← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الاحتجاج بالقدر في ترك الزواج السؤال فضيلة الشيخ: هناك بعض الناس إذا قلت له: لماذا لا تتزوج؟ يجيب بأنه لم يأمرني الله بعد، فما قولك فيما يقول هذا؟ الجواب أقول: هذا خطأ؛ لأن الله تعالى جعل للإنسان قوة وإرادة واختياراً يفعل ما يريد، وإرادته تحت إرادة الله لا شك، لكن بعض الناس يتعلل بالقضاء والقدر دفعاً لما يورد عليه فقط، وهو يعلم أن هذا ليس بصحيح. - هل إذا قيل له: لم لا تصلي؟ يقول: لم يأمرني الله أن أصلي، أو إذا قيل له: لم لا تترك الاكل؟ يقول: الله لم يأمرني بترك الأكل، فأقول: إن الاحتجاج بالقدر احتجاج الضعيف الذي ليس له حجة، فنقول: تزوج وإذا تزوجت علمنا أن الله قد أمرك، هذا من حيث الأمر القدري، أما الأمر الشرعي فالله قد أمره، قال النبي ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) .

стр. 492

حكم إجبار المرأة على الزواج ممن لا ترغب السؤال يقول السائل: هناك رجل يبلغ من العمر ما يقارب السادسة والستين، وهو رجل كبير في السن ولكن تزوج من امرأة شابة صغيرة، وكان أهلها قد أجبروها على الزواج من هذا الرجل الكبير، وأجبروا الرجل على دفع المهر وهو مبلغ مائتي ألف ريال ما صحة هذا الزواج؟ الجواب هل الفتاة وافقت؟ إن وافقت فالأمر إليها؛ لأن بعض النساء ربما توافق على أن تتزوج بهذا الرجل الكبير ابتغاء للأجر، حيث تريد أن ترأف به وتخدمه وتحسن إليه، وهذا قد وقع ما هو أعظم منه، وهي فتاة أعرف عنها أنها تزوجت برجل مشلول وهي امرأة شابة، فقيل لها في ذلك، قالت: إني أحتسب الأجر عند الله في خدمة هذا الرجل المشلول، فربما تختار المرأة رجلاً كبيراً من أجل أن تخدمه ابتغاء وجه الله . والمهم أنه ليس من شرط النكاح أن يكون بين الزوجين تناسب في العمر، بل لا بأس أن يتزوج الصغير كبيرة، أو الكبير صغيرة. ألم تعلموا أن النبي ﷺ تزوج خديجة ولها أربعون سنة، وعمره خمس وعشرون سنة، أي: الفارق بينها وبينه خمس عشرة سنة، هي أكبر منه وتزوجها، وتزوج عائشة وعمره في حدود الأربع والخمسين ولها ست أو سبع سنين، وبنى بها في المدينة ولها تسع سنوات، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة تقريباً، وله ثلاث وستون سنة، فبينهما فرق، والحاصل أنه ليس من شرط النكاح تقارب سن الزوجين، بل يجوز أن يتزوج الكبير صغيرة والصغير كبيرة. فإذا رضيت الفتاة بأن تتزوج بهذا الرجل الكبير فلها ذلك والنكاح صحيح، لكن أنا حقيقة ساءني أنه يشترط على هذا الرجل الكبير مهراً يبلغ هذا الحد، وهو مائتا ألف، أيريدون أن يجبروا نقص عمره بزيادة الدراهم؟ هو ناقص العمر لأنه رجل كبير وقد بلغ هذا المبلغ، فيريدون أن يجبروا هذا بالدراهم، أرى أن هذا خطأ، ولو زوجوه بمهر معقول مثل غيره لكان أطيب للنفس، ولكان أبين في أن هذه الفتاة أرادت بذلك وجه الله. وإذا قيل: إن المرأة مغصوبة وهي بكر وصغيرة، فنقول: إذا كانت المرأة مغصوبة فإنها إذا غصبت على الزواج من رجل وإن كان صغيراً فإن النكاح باطل، فكيف إذا كانت هي صغيرة وهذا الرجل له فوق الستين سنة، فالنكاح من باب أولى أن يكون فاسداً، فأي امرأة أجبرت على النكاح فنكاحها فاسد، سواء أجبرها أخوها أو عمها أو أبوها أو جدها، ليس لأحد أن يجبر امرأة على نكاح من لا ترغب. كما أنه لا يحل للولي أن يمتنع من تزويج فتاة خطبها كفء ورغبت به، ثم يقول: لا أزوجه، فإن فعل ذلك فإننا نتعداه إلى ولي آخر يليه، فإن تعذر ولي آخر، انتقلنا إلى ولي ثالث، فإن أبى الأولياء كلهم، وقالوا: لا يمكن أن نزوج بنت فلان مع وجوده، انتقلت الولاية إلى القاضي، فترفع المرأة شكواها إلى القاضي، والقاضي يجب عليه أن يزوجها إذا كان الخاطب كفؤاً سواء رضي أبوها أو لم يرض.

стр. 493

أخذ المساعدة للزواج السؤال يقول السائل: أنا شاب أضحى الزواج واجباً علي لأنه تتوقف عليه صحة الصلاة، ولا أملك تكاليف الزواج وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] وقد عرض علي بعض الناس مساعدتي فما تقولون في ذلك جزاكم الله خيراً؟ الجواب أقول: إذا عرضت عليك المساعدة من دون سؤال فاقبلها وتزوج بها، وهذا داخل في ضمن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] فإن الله ساق إليك هذا الرجل ليساعدوك، أما أن تذهب وتسأل الناس ليساعدوك فهذا في النفس منه شيء، وإن كان بعض العلماء يقول لا بأس، وإن القاعدة عند بعض العلماء أن كل من جاز له أخذ شيء جاز له سؤاله، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يجد ما يدفعه مهراً، معلوم أنه من أهل الزكاة، يدفع إليه من الزكاة ما يكفيه مهراً ولو كثر، لكن مع ذلك لا نرى أن الإنسان يسأل من أجل أن يتزوج، ونرى أن الأفضل والأورع أن يستعفف حتى يغنيه الله من فضله. ويدل لهذا: (أن النبي ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله وهبت نفسي لك -والنبي ﷺ يجوز أن يتزوج بالهبة بدون مهر- فصعد فيها النظر وصوبه، ثم سكت كأنه لم يرغب فيها، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها؟ فقال له النبي ﷺ : ماذا تصدقها؟ قال: أصدقها إزاري -قال سهل بن سعد وهو راوي الحديث: ماله رداء، ومعنى ماله رداء، يعني: ليس عليه إلا الإزار- فقال النبي ﷺ : كيف تصدقها إزاراك، إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن أبقيته لم تكن أصدقتها، لأنك ما أعطيتها الصداق، فقال: اذهب والتمس، حتى قال: التمس ولو خاتما ً من حديد -وهو من أزهد الأشياء- فجاء وقال: يا رسول الله ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد، قال: معك شيء من القرآن؟ قال: نعم. سورة كذا وكذا، قال: زوجتكها بما معك من القرآن) يعني: فعلمها. فأنت ترى أن النبي ﷺ لم يسأل له، فلم يقل للناس تصدقوا عليه، وهو بنفسه ما ذهب يسأل الناس، لكن في حاجة الضرورة دعا النبي ﷺ إلى الصدقة في القوم الذين جاءوا من مضر، ثم نزلوا في مسجد النبي ﵊ فتمعَّر وجه الرسول لما رأى هؤلاء القوم، وهم من أكابر العرب، وأشراف العرب؛ رآهم مجتابي النمار، قد أثر بهم الفقر، فدعا ﷺ الناس إلى أن يتصدقوا عليهم فتصدقوا عليهم. ولكنه لم يأمر الناس أن يتصدقوا على هذا الذي قال: ليس عندي ما أدفعه مهراً، بل قال: (التمس ولو خاتماً من حديد) وخلاصة الجواب: أن من ليس عنده مهر يستطيع أن يدفعه، فليستعفف ولا يسأل الناس، هذا هو الأفضل، لكن لو أعطي بدون مسألة فلا بأس أن يقبل وأن يدفع ما أعطيه صداقاً.

