Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
حكم السجود على العمامة
بالنسبة للطاقية، السجود عليها جائز أم غير جائز؟
السجود على (الطاقية) وعلى الغترة وعلى الثوب الذي تلبسه مكروه؛ لأن هذا شيء متصل بالمصلي، وقد قال أنس ﵁: (كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) فدل هذا على أنهم لا يسجدون على ثيابهم أو على ما يتصل بهم إلا عند الحاجة، يقول: (إذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض) أما إذا لم تكن حاجة فإنه مكروه.
وعلى هذا فالسجود على طرف الطاقية مكروه؛ لأنه لا حاجة إليه، فليرفع الإنسان عند السجود طاقيته، حتى يتمكن من مباشرة المصلى.
أما الشيء المنفصل كأن يسجد الإنسان على سجادة أو على منديل واسع، يسع كفيه وجبهته وأنفه فإن هذا لا بأس به؛ لأنه منفصل، وقد ثبت عن النبي ﷺ (أنه صلى على الخُمرة) ، وهي حصيرة صغيرة تسع كفي المصلي وجبهته.
стр. 1052
قراءة الفاتحة في الصلاة
إذا كان الإمام لا يعطي المأموم فرصة لقراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية فكيف يقرأ المأموم الفاتحة؟
قراءة الفاتحة واجبة في كل صلاة، وواجبة في كل ركعة على الإمام والمنفرد والمأموم، إلا أنه يستثنى في حق المأموم حالة واحدة، وهي: ما إذا جاء والإمام راكع فإن الفاتحة تسقط عنه في هذه الحالة، وكذلك لو جاء والإمام قائم وكبر للإحرام وشرع في الفاتحة ثم ركع الإمام وخاف إن أتمها أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فحينئذٍ يسقط عنه ما لم يدركه من الفاتحة، ويكون مدركاً للركعة، ودليله حديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، فلما قضى الصلاة قال له النبي ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد) وجعله مدركاً للركعة.
فإذا كانت الصلاة سرية فقراءة الفاتحة للمأموم لا إشكال فيها، وإذا كانت جهرية فإن المأموم يقرأ الفاتحة في سكتات الإمام، فإن لم يكن له سكتات -يعني: يواصل القراءة- فإنه يقرأ ولو كان الإمام يقرأ، لما رواه أهل السنن من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (أن النبي ﷺ انصرف ذات يوم من صلاة الصبح وكان الصحابة يقرءون خلفه فقال: ما لي أُنازع القرآن) أي: يغالب في القرآن، حيث يقرأ من وراءه، ثم قال لهم: (لا تقرءوا خلف الإمام إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) .
стр. 1053
مسائل في الصلاة
فضيلة الشيخ: إذا كنت إماماً وخلفي اثنان أو واحد ونصلي جماعة فسلمت بصوت منخفض، فتذكرت أني إمام وأن من خلفي لم يسمعوا فهل أعيد التسليم بصوت عالٍ؟
إذا سلم الإمام بصوت منخفض لا يسمعه المأمومون فإنه لا يعيد السلام مرة ثانية، ولكن إذا سلم استغفر الله وانصرف فيعرف الناس أنه انتهى.
ومثل ذلك الفاتحة أيضاً، فلو أن الإمام نسي في الصلاة الجهرية أنه الإمام فقرأ الفاتحة سراً ثم ذكر فإنه يتمها ولا يعيدها، وقال بعض العلماء: بل يعيدها؛ لأن إعادتها جهراً إعادة لسنة وليست عبثاً، والإنسان مأمور بأن يأتي بالقراءة على وجه السنّة، لكن الأول أحوط؛ يبدأ من حين ذكر.
وفيه فائدة أيضاً: وهو أنه إذا ابتدأ من حين ذكر فلن يعود مرةً ثانية إلى ذلك، وبالتالي يكون دائماً متذكراً، لكن لو أعادها من الأول هان عليه أن ينسى وأن يعود مرة ثانية؛ لأن المأمومين لن يعلموا به إذا أعادها من أولها.
والخلاصة أن الإمام إذا سلم سراً نسياناً حتى أتم التسليمتين فإنه لا يعيدهما ويكفيه الانصراف، وإن أسر في الأولى ثم ذكر جهر في الثانية.
стр. 1054
ضعف حديث: (لم يُر للمتحابين مثل النكاح)
فضيلة الشيخ: هناك حديث عن النبي ﷺ : (لم يُر للمتحابين مثل النكاح) فهل في هذا حجة لمن يجوِّز الحب بين النساء والرجال، جزاكم الله خيراً؟
أولاً: هذا الحديث فيه ضعف ولا يصح عن النبي ﷺ ، لكنه من الناحية الطبيعية أنه إذا قُدر أن يكون بين الرجل وبين امرأة من الناس محبة؛ فإن أكبر ما يدفع الفتنة والفاحشة أن يتزوجها؛ لأنه سوف يبقى قلبه معلقاً بها إن لم يتزوجها، وكذلك هي، فربما تحصل فتنة.
قد يسمع إنسان عن امرأة بأنها ذات خلق فاضل وذات علم فيرغب أن يتزوجها، وكذلك هي تسمع عن هذا الرجل بأنه ذو خلق فاضل وعلم ودين فترغبه، لكن التواصل بين المتحابين على غير الوجه الشرعي هذا هو البلاء، وهو قطع الأعناق وقصم الظهور، فلا يحل في هذه الحال أن يتصل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل.
ويقول: إنه يرغب في زواجها خوفاً من الفتنة، وإلا فالأصل أنه لو حصل أن المرأة تخبر وليها أنها تريد فلاناً مثلاً فيتصل به كما فعل عمر ﵁ حينما عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعلى عثمان ﵁، وأما أن تقوم المرأة مباشرة بالاتصال بالرجل فهذا محل الفتنة.
стр. 1055
العقيقة عن السقط بعد أربعة أشهر
فضيلة الشيخ: إذا أسقط الجنين في حدود أربعة أشهر هل يعق عنه، ويُصلى عليه؟
قد ثبت في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أن الجنين إذا أتم أربعة أشهر نفخت فيه الروح، فإذا سقط بعد نفخ الروح فهو كما لو سقط عن تمام، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في المقابر.
وأما العقيقة ففيها خلاف، بعض العلماء يقول: يُعق عنه؛ لأنه سوف يبعث، وبعض العلماء يقول: لا يُعق عنه، وأرى أنه يُعق عنه إذا كان أبوه موسراً؛ لأن هذا فيه خير وصدقة وبر.
стр. 1056
حكم استخدام الصور في الهوية والرخصة
ما رأي فضيلتكم في الصورة التي في حفيظة النفوس ورخصة القيادة، وهل يجوز الاستغناء عنها إذا أمكن للشخص؟
رأيي في الصور التي تكون في حفيظة النفوس وفي رخصة القيادة وفي الدراهم أنه مما عمت به البلوى، وأنه لا يمكن التخلص منها، فلا يكون على الإنسان في ذلك حرج، فإذا علم الله من نيته أنه كاره لهذا؛ فإنه لا يلحقه إثم بلا شك.
стр. 1057
حكم من نسي لأي جهة رمي الجمار
فضيلة الشيخ: إذا نسي الحاج لأي جهة رمي الجمار فما حكم الرمي؟
يجب أن نعلم أن الشك إذا كان بعد الفراغ من العبادة فإنه لا يلتفت إليه أصلاً.
أما إذا كان أثناء العبادة فهذا إن غلب على ظنه أنه صواب فهو صواب، أو تيقن أنه صواب فهو صواب، وإن غلب على ظنه أنه خطأ أو تيقن أنه خطأ فهو خطأ، وإن شك بلا ترجيح فإنه خطأ، هذا إذا كان في أثناء العبادة، يعني: أنت واقف الآن ترمي ثم شككت هذا الموقف صحيح أم لا؟ هل هذا المرمى صحيح أم لا؟ أما بعد أن تنصرف فالأصل أنه صحيح ولا شيء عليك.
وإلى هنا ينتهي المجلس، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.
стр. 1058
لقاء الباب المفتوح [٢٧]
في هذا الدرس نصيحة حول كيفية استقبال العام الجديد، حيث وأن هذا الدرس كان في أول السنة، وكيف نعوض ما فاتنا في السنة الماضية، وفي هذا اللقاء شرح بعض الآيات من أول سورة المطففين والتي فيها الوعيد الشديد لمن يطفف في المكيال، وأن من اكتال من الناس فاستوفاه ثم كال لغيره فأخسر فيه فقد جمع الشر الموجب للوعيد الذي ذكر في أول السورة.
стр. 1059
نصيحة مع استقبال العام الهجري الجديد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا أول لقاء يحصل في هذا العام؛ وهو اللقاء الأسبوعي الذي يكون في كل يوم خميس، وهو يوافق الرابع من شهر المحرم عام (١٤١٤هـ) .
والنصيحة التي ينبغي للإنسان أن ينصح بها نفسه في استقبال هذا العام أن ينظر ماذا أودع في العام الماضي من الأعمال الصالحة؟ وماذا قام فيه من الأعمال التي تنفعه وتنفع غيره من المسلمين؟ ولاسيما طلبة العلم فإن طالب العلم عليه واجبان: واجب لنفسه وواجب لغيره، إذ أن العلم الشرعي إرث محمد ﷺ ، وقد ثبت عنه ﷺ أن العلماء ورثة الأنبياء، وإذا نظرنا في حال الأنبياء وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ وجدنا أنهم أبلوا بلاءً حسناً في عباداتهم الخاصة، وفي دعوتهم الخلق إلى الحق.
