← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

حكم قصر الصلاة لمن عمله خارج بلده ويعود في نهاية الأسبوع رجل مقر عمله خارج البلد الذي يسكنه، ويحتاج إلى للوصول له بما هو مسافة قصر، وهو يبيت في مقر عمله أربعة أيام ثم يرجع إلى بلده بقية الأسبوع، فهل يعتبر مسافراً؟ هذا يعتبر مسافراً، مثل إنسان وكل إليه التدريس في قرية من القرى؛ يبقى فيها أسبوعاً، وفي عطلة آخر الأسبوع يرجع إلى أهله، فهذا يعتبر مسافراً، لكن يجب عليه أن يصلي مع المسلمين في جماعة. السائل: لكن إذا رجع إلى بلده هل يعتبر مسافراً؛ لأنه سيرجع؟ الجواب: لا. لأنه رجع إلى وطنه، فينقطع السفر.

стр. 1157

حكم من يقوم بإيصال كشوف الحسابات من البنوك إلى العملاء بالنسبة لسعاة البريد تأتيهم كشوف الحسابات من البنوك لإيصالها إلى عملاء البنوك، فما أدري حكم هذا بارك الله فيك؟ هل يعلمون أن في هذه الخطابات ربا؟ السائل: يعلمون أن فيها كشف حساب. الجواب: ليس في ذلك شيء؛ لأن كشف الحساب إذا لم يكن فيه ربا فليس فيه شيء.

стр. 1158

كيفية التعامل مع أهل البدع إذا كانوا معنا في العمل أنا أعمل في الشرقية، وفي الآونة الأخيرة دخل معنا الرافضة في العمل العسكري بكثرة، ونتعامل معهم في الأكل والشرب، والمجالسة والمخالطة، ونعلم بنواياهم الخبيثة، ومذهبهم التقية، ولا نعلم الولاء والبراء من ناحية هؤلاء، وكثير من إخواننا هناك يتعاملون معهم بضحك، وأخذ وعطاء، ومعاملة كثيرة، ولا يبدون الكراهية لهم، فما حكم هذا يا شيخ؟ الذي أرى أن تحرصوا على أن تتألفوهم للأخذ بالسنة وتقولوا لهم: أنتم الآن مقرون أننا أهل السنة فهل أنتم تكرهون السنة أم لا؟ ونحن نوافقكم أن من آل البيت من ظُلم كـ الحسين بن علي ﵁، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتبع سنة محمد ﷺ ، وجادلوهم بهذه الأشياء لكن بدون عنف؛ بإرادة هدايتهم، ولعل الله أن يهديهم، فإذا قالوا مثلاً: أئمة الشيعة فيهم كذا وكذا، قلنا: نعم. وأئمة السنة فيهم الخير والصلاح، وجادلوهم لعله مع كثرة المجادلة -وأقصد المناشة- لعله يحصل في هذا خير. السائل: يا شيخ! الموجودون في مجال العمل عامة ليس لهديهم علم ولا يفهمون، والولاء والبراء عندهم يأخذون ويعطون بشكل كبير؟ الشيخ: أنا قصدي أن هؤلاء الشيعة، أما السنة عوامهم أنهم ربما لا يعرفون عن هذا الشيء. هذا أمرهم منتهي. السائل: وإذا كان عليهم خطر منهم؟ الشيخ: إذا كان عليهم خطر منهم فيجب أن يعلم هؤلاء العامة الحق حتى لا يضلوا، أو أن نسألهم بين حين وآخر: هل قالوا لكم شيئاً؟ لأن قصدي أن أهل السنة يتألفون الشيعة ليدخلوهم في السنة.

стр. 1159

ضابط استمتاع الرجل بزوجته ما الضابط في حدود استمتاع الرجل بزوجته في جميع بدنها؟ الضابط ألا يأتيها في دبرها، ولا يأتيها في القبل في حال الحيض أو النفاس، هذا هو الضابط؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٢٩-٣١] .

стр. 1160

حكم الطعام الساقط على السفرة الطعام الذي يسقط على السفرة هل يدخل في حديث إماطة الأذى؟ نعم. الطعام الذي يسقط على السفرة داخل في قول الرسول ﷺ : (إذا سقطت لقمة أحدكم، فليأخذها وليمط ما بها من أذى، ولا يدعها للشيطان) .

стр. 1161

تحريم قول القائل: (من سخرية القدر كذا وكذا) بعض الكتاب يقولون: من سخرية القدر كذا وكذا، فهل يجوز هذا القول؟ لا يجوز للإنسان أن يقول هذا القول؛ لأن القدر تقدير الله ، وتقدير الله كله حكمة، نعم. يسخر الله من بعض الناس كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] لكن القدر من حيث هو قدر ليس سخرية، كله حكمة، وكله موافق للصواب، وكله جد، لكن من سخر بالله، وبأولياء الله؛ سخر الله منه، ومن سخرية الله بهؤلاء أنهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤-١٥] .

