Полный текст (2 259 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حكم سفر المتمتع بين العمرة والحج
السؤال
هل يشرع لمن اعتمر وأحل أن يسافر للحاجة إلى جدة أو المدينة ولربما إلى الرياض علماً أنه متمتع وهو من أهل القصيم، وإذا رجع إلى بلده هل يبطل هذا التحلل؟
الجواب
قوله: هل يشرع، يريد هل يجوز للإنسان المتمتع إذا أنهى عمرته أن يسافر إلى جدة أو إلى الرياض أو إلى المنقطة الجنوبية مثلاً أو إلى المدينة؟ والجواب: نعم.
له أن يسافر، وإذا رجع فإنه يبقى على تمتعه، أما لو رجع إلى بلده، ثم رجع من بلده محرماً بالحج فقد بطل التمتع وصار حجه إفراداً؛ لأنه برجوعه إلى بلده انقطع السفر، وأنشأ للحج سفراً جديداً من بلده.
الخلاصة: أن سفر المتمتع بين العمرة والحج لا يقطع التمتع إلا إذا رجع إلى بلده، ورجع من بلده محرماً بالحج، فإنه يبطل تمتعه ويكون مفرداً.
стр. 632
الأفضل في الهَدْي
السؤال
أشرتم وفقكم الله إلى أنه لا يدفع الإنسان أضحيته لمن في الخارج، وأن عليه أن يذبحها بنفسه، فهل الهدي كذلك؟ وماذا تقولون لبعض الشركات التي تقبل الهدي والأضحية، فهل ندفع لهم ذلك؟
الجواب
أما الأضحية فلا تدفعوها للشركات، ضحوا في بلادكم، وأما الهدي فمعلوم أن الذين يذهبون إلى مكة إذا ذبحوا الهدي صعب عليهم أن يفرقوه على مستحقيه، فإذا أعطوه من يتقبل ذلك فلا بأس، وهؤلاء الذين يتقبلون الهدي يتقبلونه بإذنٍ من الحكومة، ويكون قبضهم للهدي كقبض الفقير، فيكون الذي يسلمهم إليه إلى الحكومة كأنه سلمه إلى الفقير تماماً، ولا حرج فيه للحاجة.
ومع ذلك نقول: إذا كنت قادراً على أن تذبح هديك بنفسك أو توكل عليه أحداً في مكة فلا تعطيه الشركات، كلما صار لديك مندوحة عن إعطاء الشركات في الهدي فلا تعطهم، أما الأضاحي فقد علمتم أنه لا يعطيها إياهم إطلاقاً؛ لأن الأضاحي يمكن كل إنسان أن يضحي ببيته ويأكل من لحمها ويوزع على حسب الحال.
الهدي إذا اشتراه في مكة أو في منى وذبحه وأعطى الحملة ولكن أعطى الفقراء منه ولو رجلاً واحدة أو يداً واحدة فلا بأس هذا طيب.
стр. 633
حكم التساهل في أداء الحج
السؤال
رجل عنده مال، ويسر الله له كافة سبل الحج ولكنه متساهل بهذا مع كبر سنة، فما حكم صلاته وزواجه وغير ذلك، وهل هو آثم بهذا التأخير؟
الجواب
نعم.
هو آثم بهذا التأخير، وإذا مات فإن من العلماء من قال: إنه يموت كافراً وإن كان يصلي -نسأل الله العافية- ولكن القول الراجح: أنه لا يكفر بترك الحج، ليس شيء من الأعمال يكفر بتركه إلا واحدة وهي الصلاة، فإذا تهاون بالحج ومات فهو آثم وعاصٍ ومستحق للعقاب، لكنه ليس بكافر.
واختلف العلماء هل يقضى عنه الحج بعد موته في هذه الحالة أو لا يقضى؟ فجمهور العلماء: على أنه يقضى عنه، وقال ابن القيم ﵀: إنه لا يقضى عنه؛ لأن الرجل عازم على الترك متهاون، كيف نقضي عنه، وماذا ينفعه عند الله، والحج عبادة إن لم يقم بها بنفسه فلا فائدة من ذلك.
فعلى كل حال: الأمر خطير، والواجب على هذا الذي أغناه الله وأعطاه القدرة على الحج أن يحج قبل أن يموت، فليتب إلى الله وليبادر.
стр. 634
زواج المرأة ممن هو أصغر منها
السؤال
أنا فتاة أعلق مستقبلي وحياتي بالله تعالى ثم بما تنصحني به: تقدم لخطبتي شاب أصغر مني بثلاث سنوات، وفي عرفنا وعادة الناس عندنا في بلادنا أنها لا تكون المرأة أكبر من زوجها سناً، وأخشى أن يؤثر على زواجنا هذا العرف من الناس، فماذا تنصحني أنت وفقك الله إذا كان ذلك الرجل مستقيماً في دينه؟
الجواب
أنصح أن تقبلي النكاح من هذا الرجل، لا سيما إذا كان سنه كبيراً، وإن كان أقل منها بثلاث سنوات، وأذكرها بأن النبي ﷺ تزوج خديجة وله خمس وعشرون سنة ولها أربعون سنة، وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم، ولم يتزوج عليها أحداً وهي حية، ما تزوج إلا حين ماتت، فأقول: لها في خديجة أم المؤمنين ﵂ أسوة، وإذا كان هذا الخاطب كفواً في دينه وخلقه فتتوكل على الله وتقبل، والأعراف المخالفة للشرع كلها أعراف باطلة لا يلتفت إليها.
стр. 635
الرجوع إلى دار الإفتاء في المملكة
السؤال
أنا إمام تبرع بالصلاة في الناس في يوم الجمعة في مكان مؤقت للاجئين، وهو غير مبني، وأقرب مدينة تبعد عنا قريباً من عشرين كيلو، وأنا في حيرة من أمري، هل تجب علينا هناك صلاة الجمعة، وهل تصح منا، أم علينا أن نصلي ظهراً أربع ركعات، وماذا عليَّ في الأشهر الماضية، أنبه: بأني لست من أهل هذه المدينة، ولا أدري كم مقامي هنا؟
الجواب
الواجب على هذا السائل أن يرفع القضية إلى دار الإفتاء في المملكة، من أجل أن يصدروا فيها فتوى تكون عامة وملزمة، أما فتوى في مسجد استفتي فيها متكلم من المتكلمين فهذا لا يجدي شيئاً، لا يجدي إلا النزاع، ولهذا أشير على إخواني الذين توجه إليهم الاستفتاءات في هذا الباب أوجههم إلى ألا يفتوا، بل يطلبوا من المستفتي كتاباً رسمياً من القائم على هذا المكان -أي: ولي الأمر في هذا المكان- حتى لا يحصل النزاع، مثلاً: يأتيك جندي يسألك في مسألة ما في إدارة المكان الذي هو فيه، فتعطيه فتوى تخالف ما كانوا يعملونه، وربما يعملونه استناداً إلى فتوى من عالم من العلماء، فيحصل بذلك نزاع وشقاق بين هذا الذي استفتاك وأعطيته فتوى تخالف ما كانوا عليه وبين ما كانوا عليه، وهذه مسألة يجب على طلاب العلم المفتين أن ينتبهوا لها، فإذا جاءك جندي يسألك عن شيء من المسائل التي يعملونها وهي قد تكون مخالفة للشرع أو غير مخالفة، فقل له: يا أخي! جزاك الله خيراً إذا كنت تريد حل هذه المشكلة فأتني بخطاب رسمي من القائد أو من المدير أو ما أشبه ذلك وأنا أفتيك، وإلا فالمرجع في ذلك إلى دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية.
стр. 636
الرضاع لا يؤثر في المصاهرة
السؤال
امرأة لها بنات من الرضاع، فهل أزواج هؤلاء البنات يكونون محرماً لهذه المرأة؟
الجواب
الصحيح أن الرضاع لا يؤثر في المصاهرة، فإذا كان للأنثى بنات من الرضاع وتزوجن برجال فإنها لا تفتش لرجالهن، أما لو كانت أمهن من النسب أي: هي التي ولدتهن فإن أزواج بناتها محارم لها، والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وأم الزوجة بالنسبة للزوج حرام عليه من جهة النسب أو من جهة المصاهرة؟ من جهة المصاهرة، ليس بينه وبينها نسب، المحرمات بالنسب سبع مذكورات في قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣] نظيرهن من الرضاع حرام، أما ﴿َأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فهذه الثلاث بالإضافة إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢] وهي الرابعة هؤلاء محرمات بالصهر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وبناءً على ذلك: فإن أزواج بنات الأنثى من الرضاع ليسوا من محارمها، أي: من محارم أمهن من الرضاع.
هذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وإن كان جمهور العلماء على خلاف هذا القول، لكن الحق أحق أن يتبع.
стр. 637
نصيحة لطلاب العلم
السؤال
فضيلة الشيخ! نرجو نصيحتنا نحن معشر طلاب العلم في هذه الأيام التي نقبل عليها سواء هنا أو هناك في الحج، ما هو دورنا؟ الشيخ: دور طالب العلم في كل زمان وفي كل مكان أن يتقي الله ما استطاع، وأن يبين للناس ما يعلمه من شريعة الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] ، وأن يدعو إلى الله على بصيرة، وأن يكون حين دعوته إلى الله واسع الصدر، مبتهج الوجه، يريد بذلك إصلاح ما فسد من أخيه لا الانتقام منه والعلو عليه، وهو إذا أراد الإصلاح وسلك السبيل الموصل إليه يسر الله له ذلك.
وأحب من طلاب العلم جميعاً أن يكونوا أسوة صالحة في أخلاقهم وأعمالهم ودعوتهم إلى الله حتى يكون في هذا عون على قبول الناس منهم شريعة الله؛ لأن شريعة الله قد يردها العامي لسوء تصرف من دعا إلى الله، ولهذا تجد بعض الناس عامياً لكن عنده خلق حسن قد ملك قلوب الناس، وتجد الرجل عالماً جيداً بحراً في العلوم لكنه ليس على خلق حسن تجده ليس محبوباً إلى الناس لسوء خلقه، فأنت يا طالب العلم أحسن خلقك للناس، أحسن سيرتك مع الناس حتى تكون مقبولاً وتقبل منك الشريعة التي من الله عليك بعلمها.
