد عليها إلا الله ﷻ ، فالله يحاسبنا على محبة أعدائه أو موالاة من لا يرضاه ، القلب ليس لأحد عليه سلطان، فهذا لا تعذر فيه أباك، ولا تواليه ولا تحبه في الله ﷻ ، بل تبغضه في الله ، وهذا البغض عمل قلبي يرفع الله به درجتك ويعظم الله به أجرك ويصلح به أمرك.
الأمر الثاني: نصيحة صادقة، واهتداء بهدي الأنبياء والمرسلين واتباع للخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ذكره بالله ﷻ ، واغتنم أفضل الأوقات لتذكيره بالله، حتى تعذر إلى الله وتنفض من ثوبك ومن عهدتك المسئولية بين يدي الله ﷻ ، استشعر آناء الليل وأطراف النهار أن الله سائلك عنه، فالله سيسألك عن هذا الأب، فابذل كل ما تستطيع لنصحه، وله عليك فضل كبير بعد فضل الله ، فليكن من رد المعروف أن تهديه، ثم دعوة صادقة في دياجير الظلمات والسجود، ودعوة صادقة تخرجها من قلب مؤمن بالله ﷻ إلى مقلب القلوب ومصلح الأحوال علاَّم الغيوب سبحانه أن يهديه، وقل: رب أسألك أن تنعم عيني فأرى أبي من الساجدين، وأن تنعم عيني فأرى أبي من المطيعين والمؤمنين المخبتين، وما ذلك على الله بعزيز، هو على الله هين، أمره بين الكاف والنون ، والقلوب بين إصبعين من أصابعه، فاسأل الله فإن العطية من الله ﷻ .
أما الوصية الأخيرة: فاصبر على الأذى واحتمل لوجه الله جل وعلا، قال عروة بن الزبير: [والله ما قام أحد مقاماً لله فأهين فيه إلا أقامه الله مقاماً أعز منه وأكمل] فإذا أهانك في البيت فاعلم أن الله سيجعل لك يوماً تكرم فيه في هذا البيت، أهانت قريش نبي الأمة على الصفا حين دعاها إلى التوحيد؛ فجاء اليوم الذي تحته ﵊ مائة ألف من أمته وأصحابه يحجون كحجه -صلوات الله وسلامه عليه- ووقف على الصفا فقال: الله أكبر، فكان أول ما قال: الله أكبر، بالأمس يهان على هذا الجبل، واليوم الأمة كلها تقول: ماذا يفعل رسول الله ﷺ ؟ بالأمس يقولون له: الصابئ والأبتر والكذاب، وحاشاه! واليوم يقولون: ماذا يفعل رسول الله ﷺ ؟ ويقتتل الرجال والنساء حتى يرون شخصه ماذا يفعل من هديه صلوات الله وسلامه عليه، فاعلم أن الله يخلفك بخير، فإذا استهزأ بك فإن الله لا يستهزئ بك، وإن استخف بك فإن الله يجلك ويكرمك، وهذا الاستهزاء والسخرية التي تسمعها من إخوانك وأخواتك وأولادك وزوجك ما هي إلا حسنات تخط لك في دواوين الحسنات، فقر عندها عيناً، وارض عن الله لعل الله أن يرضيك، والله تعالى أعلم.
стр. 601
كيفية اكتساب الاستقامة
السؤال
فضيلة الشيخ كيف نكسب الاستقامة ونحافظ عليها؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء؟
الجواب
الاستقامة نعمة من الله جل وعلا لا يمكن أن تنالها إلا بدعوة صالحة، سل الله أن يجعلك من عباده المستقيمين، وأن يثبتك على ذلك إلى لقائه سبحانه وهو رب العالمين، ولذلك كان النبي ﷺ كثيراً ما يقول في دعائه: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) سل الله أن يرزقك الاستقامة.
ثانياً: أن تأخذ بالأسباب التي تعين على الاستقامة، وأعظمها وأجلها العلم النافع، فإن العلم النافع نور يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله ﷻ ، اطلب العلم: فاحرص على مجالس العلماء، واحرص على محاضرات العلماء والدعاة إلى الله، واحرص على مجالس الذكر فإنهم قوم لا يشقى بهم جليسهم، فلا تزال تجلس مع الصالحين حتى يبلغك الله فضلهم، ولعلك أن تكون خيراً منهم فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، الحرص على مجالس العلماء والأخيار من أعظم الأسباب التي تعين على الاستقامة، فكثير من الشباب -إلا من رحم الله- يستقيم، ثم يحس بظلمة قلبه وقسوته؛ لأنه كان في بداية أمره لا يسمع بمجلس ذكر إلا حضره، ولا يسمع بكلمة خير إلا أصغى إليها وفتح قلبه لها وطبقها بجوارحه وأركانه، فلما غير من حاله غير الله عنه، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
الأمر الثالث: جناحا سلامة تطير بهما إلى الله: خوف صادق من الله، ورجاء صادق في رحمة الله، فتربي قلبك على الخوف الصادق من الله ﷻ ، واستشعارك دائماً لعظمة الله وبطشه وهيبته، وأنك تحت رحمته ﷻ .
وأيضاً: حبك الذي هو الرجاء، وحبك لرحمة الله وشوقك إلى حلمه وعفوه وإحسانه ومنه وكرمه، فإذا حصل عندك الأمران: الخوف الصادق، والرجاء الصادق أمنت وسرت على نهج الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، هؤلاء أهل الاستقامة يقول الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] يدعوننا رغباً فيما عندنا من الخير ورهباً من الوعيد، وما عندنا من العذاب والنكال: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٧ - ٤٨] خوف من الله ﷻ ، والاستشعار لظلمات القبر، وهول البعث والنشر، وزلات الصراط، وهيبة سؤال الله ﷻ يوم القيامة، فإذا استشعرت هذا الخوف نقلك إلى الطاعات وجعل أخلاقك حميدة وسيرتك سوية مستقيمة، كلما دعتك نفسك الأمارة بالسوء حبسها ومنعها الخوف من الله ﷻ ، وشوقها -إذا حصلت منها السآمة والملل في طاعة الله- إلى نعيم الله ورحمته، فالدعاء وغشيان حلق الذكر والخوف الصادق والرجاء الصادق في الله ﷻ : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] فاحرص رحمك على هذه الثلاث الخلال، أسأل الله العظيم أن يجعلنا من عباده المستقيمين.
والله تعالى أعلم.
стр. 602
حالنا مع القرآن
إن الناظر في حال المسلمين اليوم مع القرآن ليرى العجب، فالكثير منهم عند قراءة القرآن ينثره نثر الدقل، كما قال ابن عمر: فلا يفرق بين أمره وزجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، بخلاف حال السلف رضوان الله عليهم، فإن حالهم مع القرآن حال تفهم لما أريد من خطاب الله الموجه إليهم.
стр. 603
أهمية الاعتناء بكتاب الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فاختصار للوقت لم أرد أن أدخل مع الشيخ محمد حفظه الله فيما ينبغي من الأسبقية للمتكلم، وفضلت أن أبدأ بكلمة موجزة قصيرة، حتى يتيسر لكم الانتفاع بما عنده جزاه الله خيراً، ونفع الله به ومنه، ووفقنا الله وإياكم جميعاً للعمل بما نقول وبما نسمع، وجعلنا الله وإياكم هداة مهتدين، وزادنا وإياكم هدىً وخلقاً وتوفيقاً وعلماً وتواضعاً.
آمين.
إخواني! إن من أهم الأمور التي يجب علينا جميعاً أن نعتني بها القرآن الكريم كتاب الله ، إن القرآن الكريم من أهم الأمور التي يجب علينا الاعتناء بها حفظاً وتلاوة، وفهماً وتدبراً وعملاً وتحاكماً واستشفاءً، وإنا لم نعد نخشى اليوم قلة الحفاظ بقدر ما أصبحنا نخشى عدم التدبر في كتاب الله ، وفهم ما أريد به وهو خطاب ربنا الموجه إلينا، وعندما نتأمل حديث ابن عمر ﵄ في المستدرك بسند على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي رحمهم الله تعالى، نرى أن من أخبر عنهم ابن عمر في زمانه من المقصرين في حق كتاب الله ، لا يمكن أن يكونوا أولى منا وأحرى وأجدر بأن يوصفوا بالمقصرين الذين حولوا ما أريد بكتاب الله إلى مجرد الترداد والتلاوة من غير تأمل ولا تفهم ولا تدبر، ليسوا أولى منا ولا أجدر بأن يوصفوا بالمقصرين.
وإن كان هذا قد روي في عصر ابن عمر، في أوائل عهد التابعين الذين هم أفضل هذه الأمة بعد أصحاب رسول الله ﷺ ، فمما لاشك فيه أن مضي السنين وتصرم الأعوام يفضي بمن يأتي بعد الزمان الأول إلى حال أشد وعورة وأشد خطورة، فنعيذ أنفسنا وإياكم بالله من أن نكون واقعين تحت طائلة هذا الكلام الذي سأذكره سريعاً.
