Полный текст (2 259 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
معنى (ونستغفره)
قوله: (نستغفره) أي: نسأله المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب مع التجاوز عنه.
هذه المغفرة، أن يستر الله عن عباده ذنبك وأن يعفو عنك هذا الذنب، ومعلوم أن الإنسان له ذنوب بينه وبين الله، ذنوب خفية في القلب، وذنوب خفية في الجوارح، لكن لا يعلم بها الناس، أرأيتم لو أن الله كشفها لكانت محنة، ولكن بحمد الله أنه سترها عن العباد، فأنت تسأل الله أن يغفر لك، أي: أن يستر عليك الذنوب وأن يتجاوز عنك، فانتبه لهذا المعنى، أنت عندما تقول: أستغفر الله.
تسأل الله شيئين هما: الأول: ستر الذنب، والثاني: التجاوز عنه بحيث لا يعاقبك الله عليه، ولهذا إذا كان يوم القيامة فإن الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويقول: (فعلت كذا فعلت كذا حتى يقر، ثم يقول الله : قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) اللهم اغفر لنا.
نجد أن في كتب العلماء الذين يبدءون بهذه الخطبة (نستغفره ونتوب إليه) ولكن بعد التحري لم نجد في الحديث: (ونتوب إليه) بل (نستغفره) وبعدها (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) .
стр. 527
معنى (نعوذ بالله من شرور أنفسنا)
قوله: (نعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: نعتصم بالله من شرور أنفسنا، وسؤالنا الآن: هل في النفس شر؟
الجواب
نعم.
في النفس شر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] والنفوس ثلاث: نفس شريرة: وهي الأمارة بالسوء، ونفس خيرة: وهي المطمئنة تأمر بالخير، ونفس لوامة، وكلها مذكورة في القرآن: النفس الشريرة التي تأمر بالسوء مذكورة في سورة يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] .
والنفس المطمئنة الخيرة التي تأمر بالخير مذكورة في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٨-٣٠] .
النفس اللوامة مذكورة في سورة القيامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١-٢] ، فهل النفس اللوامة غير النفسين: الخيرة والسيئة، أو هي النفسان؟ من العلماء من يقول: إنها نفس ثالثة، ومنهم من يقول: بل هي وصف للنفسين السابقتين.
فمثلاً: النفس الخيرة تلومك متى؟ إذا عملت سوءاً أو فرطت في واجب تلومك.
النفس الشريرة تلومك متى؟ إذا فعلت خيراً، أو تجنبت محرماً، لامتك: كيف تحجر على نفسك؟ لماذا لم تتحرر؟ لماذا لا تفعل كل ما تريد؟ تقولها النفس الأمارة بالسوء.
أما النفس الخيرة فتلومك عند فعل الشر وترك الخير، والنفس الأمارة بالعكس.
وأياً كان الأمر سواء كانت نفساً ثالثة، أو هي وصف للنفسين: الأمارة بالسوء والمطمئنة، فإن للنفس الشريرة علامة، ما علامتها؟ علامتها: أنها تأمرك بالشر تأمرك بالكذب بالغيبة بالغش بالسرقة بالزنا بشرب الخمر، أي نفس هذه؟ الشريرة التي تأمر بالسوء.
النفس الخيرة بالعكس، تأمرك: بالخير بالصلاة بالذكر بقراءة القرآن بالصدقة بغير ذلك مما يقربك إلى الله، ونحن كلنا نجد في نفوسنا مصارعة بين هاتين النفسين، والموفق من عصمه الله ووقاه شر نفسه، ولهذا نحن نقول: (نعوذ بالله من شرور أنفسنا) فأنفسنا فيها شر، إذا لم يعصمك الله من شر نفسك هلكت ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] .
стр. 528
معنى (ومن سيئات أعمالنا)
قوله: (ومن سيئات أعمالنا) الأعمال السيئة لها آثار سيئة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] والسيئة تجلب السيئة، وتقود الإنسان إلى السيئة الأخرى قهراً، ولهذا قال العلماء ﵏: إن المعاصي بريد الكفر.
أي: إذا هانت المعاصي في نفسك هانت الصغيرة ثم هانت الكبيرة ثم هون الكفر في نفسك، فكفرت والعياذ بالله، ولهذا يجب على الإنسان من حين أن يشعر بالمعصية أن يستغفر الله منها، وأن يلجأ إلى الله بالإنابة والتوبة حتى تمحى آثارها، وحتى لا يختم على القلب، وحتى لا يصل الإنسان إلى هذه الدرجة ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] .
نسأل الله أن يصلح لنا ولكم العلانية والسريرة، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
стр. 529
الأسئلة
стр. 530
مشروعية الإتيان بخطبة الحاجة في كل أمرٍ مهم
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكرتم خطبة الحاجة، ونحن نسمع أن الذين يعقدون النكاح للناس يبدءون بها، فهل ورد عن النبي ﷺ أنها تقرأ عند عقد النكاح؟ وما السر في هذا؟
الجواب
لا شك أن من أعظم الحوائج حاجة النكاح، فإن حاجة الإنسان إلى النكاح قد تكون مثل حاجته إلى الطعام والشراب، ولهذا يجب على الإنسان إذا كان له أولاد يحتاجون للنكاح وهو غني يجب أن يزوجهم، كما يجب أن يقيتهم بالطعام والشراب واللباس والمسكن يجب أن يزوجهم، فإن لم يفعل وقدروا على أخذ شيء من ماله ولو خفية ليتزوجوا به فلهم ذلك، كما أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ هند بنت عتبة حين شكت إليه زوجها الذي لا يعطيها ما يكفيها وولدها، قال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فإذا كان النكاح من أعظم حوائج الإنسان فإنه يسن أن تتقدم هذه الخطبة عند عقد النكاح، ولكن ليست شرطاً، فلو أن رجلاً أراد أن يزوج ابنته وأتى بشاهدين، وقال للخاطب: زوجتك بنتي فلانة قال: قبلت بدون خطبة، أيجوز هذا أم لا؟ يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زوج الرجل الذي طلب منه أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدون أن تتقدم الخطبة.
أتعرفون قصة الواهبة؟ امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: (يا رسول الله! وهبت نفسي لك -هبة مجاناً- فصعَّد فيها النظر وصوَّب ولكنه لم يردها، إلا أنه لحسن خلقه لم يقل: لا أريدك، سكت، فقام رجل من الناس قال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها -وهذا من كمال الأدب في الصحابة، لم يقل مباشرة: زوجنيها قال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها- قال: ما تصدقها؟) المرأة لا تحل إلا بصداق لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] قال: (ما تصدقها؟ قال: يا رسول الله! أصدقها إزاري -ليس عنده إلا إزار، ما عنده رداء- قال: إزارك إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بدون صداق -لا يصلح- التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب الرجل فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم معي سورة كذا وكذا، قال: زوجتكها بما معك من القرآن) أي: فعلمها ما معك من القرآن، فتزوجها الرجل.
إذاً الخطبة التي سمعتم تقال عند عقد النكاح على وجه الاستحباب، فلو لم تخطب وقال: زوجتك ابنتي قال: قبلت.
انتهى وصح العقد.
السؤال: ما هي المناسبات التي تقال فيها خطبة الحاجة في غير النكاح؟ الجواب: كل حاجة، فمثلاً: لو أردت أن تصلح بين رجلين، هذه حاجة عظيمة، إذا جلست تصلح اقرأ هذه الخطبة، أو أردت أن تصلح بين زوجين كذلك اقرأ هذه الخطبة، تريد أن تتكلم بأمر هام للناس تقول هذه الخطبة، تريد أن تخطب يوم الجمعة تقول هذه الخطبة؛ لأنها مشروعة في كل أمر هام.
стр. 531
حكم الابتداء بخطبة الحاجة في خطبة الجمعة
السؤال
هل يسن للخطيب أن يكثر من خطبة الحاجة في افتتاح خطب يوم الجمعة أم ينوع؟
الجواب
الأصل أن خطبة الحاجة هي الأفضل، لكن لا حرج أن ينوع؛ لئلا يظن الناس أن هذه الخطبة -أعني: خطبة الحاجة- أمر واجب، ولأنه ربما يمل الناس إذا صار يكرر هذه الخطبة كل جمعة.
стр. 532
حكم إضافة كلمة (ونستهديه) في خطبة الحاجة
السؤال
هل ورد في خطبة الحاجة (ونستهديه) حيث أننا نسمع بعض الناس يقولها، وما صحة الحديث الذي جاء فيه: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ؟
الجواب
أما الفقرة الأولى وهي: (ونستهديه) فلم ترد في هذه الخطبة، لكن بعض الناس يتصرف فيها يقول: (ونستهديه) ويقول: (من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) ويعدل عن قوله: (ومن يضلل فلا هادي له) وهذا تصرف من بعض الناس، والأمر في هذا فيما أظن واسع.
وأما حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) فهو حديث ضعيف، لكن بعض أهل العلم حسنه، وهو في الحقيقة من حيث المعنى صحيح؛ لأن هوى الإنسان إذا لم يكن تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإيمانه ناقص بلا شك.
стр. 533
تعاريف خاطئة في معنى الحمد
السؤال
فضيلة الشيخ! ذكرتم في تفسير (الحمد) الوارد في الخطبة تعريفاً، فهل يمكن أن نقول بأن تعريف الحمد: هو الثناء على الجميل بالجميل؟
الجواب
لا.
هذا غير صحيح، الثناء على الجميل بالجميل قد يكون قريباً من معنى الشكر، أي: تثني على الجميل بجميله الذي فعل لا بجماله، فهذا التعريف غير صحيح، ثم إننا أيدنا ما ذكرناه بأن الحمد ليس هو الثناء، بل الثناء هو تكرار الحمد، أيدناه بالحديث الصحيح الذي ذكرناه أثناء كلامنا على هذا.
