Полный текст (2 259 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
حكم النشرة
السؤال
فضيلة الشيخ! ما حكم النُشرة، فإننا نسمع من البعض يقول في ذلك: الضرورات تبيح المحرمات.
فهل هذه القاعدة مطردة في جميع الضروريات، جزاك الله خيراً؟
الجواب
النُشرة: حل السحر عن المسحور، وقد قسَّم ابن القيم ﵀ النُشرة إلى قسمين، فقال: القسم الأول: النشرة بالأدعية والتعوذات والقراءة، فهذه جائزة ولا إشكال فيها.
القسم الثاني: النشرة بالسحر، بأن يذهب إلى السحرة يعينون له محل السحر الذي سُحر، قال ابن القيم: هذا من عمل الشيطان، ولا يجوز.
وأما قول بعض الناس: الضرورة تبيح المحرم.
فهذه لا تبيح الشيء الذي يتعلق بالعقيدة، أرأيتم لو قيل لرجل مريض: إنه لا يشفى إلا إذا زنى، فهل يزني؟ لا يمكن أن يزني؛ لأن من شرط إباحة المحرمات عند الضرورة أن تزول الضرورة بذلك.
على كل حال: هذه المسألة قسمها ابن القيم هذا التقسيم، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى كتاب التوحيد لشيخ الإسلام/ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد ذكر باباً مستقلاً في هذا، وقال: (باب ما جاء في النُشرة) .
стр. 1682
حكم مسح الوجه باليدين عقب الدعاء
السؤال
فضيلة الشيخ! أرجو التوضيح حول هذا الأمر الذي أشكل عليَّ وعلى بعض الناس، وهو: ما حكم المداومة أو الإكثار من مسح الوجه باليدين عقب الدعاء، خاصةً أن الناس يحتج بحديث ذكره ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام؟
الجواب
مسح الوجه باليدين بعد الدعاء يرى بعض العلماء أنه بدعة، وممن رأى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: إن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة ولا ينجبر بعضها ببعض.
ويرى بعض العلماء أن الأحاديث الواردة في ذلك بمجموعها تكون من الأحاديث الحسنة التي يعمل بها.
والأمر في هذا واسع: من مسح وجهه فلا حرج عليه، ومن تركه فهو أفضل.
стр. 1683
حكم وطء المرأة النفساء
السؤال
ما حكم وطء المرأة في النفاس؟ وكم مدة النفاس؟ وما حكم من فعل ذلك؟
الجواب
وطء المرأة حال النفاس محرم كما هو أيضاً في حال الحيض، لقول الله تبارك: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] .
وأما مدة النفاس فتختلف، فبعض النساء تكون مدتها عشرين يوماً، وبعضهن دون ذلك، حتى إن بعضهن تبقى خمسة أيام وتطهر، وبعضهن تزيد على الأربعين إلى ستين، فتختلف النساء.
أما من فعل ذلك فعليه أن يتوب إلى الله مما صنع وألا يعود، وقد جعل الله ﵎ له ما تزول به الشهوة من غير الجماع، فيستطيع أن يجامع بين الفخذين مثلاً، ويستطيع أن يستمني بيد امرأته، أي: يفعل العادة السرية مثلاً، فالأمر -والحمد لله- له حل وأما وطؤها وهي نفساء فإن ذلك حرام، لكن لو طهرت قبل أربعين يوماً فيحل له أن يجامعها؛ لأنه إذا جازت الصلاة جاز الجماع من باب أولى.
وأما ما روي عن بعض السلف: أن امرأته أتت إليه وقد طهرت قبل الأربعين فتركها، فهذا رأيه، ولكن الصحيح الذي لا إشكال فيه: أن من جازت لها الصلاة من الزوجات جاز لزوجها وطؤها.
стр. 1684
حكم سفر المرأة بدون محرم
السؤال
فضيلة الشيخ! عرض عليَّ هذا المشروع وأنا أستفتيك فيه: هناك مجموعة من المدرسات تم تعيينهن في بلد بعيد جداً، فعرض عليَّ أن أستأجر بيتاً لهن وأسكن أنا وزوجتي معهن بمقابل مادي، على أن أعيدهن أنا وزوجتي في يوم الأربعاء إلى أهلهن فنسافر يوم السبت، وهكذا طوال العام الدراسي، فما رأيك يا فضيلة الشيخ في هذا؟ وهل من كلمة توجهها لي ولأهلهن؟ بارك الله فيك.
الجواب
لا أرى هذا؛ لأن بقاءهن في البلد على سفر، والمرأة لا يحل لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، إلا إذا جاء محارمهن وسكنوا معهن فلا بأس، أو أن تذهب بهن أول النهار وترجع بهن آخر النهار ففي هذه الحالة نرى أن ذلك جائز؛ لأن هذه المدة مع قصر المسافة لا تعد سفراً.
стр. 1685
حكم من جامع زوجته في نهار رمضان ولم يستطع الصيام
السؤال
فضيلة الشيخ! جامعت امرأتي في رمضان، ولكن يا فضيلة الشيخ لا أستطيع الصيام وظرفي أني أعمل، فهل هناك كفارة أخرى؟
الجواب
نعم هناك كفارة أخرى وهي إطعام ستين مسكيناً؛ لأن الذي يجامع زوجته في نهار رمضان في البلد عليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
أما لو جامعها في غير بلده كرجل سافر إلى العمرة -مثلاً- وهو صائم هو وأهله، ثم بدا له أن يجامعها في هذا السفر سواءً في الطريق أو في مكة فلا بأس، حتى وإن كان يريد أن يبقى كل شهر رمضان؛ لأن المسافر لا يلزمه الصوم.
والإنسان يجب عليه أن يتقي الله ، وألا يبدل نعمة الله كفراً، حيث أنعم الله عليه بالزوجة فلا يجعل ذلك سبباً لانتهاك حرمات الله فيجامع في نهار رمضان، وقد أتى رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! هلكت، قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم) فأقره النبي ﷺ على قوله: (هلكت) وجعل هذا هلكة، والليل قريب والحمد لله، قد يجامعها في نصف النهار ولم يبق لهما إلا نصف النهار، أو في أول النهار ويبقى باقي النهار.
стр. 1686
أفضل الأيام في أداء العمرة
السؤال
فضيلة الشيخ! أيهما أفضل للمرأة: أن تذهب لأداء العمرة في رمضان قبل العشر الأواخر، أو في العشر الأواخر؟
الجواب
المرأة والرجل سواء، كما قال ﵊: (عمرة في رمضان تعدل حجة) سواءً كانت العمرة في أوله أو في وسطه أو في آخره، لكن هنا مسألة يجب أن نتنبه لها: بعض الناس يذهب بأهله إلى مكة من بنين وبنات ويدعهم يتسكعون في الأسواق، وربما يتعرضهم سيئ من السيئين، فتجده هو في المسجد الحرام يعبد الله ، لكنه قد أضاع أمانة أهم من بقائه في المسجد الحرام وهي رعاية أهله، ولذلك نرى أن الإنسان إذا كان لا يستطيع السيطرة على أهله فيبقى في بلده والحمد لله، وقوله ﷺ : (عمرة في رمضان تعدل حجة) ولكنها ليست فريضة، أو يذهب بأهله ويرجع في يومه، ويحصل على عمرة في رمضان ويسلم من الشر الذي قد يأتيه وهو لا يريده.
