← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

تفسير قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار) قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] في هذه الآية يخبر الله خبراً مؤكداً بـ (إن) لأن (إن) في اللغة العربية من أدوات التوكيد، فإنك إذا قلت: الرجل قائم، فإن هذا خبر غير مؤكد، وإذا قلت: إن الرجل قائم، صار خبراً مؤكداً، فيقول الله : ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] وهذا مقابل قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] فكتاب الفجار في سجين في أسفل الأرض، وكتاب الأبرار في عليين في أعلى الجنة، أي: أنهم في هذا المكان العالي، قد كُتب ذلك عند الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩] أي: ما الذي أعلمك ما عليون؟ وهذا الاستفهام يراد به التفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أدراك به فإنه عظيم.

стр. 1087

تفسير قوله تعالى: (كتاب مرقوم) قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٢٠] هذا بيان لقوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ [المطففين:١٨] أي: أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم، مكتوب لا يتغير ولا يتبدل ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢١] أي: يحضره أو يشهد به المقربون؛ و (المقربون) عند الله هم الذين تقربوا إلى الله بطاعته، وكلما كان الإنسان أكثر طاعةً لله كان أقرب إلى الله، وكلما كان الإنسان أشد تواضعاً لله كان أعز وأرفع مكاناً عند الله. قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] فالمقربون هم الذين تقربوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم فقربهم الله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٢-٢٣] الأبرار: جمع بَرٍّ، والبَرُّ: كثير الخير كثير الطاعة كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فهؤلاء الأبرار الذين منَّ الله عليهم بفعل الخيرات وترك المنكرات في نعيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:٢٢] والنعيم هنا يشمل: نعيم البدن ونعيم القلب. أما نعيم البدن: فلا تسأل عنه، فإن الله قال في الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] . وأما نعيم القلب: فلا تسأل عنه أيضاً، فإنه يقال لهم وقد شاهدوا الموت قد ذبح: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويقال لهم: ادخلوها بسلام، ويقال لهم: إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وأن تصحوا فلا تمرضوا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وكل هذا مما يُدخل السرور على القلب فيحصل لهم بذلك نعيم القلب ونعيم البدن. (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) يقولون لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] جعلني الله وإياكم منهم.

стр. 1088

تفسير قوله تعالى: (على الأرائك ينظرون) قال تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] (الأرائك) جمع أريكة، وهي: السرير المزخرف المزين الذي وضع عليه مثل الظل، وهو من أفخر أنواع الأسرة، فهم على هذه الأسرة الناعمة الحسنة البهية، (ينظرون) أي: ينظرون ما أنعم الله به عليهم من النعيم الذي لا تدركه الأنفس الآن، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وقال بعض العلماء: إن هذا النظر يشمل حتى النظر إلى وجه الله، وجعلوا هذه الآية من الأدلة على ثبوت رؤية الله تعالى في الجنة. قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] تعرف أيها الناظر إليهم (في وجوههم نضرة النعيم) أي: حسن النعيم وبهاءه، أي: التنعم. وأنتم تشاهدون الآن في الدنيا أن المنعمين المترفين وجوههم غير وجوه الكادحين العاملين؛ تجدها نضرة، وحسنة، ومنعمة، فأهل الجنة تعرف في وجوههم (نضرة النعيم) أي: التنعم والسرور؛ لأنهم أسرُ وأنعم ما يكون.

стр. 1089

الأسئلة

стр. 1090

الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية ما الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية؟ لله إرادة؛ وهذه الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية، وإرادة كونية، والفرق بينهما من وجهين: الفرق الأول: أن الإرادة الكونية تتعلق بالتكوين والخلق سواء كان مما يحبه الله أو مما لا يحبه الله. أما الإرادة الشرعية: فتتعلق بالشرع وتختص فيما يحبه الله، فلا يريد الله شرعاً إلا ما يحبه. والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لا بد أن يقع فيها المراد، بخلاف الإرادة الشرعية، ويظهر ذلك بالمثال، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً﴾ [الرعد:١١] قال الله تعالى: ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١] لا بد أن يكون وإن كان سوءاً، فهذه إرادة كونية، أما الإرادة الشرعية كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ [البقرة:١٨٥] فلا يمكن أن يريد منا ما هو عسير علينا، بل إذا تعسر الأمر شرعاً خُفف، فالمسافر يفطر، والمريض يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب. وقد أراد الله تعالى من كل إنسان أن يكون مؤمناً تقياً، لكن أراد ذلك إرادة شرعية، ولهذا نجدها تتخلف، فمن الناس من لا يكون مؤمناً ولا تقياً.

стр. 1091

حكم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للطواف هل تجب الطهارة من الحدث الأصغر للطواف، وما صحة حديث: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ؟ أما الأول وهو قول النبي ﷺ لـ عائشة ﵂: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) فهذا لا يدل على وجوب الطهارة من الحدث الأصغر؛ لأن عائشة ﵂ حائض، والحائض لا يمكن أن تقوم بطوافٍ ولا غيره، ولا يمكن أن تمكث في المسجد، فالعلة ليست عدم الطهارة إنما العلة أنها حائض. وأما أن الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فهذا لا يصح عن النبي ﷺ ، بل هو من كلام ابن عباس ﵁ مع أنه منتقض وليس مطرداً؛ لأن الطواف يخالف الصلاة في أكثر من الكلام: ١- الطواف ليس له تحريم ولا تحليل بخلاف الصلاة. ٢- الطواف لا يبطله الضحك والصلاة يبطلها الضحك. ٣- الطواف لا يبطله الأكل والشرب، والصلاة يبطلها الأكل والشرب. ٤- الطواف لا يشترط فيه القراءة لا الفاتحة ولا غيرها، والصلاة يشترط فيها. ٥- الطواف لا يشترط فيه استقبال القبلة -بل لا بد أن تكون الكعبة عن يساره- والصلاة يشترط فيها ذلك. فهو يخالف الصلاة في كثير من المسائل، وكلام الرسول ﷺ لا بد أن يكون مطرداً لا ينتقض، فلما انتقض هذا الحديث بما ذكرت؛ عُلم أنه ليس من كلام الرسول ﷺ ؛ لأن كلام الرسول ﷺ معصوم. ثم إنا إذا قلنا: بأنه لا يشترط الوضوء لا يعني أننا نقول: إنه ليس بمشروع، بل هو مشروع وأفضل ولا شك، الإنسان يطوف على طهارة لفعل النبي ﷺ ؛ ولأن الطائف سوف يصلي بعد الطواف ركعتين مباشرة ولا بد لهاتين الركعتين من الطهارة بالاتفاق. وهذا الذي ذكرناه هو ما اختاره شيخ الإسلام ﵀ ورجحه وقواه.