стр. 638
اللقاء الشهري [٢٧]
محاسبة النفس إثر كل عمل أمر ضروري، تظهر به المحاسن والمعايب؛ ومحاسبتها في آخر العام يعلمها بتقصيرها في حق خالقها ويحمسها أن تعود مقبلة عليه في العام القادم.
وقد جعل الله من أيامه ما فيه عبر تعيد للإنسان صلته بربه جل وعلا، هذا ما كان منطلق حديث الشيخ ﵀ مع فوائد عظيمة في الأسئلة.
стр. 639
دعوة للمحاسبة
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الأخير في هذا العام عام (١٤١٥هـ) ، والذي يتم هذه الليلة، ليلة الأحد الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة، نسأل الله ﵎ أن يجعل خاتمتنا خيراً من ماضينا.
موضوع هذا اللقاء يشمل شيئين: الشيء الأول: ما الذي أودعناه في العام الماضي؟ الشيء الثاني: ماذا أعددنا للعام المقبل؟ وكلاهما يحتاج إلى عناية، أما الأول فما الذي أودعه الإنسان في عامه الماضي؟ هل كان قائماً بالواجبات التي لله والتي لعباده، أم هو مفرط مهمل مضيع؟ هل أخلص لله في عبادته؟ هل محَّص عمله في اتباع شريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ هل قام بالصلاة على ما ينبغي؟ هل صلاها في أوقاتها؟ هل صلاها مع الجماعة؟ هل أدى شروطها وأركانها على ما يجب؟ هل أدى زكاة ماله؟ هل أحصاه إحصاءً دقيقاً وكأن مستحقي الزكاة يحاسبونه محاسبة دقيقة؟ هل أتقن صيام رمضان؟ هل قام فيه بما يجب؟ هل أتقن حجه إن كان قد حج؟ هل قام ببر والديه؟ هل قام بصلة أرحامه؟ هل قام بالإحسان إلى جيرانه؟ هل قام برحمة الأيتام؟ هل قام برحمة البهائم؟ هل قام بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل قام بالدعوة إلى الله ؟ هل قام بما يجب عليه من الإنفاق على أهله؟ هل قام بما يجب عليه من دفع أثمان المبيعات وأجور الأجراء؟ كل هذه تساؤلات يجب أن يعرف الإنسان الجواب عليها، إن كان قد فرط فيها فليتب إلى الله وليتدارك ما يمكن تداركه، وإن كان قد قام بما يستطيع وحسب ما أوجب عليه فليحمد الله على ذلك، وليسأل الله الثبات عليه.
إننا نعلم أن التجار إذا تمت سنة إدارة تجارتهم فإنهم يسهرون الليالي يتفقدون الدفاتر، ماذا دخل على المتجر؟ وماذا خرج منه؟ ماذا اكتسب الإنسان في هذه السنة وماذا خسر؟ حتى يتداركوا ما يمكن تداركه، أما التجارة العظمى وهي التي قال الله عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١] فإن هذه التجارة نحن في غفلة عنها، ولا نعلم ماذا أدينا فيها إلا أن يشاء الله.
ولهذا أقول لنفسي ولكم: الواجب علينا أن نتفقد أن ننظر فما يمكن تداركه قمنا به، وما لا يمكن استغفرنا الله منه وتبنا إليه .
أما المستقبل: فالمستقبل في الواقع لا يمكن لأي أحد أن يجزم بما يفعل في المستقبل، ولو أنه جزم بما يفعل في المستقبل لعد سفيهاً مخالفاً لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] .
لقد سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قصة أصحاب الكهف، فقال: أخبركم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، فماذا كان من الله ، تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ لمدة خمسة عشر يوماً، ثم نزل الوحي، وفي تلك السورة قال الله لرسوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] وكان هذا من حكمة الله أن تأخر الوحي بعد أن وعدهم النبي ﷺ أن يقص عليهم القصة، وفي هذا أكبر دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان صادقاً، إذ لو كان كاذباً للفق قصة من القصص وقال: هذه قصة أصحاب الكهف، لكنه لا ينطق في علم الغيب إلا بما أوحي إليه ﵊.
نحن لا نجزم بما نفعل غداً، ولا يمكننا أن نجزم، كم من إنسان أراد ولكن صار الواقع خلاف مراده! كم من إنسان أمل ولكن انقطع حبل الأمل! ولكن المؤمن مأمور بأن يستقبل الأيام بحزم ونشاط، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] أي: جعل الليل والنهار يختلفان، يخلف بعضها بعضاً من أجل أن ينشط الناس، كل يوم يتجدد لهم النشاط.
كذلك الأعوام: جعل الله تعالى الأعوام أطول من الأيام بلا شك؛ لأنها شهور والأيام ساعات، لكنه كررها على العباد وجعل عدة السنة اثني عشر شهراً، حتى إذا تمت السنة وإذا بالإنسان يستجد نشاطه إلى سنة مقبلة.
فانظر يا أخي ماذا أعددت للسنة المقبلة، هل أعددت نشاطاً في فعل الخير، فأنفذ ذلك وأمضه، فإن العزيمة على الرشد تكون رشداً إذا فعله الإنسان، أما مجرد العزيمة بدون أن يكون هناك حركة فإنها تمنِّ يصح أن نصف صاحبها أنه عاجز، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني) .
رتب وقتك حتى ينزل الله لك فيه البركة، رتبه ولكن لا تجعل هذا الترتيب أمراً متعيناً، لا.
بل هو على حسب الحال، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، لكن رتب نفسك، رتب عملك، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) مثلاً: اجعل لك ساعة تقرأ فيها كتاب الله ، وساعة تقرأ فيها من أحاديث الرسول ﵊، وساعة تتفكر في معاني القرآن ومعاني الأحاديث، وساعة تتفكر ماذا عملت في يومك وماذا تركت، رتب نفسك حتى يبارك لك الله في أيامك وساعاتك.
أما من أهمل نفسه ولا يبالي أعمل أم لم يعمل! أنشط أم كسل! فهذا لا شك أنه مفرط، وأنه سيضيع عليه الوقت وسيندم يوم لا ينفع الندم، لأنه أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، قال: أنا إن شاء الله مؤمن، أنا سأكون من أهل الجنة، أنا سأكون كذا، ولكنه ليس معه عمل لا بد من عمل!
стр. 640
في شهر المحرم سنن وعبر
أما السنن فإنه -أي: شهر المحرم- أحد الأشهر الأربعة الحرم، والأشهر الأربعة الحرم، هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فشهر المحرم هو أحد الأشهر الحرم، وقد نهى الله أن نظلم فيهن أنفسنا، فقال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أنه لا يجوز القتال فيها إلا ما كان دفاعاً أو كان قد انعقدت أسبابه من قبل، بمعنى: أنه لا يجوز أن نبدأ قتال الكفار في هذه الأشهر الحرم، إلا إذا كان دفاعاً، بمعنى أنهم هم الذين بدءونا في القتال، أو كان ذلك امتداداً لقتال سابق على هذه الأشهر.
стр. 641
في شهر المحرم نجى الله موسى من فرعون
شهر المحرم قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) وأوكده يوم العاشر ثم التاسع؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدم المدينة، ووجد اليهود يصومون يوم العاشر من محرم، فسألهم: لماذا تصومون؟ قالوا: إنه يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، فنصومه شكراً لله، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (نحن أولى بموسى منكم، ثم صامه وأمر بصيامه) لكنه في آخر حياته قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) أي: مع العاشر، فيسن صيام اليوم العاشر، ويصوم قبله يوماً أو بعده يوماً ليخالف اليهود.
وفي شهر المحرم عبر، أعظمها ما جرى لموسى وقومه وفرعون وقومه: فإن موسى ﵊ أرسل إلى طائفتين من الناس: بني إسرائيل وفرعون، أما مع فرعون فلم تجدِ الرسالة فيه شيئاً ولم يؤمن، بل ما زاد إلا عتواً ونفوراً، وتوعد موسى، وصار يُقتل بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، وجرى منه ما هو معلوم في كتاب الله ، وكان يفتخر على قومه ويقول: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥١-٥٢] .
ولما مضى لموسى في دعوته ما مضى أوحى الله تعالى إلى موسى ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه:٧٧] فأسرى بهم ليلاً وخرج من مصر متوجهاً نحو الشرق نحو البحر الأحمر، فلما علم بهم فرعون دعا قومه ليخرج إلى موسى وقومه ليقضي عليهم، فلما وصل موسى إلى البحر قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لا بد أن نهلك، لماذا؟ لأن فرعون وراءهم والبحر أمامهم، فرعون بجنوده وعَدَدِهِ وعُدَدِه خلفهم والبحر أمامهم، فهم إن تساقطوا في البحر غرقوا، وإن وقفوا أهلكم فرعون، ولكن موسى ﵊ قال وهو موقن: ﴿كَلَّا﴾ [الشعراء:٦٢] لن ندرك ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وبهذا نعرف قوة توكل الرسل على الله وقوة ثقتهم بوعد الله ﴿قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فهداه الله، أمره أن يضرب البحر، فضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر اثني عشر طريقاً على حسب أسباط بني إسرائيل، والغريب أن البحر لم يتميز ويندفع ولكنه بقي أسواقاً وطرقاً وبينها كتل الماء كالجبال مع أن الماء جوهر مائع يسيل، لكن وقف الماء كالجبال، وقيل: إنه كان في كل قطعة فرجة، من أجل أن يطمئن بنو إسرائيل بعضهم على بعض.
هذه الطرق التي انفتحت بضربة عصا هل بقيت أياماً حتى تجف ويمكن السلوك عليها؟
الجواب
لا.
قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ [طه:٧٧] في الحال صارت أرضاً يابسة، استطاع موسى وقومه أن يمشوا عليها حتى تكاملوا خارجين منها، وبتكاملهم دخل فرعون وجنوده، فلما تكاملوا داخلين أمر الله البحر أن يرجع إلى حاله فانطبق على فرعون وقومه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
غرق فرعون بالماء الذي كان بالأمس يفتخر به، ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] غرق بالماء، ولما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] انظر إلى الذل العظيم، لم يقل: آمنت بأنه لا إله إلا الله قال: إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وهذا اعتراف منه بفضل بني إسرائيل عليه، واعتراف منه بأنه كان الآن تابعاً ومقلداً لهم وكان بالأمس يقتلهم على دين الله، أما الآن فأذله الله حتى قال: إنه على دين بني إسرائيل ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] .