لقد كان النبي صلى الله عليه أتقى الناس وأخشى الناس لربه، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه وتتورم من طول القيام، فيُسأل في ذلك فيقال له: إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً) .
وفي مجال الدعوة إلى الله، دعا ﷺ قومه إلى توحيد الله وعبادته، فرأى منهم الأذى حتى كانوا يُلقون سلا الجزور على ظهره وهو ساجد في بيت الله، وتمالئوا عليه فيما ذكر الله من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] .
فكان النقاش بينهم على هذه الأمور الثلاثة: الإثبات وهو الحبس، والقتل والإخراج، فأذن الله له بالخروج والهجرة من مكة إلى المدينة، ونصره الله عليهم حتى عاد بعد ثماني سنوات إلى مكة فاتحاً منصوراً ظافراً ولله الحمد.
فأقول: إن على طلبة العلم واجبين: الواجب الأول: لأنفسهم.
والواجب الثاني: لغيرهم من الناس.
أن يعلموهم ويرشدوهم ويدعوهم إلى الله، وأن يبينوا الحق الذي جاء به الكتاب والسنة بما يتعلمونه من أساتذتهم، وبما يتعلمونه بأنفسهم من الكتب، وبما يسمعونه من الأشرطة الصادرة عمن يوثق بعلمه.
ولا شك أن نشر العلم سببٌ للقيام بطاعة الله كما هو معروف، فإن الرجل يأتي إلى القوم يلقي بينهم كلمة أو موعظة مُوجهة فيتفرق الناس وقد فهموا ما قال، ثم يأخذون بتطبيقه في أنفسهم وفي غيرهم، وهذا أمر مشاهد معلوم.
وعلى الإنسان في مستقبل هذا العام أن يعد نفسه بالجد والاجتهاد وتتميم ما نقص في العام الماضي، وتحسين ما كان فيه شيء من الاعوجاج أو الانحراف حتى يستقبل هذا العام بجدٍ ونشاط، وليُعلم أن الإنسان إذا عود نفسه الكسل اعتاد عليه وصعب عليه أن ينشط بعد ذلك، وإذا عود نفسه النشاط وبث الوعي الديني في الأمة سهل عليه ذلك وكان ديدناً له، حتى إنه ليحزن ويضيق صدره إذا لم يقم بهذا الأمر.
стр. 1060
تفسير آيات من سورة المطففين
أما ما كنا نتحدث عنه في اللقاءات السابقة من تفسير الآيات الكريمات فنحن كنا قد توقفنا عند سورة المطففين، فنتكلم بكلام موجز على ما تيسر منها، فنقول:
стр. 1061
تفسير قوله تعالى: (ويل للمطففين)
إن الله ابتدأ هذه السورة بكلمة (ويل) ، و (ويل) تكررت في القرآن كثيراً، وهي على الأصح: كلمة وعيد يتوعد الله بها من خالف أمره، أو ارتكب نهيه، على الوجه المقيد في الجملة التي بعدها، فهنا يقول الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١] فمن هؤلاء المطففين؟ المطففون فسرتهم الآية التي بعدها، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:٢-٣] (إذا اكتالوا على الناس) أي: إذا اشتروا منهم ما يكال استوفوا منهم الحق كاملاً بدون نقص، (وإذا كالوهم أو وزنوهم) أي: إذا كالوا لهم، أي: إذا باعوا الطعام كيلاً، فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئاً وزناً (يخسرون) أي: ينقصون، فهؤلاء والعياذ بالله يستوفون حقهم كاملاً وينقصون حق غيرهم، فجمعوا بين الأمرين، بين الشح والبخل؛ الشح في طلب حقهم كاملاً بدون مراعاة أو مسامحة، والبخل بمنع ما يجب عليهم من إتمام الوزن والكيل.
وهذا الذي ذكره الله في الكيل والوزن، وهو في الحقيقة مثال، فيقاس عليه كل ما أشبهه ممن طلب حقه كاملاً ممن هو عليه، ومنع الحق الذي عليه فإنه داخل في الآية الكريمة.
فمثلاً: الزوج يريد من زوجته أن تعطيه حقه كاملاً وألا تتهاون في شيء من حقه، لكنه عند أداء حقها يتهاون ولا يعطيها الذي لها، وما أكثر ما تشكو النساء من هذا الطراز من الأزواج والعياذ بالله؛ حيث إن كثيراً من النساء يريد منها الزوج أن تقوم بحقه كاملاً، لكنه لا يعطيها حقها كاملاً، وربما ينقص أكثر حقها؛ من النفقة، والعشرة بالمعروف وغير ذلك.
والغريب أيها الإخوة! أن هذا يقع كثيراً من الناس الذين ظاهرهم الالتزام، حتى إن بعض النساء تشير أنها ما اختارت هذا الزوج إلا لما له من السمعة الحسنة والالتزام، فإذا به ينقلب ويكون أسوأ حالاً بالنسبة لزوجته من أهل الفسق! فلا أدري عن هؤلاء الذين ظاهرهم الالتزام! هل يظنون أن الالتزام أن يقوم الإنسان بعبادة الله فقط، ويضيع حقوق الناس؟ إن ظلم الناس أشد من ظلم الإنسان نفسه بالتعدي على حق الله؛ لأن ظلم الإنسان نفسه في حق الله تحت المشيئة؛ إذا كان دون الشرك غفر له إن شاء وإن شاء عاقبه عليه، لكن حق الآدميين ليس داخلاً تحت المشيئة؛ لا بد من أن يُوفَّى، ولهذا قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! قال: المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة، فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار) .
فنصيحتي لهؤلاء الإخوة الذين يفرطون في حقوق أزواجهم سواءً كانوا من الملتزمين أو من غيرهم أن يتقوا الله ، فإن النبي ﷺ أوصى بذلك في أكبر مجمع شهده العالم الإسلامي في حياة الرسول ﷺ في يوم عرفة في حجة الوداع، قال: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) ، فأمرنا أن نتقي الله في النساء، وقال ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم) أي: بمنزلة الأسرى؛ لأن الأسير إن شاء فكه الذي أسره وإن شاء أبقاه، والمرأة عند زوجها كذلك؛ إن شاء طلقها وإن شاء أبقاها، فهي بمنزلة الأسير عنده، فليتق الله فيها! كذلك أيضاً نجد بعض الناس يريد من أولاده أن يقوموا بحقه على التمام، لكنه مفرط في حقوقهم، فيريد من أولاده أن يبروه ويقوموا بحقه؛ أن يبروه بالمال وبالبدن وفي كل شيء يكون فيه البر، لكنه مضيع لهؤلاء الأولاد، غير قائمٍ بما يجب عليه نحوهم.
نقول: هذا مطفف كما قلنا في المسألة الأولى؛ مسألة الزوج مع زوجته: إنه إذا أراد منها أن تقوم بحقه كاملاً ويبخسها حقها نقول: إنه مطفف، وهذا الأب إذا أراد من أولاده أن يبروه تمام البر، وهو مقصر في حقوقهم، فنقول: إنه مطفف ونقول له: تذكر قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١-٣] .
стр. 1062
تفسير قوله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون)
قال الله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٤-٥] ألا يتيقن هؤلاء ويعلمون علم اليقين؟ فالظن هنا بمعنى اليقين؛ والظن بمعنى اليقين يأتي كثيراً في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦] أي: هم متيقنون أنهم ملاقو الله، وهنا يقول : ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:٤] ألا يتيقن هؤلاء أنهم مبعوثون؟ أي: مُخرجون من قبورهم لله رب العالمين.
стр. 1063
تفسير قوله تعالى: (ليوم عظيم)
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٥] هذا اليوم العظيم، ولا شك أنه عظيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] عظيم في طوله وأهواله؛ فيما يحدث فيه، وفي كل معنى تحمله كلمة عظيم، لكن هذا اليوم العظيم هو على قوم عسير، وعلى قوم يسير، قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:١٠] وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ، لكنه بالنسبة للمؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- يسير، كأنما يؤدون صلاة الفريضة من سهولته ويسره، لاسيما إذا كان المؤمن ممن يستحق هذه الوقاية العظيمة، وكان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، المهم أن هذا يوم عظيم، لكنه بالنسبة للمؤمن يكون يسيراً ويكون على الكافر عسيراً.
стр. 1064
تفسير قوله تعالى: (يوم يقوم الناس لرب العالمين)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ؛ يقومون من قبورهم حفاةً ليس لهم نعال ولا خفاف، عراة ليس عليهم ثياب؛ لا قمص ولا سراويل ولا أزر ولا أردية، غرلاً، أي: غير مختونين، بمعنى أن القلفة التي تقطع في الختان تعود يوم القيامة مع صاحبها، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ويعيده الله لبيان كمال قدرته تعالى، وأنه يُعيد الخلق كما بدأه.
والقلفة إنما قطعت في الدنيا من أجل النزاهة عن الأقذار؛ لأنها إن بقيت فإنه ينحبس فيها شيء من البول، وتكون عرضةً للتلويث، لكن هذا في الآخرة لا حاجة إليه؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف بل هي دار جزاء، إلا أن الله قد يكلف فيها امتحاناً، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] .
