← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

من أحكام العقيقة السؤال فضيلة الشيخ! امرأة رزقت بستة أطفال ذكور وإناث، ومات منهم أربعة في أول أعمارهم، وبقي عندها ولد وبنت، وبعد ذلك توفي زوجها وهو لم يعق إلا عن اثنين منهم لعدم استطاعته، وتقول: إنها لا تعرف من هم الذين لم يعق عنهم ومن الذين قد عق عنهم، فماذا تفعل الآن، فهي لا تعلم هل الذين بقوا هم الذين قد عق عنهم أم لا؟ الجواب ليس عليها شيء في ذلك؛ لأن المخاطب بالعقيقة هو الأب، وإذا جاء زمن العقيقة وهو غير قادر سقطت عنه؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، إذا كان الرجل الذي ليس عنده مال يسقط عنه الحج وتسقط عنه الزكاة، فهذا من باب أولى. فنقول: إن أباهم إذا كان حين ولادتهم غير قادر على العق عنهم فليس عليه شيء، وإذا كان غنياً فقد ترك مستحباً، وأما أنتِ أيتها المرأة وأولادك فلا شيء عليكم إطلاقاً؛ لأنكم غير مخاطبين بالعق، المخاطب هو الأب.

стр. 562

كيفية التوبة من الفسق والمظالم السؤال ذكرت وفقك الله في خطبة الجمعة، وجوب رد الحقوق إلى أهلها، وهذا واضح في الأموال، ولكن ماذا تقول يا فضيلة الشيخ فيمن حصل منه شيء من الفسق، بل شيء من فعل بعض الكبائر لها علاقة برجال أو بنساء فكيف يكون رد المظالم في مثل هذه، حيث أنه لو ذهب يعتذر الآن لربما حصل من المشاكل الكثير، أرجو توضيح الأمر؛ لأن الإنسان إذا تاب وندم يحس بجراح في قلبه فما الحل في مثل هذه الحالة نفعني الله بك وجميع إخواني المسلمين؟ الجواب الحل في هذا: أن ما لا يمكن تداركه يكفي فيه التوبة والاستغفار، فمثلاً: إذا قدر أن هذا الرجل قد زنا بامرأة فيما سبق باختيارها، ومعلوم أنها ظالمة لنفسها وهو ظالم لنفسه ثم تاب فإن الله يتوب عليه، لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] فتوبته إن شاء الله تجزئ. لكن هناك حقوق غير مالية يمكن تداركها، مثل: أن يكون قد اغتاب شخصاً، أي: ذكره في غيبته بما يكره، فهذا قال بعض العلماء: لا بد أن تذهب إليه وتستحله، ولا توبة لك إلا بذلك. وقال بعض العلماء بالتفصيل: إن كان قد علم أنك قد اغتبته فلا بد أن تستحله، وإن لم يكن قد علم فلا يشترط أن تستحله، لكن اذكره بالخير في الأماكن التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يذهبن السيئات.

стр. 563

حكم وضع الرِّجل على القبر وحثو التراب على القبر السؤال ذكر لنا أحد طلبة العلم ونحن في المقبرة: أن حثو التراب ثلاث مرات بدعة، ونهى من كان يدفن أن يضع قدمه على القبر المجاور، فما صحة ذلك؟ الجواب أما النهي عن وضع الرِّجل على القبر المجاور فهذا صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يوطأ على القبر. وأما الحثيات فهي للمشاركة في الدفن، وقد استحبها كثير من العلماء، وورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن من العلماء من ضعفه، وهذه لا ينكر على من فعلها؛ لأنها من مسائل الاجتهاد، وما زال علماؤنا يفعلون ذلك بناءً على ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب الحثيات الثلاث. وأنا أشير على إخواننا الطلبة: ألا يتعجلوا في الأمور التي تتعلق بغيرهم؛ لأنهم ربما ينكرون ما يظنونه منكراً وليس بمنكر، والتأني في الأمور خير من التعجل والتسرع، ولهذا قال بعض السلف لطلبة العلم: لا تعجلوا السؤدد والشرف. معناه: لا تتعجل في الأمور لطلب السؤدد والشرف، فإن السؤدد والشرف سوف يأتيك إذا ترعرعت في العلم، وعرفت ما لم يعرفه غيرك، وشرعت في تعليم الناس. وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى في الشهر القادم.

стр. 564

اللقاء الشهري [٢٤] في هذا اللقاء الشهري تحدث الشيخ عن الامتحانات، وأن على الطالب ألا يكون أكبر همه أن ينجح في الامتحانات، بل يكون أكبر همه أن يهضم العلم وأن يرسخ العلم في قلبه، وأن على المدرسين أن يكونوا يقظين ومنتبهين أثناء مراقبة الطلاب في القاعة؛ لأن عملهم أمانة وهم مسئولون أمام الله ، وكذلك الطلاب، ثم أردف الحديث بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع.

стр. 565

نصائح وتوجيهات للطلاب والطالبات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أنزل الله عليه في آخر حياته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة: فهذا هو لقاؤنا الشهري الذي يتم في مساء كل سبت الثالث من كل شهر، وفي هذا الشهر شهر رجب عام (١٤١٥هـ) يتم في ليلة الأحد السادس عشر من هذا الشهر، نسأل الله تعالى أن يعمنا جميعاً بنفع هذه اللقاءات، وأن يبارك لنا فيها، وأن ينفعنا بها إنه على كل شيء قدير. كنا بصدد الكلام على بقية خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمها أصحابه: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه.) إلى آخرها، ولكن بما أننا في استقبال امتحانات للطلاب والطالبات، فلعلنا نتكلم بما يسر الله حول هذا الموضوع، فنقول: أولاً: نشير على كل طالب علم من رجل أو امرأة ألا يكون أكبر همه أن ينجح في الامتحان، بل يكون أكبر همه أن يهضم العلم، ويرسخه في قلبه، وبناءً على ذلك فإنه سوف يجتهد من أول السنة، حتى يهضم العلم شيئاً فشيئاً؛ لأن الإنسان إذا ترك الاجتهاد في أول السنة تراكمت عليه الدروس، ثم صارت مراجعته إياها في آخر العام كأنها أضغاث أحلام أو خيالات وأوهام، لذلك نشير وننصح كل طالب وطالبة أن يكون اجتهادهم من أول السنة حتى يهضموا العلوم شيئاً فشيئاً، حتى إذا جاء وقت الامتحان إذا هم مستريحون، وهاضمون للعلوم، ومنتفعون بمدة الدراسة، أما من يهمل ويتكاسل، فإذا جاء وقت الامتحان شد على نفسه، وأتعب نفسه ثم لم ترسخ العلوم في ذهنه، حتى إنك لو سألته غداً عما اختبر به اليوم لم تجد عنده حصيلة منه، فهذا غلط، وليست هذه دراسة. الامتحانات في الواقع اختبار للطالب والطالبة، ماذا حصل فيما مضى من دراسته؟ وليس الامتحان مقياساً لما عند الطالب والطالبة من العلوم، بعض الطلبة يخفق في الامتحان، إما لعدم استحضاره الجواب في تلك الساعة، وإما لفهمه السؤال على وجه غير صحيح، وإما لفهمه أن الإجابة هي الصحيحة وهي غير صحيحة، وإما لحصول ضوضاء حوله، وإما لحصول لعب حوله، وإما لمشاهدته من يغش من زملائه أو لغير ذلك من الأسباب فتجد جوابه يكون هزيلاً ولا يصل إلى الدرجة التي يؤملها. والحقيقة أن الاختبار ليس بمقياس للطالب، المدرس يعرف طلابه، ويعرف الجيد، ويعرف الذي يريد العلم حقيقة قبل أن يمتحنه، لكن لما تعذر تقويم الطلبة بمجرد تصور الأستاذ صار لا بد من الامتحانات، وهي في الحقيقة تقريبية ولا يقاس بها الطالب على وجه التحديد.

стр. 566

مسائل في الامتحانات وإننا نبحث في الامتحانات ونحوها من وجوه:

стр. 567

موقف المراقب من الطلاب في قاعة الامتحانات الوجه الأول: أنه من المعروف أن قاعة الامتحانات يكون عليها رقباء من الأساتذة، فما موقف المراقب من الطلاب في هذه القاعة؟ موقفه يجب أن يكون يقظاً منتبهاً، يراقب الطلبة حق المراقبة، وليس ذلك التعسير على الطلبة، ولكنه من الحزم وحفظ النظام للطلبة، فإذا رأى من يحاول أن يغش أو يغش بالفعل لزمه إجراء النظام عليه، ولا يحل له في هذه الحالة أن يحابي قريباً، أو صديقاً، أو ابن صديق، أو تاجراً لتجارته، أو فقيراً لفقره، لا. الناس في هذا المقام سواء، فعليه أن يتقي الله في مراقبته، وأن يكون يقظاً فطناً يلاحظ الطلبة، ويلاحظ شفاههم، ويلاحظ أقلامهم، حتى يؤدي ما وجب عليه؛ لأن المراقب مؤتمن من قبل المسئولين، الإدارة أو العمادة فوضت ووكلت الأمر إليه، فهو إما أن يقوم بأداء الأمانة على الوجه المطلوب، وإما أن يكون العكس، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] فعليه أن يتقي الله وأن يشعر بأن وقوفه للمراقبة وتردده بين صفوف الطلاب عبادة يؤجر عليها؛ لأنه يؤدي أمانة أبت الأرض والسماوات والجبال أن تحملها وحملها الإنسان، فهو يقوم الآن بعبادة عظيمة يتقرب بها إلى الله.