стр. 1162

بيان استخلاف الله للإنسان في الأرض بالنسبة للخليفة عن الله ، أليس الخليفة يكون عن الغائب؟ نعم. لكن جعله خليفة، يعني: جعله يقوم بشرع الله ، وينفذ شرع الله في عباد الله. قلت: إنه إذا أراد الإنسان بقول: خليفة الله، أنه نائب عن الله كما ينوب أحد عن الآخر؛ فهذا لا يجوز؛ لأن الله هو الذي بيده الملك، وإن أراد خليفة بمعنى: أنه قائم بأمر الله لينفذ شرع الله في عباد الله؛ فهذا ليس فيه بأس.

стр. 1163

حكم نظر المكلف بالنهي عن المنكر إلى الأفلام للتأكد من خبثها رجال الهيئة أو رجال الحسبة إذا ألقوا القبض على بعض الأفلام الخليعة، أو وصلهم بلاغ بهذه الأفلام، أو مثلاً بعض الصور، هل لهم أن ينظروا إلى هذه الأفلام للتأكد، أم المرء يكلف بنفسه؟ لا بأس أن ينظر رجال الحسبة إلى هذه الأفلام؛ ليطلعوا على ما فيها من خبث، لكن من لا يأمن على نفسه؛ لا يجوز له أن ينظر.

стр. 1164

حكم سفر المرأة بدون محرم يقول النبي ﵌ (لا تسافر المرأة بدون محرم أكثر من يوم وليلة) أو كما قال، فكأن مفهوم الحديث أن ما قل عن ذلك أنه يجوز لها أن تسافر أقل من يوم وليلة؟ التحديد بيوم وليلة أو بأكثر مختلف، ولهذا أخذ العلماء بالعموم، قالوا: ما دام ورد في يوم وليلة وثلاثة أيام علم أن القيد ليس بواجب.

стр. 1165

لقاء الباب المفتوح [٣٢] شرح الشيخ أوائل سورة الانشقاق، وما فيها من تفسير لتغير نظام الكون يوم القيامة، وعن حال الإنسان في الدنيا وأن نهايته إلى الله لا محالة. ثم أجاب عن أسئلة كان من ضمنها سؤال عن علاقة الرعية بولاة الأمر، ومنهج أهل السنة والجماعة تجاههم، وأسئلة أخرى عن ضوابط بعض الإطلاقات الشرعية كلفظ الشهيد والنفاق وغير ذلك من الأسئلة.

стр. 1166

تفسير آيات من سورة الانشقاق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني لشهر صفر عام (١٤١٤هـ) ، في يوم الخميس العاشر من شهر صفر. نبدأ كالعادة بالكلام على ما تيسر من كتاب الله ، ونحن قد انتهينا من تفسير سورة النبأ إلى آخر المطففين. يقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] وقد تقدم الكلام على البسملة، وبينا أن البسملة آية من كتاب الله مستقلة، وليست من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، وإنما يؤتى بها في ابتداء السور إلا سورة براءة، وليست آية من الفاتحة، وإن كان المكتوب في المصاحف أنها آية، لكن القول الراجح الذي هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وعليه عامة أصحابه؛ أنها ليست آية من الفاتحة وهو الذي دل عليه حديث أبي هريرة ﵁، حيث قال النبي ﷺ فيما يرويه عن الله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين؛ قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم؛ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين؛ قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم؛ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) . وعلى هذا فتكون الآية الأولى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، والثانية: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، والثالثة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، والرابعة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، والخامسة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، والسادسة: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، والسابعة: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) . وهذا كما أنه الموافق لما دلت عليه السنة فهو الموافق أيضاً للسورة لفظاً ومعنى: أما لفظاً: فلتناسب الآيات في الطول؛ لأنه لو كانت صراط الذين أنعمت عليهم إلى آخر السورة آية واحدة لم تتناسب مع ما قبلها في الطول، وأيضاً لو كانت آية؛ لم تكن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وسط الآيات بل تقع على هذا التقدير الخامسة؛ فالآيات الثلاث الأولى كلها لحق الله ، والآيات الثلاث الأخيرة كلها لحق الإنسان، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] ، والآية الرابعة الوسطى بين الله وبين العبد، هذا هو القول الراجح في أن الفاتحة أولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] .

стр. 1167

تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انشقت) أما السورة التي نبتدئ بها الآن فهي قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] (انشقت) انفتحت وانفرجت، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:٩] ، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٧-٣٩] ، إذاً فانشقاقها يوم القيامة.

стр. 1168

تفسير قوله تعالى: (وأذنت لربها وحقت) قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٢] (وأذنت) بمعنى: استمعت وأطاعت أمر ربها أن تنشق؛ فانشقت مع أنها كانت كما وصفها الله تعالى سبعاً شداداً قوية، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، وقال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ [النبأ:١٢] فهذه السماء القوية العظيمة تنشق يوم القيامة وتنفرج بإذن الله ، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٢] أي: وحق لها أن تأذن -أي: تسمع وتطيع- لأن الذي أمرها ربها وخالقها ، فتسمع وتطيع؛ كما أنها سمعت وأطاعت في ابتداء خلقها، قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] . فتأمل أيها الآدمي البشر الضعيف كيف كانت هذه المخلوقات العظيمة تسمع وتطيع لله بهذه الطاعة العظيمة في ابتداء الخلق وفي انتهاء الخلق، ثم قال: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٢] تأكيداً لاستماعها لربها وطاعتها له.

