Полный текст (2 259 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الرد على من قال: الكسوف أو الخسوف ظاهرة طبيعية
السؤال
فضيلة الشيخ حول موضوع الكسوف والخسوف وأنه آية من الله لتخويف العباد وتذكيرهم بالله ؛ كي يجتنبوا المعاصي التي يقعون فيها ليلاً ونهاراً، وقد أصبح علماء الفلك يقولون: بأنها حادثة طبيعية تحصل في السنة مرة أو أكثر من مرة بطريقة معينة، فكيف يكون التخويف؟ وأصبحوا -أيضاً- يعلنون عنها سواء في الجرائد أو غيرها، فإذا حدثت أصبح الناس لا يخافون ولا يتعظون وأصبح لديهم تبلد في الحس، فما قولكم في هذا، وكيف يكون التخويف في هذه الآية؟
الجواب
يكون التخويف في هذه الآية لمن كمل إيمانه بالله وبما قال رسول الله ﵌ والكسوف أو الخسوف له سببان: ١- سبب طبيعي: يدرك بالحس والحساب فهذا يعلم لأهل الحساب ويعرفونه ويقدرون ذلك بالدقيقة.
٢- سبب شرعي: لا يعلم إلا بطريق الوحي وهو أن الله يقدر هذا الشيء تخويفاً للعباد، فنسأل: من الذي قدر السبب الطبيعي حتى حصل الكسوف أو الخسوف؟ الله لماذا؟ ليخاف الناس وليحذروا، ولهذا خرج النبي ﵊ حين رأى الشمس كاسفة خرج فزعاً حتى لحق بردائه وجعل يجره، وفزع الناس، وأمر من ينادي (الصلاة الجامعة) واجتمع المسلمون في مسجد واحد يدعون الله ويفزعون إليه، فالمؤمن حقاً يفزع، ومن تبلد ذهنه أو ضعف إيمانه؛ فإنه لا يهتم بهذا الشيء.
وأما إخبار الناس بها قبل حدوثها، فأنا أرى أنه لا ينبغي أن يخبروا بها؛ لأنهم إذا أخبروا بها استعدوا لها وكأنها صلاة رغبة، كأنهم يستعدون لصلاة العيد، وصارت تأتيهم على استعداد للفعل لا على تخوف، لكن إذا حدثت فجأة، حصل من الرهبة والخوف ما لا يحصل لمن كان عالماً.
وأضرب لكم مثلاً بأمر محسوس: لو نزلت من عتبة وأنت مستعد متأهب وتعرف أن تحتك عتبة هل تتأثر بشيء؟ لكن لو كنت غافلاً لا تدري ثم وقعت في هذه العتبة صار لها أثر في قلبك وأثر عليك.
فلهذا أتمنى ألا تذكر ولا تنشر بين الناس، حتى لو نشرت في الصحف لا تنشرها بين الناس، دع الناس حتى يأتيهم الأمر وهم غير مستعدين له وغير متأهبين له، ليكون ذلك أوقع في النفوس.
стр. 142
حكم لبس الساعات ذات الألوان الذهبية وأخرى مشابهة لحلي النساء
السؤال
فضيلة الشيخ: انتشر في الفترة الأخيرة بين الشباب خاصة بل وحتى بعض الملتزمين، لبس ساعات ذات ألوان ذهبية وأشكال مشابهة لحلي النساء بشكل كبير، وإن لم تتصور شكلها فاختر خمسة من الحضور، وأظن أنك ستجد مع أحدهم ساعة بهذا الشكل فما حكم لبسها؟ وهل يعد ذلك تشبهاً بالنساء، أرجو توجيه كلمة إلى الشباب حول موضوع الترف وحول موضوع عدم تقليد النساء؟
الجواب
أنا أرجو ألا أجد ذلك في خمسين نفراً منكم أو أكثر، وأظن أنه ليس موجوداً ومن كان معه شيء منها الآن فليرنا إياها من أجل أن نحكم على الشيء بعد تصوره.
لا شك أن الله فرق بين الرجال والنساء في مسألة التحلي، فقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف:١٩-٢٠] وقال : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧] ما هو الذي ضربوه مثلاً؟ أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٧-١٨] من الذي ينشأ في الحلية؟ أي: يربى في الحلية وهي المرأة.
وهي في الخصام غير مبين، أما الرجل فإنه كامل بنفسه لا يحتاج إلى تكميل، وهو مبين في الخصام ذو فصاحة ومدافعة عن نفسه، فكيف ينزل بنفسه إلى أن يكون مثل الأنثى، ولهذا (لعن النبي ﵌ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) فالساعة التي لا تلبسها إلا النساء لا يجوز للرجل أن يلبسها سواء كان لونها أبيض أو أحمر أو أسود، المهم إذا قيل: هذه ساعة نساء؛ فإنه لا يجوز للرجال لبسها، وأما إذا كانت لا تشبه ساعات النساء لكن فيها شيء من الذهب فإننا ننظر: إن كان هذا الذهب مجرد لون فليست حراماً، ولكن ينصح الرجل ألا يلبسها لئلا يتهم ويقتدى به، وأما إذا كان فيها ذهب له جرم قد طليت به، فإن ذلك حرام على الرجال؛ لأن النبي ﷺ قال في الحرير والذهب: (حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها) .
стр. 143
حكم من دخل في الصلاة وحده ثم حضرت جماعة
السؤال
فضيلة الوالد: قدمت إلى الصلاة هنا وقد انتهت الصلاة فصليت لوحدي منفرداً، وفي أثناء الصلاة حضرت جماعة وأقيمت الصلاة فماذا أفعل؟ علماً بأني لم أصل إلا ركعة واحدة؟ وما هو الأفضل؟
الجواب
إذا دخل الإنسان وحده في الصلاة وحضر جماعة فهو في الخيار بين أمور ثلاثة: - إما أن يستمر في صلاته؛ لأنه معذور.
- وإما أن يقطع صلاته ليدخل مع الجماعة.
- وإما أن يقلبها نفلاً ويخففها من أجل أن يدرك الجماعة.
كل هذا أجازه العلماء، فأنت بالخيار إن شئت أن تبقى على ما أنت عليه وتسلم وتنصرف، وإن شئت أن تجعلها نفلاً وتخفف وتكملها ركعتين ثم تدخل مع الجماعة، وإن شئت أن تقطعها فلا بأس، ولكن في الأخيرة ربما يقول قائل: كيف أقطعها وهي فريضة والفريضة لا يجوز قطعها؟ أقول: إنني لم أقطعها رغبة عنها، ولكن قطعتها لأنتقل إلى ما هو أفضل وهو الجماعة.
ولم يظهر لي أفضل الحالات، لكن لو أنه نواها نفلاً وخففها لئلا تضيع عليه هذه الصلاة كان خيراً من قطعها.
стр. 144
المقصود بالأرضين السبع
السؤال
فضيلة الشيخ: ما هي الأرضون السبع التي قال الله عنها: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] .
وآخر يقول: المعروف من النصوص الشرعية أن السماوات سبع طباق فهل الأرض طباق أم قارات؟ حيث لم نجد حسب فهمنا الضعيف نصاً صريحاً في هذه المسألة التي يمر بها بعض المفسرين مر الكرام جزاكم الله خير الجزاء؟
الجواب
أولاً: أنا أناقش الأخ على قوله: إن بعض المفسرين يمر بها مر الكرام، وأقول: إن مر الكرام مر دسم، الكريم يعطيك حتى تروى وتشبع، ليس الكريم الذي يمر بك خطفاً، اللهم إلا أن يقول: إن الكريم إذا مر بك ضيفاً صار خفيف الظل، أكل يسيراً وأقام يسيراً، والبخيل إذا مر بك ضيفاً أثقل عليك في الأكل وأكثر عليك في المدة، فكلٍّ المعنى الذي يريد، وهذه الكلمة (مر الكرام) دائماً ترد عند الناس فلا أدري هل هذا صحيح أم لا؟ أما بالنسبة للأرضين فقد بين النبي ﵌ أنها طباق، فقال فيما صح عنه: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين) وهذا يدل على أنها أرضون متطابقة، وأن الذي على الأرض العليا وهي الأرض التي نحن عليها له إلى الأرض السفلى السابعة، وأما أنها هي القارات فلا يصح؛ لأن القارات كلها على وجه الأرض، فهي كلها على الأرض العليا.
стр. 145
حكم من عقد على امرأة وقد رجع من العمرة دون حلق رأسه
السؤال
فضيلة الشيخ: سمعنا أنك سئلت أن رجلاً رجع من عمرته، ولم يحلق إما ناسياً أو جاهلاً ثم عقد على امرأة فلما سئلت قلت: أعد العقد، العقد باطل فهل هذه الفتوى صحيحة؟
الجواب
هذه الفتوى غير صحيحة، لكن من حج ورمى وحلق وطاف وسعى، حل التحلل كله؛ وجاز أن يعقد على النساء.
وأما إذا رمى وطاف وسعى ولم يحلق، فإنه لم يحلل التحلل الثاني، وحينئذ إذا عقد على امرأة كان عقده غير صحيح وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، لكن هناك قولاً يقول بالصحة وأنه إذا حل التحلل الأول حرم عليه جماع النساء دون العقد عليهن، فعلى المذهب نقول: يجب عليك أن تجدد العقد، وعلى القول الثاني: لا يجب، فمن جدد العقد احتياطاً فهو أحسن، ومن لم يجدده فأرجو ألا يكون في نكاحه بأس.
