Полный текст (2 259 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
حكم جمع العصر مع الجمعة للمسافر
السؤال
المسافر إذا كان في الطريق فهل يقصر صلاة الجمعة أم يصليها أربعاً؛ لأننا سمعنا عنك يا فضيلة الشيخ بأنه لا يجوز للإنسان أن يقصر صلاة الجمعة، ولا أن يجمعها مع العصر، فما صحة هذا النقل؟
الجواب
أولاً: هذا النقل من حيث هو كذب، ما تكلمنا بهذا الكلام، وأما أن الجمعة لا تقصر فصحيح، لو قصرت الجمعة كم تكون؟ ركعة واحدة، وهذا لا يقوله أحد من العلماء ولا من الجهال أيضاً، فالجمعة لا تقصر بل هي ركعتان، ولكن لا تجمع العصر إليها، فمثلاً: لو مر المسافر ببلد يوم الجمعة ونزل فيه وقال: أمشي آخر النهار وأدرك صلاة الجمعة فإنه لا يجمع إليها العصر؛ لأن الجمعة صلاة مستقلة ذات شروط معينة، وهيئة معينة، وصفة معينة، والسنة إنما جاءت بالجمع بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهراً، ولهذا لا يصح أن تجمع إليها العصر، فمن جمع إليها العصر قلنا: الأمر سهل، أعد العصر ركعتين بعد دخول وقتها.
стр. 597
حكم صلاة الجمعة للمسافر
السؤال
إذا كان الإنسان مسافراً في يوم الجمعة، وأدركه هذا اليوم وهو في الطريق، فهل يجمع صلاة الجمعة مع صلاة العصر؟ وإذا كانوا أيضاً جالسين لأكثر من أسبوع فهل يصلون صلاة جمعة، أم يصلونها ظهراً لو كانوا في بر؟
الجواب
أما الفقرة الأولى من السؤال فقد أجبنا عنها وقلنا: إن العصر لا تجمع مع الجمعة، وأما الفقرة الثانية فإنهم لا يصلون الجمعة في البر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سافر عدة مرات، وتصادفه الجمعة في سفر ولا يقيمها، بل صادفته الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع؛ لأن يوم الجمعة في حجة الوداع هو يوم عرفة، ومع ذلك لم يصل النبي ﵌ الجمعة، وإنما صلى الظهر والعصر، كما جاء ذلك صريحاً في حديث جابر بن عبد الله ﵄.
стр. 598
أحوال النساء في الطهارة للصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ! هل للمرأة أن تصلي أكثر من وقت بوضوء واحد، فقد سمعنا أن المرأة لا يصح أن تصلي بالوضوء أكثر من صلاة، وأن المرأة لا يمكن أن تطهر، بل وجدنا بعض الفتيات تتوضأ لكل صلاة، وتنكر على من تصلي بوضوء صلاة أخرى، بسبب ما نقل عن فضيلتكم: من أن الماء الخارج من فرج المرأة ناقض للوضوء، أرجو بسط القول لعموم المشقة في ذلك وكثرة الإشكال، وعدم التفريق عند النساء اللاتي نقلن ذلك، نفع الله بك؟
الجواب
أما المرأة فهي كالرجل في أن لها أن تصلي بالوضوء الواحد صلاتين أو أكثر، ما دام وضوءها لم ينتقض، هذا إذا كانت ليست من النساء اللاتي يخرج منهن السائل دائماً، فإن كانت من النساء اللاتي يخرج منهن السائل دائماً فإنه لابد أن تتوضأ لوقت كل صلاة لا لكل صلاة، بمعنى: أنها لا تتوضأ لصلاة الفجر إلا بعد دخول الوقت، ولا تتوضأ لصلاة الظهر إلا بعد دخول الوقت، لكن إذا توضأت فإنها تصلي ما شاءت من النوافل حتى يدخل وقت العصر ثم تتوضأ، وذلك لأن هذا الخارج باستمرار حكمه حكم سلس البول، وحكم دم الاستحاضة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المستحاضة أن تغتسل لوقت كل صلاة، لكن هذه المرأة التي تبتلى بهذا الخارج نقول: لا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إزالة للمشقة عنها.
وبقي سؤال آخر يمكن أن يتفرع على ذلك وهو: هل هذا الخارج نجس أو طاهر؟ الجواب: طاهر؛ لأن الظاهر من نساء الصحابة ﵅ أنهن كن لا يغسلن هذا الخارج، ولأننا لو قلنا بنجاسته لشق على النساء مشقة عظيمة، إذ أنه يستلزم هذا القول أن تبقى دائماً تغسل ثيابها، أو أن تخص الصلاة بثوب خاص وهذا فيه مشقة.
وخلاصة القول الآن: أن المرأة التي لا يخرج منها شيء حكمها حكم الرجل في أنها تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الصلوات، والمرأة التي يخرج منها هذا الخارج الدائم لا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها.
أما هذا الخارج فهو طاهر لا ينجس الثياب ولا ينجس البدن.
стр. 599
حكم من مات وعليه قضاء صوم
السؤال
شاب مرض بمرض السرطان -عافانا الله وإياكم منه- قبل شهر رمضان، فصام ثلاثة أيام من شهر رمضان وأفطر الباقي، وبعد رمضان توفي هذا الشاب، فماذا عليه، علماً بأن عمره ست عشرة سنة، وهل يحج عنه وليه؟
الجواب
أما من جهة الصيام فإنه يُطعم وليه عن كل يوم مسكيناً مما لم يصمه، فإذا كان صام ثلاثة أيام بقي عليه سبعة وعشرون يوماً، فيطعم عنه سبعة وعشرون فقيراً، وأما الحج فلا يلزم أن يحج عنه والده، اللهم إلا أن يكون عند هذا الميت الشاب دراهم يمكن أن يحج بها عنه فإنه يحج بها عنه، وإن تبرع وليه أبوه أو أخوه أو أمه بالحج له فلا بأس.
стр. 600
حكم تعليق التمائم
السؤال
امرأة مكثت أكثر من عشر سنين لا تحمل، فأعطيت شيئاً مغلفاً لا تعرف ما بداخله لتعلقه وحملت بإذن الله، فهل يحل لها أن تستعمل هذا المغلف وهي لا تدري عنه، وهل لها أن تعطيه أحداً من النساء إذا استغنت عنه، أم أن ذلك من التولة التي هي من الشرك؟
الجواب
هذا من التمائم، ولا يجوز للإنسان أن يعلق تميمة حتى يعرف ما فيها؛ لأنه قد يكون فيها طلاسم وأسماء شياطين أو عفاريت من الجن أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يعلق أي شيء إلا بعد أن يعرف ما كان بداخله، ثم إذا عرف ما في داخله، وكان الذي في داخله قرآناً أو أدعية من السنة فقد اختلف السلف والخلف في جواز تعليق ذلك: فمن العلماء من قال: لا يجوز أن يعلق ولو كان من القرآن، وهذا هو المأثور عن عبد الله بن مسعود ﵁.
ومن العلماء من قال: إذا كان من القرآن فلا بأس به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] وأما شيء يعلق ولا يعلم ما الذي فيه فهذا حرام ولا يجوز، وكون الحمل حصل بعد تعليقه فهذا لا يدل على أنه هو السبب، بل قد يكون الله ابتلى هذه المرأة حيث حملت بعد وضعه امتحاناً لها.
والذي أرى أنه يجب أن يفتح هذا المغلف وينظر ما الذي فيه، إن كان قرآناً فكما سمعتم قد اختلف العلماء في جواز تعليقه، وإن كان غير قرآن ولا يعلم ما هو فالواجب إحراقه ولا يجوز أن يعطى لأحد، والراجح أنه إذا كان من القرآن فلا شيء فيه.
стр. 601
حكم قطع صيام القضاء وصيام النفل
السؤال
صيام قضاء رمضان وصيام الست من شوال هل يجوز للإنسان قطعه بدون عذر، أم أن هناك فرقاً بين الصيامين، وما هي الأعذار التي تبيح قطع هذين الصيامين؟
الجواب
أما صيام القضاء فإنه لا يجوز قطعه؛ لأن القاعدة التي دلت عليها النصوص: أن من شرع في واجب فلا يجوز له قطعه إلا لعذر شرعي.