المهم أن الناس يقومون على هذا الوصف: (حفاةً عراةً غرلاً) وفي بعض الأحاديث: (بُهماً) قال العلماء: البُهم الذين لا مال لهم، ففي يوم القيامة لا مال يفدي به الإنسان نفسه من العذاب، وليس هناك ابن يفدي عن أبيه شيئاً، ولا أب يجزي عن ابنه شيئاً، ولا صاحب ولا خليل، كلٌ يقول: نفسي نفسي ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على أهواله وأن ييسره علينا.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] وهو الله جل وعلا، وفي هذا اليوم تتلاشى جميع الأملاك إلا مُلك رب العالمين جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٦-١٧] .
وإلى هنا ينتهي الكلام على هذه الآيات الكريمة من سورة المطففين.
стр. 1065
الأسئلة
стр. 1066
إمكان قضاء من تعجل في رمي الجمرات
فضيلة الشيخ: حاج تعجل ثم تبين له أن رميه في اليوم الثاني عشر كان خطأً، فرجع ليلاً ورمى، هل ينقض تعجله ورجوعه إلى منى ليلاً؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
هذا الرجل الذي تعجل وخرج من منى قبل غروب الشمس ثم بان له أن رميه كان فيه خطأ فعاد فقضاه لا ينقض قضاء ما فاته لتعجله، أي: أن له أن يرمي في الليل ثم يخرج من منى؛ لأن هذا الرمي كان قضاءً لما فات، والله يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] ، وهذا الرمي الذي حصل منه في الليل بعد الغروب إنما هو قضاء وليس أداءً، فليس عليه شيء إذا رمى في الليل ثم انصرف.
أما لو أخر الرمي يوم الثاني عشر إلى الليل، فإنه يبقى في تلك الليلة ليبيت في منى ثم يرمي الجمرات في اليوم الثالث عشر.
стр. 1067
تغيير المنكر باليد
فضيلة الشيخ: تزوج قريبٌ لي قبل خمس عشرة سنة؛ قام خلال زواجه بالتقاط صور له ولعروسه وأهله وحضور الزفاف بواسطة آلة تصوير، ثم سافر بعروسه إلى ليبيا حيث يعمل هناك، وكان قد كلفني بطبع الصور وإرسالها له، ولما فعلت عادت إليَّ الصور بسبب تغيير في عنوانه، ولما كنت قد طمست كل الصور التي معي بعد أن هداني الله، فهل أحتفظ بصوره كأمانة عندي إلى حين ألقاه فأنصحه، أم أطمسها؟
قال الله في الكتاب العزيز: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وأرى أنه يجب عليك طمسها؛ لأنك قادر على التغيير بيدك.
إذاً عليك أن تطمسها، وتبين له أن ذلك منكر، وأنه يجب طمسها لحديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لـ أبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) ، اللهم إلا أن تخشى أن يترتب على ذلك مفسدة كبيرة، بحيث يجرك إلى المحاكم أو غير ذلك من الأشياء التي تضرك، فلا حرج عليك في هذه الحال أن ترسلها إليه فوراً ولا تبقيها عندك.
стр. 1068
تغليظ الشارع في تحريم الربا
فضيلة الشيخ: شخص اضطر لأخذ الفوائد الربوية يقول: أليس الأفضل أن آخذها وأجعلها في بناء المساجد أو للفقراء بدلاً من أن يستفيد منها أعداء الإسلام؟
الواقع أن هذا السؤال سؤال مهم لشدة الحاجة إلى معرفة الجواب المبني على الكتاب والسنة لا على استحسان العقل، ونحن إذا بنينا جواب هذا السؤال على الكتاب والسنة تبين لنا أنه لا يحل لهذا أن يأخذ هذا الربا؛ لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨-٢٧٩] فهنا بين الله أن الإنسان إذا تاب فليس له إلا رأس ماله فقط، لا يظلم ولا يُظلم.
وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فقال: (ألا وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول رباً أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) ، فأنت ترى في هذا الحديث أن الرسول وضع الربا الذي كان معقوداً في الجاهلية قبل تقرر الأحكام في الإسلام، فما بالك بربا حصل بعد تقرر الأحكام في الإسلام؟! وعلى هذا نقول: لا يجوز للشخص أن يأخذ الربا من البنوك مهما كانت هذه البنوك، ثم نقول: لو فرضنا صدق ما قيل من أن هذه الفوائد ترسل إلى الكنائس وإلى محاربة المسلمين فإنه لا إثم عليه في ذلك، لماذا؟ لأن هذه الفوائد ليس فوائد ماله، إذ من الممكن أن يكون ماله الذي أعطاه هذا البنك تصرف فيه البنك تصرفاً خسر فيه أو تصرفاً لم يربح فيه، أو تصرفاً ربح فيه دونما وضع من الربا، فالقول: إن هذه فوائد ماله ليس بصحيح، هذه ليست فوائد ماله، هذه ربا يعطيها البنك من أعطاه هذا المال ينتفع به، وإذا لم تكن ثمرات ماله فليس عليه من إثمه نصيب فيما لو صُرفت إلى بناء الكنائس أو إلى سلاح يصوب إلى صدور المسلمين.
ثم نقول: إننا إذا منعنا هذا الربا وقد يكون أموالاً طائلة -قد يكون ملايين- إذا منعناه وقلنا للمسلمين: أيها المسلمون، إنكم بإيمانكم وإسلامكم لا يحل لكم أن تأخذوا الربا فسوف يضطر المسلمون إلى أن يبحثوا عن مصارف إسلامية وبنوك إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية؛ لأن الأزمات والحاجات والضرورات لا بد أن تبرز شيئاً ما، فإذا قيل للناس: هذا الربا الذي تدَّعون أنه فوائد لا يحل لكم، وأنتم إذا أخذتموه فقد أكلتم الربا حين أكلتموه، وإن تصدقتم به تقرباً إلى الله لم يقبل منكم وإن تصدقتم به تخلصاً منه، فما الفائدة من أن يلوث الإنسان يده بالنجاسة ثم يذهب ليغسلها.
فنقول: إن مُنع هذا، فإنه لا شك أنه سيكون سبباً لكون الناس يبحثون عن مصادر إسلامية، ويُكَوَّنون بنوكاً إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية.
ثم إننا نقول: لا شك أن علماء اليهود والنصارى يعلمون أن الربا محرم عليهم، فإن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:١٦١] فهم يعلمون هذا في كتبهم، ويعلمون كذلك أن المسلمين قد نهوا عنه، فيفرح أعداء المسلمين إذا رأوا أن المسلمين استحلوا الربا وأخذوه، ويعلمون أن المعاصي من أسباب الخذلان، فيرون أن أخذ المسلمين لهذه الأموال الربوية سهام صوبها المسلمون نحو صدورهم؛ لأن المعاصي سبب للخذلان، ولا يخفى علينا جميعاً ما وقع لرسول الله ﷺ وأصحابه، وهم والله أعظم جند على وجه الأرض منذ خُلق آدم وقد كانوا تحت قيادة أعظم قائد من بني آدم، ومع ذلك حصلت عليهم الهزيمة لمعصية واحدة: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] حصلت الهزيمة.
فإذا كانت معصية واحدة وهي دون الربا حصل فيها الخذلان فما بالك بالربا الذي جاء فيه من الوعيد ما لم يأتِ على أي معصية كانت إلا الشرك، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فكيف نستحل الربا؟! فهؤلاء إذا علموا أننا استحللنا الربا لا شك أنهم يفرحون بهذا، ويقولون: الآن فعل المسلمون ما به خذلانهم، والواقع شاهد بهذا؛ فالمسلمون يمثلون اليوم جزءاً كبيراً من البشرية، ومع هذا تُقَطَّع أوصالهم قَطْعاً وهم يشاهدون، لم يستطيعوا أن يرفعوا رأساً بذلك، فهذه البوسنة والهرسك جمهورية إسلامية مستقلة معترف بها دولياً تمزق؛ يقتّل أبناؤها، وتنتهك أعراض نسائها، ويُيَتم أطفالها، والمسلمون لم يحركوا لذلك ساكناً! ولا يخفى علينا الوثيقة السرية التي عثر عليها الإخوة في البوسنة والهرسك الصادرة من رئيس وزراء بريطانيا إلى وزير خارجيته، حيث يقول: إن المسلمين لا يمكن أن يتحركوا تحركاً تستفيد منه البوسنة والهرسك؛ لأنهم تحت إمرتنا.
أو كلمة نحوها.
ويقول: إننا سنمانع بشدة أن تقوم جمهورية إسلامية في أوروبا، ونمانع بشدة أن نعطي المسلمين سلاحاً يدافعون به عن أنفسهم، وهذا تحدٍّ للشعور الإسلامي، لكن لماذا؟ لأن المسلمين مع الأسف عندهم من العصيان ما يوجب الخذلان والانكسار، نسأل الله العافية.
فلهذا نقول: إن هذه الأموال الربوية التي يقال عنها: إنها فوائد، هي والله خسائر، ولا يجوز أخذها بأي حالٍ من الأحوال، فأنتم أيها المسلمون! إذا شئتم التخلص من هذا الإثم اتركوا الربا، أنشئوا بنوكاً إسلامية تسير على نهج الله؛ على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبذلك تسلموا، لكن لو فرض أن البنك أصر على أخذ هذه الأموال الربوية كما يوجد في بعض البنوك؛ فبعض البنوك تقول: لا يمكن أن أقبل منك رد هذا الشيء؛ لأن هذا يخل بحساباتي فهنا تأخذها؛ لأنك مرغم عليها، ثم تتصدق بها تخلصاً منها لا تقرباً إلى الله بها.