قال ابن عمر ﵄: [كنا نؤتى الإيمان، ثم نؤتى القرآن، فإذا نزلت السورة تعلمنا حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده كما يتعلم أحدكم السورة من القرآن] الإيمان ثم القرآن، وحالهم مع القرآن حال تفهم لما أريد من خطاب الله الموجه إليهم يتعلمون الحلال والحرام، وما ينبغي أن يوقف عنده كما يتعلم الشخص منا تلاوة سورة من السور ليحفظها، قال ابن عمر ﵄: [ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن فيقرأه من فاتحته إلى خاتمته، لا يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، ينثره نثر الدقل].
كما يبعثر الواحد منا ويرمي التمر الرديء، ولا يحفل ولا يعبأ به ولا يبالي به، كذلك هذا الذي لا يدري أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، وهكذا ينتقل من سورة إلى أخرى.
وكما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: كيف يمكن لمن يتعامل مع القرآن على النحو والوجه اللائق أن يكمل ختمة، بل كيف يمكن أن يجوز آية إلى غيرها إلا بصعوبة ومشقة؟ إذا كان يعطيها حقها من الفهم والتدبر، وتنزيلها على أدواء قلبه، كيف يمكن أن يجوز آية إلى آية أخرى؟ وكذلك من قام يصلي لله ، إذا أعطى الركعتين اللتين يصليهما قلبه وخشوعه وحضوره وتركيزه إلى آخره.
كيف يمكن أن يتجاوز ركعتين إلا بمشقة وجهد؟ فإذا غفل عن ذلك عد الركعات بلا حساب، فهكذا يبين لنا ابن عمر ﵄ أن من الناس من حاله مع القرآن حال من ينثر الدقل، ينثر القرآن كما ينثر الدقل، وبسبب هذا الجهل بكتاب الله ترى فينا -وما أبرئ نفسي- خللاً في الظاهر وفي الباطن، في الباطن خلل في النيات والمقاصد وأحوال القلوب، وفي الظاهر خلل في الآداب وما ينبغي أن يقف الإنسان عنده من الآداب الشرعية، خلل في الظاهر والباطن؛ لأننا لم ننزل أدوية القرآن على أدواء الباطن والظاهر.
ولهذا صار كل الناس يشكون من بعضهم البعض، يشكون من المعاملات، يشكون من التصرفات، يشكون من القسوة ومن الغفلة، ومن الغلظة والجفاء؛ كل هذا لأن القلوب لم تعرض أدواؤها على أدوية القرآن، ولم ينزل دواء القرآن على هذه الأدواء.
стр. 604
تتبع القرآن والسنة لأمور الجاهلية وذمهما لها
القرآن والسنة يتتبعان أمور الجاهلية، ويشنعان على الجاهلية وأمورها وفاعليها، ويذمان ويقبحان الجاهلية وأمورها وفاعليها، ويحذران من ذلك، فتجد القرآن الكريم في سورة آل عمران في الآية الرابعة والخمسين بعد المائة، يذم من يظن بالله غير الحق ويسميه ظن الجاهلية، كما أخبر عمن ظن بالله كذلك في غزوة أحد، فقال : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً منْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
وتتبع القرآن أمراً من أمور الجاهلية في سورة الأحزاب في الآية الثالثة والثلاثين، فقال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وتتبع أمراً آخر من أمور الجاهلية وهو الظهار، وإن لم يصفه في سورة المجادلة بإنه من أمور الجاهلية، لكن أخبر العلماء أن هذا الأمر كان معروفاً في الجاهلية، ولكن شنع القرآن عليه، وذمه وقبحه في سورة المجادلة فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] في الآية الثانية من سورة المجادلة.
وذكر حمية الجاهلية في سورة الفتح في الآية السادسة والعشرين، وأنه لا يجعلها في قلبه إلا الذين كفروا، أما المؤمنون فجهادهم في سبيل الله ، لتكون كلمة الله هي العليا، فقال : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الفتح:٢٦].
وتتبعت السنة أمور الجاهلية، فحذر النبي ﷺ من الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وحذر من ازدراء الناس واحتقارهم وانتقاصهم، حتى قال لـ أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه السابق إلى الإسلام من السابقين، قال له يوماً لما عير رجلاً بأمه: [يا ابن السوداء!] قال له النبي ﷺ بعد هذه القدم الثابتة الراسخة في الإيمان، وما أمضاه من سنين في البلاء الحسن، قال له: (إنك امرؤ فيك جاهلية).
وعلى هذا فكم من رجل وامرأة منا حريون بأن يقال لهم: إنكم أناس فيكم جاهلية؛ لأننا قد بعدنا أشد البعد وأعظمه من عرض أدوية القرآن على أدواء قلوبنا ولسنا كـ أبي ذر، ومع ذلك فلتت من أبي ذر هذه الفلتة التي عوض عنها وداواها بأن وضع خده على الأرض، وأمر من قال له: [يا ابن السوداء!] ويقال: إنه بلال، ويقال: غيره، وأمر هذا الشخص الذي عيره بأن يطأ خده بقدمه، لكي يتخلص تماماً من أمر من أمور الجاهلية أخبره المربي الأعظم رسول الله ﷺ أنه ما يزال فيه.
أمور الجاهلية الكثيرة التي فينا لا خلاص لنا منها إلا بأن نقرأ القرآن الكريم قراءة فهم وتدبر ووعي، ولأن يفهم الواحد منا في هذا الزمان سورة من سور القرآن الكريم فهماً صحيحاً سليماً بكل ما فيها من حلال وحرام، وما ينبغي أن يوقف عنده لعل هذا يكون أبرك وأعظم أثراً على النفس وعلى الأفراد والمجتمع، من أن يقول المرء: أنا من حفاظ القرآن الكريم، ثم تراه بعد ذلك يتصرف تصرفات يقال له فيها كما قال الشيخ عبد الرحمن العشماوي جزاه الله خيراً: إيه يا حافظ القرآن أجبني أو هذا بالحافظين يليق نعم، لا نريد أن يقال للحفاظ هذه الكلمة، ولو بين الإنسان وبين نفسه، لا نريد أن يقول أحدٌ بينه وبين نفسه: إيه يا حافظ الكتاب أجبني أو هذا بالحافظين يليق إذاًَ فلو تدبر الواحد منا سورة واحدة تدبراً كاملاً، وعرف ما أريد فيها من خطاب الله ، وما أريد بالآيات أبرك وأعظم أثراً من أن يجمع سورة إلى سورة، وهو من التأدب بأدب القرآن بعيد، ومن عرض أدوية القرآن على أدوائه بعيد، هو في شق والقرآن في شق.
وكذلك أقول في حق سنة رسول الله ﷺ : إن من اعتنى بها قولاً وفعلاً وتقريراً، وبتدبر وفهم وإخلاص وإيمان تخلص من هذه الجاهلية التي اشتد أمرها فينا، واشتد أثرها علينا.
نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم للعمل بهذه الكلمة التي فيها من القصور ما فيها، لكن يكفيني ويكفيكم أن نستفيد زبدتها، وأن نذكر خلاصتها، وهو ما ينبغي من تغير حالنا مع القرآن والسنة من مجرد حفظ وتمتمة وترداد وتلاوة، إلى حرص شديد أكيد على الفهم والتدبر، وهذا يتطلب منا ويقتضي أن نلم بالأدوات التي تعيننا على ذلك، ولهذا ليس لأجل وجود أخينا الفاضل الشيخ محمد حفظه الله، بل هذا أمر كان في غيابه كنا نتذاكر أحوال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وما كان له من التمكن، والشيخ محمد المختار رحمة الله عليه في القرآن الكريم، فقال أحد الذين درسوا عليهما في المدينة: إن هذا كان بسبب التمكن من اللغة، وأوجه القراءات، وسنة رسول الله ﷺ ، والأصول، فهذه الأدوات يجب على كل طالب علم يريد أن ينفع نفسه ومجتمعه أن يأخذ منها بطرف بحسب الطاقة.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجمعنا وإياكم بالسابقين من المخلصين الصالحين في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.
стр. 605
القرب من كتاب الله تعالى وأنه سعادة الدارين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فجزى الله فضيلة الشيخ كل خير على حسن الاختيار لهذا الموضوع الذي لا يمكن للأمة أن تسعد إلا به.
إن البعد عن كتاب الله، والغربة عن هذا النور المبين، وهذا الصراط المستبين هو شقاء هذه الأمة، والقرب والدنو منه، والعمل بآياته، والتأثر بعظاته، والوقوف عند حدوده وزواجره، هو سعادة الدارين وهو فلاحهما، هذه الصفة العظيمة وهي التأثر بكتاب الله ، منحة ربانية، وعطية إلهية، اختار الله لها أمة صالحة، وسلفاً صالحا، صلحت أعمالهم لما كانوا رهبان الليل بكتاب الله، وظمئوا هواجرهم حينما تقرحت قلوبهم من آيات الله.