стр. 568

الواجب على الطالب في قاعة الامتحانات الوجه الثاني: من جهة الطلاب. الطالب يجب عليه أن يتقي الله ، وأن يكون طالب علم بمعنى الكلمة، لا يدلس ولا يخون ولا يغش ولا يخالف النظام، فإنه بهذا يكون طالباً مثالياً، وبهذا تيسر له الأمور، وتفرج له الكربات؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] . وعلى الطالب في هذا المكان الضنك أن يعتمد على الله، ويستعين به، ويفوض أمره إليه؛ لأنه قد لا يكون له في هذه الحالة حول ولا قوة، فيلجأ إلى الله ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: كافيه. لست أقول: إنه لا يعتمد على نفسه فيما حصَّل من العلم، بل يعتمد على ذلك؛ لأن هذا سبب، لكن الله هو المسبب، فعليه أن يكون أكبر اعتماده على الله حتى يعينه، ويحسن إذا مدت إليه ورقة الأسئلة أو أمليت عليه أن يذكر الله تعالى بكلمة الاستعانة، وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن هذه الكلمة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنها كنز من كنوز الجنة، فقد قال لـ أبي موسى الأشعري: (يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) ففيها تفويض الأمر إلى الله والاستعانة بالله ، وهكذا كل أمر شاق ينبغي أن يقول هذه الكلمة عنده؛ لأنه يعان بها، ولذلك إذا قال المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح ماذا نقول؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، نستعين بالله على إجابة هذا المؤذن الذي دعانا إلى الصلاة ودعانا إلى الفلاح. وعلى الطالب أن يخشى الله من الغش، سواء اختاره لنفسه أم اختاره لغيره، فلا يغش بنفسه ولا يغشش أحداً؛ لأنه مؤتمن، ولا خير في بطاقة شهادة تحملها وهي غش، بل هذه نكبة عليك؛ لأنك -مثلاً- لو حملت بطاقة شهادة في اللغة العربية ثم قيل لك: أعرب هذه الجملة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] من الناس من يحمل بطاقة شهادة في اللغة العربية ولا يعرف يعرب الآية، أين الشهادة؟! ومن الناس من يحمل شهادة اللغة العربية ثم إذا قرأ عددت عليه لحناً ما لا يحصى، لماذا؟ لأن شهادته مبنية على الغش، فهذا لا ينتفع هو بنفسه، ولا ينفع أمته، ولا يدفع عن هذه الأمة العيب، ونحن نريد أن تكون أمتنا في هذه الجزيرة أمة واعية مهذبة معلمة يستفيد منها القريب والبعيد. أقول: إن عليه أن يتقي الله فلا يغش بنفسه ولا يغشش غيره، لا تحمله العاطفة على أن يرى طالباً ضعيفاً يحتاج إلى معونة، فيقول: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ثم يقول: ما المشكل عليك؟ مشكل عليه كذا وكذا فيعطيه ورقة أو يخبره بالمشافهة إذا كان المراقب بعيداً ولم يعلم أن المراقب قريب، من المراقب حقيقة؟ الذي هو على كل شيء رقيب وهو الله ، فالواجب على الطالب أن يكون طالباً بمعنى الكلمة وأن يتقي ربه. اشتهر عند بعض الناس أن الغش في المواد غير الدينية لا بأس به على وجه العموم، كل المواد التي هي غير دينية لا بأس بالغش فيها هكذا قال بعض الناس، وبعضهم جعل الأمر أخص من ذلك، قال: اللغة الإنجليزية غش فيها ولا تبالي، وغيرها لا يجوز، وهذا خطأ، ما دامت العلوم مقررة، والشهادة مبنية على إتقان هذه العلوم المقررة في المنهج، فإنه لا يجوز الغش فيها، حتى لو كانت اللغة الإنجليزية، الشيء الذي لا يرتضى من المقررات -مثلاً- يكتب عنه، لكنْ منهج مقرر معتبر لا بد من إتقانه، سواء كان من العلوم الشرعية أو مما يساند العلوم الشرعية كعلوم العربية، أو مما يكون وسيلة لإبلاغ الشرع؛ لأن اللغة الإنجليزية قد تكون وسيلة لإبلاغ الشرع، لو كنت تخاطب من لا يعرف اللغة العربية ولكن يعرف اللغة الإنجليزية كيف توصل إليه الشرع؟ لو مكثت تتكلم معه باللغة العربية من طلوع الشمس إلى غروبها ما فهم، لكن إذا كان معك لغة إنجليزية وهي لغته -مثلاً- فهم واستفاد، وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زيد بن ثابت ﵁ وهو شاب لقن فطن أمره أن يتعلم لغة اليهود، من أجل أن يقرأ ما يرد من كتبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يكتب لهم ما يصدر من الرسول ﵊ بلغتهم، يقول أهل النقل: إنه تعلم اللغة العبرية في خلال ستة عشر يوماً؛ لأنه شاب لقن فطن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما تعلمها بهذه السرعة؛ لأن اللغة العبرية قريبة من اللغة العربية. فدل ذلك على أن اللغة غير العربية لا يذم من تعلمها ولا يمدح، إن كانت وسيلة لخير فإنه يمدح عليها، لو قال: أنا أريد أن أتعلم اللغة الإنجليزية لأدعو بها، نقول له: جزاك الله خيراً، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] ولا يمكن أن تدعو من لا يعرف اللغة العربية باللغة العربية، بل لا تدعوه إلا بلغته. فإذا كان الأمر هكذا فلا ينبغي لنا أن نفتي أنفسنا بفتاوى غير صحيحة، ونقول: ما عدا العلوم الشرعية فلا بأس بالغش فيها، وأما اللغة الإنجليزية فعليك بالغش، من قال هذا؟ والشهادة مرتبة على النجاح في كل المواد، فإذا كنت لا تستطيع أن تدرك هذه اللغة فاطرق أبواباً أخرى لعلَّ الله أن يفتح لك أبواباً أخرى إذا اتقيت الله .

стр. 569

المنهجية في وضع أسئلة الامتحانات وتصحيح الإجابة الوجه الثالث: وهو ما يتعلق بوضع الأسئلة وتصحيح الأجوبة. أما وضع الأسئلة فالواجب أن تكون ملائمة للطلاب، بحيث لا تكون صعبة لا يمكنهم الإجابة عليها، ولا سهلة لا يُعرف بها ما عند الطالب من العلم، بل تكون ملائمة، ليست صعبة ولا سهلة، فإن قال واضع الأسئلة: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لـ عثمان بن أبي العاص: (اقتد بأضعفهم) قلنا: ليس هذا الذي أراده النبي ﵊ كالذي نحن فيه، الذي أراده النبي ﷺ هو أن هذا الرجل جعله إمام قومه، يصلي بهم إماماً، وقال له: (اقتد بأضعفهم) لأن أقواهم لا حد لقوته، يريد أن تكون الصلاة طويلة في قراءتها وركوعها وسجودها وقيامها وقعودها، والضعيف لا يريد هذا، وما داموا مشتركين في الائتمام بإمامهم فإن عليه أن يراعي الضعيف، أما ما نحن فيه فإنه ميزان يوزن به ما عند الطلبة من العلوم، وهذا العدل فيه أن يكون بالوسط، لا ينظر فيه إلى الأقوياء ولا إلى الضعفاء. وأيضاً يلاحظ واضع الأسئلة أن تكون واضحة؛ لأن بعض الأسئلة تكون محتملة فيبقى الطالب متردداً: هل أراد كذا، أو أراد كذا وربما يأتي بجواب أكثر من المطلوب، فيضيع الوقت على نفسه ويضيعه على المصحح، فإذا كانت الأسئلة واضحة سهلت الإجابة عليها. ويجب على واضعي الأسئلة -من حيث الإجابة- أن يتقوا الله في التصحيح، بحيث لا يفضلون أحداً على أحد، حتى لو كان يعرف أن هذا الجواب من طالب جيد، يعرفه أثناء الدراسة، لكنه عند الامتحان -مثلاً- أخطأ، ولم يصل إلى الدرجة التي تتوقع منه، لا تعتمد على ما كنت تعرفه عن هذا الطالب؛ لأن هذا ليس موكولاً إليك، وإنما هو مقرون ومرتبط بالجواب، وقد قال النبي ﵊: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له شيئاً من حق أخيه فإنما أقتطع له جمرة من النار فليستقل أو ليستكثر) الشاهد: (إنما أقضي بنحو ما أسمع) أيضاً المدرس عندما يصحح الأجوبة يصحح بنحو ما قرأ، ولا ينظر إلى أي اعتبار آخر، وعليه -أيضاً- ألا يهمل شيئاً يحتاج إلى التنبيه عليه. وهنا مسألة يكثر السؤال عنها: إذا أتى الطالب بالدليل من قرآن أو سنة، لكنه غلط فيه غلطة، فإننا نقول: إذا كان الشاهد من هذا الدليل موجوداً، فالغلط لا يحسب عليه؛ لأن الشاهد من الآية أو الحديث موجود وما زاد فهو كمال، فلا يحاسب عليه، لكن لا شك أن من أتى بالدليل تاماً من القرآن والسنة فهو أكمل، لكننا لا نحاسبه على ما أخلَّ به إذا كان المقصود من الدليل موجوداً. كذلك بعض الطلبة قد يزيد في الجواب، فمن المصححين من يقول: الزيادة نقص، ومنهم من يقول: الزيادة ليست بنقص، ومنهم من يقول: الزيادة إن دلت على تردد الطالب وأنه لم يفهم، لكن أراد أن يأتي بالكلام الطويل، لعله يضيع الأستاذ المصحح فإن هذه الزيادة تحسب عليه إذا وقع فيها الخطأ، ولا تحسب إذا لم يكن فيها خطأ، وهذا الرأي هو الأحسن أن يقال: إذا زاد الطالب وأخطأ في الزيادة فإنه لا يحسب عليه ذلك؛ لأن المقصود حصل بدون هذه الزيادة، إلا إذا علمنا أن الجواب يدل على أن الطالب لم يتقن ولم يهضم العلم، لكنه أتى بهذه الزيادة من أجل أن يضيع المصحح، كما يوجد عند بعض الطلبة، بعض الطلبة عنده شطارة يجعل المصحح في دوامة على الأقل يمل ويعطيه الدرجة كاملة، لكن هذا التفصيل: أن الزيادة إذا كان فيها خطأ فإنها لا تحسب ولكن إذا علمنا من قرينة الجواب أنه أراد التعمية على المصحح فإنه إذا أخطأ فيها حاسبناه عليها.