стр. 1092

الدم الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء فضيلة الشيخ: هل الدم الكثير يبطل الوضوء؟ الدم الكثير الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، سواء خرج من الأنف، أو من جرح، أو من الرأس، أو من أي مكان من البدن، إلا ما خرج من السبيلين، وذلك لأنه لا دليل على أن خروج الدم من غير السبيلين ينقض الوضوء، والسبيلان هما: القبل والدبر.

стр. 1093

من أنواع السحر المحرم فضيلة الشيخ: في بلادنا ما يسمى بالحواة جمع حاوٍ، وهو رجل يقوم بأعمال سحرية للتسلية في المدارس وفي أماكن النزهة، فيأخذ ورقة بيضاء ويدخلها في جيبه ويخرجها عملة ورقية من فئة الألف أو الخمسمائة، أو يدخل منديلاً في فيه ويخرجه عشرات المناديل معقودة ببعضها وبها أسلاك أو أمواس وما أشبه ذلك. فهل هذا من السحر المحرم؟ نعم. هذا من السحر المحرم لا شك، وقد قال الله تعالى في شأن سحرة آل فرعون لما ألقوا حبالهم وعصيهم أن موسى ﵊ ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] خُيِّل له أنها حيات ملأت الأرض وأنها تسعى نحوه فخاف، فأمره الله أن يلقي عصاه ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء:٤٥] . وهذا يكون سحراً للعيون، وإلا فلا تأثير له في خلق الله ، فهذه المناديل التي أدخلها ليست إلا منديلاً واحداً، والورقة التي أدخلها وأخرجها نقوداً ليست إلا الورقة الأولى، لكنه سحر أعين الناس.

стр. 1094

سير الناس أثناء الجنازة فضيلة الشيخ: بالنسبة للجنازة أيهما أفضل: أن تكون تابعة أم متبوعة، وما حكم الدعاء بصوت عالٍ للميت والناس يؤمنون خلفه في حال الدفن؟ ذكر أهل العلم أن التابع للجنازة إن كان راكباً فالأفضل أن يكون خلف الجنازة، وإن كان ماشياً فالسنة أن يكون خلفها أو يمينها أو شمالها. والأمر في هذا واسع والعلماء قالوا: إن الركبان يكونون خلف الجنازة في عهدهم؛ لأن الناس كانوا يركبون على الإبل أو على الحمير أو ما أشبهها. أما الآن فالأولى للركبان إذا كانوا في السيارات أن يكونوا أمامها؛ لأن وجودهم خلف المشيعين يزعجهم وربما يزعج المشيعين فيسرعوا إسراعاً فاحشاً يخشى على الميت مع قوة الرجِّ أن يخرج منه شيء، فلهذا أرى أن الركبان في السيارات في الوقت الحاضر يكونون أمام الجنازة، فإن لم يتيسر لهم ذلك فليكونوا خلفها بعيداً عن المشاة لئلا يزعجوا المشاة، والأمر بالنسبة للمشاة واسع؛ إن كانوا عن أمامها أو خلفها أو يمينها أو شمالها. أما الدعاء للميت برفع الصوت عند الدفن فإنه بدعة؛ لأن الرسول ﷺ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل) ولو كان الدعاء بصوت جماعي سنة لكان الرسول ﷺ يدعو بذلك لأصحابه؛ لأن دعوته لهم أبرك وأقرب للإجابة، ولكن يقال للناس: كلٌ يدعو بنفسه لهذا الميت إذا دفن، فيستغفروا له ويسألوا الله له التثبيت ويكفي مرة واحدة، لكن إن كررها ثلاثاً فهو خير؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دعا؛ دعا ثلاثاً.

стр. 1095

وقت صلاة الضحى فضيلة الشيخ: متى يكون آخر وقت صلاة الضحى، وما أفضل وقت لصلاتها؟ صلاة الضحى أول وقتها إذا ارتفعت الشمس قيد رُمح، وهذا يكون بنحو ربع ساعة بعد طلوع الشمس، وينتهي وقتها قبيل الزوال، أي: إذا دخل وقت النهي، وذلك قبل زوال الشمس بعشر دقائق تقريباً. وهذه الصلاة من الصلوات التي ينبغي أن تصلى في آخر وقتها؛ فإن النبي ﷺ قال: (صلاة الأوابين حين ترمضُ الفِصال) أي: حين يزداد حرُّ الشمس، لكن قبل الزوال بنحو ربع ساعة هذا هو الأفضل، وإذا كان لا يتيسر للإنسان هذا الوقت لكونه مشغولاً بوظيفةٍ أو دراسةٍ أو تجارةٍ، فإنه يصليها إذا ارتفعت الشمس قيد رمح؛ أي: بعد طلوع الشمس بنحو ربع ساعة.

стр. 1096

حكم من اعتمر وكان طوافه ناقصاً فضيلة الشيخ: رجل وامرأة اعتمرا وطافا ستة أشواط، وفي الشوط السابع دخلا ما بين الكعبة والحجر ثم رجعا إلى بلدهما، وارتكبا العديد من محظورات الإحرام من جماعٍ وغيره، فما الحكم في هذه الحالة وما الحكم لو لم يرتكبا أي محظور؟ الطواف الذي يدخل فيه الإنسان بين الحجر والكعبة طواف ناقص؛ لأن الواجب أن يكون الطواف بجميع الكعبة مع الحجر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وإذا كان طوافاً ناقصاً لم يكن عليه أمر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه. وبهذا يتبين أن طواف هذين الشخصين -الرجل وزوجته- طواف غير صحيح وأوصيك أن تخبرهما: أنه يجب عليهما الآن فوراً أن يلبسا ثياب الإحرام وأن يذهبا إلى مكة فيطوفا بنية العمرة، ويسعيا ويقصرا أو يحلق الرجل وتقصر المرأة وبذلك يحلان من إحرامهما هذا هو الواجب عليهما الآن. وأما ما ارتكباه من فعل المحظور وهو صادر عن جهل منهما فلا إثم عليهما ولا فدية؛ لقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . السائل: لقد عرفا أن العمرة باطلة، ومع ذلك يرتكبان كثيراً من المحظورات بعد علمهما أنها باطلة؟ الشيخ: هذا عن جهل أيضاً؛ لأنهما ظنا أنها بطلت وحلا منها، كما أن الصلاة إذا بطلت خرج الإنسان منها، فهو أيضاً صادر عن جهل، لكن لو علما أنها باطلة وأنهما لا زالا محرمين ما فعلا شيئاً من المحظورات. السائل: فضيلة الشيخ: هل تكون العمرة القادمة بنية القضاء للأولى؟ الشيخ: هي تكميل للأولى وليست قضاء؛ لأنهما لا يزالان الآن محرمين، لا يجوز لهما الطيب ولا أي شيء من محظورات الإحرام، ولذلك يجب عليك الآن أن تتصل بهما على الهاتف وتخبرهما بذلك، هذا واجب عليك، وواجب علينا، حيث قال الرسول ﷺ : (إذا نسيت فذكروني) .