стр. 1687
حكم شركات التأمين
السؤال
فضيلة الشيخ! لدينا سيارات نقل بضائع (تريلات) تعمل على الطرق البرية في المملكة بالأجرة، والبضاعة ذات قيمة عالية جداً، أحياناً يقدر الله على إحدى هذه التريلات حادث مروري وهي محملة بالبضاعة، ويكون هناك تلف في البضاعة والسيارة كاملة أو جزء منها، ونتحمل نحن قيمة البضاعة التالفة مع إصلاح سياراتنا على حسابنا وندفع لصاحب البضاعة قيمة التالف، سؤالي يا فضيلة الشيخ: ما حكم التأمين الشامل على البضاعة والسيارة تأميناً شاملاً؟ ثانياً: ما حكم التأمين على البضاعة فقط؟ ثالثاً: ما حكم التأمين ضد الغير فقط؟
الجواب
أما الأول: فإن السيارة إذا حصل عليها حادث وتلف ما فيها من البضاعة بدون تفريط من صاحب السيارة وبدون تعدٍّ منه فلا ضمان عليه، ولا يحل لصاحب المال الذي حمله أن يصُمِّن صاحب السيارة؛ لأن هذا المال بيده أمانة أخذه هو برضى صاحبه وحمله في السيارة فهو أمين، وكل أمين يحصل التلف تحت يده بدون تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، ولا يحل لصاحب المال أن يطالبه، حتى لو فرض أنه طالبه وخصمه وهو يعلم أن صاحب السيارة لم يتعد ولم يفرط، فإذا أخذه ولو بحكم القاضي فإنه حرام عليه؛ لقول النبي ﷺ : (إنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له شيئاً من حق أخيه فإنما أقتطع له جمرةً من النار فليستقل أو ليستكثر) .
أما لو كان ذلك بتعدٍّ منه أو بتفريط؛ كسرعة غير عادية، أو تفريط في الكفرات لم يتفقدها، أو غير ذلك، فعليه الضمان.
أما بالنسبة للتأمين: فإنه حرام، سواءٌ على السيارة، أو على المال، أو على السيارة والمال، أو ضد الغير، كله حرام، كله ميسر، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فقرن الله الميسر بالخمر والأنصاب والأزلام، والتأمين من الميسر.
وقد لبَّس بعض الناس على دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية أنها تجيز التأمين التجاري كالذي أراده السائل، وأصدرت لجنة الإفتاء وعلى رأسها سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز بياناً بأن هذا كذبٌ على اللجنة، وأن اللجنة إنما تجيز التأمين التعاوني، بمعنى: أن يُجعل صندوق بين العائلة توضع فيه دراهم، ومن حصل عليه حادث أعانوه منه ولا يرجع إليه شيء، وأن هذا الذي نسب إلى هيئة كبار العلماء تلبيس ودجل.
فنصيحتي لإخواني المسلمين عموماً: أن يتقوا الله ، وألا ينتهكوا حرمات الله، وأن يعلموا أن المال خُلِقَ لهم ولم يخلقوا للمال، وأن يعلموا أن المال عارية إما أن تفقده في حياتك أو تموت ويكون لمن خلفك.
فالتأمين بجميع أنواعه وأشكاله حرام، لكن قيل لنا: إن بعض البلاد يجبرون الإنسان على التأمين ولا يعطونه رخصة للسيارة ولا أي معاملة إلا بالتأمين، فماذا يصنع الإنسان؟ نقول: هذه ضرورة، أعطهم ما طلبوا منك للتأمين، ولكن إذا حصل عليك حادث فلا ترجع عليهم إلا بمقدار ما أعطيتهم؛ لأن العقد الذي بينكم عقدٌ باطل شرعاً، وإذا كان باطلاً شرعاً بطل ما يستلزمه وما يقتضيه هذا العقد، ولا يحل لك أن تأخذ إلا بمقدار ما أُخذ منك فقط.
стр. 1688
حكم من انقطع عنه صوت الإمام وهو في الصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ! صليت مع الإمام ودخلت معه في تكبيرة الإحرام وسمعت قراءة الفاتحة، ثم فجأة انقطع صوت الإمام ولم أسمع التكبيرة للركوع بسبب خلل في مكبر الصوت، فلم أستطع متابعة الإمام وأكملت صلاتي منفردة.
فهل الصلاة صحيحة بمخالفتي للإمام؟
الجواب
الصلاة صحيحة، إذا انقطع صوت الإمام وانفرد الإنسان عن الإمام فصلاته صحيحة؛ لأنه معذور، لكن لو فرضنا أن هذا في صلاة الجمعة وانقطع الصوت في الركعة الأولى وانفرد الإنسان عن الإمام فإنه لا يصلي جمعة؛ لأنه لم يدرك منها ركعة، ولو انقطع في الركعة الثانية وانفرد عن الإمام أتمها جمعة؛ لأنه أدرك ركعة كاملة.
ولكن لا ينبغي للمأموم -ذكراً كان أو أنثى- إذا انقطع الصوت أن ينوي الانفراد في الحال، بل عليه أن ينتظر؛ لأنه أحياناً ينقطع الصوت ثم يصلحونه، فإذا أيس حينئذٍ ينفرد.
стр. 1689
حكم بيع التقسيط
السؤال
فضيلة الشيخ! ذكرت -حفظك الله- في خطبة الجمعة بأن بيع السيارة بالتقسيط والضمان حرام الشيخ: لا، نحن ذكرنا التأجير المنتهي بالتمليك.
السائل: وأنا قد اشتريت هذه السيارة، فما العمل الآن ولم يبق سوى أقساط قليلة؟
الجواب
أرى أن تسدد الأقساط القليلة هذه، وينتهي العقد وتكون السيارة لك، وتسلم من غائلتها وشرها.
стр. 1690
حكم إتيان المرأة في دبرها
السؤال
فضيلة الشيخ! أرجو الإجابة على هذا السؤال؛ لأنه مهم عندي، فهو يقلقني زوجي يطلب مني أن يأتيني من الخلف -أي: من فتحة الشرج- وأنا أرفض ذلك، وهو يجبرني على ذلك لدرجة أني أبكي وأرفض ولكنه يجبرني على هذا الشيء، أرجو الإفادة جزاك الله خيراً؟
الجواب
أولاً: أنصح هذه السائلة إذا أرادت أن تقدم هذا السؤال ألا تقدمه هكذا علناً؛ لأن هذا -والحمد لله- غير موجود، لا يوجد اللهم إلا إذا كان في المليون واحد، وإيراد مثل هذا السؤال في هذا المجتمع يفتح الباب، ثم هو أيضاً في رأيي منافٍ للحياء، أن المرأة تحكي عن زوجها هذا، لو اتصلت بي أو بغيري من أهل العلم في هذا الأمر إما بالتلفون أو برسالة ترسلها لكان خيراً.