ولهذا لو أن إنساناً كبر ليصلي صلاة الفريضة، ثم استأذن عليه أحد يدق عليه الباب فإنه لا يجوز أن يقطع الفريضة من أجل أن يأذن لهذا الطارق، وأما صيام الأيام الست فهي نفل، والنفل يجوز للإنسان أن يقطعه، لكنه يكره إلا لغرض، هذا هو حكم قطع القضاء وقطع صيام الأيام الست.
ولكن هل حكم القضاء كحكم الأداء في رمضان، بمعنى: لو أن الإنسان أتى أهله في حال القضاء، فهل عليه كفارة؟ الجواب: لا.
الكفارة إنما تكون فمن جامع في نهار رمضان وهو فيمن يلزمه الصوم.
على كل حال خلاصة الجواب الآن: أما القضاء فلا يجوز قطعه إلا لعذر شرعي، وأما النفل فيجوز قطعه لكن يكره إلا لغرض صحيح.
يسأل يقول: ما هي الأشياء التي تبيح لنا أن نفطر في القضاء مثلاً؟ نقول: مثل أن يلحق الإنسان مشقة، إما من جوع، أو عطش، أو تعب، أو ما أشبه ذلك، والأعذار الشرعية التي تبيح الفطر معروفة عند أهل العلم.
стр. 602
حكم الحج والعمرة عن الغير
السؤال
فضيلة الشيخ! شخص يريد الحج وقد حج فرضه وتنفل، فهل يجوز له أن يشرك معه في حجته وعمرته أحداً من أقاربه كوالديه، وهل الأفضل الحج للوالدين والعمرة لهما، أم الأفضل أن يحج عن نفسه ويدعو لهما؟
الجواب
أما إشراك أحدٍ في حج أو عمرة فهذا لا يصح، لا يمكن أن تقع العمرة لشخصين، أو الحج لشخصين، وأما كونه يحج عن أمه وأبيه، أو يحج عن نفسه ويدعو لأمه وأبيه، فحجه عن نفسه ودعائه لأمه وأبيه أفضل وأحسن؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ولم يذكر الحج ولا الصوم ولا الصدقة، مع أن سياق الحديث في العمل، فدل هذا على أن الدعاء للوالد أفضل من أن يصلي الإنسان له أو أن يعتمر أو أن يحج، فمشورتي لهذا الأخ السائل: أن يحج عن نفسه ويدعو لوالديه.
стр. 603
حكم زكاة العقارات والأراضي
السؤال
نحن شركاء في أرض زراعية كبيرة، نريد أن نوزعها إلى قطعٍ صغيرة، ولكن حالت ظروف عن قسمتها، منها ركود العقار، فهل تجب علينا فيها الزكاة؟
الجواب
إذا كنتم أصحاب عقار، بمعنى: أنكم تبيعون وتشترون في الأراضي فعليكم الزكاة، أما إذا كانت هذه الأرض قد ورثتموها من أب أو غيره، وتريدون أن تبيعوها متى تيسر بيعها أو تقطعوها متى تيسر، فليس عليكم فيها زكاة؛ لأن الزكاة في العقارات والأراضي وشبهها إنما تجب لمن كان يتجر بها، أي: صاحب عقار يبيع ويشتري، أما إنسان عنده عقار وطابت نفسه منه وأراد أن يبيعه وعرضه للبيع، فهذا لا زكاة فيه.
стр. 604
الواجب على من مات ابنه بسبب إعطائه السيارة
السؤال
رجل سافر للنزهة ومعه عائلته، ثم طلب أحد أبنائه أن يقود السيارة، وكان يبلغ من العمر (١٤) سنة، فمكنه من القيادة وهو لا يحمل رخصة، وفي أثناء الطريق قدر الله عليهم حادث انقلاب، فمات ذلك الابن من جراء ذلك الحادث، فيسأل هذا الأب هل عليه كفارة؛ لأنه سمح لذلك الابن بالقيادة، مع أنه لا يحمل رخصة قيادة، وقد يكون لا يحسن القيادة، وهل يفرق بين إذا كان يحسن القيادة وبين ألا يكون يحسنها؟
الجواب
إن كان هذا الابن يحسن القيادة فلا شيء على الأب؛ لأن الأب لم يأمره بل لم يجبره على ذلك، وإن كان لا يحسن القيادة فالأب مفرط، فعليه أن يكفر؛ لأنه السبب في قتل هذا الصبي، بل في قتل هذا الشاب.
كذلك أيضاً: لا بد أن نعلم هل السبب في انقلاب السيارة تصرف الشاب أم أنه قضاء وقدر، أحياناً يكون السبب أن الإطار ينفجر بدون فعل الإنسان، ثم تنقلب السيارة ويحصل حادث فليس في هذا شيء، بعض الناس يظن كلما حصل حادث وجب الضمان ووجبت الكفارة، وهذا غير صحيح، الحادث الذي ليس من فعلك ولا تصرفك ولا تهورك وإنما هو قضاء وقدر انفجر الإطار وحصل الانقلاب، أو انقطع الذراع أو ما أشبه ذلك مما يكون سبباً فهذا لا شيء على الإنسان لا كفارة ولا ضمان.
أما مسألة الرخصة فليست لازمة، الكلام على إحسان القيادة، لكن حمل الرخصة وعدمها هذا تجاه المسئولين، أما باعتبار ما يقتضيه الشرع فمتى كان يحسن القيادة فسواء كان يحمل رخصة أو لا فلا يختلف الحكم.
стр. 605
حكم الحج عن المريض الذي يشق عليه الحج
السؤال
فضيلة الشيخ! لي والدة مقعدة لا تستطيع القيام بأعمال الحج، هل أحج عنها مع العلم أن السفر يشق عليها للحج محمولة؟
الجواب
إذا كان حج فريضة بحيث يكون عندها مال فإنك تحج عنها، وإذا كان نافلة بحيث لا يكون عندها مال أو عندها مال وقد حجت فالصحيح أيضاً أنه لا بأس به، أي: لا بأس أن يحج الإنسان عمن كان عاجزاً عن الحج تطوعاً، وأما القادر الذي يستطيع أن يحج بنفسه ولكنه وكل من يحج عنه ففي إجزاء ذلك عنه نظر؛ لأن الحج عبادة يقوم بها الإنسان بنفسه إن استطاع وإلا فلا يقيم من يحج عنه، إلا الفريضة فقد علمتم أنه إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤدي الفريضة وعنده مال وعدم استطاعته هذه لا يرجى زوالها فإنه يقيم من يحج عنه ويعتمر.
стр. 606
الاحتلام في نهار رمضان وحكم تأخير الاغتسال منه
السؤال
احتلمت أكثر من مرة في شهر رمضان، ونظراً لأني قد استحييت من أهلي أن أدخل دورة المياه وأغتسل صليت على تلك الحال على نجاسة الاحتلام، ثم بعد ذلك أغتسل وأقضي الصلاة، فما حكم هذا الشيء الذي أنا عليه، وهل أتحمل شيء، وهل يفطر الاحتلام في شهر رمضان؟
الجواب
أما الاحتلام في شهر رمضان فلا يفطر، وأما تأخير الاغتسال حياءً من الناس فهذا غلط، فعلى هذا الفاعل أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه، وألا يعود لمثل ذلك، فإن الله لا يستحيي من الحق، ولا أحد أشد حياء من رسول الله ﷺ ، ومع ذلك أحياناً كان يخرج إلى أصحابه ورأسه يقطر ماءً من الاغتسال، وهذا شيء لا بأس به، وهو حادث لكل أحد، فعلى هذا الشاب أن يستغفر الله ويتوب إلى الله مما صنع، والصلوات التي قضاها أرجو أن تكون مجزئة.