стр. 1097

حكم رواية أحاديث الصفات بالمعنى فضيلة الشيخ: ما حكم رواية أحاديث الصفات بالمعنى؟ رواية أحاديث الصفات بالمعنى أخشى أن يكون الراوي من أهل التعطيل، فيروي الحديث بالمعنى الذي هو يعتقده، مثل أن يتحدث عن نزول الله إلى السماء الدنيا والحديث: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) فيقول هذا الراوي بالمعنى معتقداً أن معنى الحديث: ينزل ملك من الملائكة فيقول: كذا وكذا، ثم يروي هذا الحديث على ما يعتقد هو من معنى، فيحصل بهذا ضلال كبير. فرواية الحديث بالمعنى من أهل البدع لا تجوز بالنسبة لأحاديث الصفات؛ لأنهم ربما يروونها على ما يعتقدون من البدع، فيحرفون الكلم عن مواضعه لفظاً ومعنىً.

стр. 1098

ارتكاب بعض محظورات الإحرام جهلاً ما رأي فضيلتكم في رجل حج بنية القِران فلما طاف طواف القدوم سعى وقصر وبقي على إحرامه حتى أكمل حجة؟ رأينا أنه لا شيء عليه، فهذا الرجل الذي أحرم قارناً ثم طاف وسعى رأى الناس يقصرون فقصَّر لا بنية التحلل واستمر على إحرامه، فليس عليه شيء؛ لأن غاية ما حصل منه أنه قص شعره جاهلاً، ففعل محظوراً من محظورات الإحرام جاهلاً، ومحظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه.

стр. 1099

دعوى ضد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب ما رأي فضيلتكم في هذه المقالة: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما بين العقيدة لم يبينها من جميع نواحيها وإنما من توحيد الأسماء والصفات فقط؟ وأن محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يبينها إلا في توحيد الألوهية فقط؟ نقول: هذه دعوى، والدعوى لا تقبل إلا ببينة، وهي صادرة إما من شخص لم يطالع كتب الشيخين ولم يستوعب ما كتباه في التوحيد، وإما من شخص له غرض بهذا الكلام يريد أن ينال من قدر هذين الشيخين اللذين منَّ الله بهما على العباد. وشيخ الإسلام ﵀ له كلام كثير في توحيد الربوبية مع الفلاسفة وغيرهم، وله كلام كثير في توحيد الألوهية، بل له كتب مستقلة في ذلك، مثل: رسالة العبودية، كلها في تحقيق توحيد الألوهية، وكذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ له في هذا وهذا، ولكن لما كانت الصولة في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأهل الكلام وكان جلُّ كلامهم في الصفات وما يتعلق بها؛ صار أكثر ما كتب في هذه الناحية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لما كان في عهده صولة للشرك في العبادة صار أكثر ما كتب في توحيد العبادة.

стр. 1100

حكم تأخير الزكاة فضيلة الشيخ: ما حكم تأخير الزكاة شهراً أو شهرين حتى تسلم للحكومة؟ الواجب على الإنسان أن يؤدي الزكاة فوراً، كما أن الدَّين لو كان لآدمي وجب عليه أن يؤديه فوراً إذا لم يؤجل وكان قادراً على تسليمه، لقول النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم) وقوله: (اقضوا الله فالله أحق بالقضاء) وعلى هذا فالواجب على الإنسان أن يبادر بدفعها، لكن إن كان من عادة الناس أن تأخذ زكاتهم الحكومة، وأخرها خوفاً من أن تأتي الحكومة وتطالبه بها فهذا لا حرج عليه، ينتظر حتى يأتي مبعوث الحكومة ويسلمها له.

стр. 1101

حكم من باع محلاً قبل حلول الزكاة فضيلة الشيخ: شخص باع محلاً قبل حلول زكاته بشهرين فمن الذي يدفع الزكاة؟ إذا انتقل ملك المال الزكوي قبل تمام الحول، فإن كانت عروض تجارة كما قبضه المالك الأول يزكيه مع أمواله، مثال ذلك: إنسان عنده أرض للتجارة فباعها قبل حلول زكاته بشهرين، فإنه إذا حلت الزكاة يجب عليه أن يؤدي زكاة الدراهم التي باع بها هذه الأرض، أما لو باعها بدراهم ثم اشترى بالدراهم سكناً له قبل تمام الحول فإنه لا زكاة عليه. أما الثاني الذي انتقلت إليه، فينظر: هل انتقلت إليه على وجه تجب فيه الزكاة مثل أن يكون اشتراها للتجارة فهذا ينبني حولها على حول ماله الذي عنده قبلها، وإن كان اشتراها ليبني عليها ويسكنها فإنه لا زكاة عليه.