стр. 1169

تفسير قوله تعالى: (وإذا الأرض مدت) قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:٣] وهذه الأرض التي نحن عليها الآن هي غير ممدودة: أولاً: لأنها كروية مدورة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحة قليلاً -أي: ممتدة قليلاً- فهي مدورة الآن، ثم هي أيضاً معرجة فيها المرتفع جداً وفيها المنخفض، وفيها الأودية والسهول، والرمال؛ فهي غير مستوية، لكن يوم القيامة تمد مداً واحداً كمد الأديم -أي: كمد الجلد- كأنما تفرش جلداً أو سماطاً، تمد حتى إن الذين عليها -وهم الخلائق- يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر؛ لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم، لكن يوم القيامة إذا مُدت صار أقصاهم مثل أدناهم كما جاء في الحديث: (يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر) .

стр. 1170

تفسير قوله تعالى: (وألقت ما فيها وتخلت) يقول تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٤-٥] ألقت ما فيها، ما الذي فيها؟ فيها جثث بني آدم تلقيها يوم القيامة؛ تلقي هذه الجثث فيخرجون من قبورهم لله كما بدأهم أول الخلق، أي: كما خرجوا من بطون أمهاتهم؛ يخرجون من بطون الأرض، وأنت خرجت من بطن أمك حافياً عارياً أغرل إلا بعض الناس قد يخلق مختوناً، لكن عامة الناس يخرجون من بطون أمهاتهم غرلاً؛ كذلك تخرج من بطن الأرض يوم القيامة حافياً ليس عليك نعال، وعارياً ليس عليك كساء، وأغرل لست مختوناً، ولما حدث النبي ﷺ بذلك قالت عائشة: (يا رسول الله! الرجال والنساء؟ قال: الرجال والنساء بادياً عوراتهم، لكن الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك) الأمر شديد، فكل إنسان لاهٍ عن غيره بنفسه، يقول تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] . والإنسان إذا تصور الناس في ذلك الوقت مجرد تصور؛ فإنه يرتعد ويخاف، وإذا كان عاقلاً مؤمناً؛ عمل لهذا اليوم.

стр. 1171

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) ثم قال : ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] (الكادح) هو الساعي بجد ونوع مشقة، وقوله: (إلى ربك) يعني: إنك تكدح كدحاً يوصلك إلى ربك، انتبه! كدحاً يوصل إلى الله يعني: أن منتهى كدحك مهما كنت ينتهي إلى الله؛ لأننا سنموت، وإذا متنا رجعنا إلى الله ، فمهما عملت فإن المنتهى إلى الله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] ، ولهذا قال: ﴿كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ [الانشقاق:٦] حتى العاصي كادح، غايته الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥-٢٦] لكن الفرق بين المطيع والعاصي: أن المطيع يعمل عملاً يرضي الله، يصل به إلى مرضاة الله يوم القيامة، والعاصي يعمل عملاً يغضب الله؛ لكن مع ذلك أين ينتهي؟ إلى الله . إذاً قوله تعالى: (يا أيها الإنسان) يعم كل إنسان، مؤمن أو كافر. ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] يقول النحويون: الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، أي: فأنت ملاقيه عن قرب، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤] وكل آتٍ قريب ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧] . وإذا شئت أن يتبين لك أن ملاقاة الرب قريبة؛ فانظر ما مضى من عمرك الآن، فلو مضى عليك مائة سنة؛ كأنما هذه المائة السنة ساعة واحدة، كل الذي مضى منها كأنه ساعة واحدة، إذاً هو قريب. وإذا مات الإنسان أتظنون أن البرزخ الذي بين الحياة الدنيا والآخرة طويل؟! هو قريب كاللحظة، فالإنسان إذا نام نوماً هادئاً، ولنقل أربعاً وعشرين ساعة وقام كم يقدر النوم؟ دقيقة واحد، مع أنه يمكن أن يكون نام أربعاً وعشرين ساعة، فإذا كانت مفارقة الروح في الحياة يمضي بها الوقت بهذه السرعة؛ فما بالك إذا كانت الروح بعد خروجها من البدن مشغولة إما بنعيم أو جحيم؟! ستمر ملايين السنين على الإنسان وكأنها لا شيء؛ لأن امتداد الزمان في حالة يقظتنا ليس كامتداد الزمن في حالة نومنا، فالإنسان القائم من طلوع الشمس إلى زوالها يحس بأن الوقت طويل، لكن لو كان نائماً ما أحس بذلك الطول. ألم تر إلى الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] . وأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وتسعاً، فلما بعثوا قال بعضهم لبعض كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذا يدل على أنه لا عجب أن ملايين السنين تذهب على هؤلاء الأموات وكأنها دقيقة واحدة؛ لأن حال الإنسان بعد أن تفارق روحه بدنه سواء كانت مفارقة كلية أو جزئية غير حاله إذا كانت الروح في البدن؛ لأنه يعاني من المشقة والمشاكل والهواجس، والوساوس، أشياء تطيل عليه الزمن، ولكن في النوم يتقلص الزمن كثيراً، وفي الموت يتقلص أكثر وأكثر، فهؤلاء الذين ماتوا ولهم ملايين السنين، أو آلاف السنين؛ كأنهم لم يموتوا إلا اليوم، ولو بعثوا وقيل لهم كم لبثتم؟ لقالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم. وهذه مسألة قد يرد على الإنسان فيها إشكال، ولكن لا إشكال في الموضوع، مهما طالت المدة لأهل القبور فإنها قصيرة، ولهذا قال: (فملاقيه) فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وما أسرع أن تلاقي الله ! ثم قسم الله الناس إلى قسمين: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، ومنهم من يأخذ كتابه وراء ظهره.