لكن متى قال ذلك؟ حين رأى الموت، وإذا رأى الإنسان الموت فإنه لا تنفعه التوبة، ولهذا قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ آلآن تشهد أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] ولن ينفعك، ولكن الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩٢] ببدنك فقط لا ببدنك وروحك ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] من الذين خلفه؟ بنو إسرائيل، ليكون آية على أن هذا الرجل الذي كان يرعبهم ويخوفهم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم هو الآن جثة في البحر، لأنك تعرف أنه إذا كان للإنسان عدو مخيف، فجاءه من قال له: إن عدوك قد مات.
هل يطمئن وتكون طمأنينته كما لو شاهده؟ الجواب: لا، ولهذا أبقى الله جسد فرعون حتى شاهده بنو إسرائيل وعرفوا أنه قد هلك فاطمأنوا واستقروا.
هذه من العبر العظيمة التي حصلت في يوم عاشوراء.
стр. 642
شهر المحرم بداية التاريخ الإسلامي
شهر المحرم فيه أيضاً عبر: وهو أن المسلمين اتفقوا على أن يكون هذا الشهر هو افتتاح السنين، وذلك أن الناس فيما سبق حتى في أول عهد الإسلام لا يؤرخون، لأن أمة العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، حتى جاءها هذا الكتاب العظيم فعلمنا الكتاب والحكمة، لكن فيما قبل ليس لهم تاريخ معين، ربما يؤرخون مثلاً بعام الفيل، فيقولون: هذا حصل عام الفيل، عام الفيل متى؟ لكن في عهد عمر ﵁ عندما اتسعت رقعة الإسلام شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وصارت الرسائل تأتيه، ويشتبه عليه: هل هذه الرسالة قبل الرسالة الأخرى أو بعدها؟ قال: لا بد من تاريخ، وهذه من سنن عمر ﵁، قال: لا بد من تاريخ، فتشاوروا كعادتهم في النوازل إذا نزلت بهم نازلة تشاوروا: أولاً: من أين نبدأ التاريخ: هل من مولد النبي ﵊، أو من بعثته، أو من هجرته؟ إن كان مولده صار المسلمون أتباعاً للنصارى؛ لأن النصارى ابتدءوا التاريخ من مولد عيسى، والمسلمون يجب أن يكونوا أمة مستقلة، ذات طابع خاص، متميزة عن غيرها.
قالوا: إذاً نبدأ من البعثة؛ لأن ببعثته بدأ النور ينزل على هذه الأمة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٤] فيكون من البعثة، قالوا: نعم هذا رأي حسن، لكن البعثة لم يظهر فيها للإسلام دولة، ونحن نريد أن نؤرخ تاريخاً خاصاً بدولة الإسلام، والدولة لم تكن إلا بعد الهجرة، فإنه بعد الهجرة صارت الأمة الإسلامية لها بلداً خاصاً مستقلاً.
قالوا: إذاً يكون ابتداء التاريخ من الهجرة التي تكونت بها الدولة الإسلامية.
ثم اختلفوا اختلافاً آخر قالوا: من أي الشهور؟ قال بعضهم: من شهر رمضان؛ لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن.
وقال آخرون: بل من شهر ربيع الأول؛ لأن ربيع الأول هو الذي ابتدأ فيه الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الذي كانت فيه هجرة الرسول ﵊.
قالوا: وهذا رأي حسن، لكن فيه شيء، ما هو الشيء؟ أنه الشهر الذي توفي فيه الرسول ﵊، فيخشى أن يكون هذا ذكرى لوفاته، ثم اختاروا أن يكون ابتداء التاريخ من المحرم؛ لأنه الذي ينصرف فيه المسلمون من أداء آخر أركان الإسلام وهو الحج، فكأن شهر ذي الحجة به تمام الأركان، فنبتدئ من شهر المحرم.
وما زال المسلمون سائرين على هذا حتى حصل استعمار الكفار لبلاد المسلمين، فغيروا التاريخ، ولهذا تجد عامة المسلمين الذين استعمرت بلادهم تجد تاريخهم يبتدئ بالميلادي، تحول من التاريخ الإسلامي الهجري إلى تاريخ كفري لا أصل له، وسبب ذلك هو الاستعمار، ولهذا نجد العلماء في الأمصار التي تؤرخ الآن بالتاريخ الميلادي، نجد العلماء يؤرخون بالتاريخ الهجري ولا يعرفون التاريخ الميلادي، انظر إلى تراجم العلماء السابقين في البلاد الإسلامية، يقولون: ولد هذا العالم في السنة الهجرية، في الشهر الهلالي، وتوفي في السنة الفلانية الهجرية في الشهر الهلالي، حتى استعمر الكفار بلاد المسلمين فغيروا التاريخ، ونسي التاريخ الإسلامي في هذه البلاد، حتى إن بعض الإخوة الذين قدموا إلينا قبل نحو عشرين سنة أو أكثر، قال: والله ما عرفت الأشهر العربية إلا حين أتيت إلى هنا!! لأنهم نشأوا على الأشهر الفرنجية والسنوات الميلادية.
وقد كره الإمام أحمد ﵀ أن يؤرخ بالأشهر الفرنجية، فقال: (أكره بأن يؤرخ بآذرما) ، لأن هذا خلاف ما سار عليه المسلمون، والمهم أن هذا الشهر -أعني: شهر المحرم- هو ابتداء السنوات الإسلامية الهجرية.
ولكن مع الأسف أن بعض المسلمين الذين سلمت بلادهم من استعمار الكفار صاروا الآن يؤرخون بالتاريخ الميلادي، على الرغم من أن نظام هذه الدولة ونظام الحكم فيها أن التاريخ بالتاريخ العربي الإسلامي نصاً، ولكن مع الأسف أنك الآن يبيع لك صاحب البقالة وأحياناً يعطيك الفاتورة تاريخها بالميلادي، سبحان الله! هذا يخالف تاريخ الإسلام ويخالف تاريخ الدولة، ولهذا لو كان هناك متابعة تامة لنظام الدولة للأخذ على أيدي هؤلاء، قبل أن يكون هذا هو تاريخ المسلمين من أزمنة متباعدة، ولكن مع الأسف أن ضعف الشخصية في الرجل المسلم عندنا هي التي أدت إلى هذا الخذلان.
وأعجب من ذلك! أن المريض يُعطى وصفة بورقة للدواء بالتاريخ الميلادي والحرف اللاتيني، فيبقى المريض لا يدري، كتب له: خذ هذا الدواء يوم (١٩/٩) وهو عامي يعتقد هذا الدواء متى يستعمل في رمضان! لأنه قيل له: في (١٩/٩) ، أيضاً يستعمله ثلاث مرات، ويكتب له بالرقم غير المعهود عنده، فيختلف عليه الأمر، إذا قال: خذ سبع حبات وكتبها بالحرف الذي لا يعرفه يظن السبعة ستة، لأنها شبيهة بها، كل هذا والله يحزن الإنسان لأن هذا يدل على ضعف الشخصية.
لغتنا والحمد لله لغة عربية لغة القرآن لغة السنة، بل هي لغة أهل الجنة كما جاء في بعض الأحاديث، كيف نفرط بها؟ لماذا لا نعلم هؤلاء الذين يباشرون الشراء من إخواننا المسلمين الذين جاءوا من بلادٍ لا يعرفون اللغة العربية لماذا لا نعلمهم؟ لكن المشكلة الآن أنهم هم الذين علمونا لغتهم، بدلاً من أن نعلمهم صاروا يعلموننا ونتعلم منهم، بدلاً من أن يقول الواحد منا: ما أدري يقول: ما فيه معلوم، أيهما أخصر؟ لا أدري أخصر وأوضح وأبين وأصدق؛ لأن قوله: لا أدري نفي للعلم عن نفسك فقط، لكن: ما فيه معلوم نفي عن كل الناس، لكن مع الأسف بدلاً من أننا نعلمهم اللغة العربية صاروا هم الذين أثروا على ألسنتنا! وكل هذا من ضعف الشخصية فينا، والواجب أن تكون هذه الأمة لها ميزة وخاصية تنفرد بها عن سائر الأمم، ولا مانع أن تعامل كل إنسان بما يعرف، فمثلاً: إذا كنت أخاطب شخصاً لا يعرف العربية، وأنا أعرف لسانه لا بأس أن أكلمه بلسانه، لأن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود من أجل أن يكاتبهم ويراسلهم بلغتهم، وقال لـ أم خالد وقد قدمت من الحبشة وهي صغيرة عليها ثوب جديد، جعل الرسول ﷺ يقول: (هذا سنا هذا سنا) وسنا في لغة الحبشة أي: حسناً، يخاطبها باللغة التي تفهم، لكن لا يعني أن أخاطب الأخ العربي بلسان هذا الأخ الذي لا يعرف العربية كما هو الشأن في بعض الأحيان.
فنسأل الله تعالى أن يختم لنا عامنا هذا بالخير والقبول والمغفرة والعفو، وأن يجعل مستقبلنا في عامنا الجديد مستقبلاً حافلاً بالنصر والمسرات إنه على كل شيء قدير.
стр. 643
الأسئلة
стр. 644
معنى قوله تعالى: (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكرتم قول الله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] فما المراد بهذه الآية، هل الآية إلى الآن باقية، وهل جثته باقية؟ فإذا كانت باقية هل يجوز لنا زيارتها للعبرة؟
الجواب
هذه الآية لا تدل على أن هذه الجثة ستبقى أبد الآبدين، بل الظاهر والله أعلم أنها ذهبت وأكلتها الحيتان والسمك، لأنه ليس هناك في ذلك الوقت من يعتني بهذه الجثة، المهم أن يطمئن بنو إسرائيل على أن عدوهم اللدود قد هلك، وما يذكر أنه بقي من الفراعنة أناس جثثهم باقية، فهذا ينظر فيه، قد يكون منهم وقد لا يكون، إنما الذي يظهر لي أن فرعون الذي هلك في زمن موسى قد هلك وذهب.