стр. 146
حكم إعطاء العمال للكفيل مبلغاً من أجل البقاء فقط
السؤال
فضيلة الشيخ: أخي عنده عمال من المسلمين، اتفق معهم في العقد على أن يعطيهم راتباً شهرياً ثم لم ير فائدة من ذلك، فأراد تسفيرهم فطلبوا منه البقاء ليعملوا لحسابهم ويعطونه كل شهر ثلاثمائة ريال فهل المال الذي يأخذه منهم حلال أم حرام؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
المال الذي يأخذه حرام عليه؛ لأنه لم يعمل عملاً يستحق به أن يأخذ منهم المال، نعم لو فرضنا أن الرجل أبقاهم وقام بكفالتهم وبمئونتهم وصار هو الذي يقاول على الأعمال بسهمٍ مما يحصلون، كالنصف أو الربع أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز لكن بشرط ألا يخالف نظام الحكومة، لأن نظام الحكومة واجب الاتباع ما لم يكن حراماً، وأظن أن الحكومة لا تسمح بأن الإنسان يتفق مع العمال يعملون بسهم من أجرتهم، ولكن كثير من الناس يقول: إذا كانوا بأجرة مقطوعة فإنهم لا ينصحون في العمل، لأن الواحد منهم يقول: إن أجري تام ويتباطئ في العمل والإنتاج، وهذا صحيح قد يقع بلا شك، لكن دواء ذلك أن يقول لهم: أنتم بالأجرة الشهرية التي بيني وبينكم، ولكن على كل متر كذا وكذا إذا كانوا مليسين مثلاً، ولكم على كل نقطة إذا كانوا سباكين أو كهربائيين كذا وكذا، ففي هذه الحالة يزول المحظور الذي هو التهاون من العامل، وتكون الأجرة على حسب ما في نظام الدولة ويكتسب العامل خيراً بما يضاف إليه من هذه المكافأة.
السائل: لو فرض أن واحداً تركه كفيله وقال له: إذا اشتغلت أعطني وإذا لم تشتغل فلا تعطني فهل هذا جائز؟ الجواب: لو قال: إن اشتغلت أعطني ثلاثمائة ريال، وإن لم تشتغل فلا شيء عليك فلا يجوز أيضاً.
стр. 147
حكم مبادلة المرأة بحليها امرأة أخرى
السؤال
ما رأيكم فضيلة الشيخ: أن تبادل المرأة بحليها امرأة أخرى بتراض بينهما؟
الجواب
هذا جائز أن تتبادل النساء الحلي فيما بينهن لكن بشرط أن يكون ذلك وزناً بوزن، وأن يحصل التقابض في مجلس العقد، بمعنى أن نزن هذا الحلي وهذا الحلي، فلا ترجح إحدى الكفتين على الأخرى، وأن يكون التقابض من الجميع في مجلس العقد، لقول النبي ﵌: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد) .
стр. 148
اللقاء الشهري [٧] ١،٢
في هذه المسيرة يتحدث الشيخ عن الإجازات، وأصناف الناس في كيفية قضائها، مصنفاً إياهم إلى خمسة أصناف، معطياً كل صنف شيئاً من التوجيهات والأحكام التي يحتاجونها في هذه الإجازة، ثم بعد ذلك يجيب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.
стр. 149
ليس في العمر إجازة إلا بالموت
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن لقاءنا هذه الليلة الأحد السابع عشر من شهر رجب عام (١٤١٣هـ) يصادف استقبال الإجازة الربيعية، وكنا بصدد أن نتكلم على تفسير سورة (ق والقرآن المجيد) كما وعدنا بذلك، ولكن نظراً إلى أن هذه الإجازة تحتاج إلى كلام يبين عمل الناس فيها، ماذا يعملون؟ أيبقون في بلدانهم أم يسافرون وإذا سافروا فهل يسافرون إلى خارج البلاد أم إلى داخل البلاد أم ماذا؟ المسألة تحتاج في الواقع إلى نظر وتأمل وإلى توجيه، نقول: أولاً: ليس في العمر إجازة، فالعمر كله عمل ولا إجازة إلا بالموت؛ لقول النبي ﵌: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فلم يجعل النبي ﵌ قاطعاً للعمل إلا هذا الشيء الواحد وهو الموت.
إذاً: لا بد أن يعمل الإنسان دائماً وأبداً، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
إذاً: كل الدنيا عمل، إذا فرغنا من الدراسة النظامية فلا بد أن نعمل عملاً آخر، ما هذا العمل؟ يجب أن يكون هذا العمل من ثمرات هذه الدراسة وخصوصاً للشباب والطلبة المعنيين بما تحملوه من العلم؛ لأن الله إذا منَّ عليك بالعلم فلا تظن أن المسألة دسم على خبز وانتهى الأمر! المسألة مسألة عظيمة تحمل وتحميل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] هل أحد منا يشعر بأنه جرى بينه وبين الله عهد وميثاق حين تعلم العلم؟
الجواب
لا نشعر بذلك لا في زمانه ولا في مكانه، لا نشعر بأننا عاهدنا الله في المكان الفلاني أو في الوقت الفلاني على أن نبين ذلك، ولكن مجرد ما يؤتي الله الإنسان العلم فهذا هو العهد.
لماذا أعطاك الله العلم وحرمه غيرك؟ من أجل أن تقوم به، تبينه للناس بالقول وهو التعليم، وبالفعل وهو المنهج والهدي؛ لأن العلماء عليهم مسئوليتان: المسئولية الأولى: التعليم بالقول وسواء كان عن طريق اللسان أو عن طريق الكتابة.
المسئولية الثانية: التعلم بالمنهج والسيرة، فكم من عالم اقتدى الناس بعمله ومنهجه وسيرته أكثر مما يقتدون بتعليمه وقوله، وهذا مشاهد.
ولهذا كان الصحابة ﵃ يعلمون الناس كيف يتوضأ الرسول ﵊، يعلمونهم بالقول ويعلمونهم بالفعل، حتى الخلفاء منهم، عثمان بن عفان ﵁ دعا بإناء من ماء وجاء ليتوضأ أمام الناس من أجل أن يهتدوا بهديه، وقال: (رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
إذاً: علينا نحن الذين وهبنا الله العلم من شباب وكهول وشيوخ أن نبينه للناس بالقول وبالعمل.
стр. 150
أصناف الناس في استغلال الإجازة
ثانياً: الناس في هذه الإجازة لهم مناحٍ شتى، كل واحد ينحى منحى:
стр. 151
استغلال الإجازة في زيارة الحرمين الشريفين
منهم: من يذهب إلى الحرمين: النبوي والمكي؛ ليقضي الإجازة هناك مع أهله وفي أشرف بقاع الله، فالصلاة في مسجد الرسول ﵌ خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فيغتنمون هذه الفرصة ويغتنمون -أيضاً- فرصة أخرى وهي الدفء؛ لأن الحرمين ولا سيما مكة أشد دفئاً من نجد كما هو مشاهد معلوم، فيغتنمون هذه الفرصة، وهؤلاء ماذا يلزمهم إذا ذهبوا هذا المذهب ونحوا هذا المنحى؟ نقول: أيهما تريد البراءة به: أبـ مكة أم بـ المدينة؟ والجواب على هذا السؤال ينبني على أيهما أفضل: العمرة أو زيارة المسجد النبوي؟
الجواب
العمرة أفضل من زيارة المسجد النبوي وعلى هذا فالقاعدة أن نبدأ بالأفضل قبل المفضول، نبدأ بالعمرة ثم بالزيارة -زيارة االمسجد النبوي- ولكن قد لا يتسهل للإنسان أن يبدأ بالعمرة قبل زيارة المسجد النبوي من حيث الطريق، قد يقول: إن طريق المدينة أسهل علي إذا كنت في القصيم، والإنسان مطلوب في حقه أن يتبع الأسهل، وسوف أحصل العمرة لكن في ثاني الحال.
فنقول: إن الأمر واسع إن بدأت بهذا أو بهذا، ولكن ينبغي أن نعلم أحكاماً في العمرة وأحكاماً في الزيارة.
العمرة: يحرم الإنسان بها من الميقات إن كان عن طريق الطائف فمن قرن المنازل الذي يسمى الآن: (السيل الكبير) وإن كان من طريق المدينة فمن ذي الحليفة، الذي يسمى الآن: (أبيار علي) وعند الإحرام يسن للإنسان أن يغتسل حتى المرأة الحائض والنفساء؛ لأن أسماء بنت عميس زوج أبي بكر ﵄ نفست في ذي الحليفة فأرسلت إلى النبي ﵌ ماذا أصنع؟ قال: (اغتسلي واستثفري بثوبٍ وأحرمي) فالاغتسال سنة للرجال والنساء عند إرادة الإحرام، وليس بواجب لو تركه الإنسان فلا إثم عليه ولا فدية عليه، لكنه أفضل وأكمل، ثم يلبس الرجل إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين أو جديدين.
أما المرأة فليس لها ثياب معينة في الإحرام، تلبس ما شاءت إلا أنها لا تتبرج بالزينة؛ لأنها منهية عن التبرج بالزينة، ثم يتطيب الرجل بما طاب ريحه، والمرأة بما حسن لونه دون ريحه؛ لأن رائحة الطيب في المرأة فتنة ورائحة الطيب في الرجل سنة، يتطيب الرجل فيضع الطيب على رأسه وعلى لحيته بعد أن يغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام.
وبعد هذا: هل يصلي ركعتين للإحرام -كما هو مشهور- أم لا يُصلي؟ جواباً على هذا أن نقول: ليس للإحرام سنة، إنما السنة للوضوء، ولكن إن كنت قريباً من وقت الفريضة فاجعل الإحرام بعد الفريضة، مثلاً: لو أنك وصلت الميقات وقت الضحى واغتسلت وتطيبت، وليس عندك نية أن تمشي قبل الظهر، فاجعل الإحرام بعد صلاة الظهر؛ لأن النبي ﷺ أحرم بعد صلاة فرض وإذا صليت تلبي للعمرة، تقول: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
ولكن هل تشترط فتقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني أم لا تشترط؟ الجواب: الأفضل ألا تشترط واعتمد على الله، إلا إذا خفت أن يحدث لك مانع من إتمام النسك فاشترط، ومن ذلك لو خافت المرأة أن تحيض في أثناء النسك ولا تطهر قبل أن تسافر، ففي هذا الحال ينبغي لها أن تشترط فتقول: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) من أجل إنها إذا حاضت تحللت من الإحرام ولا شيء عليها.
وتسير متجهاً إلى مكة وتكثر من التلبية، فإذا وصلت المسجد الحرام وشرعت في الطواف فاقطع التلبية، وفي هذا الطواف يسن للرجل أن يفعل شيئين: الأول: الاضطباع.
الثاني: الرمل.
فالاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، وهذا الاضطباع لا يسن إلا في الطواف.
كثيراً من العوام من حين أن يحرم يضطبع.
وهذا بدعة، فالاضطباع إنما يكون في الطواف فقط وهذا سنة للرجال، والمرأة لا تضطبع؛ لأن ثيابها ثياب معتادة.
يسن له أن يرمل ولكن الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط لا في كل الطواف، والرمل: أن نسرع في المشي بدون أن نمد الخطا -أي: تكون متقاربة ويسرع- وبدون أن يهزكتفيه؛ لأننا نشاهد بعض الناس في الرمل يمشي ولكن يهز الكتفين، والرمل يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، أما بقية الأشواط الأربعة الباقية فإنه لا رمل فيها.
مسألة: بماذا يبتدأ الطواف؟ الجواب: يبتدأ بالحجر الأسود، وقد وضعت الحكومة وفقها الله خطاً بُنياً يمتد من قلب الحجر الأسود إلى منتهى المطاف، فهذا هو مبتدأ الطواف، تستقبل الحجر وتشير إليه، وتقول: (باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ .
وإن تمكنت أن تصل إلى الحجر بدون مشقة عليك ولا على غيرك وتمسحه وتقبله فهذا أفضل، فإن لم تستطع التقبيل فامسحه بيدك وقبل يدك، فإن لم تستطع فأشر إليه إشارة، هذا هو السنة وليس من السنة أن تزاحم.
أما في بقية الطواف فتقول ما شئت من ذكرٍ ودعاء وقرآن إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فإنك تقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وتقتصر على ذلك، وأما الذين يقولون: وأدخلنا الجنة مع الأبرار، فهذه زيادة لم ترد عن النبي ﵌.
مسألة: الركن اليماني: هل يفعل فيه كما يفعل في الحجر الأسود، من التقبيل والاستلام والإشارة عند التزاحم؟ الجواب: لا.
الركن اليماني يستلم فقط، يمسح باليد اليمنى ولا يقبل ولا يشار إليه إذا لم يمكن استلامه.
مسألة: الركن الغربي والركن الشمالي هل يمسحان؟ الجواب: لا يمسحان، لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، كانت الكعبة أطول من هذا نحو الشمال، تستوعب من الحجر نحو ستة أذرع ونصف، لكن لما انهدمت في عهد قريش في الجاهلية قالوا: لا تبنوا الكعبة إلا من مال حلال طيب، كفار جهال يقولون: لا تبنوا الكعبة إلا بمال طيب، وهذا من حماية الله للكعبة، أي: لا تبنوه من الربا ولا من الميسر ولا من الظلم، لا تبنوه إلا بمال طيب، اتفقوا على هذا، فلما شرعوا في البناء وجدوا أن النفقة لا تكفي، فماذا صنعوا؟ قالوا: نبني بعض البيت (ما لا يدرك كله لا يترك جله) ابنوا بعض البيت، ومن أي جهة يكون النقص؟ قالوا: من الجهة الشمالية التي ليس فيها الحجر، لا يمكن أن يكون النقص في الجهة التي فيها الحجر، ففعلوا ذلك فبنوا الكعبة على ما هي عليه، وضعوا حائطاً يسمى: الحجر، ويسمى: الحطيم من أجل أن يكمل الناس الطواف وبقيت الكعبة على هذا، فلما فتح النبي ﵌ مكة قال لـ عائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باباً يدخل منه الناس وباباً يخرج منه الناس) ولكنه ترك ذلك ﵌ تأليفاً لأصحابه حتى لا ينفروا ويقولوا: هذا أحدث في بيت الله ما أحدث.
ولكني أقول لكم: إنه من نعمة الله وفضل الله أن ما أراده النبي ﷺ حصل بالمعنى، الآن الكعبة لها بابان: باب يدخل منه الناس وباب يخرج منه الناس كيف؟ الحجر من الكعبة وفيه باب يدخل منه الناس وباب يخرج من الناس مع الهواء الطلق، أرأيتم لو كانت مسقوفة ولها بابان، باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه ماذا يكون؟ يكون هلاك، نشاهد عند الجمرات مع الهواء الطلق يموت الناس بالتزاحم فكيف بالكعبة وهي مسقوفة، لكن من نعمة الله وتحصيل مراد النبي ﷺ أن جعل البناء على هذا الذي هو عليه الآن.
ولما تولى ابن الزبير ﵁ الحجاز هدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم بناءً على ما حدثت به خالته عائشة وجعل لها بابين، فلما تولى بنو أمية وقتل ابن الزبير ﵁ على يد الحجاج بن يوسف الثقفي ردها الحجاج وبناها على ما كانت عليه في عهد الجاهلية وبقيت على ما كانت عليه اليوم، ولما تولى الرشيد أراد أن يهدمها ويبنيها على قواعد إبراهيم، فأشار عليه مالك بن أنس ﵀ وقال له: [لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك كلما تولى ملك هدم وبناه على غير البناء السابق] فتركه وبقي إلى الآن.
نرجع عوداً على بدء إلى الطواف إذا أتم الإنسان سبعة أشواط فإنه يتقدم إلى مقام إبراهيم ﵇ يتلو قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] فيصلي فيه ركعتين، هاتان الركعتان تتميزان بأنهما خفيفتان لا يطيل فيهما، السنة أن يخفف ويقرأ فيهما بـ (قل: يا أيها الكافرون) مع الفاتحة في الركعة الأولى، وبـ (قل هو الله أحد) في الركعة الثانية مع الفاتحة، ثم ينصرف ولا يدعو بعدهما متجهاً إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا فليقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] (أبدأ بما بدأ الله به) كما فعل ذلك النبي ﵌.
مسألة: متى يقرؤها؟ الجواب: إذا صعد الصفا أو دنا منه قبل أن يصعد يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] ولا يعيدها مرة ثانية، لا تقرأ عند المروة ولا تقرأ عند الصفا في المرة الثانية لا تقرأ إلا مرة واحدة إذا دنا من الصفا أول مرة، فإن هذه هي سنة الرسول ﵊، فإذا صعد الصفا اتجه إلى القبلة ورفع يديه يدعو ولكنه يكبر ثلاثاً قبل الدعاء ويحمد الله ويقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إل
стр. 152
استغلال الإجازة للنزهة والترفيه
هناك قسم آخر من الناس يذهب إلى النزهة في البر وهذا لا حرج فيه ولكن يجب في هذا أمور: أولاً: المحافظة على الصلاة إما بالطهارة: بحيث لا يتهاونون في الوضوء إذا كان الماء قريباً منهم، وبإمكانهم أن يحملوا معهم (جوالين) أو (توانك) يضعونها هناك يتوضئون منها، وليس هذا بصعب في الوقت الحاضر ولله الحمد.
ثانياً: الصلاة جماعة في وقتها، يجب أن يصلوا جماعة في الوقت، أما أن يتخلفوا عن الجماعة مع إمكانها وسهولتها فإنهم آثمون بذلك.
ثالثاً: أن يحرصوا على أن تكون مجالسهم مجالس خير، يأخذون معهم شيئاً من كتب التفسير أو كتب الحديث أو كتب الوعظ الصحيحة يقرءونها في فراغهم في أول ليلهم، ولا يحرصوا على أن يطيلوا السهر؛ لأن طول السهر مضرة على البدن وحجب عن الصلاة في آخر الليل وهم كالذين في البلد ينبغي لهم أن يكثروا من النوافل والتطوع كغيرهم.
رابعاً: أن يحرصوا على زيارة من حولهم من النزلاء للتأليف والتعليم والإرشاد؛ لأن هذا ينفع نفعاً عظيماً ولا يحقرن أحد شيئاً من العلم، قال النبي ﵌: (بلغوا عني ولو آية) وما أحسن القوم إذا زار بعضهم بعضاً؛ يسيأنس بعضهم إلى بعض، ويألف بعضهم بعضاً، ويتعلم بعضهم من بعض، ويعظ بعضهم بعضاً، ويذكر بعضهم بعضاً، ففيه مصلحة كبيرة.
خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا سمعوا من قومٍ ما لا يجوز أو رأوا منهم ما لا يجوز، فالواجب الاتصال بهم والتحدث إليهم بالرفق واللين والموعظة الحسنة، وأن ينهوهم عن المنكر، فيقول: ليس هذا جزاء النعمة التي أنعم الله بها علينا؛ أمن ورخاء وهذه نعم ولله الحمد، غيث ومطر، فيذكرنهم بنعمة الله ويقولون: لا تكونوا ممن بدل نعمة الله كفراً، ولكن بالتأني والرفق.
وليعلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنه كالطبيب مع المريض يستخدم اليسر واللين والتخفيف عن المريض حتى يتوصل إلى القضاء على المرض.
إذاً: هؤلاء الذين أصيبوا بالمعاصي مرضى، ولهذا تجدون في القرآن كل مرض يضاف إلى القلب فهو مرض المعاصي: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا﴾ [النور:٥٠] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة:١٠] .
سادساً: الحرص على أن يكون الخارجون للنزهة على مستوىً واحدٍ في السن أو متقارب، بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون بعضهم صغاراً وبعضهم كباراً، اللهم إلا من كانوا مع أهليهم فهذا شأن آخر، لكن الذين تجمع بينهم الصحبة لا ينبغي أن يذهبوا بالصغار مع الكبار؛ لأن هذا قد تحصل به الفتنة من حيث لا يشعر الإنسان، والإنسان مثلاً قد يقول في نفسه: أنا والحمد لله مطمئن ولا أخشى على نفسي شيئاً، ولكن ليعلم أن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولهذا قال النبي ﵌: (من سمع بالدجال فلينأى عنه -يبعد- فإن الرجل يأتيه وهو مؤمن -وواثق من نفسه- ولكن لا يزال به حتى يتبعه لما يقع في قلبه من الشبهات) اللهم اعصمنا من فتنة المسيح الدجال.
إذاً: لا تقل: إني آمن وواثق! لا.
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، لذلك يجب أن يكون الخارجون على سنٍ واحدة متساوين أو متقاربين إلا من كان مع أهله فإنه مع أهله فيهم صغار وفيهم كبار.