стр. 1102

نصيحة لاستغلال الإجازة الصيفية فضيلة الشيخ: أريد توجيه الشباب في هذه العطلة وإسداء النصيحة خاصة للإخوة المدرسين في هذه الإجازة، هل الأفضل لهم أن يسافروا لنصرة إخوانهم في المشرق والمغرب من إعانات ونحوها؟ أو الأفضل لهم الانضمام للمراكز العلمية الصيفية لحفظ الشباب؟ أو الذهاب إلى العلماء والاستفادة من الدروس العلمية التي توجد في كل مكان، ثم نصيحة للذين يضيعون أوقاتهم في غير هذه الأمور الثلاثة؟ أولاً: أنا لا أرى أن نسمي هذه الإجازة عطلة؛ لأنه ليس في أيام الإنسان المسلم المؤمن عطلة، بل ولا غير المؤمن، كلٌ يعمل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] نعم هي عطلة من الدراسة النظامية لكن لو سميت بدلاً من العطلة إجازة فهذا جيد. ثانياً: بالنسبة لما سألت: هل الأفضل للأساتذة أن يذهبوا يميناً وشمالاً ليساعدوا إخوانهم أو يتفرغوا لطلب العلم، أو لتوجيه الشباب، أو للدعوة إلى الله؟ فهذه تختلف باختلاف الناس وباختلاف الحاجات، فالرجل الذي هو وعاء علم حفظاً وفهماً وإدراكاً نقول له: الأفضل أن تبقى في طلب العلم؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد: لا يعدله شيء، فهو أفضل من الجهاد في سبيل الله إذا لم يتعين الجهاد؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: وبقي طائفة، (لِيَتَفَقَّهُوا) أي: الطائفة الباقية، ﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] فجعل الله البقاء للتفقه في الدين معادلاً للخروج للجهاد في سبيل الله وهو أفضل منه؛ لأن الجهاد يُحتاج إليه في بعض الأوقات دون بعض، والناس محتاجون للعلم في كل شئون الحياة: في العبادات، والأخلاق، والمعاملات. أما الجهاد في سبيل الله فالناس محتاجون إليه إما للدفاع عن دينهم وأوطانهم الإسلامية، وإما لأن تكون كلمة الله هي العليا؛ لأن الجهاد إما دفاع وإما هجوم، لكنه في جانب خاص من الحياة، وأما العلم فهو في جميع الجوانب، قال الإمام أحمد ﵀: العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته. أما الرجل الذي ليس وعاءً للعلم ولو جلس في الحلقات لا يفهم ولا يدرك شيئاً لكنه بصير بأحوال الجهاد قوي البدن قوي العزيمة، فالأفضل أن يخرج ويجاهد، وأما رجل ثالث لا يقوى على هذا ولا على هذا لكنه عنده إقناع وأسلوب في الدعوة والموعظة؛ يجلب القلوب ببيانه وموعظته، ويرقق القلوب ويدمع العيون، فنقول لهذا: تجوَّل وادع الناس في البلاد؛ لأن بلادنا محتاجة إلى طلبة علم ودعاة ليفقهوا الناس ويعلموهم، فإن كثيراً من أطراف البلاد -كما بلغنا- عندهم جهل كثير وهم يحتاجون إلى طلبة علم يعلمونهم. فلقد سافر بعض الطلبة في الإجازة الربيعية إلى جهة الجنوب، ففرح الناس بذلك فرحاً عظيماً -بهؤلاء الطلبة- وصاروا يلاحقونهم في كل مكان، يتلقون منهم ويأخذون منهم، هذا وهم طلبة، فكيف إذا ذهب من هو أعلى منهم شأناً؟ سيكون له فائدة كبيرة بلا شك. أما بالنسبة للشباب فإني أنصح الشباب أن يحرصوا على حفظ أوقاتهم وألا يتعودوا على الكسل والخمول، وأن يلزموا أهل الخير الذين يوجهونهم توجيهاً سليماً ويحفظون عليهم دينهم وأخلاقهم، فإن النبي ﷺ قال: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يحذيك أو يبيعك أو تجد منه ريحاً طيباً، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة) ويروى عنه ﷺ أنه قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) . فنصيحتي للشباب أن يحرصوا على أن يصطحبوا أهل الخير وأهل العقول وأهل التأني والتروي، وليحذروا من قرناء السوء، فإن قرناء السوء كالنار تحرق الثوب شيئاً فشيئاً حتى تأتي إلى الجسد فتأكله، وعليهم أن يلتحقوا بالمراكز الصيفية التي يقوم عليها رجال مأمنون ديناً وخلقاً وفكراً وتوجيهاً، أو يلتحقوا بحلقات تحفيظ القرآن لعلهم في هذه الإجازة يحفظون شيئاً من كتاب الله، فإن أفضل كتاب وأحق كتاب بالعناية هو كتاب الله ، ونسأل الله للجميع التوفيق، وأن يجعلنا ممن حفظ أوقاته فيما يرضي الله .

стр. 1103

أقسام استعمال (لو) فضيلة الشيخ: هل كلمة (لو) أو (لولا) جائزة مطلقاً أم ممنوعة مطلقاً أم هناك تفصيل، خصوصاً أنها قد وردت بعض الأخبار عن النبي ﷺ تدل على الجواز وبعض الأخبار تدل على عدم ذلك؟ استعمال (لو) أو (لولا) على أقسام: القسم الأول: أن تكون لمجرد الخبر، فهذه لا بأس بها ولا حرج فيها، مثل أن تقول: لولا أني مشغول لزرتك، وهذه ليس فيها شيء إطلاقاً؛ لأنها مجرد خبر، إن كان صدقاً فهو صدق وبر، وإن كان كذباً فله أحكام الكذب. القسم الثاني: أن تكون للتمنّي، فهذه حسب ما يتمنّاه الإنسان، إن تمنى خيراً فخير، وإن تمنى شراً فشر، ولهذا أخبر النبي ﷺ عن الرجل الفقير الذي قال: لو عندي ما لفلان لعملت به مثلما عمل، وكان فلان يعمل بماله في الخير، فقال النبي ﷺ : (فهو بنيته فهما في الأجر سواء) والثاني قال: لو أن لي ما لفلان لعملت به مثلما عمل فلان، وكان فلان يعمل في ماله بالشر، فقال النبي ﷺ : (فهو بنيته فوزرهما سواء) . القسم الثالث: أن تكون للندم على ما فات وللتحسر، فهذه منهي عنها؛ لقول النبي ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان) فهذه أقسام (لو) كما رأيت.

стр. 1104

أقسام إسناد الشيء إلى سببه فضيلة الشيخ: هل إسناد الأمور إلى الأسباب شرك مطلقاً أم هناك تفصيل؟ إسناد الشيء إلى سببه ينقسم إلى أقسام: الأول: قسم يكون شركاً أكبر، مثل أن يقول: لولا الولي فلان لهلكت، والولي فلان مدفون مقبور لا ينفع أحداً شيئاً، ولا يصدر هذا القول إلا من شخص يعتقد أن للولي المدفون تصرفاً في الكون، فيكون شركاً أكبر مخرجاً عن الملة. الثاني: جائز، وهو أن يضيف الشيء إلى سببه المعلوم شرعاً أو المعلوم حِساً، فهذا جائز لا بأس به، مثل أن تقول: لولا أن فلاناً توضأ لم تصح صلاته، هذا صحيح وواقع لو لم يتوضأ لم تصح صلاته، هذا السبب الشرعي. ومثال السبب الحسي: أن يدخل رجل في بئر فيخرجه رجل آخر فيقول: لولا فلان أخرجني لهلكت، هذا أيضاً صحيح، لكن لا يعتقد أن فلاناً هو الذي استقل بإخراجه لكن يسره الله له فأنقذه. ومنه قول الرسول ﷺ في عمه أبي طالب حيث أُخبر أن عمه أبا طالب في ضحضاح من النار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، قال ﷺ : (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) وهو كثير في كلام العلماء إضافة الشيء إلى سببه المعلوم حساً أو شرعاً. الثالث: أن يضيفه إلى السبب مع الله مقروناً بالواو، فهذا لا يجوز؛ بل هو من الشرك لكنه شرك أصغر، إلا أن يعتقد أن الثاني الذي مع الله له تصرف كتصرف الله فهذا شرك أكبر، مثل أن يقول: لولا الله وفلان لحصل كذا وكذا، فهذا لا يجوز حتى وهو يعتقد أن الله فوق كل شيء، بل يقول: لولا الله ثم فلان، أما إن اعتقد أن الله وفلاناً سواء في التأثير فهذا شرك أكبر. وأهم شيء في هذا التقسيم الثلاثي أن الإنسان إذا قال: لولا كذا لكان كذا، إذا كان خبراً فإنه لا بأس، أو إذا كان مستنداً إلى سببٍ صحيح فإنه لا بأس بذلك.