стр. 645
الشك في يوم عرفة
السؤال
ذكرت وفقك الله في مطلع هذا اللقاء أن غداً هو الأحد إما أن يكون الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من شهر ذي الحجة، فهل في وقوفنا في عرفة شك؟
الجواب
لا، وقوفنا في عرفة ليس فيه شك، لكن اختلف دخول الشهر شرعاً ودخوله نظاماً، دخوله نظاماً سابق على دخوله شرعاً، فإنه دخل حسب التقويم ليلة الأحد، فتكون الليلة ليلة تسعة وعشرين، ودخل شرعاً ليلة الإثنين فتكون الليلة ليلة ثمان وعشرين، وليس في الوقوف هنا شك والحمد لله.
ثم إني أقول لكم: لو فرض أن الناس وقفوا بـ عرفة، ثم تبين يقيناً أنهم وقفوا في العاشر، فإن حجهم صحيح، ولا شيء عليهم، وبهذا يندفع وسواس بعض الناس في هذا العام، حيث قاموا يوشوشون بناءً على أنهم يوسوسون، فنقول: اطمئنوا، الشهر شرعاً ما كان متمشياً على شريعة الله.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ أمرنا إذا لم نرَ الهلال أن نكمل الشهر السابق ثلاثين يوماً، ثم إنه ثبت عندنا أنه في صباح يوم الأحد كسفت الشمس على القارة الأمريكية، وكسوفها في ذلك الوقت يدل دلالة قاطعة بأنه لا يمكن أن يهل الهلال ليلة الأحد، وهذا شيء معلوم عند علماء الفلك أنه إذا كسفت الشمس بعد غروبها فإنه لا يمكن أن يهل الهلال إطلاقاً؛ لأن السبب الحسي لكسوف الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وهذا لا يمكن إذا تأخر القمر حتى رئي بعد الغروب أن يقفز حتى يكون حائلاً بينها وبين الأرض، هذا شيء مستحيل، وهذا مما يزيد الإنسان طمأنينة، وإلا فالإنسان مطمئن بأن الناس -والحمد لله- قد مشوا في إثبات شهر ذي الحجة على الطريقة الشرعية التي ليس فيها لبس.
стр. 646
حكم من صلى وأتى إلى مسجد وهم يصلون
السؤال
فضيلة الوالد: يأتي أحدنا إلى هذا اللقاء، فيجد فضيلتكم في الصلاة، وهدفه حضور هذا اللقاء، ثم يقع في حرج أيدخل معكم في الصلاة امتثالاً لأمر النبي ﷺ ولو فاته بعض اللقاء، أم ينتظر خارجاً فإذا سلمتم دخل وصلى تحية المسجد وحضر في أول الصف ولم يفته شيئاً، بل يزداد الحرج أكثر إذا جئنا إلى صلاة الجنازة معكم هنا في المسجد وقد صلينا في مساجدنا، فإذا قمنا لإتمام ما فاتنا من الصلاة فاتتنا صلاة الجنازة، فماذا نصنع؟ أرجو بسط القول لنخرج من هذا الحرج، فإن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج، نفع الله بك عباده آمين؟
الجواب
أقول: لا حرج والحمد لله: إذا أتيت إلى هذا اللقاء ووجدتنا في الصلاة فادخل معنا، امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم) فإن كنا في الركعة الأولى سلمتم معنا، أو في الركعة الثانية فاتتكم ركعة، أو في الثلاثة فاتتكم ركعتان، أو في الرابعة فاتتكم ثلاث ركعات، وبإمكانكم أن تقوموا وتقضوها قبل أن نشرع في اللقاء، لأن الناس بعد السلام يذكرون الله ويسبحون الله، ويقرءون آية الكرسي، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وهذا وقت طويل يمكن للإنسان أن يقضي ما فاته من صلاة العشاء، وهذا ليس فيه حرج، وهذا والله خير من كونك تبقى خارج المسجد يفوتك هذا الأجر العظيم بهذه الصلاة، ربما يكون قولك في هذه الصلاة: (رب اغفر لي) سبب لمغفرة الله لك.
وأما الجنازة فهي نفس الشيء، إذا جئت والناس يصلون فادخل معهم، وامتثالك أمر النبي ﷺ في الدخول مع هذه الجماعة قد يكون أفضل من انتظارك ثم صلاتك الجنازة، ثم إذا سلَّم الإمام وأنت قد فاتتك قل: ثلاث ركعات، يمكنك أن تقضيها في ظرف إحضار الجنازة إذا كانت -مثلاً- في آخر المسجد، أو يمكنك إذا كان الإمام يفعل كما نفعل نحن إذا رأينا طائفة كبيرة تقضي أمرنا أهل الجنازة أن يتأخروا في تقديمها، حتى تنتهي صلاة هؤلاء، فيشاركونا في الصلاة ويحصل في ذلك كثرة الدعاء للميت، وربما تكون الدعوة المجابة من أحد هؤلاء الذين يقضون ما فاتهم من الصلاة، لا ندري، لهذا ينبغي للأئمة إذا رأوا أن في المسجد طائفة كبيرة تقضي الصلاة أن يقولوا لأهل الميت: انتظروا، هؤلاء ما جاءوا إلا ليصلوا على الميت، لا تحرموهم، انتظروا ولا يضر انتظاركم خمس دقائق أو أكثر.
стр. 647
حكم من سرق ثم تاب
السؤال
أنا شاب قد أقدمت أنا وصديق لي على سرقة شنطة، وفي داخلها ثلاثة آلاف ريال قبل أربع سنوات، وقد هداني ربي والآن لا أعرف صاحب الشنطة، فماذا أفعل جزاك الله عنا خيراً؟
الجواب
إن الله يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] فأنت ما دمت اتقيت الله وتبت إلى الله فأبشر بأن الله سيجعل لك من أمرك يسراً، وسيجعل لك فرجاً ومخرجاً.
والطريق لذلك: إذا كنت قد أيست من معرفة أصحاب هذه الشنطة أن تقوِّم الشنطة كم قيمتها؟ والدراهم الثلاثة آلاف معروفة وتضيف ثمن الشنطة إلى هذه الثلاثة آلاف وتتصدق بها عن صاحبها، تخلصاً منها لا تقرباً إلى الله بها، تصدق بها على فقير، تصدق بها على شاب يحتاج إلى زواج، ساهم بها في بناء مسجد وما أشبه ذلك، وبهذا تبرأ ذمتك.
стр. 648
حكم استقدام العمال وأخذ نسبة منهم
السؤال
فضيلة الشيخ: هل من كلمة إلى الذين يأتون بالعمالة وبعد ذلك يقولون لهم: اذهبوا فاشتغلوا في أي عمل، وأنا أريد منكم كل شهر ثلاثمائة ريال أو نسبة معينة، أرجو بسط القول في ذلك وفقك الله؟
الجواب
يجب على من استقدم عمالاً أن يتمشى معهم حسب النظام الذي في بلده، وذلك لأنه قدم طلباً لاستقدام هؤلاء العمال وهو يعرف شروط النظام، فكأنه في تقديم الطلب التزم بما في هذا النظام من الشروط، وقد قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] فيجب عليك أن تفي لدولتك على حسب ما أذنت لك فيه، فإذا كان النظام يمنع أن تشغل هذا العامل بسهم من أجرته التي يحصلها أو تطلقه يعمل كما شاء وتضرب عليه ضريبة كل شهر إذا كان النظام يمنع هذا فيجب عليك أن تمتنع منه، حتى وإن كان في الأصل لولا النظام لجاز، فإنه يجب أن تأخذ بالنظام، وليس إلزامنا بالنظام إيجاباً لما لم يوجبه الله، أبداً، بل إلزامنا بالنظام إلزام بما أوجب الله؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وأمر النبي ﷺ بطاعة ولاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية، ولولا هذا لكان النظام لا فائدة منه، أي: لولا أنه يجب التمشي بالنظام إذا لم يخالف الشرع، أي: إذا لم يكن معصية لكان النظام لا فائدة منه، إذا قلنا: إنها لا تجب طاعة ولاة الأمور إلا بما أمر الله به، صار حقيقة الأمر أنها لا تجب طاعتهم، لأن ما أمر الله به على سبيل الوجوب واجب سواء أمر به ولاة الأمور أم لم يأمروا، ولو أننا قلنا: كل إنسان يرى أن هذا النظام لا يجب العمل به لصارت الأمور فلتة، ولم يقم للناس أمن ولا استقرار ولا طمأنينة.
والذي أعلم أن نظام الدولة في استقدام العمال لا يجيز لك أن تشغلهم بنسبة، ولا يجوز أن تقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء وأحضروا لي كل شهر كذا وكذا.
أما من حيث الشرع فإنك إذا قلت لفلان: اذهب واشتغل واجمع لي مثلاً كل شهر كذا وكذا فإنه لا يجوز؛ لأنه ربما يربح أكثر مما قدرت بكثير، وربما يربح أقل منه أو لا يربح شيئاً، فيكون هذا عملاً مجهولاً وهو ميسر؛ لأنه مبني على المغالبة إما غانم وإما غارم، وكل عقد يكون هكذا فهو ميسر.
وأما أن تقول: اذهب واعمل بسهم فمن الذي أحل لك السهم وأنت لم تعمل، هو حر مالك لنفسه، فكيف يشتغل هو بنفسه ويكون عليه ضريبة الثلث أو الربع وأنت لم تعمل شيئاً، هذا من أكل المال بالباطل.