على كل حال نحن نبين الحكم في هذا: وطء المرأة في دبرها من كبائر الذنوب، حتى جاء فيه الوعيد الشديد جاء الوعيد بالكفر، وجاء الوعيد باللعن، وسمي هذا: اللوطية الصغرى، والنصوص في هذا كثيرة، وما ذكر عن بعض السلف أنه أباحه خطأ عليهم، كما ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد، وغيره، وإنما أرادوا أن يأتيها في الفرج من ناحية الدبر، وهذا جائز لا بأس به، أن الإنسان يطأ زوجته في فرجها لكن من الخلف، يأتيها من الخلف هذا لا بأس به؛ لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أما أن يطأها في الدبر فلا.
وهنا مسألة: يظن بعض الناس أنه إذا فعل هذا -أي: أتى أهله من الدبر- انفسخ النكاح، وليس كذلك، فالنكاح باقٍ، لكن لو عاود واستمر وجب أن يفرق بينهما، أي: يبن المرأة وزوجها الذي يفعل هذا الفعل، وبالنسبة لها عليها أن تمتنع منه بقدر الاستطاعة.
فنصيحتي أولاً للأزواج: أن يتقوا الله في أنفسهم وفي أهليهم، وألا يعرضوا أنفسهم للعقوبة.
ونصيحتي للزوجات: أن يمتنعن من هذا إطلاقاً، حتى لو أدى ذلك إلى الخروج من البيت إلى أهلها فلتفعل ولا تبق عند هذا الزوج، وهي في هذه الحالة ليست بناشز؛ لأنها فرت من معصية، ولها النفقة على زوجها، فلو بقيت عند أهلها شهراً أو شهرين فإنها تطالبه بالنفقة، لأن الظلم منه هو؛ لأنه لا يحل له أن يكرهها على هذا الأمر.
стр. 1691
حكم استثمار المال الموروث
السؤال
فضيلة الشيخ! توفي والدي وخلف مبلغاً من المال فوضعته في شركةٍ لاستثماره حتى لا تفنيه الزكاة، وكنت أحياناً أزكيه من مالي الخاص، ثم بعد عدة سنوات رأيت أن أسحبه من تلك الشركة وأضعه في مشروع آخر، وقد نما وكثر، ولكن بعد سنوات صار أقل، فهل يلزمني أن أدفع للورثة أصل المال، أم ما لحقه من النماء؟
الجواب
المال ما دام موروثاً عن الأب فإن أصله وربحه للورثة، لكن لا يجوز لأحد من الورثة أن يضعه في شركة إلا برضى الجميع، إما أن يوكلوه وإما أن يستأذن منهم ويدفعه للشركة، فما حصل من نماء فإنه تابع لأصله، أي: يوزع على كل وارث بقدر إرثه.
стр. 1692
بمن يلحق العاصي عند قبض روحه ؟
السؤال
فضيلة الشيخ! جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ أن الرسول ﷺ ذكر الرجل حين احتضاره للموت المؤمن والكافر: أن المؤمن تفتح له أبواب السماء لروحه، وينادى بأحسن أسمائه، ويكتب كتابه في عليين، وورد في الكافر أنه في سجين، ويفرش له في قبره من النار، فهل هناك غير تلك الحالتين؟
الجواب
الذي يظهر والله أعلم: أن المؤمن تصعد نفسه إلى السماء وتفتح لها أبواب السماء، والكافر لا تصعد نفسه إلى السماء، أما المؤمن العاصي فلا شك أنه ليس كالكافر، ولكن هل يلحق بالمؤمن المتقي أم لا؟ الله أعلم، لا ندري، ثم إني أقول -أيها الإخوة-: أمور الغيب لا تبحثوا فيها، خذوا بما بلغكم ودعوا ما لم يبلغ؛ لأن أمور الغيب فوق مستوى الإنسان، أرأيتم الآن أرواحكم في أجسادكم، هل يستطيع أحدٌ منكم أن يصف روحه؟ أبداً، إلا ما بلغنا من الكتاب والسنة، وهي روحه بين جنبيه، وفي يوم القيامة تدنو الشمس من الخلائق مقدار ميل، والميل إما أن يكون المسافة، وإما أن يكون ميل المكحلة مثل الأصبع هذه الشمس البعيدة عنا الآن لو نزلت مقدار ميل عن مجراها الآن لاحترقت الدنيا، وفي يوم القيامة لا تحرق الناس مع أنها تنزل هذا النزول؛ لأن أحوال الآخرة لا يمكن أبداً أن تقاس بأحوال الدنيا.
في يوم القيامة المؤمنون: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] جعلنا الله وإياكم منهم والكافرون في ظلمة، يقول المنافقون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] ومع ذلك الناس في صعيد واحد، هؤلاء يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهؤلاء في ظلمة، فالعقل لا يدرك هذا الشيء، لكن الواجب علينا فيما يتعلق بأمور الغيب أن نقول: سمعنا وآمنا وصدقنا، وألا نقيسه بأحوال الدنيا؛ لظهور الفرق العظيم بين هذا وهذا.
стр. 1693
حكم صبغ الشعر بالسواد
السؤال
فضيلة الشيخ! انتشر في الأسواق صبغة للشعر ذات ألوان متعددة ما عدا الأسود، ولكنها إذا وضعت على الشعر الأبيض انقلب أسود، فهل يجوز استعمالها، حيث أنها قبل أن توضع على الشعر لونها غير أسود؟ وهل من السنة تغيير الشيب بالكتم أو الحناء؟
الجواب
ما دام أن هذه الصبغة إذا وضعت على الشعر الأبيض اسودَّ فهي حرام؛ لأن النبي ﷺ أمر بتغيير الشيب لكنه نهى عن السواد، حيث قال: (وجنبوه السواد) ، وورد الوعيد الشديد على قوم يخضبون بالسواد.
فعلى المرء أن يتقي الله ، وهو وإن كان شعره أبيض وهو نشيط وقوي فهو شاب، ولو كان شعره أسود وهو ضعيف هزيل فهو شيخ شايب، فالأفضل تغيير الشيب بالحناء والكتم، أي: يخلطان جميعاً، الحناء أصفر والكتم أسود يميل إلى الزرقة قليلاً حتى يخرج منهما لونٌ بني، أي: أدهم، هذا هو الأفضل، وإن صبغ بالحناء فقط فلا بأس، وإن صبغ بالكتم فقط فلا؛ لأنه يكون أسود.
стр. 1694
أكثر مدة للنفاس
السؤال
فضيلة الشيخ! لقد علمت أن مدة النفاس أربعين يوماً، ولكن قد يزيد على ستين يوماً، ولا أعرف هل أصلي بعد الأربعين أم لا.
أرجو إيضاح ذلك حتى لا تضيع صلاتي.
الجواب
أقول: العلماء ﵏ مختلفون في أكثر مدة النفاس، فمنهم من قال: أكثر مدة النفاس أربعون يوماً، وعلى هذا فإذا جاوز الدم أربعين يوماً فإن وافق عادة حيضها قبل الحمل جلست، وإن لم يوافق فهو دم فساد، تصلي وتصوم وتحل لزوجها.
هذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أصحابه.
القول الثاني: أكثره ستون يوماً، وإن الدم ما دام على وتيرة واحدة لم يتغير، فإنها تبقى إلى ستين يوماً.