стр. 570

الاستعداد للامتحان الأعظم في الآخرة هذا الامتحان الذي نتحدث عنه امتحان لشيء من أمور الدنيا، إذا أخفق فيه الإنسان هذه المرة فلعله ينجح في المرة الثانية، لكن هنا امتحان أعظم منه وأشد خطراً وهو امتحان الإنسان في قبره إذا دفن وتولى عنه أصحابه، فإنه يأتيه ملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من هؤلاء، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يرزقنا الاستعداد لهذا اللقاء، إنه على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 571

الأسئلة

стр. 572

كيفية التعامل مع من مرض يوم الامتحان السؤال فضيلة الشيخ! إذا كان الطالب مجتهداً في حفظ دروسه كلها، فمرض في يوم الامتحان، وحضر الامتحان ولكن زاد عليه المرض، فهل يجوز أن يساعده أحد من إخوانه على الامتحان، أم ماذا يصنع؟ الجواب لا يجوز لأحد أن يساعده على الامتحان، ولكن إذا وصل إلى حالة لا يتمكن فيها من الإجابة، فالواجب أن ينظر إلى حاله، فإما أن يعطى درجة على هذه المادة بالنسبة، أي: ينظر المجموع الكلي في الدروس الأخرى، ثم يعطى على هذه المادة بمثل هذه النسبة، وإما أن يعاد الامتحان له على حسب ما يقتضيه النظام وما تراه الإدارة أو العمادة.

стр. 573

كيفية تحديد امتحان المواد الدراسية السؤال فضيلة الشيخ! هناك موضوع يؤلمني كثيراً، أرجو منكم التوجيه لي ولإخواني فيه: فبعض الطلبة لا سيما أن بعضهم في قسم الشريعة أو الأصول يقوم بإحراج المشايخ ومدرسيه فيقول: احذف عنا بعض المنهج، خفف عنا، وأيضاً: تجده يكون فرحاً إذا غاب أحد أساتذته؛ لأنه ينقص من المنهج حينئذٍ، ويعلم الله أن هذا يؤلمني، فهل ألمي هذا له وجه، أرجو توجيهي وتوجيه إخواني في ذلك؟ الجواب نعم. ألمك هذا له وجه، وذلك أنه لا ينبغي للطالب الحازم أن يُلجئ الأساتذة إلى أمر محرج، بل عليه الأدب والابتعاد عن هذه الخصلة، ثم إن الأستاذ لا يملك أن يحذف شيئاً من المقرر وقد جاءت الأنظمة بأن الامتحان على حسب المنهج والمقرر، وليس على حسب الدراسة، وهذه أيضاً مشكلة، النظام هو أن يكون الامتحان بحسب المقرر لا بحسب المقروء، ولهذا ينبغي للأستاذ ألا يضيع وقت الدراسة ببحوث خارجة عن الموضوع، فيضيع على الطلبة مقررهم إلى أمر ليسوا بحاجة إليه، فإذا جاء آخر العام وإذا هم لم يأخذوا إلا (٨٠%) أو أقل من المقرر، فيقع هو أو الطلبة في حرج؛ لأنه إما أن يقتصر على المقروء وحينئذٍ يقع هو في حرج؛ لأن المسئولين الذين فوقه يقولون: لا بد أن يكون الامتحان في جميع المقرر، وإما أن يقع الطلبة في حرج، فتوضع لهم أسئلة في شيء لم يقرءوه، وهذا لا شك أنه حرج. فالحاصل: أننا ننصح الطلبة ألا يحرجوا الأساتذة في هذه المسألة، وننصح الأساتذة -أيضاً- بأن يحرصوا على إكمال المقرر بدون غرر، وألا يشغلوا أوقات الدراسة ببحوث لا فائدة منها.

стр. 574

حكم أخذ الشهادة بالغش في مواد الامتحان السؤال ما رأي فضيلتكم في طالب نجح في شهادة الثانوية وقد غش في مادة الإنجليزي بعد أن ذهب من عمره ثلاث سنوات في هذه المادة لم ينجح إلا بالغش، علماً أنه لا يستفيد من هذه المادة المعروضة عليه، فما حكم هذه النتيجة؟ الجواب النتيجة هذه ليست نتيجة في الواقع؛ لأنه بقي عليه مادة من المواد لم ينجح فيها، والشهادة لا تعطى إلا لمن نجح في جميع المواد المقررة، وعلى هذا فأمره محرج، لكن أقول: لعله إذا تاب إلى الله ودخل في الجامعة في مواد لا تتنافى مع ما فاته من دروس الثانوية أقول: لعل الله أن يعفو عنه وأن يستمر في دراسته في الجامعة حتى ينجح.

стр. 575

حكم تأجيل ما بقي من مال المشتري السؤال ما الحكم إذا أتى المشتري واشترى سلعة بعشرين ريالاً، وقد أعطى البائع أكثر من هذا المبلغ، فيقول البائع حينئذٍ للمشتري: ما بقي لك تعال وخذه غداً مني. وهذا يحصل معنا معشر الطلبة كثيراً، نشتري وجبة الغداء -مثلاً- بريالين، فنعطي البائع خمسة ريالات فيقول: إذا انتهيت فتعال خذ الباقي. أرجو توضيح هذه المسألة، فقد سمعت بأنها ربا فهل هذا صحيح، وما هي العلة، وكيف الخلاص حينئذٍ من هذه الصورة؟ الجواب هذه الصورة ليس فيها ربا، الربا لو قلت: اصرف لي فئة خمسين، فقال: ليس عندي إلا خمسة وعشرين خذ خمسة وعشرين والباقي تأتيني بعد ذلك، هذا الذي يكون ربا. أما إذا اشتريت حاجة بدراهم، مثلاً: اشتريت حاجة بعشرين، وليس معك إلا ورقة فئة خمسين، ثم أعطيتها هذا الرجل وقلت: هذه الورقة عندك لك منها عشرون وغداً آتي إليك ونعقد عقداً جديداً على ما بقي من الدراهم. فهذا لا بأس به، المحذور هو أن تتعامل بمصارفة بدون قبض، أما أن تعطيه أكثر من حقه ويكون الزائد عنده بمنزلة الأمانة، فإذا جئت من الغد أو من بعد الغد قلت: أنا أصارفك على هذا، فهذا لا بأس به.

стр. 576

حكم من لبس ملابس الإحرام ثم نزعها قبل وصوله مكة السؤال فضيلة الشيخ! رجل صعد الطائرة من مطار القصيم، يريد الذهاب إلى أبها، والطائرة لا بد أن تنزل في مطار الطائف، فلبس ملابس الإحرام في مطار القصيم وعقد النية عند الميقات، فلما نزل في المطار في الطائف قالوا: إن الطائرة سوف تقلع بعد نصف ساعة، فخلع الملابس ولبس ثياب الحل، فما الحكم؟ مع العلم أنه قد تزوج بعد تلك الحادثة؟ الجواب ما دام الرجل لم يعقد النية وإنما تأهب ويريد إذا نزل الطائف وذهب إلى مكة ومرَّ بالميقات أحرم منه، فالأمر في هذا سهل؛ لأنه لم يعقد النية، فإذا وصل إلى مطار الطائف وقد لبس ثياب الإحرام وبدا له ألا يأتي بعمرة فلا حرج عليه، أما إذا كان قد تلبس بالإحرام أي: عقد النية، ولا أظن أن هذا يقع، كيف ينوي وهو لم يصل إلى الميقات؟ لكن إذا قدر أنه فعل ونوى فإنه يجب عليه الآن أن يكمل عمرته فيخلع الثياب المعتادة ويلبس ثياب الإحرام ويكمل العمرة، فإذا أكملها أعاد تجديد العقد؛ لأن العقد وقع عليه وهو في إحرام، لم يحل من عمرته، وعقد المحرم النكاح باطل لا يصح، فهذه الطريقة. الآن يذهب يلبس ثياب الإحرام فوراً، ويذهب إلى مكة ويطوف ويسعى ويقصر وبهذا تتم عمرته، ثم يعيد عقد النكاح بعد التحلل من هذه العمرة؛ لأن عقده النكاح وهو في العمرة عقد باطل، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يَنكح المحرم ولا يُنكح، ولا يخطب) .