стр. 1069
حكم الخروج عن بيعة ولي الأمر والقدح في العلماء
هناك أمر بدأ ينتشر بين كثير من الشباب ألا وهو يتمثل في أمرين: عدم البيعة لولي الأمر، ثم أيضاً يترتب على هذا أمر ثانٍ ألا وهو القدح في هيئة كبار العلماء، وأن هيئة كبار العلماء تتكلم وفق ظروف خاصة ومعطيات معينة، وأن علماءنا لم يتكلموا إلا وفق مدركات وظروف تحتم عليهم المجاملة وغيرها من الطعن الصريح الذي نسمعه في هيئة كبار العلماء، فما توجيهكم لهؤلاء الشباب؟
توجيهنا لهؤلاء الشباب أن يتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم من شباب الصحوة، وأن يعلموا أنه (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية) وأن يعلموا أن شق عصا المسلمين من أعظم المنكرات، ويترتب عليه أعظم المفاسد، ثم إذا كانوا هنا في المملكة العربية السعودية فليشكروا الله على هذه النعمة؛ البلاد آمنة والحمد لله مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فإذا حصلت الفوضى لا قدر الله زال هذا الأمن، وزال هذا العيش الرغيد، وأتت فتن وشرور متلاحقة متلاحمة لا يعلم مداها إلا الله، وليسأل هؤلاء الصغار كبارهم: ماذا كانت عليه البلاد قبل توحيدها وقبل اطمئنان أهلها؟ الجواب: لا يستطيع الإنسان أن يخرج من قريةٍ إلى قرية إلا بسلاح ومع ذلك هو خائف حتى في فراشه إذا نام.
فأنصح هؤلاء الشباب بألا يزيلوا هذه النعمة بما يحدث من تصرفاتهم الهوجاء.
أما طعنهم في هيئة كبار العلماء فهو طعنٌ مبنيٌ على عاصفة ولا أقول على عاطفة، وإن شئت قلت: على عاطفة لكنها عاصفة بواقع، نشأت من كلمات يسمعونها من بعض الناس تثيرهم وتهيجهم، وكذلك يسمعونها من بعضهم البعض فيثور بعضهم بسببها؛ هيئة كبار العلماء والحمد لله نقموا منها أنها أذنت للدولة بالاستعانة بالكفار في أزمة الخليج، وتكلم بعض الناس وقال: إن هذه الأزمة مفتعلة، وأن المقصود بها احتلال البلاد من الكفار وما أشبه ذلك، ورسموا خرائط ورسومات ووزعوها في أيدي الشباب وتبين خطأ هذا الشيء تماماً، وتبين والحمد لله ما حصل من درء الفتنة التي أرادها من أرادها من حكام العراق، وتبين أيضاً ما عند العراق من الأسلحة العظيمة التي يتعجب الإنسان كيف اقتنى هذه الأسلحة، وتبين أن هناك إرادة سيئة والله أعلم بها، فصار والحمد لله الخير فيما وقع.
نقموا من هيئة كبار العلماء البيان الأخير الذي صدر منهم بسبب تكوين لجنة لحقوق الإنسان أو للحقوق الشرعية أو لدفع الظلم أو ما أشبه ذلك، والواقع أن هيئة كبار العلماء لا تنكر أبداً إعانة المظلوم بل تؤيد إعانة المظلوم، وترى أن إعانة المظلوم فرض كفاية يجب على المسلمين أن يعينوه، وإذا لم يقم به من يكفي وجب على من قدر، وهذا أمرٌ مسلمٌ به ولا إشكال فيه، لكن الهيئة تنكر كونه على هذه الصفة، أي: تكوين لجنة للدفاع عن الحقوق الشرعية تحت ظل حكومةٍ شرعية، ومن المعلوم أن تكوين اللجان على هذا الوجه لا يكون تحت حكومة شرعية إلا بإذن هذه الحكومة، أرأيت لو أن رجلاً وجد قريةً ليس فيها قاض، فقال: أنا أريد أن أكون قاضياً في هذا البلد؛ لأن البلد ليس فيها قاضٍ والناس محتاجون للحكم بينهم فسأكون قاضياً، هل يملك هذا؟ الجواب: لا.
لا يملك أن ينصب نفسه قاضياً في هذا البلد تحت ظل حكومةٍ شرعية إلا بإذن هذه الحكومة الشرعية باتفاق العلماء واتفاق المسلمين.
ثانياً: لو أنه أتى إلى قرية ليس فيها هيئة قائمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: هيا نكوِّن هيئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر تحت ظل حكومةٍ قائمة شرعية هل يمكن هذا؟ لا يمكن تكوين طائفة لحفظ الحقوق الشرعية أو الدفاع عن المظلوم على هذا الوجه بدون إذن الدولة، لا شك أنه غير شرعي وأنه افتيات على ولي الأمر، وأنه يؤدي إلى الفوضى، فإنه إذا كونت هذه اللجنة نفسها قام أناس من أهل البدع وقالوا: نريد أن تكون لنا لجنة، وقام أناس من الصحفيين ومن العلمانيين ومن غيرهم وقالوا: نريد أن نُكوِّن لجنة.
ثم نقول: ما هو الضابط للظلم؟ كل خصمين عند قاضي لا بد أن يكون أحدهما يدعي أنه مظلوم، معنى هذا أن كل مسألة أو قضية يحكم فيها القاضي بشيء ويقول المحكوم عليه: أنا مظلوم، يلجأ إلى هذه اللجنة، وتحصل فوضى وبلبلة بين الحكام القضاة وبين الناس، ثم إننا لا نأمن أن يقوم غداً النصارى وهم أقلية في بلادنا -والحمد لله- فيقولون: نحن لنا حق؛ لأن الحق الشرعي في نظر العالم غير الحق الشرعي في نظر هؤلاء الإخوة الذين كونوا لجنة؛ لأن هذه اللجنة ترى أن الحق الشرعي ما قام على الشرع؛ على الوحي الذي نزل على محمد ﵊، لكن العالم لا يفهم هذا؛ ويرى أن الحق الشرعي ما حكم به نظاماً أو شرعاً إلهياً، حتى الأنظمة والقوانين عندهم شرعية، فيأتي مثل هذا النصراني ويقول: إن لي الحق في أن أقيم كنيسة، فيرفع الأمر إلى هذه اللجنة، وهذه اللجنة الآن لا ترى هذا الحق وترى أنه لا يمكن إقامة الكنائس في بلاد المسلمين، لكن يأتي خلفها لجنة مبنية على هذه اللجنة ولو على المدى الذي يكون بعيد المنظار فتوافق وتقول: نعم هذا حق شرعي، ويأتي أهل البدع ويقولون: لنا حق أن نعلن بدعنا، كما أن أهل السنة لهم حق أن يعلنوا سنتهم؛ نحن مسلمون وهم مسلمون، أيُّ فرق بين أن نعلن بدعتنا وأن يعلنوا هؤلاء سنتهم؟ ثم إنهم -أعني الإخوة الذين نصبوا أنفسهم هذا المنصب- كتب بعضهم عنوان هاتفه، فمن يأمن أن يأتي أناس مغرضون يريدون القدح في هذه الأمة السعودية وكل ساعة يتصلون عليه أنا مظلوم بكذا وكذا في قضية مفتعلة من أجل أن تكثر الطلبات عند هذه اللجنة في نصر المظلوم، فيتكون عندهم آلاف المسائل المفترضة المفتعلة وليس هناك شيء، لكن من أجل التشويه الإعلامي العالمي أو الداخلي.
ثم إننا نقول: ما الموجب لتكوين هذه اللجنة وفي البلد مكاتب للمحاماة مفتوحة بإذن الدولة ألا يُكتفى بهذا؟ إنك إذا سمعت تكوين هذه اللجنة ستقول: ربع المملكة مظلوم على الأقل، مع أن المملكة تقدر بإثني عشر مليوناً وأنا أقول: اجعلوها ثمانية ملايين، أي: نزل الثلث، ثمانية ملايين نسمة، لو أنك تريد أن تثبت ألف قضية فيها ظلم محقق أصر على بقائه ولم يحاول إزالة هذا الظلم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وألف قضية من ثمانية ملايين ليست بشيء، لكن لسنا نقول: هذه المملكة ربعها مظلوم ظلماً يحتاج إلى تكوين لجان للدفاع عنهم.
لذلك أقول: إن هيئة كبار العلماء لا يقولون: إن نصر المظلوم غير شرعي، ولا أن الدفاع عن الحقوق الشرعية غير شرعي، بل يرون هذا من الشرع وأنه فرض كفاية، لكن تكوين لجنة تحت ظل حكومةٍ شرعية بدون مراجعة في هذه الحكومة هو الخطأ، وهو الذي سيفتح باب شرٍ كبير، ولهذا رجع الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عن هذه اللجنة وتبرأ من الانضمام إليها؛ لأنه عرف ما ينتج عنها من المسائل أو من الأضرار التي تكون قريبةً أو بعيدة، فنصيحتي لهؤلاء القوم الذين أشرت إليهم أن يتقوا الله وألا يموتوا ميتةً جاهلية فيلقون الله وهم على جاهليتهم، بل يجب عليهم الرجوع إلى الحق واعتقاد أن لولي أمر المسلمين في هذه البلاد بيعةً صحيحةً شرعيةً بايعه عليها أهل الحل والعقد، ومن المعلوم أن البيعة لا يشترط فيها أن يبايع كل إنسان حتى الطفل والعجوز في مخدعها، أبداً.