سابعاً: أن يحرص على ألا يُبعد عن مخيمه، فإن هذا قد يحصل به الضياع ويتيه الرجل، والإنسان إذا تاه فإنه يُغمى عليه كما يقول العامة: ينجم ولا يستطيع أن يدرك المكان، لذلك يتجنب البعد عن المخيم إلا مع إنسان عارف يدله إذا ضل، ومعلوم أن الإنسان إذا ضاع فسوف يتعب هو بنفسه ويعرض نفسه للخطر إما خطر البرد وإما خطر أهل السوق وإما غير ذلك، وكذلك يشغل أصحابه وأهله، فلهذا يجب أن يتجنب البعد عن مخيمه؛ لما في ذلك من الخطر إلا إذا كان مع شخصٍ عارف يعرف المكان ويعرف الأرض، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هذه الأمور ينبغي للإنسان أن يلاحظها، لأنها هامة يحتاج الناس إليها.
стр. 153
استغلال الإجازة في مساعدة الأهل وفي طلب العلم
الصنف الثالث من الناس: من يبقى في بلده لا يخرج لا للنزهة ولا للعمرة ولا للزيارة، فهذا لا حرج عليه أن يبقى، ولكن ينبغي ألا يُضيع الفرصة في هذه الإجازة وألا يجعلها عطلة بل يجعلها استراحة يستمتع بما معه من الكتب أو الأشرطة أو غيرها مما ينفعه، على أن يستعيد نشاطه للمستقبل، وإذا كان هذا الإنسان له أب أو أخ أكبر منه وساعده في تجارته أو في زراعته أو في حرثه فهذا خير وفائدة كبيرة، المهم ألا يُضيع الوقت سدىً وبلا فائدة.
стр. 154
استغلال الإجازة في الدعوة إلى الله
الصنف الرابع من الناس: من يخرج في الدعوة إلى الله وهذا طيب، هذا نوع من الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد نوعان: ١- جهاد بالسلاح.
٢- جهاد بالعلم.
وكلاهما قرينان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: وبقيت طائفة ماذا تصنع؟ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] فبين الله أن المؤمنين لا يمكن أن يكونوا كلهم للجهاد، تكون طائفة في الجهاد وطائفة تبقى في المدينة مع الرسول ﵌ (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فجعل الله طلب العلم عديلاً للجهاد في سبيل الله، ما أحسن أن يخرج أناس من طلبة العلم وأريد بطلبة العلم الذين عندهم علم وقدرة على البيان، لا نكتفي بإنسان عنده قدرة على البيان لكن ليس عنده علم.
بعض الناس يستطيع أن يتكلم ويعظ ويؤثر ولكن ليس عنده علم، وهذا يؤثر على القلوب في الوقت الحاضر وينفع ولكن نفعه قليل، لو أن هذا الذي عنده بيان وفصاحة وتأثير ولكن ليس عنده علم، لو قام أحد يسأله أو يعارضه في مقال لم يستطع التخلص، وحينئذ تنقلب المنفعة مضرة والمصلحة مفسدة، ولذلك أحث إخواني الذين عندهم علم إذا تمكنوا من أن يذهبوا يميناً أو شمالاً أو شرقاً أو غرباً للموعظة والدعوة إلى الله كان في هذا خير كثير، وما أكثر الذين يلحون من الشمال ومن الجنوب ومن الشرق ومن الغرب يلحون علينا بطلب إرسال من يعظهم ويحاضر عندهم وينفعهم.
стр. 155
استغلال الإجازة في الذهاب إلى خارج البلاد
الصنف الخامس من الناس: الذين يخرجون إلى خارج البلاد، -هؤلاء أيضاً- إن خرجوا للدعوة إلى الله وكان معهم علم يدفعون به الشبهات ودين يدفعون به الشهوات فهذا طيب، أما الذين يخرجون للتمتع فهؤلاء على خطر عظيم، وهم واقعون في المحظور، لأنه لو لم يكن من هذا الخروج إلا واحدة لكفى.
وهي إضاعة المال، وهذا شيء محقق ولا يمكن أن يختلف فيه اثنان، أن فيه إضاعة المال؛ لأن نفقات التذاكر باهظة، ونفقات الفنادق هناك باهظة، هذا مع ما يحصل للقلب من البلاء، وما يحصل للنفس من الشرور، لذلك نحذر إخواننا من السفر إلى الخارج فإنه علة وبلاء، وإضاعة وقت، وإضاعة مال، وإفساد أخلاق، وربما إفساد عقيدة، لأن مما يخل بالعقيدة ونحن لا نشعر به، مسألة المودة والمحبة، هل كراهة الناس اليوم لغير المسلم مثل كراهتهم له بالأمس؟ أبداً كانوا بالأمس إذا ذكر اسم النصراني أو اليهودي اقشعر الجلد أما الآن فلا، بل إن من الناس -والعياذ بالله- من تتولى غير المسلمين أكثر من تولي المسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] .
والسفر إلى بلادهم سبب للمودة وإثراء لأموالهم وإعزاز لأوطانهم، مع ما فيه من خطر على عقيدة الإنسان وعلى خلقه، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم في هذه الدنيا ممن اكتسبوها في العمل الصالح، إن أذنبوا استغفروا، وإن غفلوا ذكروا، وإن أعطوا شكروا، وإن ابتلوا صبروا، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 156
الأسئلة
стр. 157
مخالفات شرعية يقع فيها أصحاب الإجازات
السؤال
فضيلة الشيخ: جرت عادة بعض الناس بل الكثير وخاصة الشباب أن يقضوا إجازة نصف العام في البراري يحصل لكن عند بعضهم بعض الأمور التي نرجو من فضيلتكم التوجيه عليها: أولاً: السهر الطويل الذي يكون على حساب صلاة الفجر فلا يصليها إلا ضحى بل لربما صلاها مع الظهر؟ ثانياً: الأوقات تقضى في لعب الورق وقد تكون على مال وعلى استعمال آلات اللهو من عود وطبل ويصحبها دخان وغيره؟ ثالثاً: تساهل الآباء وثقتهم الزائدة في أبنائهم الصغار فيخرجونهم مع من لا يساويهم سناً وثقافة؟
الجواب
هذه الأشياء الثلاثة كلها أشرنا إليها في كلامنا إلا مسألة تأخير الصلاة عن وقتها فأنا أقول زيادة على ما سبق: إذا أخرها عن وقتها متعمداً؛ فإن الله لا يقبلها منه ولو صلاها ألف مرة، والذين ينامون ويعرفون أنهم لن يقوموا إلا بعد طلوع الشمس هؤلاء متعمدون تأخيرها عن وقتها، هؤلاء لا تقبل منهم إطلاقاً، ودليل ذلك: قوله ﵌: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
أي: مردود عليه، والذي يتعمد تأخير الصلاة عن وقتها قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله.
قد يقول قائل: أليس النبي ﵌ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) أي: استيقظ، أليس النبي ﷺ كان في سفر، فنزل في آخر الليل وقال لـ بلال: اتل علينا الفجر -أي: راقبه- ولكن بلالاً نام ولم يصح إلا بعد طلوع الشمس؟ قلنا: بلى.
كان هذا، ولكن هل كان هذا هو العادة؟ وهل النبي ﵊ لم يتخذ الأسباب التي يحصل بها الاستيقاظ؟ إن النبي ﵌ طلب من بلال أن يراقب الفجر.
وإن النبي ﵌ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها) ليس عمداً، ولكن هؤلاء الذين يتعمدون النوم في آخر الليل ويعلمون أنهم لن يقوموا إلا بعد طلوع الشمس هؤلاء أين العذر لهم؟! نعم.
لو فرض أنهم فعلوا كلما يمكن أن يستيقظوا به من الساعات المنبهة وغيرها، ولكن لم يكن ذلك، أي: لم يقوموا، فحينئذٍ إذ استيقظوا صلوا.
أما لعب الورق إذا كان على عوض فهي حرام، لأنه من الميسر، وسواء كان العوض دراهم أو ثياباً أو إيلاماً بضرب أو غيره أو حبساً، أي شيء على عوض فهو حرام، أما إذا لم تكن بعوض فهي مضيعة للوقت بلا شك، وسبب في بعض الأحيان إلى النزاع إذا غلب أحدهم الآخر صار معه في نزاع، وقد قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀: إنها حرام بكل حال.
стр. 158
مفاسد اللعب بالسيارات في البراري
السؤال
فضيلة الشيخ! يكثر في هذه الأيام خروج بعض الشباب للدوران في البراري ويسمى عندهم التطعيص، فنجد بعضهم يمضي جل ليله يجوب الرمال صعوداً ونزولاً ومن جراء ذلك نتج ما يلي: أولاً: تحميل السيارات أكثر مما تطيق ولربما أفسدها وقصر من عمرها.
ثانياً: إزعاج الناس وإيذاؤهم خصوصا إذا جلس الرجل مع عائلته.
ثالثاً: إتلاف ما من الله به علينا من نبات فلا تكاد تجد مكاناً علا أو نزل إلا وقد أفسدته السيارات.
رابعاً: ما حدث من حوادث رهيبة ذهب ضحيتها بعض الناس أو أصابهم بعض الجروح والكسور.
خامساً: ما يفعله بعضهم من قفز على السيارات بالدراجات النارية، وذلك بأن يجعلوا السيارات مصفوفة تحت كثبان الرمال ثم يأتي السائق في دراجته من أعلى الكثبان ويقفز إلى الجهة المقابلة، فما حكم ذلك كله وبم تنصحون الأولياء وما توجهون به الشباب وما توجيهاتكم للجهات الأمنية؟
الجواب
كل هذه الأشياء التي ذكرها السائل كلها محظورة، وبعضها يقع كثيراً وبعضها يقع قليلاً، والواجب على الشاب المسلم أن يعرف قدر نفسه وأنه مسلم مؤمن بالله ممتثل لأمره، وفي هذه الأشياء من المفاسد ما هو ظاهر إضاعة المال إفساده الخطر العظيم إيذاء المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] إن الفاعل لهذا لا شك أنه سفيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] .