стр. 577

التفصيل في متابعة الإمام في سجود السهو السؤال فضيلة الشيخ! لسجود السهو حالة بعد السلام وحالة قبل السلام، أرجو تفصيل حال المأموم إذا كان مسبوقاً هل يتابع الإمام فيسجد إذا أكمل صلاته، أرجو التفصيل لحصول اللبس عليَّ وعلى إخواني؟ الجواب المسبوق معناه: هو الذي فاته بعض الصلاة، فإذا سجد الإمام قبل السلام وجب عليه أن يسجد معه؛ لأنه لا يمكن أن يقوم لقضاء ما فاته إلا بعد سلام الإمام، فيسجد معه تبعاً له، فإذا فرغ من صلاته نظرنا: إن كان سهو الإمام قبل أن يدخل المسبوق معه فلا سجود عليه؛ لأنه لم يسه ولم يدرك الإمام حال سهوه، وإن كان سهو الإمام في الجزء الذي أدرك الصلاة فيه معه، فعليه أن يسجد قبل أن يسلم؛ لأن سجود السهو الذي كان قبل تمام الصلاة إنما كان متابعة لإمامه. أما إذا كان سجود الإمام بعد السلام فإنه لا يتابعه، بل إذا سلم الإمام من صلاته قام هذا المسبوق وقضى ما فاته، ثم إن كان سهو الإمام الذي سجد له الإمام قبل أن يدركه المأموم فيه فلا سجود على هذا المأموم؛ لأنه لم يسه ولم يقع سهو الإمام وهو مع إمامه، وأما إن كان في الجزء الذي أدرك الإمام فيه فإنه إذا قضى ما فاته يسلم ثم يسجد سجدتين بعد السلام ويسلم. أما إذا كان لا يعلم هل هو قبل أن يدركه فيه أو لا فالاحتياط أن يسجد ولا يضره إن سجد.

стр. 578

حكم إعطاء أحد الأبناء المال لحاجة دون إخوته السؤال فضيلة الشيخ! أعطي بعض أولادي أحياناً ريالاً أو خمسة ريالات أو عشرة ولا أعطي إخوانه كذلك أو أعطيهم أكثر منه، وليس ذلك من باب تفضيل أحدهم على الآخر، ولكن حسب الظروف والأحوال، فهل عليَّ حرج في ذلك، وهل يُعدُّ ذلك عدم عدل؟ الجواب إذا كان ما تعطي الأولاد أو البنات لدفع حاجتهم فإن ذلك ليس بجور، فمثلاً: لو احتاج الابن الكبير إلى كتب دراسية والذين دونه لا يحتاجون إليها، فاشتريت لهذا الابن الكبير ما يحتاج إليه من مواد الدراسة دون الآخرين فلا بأس، وكذلك لو احتاجت البنت إلى حلي -خواتم أو خروص أو ما أشبه ذلك- فإنك تشتري لها، ولا يلزمك أن تعطي الابن شيئاً مقابل ذلك؛ لأنك إنما أعطيتها لدفع الحاجة، ولهذا لو كان عندك أبناء كبار وأبناء صغار، فكسوت كل واحد ثوباً، أيهم أكثر؟ الكبار لا شك، فهل يلزمك أن تعطي الصغار ما زاد على ثيابهم؟ لا. فالمهم أن القاعدة: أن ما كان لدفع الحاجة فالعدل فيه أن تعطي كل واحد ما يحتاج، ولهذا لو أن الكبير بلغ واحتاج إلى زواج وزوجته؛ لأنه ليس عنده شيء، فهل يلزمك أن تعطي إخوانه مثل المهر الذي أعطيت الكبير؟ الجواب: لا، من بلغ أن يتزوج في حال حياتك فزوجه، ومن لم يبلغ أن يتزوج فليس عليك شيء. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها: قد يكون بعض الأولاد يحتاج إلى سيارة؛ لأن مدرسته بعيدة، والآخرون لا يحتاجون إلى سيارة؛ لأن مدرستهم قريبة، فهل تشتري للكبير سيارة؟ الجواب: لا تشتري له سيارة، ولكن اشتر سيارة باسمك وأعطها إياه ينتفع بها؛ لأنك بذلك تدفع حاجته ولا تخصه بتملك السيارة، لو قدر أن يموت هذا الابن ترجع السيارة لك، ولو قدر أن تموت أنت ترجع السيارة للورثة.

стр. 579

حكم معالجة العين أو السحر بطريقة التلبية السؤال يعمد بعض من يعالجون من السحر أو العين للمرضى يعمدون إلى طريقة تسمي عندهم (التلبينة) وهي أن يطلب ذلك الرجل من المريض بالسحر أن يحضر غلاماً أو فتاة دون سن البلوغ، ويزعم أنه إنما خصص هذا السن؛ لأن ذلك الطفل أو تلك الطفلة ليس عليها ذنوب، ثم يجعل في يد ذلك الصغير ورقة بيضاء أو مرآة، ثم يطفئ الأنوار، ويسأل ذلك الغلام: ماذا ترى؟ حتى يصف له الشخص الذي يراه من رجل أو امرأة، فما حكم ذلك؟ وما حكم إتيانهم؟ وما حكم إعطائهم أجرة؟ وهل يختلف الحكم إذا كانوا يقرءون شيئاً من القرآن أو الأدعية عند ذلك العمل؟ الجواب أرى أن مثل هذا العمل يؤدي إلى جنون الصبي أو الصبية، يعطيه ورقة بيضاء ويقول: أطفئ الأنوار ثم يقول: ما الذي تشاهد؟ هذا يوجب وحشته، وربما يكون في فكره وساوس وهواجس يخبل بها، حتى لو فرضنا أنه سيعطيها رجلاً بالغاً فإن ذلك نوع من السحر، ولا يجوز استعمال هذا، إنما يرقى المريض بأي مرض كان بالقرآن الكريم بالأدعية النبوية بالمعالجات الطبيعية كالعسل والحبة السوداء وما أشبه ذلك، أما هذه الأوهام والخيالات فإنه لا يجوز اعتمادها، ولا الذهاب إلى من يعالج بها.

стр. 580

حكم من مات وعليه صوم السؤال فضيلة الشيخ! رجل أفطر من رمضان اثنا عشر يوماً بسبب غسيله للكلى، وكان عنده نية أن يقضي هذه الأيام، ولكن أنهكه المرض وتدارك عليه فلم يستطع القضاء، ثم توفي، فهل يصوم عنه وليه هذه الأيام أو يطعم عنه أفدنا جزاك الله خيراً؟ الجواب الأفضل أن يطعم عنه؛ وذلك لأن هذا المريض مريض بمرض الغالب أنه لا يرجى برؤه، ولهذا استمر به هذا المرض حتى توفي عليه رحمة الله، فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين، والصاع الموجود من الرز يكفي لأربعة أيام إذا أعطي أربعة مساكين، والصاعان لثمانية، والثلاثة لاثني عشر يوماً، وعلى هذا فيكون هذا المريض يطعم عنه ثلاثة أصواع من الرز لاثني عشر فقيراً، وإن أمكن أن يجعل معها لحم حتى يؤدمها فهو أطيب وأكمل.

стр. 581

التفصيل في السقط إذا دُفن من غير غسل ولا صلاة السؤال فضيلة الشيخ! هناك امرأة أسقطت حملها في الشهر الرابع وكانا توأم، فقامت امرأة في الحال بأخذ المولودين ودفنهما في حوش المنزل ولم يصلِّ عليهما، فما الحكم في ذلك الفعل من المرأة التي دفنتهما من غير صلاة ومن غير تغسيل؟ وماذا عليها الآن وقد مضى على دفنهما ما يقارب عشر سنين، بل وأصبح موضع قبرهما بلاطاً، أي: طريقاً وممراً للمشاة أفتونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: إذا كان الحمل لم يتم له أربعة أشهر فإنه لا حكم له من حيث الصلاة والتغسيل والتكفين والدفن، يدفن في أي مكان، وإن كان قد تم لهما أربعة أشهر فإن الجنين إذا تم له أربعة أشهر أمر الله تعالى ملك الأجنة أن ينفخ فيه الروح ويتحرك، وحينئذٍ تكون هذه المرأة آثمة بفعلها؛ لأن الواجب أن يغسلا ويكفنا ويصلى عليهما ويدفنا في مقابر المسلمين، وعلى المرأة أن تتذكر هل هذا قبل تمام أربعة أشهر أو بعده، وتمشي على ما قلنا الآن. لكن هو له عشر سنين الآن إذا كان قد تم لهما أربعة أشهر يقيناً فما بقي الآن مما يمكن استدراكه إلا الصلاة عليهما، فيصلى عليهما ولو في البيت.

стр. 582

حكم التبرع بالدم السؤال فضيلة الشيخ! نقل إلينا أن فضيلتكم لا يرى التبرع بالدم إلا للضرورة كالتبرع لشخص معين، فهل هذا القول صحيح، وإذا تبرع الشخص بدمه لشخص معين فإنه ينقل إليه مباشرة دون وضع الدم في الثلاجة، فعند ذلك تتعطل الثلاجة، فتبقى الثلاجات التي في المستشفيات لا يوضع فيها الدم خالية، وعلى هذا إذا أتت حالة طارئة للمستشفى وأردت دماً فلا يمكن نقل الدم إلى ذلك المريض مباشرة؛ لعدم وجود دم في الثلاجة، خاصة إذا كانت فصيلة الدم نادرة لا تتوفر بسرعة، فيكون بذلك إهلاك للنفس، فهل من إفادة في حكم التبرع بالدم، جزاكم الله خير الجزاء، ووفقكم لما يحب ويرضى؟ الجواب نقول: إن نقل الدم إذا كان الإنسان صائماً صيام فرض، فإنه لا يجوز أن يسحب من الإنسان الدم وهو صائم صيام فرض إلا للضرورة بحيث يكون هناك مريض مضطر لهذا النوع من الدم، فحينئذٍ يسحب الدم من الصحيح الصائم ونقول له: أفطر -كل واشرب- واقض يوماً مكانه. وأما إذا كان الإنسان غير صائم، وأراد أن يتبرع بالدم وتبرعه بالدم لا يضره، فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن الدم لا يستلزم فقد عضو من الجسم، إنما يستلزم استنزاف الدم ثم يأتي بدله بسرعة، وليس كالأعضاء، فما نقل عنا فلعل الناقل توهم ذلك فيما إذا كان الإنسان صائماً صوم فرض، فإنه لا يجوز أن يتبرع بالدم إلا إذا كان هناك شخص مضطر إلى هذه الفصيلة من الدم، وغلب على الظن أنه لا يمكن أن يبقى إلى غروب الشمس بدون تبرع، فحينئذٍ يتبرع له الصائم ويفطر فيأكل ويشرب ويقضي يوماً مكانه، مثال ذلك: إنسان اضطر إلى دم هذا الرجل الصائم في رمضان، وقيل: إن تأخيره إلى الغروب ربما يكون سبباً لهلاكه، فنقول للصائم: جزاك الله خيراً مكنهم من أن يأخذوا من دمك ليجعلوه في هذا المحتاج، وأنت كل واشرب ولو في رمضان ثم اقض يوماً مكانه، أما إذا لم يكن الإنسان صائماً صيام فرض فالأمر في هذا واسع، ولا بأس بالتبرع بالدم سواء لمريض حاضر أو يُخزن في خزانات لاستقبال المرضى الذين يحتاجون إلى ذلك.