стр. 494

ما يصح أن يكون مهراً وتنازل المرأة عن مهرها السؤال يقول السائل: هل يجوز النكاح إذا تنازلت المرأة عن المهر؟ وهل يشترط أن يكون مالاً مقبوضاً أم يجوز أن يكون بيتاً أو غيره؟ الجواب المهر يجوز بكل شيء يصح عقد البيع عليه، ولهذا قال العلماء: كل ما صح ثمناً أو أجرة صح أن يكون مهراً، سواء سيارة أو عقار أو ثياب أو أواني أو دراهم أو أي شيء، كل ما يقع عليه عقد البيع يصح أن يكون مهراً. وهل يصح أن تهب المرأة صداقها للزوج بعد أن يسلمه أو أن تبرئه قبل أن يسلمه؟ الجواب: نعم. إذا كانت الزوجة بالغة عاقلة رشيدة وأسقطت المهر عن زوجها، أو وهبته له بعد القبض، فإن ذلك جائز ولا حرج فيه. ودليل ذلك قول الله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] فلا حرج أن تهب المرأة صداقها لزوجها إن كانت قد قبضته، أو تبرئه منه إن كانت لم تقبضه.

стр. 495

الضوابط الشرعية في النظر إلى المخطوبة السؤال يقول السائل: أرغب في أن أنظر إلى مخطوبتي، فما الضوابط الشرعية في ذلك، جزاكم الله خيراً؟ الجواب نقول: النظر إلى المخطوبة سنة، أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا سيما في وقتنا هذا، لأنه قل من يثق به الإنسان من النساء، فقد تذهب المرأة وتخطب لشخص، وتأتي إليه وتقول له: خطبت لك امرأة هي القمر ليلة البدر، فإذا دخل بها وإذا هي من أقبح نساء العالم، وهذا أمر يقع؛ لأن الذي ليس عنده أمانة وليس عنده دين يهون عليه أن يغش الناس. ثم لو فرضنا أن الرجل أرسل امرأة ثقة كأمه وأخته وما أشبه ذلك ولم تغشه، فإن الناس يختلفون، قد تكون المرأة جميلة عند شخص وغير جميلة عند شخص آخر، الرغبات تختلف والنظر يختلف، ولهذا أمر النبي ﷺ الخاطب أن يرى من مخطوبته ما يدعوه إلى التقدم لخطبتها، إلا أن العلماء اشترطوا لذلك شروطاً دلت عليها السنة: الشرط الأول: أن يكون عنده الرغبة الأكيدة في أن يتزوج، وليست نيته أن يطوف بنساء العالم، كأنما يريد أن يختار أمة يشتريها، يقول: أذهب إلى آل فلان أخطب منهم وأرى، أو أذهب للثاني والثالث والرابع، ويكون كأنه يريد أن يشتري سيارة من المعرض، بل لا بد أن يكون عنده عزم أكيد على أن يخطب من هؤلاء القوم. الشرط الثاني: أن يغلب على ظنه الإجابة، وهذا معلوم أنهم إذا مكنوه من النظر إليها فهم موافقون، وهذا الشرط إنما يكون فيما لو أراد الإنسان أن ينظر إلى امرأة بدون اتفاق مع أهلها. الشرط الثالث: أن يكون ذلك بلا خلوة، بأن ينظر إليها بحضرة أهلها، ولا يحل له أن ينظر إليها بخلوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة) وأخبر أنه ما خلا رجل بامرأة أجنبية منه إلا كان ثالثهما الشيطان. الشرط الرابع: أن يكون النظر إلى ما يظهر غالباً، لا إلى العورة مثل الوجه والرأس بما فيها الشعر والكفين والذراعين والقدمين وأطراف الساقين وما أشبه ذلك، ولا ينظر إلى شيء آخر. الشرط الخامس: أن لا يتلذذ معها بمحادثة سواء كان تلذذ تمتع، أو تلذذ شهوة، والفرق بينهما أن تلذذ التمتع يجد الإنسان راحة نفسية في محادثة المرأة، وتلذذ الشهوة يجد ثوران شهوة، فلا يجوز أن يتحدث إلى مخطوبته حديث تلذذ، سواء كان تلذذ تمتع أو تلذذ شهوة. وقد بلغني أن بعض الخطاب يتصل بمخطوبته عن طريق الهاتف، ويبقى معها لا أقول ساعة أو ساعتين، بل ساعات يتحدث إليها، ويقول بعض الناس معللاً هذا العمل يقول: أتحدث إليها لأجل أن أعرف نفسيتها، وأعرف شهادتها، وأعرف دراستها، يا أخي: اصبر حتى يعقد لك، ثم حدثها طوال الليل والنهار إلا عند صلاة الفرائض؛ لأنه لا بد منها. أما أن تتحدث إلى امرأة أجنبية منك فهذا لا يجوز. والشرع قد استثنى شيئاً من محرَّم، وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يعرفها: إذا استثنى الشارع شيئاً من محرم، فإن الرخصة تقدر بقدر ما استثنى فقط، والذي استثنى بالنسبة للمرأة الأجنبية المخطوبة هو النظر، أما أن تتحدث إليها فهذا لا يجوز.

стр. 496

حكم ألبسة الأفراح الغير ساترة للجسد السؤال ينتشر في اجتماعات الأفراح والزواجات للنساء ألبسة تشمئز المرأة من رؤيتها، فمثلاً: تلبس المرأة فستاناً يظهر جزءاً من صدرها، وما فوق ذلك يكون عارياً ليس عليه شيء، أو ليس عليه ما يستره، فما حكم ذلك، وما موقفي إذا رأيت مثل هذه الألبسة؟ الجواب حكم هذا التحريم، وأنه لا يجوز للمرأة أن تلبس إلا ثياباً فضفاضة واسعة سابغة، ولا يحل أن تلبس لباساً ضيقاً، ولا أن تلبس لباساً يكشف صدرها حتى ربما يخرج بعض أثدائها ولا يحل للمرأة أن تلبس بنطلوناً، كما بدأ ينتشر بين النساء البنطلون لا يصح إلا مع الزوج خاصة، وبشرط أن يكون هذا البنطلون ليس على تفصيل بنطلونات الرجال، فإن كان على تفصيل بنطلونات الرجال صار تشبهاً بالرجال وقد لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتشبهات من النساء بالرجال. وإني أحذر النساء من الانزلاق في هذه الملابس التي تؤدي إلى الفتنة، أو إلى التشبه بنساء كافرات، وأقول: اتقين الله في أنفسكن، واتقين الله في ذريتكن، واتقين الله في مجتمعكن؛ لأن العقوبة إذا نزلت فليست خاصة بل تعم. نحن الآن في هذه البلاد ولله الحمد في أمن ورخاء، لكن هل هذا الأمن والرخاء سيبقى مع معصية الله؟ لا. والذي أنزل القرآن على محمد، لأن الله قال في كتابه العزيز: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] . وقال الله ﵎: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧-٩٩] وقال النبي ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات؛ لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) وهذه الألبسة الضيقة أو القصيرة أو المفتوحة أو الرهيفة تدخل في عموم قوله كاسيات عاريات كما نص على ذلك أهل العلم، فأحذر أخواتنا من هذه الألبسة، وأقول: عليكن بهدي السلف الصالح، كان نساء الصحابة -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيوتهن يلبسن دروعاً -يعني مقاطع- تستر ما بين كف اليد إلى كعب الرجل -هذا في البيت- وإذا خرجت المرأة فكثير منكم يعرف حديث أم سلمة، أنها استأذنت من النبي ﷺ حين رخص لهن في جر الذيول أن يكون ذيلها -أي طرف ثوبها- إلى حد الذراع من تحت القدم، لأجل أن تستر الرجل، فنسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه الخير والصلاح، وأن يوفق رعاة البيوت وهم الرجال إلى حسن الرعاية فيمن ولاهم الله عليه من النساء والصبيان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 497

اللقاء الشهري [٢١] أمر الله عباده المؤمنين أن يعاشروا نساءهم بالمعروف، وأن يؤدوا حقوقهن على الوجه الأكمل، كما أمر النساء بطاعة الأزواج وأداء حقوقهم، ولو عمل الناس بذلك لعاشوا مع أزواجهم في محبة ومودة، وأكثر النزاعات التي تحصل اليوم سببها هو إساءة العشرة مما يؤدي إلى الطلاق في بعض الأحيان، وقد يترتب على الطلاق ضياع الأولاد، وقد تفضل الشيخ بمناقشة هذا الموضوع في هذا اللقاء، وأسدى كثيراً من التوجيهات والنصائح في هذا الجانب، فطالعها تستفد علماً وتجتنب مشاكل البيت، ثم اقرأ الأسئلة الموجهة إلى الشيخ تفقه في دينك!