стр. 607
حكم من عليه قضاء وهو عاجز عن قضائه
السؤال
امرأة كبيرة في السن تركت قضاء رمضان منذ فترة طويلة من الزمن، وهي تعلم بوجوب القضاء عليها، ولكن تركت القضاء تكاسلاً، وهي الآن عندها من الأمراض ما لا يسمح لها بالصوم، أفتونا مأجورين في حالها ماذا يجب عليها الآن؟
الجواب
الواجب عليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الواجب عليها القضاء، ولكن إذا كانت عاجزة عنه عجزاً لا يرجى زواله لكبرها فعليها أن تطعم لكل يوم مسكيناً.
стр. 608
اللقاء الشهري [٢٦]
في هذا اللقاء الشهري حث الشيخ على الإكثار من الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة؛ وذكر أيضاً أحكام الأضحية وبعض المسائل التي تتعلق بها، وبيّن شروط الحج والعمرة، مع ذكر صفة الحج إجمالاً.
стр. 609
الحث على الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو لقاء شهر ذي القعدة، وهو اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الثالث من كل أحد من كل شهر، وهذه الليلة هي الليلة السادسة عشرة من شهر ذي القعدة عام (١٤١٥هـ) وهو اللقاء المتمم للسادس والعشرين من اللقاءات الماضية، نسأل الله تعالى أن يجعلها لقاءات مباركة نافعة لنا ولكم.
هذا اللقاء سيكون عن شهر ذي الحجة، هذا الشهر -أعني: شهر ذي الحجة- هو أحد الأشهر الثلاثة المتوالية من الأشهر الحرم؛ لأن الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذه متوالية، والرابع هو شهر رجب المنفرد الذي بين جمادى الآخر وشعبان.
هذا الشهر هو أفضل الأشهر الثلاثة الحرم، لأنه يعمل فيه من الأعمال الصالحة ما لا يعمل في غيره، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر -أي: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) .
وهذا الحديث يدل على أنه ينبغي لنا أن نكثر من الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة: فمنها: أن نكثر من التسبيح، والتهليل، والتكبير، فنقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد نكثر من الصدقة؛ لأنها من الأعمال الصالحة نكثر من الصلاة؛ لأنها أفضل الأعمال البدنية نكثر من قراءة القرآن؛ لأن القرآن أفضل الذكر نكثر من كل عمل صالح، ونصوم أيام العشر؛ لأن الصيام من الأعمال الصالحة، وحتى لو لم يرد فيه حديث بخصوصه فهو داخل في العموم؛ لأنه عمل صالح، فنصم هذه الأيام التسعة؛ لأن العاشر هو: يوم العيد ولا يصام.
ويتأكد الصوم يوم عرفة إلا للحجاج؛ لأن النبي ﷺ قال في يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) .
стр. 610
أحكام الأضحية
ومما يفعل في هذه الأيام العشر: ذبح الأضاحي تقرباً إلى الله ، واقتداء بسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن النبي ﷺ ضحى عشر سنوات في المدينة، إلا السنة العاشرة فقد كان في مكة، والأضحية في الأصل سنة للأحياء، إظهاراً للشعائر، وإظهاراً للسرور، وشكراً لله ، فالأصل أنها للأحياء، ولكن لا حرج على الإنسان إذا ضحى بواحدة ونواها عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات، وأما تخصيص الميت بأضحية لم يوصِ بها فهذا لم يرد عن النبي ﷺ ، فقد توفي للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بناته الثلاث قبله، ومع ذلك لم يضحِ لهن، واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب ولم يضح عنه، ومات له زوجتان خديجة وزينب بنت خزيمة ولم يضح عنهما، ولو كانت الأضحية عن الميت مشروعة لبين ذلك رسول الله ﷺ إما بقوله وإما بفعله.
إذاً: الأضحية مشروعة عن الأحياء، يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته بشاة واحدة، وما يفعله عوامنا اليوم تجد أهل البيت -مثلاً- عشرة أفراد، كل فرد له وظيفة، فيقول كل واحد: أنا أريد أن أضحي عن أبي، كم يكون لأبيه من أضحية؟ عشر، من قال هذا؟! أين مشروعية هذا في كتاب الله أو سنة رسوله أو عمل السلف الصالح؟ كان الصحابة يضحي الرجل بالواحد عنه وعن أهل بيته، وحتى أكرم الخلق محمد ﷺ لا يضحي بأكثر من واحدة عنه وعن أهل بيته، مع أنه أكرم الخلق، ومع أن الله أفاء عليه من الأموال ما أفاء ومع ذلك لم يضحِ بأكثر من واحدة.
نقول لهؤلاء الذين يضحون بعشر ضحايا أو أكثر عن أمواتهم نقول: رويدكم، لا تنفقوا أموالكم في شيء لم يفعله الصحابة مع نبيهم، إذا كان لديكم فضل مال فليضح قيم البيت بواحدة عنه وعن أهل بيته ولتصرف بقية هذه الأموال إلى إخواننا في البوسنة الهرسك والشيشان وغيرها من بلاد المسلمين الذين هم في حاجة إلى أموالنا، أما أن يبطر الإنسان ويسرف فيضحي بعشر ضحايا لواحد أو لاثنين فهذا غلط، وليس من الشرع في شيء، وأخشى أن يكون الإنسان آثماً لا سالماً؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو سألنا أي أحد: من أكرم الناس؟ لقال: محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل ضحى بأكثر من واحدة عنه وعن أهل بيته؟ أبداً ما ضحى، ضحى باثنتين، واحدة عنه وعن أهل بيته، وواحدة عن الأمة جميعاً.
إذاً: لتكن عباداتنا مبنية على علم وبصيرة وهدى، ليس الشرع عاطفة إذا أحب الإنسان شيئاً فعله وتقرب به إلى الله، الشرع شريعة من الله، فهل شرع الله على لسان رسوله أن يضحي الرجل بأكثر من واحدة؟ أبداً.
فالذي أرى: أن من عنده فضل مال فليجد به على إخوانه المتضررين المشردين الميتمين الذين هم في ضرورة لأموالنا، هذا هو الصواب.
стр. 611
عدم إرسال الأموال ليضحى بها في أماكن أخرى والمصالح التي تفوت بسبب إرسالها
وعكس ذلك: أقوام يبذلون أموالهم ليضحى بها في أماكن أخرى، وهذا غلط! بعض الناس يعطي هيئة الإغاثة أو غيرها من الجهات دراهم ليضحى عنه في أماكن أخرى، هذا لم يؤد الأضحية، الأضحية شعيرة ينبغي أن تقام في كل بلد، ومن نعمة الله أنه لما اختص الحجاج بالهدايا يذبحونها تقرباً إلى الله في أيام العيد شرع الله لمن لم يحج أن يضحي، حتى يشاركوا الحجاج في شيء من شعائر الله ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] فإذا كان هذا هو المقصود من الأضحية قلنا للإنسان: لا تضح خارج بيتك، ضح في بلدك، أقم هذه الشعيرة، والأضحية في مكان يبعث بالدراهم إليه مخالف للسنة، يفوت بها مصالح كثيرة، أذكر منها ما يلي: أولاً: إخفاء شعيرة من شعائر الله في بلادك وهي: الأضحية.
ثانياً: يفوتك التقرب إلى الله تعالى بذبحها؛ لأن المشروع في الأضحية أن يباشر الإنسان ذبحها بيده، فإن لم يحسن فقال العلماء: يحضر ذبحها، وهذا يفوته.
ثالثاً: يفوتك ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأضحية إذا كانت عندك في البلد، فأنت الذي تذكر اسم الله عليها، وقد أشار الله إلى هذه الفائدة بقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] فتذهب أضحيتك إلى مكان بعيد لا تدري هل يذكر اسم الله عليها أم لا، وتحرم نفسك من ذكر اسم الله عليها.
رابعاً: يفوتك أن تأكل منها، لأنها إذا كانت في البوسنة والهرسك والشيشان والصومال وغيرها هل يمكن أن تأكل منها؟! لا.