إذا بايعها أهل الحل والعقد ثبتت البيعة، فـ أبو بكر هل بايعه الناس كلهم في مكة والمدينة والطائف.
وغيرها من البلاد؟ لا.
لم يبايعوه إلا أهل الحل والعقد، وكذلك عثمان.
كانت البيعة في أصحاب الشورى الستة، وكذلك علي بن أبي طالب.
، فلا يشترط في البيعة أن يبايع كل إنسان، ولم يقل بهذا أحد من الناس، وأهل الحل والعقد في هذه البلاد بايعوا لولي الأمر هنا في البلاد، فثبتت بيعته شرعاً، ومن مات على غير بيعته فإن ميتته ميتة جاهلية، وإذا كان عند هؤلاء الإخوة شكٌ في الأمر فنحن مستعدون لأن يحضروا إلينا ونناقشهم في هذا الأمر رأفةً بهم وإحساناً إليهم؛ لئلا يموتوا ميتةً جاهلية، ولئلا يحدثوا في هذه البلاد فتناً لا يعلم مداها إلا الله .
أما هيئة كبار العلماء فقد علمت الآن وجه ما نشروه من البيان، وإن كان البيان -في الواقع- مقتضباً؛ لأنهم لم يحبوا أن يطيلوا في الكلام وأخذوا بالزبدة فقط، ولكن وجه المنع ليس من أجل أن العلماء يعارضون نصر المظلوم أو يعارضون الدفاع عن الحقوق الشرعية، لكن يعارضون الكيفية التي صار بها هذا الشيء.
стр. 1070
حكم بيعة أمراء الجماعات الإسلامية
فضيلة الشيخ: بالنظر إلى العالم الإسلامي اليوم نجد أن هناك كثيراً من الجماعات التي تدعو إلى الإسلام، وكل منهم يقول: أنا على منهج السلف، ومعي الكتاب والسنّة، فما هو موقفنا نحو هذه الجماعات، وما حكم إعطاء البيعة لأمير من أمراء هذه الجماعات؟
الحكم في هذه الجماعات التي تدعي كل طائفة منها أنها على الحق سهل جداً، فإنا نسألهم: ما هو الحق؟ الحق ما دل عليه الكتاب والسنة، والرجوع إلى الكتاب والسنة يحسم النزاع لمن كان مؤمناً، أما من اتبع هواه فلا ينفع فيه شيء، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] .
فنقول لهذه الجماعات: اجتمعوا ولينزع كل واحد منكم هواه الذي في نفسه، ولينو النية الحسنة أنه سيأخذ بما دلَّ عليه القرآن والسنة مبنياً على التجرد من الهوى، لا مبنياً على التقليد أو التعصب؛ لأن فهم الإنسان للقرآن والسنة على حسب ما عنده من العقيدة والرأي لا يفيده شيئاً؛ لأنه سوف يرجع إلى عقيدته.
ولهذا قال العلماء كلمة طيبة، قالوا: يجب على الإنسان أن يستدل ثم يبني، لا أن يبني ثم يستدل؛ لأن الدليل أصل والحكم فرع، فلا يمكن أن يُقلب الوضع ونجعل الحكم الذي هو الفرع أصلاً، والأصل الذي هو الدليل فرعاً.
ثم إن الإنسان إذا اعتقد قبل أن يستدل ولم تكن عنده النية الحسنة صار يلوي أعناق النصوص من الكتاب والسنة إلى ما يعتقده هو، وحصل بذلك البقاء على هواه، ولم يتبع الهدى.
فنقول لهذه الطوائف التي تدعي كل واحدة منها أنها على الحق: تفضل.
ائت بنية حسنة مجردة عن الهوى والتعصب وهذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله ﷺ ، ولولا أن فيهما حل النزاع ما أحال الله عليهما، فإن الله لا يحيل على شيء إلا والمصلحة فيه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] لكن البلاء الذي يحصل من عدم الاتفاق على الكتاب والسنة بسبب -فقط- الشرط الذي في الآية: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] فإن بعض الناس قد يرجع إلى الكتاب والسنة لا عن إيمان، ولكن عن هوىً وتعصب لا يتزحزح عنه، فهذا ليس فيه فائدة.
ولكن على من هم على الكتاب والسنة، أن يستعينوا بالله على هذه الطوائف وسيتبين الحق من الباطل، فقد قال الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] .
أما بالنسبة لإعطاء البيعة لرجل فهذا لا يجوز؛ لأن البيعة للولي العام على البلد، وإذا أردنا أن نقول: إن كل إنسان له بيعة تفرقت الأمة، وأصبح البلد الذي فيه مائة حي من الأحياء له مائة إمام ومائة ولاية وهذا هو التفرق، فما دام في البلد حكم شرعي فإنه لا يجوز إعطاء البيعة لأي أحد من الناس.
أما إذا كان الحاكم لا يحكم بما أنزل الله، فإن هذا له أحوال قد يكون هذا كفراً، وقد يكون ظلماً، وقد يكون فسقاً بحسب ما تقتضيه النصوص الشرعية، وعلينا إذا كان هذا الحاكم مصراً على كفر بواح عندنا فيه من الله برهان أن نسعى لإزالته ما استطعنا، لكن ليس علينا أن نقوم في وجهه، وليس معناه الخروج بالقوة؛ لأن هذا تهور مخالف للشرع وللحكمة، ولهذا لم يُؤمر النبي ﷺ بالجهاد في مكة؛ لأنه ليس معه قوة يستطيع بها أن يخرج هؤلاء من مكة أو يقتلهم، فكون هؤلاء النفر القليل الذين هم عزّل من السلاح المقابل لسلاح الحكومة يقومون على الحكومة لا شك أن هذا تهور مخالف للحكمة.
إذا رأيت كفراً بواحاً عندك فيه من الله برهان فانتظر الشرط الخامس وهو القدرة؛ لأن النبي ﷺ لم يأذن بالخروج على الأئمة إلا بشروط وهي: أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، فشرط الوجوب أن يكون لدينا القدرة على إزالة هذا الحاكم وحكومته، أما بلا قدرة فالإنسان يجب عليه أن ينتظر الفرج من الله وألا يناهض من يقضي عليه وعلى طائفته وعلى الآخرين.
وقوله: (أن تروا) أي: أنتم بأنفسكم فلا يكفي النقل؛ لأنه قد ينقل الشيء على غير وجهه، وقوله: (كفراً) يعني: لا فسقاً، فالحاكم لا يجوز الخروج عليه لو فسق بأكبر الفسوق ما عدا الكفر، يعني: لو كان يزني أو يشرب الخمر أو يقتل بغير حق لا استحلالاً ولكن ظلماً، فإنه لا يجوز أن نخرج عليه، وقوله: (بواحاً) أي: صريحاً لا يحتمل التأويل، أما الكفر الذي يحتمل التأويل فقد يكون هذا الحاكم فيه متأولاً.
وقوله: (فيه من الله برهان) يعني: عندنا دليل من الكتاب والسنة دون الأقيسة التي قد تخطئ وتصيب.
هذه أربعة شروط، والشرط الخامس لوجوب الخروج عليه: القدرة، وهذا الشرط -أعني القدرة- شرط في كل واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ولقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
فهؤلاء الإخوة الذين يريدون أن يكوِّنوا طوائف لكل طائفة أمير بناءً على أن الحاكم عندهم ليس حاكماً شرعياً في نظرهم، نقول لهم: لا يجوز لكم تفتيت الأمة بأن يكون لكل طائفة أمير، هذا خطأ عظيم، وقد أخبر الله نبيه ﷺ أنه ليس من هؤلاء في شيء، لكن عليهم أن يعدوا أنفسهم لإزالة هذا الحاكم الذي انطبقت عليه شروط جواز الخروج على الحاكم حتى يقويهم ويعينهم على إزالته.
стр. 1071
حكم من جاوز الميقات وأحرم من مقر إقامة أهله
فضيلة الشيخ: رجل سافر من القصيم إلى جدة لزيارة أهله وهو من أهل جدة وقد نوى الاعتمار في هذا السفر، فهل يجوز له أن يؤخر إحرامه حتى يصل إلى أهله؟ الشيخ: الرجل الذي أهله في جدة أنشأ السفر لأجل زيارة أهله سواء اعتمر أم لم يعتمر لكن يقول: سأعتمر إذا بقيت أسبوعاً أو شهراً أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجب عليه أن يحرم من الميقات، كما أن الرجل من أهل مكة لو أنه سافر من القصيم إلى مكة ذهب إلى أهله وهو يريد أن يحج هذا العام، فإننا لا نلزمه أن يحرم إذا مر بالميقات؛ لأن هذا الرجل ذاهب إلى أهله، وكذلك المسألة الأولى الذي ذهب إلى أهله في جدة.