стр. 1172

الأسئلة

стр. 1173

وقوع الأجر لمن فعل فعلاً متعدياً بغير نية هل يثاب المسلم إذا عمل أعمالاً بغير نية، كإماطة الأذى عن الطريق، وكالمصافحة وحضور مجالس الذكر من غير نية يطلب الأجر من الله تعالى؟ الأعمال الصالحة قسمان: النوع الأول: أعمال لازمة لا يتعدى نفعها للغير، فهذه إن عملها الإنسان بنية أثيب ولو بنية القيام بالواجب؛ يعني: ولو لم ينو الاحتساب لكنه نوى القيام بالواجب فإنه يثاب. والنوع الثاني: عبادات متعدية ينتفع بها الغير، فهذه يؤجر على انتفاع الغير بها، وإن لم يكن له نية عند فعلها، ولهذا أخبر النبي ﷺ أن من زرع زرعاً أو غرس شجرة فأصاب منها حيوان أو سرق منها؛ فإن له بذلك أجراً، مع أنه ربما يغرس ولا ينوي هذه النية، ولكن ما دام فيه انتفاع للناس فله أجر به، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] وهذا إذا فعله الإنسان ولو لمجرد الإصلاح بدون قصد الثواب ففيه خير، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] وهذا أمر زائد على الخير الذي ذكره الله في أول الآية. فإماطة الأذى عن الطريق نفعها متعدٍ؛ فيثاب الإنسان عليه، وإن لم يكن له نية على هذه الإماطة.