стр. 649
صحة أحاديث تقييد الصلاة على النبي ﷺ بعدد
السؤال
فضيلة الشيخ: قرأت حديثاً جاء فيه: قال النبي ﷺ : (من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يبشر بالجنة) رواه أبو الشيخ عن أنس ﵁، هل هذا الحديث صحيح أم حسن أم ضعيف، وهل يحتج به؟ وإذا كان الحديث صحيحاً فما مضمون الصلاة على النبي ﷺ ؟
الجواب
هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل حديث فيه تقدير الصلاة على الرسول ﵊ فإنه ضعيف، الصلاة على النبي ﷺ مطلقة، أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نكثر من الصلاة عليه ولا سيما في يوم الجمعة، وأخبر أن تسليمنا معروض عليه ﵊، فأكثر يا أخي من الصلاة والسلام على نبيك في كل وقت، ودون تقييد بعدد، فإن من صلى على النبي ﷺ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
стр. 650
حكم المرأة إذا بلغت ولم تصم رمضان
السؤال
أنا بنت بلغت في العام الماضي قبل شهر رمضان ولم أخبر أي أحد من والدي، وعندما صمت تلك السنة منعتني والدتي، وقالت: لا تصومي فما زلتِ صغيرة وجسمك ضعيف ولا تقوي على الصيام، فما الحكم الآن، هل أقضي هذا الشهر أم لا؟
الجواب
الواجب قضاء الشهر على من بلغت ولم تصم، لأن المرأة إذا جاءها الحيض فهي بالغة سواء جاءها بعد تمام خمس عشرة سنة أو قبل ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) .
ولكن أوصيك لأمك أن تأمريها بالتوبة إلى الله والاستغفار حيث منعتك من أمر واجب عليك، فعليها أن تتوب إلى الله وتستغفر، وأما أنتِ فاستعيني بالله واقضي هذا الشهر، سواء قضيتيه أياماً متتابعة وهو أفضل أم أياماً متفرقة إذا كان يشق عليك التتابع.
هذا إذا كان الشهر غير الشهر القريب، أما الشهر القريب فلك الخيار أن تؤخري الصوم إلى أن يبقى إلى رمضان بقدر الأيام التي عليك.
стр. 651
حكم الدفع من عرفة قبل الغروب
السؤال
ما حكم من خرج من عرفة قبل غياب قرص الشمس لمرض أو ضعف أو كبر؟ وما حكم من فعل ذلك ظناً منه أنه يكفيه مشاهدة عرفة وإن كان خارج حدودها؟
الجواب
القول الراجح: أن البقاء بـ عرفة حتى تغرب الشمس واجب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يدفع قبل أن تغرب الشمس، ولو كان جائزاً لدفع قبل أن تغرب الشمس؛ لأنه نهار وأيسر للناس، وأيضاً: إذا دفع الإنسان قبل أن تغرب الشمس فقد خرج عن سنة النبي ﷺ إلى سنة الجاهلية، لأن أهل الجاهلية هم الذين يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ومن فعل ذلك فإن كان متعمداً ترتب على فعله أمران: الأمر الأول: الإثم.
الأمر الثاني عند أكثر العلماء: فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.
أما إذا خرج قبل غروب الشمس من عرفة وهو جاهل فإنه يسقط عنه الإثم، لكن يجب عليه عند أكثر العلماء البدل وهو أن يذبح شاة في مكة ويوزعها على الفقراء.
стр. 652
حكم إخراج المرأة ثديها أمام محارمها
السؤال
اعتدن كثير من النساء هنا أن يرى المحارم كالأب والأخ والعم ثدي المرأة حين إرضاعها لطفلها، فهل هذا جائز، وهل في المسألة خلاف أرجو إفادتي مع الدليل؟
الجواب
المرأة مع محارمها كالمرأة مع المرأة، لقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] ولكن لا ينبغي للمرأة أن تكشف ثديها عند إرضاع ولدها وحولها رجال، اللهم إلا أن يكون أباها أو تكون عجوزاً وليس عندها إلا ابنها مثلاً؛ لأن كشف المرأة ثديها أمام محارمها يخشى منه الفتنة، فإن النفس أمارة بالسوء، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعلى هذا فإذا احتاجت إلى إرضاع ولدها وحولها رجال من محارمها، فلتغطِ الثدي بطرف الثوب حتى لا يراه أحد من الرجال.
стр. 653
حكم من مات ولم يعلم هل كان يصلي أم لا ؟
السؤال
كان لي أخ يصلي مرة ويترك عشرات، بل أحياناً تمضي الأشهر دون أن يصلي، فإذا نصح صلى ثم ترك، ثم قدر الله وحدث له حادث مروري فتوفي في هذا الحادث، فصلينا عليه ونحن نترحم عليه الآن، فهل يجوز هذا، وهل يعتبر مسلماً علماً بأنه يبلغ قريباً من العشرين، علماً بأننا قد وجدنا في سيارته أشرطة إسلامية كان يسمعها وكان يزور المقابر؟
الجواب
أولاً: نسأل ما هو آخر أمره أكان يصلي؟ إن كان الأمر كذلك فهذه من نعمة الله عليه، وختام عمره بالصلاة يعتبر توبة، أما إذا كان آخر أمره الترك فإن من مات تاركاً للصلاة فقد مات كافراً، ولا يجوز أن يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة ولا بالمغفرة، فلا بد أن نحقق هذا الأمر، هل كان آخر أمره الصلاة أم كان آخر أمره ترك الصلاة؟ فإن شككنا فإننا نقول: اللهم إن كان فلان مات على الإسلام فاغفر له وارحمه، قيد المسألة واشترط، وتقييد الدعاء بقيد له أصل، يدل عليه قول الله ﵎ في الذي يرمي زوجته بالزنا: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦-٧] هذا شرط، دعا على نفسه باللعنة بشرط أن يكون من الكاذبين، ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٨-٩] .
هذا الذي مات ونحن لا ندري هل مات على الإسلام أو على الكفر، لنا أن نقول: اللهم اغفر له إن كان مات على الإسلام، وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنام فسأله -أي: شيخ الإسلام سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن مسائل مشكلة عليه، فأجابه النبي ﵊، ومنها أنه قال: يا رسول الله، إنه يقدم إلينا جنائز من المبتدعة وغيرهم، لا ندري من المسلم من غير المسلم، فقال له النبي ﷺ : عليك بالشرط يا أحمد - أحمد اسم ابن تيمية - ما معنى: عليك بالشرط؟ أن تقول: اللهم إن كان مؤمناً فاغفر له وارحمه.
стр. 654
حكم من حج ثم عاد إلى المعاصي
السؤال
فضيلة الشيخ: ما حكم الرجوع للمعاصي والمنكرات بعد أداء فريضة الحج؟
الجواب
الرجوع إلى المعاصي بعد أداء فريضة الحج نكسة عظيمة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع -أي: من ذنوبه- كيوم ولدته أمه) وقال ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) فإذا نقى صحيفته بهذا الحج فإن من السفه أن يسود الصحيفة بسيئات أعماله بعد الحج، وهكذا -أيضاً- موسم الصوم في رمضان إذا عاد الإنسان إلى المعاصي فقد خسر خسارة عظيمة، وانتكس نكسة عظيمة، فعليه أن يعود إلى الله مرة أخرى، وأن يستغفر ويتوب، والتائب من الذنب كالذي لم يفعل الذنب أو أشد.
قد يكون الإنسان بعد ذنبه إذا تاب إلى الله واستغفر أحسن حالاً منه قبل ذلك، ألم تروا إلى آدم ﵊ قال الله عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١-١٢٢] وهذا الاجتباء والتوبة والهداية حصلت بعد الذنب، فقد يكون الإنسان بعد الذنب أحسن حالاً منه قبل الذنب إذا تاب إلى الله ورجع وعرف أنه مفتقر إلى الله .
стр. 655
حكم من لم يبت في مزدلفة أيام الحج
السؤال
رجل دفع من عرفة ماشياً إلى مزدلفة، وبعد أن مشى بمسافة طويلة بات في أحد الأماكن، حيث تيقن أنه في مزدلفة، ولكن بعد أن دفع إلى منى في اليوم العاشر، وبعد أن مشى قريباً من خمسين متراً وجد لوحة كبيرة تدل على أول الحج بـ مزدلفة، وهذا يدل على مبيت هذا الرجل قبل دخوله مزدلفة، فماذا على هذا الرجل، هل حجه صحيح أم لا؟
الجواب
أولاً: كلام هذا الرجل متناقض، لأنه يقول أولاً: تيقن أنه في مزدلفة، ثم يقول: مشى خمسين متراً فوجد لوحة تدل على أنه لم يصل إلى مزدلفة، واليقين لا يعارض الواقع، وعلى هذا فنقول: العبرة بالحقيقة، والحقيقة أنه لم يبت في مزدلفة، لكن يسقط عنه الإثم؛ لأنه بنى على ظنه، ومن بنى على ظنه فإن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن نرى من باب الاحتياط: أن يذبح فدية في مكة ويوزعها على الفقراء.
стр. 656
حكم صيام يوم عاشوراء وحده
السؤال
هل يصح صيام يوم عاشوراء وحده، وما حكم من كان يفعل ذلك جهلاً منه؟
الجواب
نعم يصح صيام عاشوراء وحده، ويثاب على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في صوم عاشوراء: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) لكن بعض العلماء كره أن يفرده -أي: أن يصوم العاشر وحده- ولا يصوم يوماً قبله ولا بعده، قال: لأن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) وقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) وعلى هذا فنقول للأخ: صم يوماً قبله أو يوماً بعده.
السائل: إذا كان عليه قضاء من رمضان هل يصوم يوم عاشوراء؟ الشيخ: نعم.
الذي عليه قضاء من رمضان يصوم يوم عاشوراء ويصوم يوم عرفة ويصوم أيام البيض، لكن الأفضل أن يبدأ بالواجب.
стр. 657
متى يؤمر الأولاد بالصلاة ؟
السؤال
متى يشرع للوالد أن يوقظ ولده ذكراً كان أم أنثى لصلاة الفجر خصوصاً، وما نصيحتك وفقك الله للآباء في زمننا هذا، حيث إننا نرى المساجد وكأن البيوت ليس فيها إلا الكبار؟
الجواب
أما متى يوقظ ولده للصلاة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حد لنا حداً واضحاً، فقال: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع) وهذا يشمل أمرهم نياماً أو يقضاناً، فيؤمر الصبي بالصلاة ولو كان نائماً، اللهم إلا أن يكون عليه في ذلك ضرر فهو لم يكلف بعد.
وأما قول السائل: إنه لا يرى في المساجد إلا كبار السن، فلعل مسجده كذلك، أما مساجد البلد فإنها حسب علمنا وحسب ما نشاهده أكثر من فيها الشباب ولله الحمد، صحيح أننا قبل عشرين سنة أو أكثر؛ أكثر من في المساجد الكبار والشيوخ، لكن بعد أن حصلت اليقظة ولله الحمد صار أكثر من في المساجد هم الشباب.