أما الذي من أهل الرياض فهو في جدة مسافر غير مستوطن، فإذا ذهب إلى جدة لغرض شغل أو زيارة أو تجارة أو وظيفة وهو يريد أن يعتمر في هذا السفر، فهذا السفر كان للأمرين، فإننا نقول: لا تتجاوز الميقات حتى تحرم؛ لأنك مسافر حتى وأنت في جدة.
السائل: وإذا كان متزوجاً ويسكن مع زوجته وأولاده في الرياض وأمه وأبوه في جدة فما الحكم؟ الشيخ: هذا إذا جاء إلى جدة فهو مسافر، فهنا إذا أراد أن يذهب إلى أهله للزيارة وهو يريد أن يعتمر نقول: لا بد أن تحرم من الميقات؛ لأن وطنه الرياض.
أما جدة فهي وطن أبيه وأمه، ولهذا لو كان في رمضان فله أن يفطر إذا سافر إلى مقر أبيه وأمه وهو ساكن في بلد آخر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1072
لقاء الباب المفتوح [٢٨]
يتحدث الله في هذه الآيات عن الفجار، وأن مصيرهم يوم القيامة في نار جهنم بل في سجين وهو أسفلها، وكان هذا جزاؤهم، لأنهم كذبوا بذلك اليوم ووصفوه بأنه أساطير الأولين، فكان الجزاء من جنس العمل.
стр. 1073
تفسير آيات من سورة المطففين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: في هذا اليوم الخميس الحادي عشر من شهر المحرم عام (١٤١٤هـ) نفتتح اللقاء الثاني في هذا الشهر، ونسأل الله أن يجعله كاللقاءات السابقة لقاء خيرٍ وبركة وعلم نافع.
وإننا رأينا أن يستمر هذا اللقاء على الرغم من أن هذا الأسبوع هو أسبوع امتحانات، وقد يشتغل فيه كل من المدرسين والطلبة، لكننا نحب أن الإنسان إذا عمل عملاً أثبته، كما هي سنة الرسول ﷺ ؛ فإن النبي ﷺ كان من هديه أنه إذا عمل عملاً أثبته واستمر فيه، إلا لوجود مانع شرعي، ولهذا قال النبي ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قَل) .
стр. 1074
تفسير قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار)
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:٧-٨] .
(كلا) إذا وردت في القرآن لها معانٍ حسب السياق؛ قد تكون حرف ردع وزجر، وقد تكون بمعنى: حقاً، وقد يكون لها معانٍ أخرى يدل عليها السياق؛ لأن الكلمات في اللغة العربية ليس لها معنىً ذاتياً لا تتجاوزه، بل كثير من الكلمات العربية لها معانٍ تختلف بحسب سياق الكلام.
في هذه الآية يقول تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:٧-٨] فتحتمل أن تكون بمعنى: حقاً إن كتاب الفجار لفي سجين، أو تكون بمعنى الردع عن التكذيب بيوم الدين، وعلى كل حال بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن كتاب الفجار لفي سجين، والسجين قال العلماء: إنه مأخوذ من السجن وهو الضيق؛ أي: في مكان ضيق.
وهذا المكان الضيق هو نار جهنم -والعياذ بالله- كما قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٣-١٤] ، وجاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في قصة المحتضر وما يكون بعد الموت أن الله يقول: (اكتبوا كتاب عبدي في سجين) أي: الكافر في الأرض السابعة السفلى، فسجين هو أسفل ما يكون من الأرض الذي هو مقر النار نعوذ بالله منها؛ فهذا الكتاب في سجين.
ثم عظم الله هذا السجين بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:٨] فالاستفهام هنا للتعظيم، أي: ما الذي أعلمك بسجين؟ وهل بحثت عنه؟ وهل سألت عنه حتى بُين لك؟ والتعظيم قد يكون لعظمة الشيء رفعة، وقد يكون لعظمة الشيء نزولاً، وهذا التعظيم في سجين ليس لرفعته وعلوه، ولكنه لسفوله ونزوله.
ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] (كتاب) لا يعود على سجين، وإنما يعود على كتاب في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين:٧] فما هذا الكتاب؟ قال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] أي: مكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا يبدل ولا يُغير، بل هذا مآلهم ومقرهم -والعياذ بالله- أبد الآبدين.
стр. 1075
تفسير قوله تعالى: (ويل يومئذٍ للمكذبين)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين:١٠] (ويلٌ) سبق الكلام عنها في أول هذه السورة، وقلنا: إنها كلمة وعيد؛ يتوعد الله بها من يستحق الوعيد، وهي كثيرة في القرآن الكريم، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين:١١] والكلام كله من أول السورة إلى آخرها في يوم الدين والجزاء، وهؤلاء الذين يكذبون بيوم الدين توعدهم الله بالويل؛ لأن هؤلاء المكذبين بيوم الدين لا يمكن أن يستقيموا على شرع الله؛ لأنه لا يستقيم على شريعة الله إلا من آمن بيوم الدين؛ لأن من لم يؤمن به وإنما آمن في الحياة الدنيا فقط فهو لا يهتم بما وراءها، ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] .
ولهذا الله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر دائماً؛ لأن الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخر انتهاء، فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخر الذي هو المقر.
فهؤلاء -والعياذ بالله- كذبوا بيوم الدين، ومن كذب به لا يمكن أن يعمل له أبداً؛ لأن العمل مبني على عقيدة، فإن لم تكن لك عقيدة فكيف تعمل؟! ولهذا قال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين:١٢] أي: ما يكذب بيوم الدين وينكره إلا كل معتدٍ أثيم، أي معتدٍ في أفعاله أثيم في أقواله، وقيل: معتدٍ في أفعاله أثيم في كسبه، أي: أن مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان، المهم أنه لا يمكن أن يكذّب بيوم الدين إلا رجل معتدٍ أثيم، آثم كاسب للآثام التي تؤدي به إلى نار جهنم نعوذ بالله.
قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:١٣] (إذا تتلى عليه) يعني: إذا تلاها عليه أحد، وهو يدل على أن هذا الرجل لا يفكر أن يتلو آيات الله، ولكنها تتلى عليه، فإذا تليت عليه قال: (أساطير الأولين) أي: هذه أساطير الأولين.
وأساطير: جمع أسطورة، وهي الكلام الذي يقال للتسلي، ولا حقيقة له ولا أصل، فيقول: هذا القرآن أساطير الأولين! لماذا لا ينتفع بالقرآن وهو أبلغ الكلام وأشده تأثيراً على القلب؟! حتى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] .
ونكتفي بهذا القدر من الكلام على تفسير آيات هذه السورة.
стр. 1076
الأسئلة
.
стр. 1077
حكم تأخير المغرب والعشاء إلى بعد منتصف الليل يوم الإفاضة
فضيلة الشيخ: في الإفاضة إلى المزدلفة يأتي بعض الناس متأخرين جداً، وربما إلى قبيل منتصف الليل، فيصلون المغرب والعشاء، فهل صلاة المغرب هنا في وقتها أي: صار وقت العشاء وقتاً لصلاة المغرب؟
نعم.
الذين يأتون من عرفة إلى مزدلفة ولا يصلون إلى مزدلفة إلا متأخرين يجمعون جمع تأخير، فإنه ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ ﴿أنه نزل في أثناء الطريق في مزدلفة فبال وتوضأ، وكان معه أسامة بن زيد فقال: يا رسول الله: الصلاة، قال: الصلاة أمامك ثم بقي إلى أن وصل إلى مزدلفة وصلى المغرب والعشاء جمع تأخير) ، لكن لو فرضنا أنه خشي أن ينتصف الليل قبل أن يصل إلى مزدلفة ففي هذه الحال يجب أن يصلي، ولا يجوز أن يؤخر صلاة العشاء أو المغرب إلى ما بعد منتصف الليل.
стр. 1078
رد شبهة من رد السنة لوجود أحاديث ضعيفة وموضوعة فيها
فضيلة الشيخ: ما هو الرد على من يقول: إن السنة ليست بحجة؛ وذلك لورود الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، فلو كانت حجةٌ مثل القرآن لحفظها الله ؟
من قال: إن السنة ليست بحجة، وأراد بالسنة كل ما يُنسب إلى الرسول ﷺ من صحيح وحسن وضعيف، فهذا له وجه، ويرد عليه من وجه آخر.
فيقال له: إطلاقك أن السنة ليست بحجة خطأ فيجب التفصيل، فيقال: ما نسب إلى الرسول ﷺ وليس بصحيح فإنه لا ينسب إليه أصلاً، ولا يصح أن نقول: هو من السنة أو ليس من السنة، بل ساقط من الأصل؛ فلا يصح إطلاق السنة عليه.
وأما ما صح عن رسول الله ﷺ فإنه حجة بلا شك، ولو لم يكن حجة لبطلت أكثر الشريعة؛ لأن أكثر الشريعة ثبتت بالسنة.
والسنة كما تعلم إما أن تكون ابتداءً، وإما تفسيراً للقرآن، وإما تفصيلاً لمجمله، وإما تقييداً لمطلقه، وإما تخصيصاً لعامه؛ فهي حجة بلا شك، وقد قال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن:٢٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، والآيات في هذا كثيرة، فمن أنكر العمل بالسنة فقد أنكر العمل بالقرآن ولا شك؛ لأن القرآن دل على أن السنة التي جاء بها الرسول ﷺ وصحت إليه هي من شرع الله، فعلى هذا القائل الذي أطلق هذا القول أن يصحح قوله وأن يقول: ما ينسب إلى الرسول فهو ينقسم إلى قسمين: ١- قسم ليس بسنة فلا يكون حجة.