стр. 498

حقوق الزوجين بين الإفراط والتفريط الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا هو اللقاء الحادي والعشرون من اللقاءات الشهرية التي ينظمها مكتب الدعوة في عنيزة في الجامع الكبير، وقد رأينا -ولله الحمد- ولمسنا من كثير من الناس ما لهذا اللقاء من الفائدة، لو لم يكن فيه إلا أن الحاضرين يُلقون من الأسئلة ما يحتاجون إلى بيانها، وقد يكون الجواب على السؤال يحتاج إلى لقاء كامل؛ لأنه سؤال يحتاج إلى التفصيل في جوابه، وهذا ما نعد به إن شاء الله تعالى، أننا عند السؤال الذي يحتاج إلى تفصيل وجواب وبسط سوف نتخذ ذلك بعون الله. موضوع اللقاء الذي نفتتح فيه لقاءنا هذا هو ما يتعلق بالنكاح والطلاق وما إلى ذلك، وسبق لنا في لقاء سابق الحث على تقليل المهور، وبينا أن ذلك هو السنة، وأنه سبب للبركة، وأنه سبب لقطع النزاع، وأنه سبب لكون الزوج إن رضي عن زوجته أمسكها بمعروف، وإن فارقها فارقها بإحسان. أما الآن فإننا نتكلم عن حقوق الزوجين بعضهما مع بعض، وقد أشار الله إليه في القرآن إجمالاً، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: لهن على الرجال مثل الذي عليهن للرجال بالمعروف والعدل والاستقامة. وهذا الذي ذكره الله يجب على الإنسان أن يعتني به، وأن يقوم به، وألا يفرط فيه؛ لأنه توجيه من لدن حكيم خبير، ولأنه سبب للألفة ودوام للسعادة، لأن كل واحد من الزوجين يعامل الآخر بما يحب أن يعامله به، وما أكثر ما يحصل من النزاع بين الزوجين إذا ساءت العشرة، حتى إن بعض الناس يُضطر إلى أن يطلق أم أولاده من أجل كلمة واحدة نابية أو فعلٍ لا يرضاه، فيكون بمنزلة المرأة التي قال عنها النبي ﵊: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) وأخبر أيضاً: (أن النساء يكثرن اللعن ويكفرن العشير -أي: الزوج- إذا أحسنت إلى إحداهن مدى الدهر ثم رأت سيئة واحدة، قالت: ما رأيت خيراً قط) أصبح الآن بالعكس، صار الرجال بعضهم بمنزلة النساء، إذا حصل من زوجته ما يغضبه مرة واحدة كسرها وطلقها، ثم يُندِّمه الشيطان ويأتي إلى أبواب العلماء يسأل: هل له من رجعة؟ بعد أن وقع في فخ الشيطان يأتي ويقول: هل له من رجعة؟ ولو أن الإنسان قارن بين السيئات والحسنات في الزوجة التي جعلها الله ليسكن الإنسان إليها، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، لو قارن بين السيئات والحسنات، لوجد أن الحسنات أضعاف أضعاف في غالب النساء بل في أكثر النساء، فالواجب المعاشرة بالمعروف. ثم إذا خاف الزوج نشوز امرأته وعدم قيامها بالواجب، فقد أرشد الله إلى ثلاثة طرق، قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] أي: ذكروهن وخوفوهن بالله، وبينوا لهن حق الزوج، فإن استقمن فذلك المطلوب، وإلا: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] أي: ليلة لا يبيت عندها في الفراش، يذهب يميناً وشمالاً أو في غرفة أخرى لعلها تتأدب؛ لأن هجرها في الفراش قد يكون أشد عليها من كل شيء، فإن حصل المطلوب فهذا هو المطلوب، وإلا: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] لكن اضربوهن ضرباً غير مبرح، ضرباً يحصل به الأدب ولا يحصل به الألم والأذى ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] أي: لا تطلبوا سبيلاً مرة أخرى فتذكروا المرأة: فعلت كذا، فعلت كذا، فعلت كذا، لا؛ إذا أطعنكم وعادت المياه إلى مجاريها، ولا يجوز للإنسان أن يذكر شيئاً مما مضى؛ لأن ذكر شيء مما مضى يجدد العداوة والبغضاء، ولهذا قال: ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤] اذكروا علو الله عليكم، واذكروا كبرياءه عليكم، لا تتكبروا ولا تعلوا على هؤلاء النساء المسكينات؛ لأن الله تعالى فوقكم. ثم إن من الواجب للزوجة على زوجها: الإنفاق بالمعروف كسوة مسكن طعام شراب، يجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف، وهذه النفقة يجب أن يبذلها بطيب نفس، وبدون منة، وبدون تكره لبذلها؛ لأنه حق واجب عليه، ومع هذا يؤجر ويثاب عليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ سعد بن أبي وقاص ﵁: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها -أي: جاءك أجر- حتى ما تجعله في فم امرأتك) . إذاً هو يؤدي واجباً عن نفسه، ويصلح ما بينه وبين أهله، ويثاب على ذلك، وقوله: (حتى ما تجعله في فم امرأتك) أي: حتى اللقمة الواحدة تجعلها في فم امرأتك تثاب على هذا، مع أن الإنفاق واجب، ومع ذلك لك فيه أجر. فإن كان الزوج شحيحاً لا يعطيها ما يكفيها بالمعروف، وهي قائمة بواجبه، فلها أن تأخذ من ماله بغير علمه، لكن بالمعروف، أفتى بذلك إمام المفتين محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هند بنت عتبة جاءت تشكو إليه زوجها أبا سفيان، وقالت: إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، قال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فأذن لها، سواء بعلمه أو بغير علمه؛ لأن هذا حق واجب لها. لكن لو فرض أنها نشزت فحينئذٍ له أن يمنع ما يمنع من النفقة تأديباً لها.

стр. 499

الطلاق المشروع وأحكامه ومما يتعلق بمسائل النكاح: إذا أراد الإنسان أن يفارق زوجته، لكونه لا يتحمل الصبر معها، وذلك أن الواجب على الإنسان أن يحاول إصلاح الوضع قبل كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] اسمع كلام الله ، الصلح خير ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] أي: أن الإنسان قد يكون عند المخاصمة شحيحاً يطلب كل حقه كل ماله، فنقول: لا تكن شحيحاً، الصلح خير، فالإنسان إذا رأى من نفسه أنه كاره زوجته، نقول: أولاً: اصبر ﴿إِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] قال بعض السلف: ربما يرزق منها ولداً صالح. وربما تنقلب الكراهة إلى محبة؛ لأن القلوب بيد الله، وكم من إنسان يبغض شخصاً بغضاً شديداً ثم ينقلب البغض إلى محبة، أو بالعكس، أرأيتم عمرو بن العاص ﵁ قبل أن يسلم كان يبغض النبي ﷺ بغضاً شديداً، حتى كان يود أن لو تمكن منه ليقتله، ولما أسلم كان لا يستطيع أن يرفع طرفه إلى الرسول ﷺ إجلالاً وتعظيماً له، من شدة احترامه إياه ومحبته له. إذاً: اصبر يا أخي! اصبر على الزوجة لا سيما إن كانت أم أولاد، فقد قيل: إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها حينئذٍ طلق، لكن طلق على الوجه المشروع: أولاً: لا تطلقها إلا وهي حامل أو طاهر طهراً لم تجامعها فيه، لقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق:١] ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] إذاً لو أن الإنسان جامع زوجته بعد الحيض، ثم جاء يسأل: هل أطلقها الآن أم ماذا؟ نقول: لا تطلقها إلا أن يتبين حملها فطلقها؛ لأنها حامل، أو تحيض بعد هذا الطهر ثم تطهر فطلقها. كثير من الناس -هدانا الله وإياهم- من حين يغضب على الزوجة يبت الطلاق، حتى لو كان لم يغتسل من الجنابة يطلقها، وهذا لا يجوز إلا إذا كانت حاملاً، الحامل لو طلقها الإنسان من حين الجماع فلا حرج عليه، لكن غير الحامل لا يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه، ولا أن يطلقها وهي حائض. وفي الصحيحين: أن عبد الله بن عمر طلق زوجته وهي حائض، فأخبر عمر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتغيض فيه -أي: أصابه الغضب، لماذا يطلقها لغير العدة- ثم قال لـ عمر: (مره -أي: مر عبد الله - أن يراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تُطلقَ لها النساء) لماذا أُمِرَ الإنسان أن يتأنى في الطلاق حتى يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، ولا يطلقها في الحيض ولا في طهر جامعها فيه؟ أما كونه لا يطلقها في الحيض، فلأنه إذا طلقها في الحيض لم تحسب تلك الحيضة، فيكون في هذا تطويل في العدة على المرأة، ولأنه إذا طلقها وهي حائض فإنه سوف يطلقها وهو بعيد من جماعها، وإذا كان بعيداً من جماعها فإنه ربما لا يقع في قلبه محبة لها، لهذا نهي الإنسان أن يطلقها وهي حائض. أما في طهر جامعها فيه فوجه النهي: أنه إذا جامعها في الطهر فيمكن أن تحمل من هذا الجماع فتكون عدتها عدة حامل، ويمكن ألا تحمل فتكون عدتها عدة من تحيض، فإذا كان لم يجامعها فقد علمنا أن عدتها عدة من تحيض.