стр. 534
حكم نسبة الشر إلى الله تعالى
السؤال
فضيلة الشيخ! ورد في الحديث قوله ﵊ فيما معناه: كل يجازى بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فوصف النبي ﷺ أهل الشر بأنهم سيجازون بالشر، فهل يسمى عذابهم شراً، أو هو -أي: العذاب- شر عليهم بهذا المعنى فينسب الشر إلى الله، وهل هذا جائز أم باطل، نرجو الإجابة على هذا الإشكال؟
الجواب
أولاً: أنا أريد من السائل ألا يردد المعنى: هل كذا هل كذا هل كذا؟ كأنه يريد أن يقول: أنا أعرف كذا وأعرف كذا وأعرف كذا، يسأل يقول: ما المراد بالشر؟ أو أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا أعرف عنه هل هو صحيح أم لا؟ الثاني: أن قول القائل: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] أي: يرى الشر، ومجازاة صاحب الشر بالشر أي: أنه يجازى بمثل ما عمل، ومجازاته بمثل ما عمل وإن كانت شراً بالنسبة له هي بالنسبة لله خير؛ لأنها عدل، والعدل كله خير، ولعل هذا السؤال يأخذنا إلى سؤال آخر أهم منه وهو: أننا نؤمن بالقدر خيره وشره، فهل في القدر شر؟ نقول: أما القدر الذي هو تقدير الله فليس فيه شر، بل كله خير، وأما القدر بمعنى المقدور الذي يقدره الله فهذا منه خير ومنه شر.
نقول: أما القدر الذي هو فعل الله فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، حتى وإن كان شراً بالنسبة للناس فهو حكمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] الفساد خير أم شر؟ شر، لكن الله قدره لمصلحة عظيمة: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] فقدر الله الذي هو تقديره ليس فيه شر، والمقدور الذي هو المخلوق هذا فيه خير وشر.
فمثلاً: الإبل ينتفع الناس بها ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧١-٧٣] الذئاب ينتفع الناس بها كما ينتفعون بالإبل؟ لا.
بل يجدون منها الشر، تأكل الغنم، وربما تأكل الصبيان، ففيها شر، لكن هذا الشر بالنسبة لفعل الله ليس شراً؛ لأن الله أوجد هذا الحيوان المفترس حتى يعرف الإنسان قدر نفسه، ويعرف أن الله تعالى له الحكمة في خلق النافع وخلق الضار، ويحرص على أن يتحصن بالأذكار التي وردت محصنة لقائلها، فتجد الآن أن في خلق الذئاب وأشباهها حكمة عظيمة، وإن كانت في نفسها شراً؛ فالشر في المفعول لا في الفعل بالنسبة لله .
стр. 535
اليهود ناقضو العهود على مر التاريخ
السؤال
فضيلة الشيخ! في جمادى الأولى في زمن النبي ﷺ أجلى النبي ﷺ إحدى طوائف اليهود من المدينة، حتى تتابعت طوائف اليهود كلها في نقض العهد مع النبي ﷺ ، فهل من تعليق على هذه الأحداث؟ وهل هم الذين قال الله عنهم: ﴿َكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] فهل لليهود عهد على مر التاريخ؟
الجواب
نعم.
اليهود لهم عهود مع نبيهم موسى ﵊ ومن بعده، ومع آخر الرسل وأفضلهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاهدوه ولكنهم نقضوا العهد، وهم ثلاث قبائل حين قدم النبي ﷺ المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وآخرهم بنو قريظة، نقضوا العهد حين واطئوا الأحزاب الذين جاءوا لحرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة، ولما نقضوا العهد وعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غزوة الأحزاب أتاه جبريل وقال: (اخرج إلى هؤلاء -أي: إلى بني قريظة- الذين نقضوا العهد) ، فخرج إليهم وحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، وكان سعد بن معاذ سيد الأوس -القبيلة الثانية من الأنصار- وكان حليفاً لبني قريظة، فقالوا: ننزل على حكمه ظناً منهم أنه سيفعل كما فعل عبد الله بن أبي المنافق الذي خان العهد، لما نزلت بنو النضير على حكمه.
خرج سعد بن معاذ ﵁ من مقره في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن سعد بن معاذ أصيب يوم الأحزاب بسهم في أكحله، وقال: [اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة] وهم حلفاؤه، فلم يمت حتى أقر الله عينه بهم، لما حاصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بني قريظة رضوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجاء من المسجد من الخيمة التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ضربها له، فلما وصل إلى الرسول ﵊ ومعه أصحابه، ومعه كبراء بني قريظة، أخبره النبي ﵊ أنهم حكموه، فقال ﵁: [حكمي نافذ عليهم وعلى هؤلاء ويشير إلى الرسول ﵊؟ قالوا: نعم.
فقال: أحكم بأن تقتل مقاتلتهم -أي: الرجال- وتسبى ذراريهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم] وكان اليهود يتوقعون خلاف ذلك، كانوا يتوقعون أن يتوسط لهم ويسلمون من القتل، فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات) ونفذ الحكم، وقتل في يوم واحد أكثر من ستمائة رجل من اليهود في المدينة.
فالمهم أن اليهود أصحاب غدر وأصحاب خيانة، ولا يوثق بعهودهم مهما أكدوها، وهم أذلة: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢] ثم قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢] ولم يستثنِ؛ لأنهم دائماً فقراء قلوب، ولهذا كانوا أشد الناس جشعاً وطمعاً وشحاً وبخلاً، ولم نثق بعهودهم أبداً، لكن لنا معهم معركة ستكون الدائرة عليهم، حتى إن الرجل منهم يختبي خلف الشجرة فتقول: يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.
إلا نوعاً واحداً من الشجر وهو الغرقد؛ وهو من أشجار اليهود لا يخبر بهم.
وأما قوله تعالى: ﴿َكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] فاليهود هم أولى الناس بالقرآن في هذه الآية.
стр. 536
التفصيل في حكم العمليات الاستشهادية
السؤال
فضيلة الشيخ: علمت حفظك الله ما حصل في يوم الأربعاء من حادث قتل فيه أكثر من عشرين يهودياً على يد أحد مجاهدي حماس، وجرح فيه قريباً من خمسين، وذلك أن هذا المجاهد لَفَّ على نفسه متفجرات ودخل في إحدى حافلاتهم ففجرها، وهو إنما فعل ذلك: أولاً: لأنه إن لم يقتل اليوم فسيقتل غداً؛ لأن أشد شيء على اليهود هو الشباب الملتزم.
ثانياً: أن الحادث الذي مر في الخليل يريد أولئك المجاهدون أن ينتقموا من اليهود منه.
ثالثاً: أنهم يعلمون أن اليهود يخططون هم وغيرهم من النصارى على القضاء على الحماس الموجود في فلسطين، فهل هذا الفعل منه يعتبر انتحاراً أو جهاداً؟ وما نصيحتك في مثل هذه الحالة لأننا إذا علمنا أن هذا الأمر أمراً محرماً لعلنا نبلغه إلى إخواننا هناك وفقك الله؟
الجواب
هذا الذي وضع على نفسه هذا اللباس الذي يقتل أول من يقتل نفس الرجل، لا شك أنه هو الذي تسبب لقتل نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، لا لقتل أفراد من الناس لا يمثلون الرؤساء ولا يمثلون القادة لليهود، أما لو كان هناك نفع عظيم للإسلام لكان ذلك جائزاً، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على ذلك، وضرب لهذا مثلاً بقصة الغلام المؤمن الذي كان في أمة يحكمها رجل مشرك كافر، فأراد هذا الحاكم المشرك الكافر أن يقتل الغلام، فحاول عدة مرات، مرة يلقى من أعلى جبل -هذا الغلام- ومرة يلقى في البحر، ولكنه كلما فعل ما يهلك به هذا الغلام نجا، فتعجب الملك الحاكم، فقال له يوماً من الأيام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، وما فعلت هذا إلا لقتلك، قال: اجمع الناس كلهم، ثم خذ سهماً من كنانتي واجعله في القوس ثم ارمني به، ولكن قل: باسم رب هذا الغلام؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يسموا كانوا يسمون باسم هذا الملك، فجمع الناس ثم أخذ سهماً من كنانته ووضعها في القوس وقال: باسم رب هذا الغلام، وأطلق القوس فضربه فهلك، فصاح الناس كلهم: الرب رب الغلام، الرب رب الغلام، وأنكروا ربوبية هذا الحاكم المشرك؛ لأنهم قالوا: هذا الرجل المشرك -الحاكم- فعل كل ما يمكن أن يهلك به الغلام ولم يهلك، ولما جاءت كلمة واحدة: باسم رب هذا الغلام.
هلك، إذاً: مدبر الكون هو هذا الحاكم أم الله؟ الله، فآمن الناس.
يقول شيخ الإسلام: هذا حصل فيه نفع كبير للإسلام، وإلا فإن من المعلوم أن الذي تسبب بقتل نفسه هو هذا الرجل لا شك، لكنه حصل فيه نفع كبير، آمنت أمة كاملة، فإذا حصل مثل هذا فيقول الإنسان: أنا أفدي ديني بنفسي ولا يهمني، أما مجرد أن يقتل عشرة أو عشرين أو ثلاثين، ثم ربما تأخذ اليهود بالثأر فتقتل مئات، ولولا ما يحاولون اليوم من عقد الصلح والسلام كما يقولون، لرأيت فعالهم في الانتقام من الفلسطينيين لهذه الفعلة التي فعلها هذا الرجل.