وهذا مذهب الشافعي ﵀ عند أصحابه.
وعليه: إذا تمت الستون يوماً والدم باقٍ قلنا فيه -فيما زاد على الستين- كما قلنا فيما زاد عن الأربعين، إن وافق العادة فهو حيض، وإن لم يوافق العادة فهو دم فساد تغتسل وتصلي وتصوم.
стр. 1695
التوبة من الآثام والمعاصي
السؤال
هذا سائل يطلب من فضيلة الشيخ أن يكون عوناً له في جواب هذا السؤال، وخلاصة سؤاله أنه يقول: كنت شاباً منحرفاً عن الدين بما تعنيه كلمة الانحراف، ثم منَّ الله عليَّ بتوبة من عنده فرجعت إلى الدين، ولكن العقبات -كما تعلمون- كثيرة والمعوقات أكثر، ثم صار يتوب ويرجع عدة مرات ويعاهد الله ويقسم على الله بألا يعود فيرجع، يقول: بعد مدة استمرت أربع سنوات وأنا على تلك الحال، أفعل المعصية ثم أقسم ألا أعود ثم أعود، ثم منَّ الله علي بفضله ومنته ورحمته فتركت جميع المعاصي التي كنت أرتكبها، سؤالي يا فضيلة الشيخ: هل تقبل توبة كهذه التوبة التي لم تكن صافية نقية؟ وماذا أصنع تجاه هذه الأيمان هل أكفّرها؟ علماً بأني لا أعلم لها عدداً، أم يكفي الإقلاع عن تلك المعاصي؟ وفي آخر السؤال يقول: ماذا أفعل في العهد؟ وهل أدخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد:٢٥] ؟
الجواب
الحمد لله الذي منَّ الله على أخينا في آخر الأمر بالتوبة وإصلاح العمل، وأبشره -حسب ما أعلم من الكتاب والسنة- أن توبته صحيحة، وأسأل الله له الثبات، فليثبت ولا يلتفت إلى الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلبه، فتوبته مقبولة، وليستمر على طاعة الله واجتناب معصيته.
أما ما حصل من الأيمان والعهود فإنه يجزئ عنها جميعها أن يطعم عشرة مساكين؛ لأنها أيمان أو نذور بمعنى الأيمان، والمحلوف عليه شيء واحد، وإذا تعددت الأيمان والمحلوف عليه شيء واحد كفاه عنها كلها كفارة واحدة، فنقول لأخينا: أطعم عشرة مساكين لكل مسكين كيلو من الرز، واجعل معه لحماً يكون طعماً له، وإلا فادع عشرة من الفقراء إلى غداء أو عشاء ويكفيك.
أسأل الله له الثبات، وأن يديم علينا وعليكم نعمته، وهذه من نعمة الله عليه أنه يحس بالذنب ويعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، وهو أرحم الراحمين.
стр. 1696
اللقاء الشهري [٦٠]
في هذا اللقاء الذي بدأه الشيخ بالتحدث عن صلاة الاستسقاء وأحكامها؛ تابع تفسير آخر سورة الفرقان؛ ليبين صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله في هذه الآيات، ثم يجيب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.
стр. 1697
صلاة الاستسقاء وصفاتها
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء المتمم للستين من اللقاءات الشهرية التي تتم في الجامع الكبيرة في عنيزة، وهذه الليلة هي ليلة التاسع عشر من شهر رجب عام (١٤١٩هـ) .
أسأل الله تعالى أن يجعل لقاءاتنا خيراً وعاقبتها خيراً؛ إنه على كل شيء قدير.
وقبل أن نشرع في موضوع هذا اللقاء نتكلم عن صلاة الاستسقاء صلاة الاستسقاء سنة سنها رسول الله ﷺ لأمته، والاستسقاء يعني: طلب السقيا، ومن المعلوم أن الذي ينزل الغيث هو الرب ، كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] وقال الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨-٦٩] .
الجواب
أنت يا ربنا، أنت الذي أنزلته وجعلته مباركاً تنبت به من كل زوج بهيج.
هذا المطر يصرفه الله ﵎ حيث شاء كيف شاء على قدر ما شاء ، ولذلك تجد بعض البلاد يكون فيها أمطار كثيرة، وبعض البلاد تكون قاحلة، وبعض البلاد تكون بين هذا وهذا، واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ [الفرقان:٥٠] .
стр. 1698
استسقاء الخطيب يوم الجمعة
الاستسقاء له صفات متعددة: منها: أن يستسقي الخطيب يوم الجمعة في خطبة الجمعة، ثبت ذلك عن النبي ﷺ فيما رواه أنس بن مالك رضي الله: (أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل -فبدأ ﵁ بسبب السؤال قبل السؤال- قال: هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي ﷺ يديه ورفع الناس أيديهم معه، وقال: اللهم أغثنا -ثلاث مرات- قال أنس -وهو راوي الحديث- فوالله ما في السماء من سحاب ولا قزعة -القزعة: قطعة من السحاب إذاً: السماء صحو تماماً- وما بيننا وبين سلع -وهو جبل معروف في المدينة إلى الآن بهذا الاسم- من بيت ولا دار -وإنما ذكر ذلك لأن السحاب تأتي من جهة هذا الجبل- يقول: فخرجت من ورائه سحابة مثل الترس -والترس: ما يتوقى به المجاهد من الرماح، وهو يشبه التبس- فارتفعت في السماء، فلما توسطت انتشرت ورعدت وبرقت، فما نزل النبي ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته) لا إله إلا الله! أمطرت وخر السقف من المسجد، وساح على رأس الرسول ﵊، وجعل المطر يتحادر على لحيته، والمدة قصيرة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] وبدأ المطر ينزل أسبوعاً كاملاً ما رأوا الشمس ليلاً ونهاراً، فلما كانت الجمعة الأخرى دخل رجل أو الرجل الأول وقال: (يا رسول الله! تهدم البناء وغرق المال فادع الله يمسكها عنا) تهدم البناء من كثرة الأمطار، وغرق المال من كثرة الأمطار، فادع الله يمسكها عنا، فدعا النبي ﷺ ، لكنه لم يدع أن يمسكها الله إنما دعا بدعاء نافع غير ضار، قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) وجعل يشير هكذا بيده، يقول أنس: (فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت) بأمر من؟ بأمر الله ، ليس بأمر الرسول ﵊، وإنما يقول: حوالينا ويتفرق السحاب، نقول بأمر الله، ومن المعلوم أنه يمكن أن تكون بأمر الرسول ﷺ ويكون الله سخر له الغمام كما سخر الريح لسليمان، سليمان سخر الله له الريح؛ يضع البساط ويجلس هو وحاشيته، ثم يأمر الريح فتهب عاصفة قوية لكن بدون قلق: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] حيث أراد ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] لكن محمد ﵊ لم يقل للسحاب: تفرقي؛ حتى نقول: إن هذا بأمره، إنما دعا الله وقال: (حوالينا ولا علينا) فالذي فرقها هو الذي جمعها وهو الله ، وخرج الناس يمشون في الشمس -تعالى الله- وسال الوادي (قناة) شهراً، وقناة واد في المدينة بهذا الاسم إلى اليوم، سال شهراً كاملاً من الأمطار، فسبحان الله !