٢- وقسم هو سنة فيكون حجة.
وأما قوله: لو كانت حجة لحفظها الله؛ لأنها من دين الله، فيقال: نعم.
هذا صحيح، والله تعالى قد حفظها ولله الحمد، فقيض الله من هذه الأمة أئمة وعلماء يميزون الصحيح من الضعيف، كما يميز الطبيب المرض المهلك من غير المهلك، وكما يُميز الرجل السليم من غير السليم؛ فقد ميزوها ومحصوها وبينوا الصحيح من الضعيف، واستقامت السنة ولله الحمد؛ وما زالت مستقيمة، ومن الكتب ما اتفق العلماء على ما فيه، مثل: صحيح البخاري وصحيح مسلم؛ فإن ما فيهما صحيح، حتى أطلق العلماء على أن ما فيهما يفيد العلم ليس الظن فقط؛ لأن الأمة تلقتهما بالقبول، ومُحال أن تتفق هذه الأمة الإسلامية على باطل.
стр. 1079
مفهوم هجر القرآن
فضيلة الشيخ: إذا استمر الإنسان في حفظ القرآن وترك القراءة بالنظر، هل يعتبر هاجراً للقرآن، وما هو مفهوم هجر القرآن؟
إذا منَّ الله على الإنسان بحفظ القرآن عن ظهر قلب واقتصر في قراءته على ذلك فإن هذا خير، وقد كان أكثر الصحابة ﵃ يعتمدون على الحفظ في الصدور؛ لأن كثيراً منهم كان لا يكتب، والنبي ﷺ نفسه اعتمد في حفظ القرآن على حفظ القلب، فهو لا يكتب ﵊، ولا يقرأ من كتاب، ولهذا نقول: إن من حفظ القرآن عن ظهر قلب وصار لا يقرأ إلا عن ظهر قلب فإنه ليس بهاجر للقرآن، بل هو حافظ للقرآن ملازم له.
وأما مفهوم هجر القرآن فهو نوعان: ١- هجر لتلاوته.
٢- هجر للعمل به.
والثاني أشد وأعظم؛ لأن الاستكبار عن العمل بما في القرآن قد يكون كفراً، أما هجر التلاوة فإنه لا يمكن لأي أحد من المسلمين أن يهجر تلاوة القرآن أبداً، حتى العجائز في بيوتهن لا يهجرن القرآن؛ لأنه ما من مسلم إلا ويقرأ الفاتحة وما تيسر من كتاب الله، وإذا قرأ الفاتحة -وهي أمُّ القرآن- وما تيسر فليس بهاجر للقرآن.
وعلى هذا نقول: هجر القرآن نوعان: الأول: هجر تلاوته، وهذا لا يُتصور من أحد من المسلمين، اللهم إلا من نشأ في بلاد بعيدة وصار لا يعرف حتى الفاتحة، وإلا فسوف يقرأ في الصلاة الفاتحة وما تيسر.
الثاني: هجر العمل به؛ وهذا هو الخطير، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] أي: يقرءونه ولا يعملون به، وهذا هو الخطر الذي يخشى على الأمة منه، ولقد قال الرسول ﷺ في وصف الخوارج: (إنهم يقرءون القرآن ولا يتجاوز حناجرهم) ؛ لأنهم لا يعملون به، وإن عملوا به ظاهراً لكن القلوب خراب منه.
стр. 1080
تحريم بخس الناس أشياءهم
فضيلة الشيخ: إن كثيراً من العمال الذين أتوا للخدمة في هذه البلاد يخالطوننا؛ يعملون معنا في المدارس والمساجد وكثيراً ما تُبخس حقوقهم، وقد تؤخر رواتبهم شهوراً كثيرة، حتى إن بعضهم أراد الحج في هذه السنة فأبى كفلاؤهم إلا أن يوقعوا على استلام رواتبهم لمدة عشرة أشهر أو يزيد، سؤالي هو: ماذا يجب علينا في إنكار هذا المنكر؟ وهل تبرأ ذممنا إذا أبلغنا المسئولين من قبل الحكومة عن ذلك؟
الواقع أن سؤال الأخ هذا سؤال مهم إذ يقع فيه من الكفلاء كثيرون، وما أكثر الشكاوي التي ترفع إلينا وإلى غيرنا في هذا الموضوع، والحقيقة أنها ظاهرة خطيرة يخشى معها أن نصاب بنقمة من الله تعم الصالح والطالح؛ لأن بخس الناس حقوقهم أمر خطير، فقد أرسل الله تعالى رسولاً من أجل إزالة هذا البخس، وهو شعيب ﵇: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٨٥] .
وبخس الناس أشياءهم فساد في الأرض؛ فساد يعم الصالح والطالح، فيجب علينا جميعاً نحو هذه المشكلة أمور: نصيحة الكفيل وتخويفه من الله، وأن يقال له: استمع إلى قول الرسول ﷺ فيما رواه عن ربه: (أن الله قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) .
فنناصح هذا الكفيل ونخوفه بالله ، فإن اتعظ بوازع الإيمان وواعظ القرآن فهذا ما نريد، وهو أحسن من أن يتعظ بردع السلطان، فإن لم يرتدع وأصر على بخس هذا العامل الفقير حقه، فإنه يجب علينا أن نرفع الأمر للمسئولين وأن ندلي بشكايتنا وشهادتنا.
لنا الحق أن نشكو هذا الكفيل الذي أضاع حق مكفوله؛ لأننا نخشى أن تعمنا عقوبة هذه المصائب، فنشكو ونشهد على أن هذا الكفيل أضاع حق هذا المسكين الذي ترك أهله ووطنه وأصحابه؛ ليعيش هو وأهله، ثم يأتي هذا الرجل الظالم فلا يوفيه حقه، وعلى الحكومة أن تردع مثل هذا الكفيل ردعاً زاجراً يزجره وأمثاله حتى لو باعت ممتلكاته لتُوفي هؤلاء الفقراء الذين أضاع حقوقهم؛ لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني وجب أن يقوى الرادع السلطاني؛ لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني تفلتت الأمور ولم تقض الحقوق.
فنصيحتي لهؤلاء الكفلاء أن يتقوا الله ، وأن يخشوا الله ﵎، وأن يعطوا هؤلاء حقوقهم، وما ندري فلعل يوماً من الأيام يأتي ويكون هذا الكفيل مثل هؤلاء مكفولاً؛ فإن الناس في بلادنا هذه قبل عشرات السنين كانوا يذهبون إلى الشام والعراق والهند يطلبون لقمة العيش؛ لأنهم فقراء، ولولا أن الله منَّ علينا بمنابع هذا البترول لكنا أسوأ حالاً منهم، فليتقوا الله ، وليعطوا هؤلاء حقوقهم قبل أن يموتوا؛ فتؤخذ حقوق هؤلاء من حسناتهم، فإن بقي من حسنات الكفلاء وإلا أخذ من سيئات المكفولين وطُرح عليهم ثم طُرحوا في النار والعياذ بالله، هذا كلام النبي ﷺ .
كما أني أنصح إخواني المواطنين المؤمنين الذين عندهم غيرة على إخوانهم وعلى بلادهم أن يناصحوا هؤلاء الكفلاء، فإن لم يفد فيهم النصح شيئاً فيرفعوا أمرهم إلى الحكومة، وليطلبوا من الحكومة بإلحاح أن يعاقبوا هؤلاء الكفلاء معاقبةً شديدة تردعهم وأمثالهم لئلا تحيط العقوبة بنا وبهم.
كما أن كثيراً من الكفلاء يغيبون عن المكاتب ويسافرون إلى غير بلدهم، وربما يختبئون في بيوتهم كما جرى لنا ذلك كثيراً؛ إذا أُعطينا رقم تليفون الكفيل واتصلنا به عدة مرات لا نجده، نعم ربما يختفون، ففي هذه الحال لا نتمكن من النصيحة.
فيجب أن نرفع الأمر إلى السلطة، والسلطة بنفسها تتقي الله وتعطي هؤلاء المظلومين حقوقهم وتنتقم من هذا الذي بخسهم حقهم وأضاعه.
стр. 1081
حكم من مات وكانت إحدى أسنانه من ذهب
فضيلة الشيخ: إذا توفي إنسان وكان أحد أسنانه من ذهب، هل يُترك هذا السن أو يُخلع؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم، وهل ورد نص في ذلك؟
أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة، اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزين بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس، أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلة خُلع؛ لأن دفنه مع الميت إضاعة مال، والرسول ﷺ (نهى عن إضاعة المال) وإن كان لا يمكن خلعه إلا بُمثلة بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه.
ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يعرّض له، وإلا فقد قال العلماء: إذا ظن أن الميت بلي حُفر القبر وأُخذ السنُّ؛ لأن بقاءه إضاعة مال، أما إذا كان الوارثون عقلاء مرشدين فهذا مالهم، لهم أن يسمحوا فيه ويبقى مع الميت ولا يحفر.
стр. 1082
تفسير حديث: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء)
فضيلة الشيخ: روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يدخل فقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام.