إن هذا الكتاب المبين عظيم الوقع في قلوب المؤمنين، هذا الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، وجد أرضاً طيبة، وقلوباً مستنيرة، تهيأت لسماعه، وتأثرت لعظاته، فشاء الله ما شاء لها، فكان الصحابي يسمع الآية من كتاب الله لا يقر قراره، ولا ترتاح نفسه إلا بالعمل والتطبيق، نظروا إلى كتاب الله فوجدوا أنه حبل من الله متين، وصراط من الله مستبين، فأيقنوا يقيناً لاشك معه ولا مرية ألا سعادة إلا بالتمسك به، والاعتصام بحبله، فحققوا ذلك قولاً وعملاً ظاهراً وباطناً.
فيا لله! من أمة عرفت كتاب الله، عاشت مع هذا الكتاب حينما يذكرها بالآخرة حتى كأنها تنظر إليها نظر عين، عاشت مع هذا الكتاب حينما أدبهم في القول والعمل، وفي الظاهر والباطن، حتى أدبهم رجالاً ونساء، ذكراناً وإناثاً، فأدب المؤمن في قيله وأدبه في حديثه، أدبه وهو في ثورة الغضب، وأدبه وهو في قمة الرضا، وأدب المؤمنة في ظاهرها وباطنها، حتى أدبها وهي ترفع قدماً وتضع أخرى.
كتاب الله، وما كتاب الله؟ وهل شقيت الأمة إلا بالإعراض عن كتاب الله؟ وهل سعدت إلا في ذلك الزمان الذي احتضنت فيه هذا الكتاب المبارك، فعاشت معه العيشة الراضية الهنيئة الطيبة المباركة، التي وعد الله بها أهل القرآن.
لذلك -أحبتي في الله- كانت هذه الكلمات من فضيلة الشيخ تذكيراً لنا جميعاً أن نحيا مع كتاب الله، وحركت في القلب أشجاناً وأحزاناً لا يعلمها إلا الله، والله لا تفتح سيرة القرآن، ولا يذكر مؤمن بحق القرآن عليه، إلا تأثر والله عظيم الأثر، إن هذا المنهج وهذا الكتاب المبارك هو الذي بيننا وبين الله، من عمل به أحبه الله، ومن اعتز به أعزه الله، ومن أكرم هذا الكتاب أكرمه الله، ومن لم يرفع به رأساً، ولم يجعله في الأمور أساساً، فإنها الخيبة التي لا خيبة وراءها: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
لذلك -أحبتي في الله- إذا أردتم أن تعرفوا سعادة المؤمن، وأراد المؤمن أن يعرف حياته من موته، فليحيي، وليذكر نفسه بتلك الحياة حينما يتساءل، أين أنا من كتاب الله؟ وكل شخص منا إذا أراد أن يعرف مقامه عند الله، فليعرف قدر القرآن في قلبه، وليعرف قدر هذه الآيات في فؤاده، إذا كان لها خاشعاً، ومن تلاوتها وسماعها دامعاً، فوالله قد حيي فؤاده، وعندها يكون للخير سباقاً، وللطاعة المرضية مشتاقاً.
إن هذا الكتاب ما عرض عبد مؤمن حاله عليه إلا دمع تلك الدمعة الصادقة بحرارة من قلبه، كيف لا يدمع وآيات القرآن قد نسيت! وحدود الله التي بينه وبينه قد انتهكت! كيف لا يدمع على هذا الكتاب المبين والصراط المستبين، والله إنها للحسرة إذا قدم العبد على ربه، فوجد الأخيار والصالحين قد ملئت كفات حسناتهم بتلاوة هذا الكتاب، ووجدهم قد حازوا من الله رضواناً، ومحبة وصفحاً وغفراناً، وجاء صفر اليدين من كتاب الله، وجاء بعظيم الغربة والبعد عن كتاب الله .
يا أحبتي في الله! القرآن وما القرآن! الذي وصف الله أثره، وأخبر وهو أصدق القائلين، ولا أصدق منه حديثاً، أنه لو نزلت هذه الآيات على الجبال لاندكت، ولو نزلت على الرواسي من خشية الله انهدت، فأين قلوبنا؟ أحبتي في الله! أين قلوبنا من هذا الكتاب العظيم الذي وصف الله أهل الإيمان الصادقين، أنهم يخشعون لسماعه ويبكون لآياته وعظاته ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]؟ فهذه هي صفات الأحبة الذين اجتباهم الله للقرآن، واختارهم لهذا الكتاب المبين، إنه الإمام الذي يهدي إلى الله، والسبيل الذي لا سبيل إلى الله بسواه، من كان مؤمناً صادقاً في إيمانه، فليجعل بينه وبين القرآن زماناً، ليجعل بينه وبين القرآن لحظات من يومه، وساعات من نهاره وليله، يعيش مع هذه الآيات، يعيش مع أهل الآخرة، إن كانوا في نعيم سمت روحه إلى ذلك النعيم، حتى كأنه ينظر إلى الجنة نظر عيان، وإن كان مع الآخرة في جحيمها وسعيرها، أفض قلبه من خشية الله، وحرك في القلب وازعاً يزعه عن حدود الله.
لذلك إخواني في الله! لا سعادة إلا بالقرب من القرآن، ولا فلاح إلا بالقرب من كلام الرحمن، إنا لله وإنا إليه راجعون، طابت لنا أحاديث العباد، أليس الواحد منا إذا سهر ليلة تمنى أن يسهر مع أخ له يحبه؟ فكيف بمن آثر مرضاة الله على مرضاة العباد؟ أين أولئك الذين بلغ الواحد منهم أنه يقرعه ضيفه، يقول الحسن ﵀: [فيستأذنه وكأنه له حاجة في بيته، فيدخل يركع ركعات بين يدي ربه].
والله ما عظم شقاؤنا ولا عظم بلاؤنا إلا حينما لم نقدر لهذا القرآن قدره، وحينما أصبحت غربتنا شديدة عن القرآن، قال بعض السلف: [والله ما عرضت نفسي وقولي وعملي على كتاب الله، إلا اتهمتها بالنفاق] كانوا إذا قرءوا القرآن أحسوا أنهم هم المخاطبون بالقرآن، وأحس الواحد منهم أنه إذا جاءت المقرعة تقرع عاصياً عصى الله عد نفسه ذلك الرجل، فبكى شفقة وخوفاً من عذاب الله وسطوة الله، ناهيك عن قيام الليل، وتلاوة هذا الكتاب في تلك الساعات التي هدأت فيها العيون، وسكنت فيها االجفون.
فيا لله من أرواح طيبة! ويا لله من قلوب صادقة! عرفت كتاب ربها، وأدركت أنه لا سعادة ولا فلاح إلا به، وإنه للعجب أن تقرأ سيرة الصحابي الطاهر المبارك، فتجده قد ملئت صفحته جهاداً وجلاداً وصبراً بين يدي رسول الله ﷺ في السراء والضراء، ومع ذلك يقوم بالآية يخشع لوجه الله عند قراءتها.
أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، أنه أراد أن يقوم ليلة، فاستفتح تلك السورة العظيمة، التي أصبح يقرأها الصغير منا قبل الكبير، وهي تلك السورة العظيمة التي قل أن تجد صغير سن إلا وهو يستطيع قراءتها ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١] قرأها ﵁ وأرضاه، يريد أن يحيي ليلته بقراءة ذلك الجزء المبارك، وإذا به تخنقه العبرة، ويغلبه البكاء، حينما ذكر قول الله ﴿عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:٢] تذكر أن الله وصف نبأ الآخرة بأنه نبأ عظيم، فما استطاع أن يجاوزها؛ لأنه يعلم من الذي يخاطبه، ويعلم من هذا كلامه، وأن الله تعالى إذا وصف الشيء بأنه عظيم، فلا عظيم فوق عظيم وصفه الله بعظيم، فحركت في قلبه الخوف والخشية، حتى أثر عنه ﵁ أنه مازال يرددها إلى السحر بكاءً من خشية الله .
стр. 606
السلف الصالح وعيشهم مع القرآن
وكان السلف ﵏ يعيشون مع القرآن خشوعاً، ويعيشون مع القرآن عملاً وتطبيقاً، فكان الواحد منهم إذا ذكر بالآية من كتاب الله تذكر، وإذا بصر بالآية من كتاب الله تبصر، فكان حي الفؤاد، سليم القلب، يعيش مع القرآن بالعمل والتطبيق، كما يعيش معه بالقراءة والتفكر والتدبر.
ولذلك قد يعطى الإنسان -أحد الثقلين- يعطى تفكراً وتدبراً، ولكن يحرم العمل، ومن الناس من يعطى العمل، ولكن يحرم بعض الخشوع والتدبر، فبعض الناس للخير سباق، ولطاعة ربه مشتاق، ولكنه لا يجد في قلبه الأثر في الخشوع، فتجد كثيراً من الأخيار الآن يقول: والله إني أحب الخير، وأحب طاعة الله من قلبي، ويعلم الله ذلك، ولكنني أقرأ القرآن، وأحس أني لا أتأثر بالقرآن، فهو مستعد للعمل مستعد للتطبيق، ولكن الله حرمه الخشوع.