أما الجهات الأمنية فإن الواجب عليها أن تمنع ما فيه الشر والفساد بقدر المستطاع، ولكن هناك شيء آخر أو خطوة أولى قبل تدخل الجهات الأمنية، وهو الشباب الذي له قول مقبول عند الآخرين ينبغي أن يكثر التحذير من هذا، وبيان أن هذا منافٍ للشرع والعقل والحلم والرجولة.
وعلى أولياء الأمور الذين يستطيعون أن يمنعوا أبناءهم من ذلك، عليهم أن يمنعوهم حتى من الخروج إذا كان خروجهم على هذا الوجه، ولكن إن شاء الله تعالى أن الشباب سوف يرعوي وسوف يعلم أن هذا ليس من مصلحته بل هو من دنيا وأخرى، وحينئذ يغلب جانب العقل على جانب السفه، وجانب الصلاح على جانب الفساد.
стр. 159
الحث على الاهتمام بالأسرة
السؤال
يلاحظ على بعض الأولياء وخاصة الأزواج تركهم لعوائلهم طيلة أيام الإجازة، فلا يؤنس أولاده ولا يسافر معهم، بل ينشغل بأصحابه ولربما ترك أمه وأباه وزوجته وأولاده وصلة أرحامه يضيعون، فما عاقبة ذلك؟
الجواب
لا شك أن العائلة أحق من غيرهم بما يدخل السرور والأنس عليهم، ولو أن العوائل اجتمعوا وخرجوا في نزهة جميعاً لكان هذا خيراً وأولى، بشرط ألا يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء.
أما ما ذكره السائل من أن بعض الناس يذهب مع أصحابه وينسى أهله وينسى عائلته، فإن هذا لا شك أنه سوء تصرف وأنه غير محمود، وقد قال رسول الله ﵌: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) هذا وإن كان في المال، لكن حتى في غير المال أيضاً، أهلك أحق بك من غيرهم، ولكن إذا كان أهله لا يرغبون الخروج، وخرج مع أصحابه وصار يأتي إلى أهله في اليومين أو في الثلاثة أو في كل يوم، أي: أن الأمر سهل والحمد لله، الآن السيارات تأتي بالبعيد فإن هذا لا بأس به ولا ضيق على الإنسان فيه.
стр. 160
حكم أخذ وإعطاء إجازة مرضية لغير مستحقيها
السؤال
هل يجوز للطبيب أن يعطي أحداً من الناس إجازة مرضية وخاصة للموظفين، عندما يكون هذا الشخص لا يحتاج حقيقة إلى هذه الإجازة وهذا الطبيب لم يعاين هذا الشخص ولم يكشف عليه، وهل يأثم الطبيب لو أعطى المريض إجازة مرضية أكثر مما يستحق؟
الجواب
في الصحيحين عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﵌ قال: (ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله،؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: وقول الزور وشهادة الزور) ولا شك أن الطبيب إذا أعطى شخصاً إجازة مرضية وهو ليس بمريض لا شك أنه قال الزور وشهد شهادة الزور، وأنه آثم وأتى كبيرة من أكبر الكبائر، وكذلك الذي أخذ هذه الإجازة آثم وكاذب على الجهات المسئولة وآكل للمال بالباطل، فإن الراتب الذي يقابل هذه الإجازة أخذه بغير حق، وكذلك إذا أعطاه أكثر مما يحتاج، مثل أن يحتاج إلى ثلاثة أيام إجازة مرضية ويعطيه أربعاً، فإن هذا حرام من أكبر الكبائر.
والحقيقة أن الإنسان كلما فكر في مثل هذه الأمور، يعجب كيف يقع هذا في شأن المسلم، ألسنا كلنا مسلمين؟ أليس دين الإسلام يحرم هذا؟ أليس العقل المجرد عن الإيمان والإسلام يحرم هذا؟ الجواب: بلى لكن مع الأسف أن يقع هذا من المسلمين ويكون وصمة عار في جبين كل مسلم.
الآن يقول بعض السفهاء: إن الكفار أنصح من المسلمين وأصدق من المسلمين وأوفى من المسلمين، وهذا قد يكون صدقاً في بعض الأحيان، لكننا نقول لهذا: دين الإسلام أكمل من كل ما سواه من الأديان، ومنهج الإسلام خير من كل منهج، وشرعة الإسلام فوق كل شريعة، لكن البلاء من أهل الإسلام وليس من الإسلام، وما دمت رجلاً أنتمي إلى الإسلام وأفخر به وأعتز به وأرجو به ثواب الله، فلماذا أخالف شريعة الإسلام؟! لماذا أقول الزور؟ لماذا أشهد الزور؟ لماذا آكل المال بالباطل؟ لماذا أخون الجهات المسئولة؟ كل هذا مما يؤسف له، وكل هذا مما أوجب تأخر المسلمين وتسلط الأعداء عليهم.
إخواننا المسلمين في بعض الجهات الإسلامية ينحرون نحر الخروف، يذبحون ذبحاً، تنتهك حرماتهم، تسبى ذراريهم، تغتنم أموالهم، لماذا؟ كل هذا بذنوبنا ومعاصينا.
فنسأل الله أن يعاملنا بعفوه وأن ينصرنا على أعدائنا.
стр. 161
حكم استعمال الكتاب الذي يستخدمه العوام أثناء أشواط العمرة والسعي
السؤال
نرجو من فضيلتكم توضيح حكم استعمال هذا الكتاب الذي يستخدمه الناس للقراءة منه أثناء الأشواط في العمرة أو الحج، ولم يرد هذا الدعاء الذي فيه عن النبي ﷺ ؟
الجواب
السائل يشير إلى منسك صغير يحمله الحجاج والعمار مكتوب فيه لكل شوط دعاء، دعاء الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني، دعاء الشوط الثالث إلى آخره، وهذه بدعة باتفاق الفقهاء، بدعة لا تزيدك من الله إلا بعداً؛ لقول النبي ﵌: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
أين هذه الأدعية من البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي، وغير ذلك من المسانيد والسنن أين فيها هذا الدعاء لكل شوط؟ وأقول للأخ السائل: إن استعمال هذه الأدعية لا يزيد الإنسان من الله إلا بعداً ولا يزيده إلا ضلالاً، لكن يقول: ماذا أقول؟ قل ما تريد على ربك، اسأل ربك ما تريد من حاجات في نفسك، أشخاص في نفسك تريد الدعاء لهم، ادع لأهلك، لإخوانك المسلمين، ادع بما شئت، (ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله) كرر إذا نفد ما عندك من أدعية، فالإلحاح في الدعاء مطلوب، والنبي ﵌ كان إذا دعا، دعا ثلاثاً، وإذا سئمت فاقرأ القرآن، فالأمر واسع، أما أن تحمل هذه البدعة وتتقرب بها إلى الله فهذا خطأ، ثم إن في هذه الكتيبات من الأدعية ما ليس بمشروع أصلاً، ومنها ما لا يعرف معناه من قرأه، حتى الذي يقرؤه لا يعرف معناه حتى نسمع أناساً يقلبون الكلمات.
سمعت رجلاً يقول: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك فقال: اللهم أغنني بجلالك، لا أدري هل قال: عن جرامك أو عن حرامك، المهم أنه أخطأ؛ لأنه لا يعرف معنى ما يقرأ.
стр. 162
حكم دخول مكة لمن لم ينو العمرة
السؤال
أتيت من الرياض في طريقي إلى المدينة، ثم إلى مكة وهذه رحلة عمل حيث أني أتوقف في كل بلدة أمر بها في طريقي حسب طبيعة عملي، فأنا مندوب مبيعات ويصعب علي الإحرام وأداء العمل في نفس الوقت ونهاية رحلة العمل في الجموم داخل حدود الميقات، فإذا أردت أداء عمرة حيث أنويها من الآن فمن أين أحرم؟ وهل أعود بعد انتهاء العمل إلى الميقات؟
الجواب
نعم إذا مر الإنسان بالميقات وهو صاحب عمل ولم ينو العمرة فلا حرج عليه، يدخل مكة بلا عمرة ويطوف إن شاء أو لا يطوف، فما دام أدى العمرة الواجبة عمرة الإسلام.
لكن إذا مر بالميقات وهو يريد الأمرين: العمل والعمرة، فلا بد أن يحرم من الميقات، ثم يكمل العمرة وينهي عمله، فإذا قال: هذا يشق عليّ؛ لأني سأبقى في جدة مثلاً أو في الجموم قبل أن أصل إلى مكة قلنا: لا تنوِ العمرة في هذا السفر اجعل العمرة في سفر آخر والأمر ولله الحمد واسع.
стр. 163
حكم من نوى العمرة بعد مجاوزة الميقات
السؤال
سافرت إلى الحجاز ولم يكن عندي نية للعمرة وعندما وصلت إلى جدة ومكثت فيها أياماً وجدت من يشجعني على أداء العمرة فهل أعتمر مع العلم أني لم أعتمر قبل ذلك أبداً؟
الجواب
نقول: في هذه الحال لك أن تحرم من جدة؛ لأنك في الأول لم ترد العمرة، ولكن يجب أن تعلم أن العمرة واجبة على الفور، وأن الواجب عليك أن تنوي العمرة حين مررت بالميقات، ثم تؤدي العمرة وترجع إلى جدة، ولكن ما دام الأمر كما قال السائل إنه قد ذهب إلى جدة وهناك وجد من يشجعه على العمرة فأحرم من هناك وأدى العمرة، نقول: لا حرج عليك، وليس عليه فدية، وعمرته هذه مجزئة عن عمرة الإسلام.