стр. 1174

منهج أهل السنة في التعامل مع ولاة الأمر كما تعلمون أن من نعم الله تعالى على هذه البلاد أنها على منهج الكتاب والسنة، ولكن هناك من يقحم بعض المناهج أو الدعوات، وربما بعض المذاهب الضالة كمذهب الخوارج فهل ترون بهذا مسوغاً، أم أنه يفرق الأمة ويشتت الصف؟ لقد بين الرسول ﷺ في خطبه يوم الجمعة وفي مناسبات أخرى أن خير الكلام كلام الله، وأن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وإذا نظرنا إلى هدي الرسول ﷺ وجدنا أنه يريد أن تكون الأمة أمة واحدة، لا تتفرق، ولا تختلف، ولا يكون في قلوب بعضها شيء على الآخرين؛ حتى أن الرسول ﷺ يترك ما هو اختياره لدرء الفتنة، وحتى أنه ﷺ أمر بالصبر على ولاة الأمور على ظلمهم، وعلى جورهم، وعلى أثرتهم واستبدادهم، وأخبر أن هذا سيكون فقال للأنصار ﵃: (إنكم ستلقون بعدي أثرة -أي: استئثاراً عليهم- فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) ، وقال ﷺ : (من رأى من أميره ما يكره فليصبر) ، وقال ﷺ : حينما سأله رجل عن بعض الأمراء يسألون حقهم ويمنعون حق الرعية فقال: (اسمعوا وأطيعوا؛ فإن عليهم ما حُملوا، وعليكم ما حُملتم) . ولا شك أن مما يخالف هدي النبي ﷺ إيغار الصدور على ولاة الأمور، والحديث بما يوجب كراهتهم وبغضهم، وذلك لأن الأمة الإسلامية يقوم أمرها على صنفين من الناس: على العلماء، وعلى الأمراء، وهم أولو الأمر الذين قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] . قال المفسرون وغيرهم من أهل العلم: أولوا الأمر منا هم العلماء والأمراء، فالعلماء قادة الأمة بشريعة الله، والأمراء قادة الأمة بسلطان الله ، فلولا العلماء والأمراء ما استقامت الأمة؛ لأن العلماء يقودون الناس بالشريعة، والأمراء يقودون الناس بالسلطة والتنفيذ. فإذا تكلم أحد في الأمراء، أو تكلم في العلماء بما يوجب عداوتهم والحط من قدرهم فإن الأمة تضيع؛ لأنه لا يكون لها علماء تثق بأقوالهم فتضيع الشريعة، وليس لديها أمراء تثق بتصرفاتهم فيضيع الأمن، ولهذا نرى أن من الخطأ الفاحش ما يقوم به بعض الناس من الكلام على العلماء أو على الأمراء فيملأ قلوب الناس عليهم بغضاً وحقداً، وإذا رأى شيئاً من هؤلاء؛ يرى أنه منكر، فالواجب عليه النصيحة، وليس الواجب عليه إفشاء هذا المنكر، أو هذه المخالفة، ونحن لا نشك أنه يوجد خطأ من العلماء، ويوجد خطأ من الأمراء؛ سواء كان متعمداً، أو غير متعمد، لكن ليس دواء المرض بإحداث مرض أعظم منه، ولا زوال الشر بشر أشر منه أبداً، ولم يضر الأمة الإسلامية إلا كلامها في علمائها وأمرائها، وإلا فما الذي أوجب قتل عثمان؟ هو الكلام فيه، تكلموا فيه وأنه يحابي أقاربه، وأنه يفعل كذا، ويفعل كذا، فحملت الناس في قلوبها عليه، ثم تولد من هذا الحمل كراهة، وبغضاء، وأهواء، وعداء؛ حتى وصل الأمر إلى أن قتلوه في بيته وتفرقت الأمة بعد ذلك. وما الذي أوجب قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طلب إلا هذا؟ خرجوا عليه وقالوا: إنه خالف الشرع وكفروه، وكفروا المسلمين معه، وحصل ما حصل من الشر. فالواجب علينا أيها الإخوة! ونحن في هذا البلد -ولله الحمد- كما قال السائل بلد آمنة ومطمئنة، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وهي من خير ما نعلمه في بلاد المسلمين تطبيقاً للشريعة، وهذا أمر مُشاهد، ولا نقول: إنها تامة مائة في مائة، بل عندهم قصور كثير، ويوجد ظلم، ويوجد استئثار، لكن الظلم إذا نسبته إلى العدل وجدت أنه لا شيء، ومن الظلم أن ينظر الإنسان إلى الخطأ، ويغمض عينيه عن الصواب، فإذا كان كذلك فالواجب أن الإنسان يحكم بالعدل لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] وشنئان يعني: بغض، ويجرم بمعنى يحمل -أي: لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:٨] . فأقول: إننا -ولله الحمد- في بلاد آمنة ولله الحمد والمنة، وهي خير ما نعلمه في بلاد المسلمين في تطبيق الشريعة، فالواجب علينا أن نحرص على توحيد الكلمة ما استطعنا، وأن نجعل الخلاف الذي يكون بيننا من باب الاجتهاد المأجور صاحبه مع حسن النية؛ إما أجرين إن أصاب أو أجراً واحداً إن أخطأ، وأن نتناقش فيما بيننا -فيما يظن بعضنا أنه خطأ- حتى نصل إلى الصواب جميعاً، وإذا علم الله من نيتنا أننا نريد الحق يسره الله، ويسر لنا الاجتماع عليه، هذا ما أحببت أن أقوله حول هذا الموضوع، وأرى أنه يجب الكف عن نشر مساوئ الناس ولا سيما العلماء والأمراء، وأنه يجب إصلاح الخطأ بقدر الإمكان، ولكن بالطريقة التي يحصل بها المقصود ونسلم فيها من المحذور.

стр. 1175

حدود استئذان الوالدين ما هي حدود استئذان الوالدين؟ الوالدان الأم والأب برهما واجب، وعقوقهما من كبائر الذنوب، كما في حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) . لكن ليس كل شيء يُستأذن فيه الوالدان، فلو أراد الإنسان أن يصلي صلاة فريضة فلا يستأذن والديه، بل لو قالا: لا تصل مع الجماعة مثلاً، وجب عليه معصيتهما لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] ولقول الرسول ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، ولا يجب استئذانهما أيضاً في صلاة النافلة إلا إذا كان لهما شغل وهما محتاجان إليه، فحينئذٍ يستأذنهما؛ لأنهما إذا احتاجا إليك كان القيام بحاجاتهما من البر، والبر واجب وصلاة النافلة تطوع، وحينئذ تستأذن منهما، وأما إذا كانا لا يحتاجان إليك، ولا ضرر عليهما فيما تفعل من الطاعة، فلا حاجة للاستئذان منهما.

стр. 1176

حكم الأماكن التي توجد داخل سور المسجد يوجد في بعض المساجد مكاتب وهي إما أن تكون في الطابق العلوي أو ملاصقة للمصلى، فهل تأخذ حكم المسجد؟ يقول العلماء ﵏: ما كان في داخل سور المسجد وبابه من الداخل فهو من المسجد، فتأخذ حكم المسجد يعني: أنه لا يلبث فيها الجنب إلا بوضوء، ولا يصح فيها البيع والشراء، وإذا دخلت فصلِّ ركعتين، أي تأخذ جميع أحكام المسجد المعروفة.