стр. 500

صور من التهاون بالطلاق ليعلم أن بعض الناس بدءوا يتهاونون بالطلاق إلى أبعد الحدود من وجهين:

стр. 501

الطلاق بالثلاث بلفظ واحد الوجه الأول: سهل عليهم أن يطلق الرجل زوجته ثلاث تطليقات مرة واحدة، أي: سهل عليهم أن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق بالثلاث، أو أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق، سهل عليهم هذا، وكانوا فيما سبق من الزمن لا يكاد أحد أن يطلق هذا الطلاق، لكن لما رأى الناس الرخصة في أن الرجل إذا طلق هذا الطلاق أمكنه المراجعة، صاروا يتهاونون في هذا الأمر، وكان طلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فكثر ذلك في الناس، فقال عمر: [أرى الناس قد تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم] فأمضاه عليهم، وألزم الإنسان إذا طلق ثلاثاً ألا يراجع زوجته، وهذا من السياسة العمرية، فالمسألة ليست بالهينة. ألم تعلموا أن الإمام أحمد والشافعي ومالكاً وأبا حنيفة وعامة الأمة يقولون: إن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات يكون بائناً لا تحل به المرأة. المسألة ليست هينة، الآن الذين يفتون بأن طلاق الثلاث واحدة قلة جداً في علماء الأمة، أكثر الأمة يرون: أنه لا رجعة لمن طلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو بكلمات متعاقبات، أكثر الأمة على هذا، وألفوا في ذلك التآليف، لكن أقول ذلك لا لأني أرى أن طلاق الثلاث ثلاث، ولكن لأحذر إخواني، وأبين لهم أن الأمر ليس بالهين، لا يتهاونوا لما كان يفتى بأن الثلاث واحدة، أكثر الأمة على أن الثلاث ثلاث، وأن المرأة تبين بذلك، وأنها لا تحل لزوجها إلا بعد زوج.

стр. 502

الحلف بالطلاق المسألة الثانية: الحلف بالطلاق، تهاون الناس به كثيراً، حتى كان بعضهم يقول: إن لم أشرب فنجان الشاي فزوجتي طالق، كيف هذا التلاعب! على أدنى شيء يقول: إن لم أفعل كذا، إن لم تفعلين كذا فأنت طالق، مع أني أقول لكم: إن أكثر العلماء ومنهم الأئمة الأربعة على أن هذا الطلاق طلاق معلق بشرط متى وجد وقع الطلاق، فمثلاً: لو قال لزوجته: إن دخلتِ دار فلان فأنت طالق؛ فدخلت، ماذا يكون عليها؟ أكثر الأمة يرونها تطلق، حتى لو نوى اليمين فهي تطلق، ويرى بعض العلماء أنه إذا قصد بذلك منعها ولم يقصد الفراق فهي يمين تكفر، ومثل ذلك -أيضاً- ما يقع ولا سيما عند البادية، إذا نزل الضيف وأراد صاحب البيت أن يكرمه بذبيحة ضيافة له، قال له: عليَّ الطلاق ما تذبح ذبيحة، فيقول صاحب البيت: عليَّ الطلاق لأذبح ذبيحة، ماذا نعمل الآن؟! إن ذبحنا الذبيحة طلقت امرأة الضيف، وإن لم نذبح طلقت امرأة صاحب البيت، فماذا نصنع؟ أكثر العلماء وأكثر الأمة على أن هذا طلاقاً، تطلق المرأة، فأنا أقول هذا لأجل ألا نتهاون بالطلاق؛ لأن أمره عظيم، وليس بالأمر السهل، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] . ونقتصر على ما قلنا في حول هذا الموضوع لنتفرغ إلى قراءة الأسئلة، ونسأل الله أن يلهمنا الجواب الذي يكون صواباً.

стр. 503

الأسئلة

стр. 504

جواز هدم المسجد إذا كان لا يصلح للصلاة وإن كان وقفاً السؤال فضيلة الشيخ! نحن جماعة مسجد بُني منذ خمس عشرة سنة، من البلك والخشب، وقد خرج إلينا مندوب الأوقاف قبل ثلاث سنين، وقرر أن المسجد لا يصلح للصلاة فيه، فلما أراد جماعة المسجد أن يبحثوا لهم عن فاعل خير يبني لهم المسجد اعترض عليهم معترض وقال: لا يجوز أن تهدموا المسجد وتزيدوا في مساحته؛ لأنه وقف وصاحبه قد مات، فأشكل هذا على بعض جماعة المسجد، فنرجو منكم جزاكم الله خيراً أن تبينوا لنا: هل يجوز لنا أن نهدم هذا المسجد ونبنيه من جديد، علماً بأن ورثة الواقف ليس لديهم القدرة والاستطاعة على بنائه؟ الجواب هذه المساجد لها ناظر منصوب من قبل الدولة، وهم مدراء الأوقاف، فالمرجع في ذلك إلى مدراء الأوقاف، إذا قرروا أن هذا المسجد لا بد أن يهدم فليهدم، وأجر صاحبه الذي أوقفه أولاً على الله ، وقد قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] فهذا الذي بناه الأول بناه على أنه سيبقى، فله ما نوى، وأما أن نحصر الناس في هذا المسجد الذي لا يصلح أن يكون مسجداً؛ لأنه وقَّفه فلان فهذا ليس بوارد، وللجماعة أن يهدموه وأن يبنوه على الوجه الذي يريح الناس، وأن يوسعوه، ولكن لا بد من أخذ إذن الأوقاف في ذلك، أو إذن القائمين على المساجد في هذا.

стр. 505

حق الزوج على زوجته والزوجة على زوجها السؤال فضيلة الشيخ! ما هو حق الزوج على زوجته وعلى أولاده؟ وما حق الزوجة على زوجها؟ الجواب هذا لا يمكن أن نذكره الآن على سبيل التفصيل؛ لأنه يطول بنا الوقت، لكن ذكره الله تعالى في كلمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] . ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] فما جرى به العرف فإنه واجب، وما خرج عن العرف فليس بواجب إلا بشرط، ولهذا تجد الناس تختلف أعرافهم في هذا، مثلاً: في هذه البلاد الزوجة تقوم بكل شئون البيت، من طبخ وتنظيف وغسيل وغير ذلك، وفي بعض الأماكن لا تقوم الزوجة بمثل هذا، فالمرجع في هذا إلى العرف؛ لأن الله قال: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] .

стр. 506

كيفية التخلص من منكرات البيوت السؤال فضيلة الشيخ! أنا شاب عندي أولاد، وأعيش مع أبي وأمي، وأريد أن أربي أبنائي التربية الصحيحة، ولكن يوجد في هذا المنزل منكرات، كجهاز التلفاز وما فيه من منكرات لا تخفى على فضيلتكم، وأيضاً يوجد هذا الجهاز في بيت أهل زوجتي، وأنا محتار في هذا الأمر، وأنا مطيع لأبي وأمي، وكما تعلمون ضرر هذا الجهاز على تربية الأطفال، أرشدني جزاك الله خيراً، ماذا أصنع حيال ذلك وفقك الله؟ الجواب أرى أن تنصح الوالدين وتخوفهما بالله ، فإن حصلت الاستقامة فهذا هو المطلوب، وإن لم تحصل الاستقامة فأنت في حل إذا كنت قادراً أن تخرج في بيت وحدك، حتى لا ينشأ الأولاد على ما ينشئون عليه من المفاسد التي توجد في محطات التلفاز.