إلا أن هذه اليقظة في الآونة الأخيرة صار فيها ما يكدرها ألا وهو تفرق الشباب، ذلك التفرق الذي هو خلاف الدين وليس له داعٍ، تجد بعض الشباب يضلل الآخرين أو يبدعهم أو يكفرهم أحياناً، لا للهدى ولكن للهوى والعياذ بالله، صار الآن بعض الشباب -وأما بعضهم والحمد لله فمستقيم- ولاؤه وبراؤه معلق بأشخاص معينين، وهذا غلط، الولاء والبراء يجب أن يعلق بمن كان أهلاً لأن يتبرأ منه أو يوالى، أما أن نجعل هذا مربوطاً بأشخاص فهذا هوى وليس هدى.
ثم إنه من المؤسف أن بعض الناس الآن صار يمشي في ولائه وبرائه على قاعدة من أفسد القواعد وهي: من ليس معي فهو عليَّ.
هل هذا صحيح؟ أبداً، من ليس معك فهو إما عليك إن كان ضدك، وإما أن يكون موقفه حيادي.
وعلى كل حال فأنا أوجه نصيحة إلى الشباب: ألا يفسد يقظته بهذا التفرق والتمزق من أجل فلان أو فلان، أناس في بلد ينتمون إلى أشخاص معينين ويضللون من سواهم، وأناس في بلد آخر ينتمون إلى أناس معينين ويضللون من سواهم، هذا غلط، الواجب أن نزيل ما بيننا من خلاف، وأن نكون يداً واحدة، لا أن نغذي هذا الخلاف بالسب والشتم والنشرات، أقول لكم هذا لأني لمست هذا الأمر بيدي، وقد وقع في يدي اليوم ورقة منشورة بالحرف الدقيق صفحة كاملة مكتوب فيها: (العدد الأول) يسبون فلاناً وفلاناً، ما هذه الطريقة؟ ومتى كانت بلادنا تصل إلى هذا الحد من التشويه والتشنيع؟ هذا يؤدي إلى حرب لسان في أول أمره، ثم في النهاية حرب سنان بالسيف، ولهذا يجب على ذوي العقول والألباب من الشباب أن يحاربوا هذه الظاهرة محاربة تامة، وأن يقال: اجلس ولننظر ما الفائدة من أن نسب فلاناً وفلاناً، ما هي الفائدة؟ فالواجب أن يقضى على هذه الظاهرة السيئة التي نسأل الله تعالى أن ينجي شبابنا منها.
стр. 658
واجب المسلم تجاه مآسي المسلمين
السؤال
فضيلة الشيخ: في هذا العام شهد أكثر من مليار مسلم مشهد هلاك إخوانهم في الشيشان على أيدي الملاحدة، فما واجبنا نحن بما فتح الله عليك من فقه في دينه، فإننا في كل عام تثخن جراحنا ونحن ننشغل بملذاتنا وفيما بيننا عن حال إخواننا، أرجو تسجيل موقف علم ينفعنا الله به وينفع به كل من سمعه وبلغه قولكم، فهذا عام قد أقبل ونحن ننتظر موضع الجرح الجديد؟
الجواب
لا شك أن ما ذكره الأخ السائل يدمي القلب، ويفتت الكبد، ويدل على أن المسلمين مع الأسف ليسوا على المستوى الذي يجب أن يكونوا عليه من الدفاع عن إخوانهم المسلمين.
لو تأملت الإذاعات الآن وجدت أكثر الإذاعات أو الصحف أو وسائل الإعلام فيما بين اليهود وبين الفلسطينيين، مع أن قضية اليهود كلها ألعوبة فيما نرى وخيانات وغدر، وليس عجيباً أن يكون اليهود أهل غدر وخيانة؛ لأن هذا دأبهم، فإن الرسول ﵊ لما قدم المدينة كان فيها ثلاث قبائل، وكلهم عاهدوا الرسول ونقضوا العهد، لكن إذا وجدت كلمات عن البوسنة والهرسك أو الشيشان وجدتها في زاوية صغيرة في جريدة، إلا أن صحفنا -والحمد لله- أحياناً تنشر عنهم وتبسط القول في ذلك، وكذلك إذاعتنا، وهذا من نعمة الله علينا.
لكن موقفنا من ذلك نحن كأفراد لا كدول أن نلجأ إلى الله بالدعاء في كل وقت وفي كل حال يكون فيها الإنسان أقرب إلى الإجابة أن ينصر الله إخواننا المسلمين في كل مكان، وأن يدمر أعداء المسلمين.
ونحن نشهد الله أن كل كافر فهو عدو لنا سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو شيوعياً أو وثنياً، أي كافر فهو عدو للمسلم، والكفار بعضهم أولياء بعض ضد المسلمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] .
فنسأل الله أن يقوي المسلمين على أعدائهم حتى يتمكنوا منهم وحتى يكون الدين كله لله.
стр. 659
اللقاء الشهري [٢٨]
كان موضوع لقاء الشيخ -رحمه الله تعالى- عن أصناف الناس في التعامل مع الإجازات، وقد قسّم الناس إلى ستة أقسام ما بين فائز وخاسر.
وأجاب عن الأسئلة التي دارت حول مسائل في الزواج، وزيارة النساء للقبور، وغسل الميت وأحكام المولود.
стр. 660
أقسام الناس في الإجازة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، وانغماس في الجهل والضلال والظلم والعدوان، فأزال الله به كل هذا، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من هذا العام، عام (١٤١٦هـ) وهو الذي يتم ليلة الأحد التاسع عشر من شهر المحرم من هذا العام.
إننا نرجو الله ﵎ ونحن في استقبال عامنا الجديد أن يجعله عام عز وتمكين للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، نسأل الله تعالى أن ينصر به إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، وأن ينصر به إخواننا المسلمين في الشيشان، وأن ينصر به إخواننا المسلمين في كشمير، وأن ينصر به إخواننا المسلمين في الحبشة وفي كل مكان إنه على كل شيء قدير.
وإننا أيها الإخوة ونحن في هذه الأيام نسمع أن إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك قد أعدوا العدة لهجوم من أجل أن يكسروا به الطوق الذي ضربه عليهم أولئك الصرب المعتدون، فنسأل الله تعالى أن يعينهم وأن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على عدوهم، حقهم علينا الدعاء، هم محتاجون إلى الدعاء، محتاجون إلى أن نرفع أكفنا إلى ربنا بأن ينصرهم فلنكن قائمين بذلك، هذا أقل ما يجب علينا نحوهم.
أما موضوع هذا اللقاء فإنه يتصارع فيه موضوعان: الموضوع الأول: الإجازة وماذا يصنع بها المسلم؟ الموضوع الثاني: الزواج لأن الغالب أن هذه الإجازة يكون فيها الزيجات كثيرة.
ولكن أخانا الشيخ حمود بن عبد العزيز الصائغ اختار أن يكون الكلام على الإجازة، وذلك لأن الإجازة ليس معناها كما يفهمه بعض الناس العطلة، العطلة معناها: تعطيل العمل والإنسان لا يمكن أن يتعطل عمله أبداً، الإنسان لا بد أن يعمل كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (أصدق الأسماء حارث وهمام) الإنسان دائماً متحرك، دائماً مريد، ولكن إلى أين؟ تارة إلى صراط مستقيم ينجو به من النار ويكسب به الدنيا والآخرة، وتارة إلى خلاف ذلك، فنحن وإن انتهت الدروس النظامية فإن الدروس غير النظامية لم تنته، وإن انتهى العمل في هذه المدارس النظامية فإن عمل الإنسان لا ينتهي أبداً.
وإذا تأملنا أحوال الناس في هذه الإجازة وجدنا أنهم على طرق شتى:
стр. 661
القسم الأول: التفرغ لطلب العلم
من يكدح في طلب العلم ويجعل هذه الإجازة تفرغاً لطلب علوم لا يحصل عليها في المدارس النظامية، فيلزم العلماء ويستفيد منهم في بيوت الله ، وما أعظم البركة في العلم الذي يتلقى في المساجد، العلم الذي يتلقاه الإنسان في المساجد أبرك بكثير من العلوم التي يتلقاها في المدارس، هذا شيء مجرب؛ لأن المساجد بيوت الله ومأوى الملائكة الكرام، فكان أثر الطلب فيها أثراً بالغاً على طالب العلم، ولهذا نقول: إن هذا الصنف من الناس هم الذين كسبوا، هم الذين بقوا في طلب العلم ولكن ليس بين جدران المدارس والمعاهد وإنما في بيوت الله على أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم، هؤلاء في الحقيقة هم الرابحون.
стр. 662
القسم الثاني: زيارة البلاد المقدسة
ومن الناس من يمضي هذه الإجازة بالسفر إلى البلاد المقدسة إلى مكة والمدينة، فيحصل له بذلك خير، يحصل له بذلك عمرة وزيارة إلى المسجد النبوي، وربما يلتقي بإخوان له وفدوا من هنا وهناك فيدلي كل واحد منهم إلى الآخر بما لديه من المشاكل وما لديه من الهموم، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، والإنسان لا بد أن يشكو إلى صديقه وإلى ذي النصح له لا بد أن يشكو إليه الحاجات التي في صدره حتى يبين له كيف يكشف هذه الحاجات.
وهؤلاء يحتاجون إلى أن يعلموا كيف يعتمرون وكيف يزورون المسجد النبوي، بحيث لا يذهبون إلى هناك سدى، أو في حالة غفلة، لا بد أن يعلم ماذا يصنع إذا أراد العمرة؟ ماذا يصنع إذا أراد الزيارة؟ ونحن نتعرض إلى هذا بشيء يسير من القول: يذهب من بلده قاصداً العمرة حتى يكون مسيره من بلده إلى أن يقوم بالعمرة على خير، يأتي الميقات فيحرم، يقول: لبيك عمرة، ثم يأتي البيت فيطوف به سبعة أشواط، ثم يصلي خلف المقام، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يبقى هناك ما شاء الله، وإذا أراد أن يخرج من مكة إلى بلده فإنه يطوف طواف الوداع.