стр. 1177

ضابط لباس الشهرة يوجد في مدينتنا بعض الشباب الطيب الذين يلبسون العمامة وخاصة في المناسبات كالجمع والأعياد، وقمنا بالحديث معهم بأن لبسها ليس بسنة، وإنما هذا راجع إلى عرف البلد، وأنها قد يكون لباس شهرة وتميز في الوقت الحالي، وكان جوابهم أن هذا لبس الرسول ﷺ ، وقد فعله ولنا فيه قدوة، والناس لما بعدوا عن الدين استنكروا هذا اللباس، فما رأيكم وتوجيهكم في هذا الأمر حفظكم الله ورعاكم؟ رأينا أن هذا القول يحتاج إلى تعمق في الفقه، وذلك أن النبي ﷺ لبس العمامة، ولبس الإزار، ولبس الرداء؛ لأن الناس كانوا يلبسونه، ومعنى ذلك: أن لبس ما اعتاده الناس ولم يكن محرماً بعينه فهو سنة. أما ما كان محرماً بنوعه كالحرير للرجال، أو بصفته كلبس الرجال ما ينزل عن الكعب؛ فهذا لا يجوز ولو اعتاده الناس، لكن ما كان مباحاً وكان من عادة الناس؛ فإن السنة أن تلبس كما يلبسون؛ لأنك لو خرجت عن ذلك لصار شُهرة، ولا يمكن لأي إنسان أن يأتي بدليل على أن الرسول أمر بالعمامة، ولو أمر بها لعلمنا أنها عبادة؛ لأن كل ما أمر به الرسول ﷺ فهو عبادة إلا في أشياء دل الدليل على أنها للإباحة، ولكن لا يوجد أي حديث يأمر بلبسها، إنما هي من فعل الرسول؛ لأن الناس كانوا يعتادون هذا، وقل لهؤلاء الإخوة: إذاً البسوا إزاراً ورداءً؛ لأن الرسول صلى عليه وسلم كان يلبس إزاراً ورداءً ويلبس القميص أحياناً. فنقول للإخوة: إن فعلكم هذا شهرة ولا سيما إذا كان في المناسبات، وكأن الفاعل يقول للناس: انظروا إليَّ فإني أنا صاحب السنة، ومن ليس عليه هذا اللباس؛ فليس على السنة، هذا لسان حاله؛ وإن لم يذكره بلسان مقاله. فنصيحتي لهم أن يلبسوا كما يلبس الناس، وهاهم علماؤنا السابقون واللاحقون ما رأينا أحداً منهم يفعل ذلك، وهم على جانب من الصلاح، والتقى، والعلم، والحرص على التمسك بالسنة، وهم أفقه من هؤلاء بلا شك. وأقول: بلغهم أننا نشكرهم على حصرهم على اتباع السنة، ولكن أحب أن يتعمقوا في السنة أولاً، ويعرفوا ما يريده الشرع من اتحاد الناس واتفاقهم، وعدم اختلافهم حتى في الزي، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الشهرة في اللباس فقال: (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوباً مثله ثم ألهب فيه النار) .

стр. 1178

ضابط إطلاق كلمة (شهيد) في الشرع يقول الرسول ﷺ : (سيد الشهداء حمزة. ) إلى نهاية الحديث، فما هو الضابط في إطلاق كلمة شهيد؟ أهي على من مات في المعركة، أو على صالح حُبس أو سُجن فمات هل يطلق عليه لفظ شهيد؟ كلمة شهيد لا شك أنها لفظ محبوب للنفوس ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] ، ولكن لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا من شهد له الرسول ﷺ لوجوه: الوجه الأول: لو رأينا رجلاً يقاتل الكفار فقتل فإننا لا نقول: هذا شهيد، لكن نقول: نرجو أن يكون شهيداً، أو نقول على سبيل العموم: كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، وذلك أن الشهادة تنبني على أمر غير معلوم لنا، تنبني على نية القلب، ونية القلب غير معلومة، ولهذا قال النبي ﷺ : (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله. ) وهذا احتراز من أحسن الاحترازات، كأنه يقول: ولا تحكموا على كل من قُتل أو جرح في سبيل الله أنه في سبيل الله؛ لأن الله أعلم بمن يكلم في سبيله، وحينئذ لا نأخذ بالظاهر، أي: لا نشهد بأن هذا شهيد؛ لأنه قد يكون في قلبه شيء لا نعلمه، فالإنسان قد يقاتل شجاعة، وقد يقاتل حمية، وقد يقاتل لعصبية وهي الحمية، وقد يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وهذا في سبيل الله، لكن هذا مبني على النية. الوجه الثاني: أننا لا نقول: فلان شهيد؛ لأننا لو قلنا: فلان شهيد؛ لزم أن نشهد له بأنه من أهل الجنة؛ لأن كل شهيد فهو من أهل الجنة لا شك، ولا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه من أهل الجنة إلا من شهد له الرسول ﷺ ، ونحن إذا لم نقل: إنه شهيد، وكان عند الله شهيداً؛ لم تضره عدم شهادتنا له، وإذا قلنا: إنه شهيد، وهو ليس عند الله بشهيد، هل تنفعه شهادتنا له؟ فإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا نطلق ألسنتنا في أمر لا نعلمه؟ ولكن نقول: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ونرجو أن يكون هذا الرجل ممن قتل في سبيل الله فينال الشهادة.