فأسعد العباد في القرآن من جمع الله له بين الخصلتين، وأصابت كلا الحسنيين، فكان متأثراً بالقرآن، إذا سمع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] تحرك فؤاده وقلبه، وقال بلسان حاله ومقاله: لبيك رباه! لبيك سيدي! بماذا تأمرني؟ حتى إذا جاءه الأمر قال: سمعا ًوطاعة، فلا يقدم قدماً على كتاب الله، ولا يؤخر أخرى عن كتاب الله ومرضاة الله، فهؤلاء هم أسعد العباد، الذين جمع الله لهم في القرآن بين التفكر والتدبر، وبين العمل والتطبيق.
ما الفائدة إذا خشع الفؤاد من كلام الله، وخشع القلب لآيات الله، وإذا جاء العبد عند العمل تقاعس عن مرضاة الله، وأصبح يسوف في طاعة الله ؟ الخشوع الصادق والتدبر الصادق يحرك الوجدان إلى العمل، ويحرك القلب والقالب إلى التطبيق، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا جاءتهم الآية من كتاب الله حركتهم للعمل.
جاء أبو الدحداح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: [يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] قال: يا رسول الله! أيستقرضنا الله وهو رب العالمين؟] سبحان الله! ما أحيا ذلك القلب، كم منا من يقرأ هذه الآية وما تحرك عنده هذا السؤال، الله ملك الملوك ومالك الملك، يقول لك: أقرضني، تحرك هذا السؤال لحياة قلب صاحبه، فقال: [يا رسول الله! أيستقرضنا الله وهو غني عنا؟!] قال ﵊: (نعم ... ) أي: يستقرضنا؛ لأن ذلك موجود في كتابه، فقال: (نعم.
يستقرضكم ليرفع من درجاتكم، ويكفر من خطيآتك).
قال: [يا رسول الله! إن لي في المدينة حائطاً فيه ستمائة نخلة هي أعز ما أملكه، أشهدك أنها لله ورسوله] ستمائة نخلة! ورد في الحديث عن علي ﵁ أن الرجل كان يعمل في سقي الدلو بتمرة واحدة، فكيف بستمائة نخلة، ستمائة نخلة حياة عاش من أجلها يكافح ويجاهد حتى أصبح ثرياً يملك ستمائة نخلة، ومع ذلك هانت عليه بآية من كتاب الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥] فنظر إلى أحسن قرض يقدم مما يملكه، وأعز ما يجده، وهو هذا البستان الذي يحيا به، وتحيا به ذريته.
فخرج ﵁ وأرضاه إلى ذلك البستان، فوجد أم الدحداح قد جلست مع صبيانها تجمع ذلك التمر والرطب والبسر الذي تساقط من ذلك النخل المبذول لوجه الله، تجمعه لكي تستفيد منه، فقال لها ﵁ يخاطبها شعراً: بيني -أي: اخرجي- من الحائط بالوداد فقد مضى قرضاً إلى التنادي أقرضته الله على اعتمادي إلى رجاء الضعف في المعاد والبر لاشك فخير زاد قدمه المرء إلى التنادي فماذا قالت تلك المرأة الصالحة؟ تلك المرأة التي تعرف ربها وتحيا لطاعة خالقها، هل قالت: ضيعتنا، هل قالت: هدمت حياتنا؟ قالت له تخاطبه بما خاطبها: بشرك الله بخير وفرح مثلك أدى ما لديه ومنح قد متع الله عيالي وفرح بالعجوة السوداء والزهو البلح والعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح ثم ضربت أيدي صبيانها، وخرجت من الحائط بلا تمر.
أين هذه القلوب المؤمنة؟ أين هؤلاء الذين يتحركون للقرآن؟ آية واحدة من كتاب الله حركت هذا الصحابي الجليل، لكي تجود يده في مرضاة ومحبة الله، إيمان وتصديق وثقة برب العالمين، ومحبة في سبيل مرضاة رب العالمين.
أحبتي في الله! هذا حال سلفنا الصالح، ولماذا صلحت أيامهم؟ وبماذا صلحت أحوالهم؟ هل ذلك إلا بكتاب الله، والله ما حرك الأخيار للخير، ولا حرك الأبرار للبر، ولا حرك أهل الصلاح للصلاح شيء مثل كتاب الله، ولن تجد مؤمناً صادقاً في إيمانه وطاعته، تقياً براً عفيفاً صالحاً في القول والعمل، إلا وجدت كتاب الله يحرك فيه كل صغير وكبير، ويحرك فيه كل جليل وحقير، القرآن له أثر عظيم في القلوب، له أثر عظيم في تلك النفوس التي تقدره قدره، وتعطيه حقه، وتقف معه في عظاته وآياته وما يذكر به رب العالمين.
стр. 607
السبيل لكي نكون مع القرآن
إخواني! كيف السبيل لكي نكون مع القرآن؟ وكيف الطريق لكي نكون قريبين من القرآن؟ لنا مع هذا القرآن جفوة والله لا تليق بمؤمن يخاف الله ويرجو لقاءه، ليسأل كلٌ منا نفسه سؤالاً صادقاً، هل يقوم الليل بالقرآن؟ وإذا قام ما الذي يقرأه في قيام الليل؟ فإن كان وجد خيراً فليحمد الله، وإن لم يجد غير ذلك فليبك على نفسه، ووالله المحروم من حرم الخير، فإذا وجد نفسه أن له من كتاب الله حظاً يقوم به في الليل، فليسأل نفسه: هل ازداد من هذا الحظ؟ فرضنا أنه يقوم بجزء، هل فكر أن يقوم بجزأين؟ هل يفكر أن يقوم بثلاثة؟ هل فكر أن يقوم بأربعة بخمسة إلى عشرة؟ عله أن يصيب ختم القرآن في كل ثلاث مرة، هل حاول الإنسان أن يسأل نفسه هذا السؤال؟ والله أمر يسير على من يسر الله، جرب ولو يوماً واحداً بعد صلاة العشاء بدل السهر في اللغط وفضول الأحاديث، خذ كتاب الله ، إن كنت حافظاً فاقرأ جزءاً من القرآن، لا يأخذ منك ربع ساعة، أحياناً قد يأخذ إذا كان الإنسان يتفكر ويتدبر ويقف مع الآيات، يأخذ معه ساعة والله تمر من ألذ ما يكون، تمر وكأنها لحظة واحدة من اللذة والسرور.
فقصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار تعيش مع هذه الآيات ساعة كاملة وكأنها ثانية، ولكنها والله تغير من حياتك شيئاً كثيراً، وبعض الأخيار والله يوفق فيقوم الساعة، وتمر عليه آية واحدة من كتاب الله، ويلهمه الله التدبر فيها، وتبقى عظتها في قلبه ما شاء الله أن تبقى، فلذلك جرب بعد العشاء، إذا كنت لا تستطيع أن تقوم السحر فبعد العشاء مباشرة جرب، بدل أن يجلس الإنسان مع زيد وعبيد، بعد العشاء وقت يرتاح فيه لآخرته، يرتاح فيه لكي يبكي على ما فرط في يومه، وأسرف في جنب ربه.
стр. 608
السؤال عن معاني القرآن
الأمر الثاني -إخواني في الله-: السؤال عن معاني القرآن: يحاول الإنسان إذا مرت به آية فيها عظة، وجلس مع إنسان من أهل العلم والفضل، وكان مع معشر أخيار، أو حتى من العامة يسأل عن هذه الآية، كنا إلى عهد قريب نجلس مع بعض العلماء، والله نجد من العوام بعض الأسئلة عن آيات في كتاب الله يشرحها بعض هؤلاء العلماء من مشايخنا، والله بعضهم استفدنا منه درراً وفوائد نسأل الله أن يجعله في ميزان حسنات من سأل.
لذلك لا تبخل على نفسك بالخير، الناس كان عندهم حرص على تفهم آيات القرآن، تدبرها، معرفة معانيها ومراميها، وهذا هو المفتاح للتدبر؛ لأن الإنسان إذا سأل عن معنى الآية كشف له عن خبيئتها، فإذا كشف له عن معناها جاءت مرحلة التفكر وجاءت مرحلة التدبر، وإذا جاءت مرحلة التدبر جاء الأثر وهي الذكرى، ولربما يتبع هذا الأثر أثر العين بالدمع، وأثر القلب بالخشوع ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] جعلنا الله وإياكم منهم، وحشرنا وإياكم في زمرتهم.
стр. 609
الإكثار من تلاوة القرآن
أول خطوة أن نكثر من تلاوة القرآن، وبإذن الله إذا كان الإنسان له ورد أو حزب معين يقرأه من القرآن كما ثبت في الحديث الصحيح مشروعية ذلك في قوله ﵊ في صحيح مسلم: (من نام عن حزبه من الليل) يقول العلماء: في هذا أصل على أن المسلم له أن يجزئ حزباً يقرأه من القرآن، حتى يستديم الطاعة، وقد كان ﵊ يحب من الطاعة ما كان ديمة وإن قل، كما ثبت في حديث عائشة الصحيح.