стр. 537
حكم الشك في قتل المرأة طفلها
السؤال
فضيلة الشيخ! كان عندي قبل أعوام طفل صغير، فنمت معه في إحدى الليالي وكان بعيداً عني، وعندما أصبحت وجدته يتنفس، فذهبت لبعض حاجتي وعندما رجعت وجدت في فمه دماً ومات بعد دقائق، والآن عندي شك وليس حقيقة بأني ربما كنت أنا السبب، فلعلي نمت عليه في الليل وأنا لم أشعر، فهل عليَّ من شيء وفقك الله؟
الجواب
ليس عليها شيء؛ لأنه لا يجب عليها شيء حتى تتيقن أنها هي التي قتلته، أما الآن وهو مجرد شك فهذا من الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلبها لينكد عليها حياتها، وذمتها بريئة منه، وربما أن الصبي أصابه بل يقيناً أصابه أمر من الله فهلك بذلك، وهذا يقع كثيراً، يوقع الشيطان الوساوس في قلوب الأمهات، تقول: لعلي انقلبت عليه، لعلي فعلت كذا وكذا، فنقول: الذمة بريئة حتى تتيقن أنها مسئولة عن هذا الفعل.
стр. 538
نصيحة للآباء في عدم تمكين أبنائهم الصغار من قيادة السيارة
السؤال
فضيلة الشيخ! أمر خطير صار يسري في أوساط الناس اليوم: وهو أننا نرى كثرة الأطفال الصغار الذين أصبحوا يمكنون من قيادة السيارات، وليس معهم أي رخصة تؤهلهم لذلك، فهل من نصيحة للمسئولين بينكم وبينهم، ومن نصيحة لأولياء الأمور ممن حضر في بيان خطر هذا، وهل إذا حدث أن ذلك الطفل توفي بسببه شخص أن الإثم على وليه الذي مكنه من تلك السيارة، حيث أنه سفيه والله قد نهى أن نعطي السفهاء أموالنا فكيف بما تزهق به الأرواح، هل من نصيحة وتوجيه وفقكم الله؟
الجواب
نصيحتي للآباء: ألا يمكنوا أبناءهم الصغار من قيادة السيارة، حتى وإن كان لهم وجهة نظر يظنونها صحيحة، فإن بعضهم يقول: أنا أمكنه من قيادة السيارة لأستغني به عن جلب سائق.
لا ندري ما ثقته ولا ندري عن نزاهته، فهو ابني أستغني به عن غيره، وهذه ليست وجهة صحيحة، بل إن هؤلاء الصغار يكون الخطر عليهم ويكون الخطر منهم، وتحصل بسبب ذلك حوادث كثيرة، ولقد شاهدت منذ زمن صبياً يقود سيارة، فلما أراد أن ينعطف يميناً ما استطاع أن يرى الشارع الأيمن، فوقف على قدميه حتى يعطف السيارة، هل هذا يُمكَّن؟ لا يجوز أن نمكن هؤلاء، وكما قال السائل: إذا كان الله تعالى نهانا أن نعطي أموالنا السفهاء، فكيف نعطيهم أو نوليهم قيادة السيارة التي يكون فيها خطر عليهم وعلى غيرهم؟!! فنصيحتي للآباء أن ينتظروا، وإذا كانوا لا يستطيعون أن يقودوا السيارة بأنفسهم ليقودوا البنات إلى المدرسة أو لقضاء الحاجات فليختاروا سائقاً مأموناً يقود السيارة، على أنهم لو اختاروا قائداً مأموناً فإنه لا يجوز لهذا السائق أن يخلو بالمرأة وحدها، بل لا بد أن يكون معها نساء أو محرم بعدها.
стр. 539
حكم زيارة البقيع
السؤال
فضيلة الشيخ! نشر في جريدة الرياض العدد الصادر يوم الثلاثاء في الثالث عشر من الشهر الخامس من هذه السنة: أن فضيلتكم زار البقيع.
وقال الناشر: إن هذه الزيارة كانت أمس وذلك من تاريخ النشرة، فهل من كلمة حول هذه الزيارة؟ وهل هي مشروعة، حيث أننا نرى الكلام في هذا الموضوع، فأرجو التوضيح؟
الجواب
أما زيارة البقيع فمشروعة بلا شك؛ لأنها قبور الصحابة ﵃ وسلف الأمة والصالحين من عباد الله، كما يشرع لنا أن نزور مقابرنا يشرع لنا أن نزور البقيع، ولكنه يقول: بالأمس، إن أراد بالأمس القريب فهذا ليس بصحيح؛ لأن زيارتي للمدينة كانت منذ أكثر من شهر، وإن أراد بالأمس ما قبل اليوم ولو قبل عشر سنين فهذا صحيح، فالله أعلم بنيته، لكن إن كان قد كتب بالأمس، وأراد أني زرتها في يوم الثاني عشرة من هذا الشهر فهذا غير صحيح، لأني ما زرتهم والزيارة كانت قديمة، لكن لعلها والله أعلم نشرت في هذا الوقت؛ لأنهم كانوا يقلبون في أوراقهم يمكن وجدوها وقالوا: ننشرها، فلا أدري ما السبب.
واعلم أن اللغة العربية واسعة، تقول: غداً لليوم الذي يلي يومك، وتقول غداً لليوم الذي بعد يومك بآلاف السنين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ويعني بغد: يوم القيامة، وبينك وبينه مسافات الله أعلم بها، كذلك الأمس -اللغة العربية واسعة- قد يراد بالأمس ما قبل يومك المباشر، وقد يراد به ما قبل يومك بزمن بعيد.
стр. 540
حكم النظر إلى المرأة المخطوبة واقتناء الصور
السؤال
فضيلة الشيخ! هل يجوز لي النظر إلى المرأة التي أريد الزواج بها بدون علم أهلها، كأن تحضر إلى قرابة لي فأنظر إليها دون علمها وعلم أهلها، مع العلم أني عازم بإذن الله على التقدم لها، ولكن لم تحصل الخطبة، بل حصل أخذ موافقة منها ومن والدتها قبل أن أتقدم رسمياً إليها، مع أني قد استخرت الاستخارة الشرعية، فهل يجوز لي هذا النظر؟
الجواب
يجوز لك هذا النظر؛ لأن الإنسان إذا عزم على خطبة امرأة، وغلب على ظنه أنه يجاب، فله أن ينظر إليها بل يسن أن ينظر إليها، بشرط: ألا يكون هناك خلوة، وأن يأمن الفتنة على نفسه، فإذا لم يكن خلوة وأمن الفتنة على نفسه ونظر إليها ما يكفي في رغبته فيها كالنظر إلى الوجه والرأس والكفين والقدمين فإن هذا لا بأس به، بل هو من الأمور المشروعة: فإنه أحرى أن يؤدم بين الزوجين.
أي: أحرى أن يؤلف بينهما.
ويسأل بعض الناس يقول: هل يجوز أن أطلب صورتها في الفوتوغرافية؟ فنقول: لا يجوز.
أولاً: أن الصورة قد تبقى بيد الخطيب حتى وإن رد.
ثانياً: أن الصورة لا تمثل الواقع والحقيقة، قد تشوه المنظر وقد تحسن المنظر، فينخدع الإنسان.
ثالثاً: أنه لا ينبغي للإنسان أن يمكن أحداً من أن يلتقط صورة أهله بناته أو أخواته أو ما أشبه ذلك، بل لا يجوز له هذا؛ لما في ذلك من الفتنة، وربما تقع هذه الصورة بأيدي أناس فساق يعرضون بناتك على الناس، إن كن جميلات صرن فتنة للناس، وإن كن قبيحات صرن مشمتاً للناس.
стр. 541
مسائل في الرضاع
السؤال
رجل متزوج من زوجتين، وله منهما أولاد، ثم قامت إحدى زوجتيه بإرضاع شخص، فهل هذا الشخص يكون من محارم بنات ذلك الرجل صاحب اللبن -أي: بنات كلا الزوجتين- وما هي القاعدة في مسألة الرضاعة حيث أن أمرها يشكل؟
الجواب
الرضاعة تؤثر من جانب الرجل ومن جانب المرأة، بمعنى: أنه إذا كان للرجل زوجتان فأرضعت إحداهما طفلاً الرضاع المحرم وهو خمس رضعات فأكثر، فإن هذا الطفل يكون ولداً للمرضعة وولداً لزوجها، ويكون أولاد زوجها من الزوجة الأخرى إخوة له، لكن إخوة له من الأب؛ لأن أباهم واحد، وأما بالنسبة لأولاد التي أرضعت فهو أخ لهم من الأب والأم، كما أنه ربما يكون هناك إخوة من الأم ترضع هذه المرأة طفلاً في حبال رجل، أي: عندها زوج، ثم تتزوج بزوج آخر، وترضع طفلاً وهي في حبال الزوج الثاني، الطفل الذي أرضعته في حبال الزوج الثاني يكون أخاً لأولادها من الزوج الأول من الأم، فالرضاع حكمه حكم النساب؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فكما أن إخوتك من الأم من النسب إخوة لك، ومحارم لأخواتهم من أمهم، فكذلك في الرضاعة.
لكن ما رأيكم: فيما لو كان الطفل لا يقبل ثدي المرأة، ولكن صب له اللبن أو حلبت المرأة لبنها في فنجان، وأرضعن هذا الطفل منه خمس مرات، مرة في الصباح، ومرة في المساء، ومرة في الليل، ومرة بعد الظهر، المهم خمس مرات، هل يكون ولداً لصاحبة اللبن؟ نعم.
لا يشرط أن يرضع من الثدي، المهم أن يرضع من هذا اللبن.