) والسؤال هو عن أسباب دخول الأغنياء الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، بينما نجد ولله الحمد الصحوة من الأغنياء بشكل واضح؛ يُسخِّرون أموالهم من أجل الدين فما توجيهكم لهذا الحديث؟
ظاهر الحديث أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام أو بمدة أخرى تتفاوت عن الخمسمائة عام، ولكن هذا فيما إذا تساوى المؤمن الغني والفقير؛ فإن الله يَجْبُرُ هذا الفقير الذي لم يتنعم في الدنيا بما تنعم به الغني فيقدمه على الغني في دخول الجنة، أما إذا كان الغني عنده من الأعمال الصالحة ما يفوق الفقير فالظاهر -والله أعلم- أن الغني يسبق الفقير بحسب سبقه للعمل الصالح، ويكون هذا الحديث مقيداً بما إذا تساوى الغني والفقير، أو يقال: إن هؤلاء يسبقون الأغنياء دخولاً ولكن الأغنياء إذا دخلوا الجنة صاروا في منازلهم التي يستحقونها، وكانوا فوق الفقراء إذا كانوا يستحقون منزلة فوق الفقراء والجنة درجات ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢] .
стр. 1083
حكم إفراد يوم عاشوراء بالصيام دون شفعه بآخر
فضيلة الشيخ: ما حكم صيام يوم عاشوراء فقط من غير صيام يوم قبله أو يوم بعده، وهو قادر على أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، لكن يشق عليه؟
الأفضل أن الإنسان يصوم التاسع والعاشر من شهر الله المحرم، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) لكنه قال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) أي: مع العاشر، وورد عنه ﷺ أنه قال: (خالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) وفي رواية: (يوماً قبله ويوماً بعده) لكن لا شك أن المخالفة تكون إذا صام الإنسان يوماً قبله أو يوماً بعده.
فالأفضل أن يصوم قبله يوماً أو بعده يوماً، وإن صام التاسع مع العاشر فهو أفضل من صوم الحادي عشر مع العاشر، وإن صام الأيام الثلاثة؛ التاسع والعاشر والحادي عشر حصل له أجر صيام ثلاثة أيام من الشهر؛ لأن الإنسان إذا صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كصيام الدهر، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وإن كان الأفضل في صيام الثلاثة أيام أن تكون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، لكن يجوز أن يُصام في غير هذه الأيام الثلاثة، فقد قالت عائشة: (كان النبي ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره) ، وإن اقتصر على صوم اليوم العاشر فقط حصل له الأجر، لكن ينقص أجره عمن صام اليوم التاسع معه أو الحادي عشر، وقد قال بعض العلماء: إن صيام عاشوراء على ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر.
والمرتبة الثانية: أن يصوم التاسع والعاشر.
والمرتبة الثالثة: أن يصوم العاشر والحادي عشر.
وأما من اقتصر على العاشر فلا حرج عليه؛ لعموم الأدلة الدالة على فضيلة صوم اليوم العاشر، ولكن يبقى النظر فيما يحصل من الناس من الذبذبة في اليوم العاشر متى يكون؟ نقول: العبرة بأحد أمرين: إما رؤية هلال محرم، أو إكمال شهر ذي الحجة ثلاثين يوماً، فإذا لم يُر هلال شهر المحرم فإنه يتمم شهر ذي الحجة ثلاثين يوماً ومنازل القمر ليس بها عبرة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ، وهذا ينطبق على جميع الشهور، إذا لم يُر الشهر الداخل فإننا نكمل الشهر الذي قبله ثلاثين يوماً وبهذا نطمئن، أما كون الناس مذبذبين حتى إن بعض الناس قال: إن اليوم العاشر في يوم الجمعة، وسبب ذلك أنه نزل في الإذاعة حديثٌ للشيخ صالح اللحيدان كان حديثاً في العام الماضي، والعام الماضي اليوم العاشر فيه هو يوم الجمعة -فنزل الحديث في الإذاعة وهو حديث العام الماضي فسمعه الناس على أن العاشر هو يوم الجمعة فكانوا يسألون: هل هم أجلوا اليوم العاشر إلى يوم الجمعة؟ فقلنا: اليوم العاشر لا يتأجل ولا يمكن أن يتأجل، وسببه الخطأ في تنزيل الشريط الذي في العام الماضي لهذا العام.
وإلى هنا ينتهي هذا المجلس، ونسأل الله تعالى أن يعيدنا وإياكم عوداً حميداً، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيءٍ قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1084
لقاء الباب المفتوح [٢٩]
تحدث الشيخ عن بعض آيات سورة المطففين، وبين من خلالها حال المتقين الأبرار، وما لهم من النعيم المقيم في الدار الآخرة، ثم أجاب بعد ذلك على الأسئلة.
стр. 1085
تفسير آيات من سورة المطففين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث في شهر المحرم عام (١٤١٤هـ) الذي يتم كل خميس من كل أسبوع، والذي نسأل الله أن يجعل فيه الخير والبركة.
стр. 1086
تفسير قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار)
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] في هذه الآية يخبر الله خبراً مؤكداً بـ (إن) لأن (إن) في اللغة العربية من أدوات التوكيد، فإنك إذا قلت: الرجل قائم، فإن هذا خبر غير مؤكد، وإذا قلت: إن الرجل قائم، صار خبراً مؤكداً، فيقول الله : ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] وهذا مقابل قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] فكتاب الفجار في سجين في أسفل الأرض، وكتاب الأبرار في عليين في أعلى الجنة، أي: أنهم في هذا المكان العالي، قد كُتب ذلك عند الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩] أي: ما الذي أعلمك ما عليون؟ وهذا الاستفهام يراد به التفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أدراك به فإنه عظيم.
стр. 1087
تفسير قوله تعالى: (كتاب مرقوم)
قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٢٠] هذا بيان لقوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ [المطففين:١٨] أي: أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم، مكتوب لا يتغير ولا يتبدل ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢١] أي: يحضره أو يشهد به المقربون؛ و (المقربون) عند الله هم الذين تقربوا إلى الله بطاعته، وكلما كان الإنسان أكثر طاعةً لله كان أقرب إلى الله، وكلما كان الإنسان أشد تواضعاً لله كان أعز وأرفع مكاناً عند الله.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] فالمقربون هم الذين تقربوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم فقربهم الله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٢-٢٣] الأبرار: جمع بَرٍّ، والبَرُّ: كثير الخير كثير الطاعة كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فهؤلاء الأبرار الذين منَّ الله عليهم بفعل الخيرات وترك المنكرات في نعيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:٢٢] والنعيم هنا يشمل: نعيم البدن ونعيم القلب.
أما نعيم البدن: فلا تسأل عنه، فإن الله قال في الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] .
وأما نعيم القلب: فلا تسأل عنه أيضاً، فإنه يقال لهم وقد شاهدوا الموت قد ذبح: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويقال لهم: ادخلوها بسلام، ويقال لهم: إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وأن تصحوا فلا تمرضوا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وكل هذا مما يُدخل السرور على القلب فيحصل لهم بذلك نعيم القلب ونعيم البدن.
(والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) يقولون لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] جعلني الله وإياكم منهم.
стр. 1088
تفسير قوله تعالى: (على الأرائك ينظرون)
قال تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] (الأرائك) جمع أريكة، وهي: السرير المزخرف المزين الذي وضع عليه مثل الظل، وهو من أفخر أنواع الأسرة، فهم على هذه الأسرة الناعمة الحسنة البهية، (ينظرون) أي: ينظرون ما أنعم الله به عليهم من النعيم الذي لا تدركه الأنفس الآن، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وقال بعض العلماء: إن هذا النظر يشمل حتى النظر إلى وجه الله، وجعلوا هذه الآية من الأدلة على ثبوت رؤية الله تعالى في الجنة.
قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] تعرف أيها الناظر إليهم (في وجوههم نضرة النعيم) أي: حسن النعيم وبهاءه، أي: التنعم.
وأنتم تشاهدون الآن في الدنيا أن المنعمين المترفين وجوههم غير وجوه الكادحين العاملين؛ تجدها نضرة، وحسنة، ومنعمة، فأهل الجنة تعرف في وجوههم (نضرة النعيم) أي: التنعم والسرور؛ لأنهم أسرُ وأنعم ما يكون.
стр. 1089
الأسئلة
стр. 1090
الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية
ما الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية؟
لله إرادة؛ وهذه الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية، وإرادة كونية، والفرق بينهما من وجهين: الفرق الأول: أن الإرادة الكونية تتعلق بالتكوين والخلق سواء كان مما يحبه الله أو مما لا يحبه الله.
أما الإرادة الشرعية: فتتعلق بالشرع وتختص فيما يحبه الله، فلا يريد الله شرعاً إلا ما يحبه.
والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لا بد أن يقع فيها المراد، بخلاف الإرادة الشرعية، ويظهر ذلك بالمثال، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً﴾ [الرعد:١١] قال الله تعالى: ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١] لا بد أن يكون وإن كان سوءاً، فهذه إرادة كونية، أما الإرادة الشرعية كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ [البقرة:١٨٥] فلا يمكن أن يريد منا ما هو عسير علينا، بل إذا تعسر الأمر شرعاً خُفف، فالمسافر يفطر، والمريض يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب.
وقد أراد الله تعالى من كل إنسان أن يكون مؤمناً تقياً، لكن أراد ذلك إرادة شرعية، ولهذا نجدها تتخلف، فمن الناس من لا يكون مؤمناً ولا تقياً.
следующие страницы →