стр. 583

ظاهرة خروج الفتيات إلى الأسواق السؤال فضيلة الشيخ! كثرت الفتن في هذا الزمان، وبالذات في الأسواق والأماكن العامة التي يكثر فيها خروج النساء دون محرم، كثرةً تلفت الانتباه، لا سيما في هذه المدينة المباركة، فنرى بعض بوادر الشر ونرى كثيراً من النساء بل الفتيات يقفن طوابير لانتظار سيارات النقل الجماعي وغيرها لنقلهن إلى الأسواق، أرجو توجيهاً منكم في هذا الجمع المبارك أسأل الله أن ينفع بكم عباده؟ الجواب لا شك أن فتنة النساء أضر على الرجال من أي فتنة كانت، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) ولا شك أننا في هذه البلاد قد أنعم الله علينا بنعم كثيرة: أمن، رفاهية، عيش، صحة، وكل هذه من أسباب الشر والفساد، ولهذا يقول الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة والجدة: الغنى. ولا شك أنه يوجد من الفتيات من لها شغف في أن تنزل إلى الأسواق ولو لأدنى حاجة، ولو لحاجة ممكن أن يقضيها أصغر إخوانها، ومع ذلك تريد أن تنزل بنفسها، ولا شك -أيضاً- أنه يوجد من السفهاء في الأسواق أو في المتجرات من يكون سبباً لافتتان النساء به، فتجد المرأة تنزل من أجل أن تذهب إلى هذا المتجر أو إلى هذا السوق فيحصل الشر. ولكن ما هو الخلاص من ذلك؟ الخلاص: أولاً: أن تنمى في مدارك هؤلاء الفتيات العقيدة السليمة، بأن الله حافظ ومطلع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ثانياً: أن تنمى فيهن محبة العفة، والبعد عن الفحشاء وأسبابها. ثالثاً: أن تمنع النساء من الخروج من البيوت؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما نهى عن منعهن من الذهاب إلى المساجد، وأما إلى الأسواق فالرجل حر له أن يمنعها، تمنع من الخروج من البيت إلا لحاجة لا يمكن أن يقضيها أحد سواها، وهذا الاستثناء أقوله من باب الاحتراز، وإلا فلا أظن أن حاجة لا يمكن أن يقضيها إلا النساء؛ لأن بإمكان كل امرأة أن تقول لأخيها: يا أخي اشتر لي الحاجة الفلانية، لكننا ذكرنا هذا الاستثناء احتياطاً، وأن يكون الرجل كما جعله الله قوَّاماً على المرأة، لا أن تكون المرأة هي التي تديره؛ لأن الله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فليكن قائماً حقيقة، وليمنعها، ولكن لا بعنف، بل بهدوء وشرح للمفاسد وبيان للثواب والأجر إذا لزمن البيوت؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهنَّ أكمل النساء عفة وأقومهن في دين الله، ومع ذلك قال الله لهن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣] . كذلك من أسباب درء هذه الفتنة: أن يوجد للفتاة شغلاً في البيت، بحيث لا يأتي بالخادم إلا عند الضرورة القصوى؛ لأن الخادم إذا دخل في البيت فإن المرأة سوف تكف عن كل عمل، وستبقى حبيسة البيت إذا لم تخرج، وحينئذٍ يضطرها هذا الفراغ إلى أن تخرج، لكن لو لم يكن عندها خادم وصار تشتغل في بيتها بإصلاح الطعام، وغسل الثياب، وفرش الفرش وما أشبه ذلك، صارت فيها حيوية في البيت ونشطت، ولم تبالِ أن تخرج أو لا تخرج. فالمهم أن نصيحتي لإخواني الرجال خاصة وللنساء أيضاً: أن يكون رائدهم الإصلاح دائماً والبعد عن الفتنة.

стр. 584

علاج قسوة القلب السؤال فضيلة الشيخ! أشكو إلى الله ثم لكم قسوة أجدها في قلبي، فماذا أعمل جزاك الله خيراً؟ الجواب اعمل شيئين: الأمر الأول: الإكثار من قراءة القرآن، فإن الله تعالى يقول في هذا القرآن: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ولا أظن شيئاً أشد قسوة من الحجارة، ومع ذلك لو نزل عليها هذا القرآن لرأيت الجبل خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وفي ذلك يقول ابن عبد القوي ﵀: وحافظ على درس القرآن فإنه يلين قلباً قاسياً مثل جلمدي ولكن ليس المراد مجرد التلاوة مع غفلة القلب، بل التلاوة مع استحضار القلب وتدبره؛ فإن ذلك لا شك يلين القلب على كل حال. الأمر الثاني: ذكر الله : التهليل التكبير التسبيح التحميد ما أشبه ذلك، بشرط: أن يتواطأ القلب واللسان، لأن مدار الحياة على القلب، فإذا حيا القلب حيا الجسم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨] ولم يقل: ولا تطع من أسكتنا لسانه عن ذكرنا، بل قال: (أغفلنا قلبه) وكم من إنسان يذكر بلسانه لكن قلبه لاهٍ، فالذكر حينئذٍ يكون ضعيفاً وأثره رديء، لكن إذا اجتمع القلب واللسان فهذا مما يسبب حياة القلب ولين القلب، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر:٢٣] . نسأل الله لنا ولكم الهداية، وأن يلين قلوبنا لذكره وطاعته، وأن يجعلنا هداة مهتدين وصالحين مصلحين إنه على كل شيء قدير.

стр. 585

اللقاء الشهري [٢٥] إن انتهاء شهر رمضان لا يعني انتهاء جميع ما فيه من الأعمال الصالحة التي يقوم بها الناس بسبب تقييد الشياطين، بل هي باقية لمن أراد القيام بها، ومن حكمة الله أن جعلنا نتقلب بين العبادات، فكلما انتهت عبادة دخلنا في أخرى، وذلك مثل الخروج من شهر رمضان والدخول في أشهر الحج.

стр. 586

الاستمرار على الأعمال الصالحة بعد رمضان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة: فهذا هو اللقاء الأول من بعد شهر رمضان عام (١٤١٥هـ) وهو اللقاء الموفي للخامس والعشرين من اللقاءات الشهرية، ويتم في هذه الليلة ليلة ثمانية عشر من شهر شوال عام (١٤١٥هـ) . ومن المناسب أن نتكلم عن موضوعين: الموضوع الأول: هل انقضى عمل الإنسان بانقضاء شهر رمضان؟ والجواب على هذا السؤال لا. إن عمل الإنسان لا ينقطع إلا بالموت، لقول الله ﵎: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: حتى يأتيك الموت، ولقوله تعالى عن يعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث) فلم يجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمداً لانقطاع العمل إلا بالموت. ثم هل العمل الذي يؤدى في رمضان كالصوم والقيام والصدقة هل انقطع بانتهاء رمضان؟ لا، هناك صيام أيام مشروعة غير رمضان، منها: صيام الأيام الست من شوال، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) وهذه الأيام الستة ينبغي أن تلي شهر رمضان، أي: أن يشرع فيها الإنسان من اليوم الثاني من شوال، ويتابعها لما في ذلك من السبق إلى الخيرات، ولأن هذا أسهل؛ لأن الإنسان قد اعتاد الصوم في رمضان فيسهل عليه الاستمرار فيه، ولأن الإنسان إذا أخرها ربما يحصل له التسويف فيقول: غداً أصوم غداً أصوم حتى تنقضي الأيام، وهذه الأيام الستة تابعة لرمضان، فمن صامها قبل أن يقضي ما عليه من رمضان فإنه لا ينال ثوابها؛ لأن الرسول ﵊ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه) ولو صامها قبل القضاء لكانت متبوعة لا تابعة. فإن قال قائل: ربما يكون هناك عذر، ربما ترك صوم رمضان لمرض، واستمر به المرض إلى آخر شوال، ثم شفاه الله وشرع في القضاء وخرج شوال، فنقول حينئذٍ: يصومها تابعة لرمضان ولو في ذي القعدة، ولو خرج شهر شوال؛ وذلك لأنه ترك صومها في شوال لعذر فقضاها من بعده، كما أن رمضان يترك للعذر ويقضى بعده. - ومن الصيام المشروع: أن يصوم الإنسان يوم عرفة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) إلا الحاج فلا يسن له أن يصوم يوم عرفة؛ من أجل أن يكون قوياً متفرغاً للدعاء في ذلك اليوم. - ومن الصيام المشروع: صوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر محرم؛ لأنه اليوم الذي أنجى الله موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، ولكن يصوم قبله اليوم التاسع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) . - ومن الصيام المشروع: صوم عشر ذي الحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) والصوم من العمل الصالح. - ومن الصيام المشروع: أن يصوم الإنسان ثلاثة أيام من كل شهر، سواء من أول الشهر أو وسطه أو آخره؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره، لكن الأفضل أن تكون في أيام البيض، أي: في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. - ومن الصيام المشروع: أن يصوم يوم الإثنين والخميس؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصومهما ويقول: (إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) . - ومن الصيام المشروع: أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهذا أفضل الصيام، لقول النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام) . إذاً: الصيام هل انقطع بانتهاء رمضان أم لا؟ لا. القيام: هل انقطع بانتهاء رمضان؟ لا، القيام مشروع في كل ليلة، والأفضل بعد منتصف الليل إلى أن يبقى سدس الليل فتنام، الأفضل أن تنام النصف الأول من الليل، ثم تقوم الثلث، ثم تنام السدس، هكذا أرشد النبي ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص وقال: (إن هذا قيام داود وهو أفضل القيام) فإن لم يتيسر لك ذلك فقم ولو قليلاً في آخر الليل، لأن الرب ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) واختم صلاتك بركعة التي هي الوتر؛ لأن النبي ﷺ سئل عن صلاة الليل؟ فقال: (مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت ما قد صلى) . أما الصدقة فهي أيضاً لم تنقطع، الصدقة مشروعة كل وقت، بل إن الإنسان الموفق يجعل أكله وشربه ونفقة عياله من الصدقة، إنفاقك على نفسك صدقة، وعلى أهلك صدقة، بل إن الإنفاق على الأهل أفضل من الصدقة على غيرهم، فلو كان معك عشرة ريالات، وتقول: هل أتصدق بها على فقير، أم أنفق بها على أهلي لأنهم محتاجون؟ نقول: أنفقها على أهلك. ثم قراءة القرآن لم تنقطع بانتهاء رمضان، قراءة القرآن مشروعة كل وقت، وينبغي للإنسان أن يجعل له حزباً معيناً يحافظ عليه كل يوم حتى لا تضيع عليه الأيام بدون قراءة القرآن.