إذا كان الإنسان حاول أن يستفتح ليله بهذا، وبعض الأخيار يقرأ الجزء، وإذا به قد ارتاحت النفس للجزء الثاني، وبعضهم يرتاح للثالث والرابع، ثم بعد فترة وإذا بك تأنس بالله ، وإذا بهذا القلب يحس أن هذه الساعة لا يمكن أن يفرط فيها، وإذا بالقلب يحس أن هذه الساعة التي كانت في أول يوم مثل الجبل إذا بها والله كغذاء الجسد، لو أنك فرطت فيها يوماً من الأيام أو ليلة من الليالي إذا بك تحزن، وتصبح وأنت متكدر الخاطر من فوات هذا الخير عليك.
فلذلك أحبتي في الله! جربوا، والإنسان إذا كان عنده ورد من الليل يزداد، فالمؤمن لا يسأم من طاعة، ولا يبقى على قليل من الخير، بل هو دائماً في زيادة، ولذلك وصف الله أهل الخير والفضل بقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٦١] فكن ممن سارع إلى الخيرات، وسابق إلى المرضاة، ونافس في محبة رب البريات.
стр. 610
أحق الناس بالقرب من القرآن والعمل به
إخواني! هذا من طريق قربنا، لابد لنا من القرب من القرآن، وأحق من يكون من القرآن قريباً هم طلاب العلم، ولذلك كان طلاب العلم أشبه الناس سمتاً بالعلماء، وأقرب الناس هدياً للعلماء، وإذا رأيت العالم ترى أشبه الناس به طلابه، لماذا؟ لأنهم أقرب الناس من العلم والعمل، وأقرب الناس من أوعية العلم والعمل، ولذلك مثلهم كمثل العين المباركة الطيبة تجدها في الأرض الطيبة أخصب مكان منبعها، فأخصب مكان ينتفع من العين تجده المنبع إذا كانت أرضه طيبة، كذلك طالب العلم إذا كان قريباً من العالم، وعنده قلب وفؤاد صالح، فإنه أسبق الناس تأثراً وعملاً وتأسياً واقتداءً بذلك العالم.
ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون، لما تغيرت أحوال طلاب العلم، وتغير حال كثير من طلاب العلم، جاءت النتيجة بالعكس، حتى والله إنا لنجد من بعض العوام تقديراً وإجلالاً واحتراماً لأهل العلم أكثر مما نجد من طلاب العلم، وهذه والله ثلمة ورزية طلاب العلم إذا أصبحوا أبعد الناس عن التأثر بالعلماء، وأبعد الناس عن العمل بالقرآن، كان علمهم وبالاً عليهم والعياذ بالله، فلذلك ينبغي أن نقف مع أنفسنا، هذا القرآن أحق من يتأثر به، وأحق من ينتفع به هم طلاب العلم، عجباً أن تجد طالب علم له إلمام بمعاني القرآن ومغازيه ومراميه وتفسير آياته، وبيان ما فيها، ومع ذلك تجده بعيداً عن التأثر بالقرآن، هذا من الشقاء والعياذ بالله.
فلذلك إخواني في الله! ينبغي للإنسان إذا كان طالب علم أن يكون أسبق الناس للتأثر بالقرآن، وأئت بطالبي علم أحدهما عظيم التأثر بالقرآن، والآخر قليل التأثر بالقرآن، والله تجد بينهما في الخلق والأدب والقول والعمل كما بين السماء والأرض، تجد هذا لا يتكلم إلا بالقرآن، ولا يعمل إلا بالقرآن، وتجد هذا بينه وبين القرآن غربة لا يعلمها إلا الله.
فلذلك إخواني! أحق من يتأثر بالقرآن هم طلاب العلم، وأحق من يكون قريباً من القرآن هم طلاب العلم، سبحان الله! تجد بعض العوام يتأثر بالقرآن أكثر من تأثر طلاب العلم، وتجد بعض العوام يدمع ويخشع للقرآن أكثر من دمع وخشوع طلاب العلم، هذه والله رزية -يا إخواني في الله- ينبغي على طلاب العلم أن يكونوا قريبين من القرآن.
ولذلك على سبيل المثال مما نجده، وأقرب شاهد من أهم ما اعتنى به -كما ذكر فضيلة شيخنا حفظه الله الشيخ سعيد - مسألة تأديب القرآن لأهله، مسألة ترك خصال الجاهلية، من أعظم خصال الجاهلية التي وجدت فيهم في مسائل الاعتقاد -كما بين الشيخ- كذلك أيضاً مسائل الجهر بالسوء، هذا من شأن أهل الجهل والجاهلية.
ولذلك من الجهل والجاهلية أن تجد الإنسان دائماً يلفظ السوء، هذا من دلائل الجهل والجاهلية، فإذا وجدت طالب العلم لا يراقب الله في لسانه، بعيداً عن مراقبة الله في قيله، يسب هذا ويشتم هذا، ما الذي يدل عليه؟ يدل على أنه أبعد الناس من كتاب الله، ولذلك تجد قول الله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٤٨] عائشة ﵂ لما قال اليهود: (السام عليك يا رسول الله! قالت: وعليكم السام واللعنة، قال: مه يا عائشة! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) وهي ترد مظلمة، يقول لها: إن الله لا يحب الفحش والتفحش، من الذي قاله؟ قاله نبينا صلوات الله وسلامه عليه، لماذا؟ لأن خلقه كان القرآن، يريدها على الكمال، سبحان الله! ترد جاهلية وترد خطأ، يقول لها: إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش.
فلذلك إخواني في الله! لابد أن نعيش مع القرآن، وصاحب القرآن إن تكلم تكلم بخير، ووجدت كلامه دائماً إما في ذكر أو شكر، وتجد كذلك أخلاقه وأقواله وأعماله مع القرآن، يحيا مع القرآن، إذا جاءه الأمر سأل نفسه: ما الذي قال القرآن؟ ما الذي يطلب القرآن؟ فيترسم هدي القرآن بألا يقدم على كتاب الله شيئاً.
ولذلك عمر ﵁ لما حصلت له القضية مع ذلك الرجل الذي جهل عليه ﵁ وأرضاه، ونقم عليه أنه لا يعدل بين الرعية، ولا يقسم بالسوية، أراد عمر أن يبطش به، فقال له أحد الصحابة: [يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين] يقول الراوي: فوالله ما إن سمعها عمر حتى سكت، وكان وقافاً عن كتاب الله، عمر معروف بالغضب والبطش، أراد أن يبطش به يتهمه بدينه على أنه لا يعدل، ومع ذلك هم أن يبطش به، لكن كظم ذلك الغيظ من آية واحدة في كتاب الله، يقول: والله ما جاوزها، أي: ما إن سمعها حتى وقف عندها، هذا شأن أهل الإيمان، المؤمن إذا قيل له قال الله؛ أذعن واعترته الذلة لله ﵎.
وسبحان من حبب لتلك القلوب كتابه، وأدناها إلى طاعته ومرضاته والعمل بآياته وعظاته، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، نسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن رحمهم وهداهم باتباعه، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب أحزاننا وهمومنا وغمومنا، وسائقنا وقائدنا إلى رضوانك وجناتك جنات النعيم إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه.
стр. 611
الأسئلة
стр. 612
الجمع بين إباحة البنج وبين قول الرسول ﷺ عن الخمر: (إنها ليست بدواء)
السؤال
بالنسبة لقول النبي ﷺ : (إنها ليست بدواء، إنما هي داء) أو كما قال ﷺ عن الخمر، الآن الأطباء يستعملون المخدرات خاصة بالتخدير الكلي، بما يسمى البنج، والعلة واحدة في ذهاب العقل، فكيف التوفيق بين إباحة البنج، وبين قول النبي ﷺ : إنها ليست بدواء؟
الجواب
إنه لا تعارض بين قوله ﵊: (إنها داء، وليست بدواء) وبين ما يعمل الآن من التخدير؛ لأن النص ورد في التداوي، والتخدير الموجود الآن ليس بتداوي، وإنما هو تسكين، وفرق بين تسكين الألم ومعالجة الألم، فالتخدير يسكن، ومعالجة الألم زوال السبب الموجب لذلك الألم، وبناءً على ذلك فإن من المشاهد أن المريض الآن إذا أعطي حبوباً مسكنة سكن عنه المرض، وهذا ليس بدواء، وإنما هو تخفيف وتخدير، وفرق بين التخدير وبين استئصال الداء، فالحديث في قوله: (إنها داء، وليست بدواء) مراده من ناحية استئصال السبب، أي: من ناحية تأثير الخمر في المرض، والخمر والمخدر ليس مؤثراً في المرض، وإنما هو موجب للخدر، وفرق بين الخدر وبين زوال الأثر.
стр. 613
معنى حرف "حتى" في قوله تعالى: (حتى زرتم المقابر)
السؤال
تكرر الحرف "حتى" المرة الأولى في سورة القدر والمرة الثانية في سور التكاثر، هل جاءت في سورة التكاثر بمعنى إلى؟
الجواب
أما آية التكاثر فسبب النزول يشير إلى أن المقصود بها: المبالغة في التشنيع عليهم، وهذا أقرب إلى قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] يعني: حتى بلغ بكم الأمر إلى التفاخر بالأموات؛ لأنه سبب النزول كما ورد: أنهم كانوا يتفاخرون ويدلي بعضهم على بعض بحسبه ونسبه، حتى تفاخروا بالأموات وما كان لهم من مجد، ولما بلغوا إلى هذا القدر عتب الله عليهم، حتى ورد الأسلوب، فورد الأسلوب بقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] فهو أقرب إلى المبالغة في التشنيع، أكثر من أنه قول، والله أعلم.