стр. 1699
الدعاء في أي مكان يحصل فيه الدعاء
ومن أنواع الاستسقاء: أن يدعو الإنسان في أي مكان يمكن فيه الدعاء في المسجد أو في البيت، وعلى أي حال في السجود، في التشهد، بين الأذان والإقامة، يدعو الله تعالى بالغيث، ولقد استسقى النبي ﷺ ذات يومٍ ودعا الله أن ينزل المطر حتى يقوم فلان فيسد ثعلب حائطه بردائه، والثعلب: هو الشق في الجدار تدخل منه السيول، فنزل المطر ونزل المطر وخاف الناس من الغرق، وقالوا للرجل: لا يمكن أن تمسك السماء حتى تقوم أنت وتسد ثعلب حائطك بردائك، فقام الرجل وسد الثعب وهو: الشق في الجدار الذي يدخل السيل إلى الحائط، فلما سده بردائه أمسك المطر سبحان الله! آية من آيات الله، وآية من آيات الرسول ﵊.
стр. 1700
الخروج إلى المصلى
ومن ذلك: أن يخرج الناس إلى مصلى العيد، ويصلي الإمام صلاة الاستسقاء كما يصلي في العيد، ويخطب خطبة واحدة، وإن شاء قدم الخطبة على الصلاة؛ لأن كلا الأمرين ورد عن النبي ﷺ ، ويدعو بالدعاء المناسب.
وفي هذا الأسبوع ستقام -إن شاء الله- صلاة الاستسقاء بعد غدٍ بأمر ولي الأمر، وتعلمون أن بلادنا واسعة الأرجاء، حتى لو فرض أننا في وسط المملكة لم يكن هناك حاجة إلى المطر؛ لأن موسم المطر بدأ قريباً، لكن هناك أماكن شاسعة تحتاج إلى مطر، والعلماء يقولون: يستسقي ولو كان القحط في غير أرضه، فالأمر واضح والحمد لله، فينبغي لنا أن نخرج مع المسلمين في هذا اليوم؛ لدعاء الله والتقرب إليه بالصلاة، وليعلم الناس أنه لا ملجأ لهم عند الشدائد إلا الله القادر على إزالتها ﵎.
هذا ما أردنا أن نقدمه بين يدي موضوع اللقاء الذي ابتدأناه في الشهر الماضي.
стр. 1701
في ظلال سورة الفرقان
آخر ما وصلنا إليه قوله ﵎ في وصف عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٣-٦٧] .
стр. 1702
توحيد الدعاء والعبادة
ثم قال -وهو ابتداء هذا اللقاء-: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] أي: لا يدعون مع الله إلهاً آخر لا دعاء مسألة ولا دعاء عبادة، وإنما يدعون الله وحده، وهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل واتفقت عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] كل الرسل أجمعوا على هذا، وحق لهم أن يجمعوا؛ لأن الله تعالى أمرهم بذلك، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
فهم لا يدعون مع الله إلهاً آخر لا دعاء مسألة ولا دعاء عبادة دعاء العبادة كالركوع والسجود وجميع أنواع العبادة، فهم لا يذبحون لصنم، ولا ينذرون لصنم ولا لقبر ولا لشمس ولا لقمر، وإنما يجعلون العبادة لله الذي خلقهم.
ولا يدعون غير الله دعاء مسألة؛ فلا يأتون إلى صاحب القبر ويقولون: يا سيدي! يا مولاي! يا ولي الله! أعطني كذا وكذا، لا يقولون هذا؛ لأنهم يعلمون أن غير الله لا يملك نفعاً ولا ضراً لا لنفسه ولا لغيره، وإذا كان الرسول ﷺ أمره الله أن يقول ويعلن: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] وإذا كان الله أمره أن يعلن: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [الجن:٢١-٢٢] فإذا كنت أنا لا أدفع عن نفسي لو أرادني الله تعالى بسوء فكيف أملك ذلك لكم؟!! وإذا كان الله أمره أن يعلن: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] فكيف يُتخذ رسول الله ﷺ إلهاً مع الله يدعى ليكشف الضر؟!! هذا لا يمكن، والنبي ﷺ نعلم علم اليقين أنه لو خرج لهؤلاء لقاتلهم واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم؛ لأنهم مشركون.
فعباد الرحمن لا يدعون مع الله إلهاً آخر.
стр. 1703
أنواع الشرك
والشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن دعا غير الله لكشف الكربات فقد أشرك شركاً أكبر، حتى لو صلى وصام ولو تصدق وحج، ولا يحل له أن يحج؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] وإذا علمنا أنه يشرك بالله ويدعو غير الله منعناه من دخول المسجد الحرام.
والشرك الأصغر أنواعه كثيرة، وهو خفي جداً، قد يحصل في القلب من غير أن يعلم الرجل الرياء شرك أصغر، مثال ذلك: رجل تصدق بدراهم أمام الناس من أجل أن يقولوا: فلان جواد متصدق، فهذا شرك أصغر، هو يريد التقرب إلى الله، لكن يريد من الناس أن يمدحوه لأنه يتقرب إلى الله انتبهوا! هو لم يرد أن يتقرب إلى الناس بهذا، لو كان يريد هذا لكانت المسألة خطيرة ربما نقول: شرك أكبر، لكنه يريد أن يتقرب إلى الله فيمدحه الناس بأنه جواد يتقرب إلى الله تعالى بالصدقات.
كذلك إنسان قام يصلي وحوله أناس؛ فصار يطمئن في صلاته ولا يتحرك، وقد طمأن رأسه من أجل أن يقال: إن فلاناً يتقن صلاته، هو لا يريد التقرب إلى الناس بالصلاة أبداً، وإنما يريد التقرب إلى الله لكنه حسنها من أجل أن يقول الناس: إن الرجل يتقن صلاته لله ، وهذا رياء.
стр. 1704
حكم الرياء إذا خالط العبادة
ما حكم الرياء إذا خالط العبادة؟ حكم الرياء إذا خالط العبادة: أولاً: أن الإنسان يأثم.
ثانياً: أن عبادته مردودة لا يقبلها الله ؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فاحذر الرياء، واجعل نيتك لله خالصة، لا يهمك الناس مدحوك أو ذموك.
بقي مسألة: لو قال قائل: أنا سأترك الصدقة خوفاً من الرياء.
وهذا يقع، كأن وجد فقيراً يسأل وظاهر حاله أنه فقير حقاً، فقال: لن أتصدق عليه خوفاً من الرياء، فماذا نقول؟ نقول: هذا تخاذل وغلط، هذا يعني: أن الشيطان غلبك حتى منعك من الصدقة، تَصدقْ ولا تبالِ، فأنت إن تصدقت من أجل أن يمدحك الناس كان رياء، وإن تركت الصدقة خوفاً من الرياء فإن ذلك خذلان ونصرٌ للشيطان عليك والعياذ بالله، فلا يهمنك هذا.
كذلك بعض الناس يحب أن يصوم، فيترك الصوم مخافة أن يقال: إنه صائم، فيخشى من الرياء، وهذا غلط.