стр. 164
حكم بيع الحيوانات حية بالوزن
السؤال
فضيلة الشيخ: مع كثرة الرحلات يكثر شراء الذبائح وقد سمعنا أن هناك أناساً يبيعون الذبائح حية بالكيلو، أي يزنها حية دمها ولحمها وفرشها وجميع ما فيها الكيلو بكذا، فهل هذا جائز؟
الجواب
ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﵌ نهى عن بيع الغرر) فلنطبق هذه المعاملة على هذا؟ إذا باعها حية بالوزن فهل في ذلك غرر أم لا؟ الجواب: فيه غرر، قد يكون بطنها مملوءاً بالماء، فيزيد وزنها فيحسب عليه كيلو الماء مثل كيلو اللحم، وهذه جهالة لا شك، وربما يتعمد البائع الغش في هذه الحال، فإذا أراد أن يبيعها ملأ بطنها ماءً، كما أن بعض الناس إذا أراد أن يبيع الشاة اللبون صراها، حتى يظن من رأى ضرعها أنها ذات لبن كثير، لهذا نقول: لا يجوز أن يبيعها وزناً، ونقول: بدل أن يبيعها وزناً يبيعها هكذا جزافاً وما المانع؟ لكن أحياناً يزين للإنسان سوء عمله -والعياذ بالله- فيظنه حسناً، فبدلاً من أن تقول: زنها، فتكون مائة كيلوا أو خمسين كيلو أو ما أشبه ذلك والكيلو مثلاً بخمسة، إذا كانت خمسين كيلو والكيلو بخمسة فيكون ثمنها مائتين وخمسين كيلو نقول: مائتين وخمسين بدون وزن، ثلاثمائة أو مائتين بدون وزن.
стр. 165
حكم التسمي باسم ملاك وما شابهه
السؤال
ما حكم التسمي باسم ملاك (بالفتح) أو ملاك (بالكسر) للأنثى؟ وما هو قولكم فيمن يقول: إن هذا لا يجوز؛ لأن هذه الكلمة مأخوذة من الملك وهم الملائكة ولا يجوز مشابهة الملائكة في ذلك، وهل ذلك من تسمية الملائكة تسمية الأنثى كما ورد في القرآن نرجو الإجابة وفقكم الله؟
الجواب
أنا أكره أن يسمى الإنسان ابنته مِلاك أو مَلاك وأقول: هل ضاقت عليه الأسماء؟ الأسماء ألوف مؤلفة، وربما لا يكون عنده إلا هذه البنت، فالأسماء كثيرة يأخذ من أسماء نساء الصحابة ﵅ من أسماء نساء بلده، أما أن يأتي إلى أشياء أدنى ما نقول إن فيها شكاً، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
والأسماء والحمد لله واسعة، أما الأسماء التي فيها التزكية فإن الرسول ﵌ غير اسم برة إلى جويرية أو إلى زينب -امرأتان- ومثل ذلك أبرار لا يُسمى بها؛ لأن أبرار جمع بر، وإذا كان الرسول ﵌ غير برة مع أنها اسم أنثى فيها التأنيث، فكيف لا نغير اسم أبرار التي هي جمع لبر وبر اسم مذكر.
стр. 166
حكم إيقاف النسل بحجة التفرغ للعبادة
السؤال
رجل له أربعة أبناء ويقول: إنه يرغب في إيقاف النسل ويكتفي بما عنده من أولاد ليتفرغ لعبادة ربه؛ لأن كثرة الأبناء تلهي فهل يأثم بذلك أم لا؟
الجواب
هذه نظرة قاصرة، فالأولاد تربيتهم من طاعة الله، وإذا اهتدى أولادك على يدك نفعوك حياً وميتاً كما قال النبي ﵌: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ثم نقول لك: كثرة الأولاد كثرة للأمة.
والنبي ﵌ حثَّ على أن يتزوج الإنسان الودود الولود من أجل كثرة الأولاد، وأخبر أنه يباهي الأنبياء بأمته يوم القيامة يكاثر بهم، فليعدل السائل عن هذا الاتجاه، وليكثر من الأولاد؛ ليكثر رزقه، وليكثر الاهتداء على يده، وليكون هؤلاء الأولاد ذخراً له في حياته وبعد مماته ولتحقيق مباهاته النبي ﷺ يوم القيامة.
стр. 167
حكم قراءة الفاتحة في التشهد نسياناً
السؤال
رجل يقرأ الفاتحة في التشهد ناسياً فهل يعيد الصلاة؟
الجواب
لا يعيد الصلاة إذا قرأ الفاتحة في التشهد ناسياً، لكن يجب أن يقرأ التشهد؛ لأن التشهد الأخير الذي يعقبه السلام ركن والتشهد الأول (الأوسط) واجب من واجبات الصلاة، وليعلم أنه ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً) فلا يجوز للمصلي أن يقرأ القرآن وهو راكع ولا أن يقرأ القرآن وهو ساجد.
نعم لو دعا بدعاء من القرآن فلا بأس، أما أن يتلو القرآن وهو راكع أو ساجد فإن ذلك حرام عليه، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من قرأ وهو راكع أو ساجد فإن صلاته تبطل؛ لأنه منهي عنه.
стр. 168
حكم أخذ المصاحف من المساجد وإبدالها بغيرها
السؤال
فضيلة الشيخ: يوجد في بعض المساجد مصاحف قديمة كبيرة الحجم وردت قديماً من خارج هذه البلاد كهدية للحرم أو غيره من المساجد، وبعد فتح المجمع لطبع المصحف في المدينة ترك الناس هذه المصاحف فتراكم عليها الغبار أو قل القارئ فيها، فهل يجوز لي أن آخذ واحداً منها لوضوح حروفها ولحاجتي للقراءة فيها، وأجعل مكانه مصحفاً آخر مما يقرأ الناس فيه، بل أجعل بدله عشرة بنية صاحبها فهل يجوز لي ذلك؟
الجواب
الناظر على المساجد وعلى ما يُرى فيها من المصاحف والكتب هي وزارة الأوقاف، هي الجهة المسئولة، فإذا اتفقت مع الوزارة أو مع الناظر على مساجد هذا البلد الذي أنت فيه على أن تأخذ هذا المصحف وتضع بدله مصحفين أو ثلاثة أو أربعة ووافقوا على ذلك فهذا جائز، ولا يحل لهم أن يوافقوا إلا إذا كان هذا المصحف الذي تريده متعطلاً لا يقرأ فيه.
أما أن تفعل ذلك بنفسك فإن هذا حرام؛ لأنه لا ولاية لك على هذا المسجد.
стр. 169
حكم من نسي عدد أشواط الطواف والسعي
السؤال
إذا نسي الرجل كم طاف حول الكعبة أو كم سعى ستة أم سبعة فماذا يفعل؟
الجواب
أما الطواف فنسيانه وارد، يطوف الإنسان فلا يدري هل هذا الخامس أو السادس أو السابع؟ وإذا شك فإن كان عنده غلبة ظن فليبن على غلبة الظن، مثلاً: غلب على ظنه أنها سبعة أشواط يجعلها سبعة، وإذا غلب على ظنه أنها ستة أو سبعة، لكن غلبت الستة، يجعلها ستة، أما إذا لم يغلب على ظنه شيء بل هو شك محتمل، فليبن على الأقل، لأنه يقين، فإذا شك هل هي خمسة أو ستة بدون أن يرجح فليجعلها خمسة.
أما السعي فالخطأ فيه قليل لماذا؟ لأن فيه علامة إن ختمت بـ الصفا فأنت إما زائد شوطاً وإما ناقص شوطاً يقيناً.
وإن ختمت بـ المروة فأنت إما مصيب أو زائد.
وعلى كل حال نقول فيه ما قلنا في الطواف: إذا غلب على ظنك أحد العددين فاعمل به، وإذا كان الشك متساوياً فخذ بالأقل.
ولكن هل يسجد للسهو في الطواف والسعي؟ الجواب: الساعي لا يسجد، أما الطواف وأن كان صلاة إلا أن الله أباح لنا فيه الكلام إلا أنه لا يسجد، لأنه لا يتعبد في الطواف بالسجود، فإذا كان الأصل ليس فيه سجود، فكيف إذا كان فيه الشك، أي: كيف يجبر بالسجود وهو أصله ليس فيه سجود.
стр. 170
حكم جلوس المرأة الحائض في المسعى
السؤال
إذا كنا جماعة ومعنا امرأة فحاضت هذه المرأة وليس لنا مسكن، وهذه المرأة قد تحفظت تحفظاً كاملاً هل يجوز لها الجلوس في المسعى من أجل البرد أم تخرج خارج المسجد في التوسعة الجديدة أم ماذا تفعل؟
الجواب
لا حرج عليها أن تجلس في المسعى؛ لأن المسعى ليس من المسجد بل خارج المسجد، له حدود معينة وجدار تحجزه عن المسجد الحرام، فليس من المسجد، فإذا جلست فيه الحائض فلا حرج عليها أن تنتظر أهلها أو ما أشبه ذلك.
стр. 171
حكم طواف الوداع للمعتمر
السؤال
هل هناك مدة معينة يجوز للإنسان بعدها أن يطوف طواف الوداع أو أن الأمر مفتوح؟ وهل يجوز للإنسان أن يبقى بعد طواف الوداع ساعات خصوصاً ليشتري بعض الحاجيات أو الهدايا أم ماذا يفعل؟
الجواب
أما الشق الأول: الرجل إذا أتى معتمراً وطاف وسعى وقصر ومشى فهذا يغنيه عن طواف الوداع، ولا حاجة للوداع، وأما إذا مكث ولو ساعة فلا بد أن يودع، ثم الذي ينبغي ألا يشتري بعده شيئاً ولو كان من الأغراض التي يحتاج إليها، يشتري الأغراض التي يحتاج إليها قبل أن يطوف ثم يطوف هذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﵌ أمر أن يكون الطواف آخر شيء: (فليكن آخر عهده بالبيت الطواف) لكن لو فرض أنه طاف ثم مشى وفي أثناء الطريق رأى ما يعجبه مما يحتاجه واشتراه فلا حرج عليه، وكذلك لو طاف وخرج وتخلف بعض الرفقاء وجلس لانتظار الرفقاء فإن ذلك لا بأس به.
стр. 172
حكم تارك الصلاة
السؤال
لي أخ لا يصلي وإذا كلمناه عن ذلك ونصحناه بدأ يسب الدين فماذا نفعل مع مثل هذا؟
الجواب
الواجب عليكم نحو هذا الرجل المناصحة، فإذا أيستم منه فالواجب أن ترفعوا أمره إلى الجهات المسئولة، ويجب في هذه الحالة على الجهات المسئولة أن تدعوه إلى الصلاة، فإن صلى وإلا وجب قتله كافراً مخلداً في النار، لأن الذي لا يصلي كافر، خارج عن الإسلام والعياذ بالله، فالواجب عليكم ما دامت هذه حاله أن تبلغوا الجهات المسئولة حتى تلزمه بشرائع الإسلام، فإن التزم فذاك، وإن لم يلتزم فلا بد أن يُقتل.