يفوتك الأكل منها وقد قال الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] فبدأ بالأكل، ولهذا ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن الأكل من الأضحية واجب، كما تجب الصدقة يجب الأكل، وهذا قطعاً يفوت إذا ضحيت في غير بلادك.
خامساً: أنه يفوتك التوزيع المطلوب؛ لأن المطلوب في الأضحية أن تأكل وتهدي وتتصدق، وهذا يفوت، إذا وزعت هناك لا ندري أتوزع صدقة على الفقراء، أم هدية على أغنياء، أم هدية على قوم ليسوا بمسلمين؟! سادساً: أنك تحرم أهل بلدك من الانتفاع بهذه الأضاحي، أن تقوم بالإهداء إلى جيرانك وأصحابك من الأضحية، وبالصدقة على فقراء بلدك، لكن إذا ذهبت هناك فات هذا الشيء.
سابعاً: أنك لا تدري هل تذبح هذه على الوجه الأكمل أو على وجه خلاف ذلك، ربما تذبح قبل الصلاة، وربما تؤخر عن أيام التشريق، وربما لا يسمِ عليها الذابح، كل هذا وارد، لكن إذا كانت عندك ذبحتها على ما تريد، وعلى الوجه الأكمل، ولهذا ننصح بألا تدفع الدراهم ليضحى بها خارج البلاد، بل تضحى هنا، وننصح -أيضاً- بأن من عنده فضل مال فليتصدق به على إخوانه المحتاجين في أي بلاد من بلاد المسلمين، ولتكن الأضحية له من غير غلو ولا تقصير.
стр. 612
ترك الأخذ من الشعر أو البشرة أو الظفر
ومن خصائص شهر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي: ألا يأخذن من شعره أو بشرته أو ظفره شيئاً، حتى الأمور المطلوب أخذها لا يأخذها حلق العانة نتف الإبط قص الشارب تقليم الأظفار، كل ذلك سنة، لكن إذا دخل العشر وأنت تريد أن تضحي فلا تأخذ من ذلك شيئاً، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الأخذ منها ممن أراد أن يضحي، وأما الذي يضحى عنه فلا نهي في حقهم، وعلى هذا إذا كان صاحب البيت قيم البيت هو الذي يريد أن يضحي فإنه لا يأخذ من ذلك شيئاً، وأما أهل البيت فلا حرج عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (وأراد أحدكم أن يضحي) ولم يقل: أو يضحى عنه، ولأنه كان يضحي هو عنه وعن أهل بيته ولا يقول لأهل البيت: اجتنبوا الأخذ من ذلك.
ولكن لو أن الإنسان نسي وأخذ هل يؤثر هذا على أضحيته؟ لا يؤثر، أو تعمد فأخذ فإن ذلك لا يؤثر على أضحيته لكنه يكون قد ارتكب النهي.
ولو أن الإنسان لم يفكر في الأضحية وأخذ من شعره وأظفاره بعد دخول شهر ذي الحجة، ثم بدا له أن يضحي فهل يضحي أو لا؟
الجواب
نعم يضحي؛ لأنه لا علاقة بين الأضحية وبين الأخذ من هذه الأشياء.
стр. 613
شروط وجوب الحج والعمرة
الحج والعمرة واجبان في العمر مرة على المستطيع بشروط، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والاستطاعة، هذه خمسة شروط إذا تمت وجب على الإنسان أن يحج، ومن الاستطاعة: أن يكون للمرأة محرم، فإن لم تجد محرماً فلا حج عليها ولو كان عندها أموال كثيرة؛ لأنه يتعذر سفرها شرعاً، والمتعذر شرعاً كالمتعذر حساً، ولتطمئن المرأة التي عندها مال وليس عندها محرم ولينشرح صدرها بأنه لا حج عليها كالفقير الذي ليس عنده مال لا زكاة عليه، وهي إذا لاقت ربها في هذه الحال فقد لاقته وليست آثمة؛ لعجزها عن الحج شرعاً، تصبر حتى ييسر الله لها محرماً، فإن لم يتيسر فالحمد لله الأمر واسع.
وكذلك من عليه دين حال مطالب به فليقض دينه أولاً، فإن لم يفِ المال الذي عنده بالدين والحج سقط عنه الحج، وإن كان الدين مؤجلاً -مقسطاً- وهو واثق من نفسه أنه إذا حل أجل الدين أوفاه فليحج، كما لو كان عنده قرض للبنك العقاري وهو واثق من أنه إذا حل أجل القسط فإنه يدفعه فليحج ولو كان عليه دين، أما إذا كان ليس عنده ثقة من نفسه أن يوفي فلا يحج ولو كان الدين مؤجلاً، ولو سامحه صاحب الدين؛ لأن وفاء الدين أهم.
وبهذه المناسبة أحذر ثم أحذر ثم أحذر من التهاون بالدين، فإن التهاون بالدين سفه في العقل؛ لأن الدين عظيم، وأذكر لكم ثلاثة أشياء: أولاً: إذا استشهد الرجل في سبيل الله فالشهادة تكفر كل شيء إلا الدين، كل المعاصي تكفرها الشهادة، من زنا وسرقة وشرب خمر وغيره تكفره الشهادة إلا أن السرقة ترد إلى صاحبها إلا الدين.
ثانياً: المدين لا يصلي عليه الإمام، إذا مات المدين وعليه دين ليس له وفاء فإن الإمام لا يصلي عليه، والدليل: أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا قدم عليه الميت وعليه دين ليس له وفاء، قال: (صلوا على صاحبكم) ولم يصل عليه، والإمام الأعظم رئيس الدولة مثل النبي ﷺ له السلطة على من تحت يده فلا يصلي عليه، أما إمام كل مسجد فهذا راجع إلى اجتهاد الإنسان، قدم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة رجل من الأنصار فخطا خطوات ليصلي عليه ثم سأل: (أعليه دين؟ قالوا: نعم.
قال: صلوا على صاحبكم -الله أكبر- فتغيرت وجوه القوم، فقال أبو قتادة: يا رسول الله! الديناران علي، قال له: حق الغريم وبرئ منهم الميت؟ قال: نعم.
فتقدم وصلى، ثم كان يسأل أبا قتادة: هل أوفيت عنه؟ فلما قال: نعم.
قال: الآن برَّدت عليه جلدته) من الذي بردت عليه جلدته؟ الميت المدين.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يحذر من الدين.
تقدمت إلى الرسول ﷺ امرأة فقالت: (إني وهبت نفسي لك، فلم يردها الرسول ﵊، فقام رجل من القوم قال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، قال: هات المهر، قال: ما عندي إلا إزاري فقط، قال راوي الحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: ليس له رداء -أي: ما عليه إلا إزار أعلى جسده عارٍ؛ لأنه فقير- قال له ﵊: إزارك إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر -لا يمكن- التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب فلم يجد شيئاً، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال له: ما وجدت شيئاً، قال هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم.
سورة كذا وكذا، فقال: زوجتكها بما معك من القرآن) أي: علمها فعلمها، ولم يقل: تسلف من إخوانك، أو تسلف من الناس، مما يدل على عظم شأن الدين، وإخواننا اليوم وقومنا اليوم يشتري الإنسان سيارة بسبعين ألف ديناً، مع أنه يستطيع أن يشتري سيارة بعشرين ألف، لكن يقول: أنا أريد سيارة فخمة، وهذا غلط.
يعمر بيتاً يكفيه أن يعمر بيتاً -مثلاً- بثلاثمائة ألف، يقول: لا أعمر بيتاً بخمسمائة ألف، يعمر بيتاً على قدر حاله، ويمكنه أن يستعمل البيت بدون أن يوثق نفسه بالديون، يقول: لا سأفرش البيت من بابه إلى سطحه، كله حتى الدرج، لماذا وأنت فقير؟ هذا إسراف وغلط، فالتهاون بالدين أمره صعب.
إذاً الإنسان المدين نقول: لا تحج وعليك دين إلا إذا كنت واثقاً من أنه إذا حل القسط وفيت وإلا فالدين أهم.