стр. 1105

حكم من نوى الفطر في نهار رمضان فضيلة الشيخ: رجل مسافر وصائم في رمضان، نوى الفطر ثم لم يجد ما يفطر به، ثم عدل عن نيته وأكمل الصوم إلى المغرب فما صحة صومه؟ صومه غير صحيح ويجب عليه القضاء؛ لأنه عندما نوى الفطر أفطر، أما لو قال: إن وجدت ماءً شربت وإلا فأنا على صومي ولم يجد الماء فهذا صومه صحيح؛ لأنه لم يقطع النية ولكنه علّق الفطر على وجود الشيء، ولم يوجد الشيء فبقي على نيته الأولى. السائل: كيف نرد على من يقول: إنه لم يقل أحد من العلماء: إن النية من المفطرات؟ الجواب: نقول للذي قال هذا: إنه لا يعرف عن كتب أهل العلم شيئاً -كتب أهل العلم في الفقه والمختصرات- ففي زاد المستقنع يقول: ومن نوى الإفطار أفطر. وأنا يا إخواني أحذركم من غير العلماء الراسخين المعروفين بالتقدم في العلم، وأحذركم منهم إذا قالوا، فلم يعلم قائلاً بذلك، أو لم يقل أحد بذلك؛ لأنهم قد يكونون صادقين؛ لأنهم لا يعرفون كتب أهل العلم ولم يطالعوها، ولا يعرفون عنها شيئاً، فلذلك هذا الذي تقول: إنه لم يقل أحد بذلك مع إنه في مختصرات الفقه: (من نوى الإفطار أفطر) ، ثم لو فرضنا إنه لم يوجد في كتب أهل العلم أليس النبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات) ؟ بلى، قال ذلك، فإذا كان يقول: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل نوى الإفطار هل يفطر؟ نعم. يفطر.

стр. 1106

حكم الأذان لمن فاتته الصلاة هناك سؤال وُجه إلى أحد العلماء عن حكم أذان من فاتته الصلاة، يقول: إنه واجب؛ لأنه ثبت في حديث المسيء صلاته أن النبي ﷺ أمره بالأذان ثم الإقامة، والأمر للوجوب ولم يصرفه صارف فما حكم ذلك؟ نقول له: أولاً: أثبت ما ادعيت أن الرسول ﷺ أمر المسيء في صلاته أن يؤذن ويقيم. ثانياً: إذا ثبت أنه أمره بذلك فإنا نقول: لعل الرسول ﷺ أمره بذلك؛ لأن هذا الرجل قدم المدينة بعد أن أذّن الناس ولم يسمع الأذان، وقد كان بعيداً في البر مثلاً، ونحن نقول: إذا كان الإنسان وصل إلى المدينة وكان الأذان قد حصل وهو في البر ولم يسمع الأذان وليس في بلد حتى نقول: أذان الناس يكفيه فهذا نأمره بأنه إذا جاء فدخل المسجد أن يؤذن لكن أذاناً خفيفاً لا يسمعه إلا من معه فقط لئلا يشوش. وأما إذا كان في البلد فإن أذان الناس يكفيه، ودليل هذا: الرجل الذي دخل والنبي ﷺ في أصحابه وقال: (من يتصدق على هذا فيصلي معه) لم يؤذن ولم يأمره بالأذان. والحاصل أن نقول: إذا جاء الإنسان وقد فاتته الصلاة فإن كان في البلد فأذان المسلمين يكفيه؛ لأن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة وقد حصل، وإن كان خارج البلد كمسافر قدم البلد ووجد الناس قد صلوا فهنا نقول: يشرع أن يؤذن، لكن الأذان يكون بقدر ما يسمعه من معه لئلا يشوش على الناس. وأما الإقامة فهي سنة حتى لمن فاتته الصلاة وهو في البلد؛ لأن الإقامة إعلام بقيام الصلاة، فكل من أراد الصلاة المفروضة فإنه يقيم. وإلى هنا انتهى المجلس بحلول الأذان ونحن الآن نتكلم عن الأذان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

стр. 1107

لقاء الباب المفتوح [٣٠] فسَّر الشيخ ﵀ آخر الآيات في سورة المطففين، حيث بيَّن النعم العميمة والعطايا الجزيلة التي يجدها الأبرار في دار القرار، وكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا؛ فكذلك المؤمنون يضحكون من الكفار في الآخرة، وإنما العبرة بالخواتيم. ثم أجاب الشيخ بعد ذلك عن الأسئلة التي طرحت عليه.

стр. 1108

تفسير الآيات الأخيرة من سورة المطففين الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا في هذا اليوم الخميس الخامس والعشرين من شهر المحرم عام (١٤١٤هـ) نختتم اللقاءات في هذا الشهر؛ لأن هذا اللقاء هو الرابع في هذا الشهر.

стр. 1109

تفسير قوله تعالى: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) قال الله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٥-٢٦] الضمير في قوله: (يسقون) يعني: الأبرار، يسقيهم الله بأيدي الخدم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٧] * ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٨-١٩] . فقوله: (يسقون من رحيق) أي: من شراب خالص لا شوب فيه ولا ضرر على العقل، لا يسبب ألماً في الرأس، بخلاف شراب الدنيا، فإنه يغتال العقل ويصدع الرأس. أما هذا فإنه رحيق خالص ليس فيه أي أذى (ختامه) أي: بقيته وآخره، (مسك) أي: طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا فإنه خبيث الرائحة، فهؤلاء القوم الأبرار لما حبسوا أنفسهم عن الملاذ التي حرمها الله عليهم في الدنيا أُعطوها يوم القيامة. ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين:٢٦] أي: وفي هذا الثواب والجزاء، ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] أي: فليتسابق المتسابقون سباقاً يصل بهم إلى حد المنافسة، وهو كناية عن السرعة في المسابقة، يُقال: نافسته، أي: سابقته سباقاً بلغ بي النفس، والمنافسة في الخير هي: المسابقة إلى طاعة الله وإلى ما يرضي الله ، والبعد عما يسخط الله.