стр. 507

ظلم الكفلاء للمكفولين السؤال فضيلة الشيخ! لا يخفاكم وفقكم الله معاناة كثير من العمالة من الوافدة من كفلائهم، وظلم الكفلاء لهم، إما حال وصولهم أو بعد مدة من عملهم، وذلك: بأن يتعاقد الكفيل هو وإياهم في بلادهم على راتب معين، ثم إذا جاءوا غيَّر العقد، أو أنه يسلك معهم مسلك الخيانة، فيبصِّمهم أو يأخذ توقيعاتهم على ورق أبيض، أو على مسيرات سنة أو أكثر، كأنه قد سلمهم رواتبهم وذلك عند وصولهم، وهم لا يعلمون شيئاً، ثم لا يعطيهم حقهم، حتى إذا طالبوه عند مكتب العمل استعمل هذه الأوراق التي أخذها قبل لتكذيب دعواهم، وهكذا يعيش كثير من العمالة مع شدة حالهم وأهليهم هناك، فهل من نصيحة عامة للمسلمين، وبيان حكم الله وحكم نبيه ﷺ في هذا التلاعب؟ الجواب النصيحة لهؤلاء: أن يتقوا الله في هؤلاء العمال الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وجاءوا إلى هذه البلاد لينتفعوا وينفعوا، فهم نافعون للبلد وهم منتفعون أيضاً، ثم ليعلم أنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله تعالى قال: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر -أي: عاهد بالله ثم غدر- ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) فما ظنك إذا كنت يوم القيامة خصماً لله؟!! ثم إن هذا الأجير إنما جاء ليعمل، وإذا ماطلته في حقه ربما لا يصلح العمل، ولا ينصح فيه، ويأخذ عنك وعن البلاد -عموماً- سمعة سيئة، وهذا جناية على نفسك وعلى غيرك، ثم إن المماطلة هل تعني أن يسقط الحق؟ لا. الحق لابد باق، وإذا قُدِّر أن العامل لم يستوفه في الدنيا، فإنه سوف يستوفيه يوم القيامة من صالح العمل. ثم إنك لا تدري فلعلك يوماً من الأيام تكون أنت العامل في بلاد هذا العامل، بمعنى: أن الحاجة تضطرك إلى أن تذهب إلى البلاد لتكون عاملاً تحصل اللقمة كما هو معروف في بلادنا هذه، أولاً كان أهل البلاد يرحلون إلى الشام وإلى العراق وإلى مصر من أجل أن ينالوا لقمة العيش. فنصيحتي لهؤلاء: أن يتقوا الله فيمن ولاهم الله عليهم، وأن يوفوا لهم بالعهد على الوجه الأكمل بقدر المستطاع. كما أني -أيضاً- أنصح العمال: أن يتقوا الله وأن يخلصوا وينصحوا في العمل، حتى يكونوا أدوا ما عليهم كما لهم الحق فيما لهم.

стр. 508

حكم كفارة قتل النفس خطأً السؤال فضيلة الشيخ! رجل حصل له حادث مرور، وتوفي في السيارة المقابلة له أكثر من شخصين، وجاء في تقرير المرور نسبة الخطأ: (٥٠%) لكلا الشخصين، علماً أنه قام بدفع الدية، فهل يصوم شهرين أو أربعة أشهر عن الشخصين؟ الجواب الواجب أن يصوم أربعة أشهر؛ لأن كل نفس لها كفارة مستقلة، لكن له أن يصوم شهرين عن نفس ثم يستريح، ثم يستأنف الصوم عن النفس الأخرى، وأما الدية فالدية حق العباد، ربما يأخذونها وربما يعفون عنها، أما الكفارة فلا بد منها وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فلا شيء عليه.

стр. 509

حكم قول الإمام للمأمومين: صلوا صلاة مودع السؤال فضيلة الشيخ! بعض الأئمة إذا أقيمت الصلاة ينظر في الصف ويقول: صلوا صلاة مودع، فهل ورد عن النبي ﷺ أنه قالها أثناء تسوية الصفوف فيشرع لنا أن نقولها؟ الجواب لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يقول للناس: صلوا صلاة مودع. بل كان يأمرهم أن يستووا وأن يقيموا صفوفهم، ويبين لهم أن تسوية الصف من تمام الصلاة، وأما: صلوا صلاة مودع، فلم ترد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن وردت عن بعض العلماء فيما كتبوه: أنه ينبغي للإنسان أن يتقن صلاته حتى كأنه يصلي صلاة مودع؛ لأن من يصلي صلاة مودع سوف يتقنها، إذ أنه لا يدري هل يعود للصلاة مرة أخرى أو لا يعود، وأما أن يقولها الإمام فهذه من البدع، وننصح الإمام ونقول: لا تقلها بعد هذا اليوم.

стр. 510

واجب الآباء نحو تزويج أبنائهم السؤال فضيلة الشيخ! إن أبي غني، وأنا أريد الزواج، وقال أبي: لن أساعدك بريال واحد حتى تتخرج من الجامعة، وأنا في المستوى الأول، فهل يجوز أن أذهب إلى الجمعية الخيرية، أو آخذ من أهل العلم وأهل المساعدة دراهم مهراً لزواجي؟ الجواب الواجب على الأب أن يزوج أولاده، كل من طلب الزواج يجب أن يزوجه إذا كان قادراً؛ لأن الزواج من أهم ما تَتَطلَّبه الحياة، وإذا كان يجب على الأب أن ينفق على أولاده طعاماً وشراباً وكسوة وسكناً، فالواجب أن ينفق عليهم تزويجاً أيضاً، وإذا لم يفعل فإنه آثم وعاصٍ لله، وإذا تأخر ولو دقيقة واحدة فإن مطل الغني ظلم، ولا يحل له أن يقول لابنه: إذا تخرجت من الجامعة. هو الآن في المستوى الأول ويبقى عليه أربع سنوات، هو يريد أن يكون له بعد أربع سنوات له أربعة أولاد، فهذا خطأ من الأب، وإذا قدر الابن على أن يأخذ شيئاً من مال الأب يتزوج به فله ذلك.

стр. 511

خطر السائقين المنحرفين على المجتمع السؤال فضيلة الشيخ! في هذه الأيام -أعني بداية كل عام دراسي- يتعاقد بعض أولياء الأمور أو بعض المعلمات مع سائقي السيارات لنقل المعلمات أو لنقل البنات من البيت إلى المدرسة، ولكن يلاحظ على هذا أمور: إما أن يكون السائق سفيهاً في مظهره، غير متزوج، نجد أن مظهره مظهر الميوعة، وكذلك نجد أنه لا محرم له، فما نصيحتك في هذه البداية التي نبتدئ بها هذا العام الدراسي وفقك الله؟ الجواب نصيحتي: أنه لا يجوز للإنسان أن يستأجر لمحارمه من بنات وأخوات وزوجات مثل هذا الرجل؛ لأن هذا خطر عليهن، فهو كما وصف السائل: شاب ليس معه زوجه تكون محرماً بينه وبين النساء، ثم إن مظهره مظهر المائع، فلا يجوز أن يستأجر مثل هذا الرجل، وعلى إدارة تعليم البنات في البلد أن تلاحظ مثل هذه الأمور، وأن تمنع من استئجار مثل هذا الرجل؛ لأن حماية العرض أهم من كل شيء، ومثل هذا الرجل يفتتن هو بنفسه ويفتن غيره من النساء، وربما يكون معه أشرطة أغاني غرام وغزل فيثير كوامن النفوس. أكرر أنه يجب على إدارة التعليم في المنطقة أن تلاحظ هذا، وأن تمنع من استئجار مثل هؤلاء. وهنا أيضاً مسألة أخرى: وهي أنه إذا كان الرجل أميناً وموثوقاً فإنه أحياناً يحمل امرأة واحدة إما في ابتداء السير أو في انتهائه، إما في ابتدائه بحيث يأتي للمرأة وتركب معه حتى يصل إلى النساء الأخريات، أو في النهاية يبقى معه امرأة واحدة يوصلها إلى بيتها، وهذا أيضاً حرام لا يجوز، لا يجوز أن يخلو السائق بالمرأة مهما كان في عفته وعقله؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والمسألة خطيرة، وأشد فتنة على الرجال وأضرها هي فتنة النساء.