стр. 614
صفة الحج
أما الحج فهو أن يقصد الإنسان بيت الله ليؤدي مناسك الحج، نذكر صفته على وجه الإجمال: تخرج من بيتك مريداً للحج والعمرة من البيت، من أجل أن تكون خطواتك في طاعة الله، إذا وصلت إلى الميقات أول ميقات تمر به تحرم منه، وعند الإحرام تغتسل وتتطيب وتلبس ثوب الإحرام، وإذا كنت قريباً من مكة -أي: قريباً من الميقات- يمكنك أن تصل في نهارك وخفت أن يكون المكان زحاماً واغتسلت في بيتك فلا بأس، لكن لا تلبس ثياب الإحرام إلا في الميقات، إذا لبست ثياب الإحرام فصل صلاة الفريضة إن كانت حاضرة، أو صلاة الوضوء إذا لم تكن فريضة، ثم تنوي فتقول: لبيك عمرة، أنت تقول: لبيك عمرة وأنت تريد الحج هذا العام، وتمضي حتى تصل إلى البيت، فتطوف سبعة أشواط تبدأ بالحجر الأسود وتنتهي بالحجر الأسود.
وفي هذا الطواف يسن للرجل سنتان: السنة الأولى: الرمل، والسنة الثانية: الاضطباع، فأما الرمل فهو أن يسرع المشي مع مقاربة الخطا في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والأربعة الباقية يمشي فيها على عادته، والثلاثة الأشواط الأولى إذا كان المطاف زحاماً فليمش على ما يكون في راحة له وللطائفين، فإذا أتم سبعة أشواط صلى ركعتين خلف المقام إن تيسر له، وإلا ففي أي مكان من المسجد، ثم يخرج إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] قبل أن يصعد على الصفا، ثم يصعد على الصفا ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول ما ورد عن النبي ﷺ وليس هذا موضع الذكر أخشى أن يطول الوقت.
ثم ينزل من الصفا متجهاً إلى المروة، فإذا وصل إلى العلم الأخضر -العمود الأخضر- الذي فوقه نجفات خضراء سعى -أي: ركض ركضاً شديداً- إلى العلم الآخر، هذا إن تيسر وإلا فلا يشق على نفسه ولا على غيره، ثم يمشي مشيه المعتاد إلى المروة، ثم يصعد المروة ويتجه إلى القبلة، ويرفع يديه ويقول ما قاله على الصفا، فهذا شوط.
ثم ينزل إلى المروة ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه ويقول على الصفا ما قاله في أول مرة، حتى يتم سبعة أشواط، يبدأ بـ الصفا وينتهي بـ المروة، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ثم بعد هذا يقصر من شعر رأسه، من جميع الرأس لا من جانب أو جوانب، بل من جميع الرأس، ثم يحل من عمرته حلاً تاماً تاماً، يلبس الثياب العادية ويتطيب ويتمتع بأهله إن كانوا معه، ويحل من كل شيء حرم عليه بالإحرام، فيبقى كذلك محلاً إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، فيحرم في اليوم الثامن ضحىً قبل الظهر بالحج، ويغتسل كما يغتسل بالعمرة، ويتطيب في بدنه دون ثيابه، ويبقى في منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة وينزل بنمره إن تيسر له، وهي قرية قرب عرفة وليست من عرفة، فإذا زالت الشمس سار إلى عرفة، وإذا لم يتيسر له ذلك، فإنه يذهب من منى إلى عرفة رأساً ويمكث فيها حتى يأتي وقت الظهر فيصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً، والجمع هنا جمع تقديم، ثم يتفرغ للدعاء ويلح بالدعاء ويستقبل القبلة رافعاً يديه، ويجتهد في الدعاء والذكر والقرآن وكل ما يكون نشيطاً عليه، وإذا حصل له ملل أو كسل كما هو الغالب في وقتنا هذا فإنه لا بأس أن يتكلم فيما ينشطه، لكن ليحرص على أن يكون آخر اليوم متفرغاً للدعاء والذكر، فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة، فإذا وصلها صلى المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ثم بعد أن يصلي المغرب والعشاء والوتر ينام إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر صلى الصبح مبادراً بها، فيصلي سنة الفجر وصلاة الفجر، ويبقى هناك -أي: في مزدلفة - إلى أن يسفر جداً -أي: يبين السفر تماماً- ثم ينطلق من مزدلفة إلى منى، وللإنسان الضعيف أو من يصاحب الضعيف أن ينصرف من مزدلفة في آخر الليل، كالرجل الذي معه نساء يحب أن يذهب إلى منى من أجل أن يرمي الجمرات قبل أن يأتي الناس فليذهب إلى منى، وله أن يرمي من حين أن يصل إلى منى ولو كان قد بقي على الفجر ساعة أو ساعتين، لكن متى ينصرف من مزدلفة؟ قيل: ينصرف إذا انتصف الليل، وقيل: ينصرف إذا غاب القمر -أي: إذا مضى من الليل ثلثاه- وهذا هو الأقرب، المهم وصلنا إلى منى، أول ما يفعل يرمي جمرة العقبة، وهي آخر الجمرات مما يلي مكة، يرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ومن أين يأخذ الحصاة؟ من أي مكان، من منى من الطريق بين منى ومزدلفة، من مزدلفة من أي مكان، يأخذ سبعاً فقط، فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف فينحر هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره والحلق أفضل، ثم يحل من كل شيء حرم عليه إلا النساء، ثم ينزل إلى مكة ويطوف طواف الإفاضة وهو طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة.
ثم يعود إلى منى فيبيت بها ليلتين، الحادية عشرة والثانية عشرة، وبعد الزوال من اليوم الحاد عشر وبعد الزوال من اليوم الثاني عشر يرمي الجمرات الثلاث: الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، كل واحدة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، لكنه بعد الأولى يقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو الله تعالى دعاءً طويلاً، وكذلك بعد الثانية، أما بعد جمرة العقبة فلا يقف.
ولنرجع إلى يوم العيد، فيوم العيد حين وصلنا إلى منى كم عملنا؟ أولاً: رمي الجمرات.
ثانياً: النحر.
ثالثاً: الحلق أو التقصير.
رابعاً: الطواف.
خامساً: السعي.
هذا هو الترتيب الأفضل، فإن قدم بعضها على بعض فليس عليه حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل في هذا اليوم عن التقديم والتأخير فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) فإذا رمى الجمرات الثلاث يوم الثاني عشر فله أن يتعجل وينهي الحج، وله أن يبيت ليلة الثالثة عشرة ويرمي اليوم الثالث عشر كما رمى يوم الثاني عشر والحادي عشر، وإذا أراد الخروج إلى أهله من مكة فلا يخرج حتى يطوف للوداع عند خروجه سبعة أشواط بثيابه التي عليه -العادية- وبدون رمل وبدون سعي، إلا المرأة الحائض أو النفساء فإنه لا وداع عليها.
وبهذا ينتهي الحج والعمرة على الوجه الذي هو أكمل الأنساك.
نسأل الله تعالى أن ييسر لنا ولكم الخير أينما كنا، وأن يوفقنا جميعاً للإخلاص لوجهه والاتباع لرسوله، إنه على كل شيء قدير، وإلى الأسئلة، نسأل الله أن يوفقنا فيها للصواب.