ولو ارتضع طفلان من شاة؟ نحلب هذه الشاة ونسقي هذا وهذا، هل يكونان أخوين من الرضاع؟ نقول: إن كانا خروفين صارا أخوين، وإلا فلا.
стр. 542
واجبنا تجاه إخواننا المجاهدين
السؤال
فضيلة الشيخ: لماذا لا يكون لكم بعض الدروس في مدينة حائل وما حولها، نأمل أن يكون ذلك قريباً، وهل من دعاء لإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك وفلسطين وغيرهم في كل مكان جزاكم الله خير الجزاء؟
الجواب
الدعاء مبذول لإخواننا المسلمين المجاهدين في البوسنة والهرسك وفي فلسطين وفي كشمير وفي كل مكان يضطهد فيه المسلمون، هذا واجب علينا، أقل ما يجب علينا لإخواننا هو الدعاء، إذا لم نشارك بأموالنا وأبداننا فلا أقل من الدعاء.
وأما بالنسبة لإلقاء الدروس في حائل، ففي حائل ولله الحمد من طلبة العلم من فيهم الكفاية والخير، وأنا أشير على إخواننا وشبابنا من أهل حائل ومن غيرهم أن يلتزموا بمن عندهم من أهل العلم، وأن يطلبوا منهم الجلوس، ولو في الأسبوع مرتين أو ثلاث مرات، وإذا يسر الله أن نزور حائلاً أو غيرها لمقابلة بعض الإخوة وتنشيطهم فهذا خير، لكن أشغالي كثيرة في الواقع، أكثر من وقتي، وأعلم أنني لو آتي إلى أهل حائل قال أهل البلاد الأخرى: ائت إلينا، إن أرضيت الجميع مشكلة، وإن أغضبت بعضهم مشكلة، وأنا أعتقد أنهم إن شاء الله راضون عني بكل حال، وأنهم يعذرونني، والحمد لله الآن الأشرطة تغني بعض الشيء عن حضور الرجل، الأشرطة الآن منتشرة، وهي من نعمة الله علينا في هذا الوقت، لما كان ولله الحمد الصحوة قوية في الشباب، يحبون العلم، ويحبون الخير، ويحبون الوعظ، ويحبون الدعوة إلى الله ، صارت الأشرطة ولله الحمد منتشرة، يستطيع الإنسان أن يضع الشريط وهو يمشي في سيارته ويستمع إليه ويستفيد منه.
نسأل الله لنا ولكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجمع القلوب على طاعته وعلى ما فيه الخير، وأن يعيذنا وإياكم من التفرق والاختلاف، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 543
اللقاء الشهري [٢٣]
المسح على الخفين قد جاءت به الأحاديث المتواترة، ولكن لهذا المسح أحكام وشروط، وقد تحدث الشيخ عن ذلك في مستهل هذا اللقاء، ثم أجاب عن الأسئلة التي قدمت إليه من قبل الحاضرين، وهي مهمة ومتنوعة.
стр. 544
أدلة المسح على الخفين
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث والعشرون من اللقاءات الشهرية التي تتم في ليلة الأحد الثالث من كل شهر، إلا أن يكون هناك مانع، هذا اللقاء هو الموافق لليلة الأحد، السابع عشر من شهر جمادى الآخرة عام (١٤١٥هـ) أسأل الله تعالى أن يجعل في هذه اللقاءات بركة لنا ولإخواننا المستمعين إليها.
أيها الإخوة: إن موضوع هذا اللقاء هو الكلام على ما تبقى من خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أصحابه إياها، ولكني رأيت أن نجعل موضوع هذا اللقاء ما الناس في حاجة إليه حتى نعود إن شاء الله تعالى في الشهر القادم إلى إكمال الكلام على خطبة الحاجة.
هذا الذي أريد أن يكون بدلاً عما نحن بصدده هو الكلام على مسح الجوارب والخفين؛ لأن الناس بدءوا يحتاجون إليه، حيث بدأ البرد يفتح علينا أبوابه.
نقول: من عقيدة أهل السنة والجماعة: جواز المسح على الخفين، بعض أهل السنة يجعلون من العقيدة اعتقاد جواز المسح على الخفين، لماذا؟ لأنه يخالفهم في ذلك بعض أهل البدع كـ الرافضة وكبعض الخوارج الذين لا يرون جواز المسح على الخفين.
فنقول: المسح على الخفين أو على الجوربين -وهما الشراب- ثابت بالقرآن وبالسنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبإجماع أهل السنة، لم يختلف فيه اثنان: أما القرآن: ففي قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] .
والقراءة المشهورة بين أيدينا هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] (أرجلَ) بالنصب، عطف على قوله (وجوهكم) فتكون الأرجل مغسولة، لكن هناك قراءة سبعية صحيحة يجوز للإنسان أن يقرأ بها ثابتة عن الرسول ﵊: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] بالجر، عطفاً على (رءوسكم) أي: وامسحوا بأرجلكم، فهل يعني: أنه يجوز للإنسان أن يغسل رجليه مرة ويمسح عليهما مرة؟ نقول: لولا أن السنة بينت ذلك لقلنا: نعم.
إن الآية تُجوِّز للإنسان أن يمسح رجليه أحياناً ويغسلها أحياناً، لكن السنة بينت متى يكون الغسل ومتى يكون المسح.
يكون الغسل إذا كانت الرجلان مكشوفتين، لا يمكن أن يقتصر على المسح ما دامت الرجلان مكشوفتين، والدليل على هذا: أن الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر، فأرهقتهم صلاة العصر، فجعلوا يمسحون على أقدامهم، وربما يتركون بعضها، فنادى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) وهذا دليل على أنه يجب استيعاب الرجل بالغسل.
وثبت عنه ثبوتاً كالشمس في رابعة النهار المسح على الخفين حيث كانت الرجلان مستورتين.
وبناءً على ذلك: ننزل القراءتين على اختلاف حال الرجل، إن كانت مكشوفة فالواجب الغسل، وإن كانت مستورة بالجوارب أو الخفين فالواجب المسح، هذا وجه الدلالة من كتاب الله العزيز.
أما السنة: فقد تواترت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسح على الخفين، قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن النبي ﷺ وأصحابه.
وصدق ﵀ أنه لا شيء في قلوبنا من المسح، نؤمن بأنه حق.
стр. 545
شروط المسح على الخفين
أما شروط المسح فلابد أن أذكرها لكم:
стр. 546
من شروط المسح على الخفين: أن يلبسهما على طهارة
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة، فإن لبسهما على غير طهارة ولو ناسياً لم يصح المسح عليهما، لو كان على غير وضوء ونسي ولبس الخفين ثم جاء الوقت ومسح وصلى فصلاته غير صحيحة؛ لأنه صلى بغير وضوء، لا بد أن يلبسهما على طهارة، والدليل: حديث المغيرة بن شعبة ﵁: أنه كان مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر، وكان يصب عليه وضوءه -أي: ماءه الذي يتوضأ به- فلما وصل إلى حد الرجلين أهوى المغيرة لينزع خفيه، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (دعهما -أي: اتركهما- فإني أدخلتهما طاهرتين) أدخلتهما أي: أدخلت الرجلين طاهرتين، ولا تطهر الرجلان إلا بطهارة البدن كله، أي: أدخلتهما على طهارة، هذا المعنى (فمسح عليهما) .
إذاً: لو أن رجلاً لبس على غير طهارة ناسياً ثم جاء -وقت الصلاة فمسح عليهما وصلى، ثم ذكر أنه لبسهما على غير طهارة، فبماذا نحكم على وضوئه وصلاته؟ نحكم أن وضوءه غير صحيح والصلاة غير صحيحة، ويجب عليه أن يتوضأ من جديد، ويغسل رجليه، ويعيد الصلاة؛ لأنه لبسهما على غير طهارة.
стр. 547
من شروط المسح على الخفين: أن يمسح عليهما في الحدث الأصغر
الشرط الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر، أي: في الوضوء لا في الغسل من الجنابة، أو من الحيض أو نحو ذلك، فإذا كان على الرجل جنابة فلا بد من خلع الخفين أو الجوربين وغسل الرجلين.
والدليل على أن الخفين لا يمسحان في الجنابة: من القرآن: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] فأمر بتطهير كل البدن.
وفي السنة: حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كنا سَفْرَاً -أي: مسافرين- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) .
والقاعدة: أنه لا مسح في الطهارة الكبرى -أي: طهارة الجنابة- إلا في الضرورة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، والوضوء يمسح فيه الرأس، لا يمسح على الخفين والجوارب، والوضوء يمسح على الخفين والجوارب.
إذاً نضرب مثلاً: لو أن رجلاً أصابته جنابة، وعليه جوارب لبسهما على طهارة، ثم اغتسل ومسح على الجوارب وصلى، فما تقولون في صلاته؟ غير صحيحة؛ لأنه مسح على الجوارب في الجنابة، والجنابة ليس فيها مسح على الجوارب، إذا أصابت الرجل الجنابة وعليه الجوارب أو الخفان وجب عليه أن يخلعهما ثم يغسل سائر جسده ولا بد؛ لأن القاعدة هي: لا مسح في غسل الجنابة إلا للضرورة كالجبيرة، وإلا فليس فيها مسح خفين، ولا مسح رأس، ولا مسح عمامة، لا يوجد مسح في غسل الجنابة إلا للضرورة.