стр. 512

كيفية صلاة المريض مع الجماعة السؤال فضيلة الشيخ! إذا كان في المسجد رجل كبير في السن، ولا يصل إلى الأرض عند السجود إلا قريباً من رفع الإمام من السجود، مع طمأنينة الإمام والتطويل، فماذا يصنع المأموم الذي هذا حاله: هل يوافق الإمام من حين أن يهوي بالسجود، أم لا فلا يضره تأخره عنه، وكذلك الحال في القيام لا يعتمد قائماً إلا قريباً من فراغ الإمام من الفاتحة، فما هو الأفضل له؟ وهل على الإمام من حرج وهو يحس بذلك المأموم أنه لا يصل إلى الأرض إلا قريباً من قيامه، أم أن على الإمام أن يؤخر الصلاة ويطيلها من أجله، مع أنه ربما بلغ عشر تسبيحات، فما الأفضل في هذه الحالة؟ الجواب الواجب على هذا المأموم الذي لا يستطيع متابعة الإمام لعجزه أو كبره ألا ينتقل من مكانه حتى يصل الإمام إلى الركن الذي يليه، مثلاً: هو قائم الآن سجد الإمام نقول: انتظر حتى يصل الإمام إلى الأرض، في الركوع هو قائم الآن نقول: انتظر حتى يصل الإمام إلى الركوع، ثم إذا رفع الإمام فارفع معه، على حسب الحال. أما بالنسبة للإمام فإنه ينبغي له أن يراعي مثل هؤلاء؛ لأننا إذا كنا مأمورين أن نراعيهم في التخفيف فلنراعيهم -أيضاً- في مثل هذه الحالة إلا إذا كان يشق على المأمومين فإن الواجب اتباع الأكثر.

стр. 513

حكم مضايقة المصلين في الصلاة وتخطي الرقاب السؤال يوجد في مسجدنا رجل كبير في السن يأتي أثناء الصلاة، فيحرك المصلين خلف الإمام حتى يوجد لنفسه فراغاً في مكان اعتاد الجلوس والصلاة فيه، فما نصيحتكم لهذا الرجل؛ لأنه كثيراً ما يشوش على المصلين بهذه الطريقة؟ الجواب أنا أنصح هذا الرجل ألا يفعل هذا الشيء، لا يؤذي المسلمين فيتخلل الصفوف حتى يصل إلى مكانه، فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه رأى رجلاً يتخطى الرقاب فقال له: (اجلس فقد آذيت) ثم نقول لهذا الرجل: إذا كنت تريد المحافظة على مكانك فتقدم إليه، والأمكنة ليست ملكاً لأحد، من جاء أولاً فهو أحق بالمكان، ثم إنه إذا آذى إخوانه المسلمين بتخطي الرقاب، ثم بالتضييق على من يقف معهم في الصف فإنه إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة، فليصل في المكان الذي يجد الناس منتهين إليه، أي: يقوم في الصف حيث انتهى الصف، سواء في الثاني أو في الثالث أو في الرابع هذا هو المشروع في حقه.

стр. 514

كيفية التصرف في مال الوصية السؤال رجل توفيت والدته وعند وفاتها قالت له: أوصي بالثلث وأنت حر في التصرف في هذا الثلث. فقام هذا الابن بتنمية هذا المال إلى أن نما، فجعل يخرج أضحيتها من هذا المال فترة من الزمن، ولكنه بعد مدة جعل يخرج أضحيتها من ماله الخاص تارة، ويتركها مع أضحيته أحياناً، والسؤال: هل ينمي هذا المال فيزيده، أو يجعل هذا المال صدقة جارية لها كأن يضعه في بناء مسجد أو توفير مياه أو نحو ذلك، وجهونا حفظكم الله إلى الطريقة التي إذا جعل هذا المال فيها انتفع بها هذا الميت؟ الجواب أقول للأخ: جزاه الله خيراً على صنيعه وعلى إحسانه في تنمية هذا المال، ولكني أقول له: ضعه من الآن في مسجد؛ لأن تنمية المال صحيح أنه يحصل بها زيادة في المال، لكن يفوتها الأجر الكثير في هذه المدة، والأجر أهم من المال، فالذي أرى أن يجعله في مسجد حتى يكون لهذه المرأة ثوابه من الآن.

стр. 515

معنى قوله تعالى: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع) السؤال ذكرتم قول الله : ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] فهل معنى هذا: أن يهجرها بعيداً عن الفراش، أم يهجرها على الفراش فينام معها ولكنه لا يتحدث معها ويهجرها في الجماع، أرجو التوضيح؟ الجواب الآية عامة، تشمل ما إذا نام معها في الفراش ولكنه لم يحدثها ولم يستمتع بها، أو إذا نام في مكانٍ آخر، وقد ذكرنا هذا الأخير وقلنا: ينام في مكان آخر في غرفة أخرى في خارج البيت، المهم يرى ما هو الأقرب إلى إصلاحها.

стр. 516

حكم استخدام ألفاظ الكناية في الطلاق السؤال رجل قال لامرأته عندما طلبت منه المبيت عند أهلها: إنها إن لم تعد ضحى الغد فلا تعد، فما عليه أفتونا مأجورين؟ الجواب ليس عليه شيء، لكننا ننصحه ألا يتكلم بمثل هذا الكلام؛ لأنه يؤثر في قلبها، أما الطلاق فلا يقع عليه الطلاق بهذه الصيغة؛ لأنه لم يطلقها، قال: لا تعد، ويحتمل أنه أراد بقوله: لا تعد، أي: أن تبقى عند أهلها تأديباً، والحبل بيده إن شاء طلق فيما بعد، وإن شاء لم يطلق.

стр. 517

حكم الابتعاد عن الأهل لفترة طويلة السؤال فضيلة الشيخ! أنا غريب عن هذه البلدة، وكنت أجلس فترة طويلة في المملكة بعيداً عن زوجتي، ومارست العادة السرية مرة تلو الأخرى، وأحلف ألا أعود لعدة مرات، ثم حلفت مرة بالطلاق ولكني قد فعلت مرة أخرى، فما الحكم والحالة هذه، وما نصيحتك لي ولأمثالي وفقك الله؟ الجواب نصيحتي لك ولأمثالك: أن تصبر وتحتسب، فقد قال النبي ﷺ : (ومن يستعفف يعفه الله) وعليك بالصوم فإنه يقلل الشهوة، ثم حاول أن تضم زوجتك إليك باستقدامها إذا كانت في بلاد غير البلاد التي أنت فيها، أو أن تذهب أنت إليها؛ لأن في ذلك مصلحتين: مصلحة لك، ومصلحة لها، حتى هي أيضاً ربما تكون كحالك متعبة، تحتاج إلى زوج، فهذا هو الذي أنصح به.

стр. 518

العداوة أسبابها وعاقبتها السؤال فضيلة الشيخ! ساهمت في إنكار منكر وترتب عليه عداوة من الأطراف الأخرى فقط، وهجروني لي، وأنا لا أُكن لهم أي قدر من العداوة، على الرغم من الإهانات التي تلقيتها منهم، والسؤال يا فضيلة الشيخ: هل أدخل ضمن من يقول الله عنهم: (أمهلوا عبدي حتى يصطلحا) وذلك عند رفع الأعمال؟ الجواب لا تدخل في هذا؛ لأن عداوتهم إياك إثمها عليهم، إذ أنك لم تفعل ما يقتضي العداوة، بل فعلت ما يقتضي الولاية والمحبة لو كانوا عاقلين؛ لأن كل إنسان يأمرك بمعروف أو ينهاك عن منكر فقد أسدى إليك خيراً، فبدلاً من أن تهجره وتبغضه أكرمه واشكره على هذا، فأنت ليس عليك شيء، أما هم فعليهم الإثم؛ لأنهم أبغضوك؛ لأنك قمت بأمر الله .

стр. 519

حكم قول القائل: بذمتك السؤال نسمع الكثير من الناس خاصة كبار السن، ولربما سرى ذلك إلى بعض الشباب أنهم يقولون: بذمتك، أو أحلف عليك بذمتك، فهل هذا حلف بغير الله؟ وما معنى ذلك؟ وهل إذا قيل للإنسان: بذمتك ثم لم يفعل الشيء فهل عليه من حرج؟ الجواب هذه الصيغة مشهورة عند العامة، يقول: بذمتي، بذمتك أن تفعل كذا؟ يقول: نعم بذمتي. والمراد بالذمة هنا: العهد وليس المراد بذلك اليمين، لكن كأنه يقول: أنا أكلمك بالعهد والمعاهدة، ولهذا لو فرض أنه حنث في ذلك فليس عليه كفارة يمين؛ لأن هذا ليس بيمين.