ثم إن الإنسان إذا أظهر العبادة من أجل أن يتأسى الناس به كان إماماً فيها -انتبه إلى هذه النقطة- أحياناً يقول الإنسان: لا أحب أن يطلع الناس أني صائم، لكن لو اطلع الناس عليه من أصحابه وأصدقائه تأسوا به وصاموا، فهل الأفضل الإخفاء أم الإعلان؟ الإعلان أفضل؛ لماذا؟ ليكون إماماً يتأسى به في الخير ويُقتدى به، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون سراً وعلانية، لم يمتدح الذين ينفقون سراً فقط بل سراً وعلانية؛ لأن العلانية قد تكون أفضل من السر حسب ما يترتب عليها من المصالح.
стр. 1705
النفس التي حرم الله قتلها
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] النفس التي حرم الله هي: أولاً: نفس المؤمن.
ثانياً: نفس الذمي.
ثالثاً: نفس المعاهد.
رابعاً: نفس المستأمن.
أربع أنفس محرمة إلا بالحق
стр. 1706
أولاً: النفس المؤمنة
أما المؤمن فلا إشكال فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] خمس عقوبات والعياذ بالله: جزاؤه جهنم، وخالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً.
стр. 1707
ثانياً: الذمي
وأما الذمي؛ فلأن الذمي ساكن معنا في بلدنا وتحت حمايتنا، ولكنه يبذل الجزية، والذمي في الوقت الحاضر لا نعلم له وجوداً، هل أحد منكم يعلم له وجوداً؟ بمعنى: أنه يبقى في بلدنا يبذل الجزية كل سنة، يعطينا دراهم، لكنه في عصمتنا نحميه، هذا غير موجود الآن، لكننا نرجو الله أن يوجد في المستقبل القريب، لما كان الإسلام عزيزاً كان أهل الذمة يبقون مع المسلمين في البلاد ولكن مع بذل الجزية، وكيف يبذلونها؟ يبذلونها عن يد وهم صاغرون، يأتي أكبر تاجر من الذميين في بلادنا وقد بقي بالجزية، يأتي هو بنفسه ويدفع الجزية ويعطيها المسئول في الدولة الإسلامية عن يد وهو صاغر.
إذاً: الذمي هو: الذي يقيم بدارنا آمناً مطمئناً لكن يبذل الجزية؛ وهي ما يفرضه الإمام عليه كل عام، فيبقى في حمايته، وإذا تم العام يأتي بالجزية.
مسألة: إذا كان هذا الرجل -الذمي- غنياً وعنده خدم، فأرسل الخادم بالجزية إلى المسئول، فهل يكفي أم لا؟ الله يقول: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] اختلف العلماء في قوله: (عن يد) ، فقيل: المعنى: أن يأتي بها الذمي ولا نأخذها منه على طول، يقف عند الماسة أمام المسئول ولا يكلمه المسئول، بل يهينه ويتلهى عنه وهو واقف، فإذا أراد أن يسلم الجزية أخذها منها بقوة حتى يكاد أن ينزع يده؛ لأنه قال: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] أذلة.
هذا قول لبعض الفقهاء إلا أنه ضعيف، ولا يمكن أن يعامل الإسلام الذميين هذه المعاملة، لكن المعنى: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] أي: أن الذمي يبذلها بيده لا يرسل بها خادماً، وأيضاً لا يأتي بفخر وهينمة، بل يبذلها وهو صاغر.
وهذا الذمي حمايته علينا، وصد العدوان عنه علينا،؛ لأننا نستلم منه مقابل ذلك الجزية.
стр. 1708
ثالثاً: المعاهد
والمعاهد هو: من بيننا وبينه عهد أن يبقى في البلد لكنه لا يبذل الجزية، ولكن يجب علينا حمايته وفاءً بالعهد، ولهذا قال النبي ﷺ : (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) والعياذ بالله! فالمعاهد له حق لا يجوز العدوان عليه.
ومن يتولى المعاهدة؟ أيتولاها رعاع الناس وغوغاء الناس، أم ولي الأمر؟ يتولاها ولي الأمر، فإذا عاهد ولي الأمر تاجراً أو مهندساً أو عاملاً أو غير ذلك؛ فلا يحل لأي واحد من الرعية أن يؤذيه أو يقتله، بل من قتله لم يرح رائحة الجنة والعياذ بالله! فكيف يدخلها؟ لا يدخلها ولا يرح رائحتها، والمسألة ليست فوضى كل واحد يقول: أنا السلطان، أنا الأمير، أنا المدبر، أنا الذي أكتب العهد، وما أشبه ذلك، فالمسألة ترجع لولاة الأمور.
стр. 1709
رابعاً: المستأمن
والمستأمِن لا يبقى في بلادنا، رجل معه بضاعة يريد أن يدخل بها البلد ليبيعها، بضاعة مباحة، فيدخل ونعطيه الأمان على أن يدخل ولا أحد يعتدي عليه هذا هو الرابع من النفوس المعصومة المحرمة.
عباد الرحمن لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعلى هذا فمن قتل نفساً معصومة فإنه ليس من عباد الله، أي: اختل من صفات من عباد الرحمن فيه هذا الوصف العظيم.
стр. 1710
أمثلة للحق الذي يبيح قتل النفس المحرمة
وقوله : ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] سنضرب أمثلة للحق الذي يبيح قتل النفس المحرمة
стр. 1711
القصاص
أولاً: القصاص، والقصاص بحق بمعنى: إذا قتل أحدٌ شخصاً وتمت شروط القصاص، فإن القاتل يقتل؛ لقول الله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] وقول النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث.
وذكر منها: النفس بالنفس) فيقتل.
والقصاص حياة، مثاله: زيد قتل عمراً فقتلنا زيداً؛ نقول: هذه حياة.
وقد قال بعض العلمانيين والمعترضين على الشريعة: كيف يكون حياة وقد قتل واحداً والآن نقتل اثنين، أين الحياة؟! فنقول: سبحان الله! إذا قتلنا هذا القاتل فكم ينكفُّ عن القتل من مجرمين؟ كثير، كل مجرم يهم بالقتل إذا علم أن مآله أن يقتل توقف؛ لأن أشد الناس حباً للحياة وكراهةً للموت أبعدهم عن الإيمان، بمعنى: أن أبعد الناس عن الإيمان هو أشد الناس حباً للحياة، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦] والمشرك لا يود الموت، اليهودي والنصراني لا يود الموت: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٤-٩٥] المجرم لا يمكن أن يقدم على شيء وهو يعلم أنه سيقتل به أبداً.
إذاً: النفس بالنفس جائز، وهل ينافي وصف عباد الرحمن؟ لا، لأنه قتل بحق، والقتل بحق جائز.
стр. 1712
الزنا
ومن القتل بحق: أن يرجم الزاني إذا تمت الشروط.
والزنا -والعياذ بالله- قال الله فيه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] أيهما أشد وأقبح: الزنا أم نكاح ذوات المحارم؟ نكاح ذات المحارم، ولهذا قال الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء:٢٢] وفي الزنا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أن من زنى بأحد محارمه يقتل بكل حال، حتى وإن لم يكن ثيباً.