стр. 548
من شروط المسح على الخفين: أن يكون المسح في الوقت المحدد
الشرط الثالث: أن يكون المسح في الوقت المحدد، وهو يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، المسافر لما كان بصدد الحاجة إلى الخفين جعل له الشارع ثلاثة أيام، والمقيم أقل حاجة جعل له يوماً وليلة، فإن مسح بعد تمام المدة فالمسح غير صحيح، والوضوء غير صحيح، فلو أن رجلاً تنتهي مدة مسحه في تمام الساعة الثانية عشرة نهاراً، ثم مسح عليهما في الساعة الواحدة نهاراً فما حكم وضوئه؟ غير صحيح؛ لأن المسح كان بعد انتهاء المدة، ولا بد أن يكون المسحُ في المدة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] ولكن متى تبتدئ المدة: أمن اللُبس؟ أم من الحدث بعد اللبس؟ أم من المسح بعد ذلك؟ في هذا أقوال ثلاثة: - بعضهم يقول: من اللبس.
- وبعضهم يقول: من الحدث بعد اللبس.
- وبعضهم يقول: من المسح بعد الحدث، وإن كان أحد يقول: من المسح ولو لم يحدث كالذي يتوضأ تجديداً إن كان أحد يقول فقوله صحيح إلا أن يخالف الإجماع، فإن خالف الإجماع فالإجماع مقدم، ويظهر أثر هذا الخلاف بالمثال: رجل لبس الجوارب حين توضأ لصلاة الفجر في الساعة الخامسة، ثم أحدث في الساعة العاشرة، ثم توضأ لصلاة الظهر في الساعة الثانية عشرة، فمتى تبتدئ المدة؟ القول الصحيح: أنها تبتدئ من المسح، أي: من الساعة الثانية عشرة، وما قبل المسح لا يحسب، وعلى هذا فالذي مسح الثانية عشرة أن يمسح إلى الغد إن كان مقيماً الساعة الثانية عشرة، إذا قلنا: إنه من الحدث بعد اللبس متى تبتدئ المدة؟ من الساعة العاشرة، وإذا قلنا: من اللبس؟ تبتدئ الساعة الخامسة، لكن أرجح الأقوال: أنها من المسح؛ لأن الأحاديث تدل على ذلك، يمسح المقيم يوماً وليلة.
إذاً واضح أن المسح هو ابتداء المدة.
رجل لبس الساعة الخامسة يوم السبت، وأحدث الساعة العاشرة يوم السبت، وتوضأ الساعة الثانية عشرة يوم السبت، وفي يوم الأحد توضأ الساعة السابعة وصلى، ما تقولون في صلاته؟ إذا قلنا: ابتداء المدة من الساعة الخامسة فصلاته غير صحيحة؛ لأن الوضوء لم يصح، وإذا قلنا: من الحدث والحدث كان يوم السبت الساعة العاشرة فصلاته صحيحة؛ لأنه مسح قبل تمام المدة، وإذا قلنا: من المسح فهي من باب أولى تصح.
إذا لبس في الساعة الخامسة يوم السبت، وأحدث في الساعة العاشرة ومسح في الساعة الثانية عشرة، وتوضأ يوم الأحد الساعة الواحدة نهاراً؟ الصحيح: غير صحيحة؛ لأنه بعد انتهاء المدة على كل الأقوال، وفي الساعة الحادية عشرة، على القول بأن ابتداء المدة من الحدث غير صحيحة، وعلى القول بأنها من المسح صحيحة.
إذاً امسحوا كل الأقوال التي قلنا والاعتماد على القول الراجح: أن ابتداء المدة من المسح، فيكون ابتداء المدة من الساعة الثانية عشرة.
وهل المعتبر الزمن أم عدد الصلوات؟ الزمن وإن صلى أكثر من خمس، بعض العامة يقول: المعتبر الصلوات، وإذا صليت خمس صلواتٍ فإنه لا يمكن أن تمسح بعد ذلك، وهذا لا أصل له، لأن الأحاديث جاءت يوم وليلة، ما جاءت بعدد الصلوات، وبناء على ذلك: يمكن أن يصلي الإنسان أكثر من عشر صلوات وهو مقيم، يمكن؟ إذا لبس يوم السبت الساعة الخامسة ثم بقي على وضوئه كل اليوم لم يحدث ثم نام، وأصبح من الغد أي: من ليلة الأحد، فمسح في الساعة الخامسة وبقي على وضوئه أو توضأ وفي يوم الإثنين الساعة الرابعة والنصف مسح يصح مسحه أم لا يصح؟ مسحه صحيح لأنه قبل تمام المدة، فبقي طول يوم الإثنين على طهارته، يصح أم لا يصح؟ يصح المسح.
إذاً انظر الآن لبس الجوارب صباح يوم السبت، ولم تنته المدة إلا بعد صلاة العشاء ليلة الثلاثاء وهو مقيم، صلى خمس صلوات يوم السبت، وخمس صلوات يوم الأحد، وخمس صلوات يوم الإثنين، خمس عشرة صلاة، والسبب في ذلك أن ابتداء المدة من أول مرة مسح بعد الحدث.
стр. 549
من شروط المسح على الخفين: طهارة الجوارب والخفين
الشرط الرابع: طهارة الجوارب والخفين، أي: فلا يجوز المسح على شيء نجس؛ لأن النجس لا يزداد بمسحه إلا نجاسة، فلا يصح المسح عليه.
هنا مسائل: المسألة الأولى: إذا ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر فهل يتم مسح مقيم أم مسافر؟ مسافر على القول الراجح.
وإذا ابتدأ المسح مسافراً ثم أقام فماذا يتم؟ مسح مقيم.
فإذا كانت المدة قد انتهت يجب أن يغسل قدميه، مثال ذلك: مسح وهو مسافر يومين، وقدم في اليوم الثالث قبل تمام المدة ماذا نقول له؟ انتهت المدة، يجب أن تتوضأ وتخلع الجوارب أو الخفين؛ لأن المدة قد انتهت.
والقاعدة تقول: إذا ابتدأ المسح مقيماً ثم سافر أتم مسح مسافر، وإذا ابتدأ مسافراً ثم أقام أتم مسح مقيم، فإن كانت المدة قد انتهت انتهى المسح لا بد أن يخلع.
المسألة الثانية: إذا انتهت المدة وأنت على طهارة هل تنتقض طهارتك أم لا؟
الجواب
لا تنتقض، ما دمت لم تحدث فطهارتك باقية.
ووجه بقائها أن نقول: هذا الرجل الذي مسح هل تم وضوءه بمقتضى الدليل الشرعي؟ رجل مسح قبل أن تتم المدة، هل تم وضوءه بمقتضى الدليل الشرعي؟ نعم.
لا شك، إذا انتهت المدة فإنه لا يمكن أن ننقض هذا الوضوء الذي تم بمقتضى الدليل الشرعي إلا بدليل شرعي، وليس عندنا دليل شرعي يدل على أن الإنسان إذا تمت مدة مسحه انتقض وضوءه، بل الدليل الشرعي على أن الإنسان إذا انتهت مدة مسحة امتنع المسح فقط؛ لأن الشرع لم يحدد الطهارة وإنما حدد المسح، وأنا بعد انتهاء المدة أقول: سمعنا وأطعنا لن أمسح، لكن أين الدليل على أن الطهارة تنتقض لا يوجد دليل.
المسألة الثالثة: رجل بعد أن مسح على الجوارب أو الخفين، رأى أن الوقت حار، فنزع الجوارب، فهل ينتقض وضوءه أم لا؟ الجواب: الصحيح أنه لا ينتقض، ودليلنا على أنه لا ينتقض أن نقول: هذا الرجل حينما مسح تمت طهارته بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن أن ننقضها إلا بدليل شرعي، ولا دليل شرعي على أن من خلع الجوارب أو الخفين انتقض وضوءه، فإن قالوا: إن العضو الذي وقعت الطهارة عليه قد زال، قلنا: هذا لا يضر، أليس الرجل يتوضأ ويمسح على رأسه وفيه الشعر الكثيف، ثم يحلق رأسه قبل أن يصلي، فهل انتقض وضوءه؟ الجواب: لا ينتقض، وقد زال الممسوح الذي تعلقت به الطهارة، والقول بأن مسح الرأس أصلي ومسح الرجل بدل هذا غير مؤثر؛ لأن كلا المسحين طهارة شرعية ثابتة بالشرع، فلا يمكن أن يزول مقتضاها إلا بدليل من الشرع.
المسألة الرابعة: هل يجوز للإنسان الذي يمسح أن يكون إماماً لمن لا يمسح؟ الجواب: يجوز، كما يجوز أن يكون المصلي المتيمم إماماً للمصلي بالوضوء، ولا شيء في هذا.
المسألة الخامسة: هل الأفضل أن يمسح الخفين، أو أن يغسل الرجلين؟ بمعنى: إذا كان على الإنسان خفان أو جوارب، هل نقول: الأفضل أن تخلعها ثم تغسل الرجل، أو الأفضل أن تمسح ولا تخلع؟ الجواب: الأفضل أن تمسح ولا تخلع، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للمغيرة لما أراد أن يخلع خفيه قال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) .
المسألة السادسة: هل يجوز أن يمسح الإنسان على الجوارب في أيام الصيف؟ الجواب: يجوز؛ لأنه ليس في السنة تقييد ذلك بأيام البرد، وإذا جاءت السنة مطلقة فإنه لا يجوز لنا أن نقيدها بأي شيء، إذ أن الشرع متلقى من الكتاب والسنة، وليس في القرآن ولا في السنة أنه لا يمسح على الجوارب أو الخفين إلا إذا كان في زمن الشتاء.
المسألة السابعة: إذا كان في الجوارب شقوق هل يمسح عليهما؟ كأن يكون الظفر ظاهراً أو العرقوب، يمسح أم لا؟ الجواب: بعض العلماء يقول: لا يمسح، يقول: الشق الذي هو مبط الخرز إذا كان في الجوارب أو الخفين لا يمسح عليهما، لا يجوز المسح، لكن هذا القول ضعيف، والصواب: أنه ما دام اسمه باقياً أي: ما دام يسمى جورباً وستر غالب الرجل فإن المسح يجوز عليه، حتى لو فيه خروق في الأصابع، أو في العراقيب، أو في وسط الرجل، أو في ظهر الرجل، كل ذلك جائز.