стр. 520

كيفية صفة صلاة النبي ﵊ السؤال فضيلة الشيخ! نفع الله بعلمك، هل لنا أن نطلب منك دون أن نشق عليك تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ بدون خلاف وبدون ذكر أقوال؛ وذلك لتكون لعامة المسلمين من رجال ونساء؛ لأن البعض يجهل صفة الصلاة، مع أن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولذلك نرى على الكثير ملحوظات ومخالفات وفقك الله لنفع عباده؟ الجواب الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين, ويجب على المرء أن يعتني بها عناية كاملة؛ لأنها عمود الإسلام، لقول النبي ﷺ : (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة) وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أصحابه صفة الصلاة إما بالقول وإما بالفعل، أما بالقول، كقوله للرجل الذي صلى بلا طمأنينة: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر) إلى آخر الحديث. وإما الفعل فقد كان الوافدون إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلون معه ثم يقول لهم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . فالإنسان يتطهر من الحدث الأكبر والأصغر والنجاسة، ثم يستقبل القبلة فيكبر رافعاً يديه إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه مع التكبير أو بعده أو قبله، كل ذلك جائز، ثم يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره، ثم يستفتح فيقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد. أو يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ الفاتحة ويقدم عليها البسملة، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٢-٧] يقف على كل آية كما وقفت الآن على كل آية، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، وتكون القراءة في الفجر قراءة طويلة من طوال المفصل، وفي المغرب قراءة قصيرة من قصار المفصل، ولا بأس أن يقرأ قراءة طويلة في صلاة المغرب أحياناً كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الظهر والعصر والعشاء فيقرأ قراءة وسطاً بين هذا وهذا، ثم يرفع يديه مكبراً راكعاً ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويكون مستوياً ويكون رأسه حيال ظهره، ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات أو أكثر، ويقول كذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ويقول أيضاً: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. ثم يرفع رأسه ويديه كما رفعهما عند الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده، إلا المأموم فيقول بدلها: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. ثم يخر ساجداً مكبراً ويقدم ركبتيه ثم كفيه ثم جبهته وأنفه، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً أو أكثر كما أحب ويقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ويقول أيضاً: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. ثم يدعو بما شاء، ويكثر من الدعاء في السجود؛ لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك حيث قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وفي حال السجود لا يرفع يديه، ثم يرفع من السجود ويجلس بين السجدتين مفترشاً رجله اليسرى ناصباً رجله اليمنى، وأعني بالرجل هنا القدم لا الساق والفخذ، ينصب القدم ويجلس على اليسرى ويقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، وارحمني وعافني واهدني واجبرني ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى. ثم ينهض إلى الركعة الثانية ويفعل فيها كما فعل في الركعة الأولى إلا الاستفتاح فلا يستفتح، والتعوذ فيه خلاف، بعض العلماء يقول: كلما قام إلى ركعة تعوذ وبعضهم يقول: يكفي التعوذ الأول في الركعة الأولى، ثم إذا صلى ركعتين جلس للتشهد، فإن كانت الصلاة ثنائية أكمل التشهد كله، وإن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية فإذا تشهد التشهد الأول قام وأتى بالباقي من صلاته لكنه يقتصر فيها على الفاتحة، أما التشهد فالأول ينتهي عند قوله: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وأما الأخير فإنه لا نهاية له؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر التشهد قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) فلو بقيت أكثر من نصف ساعة أو ساعة وأنت جالس في التشهد تدعو الله فلا حرج، إلا الإمام فإنه لا يطيل على المأمومين، ثم تسلم عن يمينك: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يسارك: السلام عليكم ورحمة الله. هذا ملخص ما نعلمه من صفة الصلاة الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 521

حكم دفع الرشوة لاستنقاذ الحقوق والمظالم السؤال فضيلة الشيخ! في بعض البلدان أحياناً لا يستطيع الإنسان قضاء مصلحة من مصالحه إلا بدفع مبلغ إلى موظفي هذه المصالح، وهذا الأمر شائع ومعروف أنه لا تقضى لك المصلحة إلا إذا دفعت مبلغاً إلى فلان، فهل هذا يعتبر رشوة وأنت تريد أن تكمل مصلحتك، أرجو التوضيح بإسهاب؛ لأن هذا الأمر يقع فيه غالبية أهل البلاد جزاكم الله خيراً؟ الجواب يقول أهل العلم: إن الإنسان إذا بذل مالاً لاستنقاذ حقه فليس برشوة، لكن الإثم على الآخذ، فإذا كان هؤلاء الموظفون لا يمكن أن يقضوا حاجتك التي يلزمهم أن يقضوها إلا برشوة فأعطهم والإثم عليهم، إلا إذا كان من الممكن أن يرفع أمرهم إلى ولاة الأمور حتى يؤدبوهم فحينئذٍ لا تعطي وارفع أمرهم، لكن الغالب في البلاد التي يشير إليها السائل أن هذا غير ممكن، وعليه فلا بد للإنسان أن يستخلص حقه بأي وسيلة، فإذا أعطاهم شيئاً ليمضوا معاملته فلا حرج عليه، والإثم على الآخذ، هكذا قال العلماء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 522

اللقاء الشهري [٢٢] كان الرسول ﵊ إذا أراد أن يقول شيئاً أو يلقي خطاباً يبتدئ كلامه بخطبة الحاجة، وكذلك كانت سنة خلفائه من بعده رضوان الله عليهم، وهذه الخطبة مع أنها صغيرة في الألفاظ لكنها احتوت على معانٍ كثيرة؛ لذلك كان هذا اللقاء عن معاني خطبة الحاجة.

стр. 523

معاني خطبة الحاجة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن مقدمة لقائنا هذا الشهر -شهر جمادى الأولى- أن نتكلم عن معاني هذه الخطبة التي تسمى: (خطبة الحاجة) والتي علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه أن يبتدئوا بها كل أمر ذي اهتمام.

стр. 524

معنى الحمد قوله: (الحمد) : وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً وإجلالاً، فإذا وصفت ربك بالكمال فهذا هو الحمد، لكن لا بد أن يكون مصحوباً بالمحبة والتعظيم والإجلال؛ لأنه إن لم يكن مصحوباً بذلك سمي مدحاً لا حمداً، ومن ثمَّ نجد بعض الشعراء يمدحون بعض الأمراء مدحاً عظيماً بالغاً، لكنك لو فتشت عن قلبه لوجدت أنه خالٍ من محبة هذا الأمير، ولكنه يمدحه إما لرجاء منفعة أو لدفع مضرة. أما حمدنا لله فإنه حمد محبة وتعظيم وإجلال، إذ أن محبة الله تعالى فوق كل محبة، ومحبة رسول الله ﷺ فوق محبة كل مخلوق، ولهذا يجب علينا أن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما، ويجب علينا أن تكون محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوق محبة أنفسنا وأهلينا ووالدينا وأولادنا؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أعظم الناس حقاً علينا، به هدانا الله، وبه أرشدنا، وبه دلنا على كل خير، وبه بين لنا كل شر، وبه نقتدي على منهاج ربنا الموصل إلى دار كرامته ورضوانه، فلهذا من لم يكن قلبه مملوءاً من محبة الله ورسوله ومن لم يكن مقدماً لمحبة الله ورسوله على من سواهما فليعلم أن في قلبه مرضاً، وليحرص على أن يصحح هذا المرض، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) . إذاً الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم والإجلال، هذا هو الحمد، إذا كررت هذا الوصف سمي ثناءً، وعليه فالثناء تكرار وصف المحمود بالكمال، ويدل على هذا الفرق ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي) تصور يا أخي! يناجيك الله وأنت في صلاتك، يسمعك من فوق سبع سماوات، ويرد عليك، (إذا قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قلت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي) والتمجيد: التعظيم، فهل نشعر ونحن نصلي بهذا؟!! الشكوى لله ، أكثرنا وأكثر أوقاتنا أننا لا نشعر بهذا، نقرأ الفاتحة على أنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها، لكننا لا نشعر بهذه المعاني العظيمة أننا نناجي الله سبحانه تعالى، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] يقول الله من فوق سماواته: حمدني عبدي!! من يشعر بهذا يجد لذة عظيمة للصلاة، ويجد أن قلبه استنار بها، وأنه خرج منها بقلب غير القلب الذي دخل فيها به. قوله: (الحمد لله نحمده) جملة: (نحمده) جملة فعلية، (والحمد لله) جملة اسمية، فجاءت الجملة الفعلية بعد الجملة الاسمية لتأكيد تكرار الحمد، كأننا مستمرون بحمد الله .