стр. 173
حكم تغطية المرأة وجهها أثناء تأدية مناسك العمرة
السؤال
هل يجب على المرأة تغطية وجهها خلال جميع مناسك العمرة؟ وهل يستثنى شيء من أعمال العمرة تكشف المرأة عن وجهها فيه؟
الجواب
أما إذا كان ليس حولها رجال فلتكشف وجهها هذا هو الأفضل، وإذا كان حولها رجال لا يحل لها الكشف عندهم فالواجب عليها أن تستر وجهها، ومعلوم أنها في المطاف والمسعى والأسواق عندها رجال لا يحل لها أن تكشف وجهها أمامهم، أما في السيارة أو في البر، فإن المشروع في حقها أن تكشف وجهها ما دام الذين معها من محارمها.
стр. 174
مشروعية سوق الهدي في العمرة
السؤال
قرأت في بعض كتب الفقه أنه يشرع للمعتمر أن يذبح هدياً بعد عمرته استحباباً، هل هذا من السنن المندثرة في هذا الوقت، وحبذا لو نبهتمونا على هذه السنة إن كانت سنة وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذه من السنن المندثرة، لكن ليس السنة أنك إذا اعتمرت اشتريت شاة وذبحتها، السنة أن تسوق الشاة معك تأتي بها من بلادك أو على الأقل من الميقات أو من أدنى حل عند بعض العلماء، ويسمى هذا (سوق الهدي) أما أن تذبح بعد العمرة بدون سوق فهذا ليس من السنة.
стр. 175
حكم صلاة المرأة في المسجد الحرام
السؤال
هل فضل مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي خاصة بالرجال أم بالرجال والنساء؟ فإذا كان يشمل النساء أفلا نقول: إن صلاة المرأة في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أفضل من بيتها، وكيف نرد على قول النبي ﷺ (وبيوتهن خير لهن) ؟
الجواب
هذه كلمة خشنة جداً (كيف نرد على قول الرسول) صعبة! لكن الظاهر أن قصده: كيف نجيب عن قول الرسول ﷺ .
أقول: إن النبي ﷺ قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) وهذا المسجد هو الذي قال فيه: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن) فأخبر أن صلاة المرأة في بيتها في المدينة خير من صلاتها في المسجد النبوي مع المضاعفة، مع أن الصلاة في المسجد النبوي مضاعفة، كذلك في مكة صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد الحرام.
ولكن قد يقول قائل: كيف يكون خيراً وهذه مائة ألف صلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي بألف أو خير من ألف؟ نقول: هناك كمية وهناك كيفية، فالأجر في كيفيته وضخامته في بيتها يقابل العدد الحاصل بالكثرة، ثم إنه قد يقول قائل: إن المرأة إذا صلت في المسجد الحرام لا يحصل لها مائة ألف صلاة أو في المسجد النبوي لا يحصل لها أن تكون صلاتها خيراً من ألف صلاة؛ لأن المخاطب بذلك أهل المساجد، ومن أهل المساجد؟ الرجال دون النساء.
ولذلك يقع في النفس شك لو صلت المرأة في المسجد الحرام هل تنال مائة ألف؟ ولو صلت في المسجد النبوي هل صلاتها خير من ألف صلاة؟ هذا محل نظر ومحل تأمل، لأن المخاطب في فضل المساجد هم أهل المساجد وهم الرجال، أما المرأة فبيتها خير لها من المسجد حتى من المسجد الحرام ومن المسجد النبوي.
стр. 176
حكم الهرولة بالنسبة للنساء في السعي
السؤال
أشرتم وفقكم الله في الطواف والسعي إلى الهرولة هل الهرولة خاصة بالرجل وإذا كان الرجل معه امرأة بل نساء فهل يهرولن معه أم لا؟
الجواب
ذكر بعض أهل العلم أن علماء المسلمين أجمعوا بأن المرأة لا تهرول لا في الطواف ولا في السعي، وكان يتراءى لي في الأول أن المرأة في السعي تسعى بين العلمين، أي: تركض؛ لأن أصل السعي من أجل أم إسماعيل، لما تركها إبراهيم وولدها في مكة وترك عندهما جراباً من التمر ووعاءً من الماء، فلما نفد التمر والماء قل لبنها على ابنها وصار الابن يجوع لأن الأم ليس فيها لبن فجعل الابن يصيح، فضاقت عليها الأرض بما رحبت، فنظرت أقرب جبل إليها؛ لأن الولد كان عند محل الكعبة، وأقرب جبل إليها هو الصفا.
فذهبت فصعدت تتسمع لعل الله أن يأتي بأحد، لأن ذلك الوقت ليس فيه أحد، فنزلت متجهة إلى المروة، لأنه أقرب جبل إليها أيضاً، وفي أثناء مسيرها مرت بوادي مجرى الشعيب، وهو عادة يكون منخفضاً فلما هبطت بالوادي أسرعت لئلا يغيب عنها ولدها، فلما صعدت مشت عادة حتى أتت المروة، فلما أتمت سبع مرات نزل الفرج من رب الأرض والسماوات، الله أكبر.
نزل جبريل فركض برجله أو جناحه محل زمزم حتى نبع الماء، فجعلت من شفقتها عليه تحجره لئلا ينساب في الأرض، قال النبي ﵌: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً) وجعلت تشرب من هذا الماء، وكان ماء زمزم لما شرب له، فكان يغنيها عن الطعام والشراب، فدرت على ولدها واستأنست، فمر ركب من جرهم، ورأوا الطيور تنزل على هذه الجهة لتشرب من الماء، فتعجبوا وقالوا: ليس في هذا المكان ماء! فكيف يكون هذا؟ فذهبوا نحو ما تأوي إليه الطيور، فإذا بأم إسماعيل وولدها، فنزلوا عندها وصارت قرية، مدينة.
سبحان الله! بعد أن لم يكن فيها إلا الوحش، وإسماعيل وأمه.
كان يتراءى لي إن المرأة تسعى بين العلمين؛ لأن أصله من سعي أم إسماعيل، لكن لما رأيت بعض أهل العلم نقل إجماع العلماء على أن المرأة تمشي ولا تسعى، رأيت أن الصواب أن تمشي بلا سعي.
بقي علينا المحرم الذي معها هل يسعى ويتركها أو يمشي معها حسب مشيها؟ نقول: إن كانت المرأة تهتدي بنفسها وامرأة مجربة ولا يخشى عليها، فلا حرج أن يرمل في الأشواط الثلاثة ويقول لها في آخر الطواف: نلتقي عند مقام إبراهيم، وإن كانت لا تستقل بنفسها ويخشى عليها، فإن مشيه معها أفضل من الرمل وأفضل من السعي الشديد بين العلمين.
стр. 177
نصيحة لأولياء الأمور تجاه بناتهم
السؤال
من ابنتكم المحتارة الغيورة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ: تعلم أن الفتاة في هذا الزمن باتت مهيضة الجناح مهانة مزدراة تباع وتشترى، وإني إذ أكتب هذا الكلام لأبتغي من وراء هذا إلا الدفاع عن فتاة الإسلام ودفاعي هو دفاع لها عن عقيدتها وعفافها وعن شقاوتها وعن حياتها، لأن الفتاة المسلمة هي أم الأجيال ومربية الرجال وعليها أساس صلاح المجتمع، وقد يكون والد الفتاة سبباً رئيسياً في انحرافها أو خيانتها لزوجها، وكم في البيوت من مآسٍ بسبب الجشع وحب المال، فهل من كلمة للنساء وأولياء أمور النساء، جزاكم الله خيراً، كاتبة ذلك: فتاة وقف أبوها وأخوها في وجهها وهي تريد الزواج؟
الجواب
هذه المسألة مسألة عظيمة ومشكلة كبيرة، فإن بعض الرجال -والعياذ بالله- يخونون الله ويخونون أماناتهم ويجنون على بناتهم، والواجب على الولي أن يتبع ما يرضي الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا الصالحين من العبيد والإماء الرقيقات، وقال النبي ﵌: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) وبعض الناس -والعياذ بالله- يجعل ابنته سلعة يبيعها على من يهوى ويمنعها عمن لا يهوى، فيزوجها من لا يرضى دينه ولا خلقه؛ لأنه يرى ذلك، ويمنعها عمن يرضى دينه وخلقه؛ لأنه لا يرى ذلك، وليت أننا نصل إلى درجة تجرؤ فيها المرأة على أنه إذا منعها أبوها من الكفؤ الذي رضيته ديناً وخلقاً تذهب إلى القاضي فيقول لأبيها: زوجها أو أزوجها أنا أو ولي غيرك، لأن هذا حق للبنت، إذا منعها أبوها من هو كفؤ فعليها أن تطلب من القاضي أن يزوجها ولي آخر أو يزوجها القاضي.
وهذا حق شرعي فليتنا نصل إلى هذه الدرجة، لكن أكثر الفتيات يمنعها الحياء من أن تقدم على هذا، وتبقى النصيحة للولي أن يتقي الله وألا يمنعها فتَفسد وتُفسد، وليزن ذلك بنفسه، لو أنه أراد النكاح ومنع منه ماذا تكون نفسه؟ ولقد حدثت قديماً أن رجلاً -والعياذ بالله- كان يمنع بناته من تزويجهن، وكبرن فمرضت إحداهن، قد يكون مرضها أيضاً بسبب منعها من الزواج والله أعلم، لكنها في سياق الموت وعندها نساء أوصتهن وقالت: قلن لأبي: حسبي الله عليه، وإن موعدي معه يوم القيامة، والعياذ بالله هكذا تقول لأبيها.