стр. 615
الأسئلة
стр. 616
حكم ذبح الأضحية عن الميت
السؤال
فضيلة الشيخ: نحن في منزلنا نواجه مشكلة كبيرة، حيث أن لنا والدة تقوم بذبح ضحايا متعددة لأبيها واحدة، ولأمها واحدة، ولأخواتها واحدة، ونحن منذ وقت بعيد نحاول إقناعها أن هذا مخالفاً لسنة النبي ﷺ لكنها لم تقتنع، نرجو منك وفقك الله توجيه نصيحة لها خاصة ولعامة المسلمين، علماً بأنها تكلفها هذه الضحايا قريباً من خمسة آلاف ريال؟
الجواب
بلغها سلامي وقل: يسلم عليك فلان، ويقول: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليست أكرم من رسول الله ولا أعلم منه بما يرضي الله ولا أحرص منه على مرضاة الله، فلتقتدي برسولها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما والداها وأمها وجدها وجدتها، وعمها وعمتها، وخالها وخالتها، وأقاربها وأصدقاؤها فلتدع الله لهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ما قال: يضحي له، ولا جاءت في حديث ضعيف ولا صحيح: أو ولد صالح يضحي له، مع أن الحديث في سياق الأعمال، (انقطع عمله إلا من ثلاث) والأضحية عمل، فلم يقل: إلا ولد صالح يضحي له.
ولا شك أن أمك تريد الخير، لكن ليس كل مجتهد مصيب.
стр. 617
حكم الخادمة التي شرطت على كفيلها الحج وليس لها محرم
السؤال
فضيلة الشيخ! ابتلينا بالخادمات في البيوت، فإذا جاءت الخادمة كان من الشروط أن تؤدي فريضة الحج، فماذا يصنع من كان كفيلاً لها، هل يقوم بتنفيذ هذا الشرط ولو كان فيه مخالفة لأوامر الله ورسوله، أم يطلب منها إحضار محرم لها ليحج بها، أم يدفع لها مالاً مقابل عدم الوفاء بهذا الشرط؟
الجواب
هذه ثلاثة أمور بينها السائل، لكن هناك أمر رابع لم يبينه وهو الواجب من الأصل، الواجب أن الخادمة إذا اشترطت أن يحج بها، يقول: نعم.
أنا ألتزم بهذا بشرط المحرم، أما إذا لم يكن معك محرم فإنه لا يجوز أن تحجي أنت ولا يجوز أن أسمح لك أنا ما دام الأمر بيدي، ثم إن هؤلاء المسكينات الحج عندهن أغلى من كل شيء، فلو أنها أُيِّست منه من الأول وقيل: لا حج إلا بمحرم، لدخلت على بصيرة، ثم نقنع هذه المسكينة، ونقول لها: إن الحج فريضة، على المستطيع، وأنت لا تستطيعين الآن؛ لأنك بدون محرم، فليس عليك حج، اطمئني، ليس عليك إثم، وإذا لقيت ربك فإنك تلقينه بدون أن تكوني عاصية أو آثمة، ونهون عليها الأمر، فإن أبت إلا الوفاء قلنا: لا يمكن هذا، لكن اختاري إما أن ننتظر حتى يقدم لك أحد من محارمك، وإما أن نعطيك عوضاً عن الحج الذي اشترطت علينا.
لكن هنا مسألة: لو كان أهل البيت سيذهبون إلى الحج وعندهم خادمة ليس لها محرم، فهنا لا بأس أن تحج معهم؛ لأن وجودها في البيت كوجودها معهم في السفر ولا فرق، ولأنها إذا بقيت في البيت فهو أخطر لها مما إذا ذهبت معهم بلا شك، والواجب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما.
стр. 618
قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)
السؤال
ما المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] هل هذا النهي للتحريم، وكيف يكون التحلل على هذه الآية؟
الجواب
نعم النهي للتحريم، فالإنسان لا يحوز له إذا ساق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، وعبر بحلق الرأس؛ لأنه علامة الحل، ولهذا لما أمر النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوا نسكهم عمرة إلا من ساق الهدي، قالوا: (وأنت يا رسول الله؟ قال: أنا قد سقت الهدي، فلا أحل حتى أنحر) فمعنى الآية: لا تحلوا قبل أن يبلغ الهدي محله، والإحلال يكون بحلق الرأس.
стр. 619
حكم من عليه أقساط في أشياء غير ضرورية ويتعذر بها عن الحج
السؤال
فضيلة الشيخ: هناك عدد من الشباب يقتني الآن سيارات بغالي الأثمان ديناً وهو لم يحج، ويأخذها بالأقساط، ويستطيع أن يبيعها ويسدد هذه الأقساط ويحج، ولكنه يجعل ذلك عذراً له ومانعاً عن الحج، وهو لا يدري لعلها تكون قبراً له، فما حكم عمله هذا؟
الجواب
أرى أن الإنسان العاقل إذا كان عنده مال يمكنه أن يشتري به سيارة يدفع بها حاجته ويحج بالباقي فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك، ولا يجوز أن يشتري شيئاً بثمن رفيع ويدع الحج؛ لأنه غني يستطيع أن يحج، فالسيارة التي يشتريها بخمسين ألف -مثلاً- يغني عنها سيارة بعشرين ألف، ويحج من الثلاثين، وربما تكون البقية تكفيه للزواج، فيحصل له سيارة يركبها يقضي حاجته وحج وامرأة، هذه نعمة.
стр. 620
حكم من عليه دين مع وجود ما يبيعه لقضاء دينه
السؤال
بعض الناس له أكثر من خمسين سنة، وعنده أملاك ومزارع وأراضٍ وبيوت، وعليه دين، وهو لم يؤد فريضة الحج، فإذا نصح بالحج تعذر بالدين، مع قدرته على سداد دينه ببيع بعض أملاكه؟ فهل له أن يؤمن دينه بالرهن ثم يحج، أم أن ذلك الدين عذراً له؟
الجواب
أرى أنه يبيع من هذه الأملاك التي لا يحتاجها، ويقضي دينه ويحج؛ لأن الرجل غني، والغنى ليس هو كثرة النقود، الغنى هو: كثرة الأموال التي تزيد على حاجة الإنسان، وإذا كان عنده عقارات كثيرة يمكن أن يبيع واحداً من عشرة منها ويحج وجب عليه أن يبيع ويحج، هذا الواجب عليه، ولا يدري هذا الرجل ربما يصبح ولا يمسي أو يمسي ولا يصبح، فتبقى هذه الأملاك لغيره يتنعمون بها وعليه وبالها.
стр. 621
جواز الدفع من مزدلفة إلى مكة مباشرة
السؤال
فضيلة الشيخ! هل يجوز لمن أراد تقديم طواف الإفاضة على بقية مناسك يوم النحر أن يدفع من مزدلفة إلى مكة مباشرة؟
الجواب
يجوز لمن دفع من مزدلفة أن يذهب إلى مكة مباشرة ويطوف ويسعى ويرجع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يسأل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) فالأمر والحمد لله واسع، قد وسع الله على العباد تخفيفاً عليهم.
стр. 622
حكم من وافق اليوم السابع من ولادة ابنه يوم الأضحى
السؤال
شخص وافق يوم الأضحى أن يكون يوم السابع لولده، فكان عليه عقيقة وأضحية، فهل له أن يعق عن ابنه أم يجمع بينهما، وإذا أمكن ذلك -أي: أن يجمع بين العقيقة والأضحية- فكيف تكون الطريقة عند الذبح؟
الجواب
قال بعض أهل العلم: إذا وافق يوم العيد يوم السابع من ولادة الولد وذبح أضحية كفت عن العقيقة، كما أن الإنسان لو دخل المسجد وصلى فريضة كفت عن تحية المسجد؛ لأنهما عبادتان من جنسٍ واحد، توافقتا في الوقت فاكتفي بإحداهما عن الأذى.
لكن أرى إذا كان الله قد أغناه أن يجعل للأضحية شاة وللعقيقة شاة إن كانت المولودة أنثى، أو شاتين إن كان المولود ذكراً، فإذا كان المولود ذكراً يذبح ثلاثاً.
стр. 623
أجر من كفل حاجاً
السؤال
يوجد عامل لم يحج أبداً، ويريد الحج، وأنا أريد أن أتكفل بكامل حجه، فهل أدفع قيمة الفدية أم أن عليه دفعها، وما هو الأجر الذي سأحصل عليه؟
الجواب
يقولون: إن رجلاً كلف بأن يرضِّح عبساً -النوى الذي يكون في التمر- فجعل يرضحه يكسره ويكسره -وتكسير العبس صعب- لما بقيت واحدة قال: تعبت، مع أنه كسر آلاف العبس، هذا الرجل متكفل بالعامل في جميع مئونته إلا الهدي، نقول: يا أخي! جزاك الله خيراً أكمل الهدي حتى يتم الأجر لك، فإن لم يفعل وكان العامل فقيراً فالله تعالى قد يسر عليه، ماذا يصنع العامل؟ يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وزال الإشكال.