стр. 525

معنى (ونستعينه) قوله: (ونستعينه) أي: نطلب منه العون، على أي شيء؟ على كل شيء، وأول وأولى ما يدخل في ذلك ما نحن فيه، تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] على كل شيء، ومنها: أن نستعينك على أداء الصلاة على الوجه الذي يرضيك عنا، وعندما تتكلم بهذه الخطبة فإنك تستعين الله تعالى على هذه الخطبة التي ستقولها وتسأله العون، وفي الحديث: (ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله) استعن بالله في كل شيء، إذا أردت أن تُقضى حاجتك فاستعن بالله في كل شيء، لا تحقرن شيئاً، حتى عند الوضوء عند الخروج إلى المسجد عند أي عمل اجعل قرينك الاستعانة بالله .

стр. 526

معنى (ونستغفره) قوله: (نستغفره) أي: نسأله المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب مع التجاوز عنه. هذه المغفرة، أن يستر الله عن عباده ذنبك وأن يعفو عنك هذا الذنب، ومعلوم أن الإنسان له ذنوب بينه وبين الله، ذنوب خفية في القلب، وذنوب خفية في الجوارح، لكن لا يعلم بها الناس، أرأيتم لو أن الله كشفها لكانت محنة، ولكن بحمد الله أنه سترها عن العباد، فأنت تسأل الله أن يغفر لك، أي: أن يستر عليك الذنوب وأن يتجاوز عنك، فانتبه لهذا المعنى، أنت عندما تقول: أستغفر الله. تسأل الله شيئين هما: الأول: ستر الذنب، والثاني: التجاوز عنه بحيث لا يعاقبك الله عليه، ولهذا إذا كان يوم القيامة فإن الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويقول: (فعلت كذا فعلت كذا حتى يقر، ثم يقول الله : قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) اللهم اغفر لنا. نجد أن في كتب العلماء الذين يبدءون بهذه الخطبة (نستغفره ونتوب إليه) ولكن بعد التحري لم نجد في الحديث: (ونتوب إليه) بل (نستغفره) وبعدها (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) .

стр. 527

معنى (نعوذ بالله من شرور أنفسنا) قوله: (نعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: نعتصم بالله من شرور أنفسنا، وسؤالنا الآن: هل في النفس شر؟ الجواب نعم. في النفس شر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] والنفوس ثلاث: نفس شريرة: وهي الأمارة بالسوء، ونفس خيرة: وهي المطمئنة تأمر بالخير، ونفس لوامة، وكلها مذكورة في القرآن: النفس الشريرة التي تأمر بالسوء مذكورة في سورة يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] . والنفس المطمئنة الخيرة التي تأمر بالخير مذكورة في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٨-٣٠] . النفس اللوامة مذكورة في سورة القيامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١-٢] ، فهل النفس اللوامة غير النفسين: الخيرة والسيئة، أو هي النفسان؟ من العلماء من يقول: إنها نفس ثالثة، ومنهم من يقول: بل هي وصف للنفسين السابقتين. فمثلاً: النفس الخيرة تلومك متى؟ إذا عملت سوءاً أو فرطت في واجب تلومك. النفس الشريرة تلومك متى؟ إذا فعلت خيراً، أو تجنبت محرماً، لامتك: كيف تحجر على نفسك؟ لماذا لم تتحرر؟ لماذا لا تفعل كل ما تريد؟ تقولها النفس الأمارة بالسوء. أما النفس الخيرة فتلومك عند فعل الشر وترك الخير، والنفس الأمارة بالعكس. وأياً كان الأمر سواء كانت نفساً ثالثة، أو هي وصف للنفسين: الأمارة بالسوء والمطمئنة، فإن للنفس الشريرة علامة، ما علامتها؟ علامتها: أنها تأمرك بالشر تأمرك بالكذب بالغيبة بالغش بالسرقة بالزنا بشرب الخمر، أي نفس هذه؟ الشريرة التي تأمر بالسوء. النفس الخيرة بالعكس، تأمرك: بالخير بالصلاة بالذكر بقراءة القرآن بالصدقة بغير ذلك مما يقربك إلى الله، ونحن كلنا نجد في نفوسنا مصارعة بين هاتين النفسين، والموفق من عصمه الله ووقاه شر نفسه، ولهذا نحن نقول: (نعوذ بالله من شرور أنفسنا) فأنفسنا فيها شر، إذا لم يعصمك الله من شر نفسك هلكت ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] .

стр. 528

معنى (ومن سيئات أعمالنا) قوله: (ومن سيئات أعمالنا) الأعمال السيئة لها آثار سيئة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] والسيئة تجلب السيئة، وتقود الإنسان إلى السيئة الأخرى قهراً، ولهذا قال العلماء ﵏: إن المعاصي بريد الكفر. أي: إذا هانت المعاصي في نفسك هانت الصغيرة ثم هانت الكبيرة ثم هون الكفر في نفسك، فكفرت والعياذ بالله، ولهذا يجب على الإنسان من حين أن يشعر بالمعصية أن يستغفر الله منها، وأن يلجأ إلى الله بالإنابة والتوبة حتى تمحى آثارها، وحتى لا يختم على القلب، وحتى لا يصل الإنسان إلى هذه الدرجة ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] . نسأل الله أن يصلح لنا ولكم العلانية والسريرة، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

стр. 529

الأسئلة

стр. 530

مشروعية الإتيان بخطبة الحاجة في كل أمرٍ مهم السؤال فضيلة الشيخ: ذكرتم خطبة الحاجة، ونحن نسمع أن الذين يعقدون النكاح للناس يبدءون بها، فهل ورد عن النبي ﷺ أنها تقرأ عند عقد النكاح؟ وما السر في هذا؟ الجواب لا شك أن من أعظم الحوائج حاجة النكاح، فإن حاجة الإنسان إلى النكاح قد تكون مثل حاجته إلى الطعام والشراب، ولهذا يجب على الإنسان إذا كان له أولاد يحتاجون للنكاح وهو غني يجب أن يزوجهم، كما يجب أن يقيتهم بالطعام والشراب واللباس والمسكن يجب أن يزوجهم، فإن لم يفعل وقدروا على أخذ شيء من ماله ولو خفية ليتزوجوا به فلهم ذلك، كما أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ هند بنت عتبة حين شكت إليه زوجها الذي لا يعطيها ما يكفيها وولدها، قال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فإذا كان النكاح من أعظم حوائج الإنسان فإنه يسن أن تتقدم هذه الخطبة عند عقد النكاح، ولكن ليست شرطاً، فلو أن رجلاً أراد أن يزوج ابنته وأتى بشاهدين، وقال للخاطب: زوجتك بنتي فلانة قال: قبلت بدون خطبة، أيجوز هذا أم لا؟ يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زوج الرجل الذي طلب منه أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدون أن تتقدم الخطبة. أتعرفون قصة الواهبة؟ امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: (يا رسول الله! وهبت نفسي لك -هبة مجاناً- فصعَّد فيها النظر وصوَّب ولكنه لم يردها، إلا أنه لحسن خلقه لم يقل: لا أريدك، سكت، فقام رجل من الناس قال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها -وهذا من كمال الأدب في الصحابة، لم يقل مباشرة: زوجنيها قال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها- قال: ما تصدقها؟) المرأة لا تحل إلا بصداق لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] قال: (ما تصدقها؟ قال: يا رسول الله! أصدقها إزاري -ليس عنده إلا إزار، ما عنده رداء- قال: إزارك إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بدون صداق -لا يصلح- التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب الرجل فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم معي سورة كذا وكذا، قال: زوجتكها بما معك من القرآن) أي: فعلمها ما معك من القرآن، فتزوجها الرجل. إذاً الخطبة التي سمعتم تقال عند عقد النكاح على وجه الاستحباب، فلو لم تخطب وقال: زوجتك ابنتي قال: قبلت. انتهى وصح العقد. السؤال: ما هي المناسبات التي تقال فيها خطبة الحاجة في غير النكاح؟ الجواب: كل حاجة، فمثلاً: لو أردت أن تصلح بين رجلين، هذه حاجة عظيمة، إذا جلست تصلح اقرأ هذه الخطبة، أو أردت أن تصلح بين زوجين كذلك اقرأ هذه الخطبة، تريد أن تتكلم بأمر هام للناس تقول هذه الخطبة، تريد أن تخطب يوم الجمعة تقول هذه الخطبة؛ لأنها مشروعة في كل أمر هام.
следующие страницы →