وإن لم تقله فهذا هو الواقع حتى لو لم تقله فستكون خصماً له يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٦] فنصيحتي للأولياء من آباء أو إخوة أن يتقوا الله ، وألا يمنعوا النساء من هو حق لهن من تزويجهن من يرضى دينه وخلقه، نعم لو اختارت من لا يرضى دينه فله أن يمنعها، لكن تختار رجلاً صالحاً في دينه قيماً في أخلاقه ثم يمنعها لهوىً في نفسه، هذا والله حرام وإثم وخيانة، وأي شيء يكون منعه سبباً له من الفساد فإثمه عليه.
стр. 178
اللقاء الشهري [٨] ١،٢
لقد فرض الله علينا الصيام وجعله ركناً من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ورتب عليه الأجر العظيم والثواب الجزيل، وقد بيَّن أحكامه في كتابه الكريم، وفي هذه المادة تناول الشيخ أيام الصيام بشيء من الشرح وبيان الأحكام، ثم يجيب عن الأسئلة الواردة في اللقاء.
стр. 179
آيات الصيام في كتاب الله
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنها لمناسبة كبيرة جليلة أن نلتقي في هذا اللقاء المبارك الذي سماه أخونا الشيخ حمود بن عبد العزيز الصايغ محاضرة، والمقصود هو الفائدة، وسمها ما شئت: محاضرة، لقاءً مفتوحاً، غير مفتوح، سمها كما تحب والمهم هو الفائدة، هذا اللقاء في وقته مناسب، وفي مكانه مناسب: أما وقته فإنه باستقبال شهر رمضان المبارك، الذي أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، ويُغفر له ما تقدم من ذنبه.
وأما مكانه ففي الجامع الكبير في مدينة عنيزة، الجامع القديم الذين هو أقدم الجوامع في هذا البلد فيما نعلم، ويقع هذا اللقاء ليلة الأحد الثالث والعشرين من شهر شعبان عام (١٤١٣هـ) .
إن موضوع هذا اللقاء هو الكلام عن الصيام والقيام، وفي اللقاء الذي سيكون إن شاء الله دورياً في رمضان سيكون الكلام عن الزكاة أيضاً.
وقد طلب مني الأخ الشيخ حمود بن عبد العزيز الصايغ أن أقدم بين يدي الكلام تفسيراً موجزاً لآيات الصيام، وكان هذا قد وقع في قلبي من قبل، فإني قد هممت أن أتكلم على آيات الصيام في كتاب الله ؛ لأن خير ما يُربط به المؤمنون هو كتاب الله ، ولهذا ينبغي لكل فقيه ولكل محاضر ولكل داعية أن يربط الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ لفوائد متعددة، منها: ربط الناس بالأصول؛ لأن أصول شريعتنا تنحصر في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵌، والقياس والإجماع فرع عنهما؛ ولأن الناس إذا ربطوا بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ شعروا بأنهم يؤدون العبادات ويقومون بالمعاملات، اتباعاً لإرشاد الله ورسوله ﵌، وكون الإنسان يعتقد وهو يعمل العمل أنه متبع لكتاب الله ولسنة الرسول خيراً من كونه يعمله وهو يعتقد أنه آخذ بالكتاب الفلاني أو الكتاب الفلاني.
المقلدون تقليداً محضاً الذين يعتمدون على كتب الفقهاء دون الرجوع إلى الأصول من الكتاب والسنة تجد الواحد منهم إذا عمل العمل يشعر بأنه مربوط بكلام العالم الذي قلده، لكن إذا حاولنا أن نربط الناس بكتاب الله وسنة الرسول ﵊ كان ذلك خيراً وأفضل، كما كان رسول الله ﵌ يعلن في خطبة الجمعة يقول: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
والذي أرجو من إخواني طلبة العلم والدعاة إلى الخير والمرشدين أن يلاحظوا هذه المسألة، وأن يربطوا الناس بكلام الله وكلام رسوله ﵊ حتى يعبد الناس ربهم وهم يشعرون بأنهم يفعلون ما يفعلون امتثالاً لأمر الله واتباعاً لسنة الرسول ﵌.
ولهذا نجد الصحابة والتابعين عندما يريد أحد منهم أن يتكلم يقول: لأن الله قال؛ لأن رسول الله قال، وهذا أمر مهم جداً.
وبناءً على ذلك أقول: إن الله تعالى في كتابه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .
تأمل الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣] يخاطبنا الله وينادينا باسم الإيمان أو بوصف الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣] إذاً نحن مؤمنون فماذا تريد منا يا ربنا؟ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] كتب أي: فرض، وليس هذا الفرض تكليفاً لكم أنتم أيها الأمة وحدكم بل هو مكتوب على من قبلكم: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] .
وفي قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فائدتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة إذا أصابها ما يصيبها من الجوع والعطش بسبب الصيام، فإن الإنسان يتسلى بما يصيب غيره.
الفائدة الثانية: بيان أن الله استكمل لهذه الأمة الفضائل التي نالتها الأمم السابقة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] ولهذا كانت شريعتنا -ولله الحمد نسأل الله أن يثبتنا عليها- متممة للشرائع السابقة حتى إن الرسول ﵊ وصف رسالته بأنها كقصر تام البناء إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بهذا القصر يدورون عليه ويتعجبون منه، إلا أنهم يقولون: هذا الموضع -موضع اللبنة- يعتبر ثلمة في القصر، ونقصاً فيه، قال الرسول ﵊: (فأنا اللبنة الذي تمم هذا القصر) ، ولهذا بعث ﵊ ليتمم مكارم الأخلاق.
قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] لماذا؟ هل لأجل أن نجوع ونعطش؟ لا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: من أجل أن تتقوا الله.
قال النبي ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه) .
ومن هنا يجب أن نشعر ونحن نصوم فنمسك عما أحل الله من الأكل والشرب والنكاح، نشعر بأننا نفعل هذا تعبداً لله وامتثالاً لأمره وتنفيذاً لفرضه، وأننا نتوسل بذلك ونتوصل إلى التقوى إلى اجتناب المحرمات والقيام بالواجبات.
أكثر الناس يظنون أن الصيام مجرد حبس النفس عن الأكل والشرب والنكاح، فتجدهم يقضون أوقات النهار بالنوم أو العبث أو اللعب أو ما أشبه ذلك، وهذا خطأ، إذا صمت فليصم منك السمع والبصر واللسان والجوارح، اتق الله، تجنب محارم الله، قم بما أوجب الله عليك من الواجبات، صل مع الجماعة، أكثر من قراءة القرآن، أكثر من الصدقة، أكثر من الإحسان حتى تنال الحكمة التي من أجلها فرض الصوم.
ما هذا الصوم؟ هل هو أشهر؟ هل هو سنوات؟ هل هو أسابيع؟ استمع: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] لماذا قال: أياماً معدودات؟ لتقليلها وتهوينها على الإنسان، ليست شهوراً ولا سنين: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] .
قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] هذا تسهيل آخر، مع ذلك لا يجب على كل واحد أن يصوم، المريض الذي يشق عليه الصوم يفطر ومتى يصوم؟ عدة من أيام أخر، المسافر ولو في الطائرة، ولو في سيارة مكيفة، ولو في أيام الشتاء يفطر تيسيراً: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
ثم قال وهذا تسهيل ثالث: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] هذا تسهيل ثالث أن الإنسان مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر وفدى.
قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يستطيعون أن يصوموا، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ [البقرة:١٨٤] ودفع الفدية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] الصيام خير من الفدية، لكن كله جائز إن شئت فصم وإن شئت فأفطر وافدِ، هذه ثلاثة تسهيلات: الأول: أياماً معدودات.
الثاني: سقوط الصيام عن المسافر والمريض إلى أيام أخر.
الثالث: التخيير، إن شئت فصم وإن شئت فأفطر، ولكن إذا أفطرت فلا بد من الفدية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ [البقرة:١٨٤] وأدى الفدية: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
ولكن هل هذه التخييرات الثلاثة بقيت؟ وهل الأيام بقيت مبهمة أي: أياماً معدودات -لا ندري قد تكون في شعبان في رمضان في رجب في شوال في ربيع هل بقيت الأيام مبهمة؟ وهل بقي التخيير بين الصيام والفدية على ما هو عليه من التخيير؟ وهل بقي الترخيص للمريض والمسافر في الفطر؟ لننظر اقرأ الآية التي بعدها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] هذه هي الأيام، إذاً الأيام المبهمة أولاً عينت في الآية الثانية بأنها شهر رمضان، ولماذا خص شهر رمضان؟ لماذا لم يكن الصوم في رجب؟ لماذا لم يكن في ذي القعدة؟ لماذا لم يكن في ذي الحجة؟ لماذا لم يكن في المحرم؟ هذه الأشهر الأربعة هي الحرم فلماذا لم يكن الصيام في الأشهر الحرم؟ لأن الأشهر الحرم جبين السنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] لماذا لم يكن الصيام في أحد الأشهر الحرم؟ استمع: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] لماذا خص رمضان؟ ﴿الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فشهر حصلت فيه هذه البركة العظيمة، جدير بأن يكون محل الصوم، ولهذا كان ارتباط القرآن بالصوم.
كان النبي ﵊ ينزل عليه جبريل في كل رمضان يدارسه القرآن، ولا ينزل عليه في غيره من الشهور، ينزل عليه بالوحي لا بأس، لكن لا ينزل للمدارسة إلا في شهر رمضان، يدارسه القرآن كل سنة مرة، إلا في السنة التي توفي فيها دارسه إياه مرتين.
إذاً هناك ار
стр. 180
مفهوم الصيام
نقول: ما هو الصيام؟ الصيام في اللغة: بمعنى الإمساك، يقال: صام فلان عن الكلام، أي: أمسك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم:٢٦] أي: إمساكاً عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] هذا هو الصيام في اللغة، ومنه قول العامة عندنا: (صامت عليه الأرض) أي: أمسكته وحجبته، فالصوم الإمساك.
ولكن الصوم شرعاً: التعبد لله، بترك الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
التعبد لله: هذا الأمر الذي يجب أن نلحظه في التعاريف الشرعية، كثير من الفقهاء يقول لك: الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وما يفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا تعريف قاصر ليس فيه دعوة للروح، كذلك الصلاة عند الفقهاء: أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهذا تعريف قاصر أيضاً، قل الصلاة: التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
أقرن الناس بالعبادة.
следующие страницы →