стр. 587

مسائل تتعلق بالحج أما الأمر الثاني مما أريد أن أتكلم عليه فهو: أن من حكمة الله أنه لما انقضى زمن ركن من أركان الإسلام دخل زمن ركن آخر، انقضى رمضان وهو وقت أداء ركن من أركان الإسلام وهو الصيام، وفي تلك اللحظة التي خرج فيها رمضان دخلت شهور الحج، نحن الآن في أشهر الحج، لأن أشهر الحج تدخل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وهذه من حكمة الله، حتى نشعر بأن أوقاتنا كلها معمورة بطاعة الله ، انقضى فرض الصيام جاء فرض الحج. والحج واجب على كل مسلم، لكن من رحمة الله ولطفه أنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، ولو كان الإنسان من أغنى عباد الله فإنه لا يلزمه أن يحج إلا مرة واحدة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الحج مرة فما زاد فهو تطوع) . ولا يجب الحج إلا على القادر، العاجز لا يجب عليه الحج، فإذا قدرنا أن إنساناً فقيراً ليس عنده شيء، فهل يلزمه أن يحج؟ أي: هل يلزم أن يقترض ليحج؟ الجواب لا. ولو لاقى ربه قبل أن يحج للاقى ربه وقد تمت أركان إسلامه؛ لأن الركن الخامس الذي هو الحج لا يجب عليه حين يعجز عنه. وهل يجب على الإنسان إذا كان مريضاً أن يحج؟ الجواب: لا، ولو كان عنده مال، لكن إن كان مرضه يُرجى زواله فلينتظر حتى يشفى ويحج بنفسه، وإن كان مرضه لا يُرجى زواله وعنده مال فليوكل من يحج عنه، لحديث ابن عباس ﵄: (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم) فصار العاجز عن الحج لمرض إن كان يرجو زوال مرضه انتظر، وإلا وكل من يحج عنه إذا كان عنده مال، أما من لا مال عنده فليس عليه حج. امرأة عندها مال، لكنها لم تجد محرماً يحج بها، هل عليها الحج؟ لا. حتى لو كانت من أغنى النساء، ولكن ليس لها محرم فلا تحج. أما إذا كان لها محرم وقالت له: حج بي وأنا أكفيك النفقة كلها، هل يلزمه أن يحج معها؟ الجواب: لا يلزمه، اللهم إلا إذا كان لم يؤدِ الفريضة وأعطته مالاً يكفيه للحج، فهنا نقول: يجب عليه الحج من أجل أنه لم يأتِ بالفريضة لا من أجل أن يكون محرماً لها، وتصحبه في هذه الحالة. إذاً: هل تحزن المرأة إذا كان عندها مال ولم تجد محرماً على أنه فاتها الحج؟ الجواب: لا تحزن ولا تخشى العقوبة؛ لأنه لم يجب عليها الحج، ولو لاقت الله للاقته بغير ذنب فيما يتعلق بالحج. إنسان عنده مال، لكن عليه دين يطالبه به صاحبه، عنده -مثلاً- خمسة آلاف يمكن أن يحج بها، لكن صاحب الدين يقول: أعطني، هل يجب عليه الحج؟ لا. لأن عليه ديناً، ولا حج عى الإنسان إذا كان عليه دين وليس عنده ما يفضل عن الدين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] . وكثير من الناس ربما يستدينون من أجل الحج، وهذا غلط، ليس هذا من الشرع أن تستدين من أجل الحج، الحج ليس واجباً عليك، أرأيت لو كان إنسان فقيراً هل تجب عليه الزكاة؟ الجواب: لا تجب، أنت الآن لا يجب عليك الحج؛ لأنك لا تستطيع، فلماذا تندم؟ ولماذا تحزن؟ ولماذا تتكدر؟ لا تتكدر يا أخي ليس عليك شيء. إذا كان على الإنسان دين وفي يده مال، ويغلب على ظنه أنه إذا حلَّ الدين كان عنده ما يوفي به، مثلاً: صندوق التنمية العقارية، كثير من الناس عليهم ديون لصندوق التنمية، لكنهم واثقون من أنفسهم أنهم إذا حل القسط سوف يوفونه، وعندهم الآن مال يستطيعون الحج به، هل يجب عليهم الحج؟ الجواب: نعم. يجب عليهم الحج؛ لأنهم مستطيعون، أما إذا قال: أنا لست واثقاً أن أوفي إذا حل القسط، وأنا الآن أجمع، فهذا ليس عليه حج؛ لأنه مدين. كثير من الناس يقول: أرأيت إذا سمح لي صاحب الدين أأحج؟ نقول: لا. ولو سمح لك صاحب الدين؛ لأنه إذا سمح لك لم يسقط عنك شيئاً. أما لو قال: حج وأنا أسقط عنك مقدار نفقة الحج فحينئذٍ نقول: حج، وأما إذا قال: أنا أطالبك ولكني أرخص لك أن تحج ما الفائدة؟ لا فائدة، ولهذا كثير من الناس يسأل ويقول: إن صاحب الدين قد أذن لي، نقول: ليست العلة أن يأذن أو لا يأذن، العلة أن ذمتك مشغولة، وشغل الذمة بالدين أمر عظيم. لو أحدثكم أن الرسول ﵊ قدمت إليه جنازة، صحابي من الأنصار، فلما خطا خطوات سأل: (هل عليه دين؟ قالوا: نعم. يا رسول الله! قال: إذاً صلوا على صاحبكم -ولم يصل عليه، تأخر- حتى قام أبو قتادة ﵁ وقال: يا رسول الله! الديناران عليَّ، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: حق الغريم وبرأت ذمة الميت؟ -أي: تلتزم للغريم تبرأ ذمة الميت- قال: نعم. فتقدم وصلى) يعني: الدين إلى هذا الحد يمتنع الرسول ﵊ من الصلاة على المدين إذا لم يكن له وفاء، ونحن نتساهل به الآن، يعتمر الإنسان وعليه دين، يحج وعليه دين، يفرش بيته بفراش فاخر وعليه دين، يشتري سيارة فاخرة وعليه دين، تجده يشتري سيارة بأربعين ألف ريال، وهو يمكن أن يجد سيارة تكفيه بعشرة آلاف، أليس كذلك؟ بل إني سمعت بعض الناس يشتري بأكثر من أربعين ألف سيارة ويكفيه عشرة آلاف، هذا من السفه في العقل، لا تستهن بالدين أبداً، الدين صعب، ولهذا يقال: إن الدين ذل في النهار وسهر في الليل، لكن للإنسان العاقل، أما الذي لا يبالي فهذا لا يبالي. ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير.

стр. 588

الأسئلة

стр. 589

حكم من نسي تبييت نية قضاء الصوم السؤال فضيلة الشيخ! أعرض عليك هذا السؤال وأنا في حيرة من أمري: نويت بعد رمضان أن أصوم ما علي من قضاء وهو يوم واحد وأصوم بعده أيام الست، فبدأت الصيام من يوم الأحد، وعندما أصبحت نسيت أني لم أبيت النية ليوم القضاء، فصمت ذلك اليوم ثم صمت بعده ثلاثة أيام من الست. السؤال: هل أواصل بقية الأيام الستة، وهل يحسب لي ذلك اليوم قضاءً أم من الست؟ أرجو توضيح ذلك وفقك الله. الجواب إذا نام الإنسان على نية القضاء ثم قام من الليل وتسحر وغاب عن ذهنه أنه أراد القضاء ولم يذكر إلا بعد طلوع الفجر فليستمر في صوم القضاء؛ وذلك لأن الأصل بقاء النية الأولى، وهو قد نام على أن غداً من قضائه، أما إذا لم يكن كذلك ولم ينوِ الصوم إلا حين قام من آخر الليل، وحين قام من آخر الليل كان الذي في ذهنه أن يصوم الأيام الستة ونسي القضاء فهذا لا يجزؤه عن القضاء، وأما الأيام الثلاثة التي صامها وهو لم يقض فهذه عند بعض العلماء باطلة، ليس له فيها ثواب، ولكن الصحيح: أن له فيها ثواباً إلا أنه لا ينال ثواب الأيام الستة؛ لأن الأيام الستة لا بد أن تكون بعد قضاء رمضان.