لو كان على الإنسان جوارب خفيفة، أو جوارب شفافة يرى من ورائها الجلد، الخفيفة أي: التي من خرق خفيفة، والثانية التي تكون من نوع البلاستيك -مثلاً- شفافة لكن ليس فيها هواء، إنسان اتخذ لقدمه جوارب من البلاستيك، كيس الرجل تراها رؤية تامة، لكن ليس فيها خروق، والماء لا ينفذ منها، هل يجوز المسح عليها أم لا؟ الجواب: نعم.
يجوز المسح على هذه وعلى التي قبلها، على الخفيفة وعلى الشفافة، وذلك لأنه لا دليل على اشتراط أن تكون ثخينة أو ساترة، وإذا لم يكن هناك دليل فالواجب علينا أن نطلق ما أطلقه الله ورسوله؛ لأننا لو أضفنا شرطاً واحداً لكنا ضيقنا على عباد الله.
أيهما أوسع للناس الشيء المطلق أم المقيد؟ المطلق.
فإذا أضفنا شرطاً لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فهذا يقتضي أننا نضيق على عباد الله، والشرع ليس إلينا، إنما هو إلى الله ورسوله، أي دليل يدل على أنه لا بد من ستر القدم، وأن مبط الخرز يؤثر؟ ليس فيه دليل، بل العلة -والعلم عند الله- هي مشقة النزع، ومشقة النزع حاصلة بالجورب الخفيف والجورب الثقيل، ولهذا وردت السنة بجواز المسح على النعل، والنعال في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس كنعالنا، نعال مسيرة يشق نزعها إلا بالاستعانة بالأيدي أو الأرجل، فدل هذا على أن العلة ليست الستر إنما مشقة النزع، وهذا حاصل في الجوارب الخفيفة والجوارب الثقيلة، كله واحد.
المسألة الثامنة: هل المسح على أعلى الجوارب أم على أسفلها، أم عليها جميعاً؟ الجواب: على الأعلى، امسح على الأعلى من أطراف الأصابع إلى الساق ويكفيك، وكيفية المسح؟ أن تبل اليد وتمرها أي: على ظهر اليد والأصابع مفرقة، وعلى أي وجه مسحت فلا بأس، وعلى أي كيفية مسحت فهو جائز، ولكن هل تبدأ باليمنى قبل اليسرى أم بهما جميعاً؟ أنت بالخيار، إن مسحتهما جميعاً أي: مسحت الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليد اليسرى فلا بأس؛ لأن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: مسح عليهما ولم يقل: بدأ باليمين، وإن بدأت باليمنى قبل اليسرى فلا بأس أيضاً؛ لأن المسح بدل عن الغسل، والغسل تقدم فيه اليمنى، فالأمر في هذا واسع، إن مسحتهما جميعاً جاز، وإن مسحت اليمنى أولاً ثم اليسرى ثانياً جاز أيضاً.
لكن لو قال إنسان: أنا لا أستطيع أن أمسح إلا بيد واحدة، فبأيهما أبدأ؟ قد يكون الإنسان إما أنه مقطوع اليد اليسرى، أو مجبورة بكسر أو بغيره، المهم أنه يقول: أنا لا أستطيع أن أمسح إلا بيد واحدة فيبدأ باليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) .
المسألة التاسعة: لو أن الإنسان مسح على الجوارب، ثم بدا له أن يلبس على الجورب جورباً آخر وهو على طهارته، يعني: اشتد البرد وأراد أن يضيف جورباً آخر إلى الأول بعد مسح الأول، وهو على الطهارة الآن هل يجوز أم لا؟ الجواب: يجوز ويمسح الثاني -الأخير- لكن متى ابتداء المدة: هل هي من مسح الأول أم من مسح الثاني؟ الجواب: ابتداء المدة من مسح الأول، وعلى هذا فلو أنه لبس الثاني على طهارة مسح الأول ولم يبق عليه إلا أربع ساعات فإنه إذا تمت أربع ساعات من مسح الأول انتهت المدة.
стр. 550
الأسئلة:
стр. 551
المسح على الجوارب والمسح على الجزمة
السؤال
فضيلة الشيخ! الملاحظ وهو الذي يشكل على كثير من الناس، وقد أشرتم إلى بعضه ولكن أريد التفصيل فيه: أن الإنسان قد يمسح على جزمته أحياناً، وأحياناً على شرابه، فإنه أحياناً إذا أتى المسجد يخلع الجزمة مع أنه قد يكون مسح عليهما في بعض المرات فما الحكم في هذا؟ وعلى أيهما تنصحون بالمسح؟
الجواب
ننصح بالمسح على الجوارب؛ لأن الإنسان إذا مسح على الجوارب لا يضره خلع الجزمة، لكن إذا مسح على الجزمة فإنه لا بد أن يخلع الجوارب عند الوضوء مرة ثانية ليغسل القدمين، هذا هو الذي عليه جمهور العلماء، ولم أعلم أن أحداً من العلماء قال: إنه إذا خلع ما يمسحه وهو على طهارة يبقى على طهارته وله أن يمسح ما تحته، فإن كان أحد من العلماء قال بذلك فهو أقرب إلى الصواب، وعلى هذا فأشير بأن الإنسان يعتاد المسح على الجوارب، حتى لا يهمه أن يخلع الجزمة أو لا يخلعها.
стр. 552
كل ممسوح لا تكرار فيه
السؤال
فضيلة الشيخ! اختلف الأمر علي في النقل عنكم في صفة المسح على الجوارب، أهي باليدين على الرجلين أم باليد الواحدة على الرجل اليمنى ثم على الرجل اليسرى؟ وهل تمسح الشراب ثلاث مرات كالرأس أم مرة واحدة؟
الجواب
أما الشق الأول من السؤال فقد أجبنا عنه، وقلنا: الأمر فيه سعة، يبدأ باليمنى قبل اليسرى أو يمسح عليهما مرة واحدة جميعاً.
وأما الشق الثاني يقول: هل يكرر المسح أم لا؟ فنقول: كل ممسوح في الطهارة فلا تكرار فيه، الرأس لا يكرر، الرأس يمسح مرة واحدة، لكن يقبل ويدبر؛ لأن الشعر فيه مقبل وفيه مدبر، الناصية منحدرة نحو الوجه، والقفا منحدر نحو الظهر، فهذا كان من السنة: أن يذهب أولاً كذا ثم يرجع، لأجل أن يكون المسح على ظهور الشعر وعلى بطون الشعر، ولو مسح مرة واحدة كفى، فهذه قاعدة: كل ممسوح فإنه لا يكرر؛ لأنه لما خفف الشرع في تطهيره وهو مسح بدل غسل خفف في عدده، الجبيرة كم نمسح عليها؟ مرة واحدة، وكذا العمامة؟ والخف.
стр. 553
حكم ترك العبادة بسبب الاشتباه فيها
السؤال
فضيلة الشيخ! إن خوفي من عدم معرفتي بشروط المسح على الخفين، وأحياناً وقوعي في بعض الخطأ وصلاتي بعد انتهاء المدة، مع إيماني واعتقادي بجواز المسح عليهما، فبدأت أترك لبس الجوربين أو أترك المسح عليهما، فهل عملي هذا فيه خطأ واضح، أرجو توضيح الأمر لي وفقك الله؟
الجواب
هذا فيه خطأ واضح، ولو أن الإنسان يترك العبادة من أجل اشتباهها عليه لقلنا: إذا كنت تسهو في صلاتك فاترك الصلاة، لا تصلي، فنصيحتي لهذا الأخ ولأمثاله: أن يتبع السنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمغيرة: (دعهما) ومسح عليهما وقال ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) .
ولكن يمكن أن تخفف الأمر فتلبس لصلاة الفجر وتخلع عند النوم وحينئذٍ لا يكون عليك اشتباه؛ لأنك إذا لبست عند صلاة الفجر ومسحت عند النوم لم تكمل المدة ولا يحصل عليك سهو، وتنام ورجلاك مكشوفتان وتستريح.
стр. 554
حكم التيمم لمن به جبيرة
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا عندي كسر في يدي، وعلى هذا الكسر جبيرة، وأحياناً تكون عليَّ الجنابة فأخشى من استعمال الماء أن يؤثر على الجبيرة، فأقوم باستعمال التيمم لعدة أيام، فهل عليَّ إثم في ذلك وفقك الله؟
الجواب
نعم.
عليك إثم في ذلك؛ لأن الواجب على من في يده جبيرة أن يغسل البدن كله إلا محل الجبيرة، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) لا بد أن يغسل بقية البدن، أما الجبيرة فلا يلزمه غسلها؛ لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ولكن ماذا يصنع؟ يتيمم بدلاً عن غسلها، فإذا برئت اغتسل.
стр. 555
حكم المسح على العمامة
السؤال
فضيلة الشيخ! هل يجوز المسح على الشماغ والغترة إذا جعلت كالعمامة ولفت على الرأس بحيث يصعب نزعها وردها كما كانت؟
الجواب
العمامة لا يشترط أن تكون من شيء معين، كلما أدير على الرأس فإنه عمامة يجوز المسح عليه، إلا أن بعض العلماء اشترطوا شرطاً ليس عليه دليل وهو: أن تكون العمامة محنكة، أي: يدار منها دورة تحت الحنك أو تكون ذات ذؤابة، أي: يتدلى طرفها من عند الظهر، ولكن الصحيح أن ذلك ليس بشرط، وأنه متى وجدت العمامة على الرأس فإنه يمسح عليها؛ وذلك لمشقة نزعها ثم طيها مرة أخرى.