стр. 1110

تفسير قوله تعالى: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) ثم قال الله : ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٧-٢٨] مزاج هذا الشراب الذي يُسقاه هؤلاء الأبرار (من تسنيم) ، أي: من عينٍ رفيعة حساً؛ وذلك لأن (أنهار الجنة تفجر من الفردوس؛ والفردوس هو أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرب كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، فهذا الشراب يمزج بهذا الطيب الذي يأتي من التسنيم؛ أي: من المكان المسنّم الرفيع العالي، وهو جنة عدن. وقوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٨] أي: أن هذه العين والمياه النابعة والأنهار الجارية يشرب بها المقربون. وهنا سيقول قائل: لماذا قال: (يشرب بها) ؟ هل هي إناء يحمل حتى يقال: شرب بالإناء؟ لا. لأن العين والنهر لا يُحمل، إذاً لماذا لم يقل: يشرب منها المقربون؟ والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين: الوجه الأول: فمن العلماء من قال: إن (الباء) بمعنى (من) فمعنى (يشرب بها) ، أي: يشرب منها. الوجه الثاني: ومنهم من قال: إن يشرب ضُمنت معنى يروى، فمعنى (يشرب بها) أي: يُروى بها المقربون، وهذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله؛ لأن هذا الوجه يتضمن شيئين يرجحانه وهما: أولاً: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي. ثانياً: أن الفعل (يشرب) ضُمِّن معنىً أعلى من الشرب وهو الريُّ. فكم من إنسان يشرب ولا يروى، لكن إذا روى فقد شرب، وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن وهو أن يُضمن الفعل (يشرب) معنى يروى.

стр. 1111

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] (إن الذين أجرموا) أي: قاموا بالجرم وهو المعصية والمخالفة، (كانوا) أي: في الدنيا، من الذين آمنوا يضحكون استهزاءً وسخريةً واستصغاراً لهم. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٣٠] (وإذا مروا) الفاعل هل هم الذين أجرموا؟ أو الذين آمنوا؟ الآية تصلح لهذا وهذا، يصلح أن نقول: إذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين، أو إذا مرَّ المجرمون بالمؤمنين. والقاعدة التي ينبغي أن تفهم في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وجب حملها على المعنيين؛ لأن ذلك أَعَمَّ، فإذا جعلنا الآية للأمرين كان المعنى: أن المجرمين إذا مروا بالمؤمنين وهم جلوس تغامزوا، وإذا مر المؤمنون بالمجرمين وهم جلوس تغامزوا أيضاً، فتكون شاملة للحالين، حال مرور المجرمين بالمؤمنين، وحال مرور المؤمنين بالمجرمين. (يتغامزون) أي: يغمز بعضهم بعضاً، يقولون: انظر إلى هؤلاء سخريةً واستهزاءً واستصغاراً. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١] إذا انقلب المجرمون إلى أهلهم (انقلبوا فكهين) يعني: متفكهين بما نالوه من السخرية من هؤلاء المؤمنين، فهم يستهزئون ويسخرون ويتفكهون بهذا ظناً منهم أنهم نجحوا وأنهم غلبوا المؤمنين ولكن الأمر بالعكس. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٢] (إذا رأوهم) أي: رأى المجرمون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٢] ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون، متشددون، إلى غير ذلك من الألقاب. ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم وما قبله وما بعده، فمن الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون، ويقولون عن الملتزم: إنه متشدد متزمّت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل: إنهم سحرة أو مجانين، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل؛ من ألقاب السوء والسخرية وما أشبه ذلك، ومن هذا تلقيب أهل البدع والتعطيل لأهل الإثبات من السلف بأنهم حَشوَّية، مُجسِّمة، مُشبِّهة، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣٣] أي: أن هؤلاء المجرمين ما بعثوا حافظين لهؤلاء يرقبونهم ويحكمون عليهم بل الحكم لله .

стр. 1112

تفسير قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤] (اليوم) يعني: يوم القيامة، الذين آمنوا يضحكون من الكفار، (فالذين) مبتدأ و (يضحكون) خبره و (من الكفار) متعلق بـ (يضحكون) والمعنى: فالذين آمنوا يضحكون اليوم من الكفار، وهذا والله هو الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك المجرمين من المؤمنين في الدنيا فسيعقبه البكاء والحزن والويل والثبور. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٥] أي: أن المؤمنين على الأرائك في الجنة، و (الأرائك) : هي السرر الفخمة الحسنة النظرة (ينظرون) أي: ينظرون ما أعد الله لهم من الثواب، وينظرون أولئك الذين يسخرون منهم في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥١-٥٤] يقول لأصحابه في الجنة ويعرض عليهم أن يطلع كل إلى قرينه الذي كان في الدنيا ينكر البعث ويكذب به ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] في قعره وأصله، قال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦-٥٧] . فأنت ترى الآن أن المؤمنين يرون الكفار وهم يعذبون في قعر النار، والمؤمنون في الجنة، قال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٥] إذاً ينظرون شيئين: الشيء الأول: ما أعد الله لهم من النعيم، ومنه النظر إلى وجه الله . والثاني: ينظرون إلى هؤلاء المكذبين الذين كانوا في الدنيا يسخرون منهم ويستهزئون بهم، ينظرون إليهم وهم في عذاب الله. ثم قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٦] (ثوب) أي: جوزي، و (هل) هنا للتقرير، أي: أن الله تعالى قد ثوب الكفار وجازاهم جزاء فعلهم في الدنيا، وهو حكمٌ عدل، فحكمه دائرٌ بين العدل والفضل؛ بالنسبة للذين آمنوا حكمه وجزاؤه فضل، وبالنسبة للكافرين حكمه وجزاؤه عدل، فالحمد لله رب العالمين. وبهذا يتم الكلام الذي يسره الله على سورة المطففين، نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به، وأن يجعلنا من المتعظين الواعظين إنه جواد كريم.

стр. 1113

الأسئلة .

стр. 1114

حكم قراءة الإمام جزءاً من السورة في الصلاة فضيلة الشيخ: هل يجوز للإمام أن يقرأ بعض السورة أثناء الصلاة الجهرية؟ نعم. يجوز أن يقرأ المصلي سورة كاملة أو بعض سورة، سواء كان هذا البعض من أولها أو وسطها أو آخرها، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] وعموم قول النبي ﷺ : (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) لكن الأفضل أن يقرأ سورة كاملة؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ حين قال له: (هَلَاّ قرأت ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ، و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ) وما أشبه ذلك، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يقرأ سورة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، وطوال المفصل من (ق) إلى (عم) وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى) . هذا هو الأفضل، وإن قرأ في المغرب بطواله أحياناً فهذا من السنّة، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ فيها بالطور، وقرأ فيها بالمرسلات، وقرأ فيها بسورة الأعراف، لكن الغالب أن يقرأ من قصاره يعني: ينبغي أن تكون قراءته غالباً كما وصفنا؛ في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، وإن قرأ آيات من سورة فلا حرج؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه (قرأ في ركعتي الفجر في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. ) [البقرة:١٣٦] وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤] ) لكن كون الإنسان لا يقرأ السورة كلها إلا نادراً كما يوجد عند بعض الأئمة؛ لا تكاد تسمعه يقرأ سورة كاملة بل دائماً يقرأ آيات من السورة، وهذا لا شك أنه خلاف السنة.