стр. 590

العذر بالجهل في قضاء رمضان السؤال فضيلة الشيخ! كنت في بيئة تجهل حكم وجوب قضاء صوم رمضان، فجلست هناك فترة طويلة وأنجبت ثلاثة أطفال، ثم جئت إلى جدة فعلمت بأن قضاء رمضان واجب، فماذا أفعل الآن، علماً بأنني أجهل عدد الأيام التي يجب عليَّ قضاؤها، وهل ينطبق علي حكم القضاء وأنا في بيئة غير مسلمة لا تعرف عن هذا الأمر شيئاً؟ الجواب إذا كانت هذه المرأة لا تعرف أن صوم رمضان فرض، وهي تفطر يوماً وتصوم يوماً فليس عليها عليها قضاء؛ لأن القول الراجح: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، وهذه في بيئة غير مسلمة، ولا تدري شيئاً عن الإسلام، فليس عليها قضاء. أما إذا كانت تدري أن صوم رمضان واجب ولكنها أهملت فهذا فيه قولان للعلماء: منهم من قال: يجب عليها القضاء، ومنهم من قال: لا يجب عليها القضاء؛ لأنها تعمدت تأخير الفرض المؤقت وكل إنسان يتعمد تأخير الفرض المؤقت فإنه لا يصح منه الفرض. لكن الظاهر لي من حال السائلة: أنها لا تدري عن هذا كله، وعلى هذا فليس عليها قضاء ما دامت لا تدري أن رمضان واجب ولا أن قضاءه واجب فليس عليها قضاء؛ لأنها معذورة بالجهل.

стр. 591

حكم الصيام الجماعي السؤال فضيلة الشيخ! ما حكم الصيام الجماعي، كأن يجتمع جماعة من الناس فيتفقون على أن يصوموا أياماً معينة، كالإثنين والخميس، وذلك من باب التعاون على البر والتقوى؛ لأن الإنسان ضعيف بنفسه يقوى بإخوانه، ما حكم ذلك نفع الله بكم؟ الجواب أرى أنه ليس من السنة، وأنه نوع من البدعة إذا اتفقوا على ذلك؛ لأننا إذا كنا ننكر التكبير الجماعي أو الذكر الجماعي -مثلاً- فهذا أيضاً كذلك؛ لأن الصوم عبادة، فلا ينبغي أن يكون جماعياً، لكن من غير اتفاق لا بأس، مثل أن يوافق أننا صمنا يوم الإثنين فقال بعضنا لبعض: من كان صائماً فالفطور عند فلان، واتفقنا أن نفطر عنده -مثلاً- هذا لا بأس به؛ لأنه أمر عارض وليس اجتماعاً على عبادة، والاجتماع على العبادات والانفراد بها من الأمور المشروعة، ولهذا لولا أن الله شرع لنا أن نصلي جماعة لكانت صلاة الجماعة بدعة لكن شرعها الله لنا، كذلك الصوم جماعة، والاتفاق عليه مسبقاً نوع من البدعة، يرد علينا صوم رمضان، ألسنا نصوم جماعة؟ بلى. ولكنه هكذا فُرِضَ، المفروض أن يصوم الناس كلهم في هذا الشهر. فأرى أن يتخلوا عن هذا الطريق، وأن يكون الإنسان مستعيناً بالله ، وأن يعتد بنفسه، وإذا كان الإنسان لا يفعل العبادة إلا متوكئاً على عصا - أي إلا إذا فعلها غيره- فإن عزيمته ضعيفة.

стр. 592

حث الكفلاء على تمكين عمالهم من حج بيت الله الحرام السؤال فضيلة الشيخ! لم أحضر إلى هذه البلاد إلا من أجل الحج، وأخشى ألا يوافق من أقوم بالعمل عنده بأدائي هذه الفريضة، وأنا الآن في جهة السعودية، وعلى بعد مسافة قليلة من مناسك الحج، وأتمنى أن يهدي الله كفيلي وأن يوافق على حجي، ولكن إذا لم يوافق على الحج، فهل أكون بنيتي قد أديت الفريضة أم لا؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ؟ وهل هذا يعتبر من الاستطاعة، أرجو التوضيح وحث إخواننا الكفلاء على تمكين من عندهم العمال من حج بيت الله الحرام؟ الجواب نحن نتمنى لكل إخواننا الكفلاء أن يهديهم الله ، وأن يرخصوا لإخوانهم الذين يعملون عندهم لأداء فريضة الحج؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وقد أمر الله بذلك، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ولأن هذا قد يكون سبباً للبركة في أعمالهم وأرزاقهم؛ لأن هذه الأيام العشر إذا تعطل العمل عنده فإن الله قد ينزل له البركة فيما بقي من العمل، ويحصل على خير كثير، فإن تيسر هذا فهو المطلوب وهو الذي نرجوه من إخواننا الكفلاء، وإن لم يتيسر فإن هذا لا يعتبر مستطيعاً، فيسقط عنه الحج؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] وهذا لم يستطع. وأما قول السائل: إنه يكون كالذي حج فلا، لكنه يسقط عنه الحج حتى يستطيع، ولو مات قبل أن يتمكن من الحج فإنه يموت غير عاصٍ لله؛ لأنه لا يجب الحج إلا بالاستطاعة.

стр. 593

حكم لبس البنطلون للمرأة السؤال فضيلة الشيخ! انتشر بين أوساط النساء لبس البنطلون، وبلغنا فتوى عن فضيلتكم أحببنا أن نسمعها منكم مباشرة لنبلغها على بصيرة، السؤال يا فضيلة الشيخ: ما حكم لبس البنطلون للمرأة، وهل يفرق بين الواسع وغيره، وهل هذا الحكم في خارج المنزل فقط، أم أنه عام في المنزل والسوق؟ أرجو عرض هذا السؤال لتعم الفائدة على الطالبات، نفع الله بهذا اللقاء؟ الجواب أرى أن لبس المرأة البنطلون حرام لوجهين: الوجه الأول: أنه تشبه بالرجال، وقد (لعن النبي ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال) . الوجه الثاني: أنه ذريعة إلى أن تلبس المرأة بنطلوناً ضيقاً يصف مقاطع جسمها، وهي وإن قالت: أنا لا ألبس إلا واسعاً فهي تلبس واسعاً لمدة معينة ثم تلبس الضيق، ثم إنها إذا قدر أن هناك امرأة صالحة تقوى نفسها يقتدي بها من ليس كذلك، فالذي أرى أن ذلك ممنوعاً، وأنه لا يجوز، سداً للذريعة، وبعداً عن التهتك باللباس، فإن كان هذا صواباً فهو من الله والحمد لله الذي من به، وإن كان خطأً فأرجو الله تعالى أن يعفو عني، ولكن مع ذلك يجب على النساء ألا تكون الواحدة إمعة مع كل شيء جديد، يا سبحان الله! أنا أعتقد أن الرجل وهو الرجل لو لبس البنطلون لكان يأتيه -لا سيما أول ما يلبسه- نوع من الخجل، أن تكون أفخاذه مقدرة، وكذلك عجيزته مقدرة، كل شيء كأنه محجم فكيف بالمرأة؟! فلا أرى لبس البنطلون للنساء، لا في البيوت ولا في خارج البيوت.

стр. 594

أثر المعصية على فعل الطاعة السؤال فضيلة الشيخ! ما هو أثر المعصية على فعل الطاعة، هل هو أثر معنوي أم أثر حسي، حيث أن الإنسان قد يكون على معصية ويصلي ويقرأ القرآن، فكيف يكون أثر المعصية على الطاعة أو على الشخص نفسه؟ الجواب أثر المعصية سيئ، وربما يعاقب الإنسان بعقوبة عظيمة وهي الإعراض عن دين الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة:٤٩] فالإنسان الذي يفعل المعاصي على خطر عظيم، ثم إنه يوم القيامة إذا لم يعف الله عنه فإنه يوازن بين الحسنات والسيئات، إذا رجحت السيئات فإنه يدخل النار يطهر منها إن لم يعف الله عنه، وإذا تساوت الحسنات والسيئات صار من أهل الأعراف، يحبس بين الجنة والنار يشاهد أهل النار ويشاهد أهل الجنة ومآله إلى الجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة. ثم إن المعاصي لها عقوبات حسية، كما قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦-٩٩] وقال جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] . ومن أشد المعاصي تأثيراً أكل الحرام الذي شاع وذاع في وقتنا الحاضر، فأكل الحرام يكون سبباً لمنع إجابة الدعاء، يدعو الإنسان فلا يستجاب له إذا أكل الحرام؛ لأن النبي ﷺ : (ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) وما أكثر الحرام في وقتنا هذا الربا موجود الميسر موجود الغش موجود الكذب موجود التدليس موجود ظلم العمال موجود، أشياء كثيرة تعجز عن عدها، كلها الأكل فيها حرام، الإنسان إذا غش في بيعه، وكسب درهماً من عشرة، هذا الدرهم الذي دخل عليه وهو حرام أفسد ماله، صار الربا والعياذ بالله يعلن إعلاناً فعلياً، وإعلاناً قولياً. نشر قبل أيام منشوراً من أحد البنوك، يقول: من أراد أن يربح اثني عشر ضعفاً على راتبه فليأت إلينا، يعاملون الناس معاملة الدجاج!! يجعل له الحب المدسوس بالسم، والدجاجة تأكل ولا تدري، فيقطع أمعاءها، كيف الطريق؟ يأتي إلى البنك ويقول: تعال! أنت راتبك ألف ريال كل شهر، سوف أعطيك الآن اثنا عشر ألف ريال نقداً، ويضرب عليه التوثيقات التي يرى أنه لا بد من التوثق، ثم يقول: إذا تمت السنة نضيف إلى الاثنا عشر ألف ريال كذا وكذا بالمائة وتوفي، وهذا رباً صريح جامع بين ربا النسيئة وربا الفضل، والعياذ بالله، وربما يغتر بعض الناس فيظن أن هذا لا بأس به، لكننا نبلغ الآن، وواجب علينا أن نبلغ أن هذا حراماً، وأنه رباً صريح، ولا يجوز التعامل به، ونسأل الله تعالى أن يوقظ المسئولين عندنا لتلاعب هؤلاء الذين أرادوا أن يجعلوا أنظمة الرأسمالية في بلاد المسلمين، نسأل الله أن يردهم على أعقابهم خائبين، وأن يطهر بلادنا من أمثالهم.