أما الزيارة فإنه يأتي المدينة فيصلي في المسجد النبوي ما شاء الله، ثم يذهب إلى قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه: أبي بكر وعمر، فيقف تجاه وجه الرسول ﷺ ويسلم عليه، وأحسن صيغة للسلام عليه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون تجاه أبي بكر يقول له: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمته وبركاته، جزاك الله عن أمة محمدٍ خيراً، ثم يخطو خطوة أخرى عن يمينه ليكون مقابل عمر بن الخطاب ﵁، فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمدٍ خيراً، انتهت الزيارة.
وينبغي أن يخرج إلى قباء من بيته متطهراً فيصلي فيه ما شاء الله ركعتين أو أكثر؛ لأن قباء من المساجد التي تسن زيارتها، لكنه لا يشد إليه الرحل، لكن إذا كنت في المدينة فاخرج إليه متطهراً وصلِّ فيه ما شئت، فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أن من توضأ في بيته ثم خرج إلى قباء كان كمن أدى عمرة) .
فهذان مزاران: المزار الأول: في المدينة قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبرا صاحبيه.
الثاني: مسجد قباء.
الثالث: البقيع وهو مدفن الصحابة رضوان الله عنهم، فإنك تزور البقيع وتسلم عليهم عموماً بما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسلم به: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم سلفنا ونحن في الأثر، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) وتسلم على عثمان ﵁ بالأخص، وقبره هناك معروف.
ثم المزار الرابع: شهداء أحد تذهب إلى أحد لتسلم عليهم، فتقف هناك عند الشبك عند باب المقبرة وتسلم عليهم، وشهداء أحد على رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأما المساجد السبعة وما يقال عن مزارات هناك فهذا كله لا أصل له، ولا صحة له، ولهذا لا تنخدع بما يذكر من المزارات، فإن ذلك لا صحة له ولا أصل له.
يظن بعض الناس أنه لا بد لمن زار المدينة أن يبقى فيها خمسة أوقات وهذا غير صحيح، بل لو صليت وقتاً واحداً أو جئت في الضحى وصليت في المسجد وسافرت قبل الظهر فلا بأس، هذا الصنف الثاني من الناس، الصنف الأول: الذي تفرغ لطلب العلم.
الثاني: الذي سافر إلى مكة والمدينة.
стр. 663
القسم الثالث: السفر إلى أطراف البلاد للنزهة
من سافر إلى أطراف بلادنا للنزهة وإزالة التعب والسآمة والملل؛ لأن النفس تكل، فيحب أن يسافر إلى أطراف البلاد مع أهله يتمتع بما يرى ويزور إخواناً له هناك، هذا أيضاً طيب، وليس فيه بأس، والإنفاق فيه مع النية الطيبة إنفاق مخلوف إن شاء الله.
стр. 664
القسم الرابع: السفر إلى الخارج
الذين يسافرون إلى الخارج، ينقسمون إلى قسمين: إما أن يسافر إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها إلا أبواق اليهود ونواقيس النصارى، لا يسمع فيها ذكراً ولا أذاناً ولا غير ذلك، ولا تقام الجماعات إلا في زوايا خاصة لبعض الجاليات الإسلامية هناك، فهذا خاسر، خسر الدنيا والآخرة.
أولاً: أنه سينفق على هذا مبالغ كثيرة.
ثانياً: أنه سيكون في ذلك مقوياً لاقتصاد الدول الكافرة، لأنهم يكتسبون من وراء السياحة أموالاً كثيرة في المنازل التي يؤجرونها، في الأكل والشرب في الملابس فيما يشتري من بلادهم من هدايا، إلى غير ذلك من الأموال الكثيرة الطائلة التي تصرف في جيوب اليهود والنصارى أو الوثنيين.
ثالثاً: أنه ربما يكتسب من أخلاقهم وآدابهم فيرجع إلى قومه بآداب وأخلاق هؤلاء الكفار، وربما يكون الأمر أكبر من ذلك، ربما يعتقد أن دين النصارى ودين اليهود ودين الإسلام شيء واحد -كما قاله الظالمون الذين هم كفرة- فأي إنسان يسوي بين دين اليهود والنصارى والمسلمين فإنه كافر؛ لأنه إذا سوى بين هذه الأديان لزم من تسويته أن دين النصارى مقبول عند الله وأن دين اليهود مقبول عند الله، والله يقول في القرآن: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ويقول جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦] .
فأديان اليهود والنصارى اليوم أديان باطلة غير مقبولة عند الله، وأعمالهم أعمال ضائعة، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٥] ربما يطرأ على باله أنهم أهل دين ونحن أهل دين ولا فرق بيننا وبينهم إلا كالفرق بين الحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف! يقع عند بعض الناس هكذا، وربما يقول: إذا كان هؤلاء منعمين هذه النعمة العظيمة والترف العظيم إذاً: هم على الحق، ويأتي بشبهات من القرآن.
فخطر الذهاب إلى بلاد الكفر خطر عظيم، مع ما فيه من تنمية اقتصادهم، ورفع رءوسهم مما لا يليق بالمسلم أن يقوم به.
القسم الثاني: قسم يسافر إلى بعض البلاد العربية، ولا شك أن السفر إلى بعض البلاد العربية أهون من السفر إلى بلاد الكفر؛ لأن هؤلاء أكثرهم مسلمون، أو كلهم مسلمون، فالسفر إليهم أهون بكثير، لكنه أسوأ من السفر إلى أطراف بلادنا؛ وذلك لأن السفر إلى هناك يحتاج أول ما يحتاج إلى أن تصور بناتك وأخواتك وزوجاتك اللاتي يسافرن معك، يحتاج إلى نفقة كثيرة، وربما يكون هناك في بعض البلاد مسارح لهم وأشياء لا ترضى، فيقع الإنسان في فخها وشراكها.
стр. 665
القسم الخامس: الجلوس عند الأب ومساعدته
من يبقى مع أبيه يساعده في حراثته وزراعته إن كان حارثاً أو مزارعاً، أو مع أبيه في تجارته، أو مع أبيه في معمله، أو ما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه خير، وأنه معونة على بر الوالدين وصلة الأرحام، فليبق في هذا العمل فإنه خير.
стр. 666
القسم السادس: مرافقة جلساء السوء
من يبقى في بلده ولكن يقيض له شياطين الإنس، يصحبونه ويسحبونه، يقيض له شرذمة فاشلة ضائعة من الشباب فيكون معهم، في غفلة من أبيه الذي يجب عليه تربيته، وبعدم المبالاة في الأوقات، فتجده يضيع أوقاته يميناً وشمالاً، يتسكع في الأسواق، يخرج إلى أطراف البلد، يسهر الليالي ويترك الصلوات، فهذا لا شك أنه فاشل، مضيع لأوقاته التي هي أثمن من اللؤلؤ والذهب والفضة.
ولهذا نقول بهذه المناسبة: إنه يجب على أولياء أمور الشباب ملاحظتهم في هذه الإجازة، إذا غابوا يسألونهم: أين ذهبتم؟ إذا صحبوا أقواماً يسأل عن هؤلاء الأقوام: من هم؟ هل هم أهل خير أم أهل شر؟ إذا رأى من ابنه ما يشم منه رائحة الفساد يجب عليه أن يحاول الحيلولة بينه وبين هذا الشر بكل وسيلة، وذلك لأن الإنسان مسئول مسئولية مباشرة عن أهله، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] فأنت مسئول، لو ضاعت لك شاة من البهائم لذهبت في طول البلاد وعرضها تسأل عنها فكيف بابنك الذي هو فلذة كبدك وسعادتك في الدنيا والآخرة إن كان صالحاً، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) .
فنسأل الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم اغتنام الأوقات في الأعمال الصالحات، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
стр. 667
الأسئلة
стр. 668
نصيحة في تربية الأبناء والزوجة
السؤال
فضيلة الشيخ: الأب في البيت عليه مسئولية تربية أولاده وأهل بيته، ولكن الآباء تجاه هذه المسئولية بين القسوة والتفريط، فما هي الطريقة المثلى التي تراها في تربية الزوجة والأولاد والبنات وفقك الله؟
الجواب
الغالب أن جميع الأعمال يكون الناس فيها ثلاثة أقسام: مُفرِّط، ومُفْرِط، ومعتدل، المُفرِّط هو المهمل، والمُفْرِط هو المشدد، والمعتدل هو الذي بين هذا وهذا، والإنسان العاقل يعرف كيف يربي أهله، يعاملهم تارة بالحزم وتارة باللين، حسب ما تقتضيه الأحوال، إذا رأى منهم شدة فليكن أمامهم ليناً، وإذا رأى منهم ليناً وقبولاً فليكن أمامهم حازماً ولا أقول: شديداً بل يكون حازماً لا يفوت الفرصة.
أما بعض الناس فإنه يريد أن يشق على أهله، يريد منهم أن يكون كل شيء كاملاً وهذا غلط، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) أتدرون ما معنى: (لا يفرك) ؟ أي: لا يبغض ولا يكره مؤمنة أي: زوجته (إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) وهكذا ينبغي للعاقل المؤمن أن يوازن بين الحسنات والسيئات، لا يحمل الشيء على السوء مع أن فيه أشياء حسنة، إن الإنسان الذي يجحد الحسنات ويظهر السيئات ما هو إلا كالمرأة، لما حدث النبي ﷺ النساء بأنهن أكثر أهل النار، قالوا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: (لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم وجدت منك سيئة واحدة لقالت: ما رأيت خيراً قط) وهكذا الإنسان ربما ينزل بنفسه إلى مرتبة المرأة، إذا أحسنت إليه مدى الدهر ثم أسأت مرة واحدة محت جميع الحسنات، فنحن نقول: ارفق بأهلك، إن كرهت منهم خلقاً فارض منهم خلقاً آخر، لا تكن شديداً ولا مهملاً.