стр. 1115

حكم رمي جمرة العقبة بست حصوات فضيلة الشيخ: حاج رمى جمرة العقبة بست وفي اليوم الثاني عشر، ثم سأل فقال له من سأله: تعيد رمي جمرة العقبة، وتعيد الرمي في اليوم الحادي عشر ثم رمي الثاني عشر، ولكنه سأل آخر فقال له: يكفيك رمي جمرة العقبة بست، فاختار الأسهل فهل الترتيب واجب؟ وماذا عليه؟ أما الذي أفتاه أولاً وقال له: ارم جمرة العقبة ليوم العيد ثم ارم ثلاث جمرات يوم الحادي عشر ثم ارم الجمرات الثلاث للثاني عشر، فقد سار على ما هو مشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ وهو: أنه لا بد من الترتيب، ولكن القول الراجح ما أفتاه به الآخر: وهو أنه يُعفى عن نقص الحصاة، فقد ذُكر أن الصحابة ﵃ كان بعضهم يرمي بست وبعضهم يرمي بسبع ولم ينكر أحد على الآخر، لاسيما لو تركها نسياناً، فالصحيح بأن رمي الست مجزئ.

стр. 1116

حكم قول: (بلى) بعد الآيات التي فيها استفهام فضيلة الشيخ: هل يقال بعد: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٦] دعاء أم لا؟ والآيات الأخرى كذلك كقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] ؟ يختلف الحكم بين ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٦] وبين ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فالأولى تقرير، فـ (هل) فيها بمعنى قد، أما ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] و ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] و ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] ، فهذا استفهام يحتاج إلى جواب، فإذا قلت: (بلى) فلا بأس، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال بعد قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] قال: (سبحانك فبلى) فإذا أجاب الإنسان على الاستفهام وقال: (بلى) ، فلا بأس.

стр. 1117

مسألة: رؤية الله تعالى في المنام فضيلة الشيخ: بالنسبة لرؤية الله في المنام، هل يصح القول بأن الرؤية يمكن أن تقع لأي مؤمن من المؤمنين؟ رؤية الله تعالى في المنام في الدنيا -أما في الآخرة فليس هناك نوم- هذه جاءت في حديث اختصام الملأ الأعلى الذي أخرجه أهل السنن (أن النبي ﷺ رأى ربه في المنام) ورؤية الله لغير النبي ﷺ لا أعلم أنها ثابتة ولا أدري هل تقع أم لا؟ لكنه قد ذكر أن الإمام أحمد ﵀ رأى ربه في المنام، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الإنسان قد يرى ربه في المنام، وذلك بأن الله يضرب له مثلاً بحسب تمسكه بالدين، يراه رؤية حسنة يكون في ذلك مساعدة له على التمسك بالدين والاستمرار على ما هو عليه، فالله أعلم. أنا أتوقف في أن الإنسان يرى ربه في المنام رؤيةً حقيقة، أما إذا كان الله تعالى يضرب له مثلاً يبين له تمسكه بدينه فهذا شيءٌ ليس بغريب.

стр. 1118

ضابط المعصية التي بها يصبح الفاعل فاسقاً هل المعصية الواحدة تجعل الإنسان فاسقاً؟ وهل هناك فرق بين المعصية الظاهرة مثل حلق اللحية وغيرها؟ المعروف عند أهل العلم أن الكبيرة الواحدة تجعل الفاعل فاسقاً ما لم يتب منها، وأما الصغيرة فلا تجعله فاسقاً إلا إذا أصر وداوم عليها، فحلق اللحية -مثلاً- قد يكون بذلك فاسقاً؛ لأن إصراره على الصغيرة دليل على تهاونه بالرب ، وبأوامره أو نواهيه، وهذه كبيرة بالنسبة للقلب، ولهذا لا يبعد أن تكون الصغيرة الواحدة كبيرة إذا فعلها الإنسان استخفافاً بحكم الله وعدم المبالاة، لا لهوىً نفسيٍ أوجب له أن يفعل ذلك، فقد تكون الصغيرة كبيرة. قال بعض العلماء: وقد تكون الكبيرة صغيرة إذا قام بقلب الإنسان الحياء من الله والخجل حال الفعل، ولكن نفسه الأمارة بالسوء ألجأته إلى الفعل، وهذا قد يكون فيه نظر، إنما كون الصغيرة تكون كبيرة بحسب ما قام بالقلب من التهاون بها فهذا ليس ببعيد، ولكن يبقى النظر فيما يترتب على فسقه؟ هل يترتب على ذلك أن نرد شهادته، أو أن نمنع إمامته، أو أن نمنع ولايته، وما أشبه ذلك؟ هذا محل خلاف بين العلماء، فبعض العلماء يقول: إن الإنسان إذا فسق سقطت ولايته حتى إنه لا يُزوج ابنته، ولا يكون إماماً في الجماعة، ولا تقبل شهادته، ولكن في هذا نظر؛ لأننا لو أخذنا بهذا القول لم نجد من الناس صالحاً للشهادة والولاية والإمامة إلا نادراً، وسوف أضرب لكم مثلاً بغير اللحية؛ اللحية قد يكون كثيرٌ من الناس يعفي لحيته ولا يتناولها بسوء لكن الغيبة قل من يسلم منها، وهي من كبائر الذنوب، إذا فعلها الإنسان مرة فقط ولم يتب كان بذلك فاسقاً تسقط عدالته، فلو أننا أخذنا بهذا القول بأن الفاسق لا يكون ولياً ولا إماماً ولا شاهداً ولا قاضياً فإن الأمر يكون مشكلاً جداً؛ لأنه قل أن يسلم أحدٌ من الغيبة، حتى الملتزمون إذا كانوا في مجالسهم ربما يغتابون، وقد يُسلط الملتزمون -مع الأسف- على اغتياب من غيبته أشد وأعظم، قد يُسلط هؤلاء الملتزمون على اغتياب العلماء والدعاة والأمراء والسلطان، واغتياب هؤلاء وغيرهم من ولاة الأمور ولو قلت ولايتهم -كمدير مدرسة مثلاً- أعظم من اغتياب عامة الناس، ويتضح ذلك بأننا إذا اغتبنا العلماء -مثلاً- قلّت ثقة الناس بهم، وإذا قلّت الثقة من الناس بهم؛ قل قبول الناس لما يقولون من شرع الله، وهذا خطر عظيم. إذا اغتبنا الأمراء أو السلطان قلّت هيبة الناس لهم، وسهل التمرد عليهم وعصيانهم، وهذا إخلالٌ كبير بالأمن، ولذلك كانت غيبة ولاة الأمر من العلماء والأمراء أعظم من غيبة عامة الناس؛ لأن غيبة عامة الناس إن حصل فيها مفسدة فإنما تكون للشخص نفسه فقط؛ لأنه ليس قاعدة ولا قدوةً في شيء. فالحاصل أن القول بأن الفاسق تسقط إمامته وولايته وشهادته قولٌ ضعيف، نعم. لو فرض أن رد شهادته أو منع ولايته أو عزله عن الإمامة يحصل به فائدة له ولغيره، بحيث ينتهي عن المعصية وينزجر غيره لكان منعه من ذلك متوجهاً، ويكون هذا من باب التعزير بالعزل عن الولايات، والتعزير بالعزل عن الولايات سائغٌ شرعاً، فقد روي (أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد وكانت من الإمام فعزل الإمام) وهذه العقوبة أصل في العزل عن الولايات والوظائف وما أشبه ذلك.