стр. 1179

ارتكاب المعاصي من أسباب عذاب القبر مر الرسول ﷺ على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) الحديث، فشهد أنهما يعذبان وهما من الصحابة، وبالقطع الصحابة أفضل ممن بعدهم، فهل يدل هذا على أن كل من مات منَّا أنه سيعذب؟ لا. هذان الرجلان يعذبان في أمر عصيا الله فيه، قال: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) ، فمن فعل هذا فإنه يعذب في قبره. ولسنا أفضل من الصحابة قطعاً، ولكن إذا تجنبنا هذا العمل الذي هو من أسباب التعذيب في القبر؛ فإننا لن نعذب إلا أن يكون هناك سبب آخر.

стр. 1180

حكم طلاق الحامل عند الغضب رجل نهى زوجته أن تضرب الأولاد ولكنها فعلت، فقال لها غاضباً: أنت طالق طالق طالق، وهي حامل، وبعضهم أفتاه بأنها طلقة واحدة، وبعضهم قال: ثلاث، وآخر قال: إن الطلاق لا يقع على الحامل، فما قولك؟ قولنا: إننا في عصر كثر فيه المتكلمون بغير علم، ولهذا يجب على الإنسان ألا يعتمد على أي فُتيا إلا من شخص معروف موثوقٍ، فهذا الذي قال: إن الحامل لا تطلق جاهل جهلاً مركباً، والجهل المركب أشد من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل جهلاً بسيطاً يعلم فيتعلم، لكن الجاهل جهلاً مركباً يرى أنه عالم فيتكلم بما لا يعلم، فالذي قال: إن الحامل لا تطلق، قد خالف القرآن لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ثم قال في نفس السورة: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] إذاً فالحامل تطلق بهذا النص والإجماع، ولم يخالف أحد بذلك، حتى لو جامعها زوجها في الليل وطلقها في النهار فلا بأس. فنقول للأخ السائل: زوجته طلقت إلا إذا كان غضب غضباً شديداً لم يملك نفسه معه؛ فلا طلاق عليه؛ لقول النبي ﷺ : (لا طلاق في إغلاق) ، لأن الغضب الشديد يحمل الإنسان على أن يقول شيئاً لا يريده، فإن كان في غضب يسير يملك نفسه ثم قال: أنت طالق، طالق، طالق، فالطلاق واحدة حتى على مذهب الحنابلة المشهور عندهم؛ لأن هذا لم يكرر الجملة، إنما كرر جزء الجملة، فالجملة قوله: أنت طالق، لكن هو قال: طالق طالق، فكرر الخبر فقط، قال الفقهاء من الحنابلة: فتطلق واحدة ولا يلزمه أكثر من واحدة إلا بنية، إذا نوى بقوله: طالق طالق طالق، كل واحدة بطلقة؛ فإنها تكون ثلاثاً، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء ﵏، ولكن الصحيح أنها لا تطلق إلا واحدة على كل حال، حتى لو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق فهي واحدة، أو قال: أنت طالق ثلاثاً فهي واحدة، لقول ابن عباس ﵄: [كان الطلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فلما كثر ذلك في الناس قال عمر ﵁: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم] فأمضاه عليهم، فالقول الراجح في هذه المسألة أنها لا تطلق بهذا إلا واحدة فقط، وإذا لم يسبق منه طلقتان فله أن يراجعها فيُشهد اثنين على أنه راجع زوجته وهي في عصمته.

стр. 1181

ما يفعله من فاته قيام الليل متى أصلي صلاة القيام إذ لم أقم إلا بعد أذان الفجر؟ إذا فات الإنسان قيام الليل لمرض أو نوم غلبه فإنه يصلي في النهار، ولكن إذا كان من عادته أن يوتر بثلاث يجعلها أربعاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس يجعلها ستاً؛ لأن النبي ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع من الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة.