стр. 614
اغتنام الحياة
الحياة كنز، والواجب على العبد أن يغتنم ساعاتها، ومن أفضل الأعمال التي تغتنم فيها الأوقات ذكر الله ، والإتيان بالفرائض كالصلاة والصيام، ولقد أوضح الشيخ ذلك كله في محاضرته، مضمناً إياها ذكر الخصال الموجبة لمحبة الله، وحسن الخاتمة، وخاتماً إياها بذكر ثمرات اغتنام الحياة.
стр. 615
الحياة كنز فاغتنمها
إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله الذي جمعنا بكم في بيتٍ من بيوت الله بعد هذه الفريضة من فرائض الله، اللهم لك الحمد كالذي نقول، ولك الحمد خيراً مما نقول، ولك الحمد كالذي تقول.
أيها الأحبة في الله: إن الحياة مهما مضت أيامها وانقضت سنينها وأعوامها فإنه لا بد لأصحابها من نهاية، لابد للإنسان أن يقف تلك الساعة الأخيرة من هذه الدنيا لكي يلقي عليها آخر النظرات على الأبناء والبنات، وعلى الإخوان والأخوات، لكي يتفطر قلبه على فراق ما هناك من الأحبة، ولقد كتب الله على كل صغير وكبير وجليل وحقير أنه صائر إلى الله العظيم الكبير، فقال الله تعالى في كتابه ينعى للعباد أنفسهم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] فلا بد لهذه الحياة من هذه النهاية المحتومة، ولا بد لهذه الحياة من هذه الغاية المكتوبة.
ولكن ما إن يقف الإنسان عند هذه النهاية حتى يتفطر قلبه حزناً وألماً على الناس، وعلى الأحبة والأقربين، ولكن هناك حزن ليس هناك حزن أعظم منه، وهناك ألم ليس هناك ألم أشد منه، حينما يبكي على ساعات ليله ونهاره، حينما يحس من قرارة قلبه أن الحياة انتهت، وأن المهلة قد انقضت، وأنه قد صار إلى الله جل وعلا، لذلك ما إن ينتهي الإنسان من هذه الدنيا إلا وقلبه في حزن وهم وغم على ما فرط في جنب الله، يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠].
لذلك -أيها الأحبة في الله- حقيق بكل مؤمن بالله أن يعرف قيمة هذه الحياة، وأن يعلم أن الله ﵎ لم ينعم عليه بهذه الساعات واللحظات عبثاً، ولم يمتعه بهذا الوجود سدى، ما خلقك الله إلا لأمرٍ عظيمٍ وخطب جليل كريم؛ لكي تتعطر الحياة بطاعة مولاك، ولكي تتعطر الحياة بمحبة من أحياك، وتطيب الحياة بالقرب من الله في السعي في كل ما يرضي الله؛ لذلك فإن من أجل نعم الله على العبد أن يلهمه اغتنام هذه الحياة أن يلهمه اغتنام الساعات واللحظات في تقربه إلى الله فاطر الأرض والسماوات، إنها الغنيمة الباردة، والتجارة الرابحة التي يمسي الإنسان ويصبح فيها وهو قريب من الله، فكم من أيام قربت القلوب إلى ربها! وكم من ليالٍ شوقت القلوب إلى خالقها! إنها الغنيمة الباردة، والتجارة الرابحة حينما يغنم الإنسان الساعات واللحظات، فلا تمضي عليه ساعة من يومه، ولا ساعة من ليله إلا وهو في ذكر أو شكر.
ولقد أنزل الله جل وعلا كتابه المبين وبعث رسوله الأمين ﷺ ؛ لكي يحيي في القلوب هذا الأمر الجليل، ولكي يتحرك الناس إلى عبادة الله رب الجنة والناس، ولكي يكون ليل الإنسان ونهاره مطية له إلى طاعة الله ومرضاة الله.
стр. 616
ذكر الله من أعظم وسائل اغتنام الحياة
إن من أعظم ما يوفق الإنسان له لاغتنام هذه الحياة ذكر الله جل وعلا، ذكر الله الذي سبق به المفردون، فقد خرج ﷺ في سفره، فقال لأصحابه: (سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).
من أحيا الله قلبه بذكره وشكره، وشوقه إلى جنانه ورحمته فقد غنم هذه الحياة، ولذلك حقيق بنا أن نتفكر في هذه النعمة العظيمة، والمنة الجليلة الكريمة التي أحياها رسول الأمة صلوات الله وسلامه عليه حينما فتح لأمته أبواب الطاعات، وشحذ هممهم إلى اغتنام الخيرات، فقال الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] وقال جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] شوق المؤمنين إلى طاعته، لعلمه جل وعلا ألا سبيل إلى جنته إلا باغتنام هذه الحياة بسلوك طريق محبته، إنها التجارة الرابحة حينما يكثر الإنسان من ذكر الله جل وعلا، حينما يعمل بوصية الله في كتابه حيث يقول جل وعلا لأحبابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] ألم تعلم أنك إن ذكرته ذكرك، ولئن ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه، ولئن ذكرته بين الناس ذكرك الله جل وعلا بين مَنْ هُمْ خير من الناس الذين ذكرته بينهم؟ ذكر الله الذي تدرك به من سبقك وتفوت به من بعدك.
стр. 617
الصلاة من أعظم الأذكار
أعظم ذكر عمارة الأوقات بالصلاة التي قال فيها النبي ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) فيا من تريد اغتنام الحياة! يا من تريدها حياة طيبة يطيب ليلها ونهارها، يطيب صباحها ومساؤها؛ أكثر من الصلاة فإنها صلة بين العبد ومولاه، أكثر من الصلاة فإنه يستدرج بها العبد محبة مولاه، أكثر من الصلاة فإن الله جل وعلا يقول فيما صح في الحديث عن النبي ﷺ : (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي عليها، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).
الصلاة نور نور في الحياة ونور بعد الوفاة نور في الحياة ولذلك نور الله وجوه المصلين، وقال الله في كتابه المبين عن أصحاب رسوله الأمين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] قال بعض العلماء: كانوا يحيون الليل بالعبادة فإذا أصبحوا أشرقت وجوههم من نور الصلاة في جوف الليل؛ ألا وإن الصلاة رحمة من الله جل وعلا فلن يشرح قلب إنسان للإكثار منها إلا أحبه الله جل وعلا، الصلاة قرب من العبد إلى مولاه، وكان النبي ﷺ يثني عليها ويدعو إليها، وبين صلوات الله وسلامه عليه أحبها وأكرمها عند الله، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وقال ﷺ فيهما: (لا تتركوها ولو طلبتكم الخيل).
стр. 618
صلاة النوافل من اغتنام الحياة
ألا وإن من اغتنام الحياة في الصلاة المداومة على ركعتي الضحى التي أخبر النبي ﷺ أنها صلاة الأوابين، والله للأوابين غفور رحيم.
وإن من اغتنام الحياة في الصلاة: صلاة أربع قبل الظهر تفتح لها أبواب السماء، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه صلى قبل الظهر أربعا، ً فقالت له أم المؤمنين عائشة عن تلك الصلاة، قال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح) وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (من صلى قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً حرمه الله على النار).
ألا وإن من خير الصلاة: المداومة على الرواتب التي ثبت عن النبي ﷺ أن من حافظ عليها بنى الله له بها قصراً في الجنة، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من صلى لله في يوم اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة) ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
ألا وإن من الصلاة المحمودة المباركة المشهودة: إحياء ما بين العشائين -ما بين صلاة المغرب والعشاء- إحياؤه بالصلاة، حتى قال بعض العلماء: إن الله عناها بقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧].
ألا وإن من الصلاة المحمودة المباركة المشهودة: صلاة الليل قيام الليل الذي قال فيه النبي ﷺ : (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم) وهو خلة المتقين، وخصلة من خصال عباد الله المهتدين.
ألا وإن من أفضل ما يكون وأحب ما يكون من إحيائه قيام آخره، قال ﷺ : (ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا في كل ليلة في الثلث الآخر، فيقول: هل من داع فأجيب دعوته؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) فمن أراد الله به خيراً وأراد له اغتنام هذه الحياة ألهمه إحياء الليل بالصلاة، فما حافظ عبد على قيام الليل إلا شرح الله صدره، ونور الله قلبه وقبره، ولذلك قال العلماء في قوله ﷺ : (الصلاة نور) قالوا: ينور الله بكثرة الصلاة على العبد قبره إذا أظلم عليه.