стр. 556
حكم من أخذ شيئاً من المسجد ثم تاب
السؤال
فضيلة الشيخ! أعرض عليك هذا السؤال وأنا في حيرة من أمري وخجل منك ومن الله قبل ذلك كله: حيث أني قد أخذت بعض الأبواب الصغيرة -نوافذ- من جامعكم هذا قديماً حين هدمه، فما العمل عليَّ في هذا، وما رأي فضيلتكم الآن أرجو نصحي وفقك الله؟
الجواب
هذا حله سهل والحمد لله تقدر قيمة هذه الأبواب التي أخذ إذا لم تكن الآن موجودة، ثم يعطينا إياها لنصرفها في مصالح المسجد، وبذلك تبرؤ ذمته مع التوبة إلى الله .
وأنا أضيف إليه: لعلنا نجد عنده -أيضاً- أبواباً كبيرة كانت للمكتبة، إذا كانت الأبواب موجودة يعطينا إياها ونبيعها، وإلا يقدر قيمتها بما تساوي اليوم، في ظني أن هذه الأبواب القديمة تساوي كثيراً الآن، فالأمر يسير ولله الحمد، ولكن أحب أن يتفطن للنقطة الأخيرة؛ لأن الأبواب التي أخذت من المكتبة ثلاثة دواليب بعضها مكون من أربعة أبواب، وهما اثنان وواحد من بابين، وباب كبير جداً مثل الحجر من قوته.
стр. 557
حكم كي آذان الأنعام
السؤال
فضيلة الشيخ! يقوم أرباب الأنعام -الإبل والغنم- بكي آذان أنعامهم، ويسمون ذلك وسماً، فيكوونها بالنار، فما حكم هذا الفعل، علماً أنهم يقولون: إننا نفعل هذا الكي لئلا تضيع، فهل ينطبق على هذا قوله ﷺ : (لا يعذب بالنار إلا الله) وكذلك هل يدخلون في قول الله عندما أخبر عن إبليس أنه قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء:١١٩] أرجو توضيح الأمر وفقك الله؟
الجواب
لا حرج أن تكوى بهيمة الأنعام في آذانها، سواء من الإبل أو من البقر أو من الغنم ضأنها ومعزها؛ لأن الأذنين ليستا من الوجه، الكي الذي ينهى عنه أن يكون في الوجه في الخد مثلاً، أو على الأنف، أما إذا كان في الرأس أو في الرقبة أو في الآذان فلا بأس بذلك، وليس هذا من التعذيب بالنار، هذا من حفظ المال بهذه العلامة الخاصة بهؤلاء القوم، وبهذه القبيلة، ولا بأس بها، وحديث النهي عن التعذيب بالنار معناه: أننا نعذب الحيوان بالنار، وهذا ليس قصدنا التعذيب، ما الذي نقصد؟ العلامة، ولهذا كان الخلفاء الراشدون يسِمُون إبل الصدقة ولا يعدون ذلك تعذيباً بالنار.
وهنا مسألة يسأل عنها بعض المزارعين: إذا انتهى الزرع أوقدوا ناراً بما بقي من الزرع من أجل ألا يحدث نوابت ضارة بالزرع في المستقبل، مع أن المكان قد يكون فيه حشرات أو طيور أو ما أشبه ذلك، فهل هذا جائز؟ الجواب: نعم جائز؛ لأن هذا وإن كان يحتمل أن يكون فيه حيوان، فإن الذي أحرق المكان بالنار ليس قصده الحيوان، وإنما وقع ذلك تبعاً، ولهذا حرَّق النبي ﷺ نخل بني النضير في المدينة، مع أن النخل لا يخلو من فراخة للعصافير أو لغير العصافير أو من حشرات، وذلك لأن هذا غير مقصود، ففرق بين المقصود وغير المقصود، بل إنه يجوز أن نرمي بلاد الكفار المحاربين بالمدافع مع أنه قد يكون في هذه البلاد من لا يحل قتله من النساء والذرية، لكن هذا تبع، فينبغي للإنسان أن يعرف أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الشيء المستقل.
والخلاصة: أن وسم الإبل في آذانها لا بأس به، وليس هذا مما يأمر به الشيطان، حيث قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء:١١٩] لأن تبتيك آذان الأنعام هو أن الإبل إذا تمت سناً معيناً أو أتت بأولاد معينة يكوونها أو يقطعون آذانها علامة على أنها أصبحت الآن حراماً؛ لأنها أدت ما عليها من البطون فيحرم أكلها وركوبها، هذا هو المقصود بالآية.
стр. 558
كيفية تقدير أوقات الصلاة في البلدان التي يطول فيها الليل أو النهار
السؤال
فضيلة الشيخ! في بعض البلاد يقصر النهار أو الليل، وأحياناً تمر أشهر كلها نهار، أو أنها كلها ليل فكيف تكون الصلاة والحال هذه؟
الجواب
الصلاة في هذه الحالة يُقدر لها، وقد أورد هذا الإشكال على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أخبر أن الدجال يُبعث، فيبقى في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة -أي: كأسبوع- وباقي أيامه كالأيام المعتادة، قال الصحابة: (يا رسول الله! اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم واحد، قال: اقدروا له قدره) أي: لا يكفينا فيه صلاة يوم واحد، كم يكفينا فيه صلاة؟ صلاة سنة، وهو يوم واحد، لكنه طويل.
إذاً: البلاد التي يكون فيها الليل طويلاً يزيد على أربعة وعشرين ساعة أو النهار يقدر له قدرها، والآن التقدير والحمد لله موجود، أي: سهل، يقدر بالساعات.
стр. 559
من بدع الإقامة في الصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ! بعض الإخوة من المصلين يقول بعد انتهاء المؤذن من الإقامة إما: أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض، وإما أن يقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠] فما رأي فضيلتكم في هذا الدعاء في هذا المقام خاصة، أقصد قراءة الآية، هل ينكر على الإنسان مع أنه يدعو بها، وهل ورد عن النبي ﷺ دعاء بعد الإقامة، أرجو التوضيح أثابكم الله؟
الجواب
الإقامة ليس بعدها دعاء، وإنما يشرع الإمام بالصلاة بعد انتهاء الإقامة وبعد أن يسوي الصفوف بنفسه أو بنائبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يكبر للصلاة حتى تستوي الصفوف، حتى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يجوب الصف من أوله إلى آخره يمسح بالمناكب والصدور، يقول: استووا، ولما كثر الناس في زمن عمر وعثمان، صار الخليفة يوكل رجالاً يجوبون الصفوف يتفقدونها بعد الإقامة، فإذا جاءوا وقالوا: إن الصفوف على ما ينبغي كبروا للصلاة، وليس بعد الإقامة دعاء.
وأما قوله: أقامها الله وأدامها مادامت السماوات والأرض.
فإن قوله: (ما دامت السماوات والأرض) لم يرد عن النبي ﵊، وأما قول: (أقامها الله وأدامها) فهذه تقال عند قول: (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) لأن فيها حديثاً ضعيفاً، وهذا الحديث الضعيف لا يعمل به عند جماعة من العلماء، ولهذا فلا يقال: أقامها الله وأدامها لا بعد قوله: قد قامت الصلاة، ولا بعد انتهائه من الإقامة.
وأما الدعوة بدعوة إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠] فهذه أيضاً لا أصل لها إطلاقاً، ولم يرد الدعاء بها عن السلف، فتركها أولى وأحسن.
стр. 560
الوساوس وكيفية الوقاية منها
السؤال
فضيلة الشيخ! صليت إماماً بجماعة، ولم أنطق بالراء في تكبيرة الإحرام، ثم قلت في نفسي: أعيد التكبير فأعدته سراً، وواصلت الصلاة، علماً بأن الجماعة الذين خلفي بنوا على التكبيرة الأولى التي لم أنطق فيها الراء والتي نويت غيرها، فهل فعلي هذا صحيح، وهل علي من إثم، وهل صلاتهم صحيحة؟
الجواب
أما صلاة المأمومين فصحيحة؛ لأنهم فعلوا ما أمروا به، ما الذي أمروا به؟ (إذا كبر الإمام فكبروا) فكبروا بعد تكبير الإمام، فهم فعلوا ما أمروا به ومن فعل ما أمر به فقد برئت ذمته، فصلاة المأمومين صحيحة.
وأما صلاته هو فصحيحة أيضاً؛ لأنه أعاد التكبير على وجهٍ مجزئ.
لكن في ظني: أن هذا الرجل عنده وسواس، وأنه قد كبر تكبيرة تامة لكنه موسوس، والمبتلى بالوسواس -نسأل الله العافية- يفعل الشيء ويقول: لعلي لم أفعله، فيقول: إذاً أعد إبراءً للذمة، فيعيد، ثم يقول: لعل الإعادة فيها شيء، فيقول له الشيطان: أعد إبراءً للذمة، فيعيد، فيقول: في النفس من هذا شيء، أحتاط، فيعيد للمرة الخامسة، حتى إن بعض الناس -أسال الله لي ولهم العافية ولكم- يبقى ساعة أو ساعتين وهو لم يكبر تكبيرة الإحرام، يلعب به الشيطان، والواجب على من ابتلي بالوسواس أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وليمضِ وليبتعد عن هذا ولا يهتم به.
يقال: إن رجلاً جاء إلى أحد العلماء وقد اغتسل من الجنابة في نهر دجلة، فجاء إليه فقال: يا سيدي! إنني أذهب إلى دجلة وأغتسل من الجنابة ثم آتي لأصلي فأقول: إنني لم أغتسل ولم ترتفع جنابتي فماذا تقول أيها الشيخ؟ قال: أقول لك: لا تصلي، قال: كيف لا أصلي؟ قال: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) وأنت مجنون، كيف تغتسل في وسط النهر وتقول: ما ارتفع حدثي؟!! هذا جنون.