стр. 1119

حكم المداومة والاجتماع على دعاء معين بعض الناس لهم ورد دعاء يلتزمون به صباحاً ومساءً، بأن يدعو أحدهم ويؤمّن الباقون على هذا الدعاء بصوت مرتفع، ويسمى ورد الرابطة، ونصه هو: (اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك؛ فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمِتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير) فما حكم هذا؟ هذا الدعاء لا بأس به، دعاءٌ لا ينافي ما جاءت به السنة، وإن كان بلفظه لم يرد، لكن معناه صحيح، وأما الاجتماع عليه أو على غيره من الأدعية الواردة عن النبي ﵊ واتخاذ ذلك راتبة بعد كل صلاة أو بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة المغرب بدعة؛ لأن هذا لم يفعل في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة، وكل عبادةٍ يتعبد بها الإنسان لم تُفعل في عهد النبي ﵊ ولا في عهد أصحابه فإنها بدعة، وكل بدعةٌ ضلالة، فيُنهى عن ذلك ويقال: بدلاً من أن تجتمعوا على هذا الدعاء بصوتٍ مرتفع وتؤمّنوا عليه؛ كل أحد منكم يدعو لنفسه بما تيسر، مع أن الأفضل أن يكون الدعاء ليس بعد السلام بل قبل السلام؛ لأن ما بعد السلام ذكر، وليس دعاء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٠٣] ؟ وأما الدعاء فقال النبي ﵊ في حديث ابن مسعود ﵁ لما ذكر التشهد، قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما أحب) فجعل النبي ﵊ الدعاء بعد الفراغ من التشهد وقبل السلام، وجعل الله بعد السلام الذكر ولم يذكر الدعاء.

стр. 1120

حكم الصلاة على النبي ﷺ عند ذكره فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة على النبي ﷺ عموماً والصلاة عليه في التشهد الأخير وفي خطبة الجمعة؟ الصلاة على النبي ﷺ ركن من أركان الصلاة في التشهد الأخير عند كثير من أهل العلم لا تصح الصلاة إلا بها، أما في غير الصلاة فتجب الصلاة عليه إذا ذُكر اسمه، لحديث أبي هريرة ﵁، أن جبريل قال للنبي ﷺ : (رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك، قل: آمين، فقال: آمين) فيجب على الإنسان إذا سمع ذكر النبي ﷺ أن يقول: ﷺ . أما في خطبة الجمعة فقد ذكر بعض العلماء أن من شرط صحة الخطبة أن يصلي الخطيب على النبي ﷺ وقال بعض العلماء: إن ذلك سنة وليس شرطاً لصحة الخطبة.

стр. 1121

حكم تمثيل دور الصحابة والأئمة فضيلة الشيخ: ما حكم التمثيل بالصحابة والتابعين وما يحصل في المراكز الصيفية؟ أرى أن التمثيل بالصحابة والأئمة من التابعين وغيرهم لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى ازدرائهم واحتقارهم، لاسيما إن كان القائم بالتمثيل ممن ليس من أهل الصلاة كشخص حليق مثلاً، يجعل على نفسه لحية -كذباً- ويمثل أحداً من هؤلاء، فإن هذا لا يجوز. والذي ينبغي هو تجنب التمثيل كله، لكن إذا كان التمثيل لا يشتمل على محرم وهو في علاج مشكلة من المشاكل فأرجو ألا يكون في ذلك بأس، أما إذا اشتمل على شيء محرم من كذب أو نحوه فإن ذلك لا يجوز، وقد جاء في الحديث: (ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له) .

стр. 1122

حكم الدعاء بعد تكبيرة الإمام فضيلة الشيخ: هل ورد دعاء بعد تكبير الإمام تكبيرة الإحرام؛ لأني أرى بعض الناس يدعون بعد تكبيرة الإمام وربما دعوا بقول الله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠] وهل هذا الدعاء يجوز؟ لا يشرع الدعاء بعد تكبيرة الإحرام من الإمام، بل السنة إذا كبر الإمام أن تبادر وتكبر حتى تدرك فضل تكبيرة الإحرام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كبر فكبروا) والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، يعني: من حين أن يكبر وينقطع صوته من الراء بقوله: (الله أكبر) فكبر أنت ولا تشتغل لا بدعاء ولا بتسوك ولا بمخاطبة من بجانبك، فإن هذا يفوت عليك إدراك فضل تكبيرة الإحرام، وأما الدعاء بقوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) فهذا من دعاء إبراهيم ﵊، وليس بمشروط، لكن إن دعا به فلا بأس به ما لم يفوت عليه فضل تكبيرة الإحرام.

стр. 1123

كتاب (الحصن الحصين) في الميزان فضيلة الشيخ: أثناء تأدية الامتحان -يحفظكم الله- وجدت في جيب أحد الطلاب كتيباً يدعى (الحصن الحصين) هذا الكتاب يمنع شرور الإنس والجن ويحمي الحاضر، وإذا وضع في أحد المحلات التجارية فإنه يزيد الرزق على صاحب هذا المحل، ما رأي فضيلتكم في هذا؟ رأيي أن ذلك لا يثبت ولا يصح، وكتاب الحصن الحصين يحتاج إلى النظر فيه وما يحتويه من الأدعية، فهو يشتمل على أدعية غير صحيحة، فالاعتماد عليه لا يصح.

стр. 1124

كفارة من اغتاب غيره فضيلة الشيخ: ما كفارة الغيبة، وهل يكفي الدعاء لمن اغتيب؟ كفارة الغيبة إن علم صاحبك فاذهب إليه واستسمح منه، وإن لم يعلم فكفارة ذلك أن تستغفر له، وأن تذكر صفاته الحميدة في المجلس الذي اغتبته فيه؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.

стр. 1125

جواز ائتمام المتنفل بالمفترض فضيلة الشيخ: أمَّ متنفل مفترضاً، وكانت الفائتة لهذا المفترض أربع ركعات، فقام فصلى به ركعتين إماماً وسلم من الركعتين، ثم قام المفترض وأكمل الصلاة رباعية فما حكم ذلك؟ لا حرج أن يكون المتنفل إماماً للمفترض، ولا حرج أيضاً أن يصلي المتنفل ركعتين ثم يسلم وبعد سلامه يكمل المفترض ما بقي من صلاة الفرض؛ لأن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم نفس الصلاة؛ فهي له نافلة ولهم فريضة.
следующие страницы →