وأشد من ذلك من إذا خالفته امرأته في أدنى شيء بت طلاقها والعياذ بالله، لو كان الشاي متقدماً حلاوته أو مرارته، قال: ما هذا الشغل؟ أنت طالق ثلاثاً، نسأل الله العافية، والمرأة السهلة اليوم يتعب الإنسان ويشيب رأسه ما وجد امرأة كيف يبت طلاقها في كل شيء، وزد على ذلك أننا نسمع كثيراً من يقول: أنتِ طالق ثلاثاً وأنت عليَّ كظهر أمي، والله يقول في حق من يقولون: إن نسائهم عليهم كظهر أمهاتهم يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] منكر لا يرضاه الشرع، وزور: كذب، كيف تكون زوجتك التي هي حل لك مثل أمك التي هي حرام عليك؟!! فنصيحتي لإخواني الذين يريدون تربية أهليهم وأولادهم: أن يكونوا بين اللين وبين الشدة، والعاقل يراعي الحال، ولكل حال مقال.
стр. 669
وصية للآباء والأبناء بشأن الزواج
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا شاب لم أتزوج بعد، ولكن يا والدي عمري فوق العشرين ودون الثلاثين، وأريد الزواج ولكن لا أستطيع، فأرجو من الله ثم منك يا فضيلة الشيخ في هذا المقام المبارك أن تدعو الله لي ولإخواني الشباب لعل الله أن يفتح علينا أبواب رحمته، وأن يرزقنا الرزق الحلال، وما دور الآباء تجاهنا نحن الأبناء، وما دور الآباء أيضاً تجاه من عندهم من بناتهم في هذه المشكلة حيث مغالاة المهور، جعل الله فرجنا وفرج المسلمين بمنه وكرمه بسببك يا فضيلة الشيخ في دعوة الناس إلى تخفيف المهور وإعانة إخوانهم الشباب على هذا الزواج؟
الجواب
أما الدعاء فمبذول، وأوصي أخي السائل أيضاً أن يدعو الله هو بنفسه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ويقول جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] .
ولا شك أن ما يصيب الشباب اليوم من العناء والعنت والمشقة في العجز عن الزواج لا شك أنه أمر محزن، وأنه يخشى من عواقبه الوخيمة، وإن لي وصيتين: الوصية الأولى بالنسبة للشباب: أن يصبروا، ويسألوا الله العون وأن يعجل لهم بتيسير الأمور، وينتظروا الفرج من الله .
وأوصي أيضاً الآباء بالنسبة لأبنائهم وبناتهم: أن يتقوا الله تعالى فيهم، لأن الأب إذا كان قادراً على تزويج ابنه وجب عليه أن يزوجه وجوباً كما يجب أن يكسوه ويطعمه ويسقيه ويسكنه يجب عليه أن يزوجه، والعجب أنه يوجد آباء أغنياء يقول له الولد: زوجني، فيقول: لا أزوجك، أنت اعمل وزوج نفسك، سبحان الله! الأمر بيده، هل الدراهم موجودة على الرمال ورءوس الجبال؟ أبداً، ولهذا نرى أن الرجل القادر على تزويج أبنائه يجب عليه أن يزوجهم وجوباً، فإن لم يفعل فهو ظالم آثم، ولست أقول هذا من عند نفسي بل قاله العلماء ﵏، قالوا: إنه يجب على الرجل أن يعف أبناءه كما يجب عليه أن يسد جوعهم وعطشهم، بل قد تكون مسألة الزواج أخطر؛ لأنها قد تتعدى إلى الغير فيفسد غيره.
فيجب على الآباء أن يزوجوا أبناءهم إذا كانوا قادرين.
الوصية الثانية بالنسبة للآباء: أنه يوجد أناس عندهم بنات، بل عندهم عدد كثير من البنات ومع ذلك يأتيه الخاطب الكفء فيرده دون أن يستشير البنت، وقد جرى هذا كثيراً، وما أكثر البنات اللاتي يشكين من هذا، أن أباهن يرد الخطاب الأكفاء دون أن يرد العلم إلى البنت المخطوبة، وهذه والله خيانة للأمانة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧-٢٨] .
وقد ذكر العلماء ﵏: أن ولي المرأة إذا منعها كفئاً في دينه وخلقه فإن ولايته تسقط، وإذا تكرر ذلك منه فإن عدالته تزول، بمعنى: أن الرجل لو خطب منه عدة مرات وهو يرد الأكفاء فإنه يكون بذلك فاسقاً لا تقبل شهادته ولا ولاية له، بل قال العلماء: لا يصلح أن يكون إماماً في الناس؛ لأنه فاسق حيث عضل ابنته من الزواج، ومع ذلك تسقط ولايته، ويقال: إذا لم تزوج يزوجها ولي آخر، يزوجها من يليه من الأولياء، ولكن المشكلة أنه لا يمكن أن تتجاسر امرأة على رفع القضية إلى القاضي حتى يزوجها عمها بدل أبيها، وأقول: إذا لم يمكن هذا حسب العادة عند الناس فإن الأب سيزداد إثماً؛ لأنه هو الذي منع حقها.
ولقد حدثت قبل سنوات أن فتاة حضرها الموت وعمرها فوق ثلاثين سنة وعندها نساء يمرضنها، فلما حضرها الموت وهي في سياق الموت، قالت لهن: بلغو أبي سلامي، وقلن له: إنه قد ظلمني حيث لم يزوجنِ ولكني سأقف أنا وهو بين يدي الله ، تقول هذا في سياق الموت، ولعلها لم تمت إلا كمداً حيث منعها حقها، فوصيتي للآباء أن يتقوا الله في أبنائهم وبناتهم، أن يزوجوا الأبناء إذا كانوا قادرين ويزوجوا البنات إذا خطبهن الأكفاء.
ولكن لو تعارض رأي الأب ورأي البنت، الأب يريد إنساناً هيناً في دينه وإن لم يكن ذا دين واضح، والبنت تريد رجلاً ديناً فمن الذي يقدم: البنت أم الأب؟ البنت بلا شك، حتى لو فرض أن الذي اختاره الأب كان ذا مال وميسرة والثاني دون ذلك، فإن رأي البنت مقدم، ولو كان الأمر بالعكس اختارت البنت خاطباً ليس كفئاً في دينه واختار الأب خاطباً كفئاً في دينه من يقدم؟ الأب، ولهذا لو أن الأب منع ابنته إذا قالت: أنا لا أريد إلا فلان وفلان ليس ديناً وقال: لا أزوجك فلان؛ لأنه ليس أهلاً للتزويج وماتت وهي لم تتزوج، فهل على أبيها إثم؟ الجواب: لا، لأن منعه إياها بحق، حيث اختارت من ليس بكفء وترد من هو كفء.
стр. 670
أحكام رؤية الخاطب لمخطوبته
السؤال
فضيلة الشيخ: إذا خطب الإنسان امرأة فرفض والدها أن يراها الخاطب مع اقتناعه بذلك الخاطب، فهل يحل للوالد أن يرفض أمراً أتى به الشرع وليس له من عذر إلا أن العادة لم تجرِ بهذا، فأيهما أولى بالاتباع: العادة أم الشرع؟ فما نصيحتك لأولئك الآباء، خصوصاً وأنكم تعلمون وفقكم الله أن عاقبة الأمر هي السعادة إذا تمت الرؤية؟
الجواب
إنه إذا امتنع الأب من ذلك فلا إثم عليه؛ لأن نظر الخاطب إلى المخطوبة إما مباح على قول بعض العلماء وإما سنة، ولم يقل أحد من العلماء: إنه واجب حتى يكون رد طلبه إثماً، لكننا نشير على هذا الذي منع أن يمكن الخاطب من رؤية المخطوبة لأجل أن تراه هي أيضاً، تراه وتقتنع به، وهو أيضاً يراها ويقتنع بها، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما) أي: أن يجمع بينهما.
وكم من إنسان خطب امرأة دخل عليها فلما رآها لم تعجبه، فبقي حائراً: أيطلقها ويخسر هذا المال الكثير.
ثم هي أيضاً إذا طلقت بناءً على أن الزوج لم يرضها ربما يقل خطابها أيضاً، فرؤية المخطوبة مستحب، لكن بشرط ألا يخلو بها، وألا تخرج متجملة أو متطيبة أو متمكيجة أو كاحلة بل تخرج على طبيعتها، لأنها لو خرجت عليه متزينة أو متمكيجة أو كاحلة ربما يكون لأول وهلة يشعر بأنها من أجمل بنات آدم، ثم إذا عادت إلى طبيعتها بدون هذا نقصت في عينه كثيراً، وأيضاً هو ليس بزوج الآن حتى تتجمل له بل هو رجل أجنبي، فلتخرج على طبيعتها.
كذلك أيضاً: إذا رضيها وتمت الخطبة فلا يكلمها، انتهى الموضوع، وبعض الخطاب يكلم خطيبته بالتليفون فتجده يجلس معها ساعات كثيرة يحدثها، وإذا قلت: هذا لا يجوز، المرأة أجنبية منك كيف تحدثها؟ قال: أنظر مدى ثقافتها، كيف تنظر مدى ثقافتها؟ ألستَ خطبتها ورضيت بها، لا حاجة إلى الثقافة، إذا كنت تريد اعقد عليها وحدثها ما شئت، أما أن تحدثها وهي أجنبية منك ولم يتم العقد فهذا لا يجوز، وقد ابتلي كثير من الناس بهذا، فتجده يفتح الهاتف عليها ويحدثها، ليلة كاملة تذهب والحديث مع الصديق يقتل الوقت قتلاً، فنحذر من هذا.
كذلك يسأل بعض الناس يقول: هل يجوز أن نعطي المرأة المخطوبة صورة الخاطب، ونعطي الرجل الخاطب صورة المخطوبة بدلاً من أن ينظر إليها مباشرة؟ فنقول: هذا لا يجوز، أولاً: أن الصورة لا تعطي الحقيقة تماماً، قد تشاهد صورة رجل تقول: ما شاء الله هذا من أحسن ما يكون، وإذا رأيته مباشرة فإذا هو خلاف الصورة، ثم إنه يخشى أن تكون صورة المرأة ألعوبة في يد هذا الرجل فيما إذا رغب عنها وتركها، لذلك نرى أنه لا يجوز تبادل الصور بين الخطيب والمخطوبة، بل إما أن تطبق السنة فينظر إليها مباشرة، وإما أن يرسل إليها من النساء من ينظر إليها ويتبين الأمر.
следующие страницы →