ولهذا -نسأل الله السلامة والعافية- الذين ابتلوا بالوسواس يصبحون كالمجانين، يعيد الشيء مرات ويقول: ما فعلت، أو يكرر التكبير الله أكبر (أككككك) نعم عدة مرات، ثم يتجرح حلقه من التكرار ويقول: ما كبرت.
الواجب من الإنسان إذا ابتلي بهذا -وأسأل الله السلامة- أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويبتعد.
ثم إن الذي يتدرج مع الوسواس ربما ينتقل إلى وسواس أشد، إلى أن يفكر أن يطلق زوجته، لو يقول: طال عمركِ، قال: قلت: (ط) و (ط) يعني الطلاق، فيقول: طلقت زوجتي، ثم لا يزال به الشيطان معه يعالجه في نفسه، فيقول: لماذا أتعب أطلق كلاماً صريحاً وأنتهي، فيطلق.
ونظير ذلك من يقول وهو متطهر: شككت هل أحدثت أم لا؟ فيقول: بلى.
قلق، فيقول: أحدث الآن، ثم يحدث.
هذا كله موجود بسبب الشيطان، يتلاعب بالإنسان حتى يوصله إلى حد المجانين -نسأل الله لنا ولكم العافية- والإنسان المبتلى بالوسواس ليس باختياره، بعضهم يبكي بكاء الصبي ليتخلص ولكنه يعجز، ولهذا يجب أن نلجأ إلى الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين من الوسواس.
стр. 561
من أحكام العقيقة
السؤال
فضيلة الشيخ! امرأة رزقت بستة أطفال ذكور وإناث، ومات منهم أربعة في أول أعمارهم، وبقي عندها ولد وبنت، وبعد ذلك توفي زوجها وهو لم يعق إلا عن اثنين منهم لعدم استطاعته، وتقول: إنها لا تعرف من هم الذين لم يعق عنهم ومن الذين قد عق عنهم، فماذا تفعل الآن، فهي لا تعلم هل الذين بقوا هم الذين قد عق عنهم أم لا؟
الجواب
ليس عليها شيء في ذلك؛ لأن المخاطب بالعقيقة هو الأب، وإذا جاء زمن العقيقة وهو غير قادر سقطت عنه؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، إذا كان الرجل الذي ليس عنده مال يسقط عنه الحج وتسقط عنه الزكاة، فهذا من باب أولى.
فنقول: إن أباهم إذا كان حين ولادتهم غير قادر على العق عنهم فليس عليه شيء، وإذا كان غنياً فقد ترك مستحباً، وأما أنتِ أيتها المرأة وأولادك فلا شيء عليكم إطلاقاً؛ لأنكم غير مخاطبين بالعق، المخاطب هو الأب.
стр. 562
كيفية التوبة من الفسق والمظالم
السؤال
ذكرت وفقك الله في خطبة الجمعة، وجوب رد الحقوق إلى أهلها، وهذا واضح في الأموال، ولكن ماذا تقول يا فضيلة الشيخ فيمن حصل منه شيء من الفسق، بل شيء من فعل بعض الكبائر لها علاقة برجال أو بنساء فكيف يكون رد المظالم في مثل هذه، حيث أنه لو ذهب يعتذر الآن لربما حصل من المشاكل الكثير، أرجو توضيح الأمر؛ لأن الإنسان إذا تاب وندم يحس بجراح في قلبه فما الحل في مثل هذه الحالة نفعني الله بك وجميع إخواني المسلمين؟
الجواب
الحل في هذا: أن ما لا يمكن تداركه يكفي فيه التوبة والاستغفار، فمثلاً: إذا قدر أن هذا الرجل قد زنا بامرأة فيما سبق باختيارها، ومعلوم أنها ظالمة لنفسها وهو ظالم لنفسه ثم تاب فإن الله يتوب عليه، لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] فتوبته إن شاء الله تجزئ.
لكن هناك حقوق غير مالية يمكن تداركها، مثل: أن يكون قد اغتاب شخصاً، أي: ذكره في غيبته بما يكره، فهذا قال بعض العلماء: لا بد أن تذهب إليه وتستحله، ولا توبة لك إلا بذلك.
وقال بعض العلماء بالتفصيل: إن كان قد علم أنك قد اغتبته فلا بد أن تستحله، وإن لم يكن قد علم فلا يشترط أن تستحله، لكن اذكره بالخير في الأماكن التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يذهبن السيئات.
стр. 563
حكم وضع الرِّجل على القبر وحثو التراب على القبر
السؤال
ذكر لنا أحد طلبة العلم ونحن في المقبرة: أن حثو التراب ثلاث مرات بدعة، ونهى من كان يدفن أن يضع قدمه على القبر المجاور، فما صحة ذلك؟
الجواب
أما النهي عن وضع الرِّجل على القبر المجاور فهذا صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يوطأ على القبر.
وأما الحثيات فهي للمشاركة في الدفن، وقد استحبها كثير من العلماء، وورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن من العلماء من ضعفه، وهذه لا ينكر على من فعلها؛ لأنها من مسائل الاجتهاد، وما زال علماؤنا يفعلون ذلك بناءً على ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب الحثيات الثلاث.
وأنا أشير على إخواننا الطلبة: ألا يتعجلوا في الأمور التي تتعلق بغيرهم؛ لأنهم ربما ينكرون ما يظنونه منكراً وليس بمنكر، والتأني في الأمور خير من التعجل والتسرع، ولهذا قال بعض السلف لطلبة العلم: لا تعجلوا السؤدد والشرف.
معناه: لا تتعجل في الأمور لطلب السؤدد والشرف، فإن السؤدد والشرف سوف يأتيك إذا ترعرعت في العلم، وعرفت ما لم يعرفه غيرك، وشرعت في تعليم الناس.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى في الشهر القادم.
стр. 564
اللقاء الشهري [٢٤]
في هذا اللقاء الشهري تحدث الشيخ عن الامتحانات، وأن على الطالب ألا يكون أكبر همه أن ينجح في الامتحانات، بل يكون أكبر همه أن يهضم العلم وأن يرسخ العلم في قلبه، وأن على المدرسين أن يكونوا يقظين ومنتبهين أثناء مراقبة الطلاب في القاعة؛ لأن عملهم أمانة وهم مسئولون أمام الله ، وكذلك الطلاب، ثم أردف الحديث بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع.
стр. 565
نصائح وتوجيهات للطلاب والطالبات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أنزل الله عليه في آخر حياته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة: فهذا هو لقاؤنا الشهري الذي يتم في مساء كل سبت الثالث من كل شهر، وفي هذا الشهر شهر رجب عام (١٤١٥هـ) يتم في ليلة الأحد السادس عشر من هذا الشهر، نسأل الله تعالى أن يعمنا جميعاً بنفع هذه اللقاءات، وأن يبارك لنا فيها، وأن ينفعنا بها إنه على كل شيء قدير.
كنا بصدد الكلام على بقية خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمها أصحابه: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه.)
إلى آخرها، ولكن بما أننا في استقبال امتحانات للطلاب والطالبات، فلعلنا نتكلم بما يسر الله حول هذا الموضوع، فنقول: أولاً: نشير على كل طالب علم من رجل أو امرأة ألا يكون أكبر همه أن ينجح في الامتحان، بل يكون أكبر همه أن يهضم العلم، ويرسخه في قلبه، وبناءً على ذلك فإنه سوف يجتهد من أول السنة، حتى يهضم العلم شيئاً فشيئاً؛ لأن الإنسان إذا ترك الاجتهاد في أول السنة تراكمت عليه الدروس، ثم صارت مراجعته إياها في آخر العام كأنها أضغاث أحلام أو خيالات وأوهام، لذلك نشير وننصح كل طالب وطالبة أن يكون اجتهادهم من أول السنة حتى يهضموا العلوم شيئاً فشيئاً، حتى إذا جاء وقت الامتحان إذا هم مستريحون، وهاضمون للعلوم، ومنتفعون بمدة الدراسة، أما من يهمل ويتكاسل، فإذا جاء وقت الامتحان شد على نفسه، وأتعب نفسه ثم لم ترسخ العلوم في ذهنه، حتى إنك لو سألته غداً عما اختبر به اليوم لم تجد عنده حصيلة منه، فهذا غلط، وليست هذه دراسة.
الامتحانات في الواقع اختبار للطالب والطالبة، ماذا حصل فيما مضى من دراسته؟ وليس الامتحان مقياساً لما عند الطالب والطالبة من العلوم، بعض الطلبة يخفق في الامتحان، إما لعدم استحضاره الجواب في تلك الساعة، وإما لفهمه السؤال على وجه غير صحيح، وإما لفهمه أن الإجابة هي الصحيحة وهي غير صحيحة، وإما لحصول ضوضاء حوله، وإما لحصول لعب حوله، وإما لمشاهدته من يغش من زملائه أو لغير ذلك من الأسباب فتجد جوابه يكون هزيلاً ولا يصل إلى الدرجة التي يؤملها.
والحقيقة أن الاختبار ليس بمقياس للطالب، المدرس يعرف طلابه، ويعرف الجيد، ويعرف الذي يريد العلم حقيقة قبل أن يمتحنه، لكن لما تعذر تقويم الطلبة بمجرد تصور الأستاذ صار لا بد من الامتحانات، وهي في الحقيقة تقريبية ولا يقاس بها الطالب على وجه التحديد.
следующие страницы →