لكني أشير على الكفيل جزاه الله خيراً أن يكمل إحسانه، وأن يقول: جميع مئونة الحج عليَّ من نفقة الحج والهدي والإحرام وغير ذلك.
والأجر إن شاء الله الذي يحصل عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من جهز غازياً فقد غزا) ونقول: نحن إن شاء الله بدون تألٍ على الله: أن من جهز حاجاً فقد حج؛ لأن الحج في سبيل الله، حتى إن بعض العلماء يقول: إن الفقير إذا كان عاجزاً ولم يؤدِ الفريضة يعطى من الزكاة، لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] وعائشة قالت: (يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة) .
فنرجو لهذا الذي تكفل بحج العامل مثل أجر العامل.
стр. 624
حكم التقصير والحلق
السؤال
نشاهد وبكثرة من بعض الحجاج هداهم الله أنه إذا أراد أن يقصر من شعر رأسه في حج أو عمرة أخذ من كل جانب شعرات واكتفى بذلك، ولربما أخذ من عارضيه، فما حكم عمله ذلك في الحالات التالية: أولاً: إذا رأيناه يفعل ذلك وهم كثير على المروة.
ثانياً: إذا فعل ذلك ورجع إلى أهله.
ثالثاً: إذا فعل ذلك قبل سنوات كثيرة؟
الجواب
سألني سائل مرة وقال: إني اعتمرت، كل شيء فعلته إلا أنني لم أحلق، ويقول: هكذا بلحيته، ما حلقت أي: ما حلق اللحية، ظن أن حلق اللحية من شعائر الله، فقال: كل شيء عملته إلا أني لم أحلق ويشير هكذا بلحيته ويمسحها أمامي، فقلت: الحمد لله الذي هداك لهذا، هذا هو الحق، ألَّا تحلق لحيتك؛ لأن حلق اللحية حرام بكل حال.
فهؤلاء القوم الذين نراهم عند المروة يقصرون من بعض الرءوس هم على قولٍ قاله بعض العلماء؛ لأن العلماء ﵏ مختلفون: هل الحلق والتقصير طاعة، أو الحلق والتقصير علامة على أن النسك انتهى؟ فالذي يقول: إنه علامة على أن النسك انتهى يقول: إذا قصرت أدنى شيء ولو شعرتين أو ثلاث فقد كفى؛ لأن المحرم لا يجوز أن يحلق رأسه، فإذا حلق معناه أنه انتهيت، ومن قال: إنه طاعة وهو الصحيح قال: يجب أن يقصر من جميع الرأس عموماً، وهذا هو الحق، فإذا رأيت شخصاً قابلاً للنصيحة والتوجيه انصحه، أما إذا رأيت شخصاً لا يعرفك ولا يأخذ بقولك ولا يبالي وتكلمت معه ولكنه لم يلتفت إليك فلا تلح عليه.
стр. 625
حكم من يحج عن غيره وعليه دين
السؤال
أنا رجل عليَّ دين فهل يجوز لي أن أحج نيابة عن شخصٍ آخر، مع العلم أني سآخذ مبلغاً على ذلك، وهل يجب عليَّ أن أستأذن من صاحب الدين الذي عليَّ؟
الجواب
لا بأس أن يحج الإنسان عن غيره إذا كان عليه دين؛ وذلك لأنه لا يضره أهل الدين شيئاً، بل قد يكون هذا من مصلحته، أنه إذا أعطي مالاً على هذا الحج قضى به من دينه، لكن إذا كان الدين حالاً فليستأذن من الدائن، حتى لا يكون في قلبه شيء على هذا المدين.
стр. 626
حكم اصطحاب الخادمة للحج مع الأسرة إذا كان للضرورة
السؤال
فضيلة الشيخ! بينتم في السؤال السابق في سؤال الخادمة أنها يمكنها أن تحج معهم إذا كانوا سيؤدون فريضة الحج، فهل يأثمون بذلك، وهل عليها إثم، وهل يجوز لهم أن يجعلوها عند أحد أقاربهم؟
الجواب
ذكرنا أن هذا من باب الضرورة؛ لأن ذهابها معهم أسلم من بقائها في البيت، وعللنا ذلك بأنه من باب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما وأقلهما، لكن كما قيل:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبها
стр. 627
حكم من أُحصر ومُنع عن الحج
السؤال
رجل سار من الميقات إلى مكة حاجاً، ولما وصل إلى مركز التفتيش بين مكة وجدة منعوا دخوله مكة؛ لأنه لم يكن معه بطاقة للحج، فما الحكم حينئذٍ؟
الجواب
أولاً: لا نشير على الإنسان أن يخاطر ويحج وليس معه بطاقة رخصة، بل إذا لم يكن معه بطاقة فمعناه: أنه قد حج أولاً ويكفي، الباقي تطوع، وإذا علم الله من نيتك أنه لولا المانع لحججت فإنه يرجى أن يكتب لك أجر الحج؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من تمنى الشهادة بصدق أو نال أجر الشهيد ولو مات على فراشه، فأنت إذا علمت أن السلطات سوف تمنعك أصلاً لا تسافر، أديت الفريضة والحمد لله.
لكن على فرض أن الإنسان لم يعلم بهذا وذهب وأحرم ثم منع، فإنه يذبح هدياً في مكان منعه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ويتحلل ويرجع.
стр. 628
ميقات أهل الشام
السؤال
شخص جاء من الشام وهو ليس من أهلها وأراد الحج، وعند قدومه إلى جدة لا يدري من أين يحرم: هل له أن يحرم من ذي الحليفة، أم يحرم من جدة؛ لأنه من بلاد تحرم من جدة، ولكنه ذهب إلى بلاد الشام لطلب العلم، أفتنا مأجوراً وفقك الله؟
الجواب
أهل الشام لا يحرمون من ذي الحليفة، أهل الشام وقَّت لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجحفة، وأظن طريق الطائرات إذا كان في الطائرات من عند الساحل فيحاذون الجحفة، وهم بعيدون عن ذي الحليفة، فيحرم كما يحرم أهل الشام تماماً، إلا إذا كان هذا الرجل من أهل جدة ورجع من الشام إلى جدة باعتبار أنه راجع إلى أهله لا أنه قاصد الحج، فحينئذٍ يذهب إلى أهله بلا إحرام وإذا جاء وقت الحج أحرم، وإذا كان قاصداً الحج لا بد أن يحرم من ميقات أهل الشام.
стр. 629
حكم الحج على المريض الذي تضره أشعة الشمس
السؤال
فضيلة الشيخ! شخص مرض قبل سنة ونصف بمرض حاد وذلك بسبب ضربة الشمس، وهو لم يحج، ويخشى من أشعة الشمس الحارة، فهل يجوز له أن يوكل شخصاً ليحج عنه مع أنه الآن في عافية، ولكن الأطباء يقولون له: احذر من الشمس؟
الجواب
إن هذا يجب عليه أن يحج بنفسه، ولا يجوز أن يوكل ما دام الحج فريضة، ولكن يذهب ويحرم من الميقات ويغطي رأسه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يذهب ويحرم ويغطي رأسه بالغترة والطاقية ويطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء في مكة، فالأمر سهل والحمد لله.
стр. 630
حكم استئذان الوالدين في الذهاب إلى الحج
السؤال
هل يجب الاستئذان من الوالدين في الذهاب إلى الحج سواء كان فرضاً أو تطوعاً؟
الجواب
أما إذا كان فرضاً فإنه لا يشترط رضاهما ولا إذنهما، بل لو منعاه من الحج وهو فرض وجب عليه أن يحج ولا يطعهما، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ [لقمان:١٥] ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) .