أقول: الزاني إذا زنى وهو محصن قد منَّ الله عليه بالنكاح واستمتع بزوجته ثم زنا؛ فيرجم على كل حال، يرجم إذا تمت الشروط وكيف يكون الرجم؟ يوقف ويجمع حصى، ويأخذ الناس من هذا الحصى ويضربونه حتى يموت، وهنا نسأل: أليس قتله بالسيف أهون؟! فلماذا قتل بالحجارة؟ نقول: أولاً: حكم الله لا تعترض عليه، قل: سمعنا وأطعنا، فإذا قلت: سمعنا وأطعنا فتح الله عليك.
ثانياً: لا تظن أن الإسلام يفرق بين شيئين إلا لسبب، فهذا الرجل الزاني الشهوة تعلقت بجميع بدنه؛ لأن كل البدن مع الشهوة يهتز فينال من اللذة، فكان من المناسب أن نرجمه بالحجارة حتى يتألم جميع بدنه الذي تلذذ بالحرام، وهذه حكمة عظيمة، ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن يرجم بحجارة كبيرة تقتله بأول مرة، ولا يجوز أن يقصد المقاتل بحيث يموت بسرعة، بل يفرق الأحجار على بدنه حتى يموت.
إذاً: زنا المحصن مبيح لقتله لكن بالرجم.
стр. 1713
اللواط
ثالثاً: اللواط، والعياذ بالله! وهو إتيان الذكر الذكر، هذه جريمة قال فيها نبي الله لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:٨٠] الفاحشة، لم يقل فاحشة، و (أل) تدل على كبر هذه الفاحشة، وهي والله كبيرة أعظم من الزنا والعياذ بالله! ولهذا وبخ لوط قومه فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء:١٦٥-١٦٦] ما هذه الفطرة؟! فطرة مقلوبة، ولهذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٦] أي: مخالفون للفطرة.
فإذا تلوط رجل برجل وكلٌّ منهما بالغ غير مكره وجب قتلهما وجوباً، حتى وإن لم يحصنا وإن لم يتزوجا الزاني لا يرجم إلا إذا كان قد تزوج وجامع زوجته بالحلال، أما اللواط فلا يشرط فيه هذا، يقتل الفاعل والمفعول به، والدليل: قول النبي ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الصغير واسمه: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، قال: إن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به.
لكن اختلفوا: فمنهم من قال: يُصعد بهما إلى أعلى مكان في البلد ثم يلقيان منه ويتبعان بالحجارة.
ومنهم من قال: يرجمان رجم الزاني.
ومنهم من قال: يحرقان بالنار، وقد فعل ذلك أبو بكر ﵁ وبعض الخلفاء؛ لأن جريمتهم جريمة عظيمة وليست بهينة.
إذاً: مما يبيح القتل: اللواط.
стр. 1714
الحرابة
رابعاً: الحرابة، والحرابة: أن يوجد قومٌ يتكتلون في الطرقات ومن مر من الناس أخذوا ماله وقتلوه، هؤلاء بين الله تعالى عقوبتهم في سورة المائدة فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] هؤلاء يجب أن يقتَّلوا إذا قتلوا الناس، حتى وإن لم يطالب أولياء المقتولين عن القتل، حتى ولو سمحوا بالقتل؛ لأنهم يقتلون ردعاً لفسادهم.
وهناك أشياء معروفة عند العلماء لا نطيل الكلام فيها، وهي معروفة -والحمد لله- عند الفقهاء ﵏ في كتاب الحدود وفي كتاب المرتد.
ولنتفرغ للأسئلة لأنها كثيرة، وربما يكون فيها تعرض لبعض ما نريده.
стр. 1715
الأسئلة
стр. 1716
قلب الرداء في الاستسقاء والحكمة من ذلك وهل تقلب المرأة عباءتها ؟
السؤال
فضيلة الشيخ! هل من كان يلبس شماغاً يقلبه في صلاة الاستسقاء، وهل المرأة تقلب عباءتها؟
الجواب
الظاهر لا، المرأة الستر لها أفضل ولا تقلب عباءتها، والشماغ أيضاً لا يقلب؛ لأنه ليس رداءً ولا لباساً على الجسم فهو يشبه العمامة على الرأس، ولم أعلم إلى ساعتي هذه أن الصحابة كانوا يقلبون عمائمهم، لكن المشلح للرجال قد يكون مشبهاً للرداء في عهد النبي ﷺ ، ولكن: ما الحكمة في هذا؟ ما الحكمة في أن الإنسان يقلب المشلح مثلاً؟ الجواب: من باب التفاؤل، أن الله يقلب الشدة إلى رخاء، وهذا تعليل لا بأس به، تفاؤلاً لعل الله أن يقلب الحال من الجدب وقحط المطر إلى الرخاء.
ولكن أهم من ذلك عندي التأسي برسول الله ﷺ بالنسبة لنا، نقلب ذلك تأسياً برسول الله ﷺ ؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] أما بالنسبة لفعل الرسول إياه فالتعليل ما سبق.
أيضاً قال بعض العلماء: وكأن الرجل التزم بأن يغير عمله السيئ إلى عملٍ صالح؛ لأن الأعمال لباس، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] فكأن الإنسان بهذا الفعل التزم أن يغير حاله ولباسه الديني إلى لباس آخر، والله أعلم.
وعلى كل حال: أهم شيء بالنسبة لنا أننا نقتدي برسول الله ﷺ .
стр. 1717
التخلف عن صلاة الاستسقاء بحجة كثرة المعاصي
السؤال
فضيلة الشيخ! بعض طلبة العلم لا يخرج لصلاة الاستسقاء بحجة أن المعاصي موجودة، فكيف ندعو الله ونحن لم نغير من أحوالنا؟
الجواب
هذا غلط؛ لأن المصائب كلها قد تكون بسبب الذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] وقد تكون امتحاناً من الله يمتحن بها العبد هل يصبر أو لا يصبر.
هذه واحدة.
ثانياً: إذا قلنا: إن علينا ذنوباً، أليست هذه الصلاة من أسباب مغفرة الذنوب؟! إذاً: فلنخرج إلى الله ، ولنضح له في البر نستسقيه ونتعبد له بالصلاة والذكر وغير ذلك.
فلهذا أرجو من إخواننا طلبة العلم -إذا صح السؤال- أن يتأملوا الموضوع، وألا يثبطوا الناس عن الخير وأن يشجعوهم عليه.
стр. 1718
شهر رجب والمخالفات التي تقع فيه
السؤال
فضيلة الشيخ! هل لشهر رجب مزية عن غيره من الشهور؟ وهل العمرة في شهر رجب أفضل، أم في شهر شعبان أيهما أُثر عن الرسول ﷺ ؟
الجواب
شهر رجب كغيره من الشهور لكنه من الأشهر الحرم، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، هذه ثلاثة متوالية، ورجب منفرد، ولهذا يسميه بعض الناس: رجب الفرد.