стр. 595

حكم من لا يصوم ما عليه من قضاء رمضان السؤال فضيلة الشيخ! سائلة تقول: إنها بلغت ولم تصم القضاء الذي عليها حياء لعدة سنوات، فماذا عليها الآن؟ الجواب عليها أن تقضي ما فاتها، وإذا قالت: أنا لا أدري الآن كم الذي فات، نقول: تحري وقدري واقضي ما عليك، وليس عليها شيء من إطعام أو صدقة على القول الراجح، بل عليها أن تقضي الأيام التي تركت قضاءها أولاً.

стр. 596

حكم جمع العصر مع الجمعة للمسافر السؤال المسافر إذا كان في الطريق فهل يقصر صلاة الجمعة أم يصليها أربعاً؛ لأننا سمعنا عنك يا فضيلة الشيخ بأنه لا يجوز للإنسان أن يقصر صلاة الجمعة، ولا أن يجمعها مع العصر، فما صحة هذا النقل؟ الجواب أولاً: هذا النقل من حيث هو كذب، ما تكلمنا بهذا الكلام، وأما أن الجمعة لا تقصر فصحيح، لو قصرت الجمعة كم تكون؟ ركعة واحدة، وهذا لا يقوله أحد من العلماء ولا من الجهال أيضاً، فالجمعة لا تقصر بل هي ركعتان، ولكن لا تجمع العصر إليها، فمثلاً: لو مر المسافر ببلد يوم الجمعة ونزل فيه وقال: أمشي آخر النهار وأدرك صلاة الجمعة فإنه لا يجمع إليها العصر؛ لأن الجمعة صلاة مستقلة ذات شروط معينة، وهيئة معينة، وصفة معينة، والسنة إنما جاءت بالجمع بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهراً، ولهذا لا يصح أن تجمع إليها العصر، فمن جمع إليها العصر قلنا: الأمر سهل، أعد العصر ركعتين بعد دخول وقتها.

стр. 597

حكم صلاة الجمعة للمسافر السؤال إذا كان الإنسان مسافراً في يوم الجمعة، وأدركه هذا اليوم وهو في الطريق، فهل يجمع صلاة الجمعة مع صلاة العصر؟ وإذا كانوا أيضاً جالسين لأكثر من أسبوع فهل يصلون صلاة جمعة، أم يصلونها ظهراً لو كانوا في بر؟ الجواب أما الفقرة الأولى من السؤال فقد أجبنا عنها وقلنا: إن العصر لا تجمع مع الجمعة، وأما الفقرة الثانية فإنهم لا يصلون الجمعة في البر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سافر عدة مرات، وتصادفه الجمعة في سفر ولا يقيمها، بل صادفته الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع؛ لأن يوم الجمعة في حجة الوداع هو يوم عرفة، ومع ذلك لم يصل النبي ﵌ الجمعة، وإنما صلى الظهر والعصر، كما جاء ذلك صريحاً في حديث جابر بن عبد الله ﵄.

стр. 598

أحوال النساء في الطهارة للصلاة السؤال فضيلة الشيخ! هل للمرأة أن تصلي أكثر من وقت بوضوء واحد، فقد سمعنا أن المرأة لا يصح أن تصلي بالوضوء أكثر من صلاة، وأن المرأة لا يمكن أن تطهر، بل وجدنا بعض الفتيات تتوضأ لكل صلاة، وتنكر على من تصلي بوضوء صلاة أخرى، بسبب ما نقل عن فضيلتكم: من أن الماء الخارج من فرج المرأة ناقض للوضوء، أرجو بسط القول لعموم المشقة في ذلك وكثرة الإشكال، وعدم التفريق عند النساء اللاتي نقلن ذلك، نفع الله بك؟ الجواب أما المرأة فهي كالرجل في أن لها أن تصلي بالوضوء الواحد صلاتين أو أكثر، ما دام وضوءها لم ينتقض، هذا إذا كانت ليست من النساء اللاتي يخرج منهن السائل دائماً، فإن كانت من النساء اللاتي يخرج منهن السائل دائماً فإنه لابد أن تتوضأ لوقت كل صلاة لا لكل صلاة، بمعنى: أنها لا تتوضأ لصلاة الفجر إلا بعد دخول الوقت، ولا تتوضأ لصلاة الظهر إلا بعد دخول الوقت، لكن إذا توضأت فإنها تصلي ما شاءت من النوافل حتى يدخل وقت العصر ثم تتوضأ، وذلك لأن هذا الخارج باستمرار حكمه حكم سلس البول، وحكم دم الاستحاضة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المستحاضة أن تغتسل لوقت كل صلاة، لكن هذه المرأة التي تبتلى بهذا الخارج نقول: لا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إزالة للمشقة عنها. وبقي سؤال آخر يمكن أن يتفرع على ذلك وهو: هل هذا الخارج نجس أو طاهر؟ الجواب: طاهر؛ لأن الظاهر من نساء الصحابة ﵅ أنهن كن لا يغسلن هذا الخارج، ولأننا لو قلنا بنجاسته لشق على النساء مشقة عظيمة، إذ أنه يستلزم هذا القول أن تبقى دائماً تغسل ثيابها، أو أن تخص الصلاة بثوب خاص وهذا فيه مشقة. وخلاصة القول الآن: أن المرأة التي لا يخرج منها شيء حكمها حكم الرجل في أنها تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الصلوات، والمرأة التي يخرج منها هذا الخارج الدائم لا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها. أما هذا الخارج فهو طاهر لا ينجس الثياب ولا ينجس البدن.

стр. 599

حكم من مات وعليه قضاء صوم السؤال شاب مرض بمرض السرطان -عافانا الله وإياكم منه- قبل شهر رمضان، فصام ثلاثة أيام من شهر رمضان وأفطر الباقي، وبعد رمضان توفي هذا الشاب، فماذا عليه، علماً بأن عمره ست عشرة سنة، وهل يحج عنه وليه؟ الجواب أما من جهة الصيام فإنه يُطعم وليه عن كل يوم مسكيناً مما لم يصمه، فإذا كان صام ثلاثة أيام بقي عليه سبعة وعشرون يوماً، فيطعم عنه سبعة وعشرون فقيراً، وأما الحج فلا يلزم أن يحج عنه والده، اللهم إلا أن يكون عند هذا الميت الشاب دراهم يمكن أن يحج بها عنه فإنه يحج بها عنه، وإن تبرع وليه أبوه أو أخوه أو أمه بالحج له فلا بأس.

стр. 600

حكم تعليق التمائم السؤال امرأة مكثت أكثر من عشر سنين لا تحمل، فأعطيت شيئاً مغلفاً لا تعرف ما بداخله لتعلقه وحملت بإذن الله، فهل يحل لها أن تستعمل هذا المغلف وهي لا تدري عنه، وهل لها أن تعطيه أحداً من النساء إذا استغنت عنه، أم أن ذلك من التولة التي هي من الشرك؟ الجواب هذا من التمائم، ولا يجوز للإنسان أن يعلق تميمة حتى يعرف ما فيها؛ لأنه قد يكون فيها طلاسم وأسماء شياطين أو عفاريت من الجن أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يعلق أي شيء إلا بعد أن يعرف ما كان بداخله، ثم إذا عرف ما في داخله، وكان الذي في داخله قرآناً أو أدعية من السنة فقد اختلف السلف والخلف في جواز تعليق ذلك: فمن العلماء من قال: لا يجوز أن يعلق ولو كان من القرآن، وهذا هو المأثور عن عبد الله بن مسعود ﵁. ومن العلماء من قال: إذا كان من القرآن فلا بأس به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] وأما شيء يعلق ولا يعلم ما الذي فيه فهذا حرام ولا يجوز، وكون الحمل حصل بعد تعليقه فهذا لا يدل على أنه هو السبب، بل قد يكون الله ابتلى هذه المرأة حيث حملت بعد وضعه امتحاناً لها. والذي أرى أنه يجب أن يفتح هذا المغلف وينظر ما الذي فيه، إن كان قرآناً فكما سمعتم قد اختلف العلماء في جواز تعليقه، وإن كان غير قرآن ولا يعلم ما هو فالواجب إحراقه ولا يجوز أن يعطى لأحد، والراجح أنه إذا كان من القرآن فلا شيء فيه.
следующие страницы →