стр. 619
النفقة من اغتنام الحياة
ألا وإن من اغتنام الحياة اغتنامها بإنفاق الأموال في طاعة الله، أن يسخر الإنسان ماله لطاعة الله ومحبة الله، أنفق ينفق الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك (ما من يوم من الأيام إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
يا من أكرمك الله بالأموال! اغتنم هذه الحياة بإنفاقها، وأسر المال قبل أن يأسرك، وخذ من المال زاداً للآخرة، واعتبره وسيلة للتجارة الرابحة، أنفق من مالك طيبة به نفسك، استر به عورات المؤمنين، وفرج به كربات عباد الله، فإن النبي ﷺ أخبر أن (العبد يوم القيامة في ظل صدقته).
وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن الله يقي العبد النار بشق تمرة، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : أنه دخل على عائشة وكانت قد دخلت عليها امرأة معها صبيتان، فاستطعمت أم المؤمنين، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت لكل بنت تمرة، فلما أرادت أن تأكل التمرة الثالثة استطعمتها إحدى البنتين فأخذت تلك التمرة وأعطتها لابنتها ولم تأكل منها شيئاً، فعجبت عائشة ﵂ من صنيعها، فقال ﷺ : (أتعجبين من صنيعها؟ إن الله حرمها على النار بتلك التمرة).
أخي في الله: إن إنفاق الأموال وبذلها في محبة الكبير المتعال من أعظم الخصال الموجبة لرحمة الله جل وعلا، كم من هموم فرجها الله عن الذين يسترون عورات المسلمين! كم من هموم وغموم نفسها الله لمن نفس هموم إخوانه المؤمنين! كم من مكروب فرج الله كربه بالنفقات! فأنفق على إخوانك ينفق الله عليك، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من عبد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
الإكثار من النفقات من أعظم الأسباب التي يرحم الله جل وعلا بها العباد، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أن الله رحم عبداً أنعم عليه بالمال فكان يداين الناس، فكان إذا جاءه المعسر قال لأصحابه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فقال ﷺ : فلقي الله جل وعلا، فقال الله: نحن أحق بالتجاوز عنه، تجاوزوا عن عبدي).
فمن أكثر من إنفاق الأموال ستره الله بإنفاقها، ورحمه الله ببذلها، إن المال غادٍ ورائح، فكن سخي اليد في محبة الله ومرضاة الله، وكيف تنعم عين المؤمن بالراحة والسرور وعورات المسلمين قد انكشفت؟ وكيف ينعم المؤمن بنومه والمال بين يديه، وجراح المسلمين قد سالت؟ وكيف ينعم المؤمن بالراحة والسرور والمال بين يديه وأخوه في هم الدين وغمه؟ فأنفق ينفق الله جل وعلا عليك، وأكثر من الصدقات، واقصد بها وجه الله جل وعلا يكن لك في ذلك خيري الدنيا والآخرة.
стр. 620
اغتنام الحياة بالصيام
ألا وإن من اغتنام الحياة في الطاعات صيام أيامها، قال ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله النار عن وجهه سبعين خريفاً) أكثر من الصيام فإنه يوجب رحمة الله جل وعلا، ولذلك أخبر النبي ﷺ عن كرامة أهله عند الله، فهم لا يدخلون الجنة إلا من باب يخصهم (إن في الجنة باباً يقال له: الريان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخوله قفل على آخرهم).
أكثر من الصيام لعل الله أن ينظر إليك وأنت في شديد الهاجرة، تقرحت أمعاؤك، وظمأت أحشاؤك في طاعة الله جل وعلا.
إن الصيام طريق التقوى، وسبيل موجب من الله الحب والرضا، أكثر من الصيام وخيره وأفضله صيام نبي الله داود: صيام يوم وإفطار يوم، فإن لم تستطع فصم ثلاثة أيام من كل شهر، فإن صيامها كصيام الدهر، قال أبو هريرة ﵁ وأرضاه: (أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث لا أدعهن أبداً: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتا الفجر، وأن أوتر قبل أن أنام).
стр. 621
الخصال الموجبة لمحبة الله
ألا وإن من اغتنام الحياة الحرص على الطاعات، والتشمير في المحبة والمرضات، أكثر من الخصال الموجبة لمحبة الله.
стр. 622
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ألا وإن من أحب الأعمال إلى الله وأعظمها أجراً عند الله: التذكير بالله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذكر الغافلين، ونبه النائمين، وبصرهم بسبيل رب العالمين؛ يكن لك في ذلك ذخر في الدنيا والدين.
إذا رأيت أخاك على معصية فحذره عواقبها، وخذ بيده حتى يكف عنها، ذكر بالله جل وعلا من غفل، فإن الله يعظم الأجر لمن دعا إليه، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله وملائكته حتى الحيتان في جوف الماء يستغفرون لمعلم الناس الخير).
والله ما مررت على عاصٍ فذكرته بالله فانكف عن معصيته إلا كان لك أجره، ولا هدى الله بك عبداً إلى سبيل رحمته إلا كان في ميزان حسناتك، وما ركع إلا كتب لك مثل أجره، ولا سجد إلا كتب لك مثل أجره، ولا ذكر إلا كان لك مثل أجره، فاغتنم هذه النعمة بالتذكير بالله جل وعلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم لاغتنام الحياة، وأن يجعلنا وإياكم ممن وفق لاغتنامها وإحيائها في طاعة الله ومرضاته.
стр. 623
صلة الأرحام
ألا وإن من أعظم الطاعات وأحبها إلى الله صلة الأرحام التي أمر الله أن توصل، وأخبر أنها من خصال أهل الجنة، وأنها موجبة من الله الكرامة والمنة، صل الأرحام في الله يصل من وصلها، قال ﷺ : (إن الله خلق الرحم فتعلقت بعرش الرحمن، فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة.
قال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ فرضيت بذلك) فكن ممن وصلها وتقرب إلى الله جل وعلا بصلتها، فإن النبي ﷺ أخبر في الحديث الصحيح: (من وصل رحمه أنسأ الله له في أثره، وبارك الله له في رزقه، وبسط الله له في عمره) صل الأرحام فإن صلتها موجبة لرحمة الله جل وعلا، قال ﷺ (يقول الله تعالى: إني أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فهي الرحم وأنا الرحمن، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته).
стр. 624
أذكار الصباح والمساء
ألا وإن من الطاعات والباقيات الصالحات: المحافظة على أذكار المساء والصباح، فقد كان النبي ﷺ يذكر ربه كلما أظلم عليه الليل وأضاء عليه النهار، كان للنبي ﷺ سنن وأذكار يقولهن في الليل والنهار، فمن تأسى به صلوات الله وسلامه عليه حفظه الله بحفظه، ورفع الله درجته، وأعظم أجره، ووفقه لسبيل رحمته.
أكثر من الأذكار فإن الله يذكر من ذكره، قال ﷺ : (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأعظمها أجراً عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله).
وكان النبي ﷺ يذكر الله عند قيامه، ويذكر الله عند صباحه، ويذكر الله عند مسائه، وأذكار الصباح والمساء حرز من الله للعبد وحصانة من الله للعبد، ومن حفظها حفظه الله جل وعلا.
стр. 625
حلق الذكر والزيارة في الله
ألا وإن من أحب الأعمال إلى الله غشيان حلق الصالحين، وزيارة عباد الله المتقين، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أن العبد إذا خرج إلى صلة أخيه في الله نادى عليه مناد من السماء: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً) وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عنه: (إن لله ملائكة سياحين فضلاء يغشون حلق الذكر، فإذا رأوا حلق الذكر نادى بعضهم بعضاً أن هلموا، فيحفونهم إلى عنان السماء حتى إذا انقضوا صعدوا إلى الله فسألهم عن عباده وهو أعلم، قالوا: أتيناهم وهم يذكرونك، يقول: فماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة.
قال: ومم يستعيذون؟ قالوا: يستعيذون من نارك، قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا.
قال: كيف لو رأوها لكانوا أشد فرقاً منها، ثم قال: ولهم قد غفرت.
قالت الملائكة: إن فيهم فلاناً عبد خطاء كثير الذنوب قد مر وجلس معهم، قال: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
فاعمر مجالس الذكر، واعمر مجالس العلماء، ولينظر الله إليك تضرب الخطا إليها، ولينظر الله إليك قد تعلق قلبك بها، اخرج إلى مجالس الصالحين فإن الجلوس معهم مرضاة لله رب العالمين، محبتهم عبادة، والجلوس معهم عبادة، وكن معهم كخير ما يكون الأخ مع أخيه، إن نسوا الله ذكرهم، وإن ذكروا الله أعنهم.
стр. 626
بر الوالدين
من أعظم هذه الخصال: بر الوالدين، وإدخال السرور عليهما، وتفريج كروبهما والقيام بحوائجهما، ولذلك قال النبي ﷺ : (رضي الله على من أرضى والديه، وسخط الله على من أسخط والديه) فلتطب حياتك ببر الوالدين، فكم من دعوة صالحة استجابها الله من الوالدين أسعد الله بهما من بر، وإياك والعقوق فإن النبي ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة عاق) قال بعض العلماء: معناه لا يوفق لحسن خاتمة والعياذ بالله.