والأشهر الحرم المعاصي فيها أعظم من غيرها؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] وشهر رجب كان بعض السلف يعتمرون فيه؛ لأنه نصف الحول؛ فإذا أسقطنا الثلاثة الحرم الأول: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وبدأنا من صفر صار رجب هو الشهر السادس، أي: نصف السنة، وإن بدأنا من محرم صار شهر رجب هو السابع، فكان بعض السلف يعتمرون في هذا الشهر؛ لئلا يتأخرون عن زيارة البيت الحرام، حتى يبقى البيت الحرام معموراً في آخر السنة وفي وسط السنة.
أما النبي ﷺ فإنه لم يعتمر فيه، وإنما اعتمر النبي ﷺ في أشهر الحج، كل عمر الرسول كانت في أشهر الحج، ولم يعتمر لا في رمضان ولا في رجب، لكن رمضان ورد فيه: (عمرة في رمضان تعدل حجة) أما رجب فلم يرد.
ويعتقد بعض الناس أنه تسن في رجب زيارة المسجد النبوي ويسمونها الرجبية، وهذا لا أصل له، ولا يعرفه السلف ولا قدماء الأمة، فهو بدعة محدثة ليست من دين الله ، وزيارة المسجد النبوي مشروعة في كل وقت، أي وقت تذهب إلى المسجد النبوي تزوره فهو خير.
كذلك يظن بعض الناس أن الإسراء والمعراج كان في رجب في ليلة سبعة وعشرين، وهذا غلط، ولم يصح فيه أثر عن السلف أبداً، حتى إن ابن حزم ﵀ ادعى الإجماع على أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، ولكن الخلاف موجود ولا إجماع، وأهل التاريخ اختلفوا في هذا على نحو عشرة أقوال، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كل الأحاديث في ذلك ضعيفة منقطعة مختلفة لا يعول عليها.
إذاً: ليس المعراج في رجب وأقرب ما يكون أنه في ربيع.
ولو فرضنا أنه في رجب وفي ليلة سبعة وعشرين هل لنا أن نحدث في هذه الليلة احتفالاً وفي صبيحتها تعطيلاً للأعمال؟ أبداً، هذه بدعة دينية قبيحة، لم ترد لا عن الرسول، ولا عن الخلفاء، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أئمة المسلمين، فهي بدعة منكرة.
وبعض الناس يظنون أن ليلة المعراج أفضل من ليلة القدر والعياذ بالله، وهذا غلط محض، فلذلك يجب علينا نحن أواخر هذه الأمة أن ننظر إلى ما فعله سلف الأمة قبل ظهور البدع، وأن نبين للناس، ومن بان له الحق فلم يتبعه فهو على خطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] .
стр. 1719
زكاة الحلي
السؤال
فضيلة الشيخ! يعمد بعض النساء في مثل هذه الأيام وشهر شعبان إلى بيع ما عندها من الذهب أو استبداله هروباً من زكاة الحلي التي يحل حولها في رمضان، فهل من نصيحة وتوجيه؟
الجواب
النصيحة: يجب أن نعلم أن الحيل في الشريعة الإسلامية باطلة؛ سواء كانت هذه الحيل على إسقاط واجب، أو على فعل محرم، فكلها باطل، والذي يتحيل فيه شبهٌ من أخس عباد الله وهم اليهود، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) والمتحيل على الله لاعب على الله -والعياذ بالله- مستهزئٌ بالله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] ومع ذلك كل من تحيل على واجب لإسقاط الواجب فإنه لا يسقط ويكون مطالباً به عند الله، وكل متحيل على محارم الله فإنها لا تحل ويكون معاقباً على هذه المعصية، فحذار حذار من الحيل! فإنكم لا تعاملون إلا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ونقول: لو فرض أن امرأة باعت حليها في شعبان أو في رجب فراراً من وجوب الزكاة عليها في رمضان، فإن الزكاة تجب عليها في رمضان في الحلي الجديد؛ لأنه عوض عما تجب فيه الزكاة، أرأيت لو أن إنساناً عنده -مثلاً- دراهم من فضة، ثم باعها قبل رمضان بشهر أو شهرين وحولها إلى دنانير، فهل تجب الزكاة في الدنانير في رمضان أم نقول: حتى يتم الحول؟ تجب في رمضان، فالحيل لا تسقط الواجب، وما سمعت أحداً قال مثلما جاء في هذا السؤال من هذه الحيلة.
نعم.
أسمع من بعض الناس يقول: إن حلي المرأة لا تجب فيها الزكاة، وهذا خلاف مشهور من قديم الزمان، ولكن الخلاف يجب على المؤمن أن يرده إلى الله ورسوله، قال الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ولم يرد لا في القرآن ولا في السنة أن حلي المرأة لا زكاة فيه أبداً، ومن وجد شيئاً من ذلك فليسعفنا به، بل النصوص عامة في وجوب زكاة الذهب والفضة، مثل قول الرسول ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) .
لا يوجد نص يقول: ليس في حلي المرأة زكاة، والقياس على الثياب غلط، فلو كان عند الإنسان ألف ثوب لا تجب في الزكاة، فقياس الحلي على الثياب غلط: أولاً: لأنه قياس في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد باطل.
ثانياً: أنه لا يتم القياس؛ لأن الذهب والفضة الأصل فيهما وجوب الزكاة، والثياب ونحوها الأصل فيها عدم الوجوب.
ثالثاً: أن الذين يقولون بعدم الوجوب، قالوا: لو أن المرأة أعدت الذهب للكراء -تؤجره- ففيه الزكاة، ولو أن إنساناً صنع ثياباً كثيرة للكراء فليس فيها زكاة، فإذاً: القياس غير صحيح.
والحمد لله، زكاة الحلي ربع العشر، أي: (٢.
٥%) وهذه لا تضر الإنسان، إن كانت واجبة في دين الله فقد أدى ما عليه وأبرأ ذمته، وإن لم تكن واجبة فهي تطوع: (وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة) والله ليتمنين كل واحدٍ منا بعد الموت أنه تصدق بدرهم واحد، لأن كل الأموات يتمنون أن في حسناتهم زيادة حسنة واحدة، والصدقة من أفضل الأعمال.
стр. 1720
بلوغ النصاب في الزكاة وحكم استخدام ما يمنع الطير عن الثمار
السؤال
فضيلة الشيخ! لي مزرعة فيها أشجار العنب وهي تثمر ولكن الطير يأتي عليها كلها ولا أستفيد منها بشيء، فهل عليَّ في ذلك زكاة وهو لا يمكن خرصه؟ وهل يجوز تغطية الأشجار المثمرة عن الطير أو استعمال ما يطردها عنه؟
الجواب
إذا كان هذا العنب يفسده الطير حتى لا يبقى ما يبلغ النصاب فلا زكاة على صاحبه، وأما إذا كانت تفسده ويبقى مقدار النصاب ففي ففيما بقي الزكاة.
وأما هل يجوز أن يجعل على العنب شبكاً يمنع الطيور منه، أو يجعل أشياء يحدث منها صوت ويفزع منه الطير ويذهب فلا بأس؛ لأنه يجوز للإنسان أن يدافع عن ماله، حتى لو هاجمه رجل مسلم فله أن يدافع عن ماله، فكيف بالطيور؟ فلا بأس أن يضع الإنسان شيئاً ينفر الطيور عن إفساد ماله وهو غير ملوم في ذلك.
следующие страницы →