أما إذا كان نفلاً فلينظر إلى المصلحة، إن كان أبوه وأمه لا يستطيعان الصبر عنه ولا أن يغيب عنهما فبقاؤء عندهما أولى؛ لأن رجلاً استأذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الجهاد فقال له: (أحي والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد) فالفريضة لا يطعهما، والنافلة ينظر ما هو الأصلح.
стр. 631
حكم سفر المتمتع بين العمرة والحج
السؤال
هل يشرع لمن اعتمر وأحل أن يسافر للحاجة إلى جدة أو المدينة ولربما إلى الرياض علماً أنه متمتع وهو من أهل القصيم، وإذا رجع إلى بلده هل يبطل هذا التحلل؟
الجواب
قوله: هل يشرع، يريد هل يجوز للإنسان المتمتع إذا أنهى عمرته أن يسافر إلى جدة أو إلى الرياض أو إلى المنقطة الجنوبية مثلاً أو إلى المدينة؟ والجواب: نعم.
له أن يسافر، وإذا رجع فإنه يبقى على تمتعه، أما لو رجع إلى بلده، ثم رجع من بلده محرماً بالحج فقد بطل التمتع وصار حجه إفراداً؛ لأنه برجوعه إلى بلده انقطع السفر، وأنشأ للحج سفراً جديداً من بلده.
الخلاصة: أن سفر المتمتع بين العمرة والحج لا يقطع التمتع إلا إذا رجع إلى بلده، ورجع من بلده محرماً بالحج، فإنه يبطل تمتعه ويكون مفرداً.
стр. 632
الأفضل في الهَدْي
السؤال
أشرتم وفقكم الله إلى أنه لا يدفع الإنسان أضحيته لمن في الخارج، وأن عليه أن يذبحها بنفسه، فهل الهدي كذلك؟ وماذا تقولون لبعض الشركات التي تقبل الهدي والأضحية، فهل ندفع لهم ذلك؟
الجواب
أما الأضحية فلا تدفعوها للشركات، ضحوا في بلادكم، وأما الهدي فمعلوم أن الذين يذهبون إلى مكة إذا ذبحوا الهدي صعب عليهم أن يفرقوه على مستحقيه، فإذا أعطوه من يتقبل ذلك فلا بأس، وهؤلاء الذين يتقبلون الهدي يتقبلونه بإذنٍ من الحكومة، ويكون قبضهم للهدي كقبض الفقير، فيكون الذي يسلمهم إليه إلى الحكومة كأنه سلمه إلى الفقير تماماً، ولا حرج فيه للحاجة.
ومع ذلك نقول: إذا كنت قادراً على أن تذبح هديك بنفسك أو توكل عليه أحداً في مكة فلا تعطيه الشركات، كلما صار لديك مندوحة عن إعطاء الشركات في الهدي فلا تعطهم، أما الأضاحي فقد علمتم أنه لا يعطيها إياهم إطلاقاً؛ لأن الأضاحي يمكن كل إنسان أن يضحي ببيته ويأكل من لحمها ويوزع على حسب الحال.
الهدي إذا اشتراه في مكة أو في منى وذبحه وأعطى الحملة ولكن أعطى الفقراء منه ولو رجلاً واحدة أو يداً واحدة فلا بأس هذا طيب.
стр. 633
حكم التساهل في أداء الحج
السؤال
رجل عنده مال، ويسر الله له كافة سبل الحج ولكنه متساهل بهذا مع كبر سنة، فما حكم صلاته وزواجه وغير ذلك، وهل هو آثم بهذا التأخير؟
الجواب
نعم.
هو آثم بهذا التأخير، وإذا مات فإن من العلماء من قال: إنه يموت كافراً وإن كان يصلي -نسأل الله العافية- ولكن القول الراجح: أنه لا يكفر بترك الحج، ليس شيء من الأعمال يكفر بتركه إلا واحدة وهي الصلاة، فإذا تهاون بالحج ومات فهو آثم وعاصٍ ومستحق للعقاب، لكنه ليس بكافر.
واختلف العلماء هل يقضى عنه الحج بعد موته في هذه الحالة أو لا يقضى؟ فجمهور العلماء: على أنه يقضى عنه، وقال ابن القيم ﵀: إنه لا يقضى عنه؛ لأن الرجل عازم على الترك متهاون، كيف نقضي عنه، وماذا ينفعه عند الله، والحج عبادة إن لم يقم بها بنفسه فلا فائدة من ذلك.
فعلى كل حال: الأمر خطير، والواجب على هذا الذي أغناه الله وأعطاه القدرة على الحج أن يحج قبل أن يموت، فليتب إلى الله وليبادر.
стр. 634
زواج المرأة ممن هو أصغر منها
السؤال
أنا فتاة أعلق مستقبلي وحياتي بالله تعالى ثم بما تنصحني به: تقدم لخطبتي شاب أصغر مني بثلاث سنوات، وفي عرفنا وعادة الناس عندنا في بلادنا أنها لا تكون المرأة أكبر من زوجها سناً، وأخشى أن يؤثر على زواجنا هذا العرف من الناس، فماذا تنصحني أنت وفقك الله إذا كان ذلك الرجل مستقيماً في دينه؟
الجواب
أنصح أن تقبلي النكاح من هذا الرجل، لا سيما إذا كان سنه كبيراً، وإن كان أقل منها بثلاث سنوات، وأذكرها بأن النبي ﷺ تزوج خديجة وله خمس وعشرون سنة ولها أربعون سنة، وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم، ولم يتزوج عليها أحداً وهي حية، ما تزوج إلا حين ماتت، فأقول: لها في خديجة أم المؤمنين ﵂ أسوة، وإذا كان هذا الخاطب كفواً في دينه وخلقه فتتوكل على الله وتقبل، والأعراف المخالفة للشرع كلها أعراف باطلة لا يلتفت إليها.
стр. 635
الرجوع إلى دار الإفتاء في المملكة
السؤال
أنا إمام تبرع بالصلاة في الناس في يوم الجمعة في مكان مؤقت للاجئين، وهو غير مبني، وأقرب مدينة تبعد عنا قريباً من عشرين كيلو، وأنا في حيرة من أمري، هل تجب علينا هناك صلاة الجمعة، وهل تصح منا، أم علينا أن نصلي ظهراً أربع ركعات، وماذا عليَّ في الأشهر الماضية، أنبه: بأني لست من أهل هذه المدينة، ولا أدري كم مقامي هنا؟
الجواب
الواجب على هذا السائل أن يرفع القضية إلى دار الإفتاء في المملكة، من أجل أن يصدروا فيها فتوى تكون عامة وملزمة، أما فتوى في مسجد استفتي فيها متكلم من المتكلمين فهذا لا يجدي شيئاً، لا يجدي إلا النزاع، ولهذا أشير على إخواني الذين توجه إليهم الاستفتاءات في هذا الباب أوجههم إلى ألا يفتوا، بل يطلبوا من المستفتي كتاباً رسمياً من القائم على هذا المكان -أي: ولي الأمر في هذا المكان- حتى لا يحصل النزاع، مثلاً: يأتيك جندي يسألك في مسألة ما في إدارة المكان الذي هو فيه، فتعطيه فتوى تخالف ما كانوا يعملونه، وربما يعملونه استناداً إلى فتوى من عالم من العلماء، فيحصل بذلك نزاع وشقاق بين هذا الذي استفتاك وأعطيته فتوى تخالف ما كانوا عليه وبين ما كانوا عليه، وهذه مسألة يجب على طلاب العلم المفتين أن ينتبهوا لها، فإذا جاءك جندي يسألك عن شيء من المسائل التي يعملونها وهي قد تكون مخالفة للشرع أو غير مخالفة، فقل له: يا أخي! جزاك الله خيراً إذا كنت تريد حل هذه المشكلة فأتني بخطاب رسمي من القائد أو من المدير أو ما أشبه ذلك وأنا أفتيك، وإلا فالمرجع في ذلك إلى دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية.
следующие страницы →