стр. 627
اغتنام الحياة والتوفيق لحسن الخاتمة
ألا وإن من نعم الله على العبد إذا اغتنم هذه الحياة أن يوفقه لحسن ختامها، من اغتنم الحياة في طاعة الله فإن الله يختمها له بخير.
فقل أن تجد إنساناً يحافظ على طاعة الله إلا ختم الله حياته بالحسنى؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يسعى جهده في طاعة الله حتى إذا جاءه الموت جاءه على خصلة من خصال الخير، قال بعض العلماء في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢] قالوا: إن معنى الآية: أكثروا من طاعة الله حتى إذا جاءكم الموت جاءكم على طاعة فقبضت الأرواح عليها.
وقال بعض العلماء: من مات على طاعة بعث عليها؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح عنه، في الرجل الذي وقصته دابته وكان محرماً بالحج: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه ولا تغطوا وجهه، ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً).
стр. 628
الحرص على حسن الخاتمة
وأعظم شيء في الحياة يحمل المؤمن همه وغمه مسك الختام، فإن العبد قد يكون على أصلح ما يكون ليس بينه وبين الجنة ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.
إن الخاتمة هي المهمة؛ ولذلك قال العلماء: الحرص على اغتنام الحياة هو السبيل لبلوغ حسن الخاتمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] أكثروا من خصال الخير، ولذلك أكثر الأخيار من خصال الخير فجاءهم الموت على حسن خاتمة فمات الواحد منهم قرير العين برحمة الله ومرضاته، فهذا يموت ساجداً، وهذا يموت راكعاً، وهذا يموت وهو خارج إلى صلة رحمه أو زيارة أبيه وأمه، أو غير ذلك من الأعمال الصالحة التي يحبها الله جل وعلا ويرضاها.
وإذا غفل العبد عن الله فإن من أعظم ما يبتلى به ألا يوفق لحسن الخاتمة والعياذ بالله، ولذلك من كثرت غفلته حتى ألهته دنياه وتجارته جاءته الخاتمة على تلك الدنيا وهو يبيع ويشتري ويأخذ ويكتري غافلاً عن الله جل وعلا، لا يدري، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 629
صور من حسن الخاتمة
حسن الخاتمة يوفق لها من وفقه الله لاغتنام الحياة، إن الله يعظم من العبد اغتنام الليل والنهار حتى يقر عينه بمسك الختام، لا يزال العبد يحافظ على طاعة الله في الليل والنهار حتى يأتيه الأجل على خصلة من خصال الخير التي يحبها الله.
ذكروا عن رجل أنه كان كثير الأسفار في العطل إلى الأماكن التي لا تحمد، وشاء الله جل وعلا أن يقيض له من يذكره ويهديه إلى الخير ويبصره، فقال له: يا فلان! إنك تذهب في كل عام إلى هنا وهناك فهل لك أن تعتمر؟ هل لك أن تذهب إلى رحمة الله جل وعلا بدل أن تذهب إلى معصيته؟ فشاء الله جل وعلا أن تلق هذه النصيحة أذناً مصغية وقلباً واعياً، فشاء الله جل وعلا أن يجعل عطلته الأخيرة عمرة إلى مكة، ويشاء الله أن يخرج هو وأهله معتمرين، وقبل أن يبلغ البيت يقع ذلك الحادث الذي لا تبقى فيه نفس من أهله، فشاء الله جل وعلا بعد هذه المعاصي وبعد هذه الغربة الطويلة عن طاعة الله ومرضاة الله أن تكون خاتمته على أحسن ما تكون عليه الخواتم، أن يبعث يوم القيامة ملبياً محرماً، فالعبد إذا حافظ على الطاعات أقر الله عينه بحسن الختام، وقل أن تجد في قصص الصالحين إنساناً حسنت خاتمته إلا وجدته قبلها من أحرص الناس على الخير.
стр. 630
من ثمرات اغتنام الحياة
من أجل نعم الله لمن وفقه الله لكثرة الأعمال الصالحة أن يحسن خاتمته، ومن ثمرات اغتنام الحياة.
стр. 631
أخذ الكتاب باليمين
ومن عواقبها الحميدة وآثارها الجليلة المجيدة: يوم يبعث الناس على رءوس الأشهاد بين يدي الله رب العباد، فينادي منادي الله بالصحائف، فتطير الصحائف فلا يدري الإنسان أينال صحيفته باليمين فيكون من الناجين أم ينالها بالشمال فيكون من الهالكين، إذ بذلك العبد الصالح ينال كتابه باليمين، ذلك الكتاب الذي مليء من صالح الأقوال والأعمال فينادى على رءوس الأشهاد ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠].
стр. 632
دخول الجنان
ومن ثمرات الأعمال الصالحة واغتنام الحياة في مرضاة الله جل وعلا: دخول الجنان، والفوز بما فيها من الروح والريحان، فإذا دخلها المؤمن خلف كل هم وغم وراء ظهره، قيل لبعض السلف: أمرتاح أنت؟ قال: (إنما الراحة حين أضع قدمي على أعتاب الجنة) فإذا وضع المؤمنون الصالحون أقدامهم على أعتاب الجنان خلفوا وراءهم الهموم والغموم، ودخلوا إلى دار السلام والسلوان، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
ولذلك يناديهم الملائكة ووجوهم كالأقمار المضيئة، وهم داخلون ينادونهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] طبتم بماذا؟ طبتم بالأعمال الصالحة، طبتم بقيام الليل، بالإنفاق، بالبذل، بالتضحية، بالاغتنام لهذه الحياة في مرضاة الله ومحبة الله.
أحبتي في الله! ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة، ألا وإن من يريد أن يفوز بهذه الكرامات والباقيات الصالحات فليجتهد غاية وسعه في محبة الله جل وعلا، إن الطاعة تحتاج إلى جهاد تحتاج إلى صبر تحتاج إلى كفاح وجلاد الطاعة تحتاج إلى تعب ونصب، ولكن تعب ساعة وراحة عمر ودهر.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن اغتنم الحياة في طاعته، ووفقه الله لسلوك سبيل محبته ومرضاته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 633
قبول العمل الصالح
إن الله جل وعلا يقبل منك العمل الصالح -خاصة في شبابك، خاصة في اقتبال العمر- إنك إن أقبلت على الله في عز الشباب عظمت عند الله نشوتك وصحتك وعافيتك وقدرتك على معصية الله وأنت تنصرف إلى طاعة الله ومرضاته.
ولذلك ذكروا عن رجل أنه بلغ أكثر من مائة سنة وكانت قوته قوة الشاب، قالوا له: كيف وقد بلغت أكثر من مائة وقوتك قوة الشاب؟ فقال ﵀: أعضاء حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر.
من اغتنم الحياة في طاعة الله أنعم الله عينه بالحياة الطيبة، فمن ثمرات اغتنام الحياة في طاعة الله أن الله يطيبها بالعمل الصالح، ولذلك قال الله في كتابه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] أي: والله لنحيينه حياة طيبة.
فمن بشائر اغتنام الحياة في طاعة الله أن الله يطيبها؛ ولذلك تجد العبد الصالح كثير الذكر والشكر، في طمأنينة وراحة نفس وهناءة بال، لو بذلت أموال الدنيا لكي يصيب الإنسان تلك الراحة ما ذاقها.
إذا صلى الإنسان فرضه وخرج من بيت الله ومسجده كم يجد من الراحة والسلوان، وكم يجد من الطمأنينة التي والله لو بذل لها الأموال ما بلغها ولا حصلها، فهذه من ثمرات اغتنام الحياة في الطاعة.
стр. 634
جعلك قدوة للناس في الخير
ومن ثمرات اغتنام الحياة في الطاعة: أن الناس يتخذونك قدوة في الخير، قال الله عن عباده الأخيار: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] قال بعض العلماء: معنى الآية: اجعلنا كثيري الخير حتى يقتدي الناس بنا في الخير، ولذلك إذا وجد في الناس عبد صالح كثير الذكر كثير الشكر كثير الطاعة اتخذه الناس قدوة في الخير وإماماً، فإذا رأيت أخاك كثير الصيام أحببت الصيام برؤيته، وإذا رأيت أخاك كثير القيام في الليل أحببت قيام الليل برؤيته، فيأخذ أجرك حينما كان قدوة لك في الخير.
стр. 635
تأمين الله أهل الطاعة إذا خافوا
ومن ثمرات اغتنام الحياة في الطاعة: أن الله جل وعلا يؤمن أهلها إذا خافوا، وأن الله جل وعلا يقضي حوائجهم إذا سألوا، فلذلك تجد أهل الطاعات أغنى الناس بالله جل وعلا، فقلوبهم غنية بالله لا تمتد أكفهم إلى أحد سواه، ولا تتعلق قلوبهم بشيء عداه، إن أصابتهم الضراء صبروا فأنعم الله عليهم بالصبر، وإن أصابتهم السراء شكروا فأنعم الله عليهم بذلك الشكر.
ألا وإن اغتنام الحياة بالطاعة خير كثير وثواب جزيل يسعى إليه الصالحون، ويشمر فيه الأخيار والمتقون، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم منهم.
следующие страницы →