стр. 1182

حكم استعمال الإشارة في أحاديث الصفات لتقريب معنى الصفة ونحوه معلم يعلم الناس، ففي مبحث الصفات في العقيدة تراه يشير لتقريب الفهم، فمثلاً إذا أورد حديثاً في تجلي الرب لموسى أظهر خنصره، فيشير بالخنصر أو نحوه من أحاديث الصفات، فهل هذا العمل يسوغ؟ وإذا كان سائغاً فعلامَ يحمل نهي بعض السلف عن ذلك، كقول الشافعي وغيره، وجزاكم الله خيراً؟ هذه مسألة خطيرة، ولسنا أحرص من النبي ﷺ على إبلاغ الأمة، ولم يكن من عادته أنه ﷺ يشير إذا تكلم عن الصفات، فإنه حدث أمته أن الرب ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: (من يدعوني فأستجيب له) . وهل الرسول ﷺ قدم رجله ليرى الناس كيف ينزل الله؟ أبداً. وقال: (إنه يأتي للفصل بين عباده يوم القيامة) ولم يقل هكذا وهكذا، وكذلك استوى الله على العرش ولم يقل كاستوائي على السرير، أو يحاول أن يكيف ذلك. ولا شك أن الذي يُحدِّث العامة ثم يشير بيده إلى معنى الصفة لا شك أنه سوف يجعل في قلوب العامة التمثيل -أي: سينتقلون من المعنى إلى التمثيل- لأن العامي لا يفهم ولا يفكر، فنقول لمن أراد أن يبين أو أن يبلغ عن الله ورسوله ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات، نقول: يكفيك هدي النبي ﷺ . ثم إنه قد يورد علينا: (أن الرسول ﷺ قرأ قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)) [النساء:٥٨] ووضع إصبعه على عينه والثانية على أذنه) ، فنقول: إن الرسول ﷺ أراد بيان تحقيق هذه الصفة، ثم إنه يحدث قوماً عندهم فهم وعندهم وعي، أما العامة ولا سيما في وقتنا هذا فإنهم لو حدثوا بوصف كل الصفات بالفعل لكان لبعضهم فتنة، وقد قال ابن مسعود ﵁: [إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم؛ إلا كان لبعضهم فتنة] وقال علي ﵁: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟] . فإذا أورد علينا شخص مثل هذا الذي وقع من النبي ﷺ في السمع والبصر، أو في قبض السماوات يوم القيامة، فإنا نقول له: لكل مقام مقال، ثم إننا نقتصر على ما جاء به النص فقط، فلا يشير في شيء آخر؛ لأنه لم يرد فيه النص.

стр. 1183

واجب الولد إذا تعارض أمر الوالد والوالدة له ما الحكم إذا تعارض أمر الوالد مع الوالدة؟ إذا تعارض أمر الوالد والوالدة فيجب أن تداريهما وأن تقضي شغل الوالد وشغل الوالدة، فإذا تعذر ذلك يُنظر أيهما أكثر ضرراً إذا خالفته، فإن كان الأكثر ضرراً الوالد فاقض حاجة الوالد، وإن كانت الوالدة أكثر ضرراً فاقض حاجة الوالدة، وإن تساويا فقدم الوالدة؛ لأن النبي ﷺ سُئل عن أحق الناس بحسن صحبتي قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) .

стр. 1184

حكم تقسيم الناس إلى درجات من جهة التلقي بعض أهل العلم يقسم الناس من حيث التلقي إلى ثلاث مراتب: مرتبة الاجتهاد وهم العلماء، ومرتبة الاتباع وهم طلبة العلم، ومرتبة التقليد وهم العوام، فما رأي فضيلتكم في هذه القسمة؟ نعم. الناس يختلفون، فمنهم من يصل إلى درجة الاجتهاد ومنهم دون ذلك، ومنهم من يكون مجتهداً في مسألة من المسائل، يحققها ويبحث فيها ويعرف الحق فيها دون غيره، ومن الناس من لا يعرف شيئاً. فالعامة مذهبهم مذهب علمائهم، ولهذا لو قال لنا قائل: إنني أشرب الدخان؛ لأن في البلاد الإسلامية الأخرى من يقول: إنه جائز، وأنا لي حرية التقليد، قلنا: لا يسوغ لك هذا؛ لأن فرضك أنت هو التقليد، وأحق من تقلد علماؤك، ولو قلدت من كان خارج بلادك أدى ذلك إلى الفوضى في أمر ليس عليه دليل شرعي، ولو قال: إنه سيحلق لحيته؛ لأن من علماء الأمصار من قال: لا بأس بذلك، نقول له: لا يمكن، أنت فرضك التقليد، لا تخالف علماءك، ولو قال: أنا أريد أن أطوف على قبور الصالحين؛ لأن من علماء الأمصار من قال: لا بأس بذلك، أو قال: أريد أن أتوسل بهم إلى الله، وما أشبه ذلك، قلنا: لا يمكن هذا. فالعامي يجب عليه أن يقلد علماء بلده الذين يثق بهم، وقد ذكر هذا شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وقال: العامة لا يمكن أن يقلدوا علماء من خارج بلدهم؛ لأن هذا يؤدي إلى الفوضى والنزاع، ولو قال: أنا لا أتوضأ من لحم الإبل؛ لأنه يوجد من علماء الأمصار من يقول: لا يجب الوضوء منه، ولقلنا: لا يمكن، يجب عليك أن تتوضأ لأن هذا مذهب علماءك وأنت مقلد لهم. لكن العامي إذا استفتاك فأفته بما تراه أنه الراجح، وإذا كان الراجح يخالف ما عليه الناس؛ فأفته به سراً ما دامت المسألة اجتهادية وليس فيها نص، وقل له: هذه فتوى بيني وبينك. أما إذا كان الذي عليه الناس مخالف للنص؛ فأفته علناً ولا تُبالِ، لكن لا تذكر له الخلاف، فإن العوام يقولون: إذا أردت أن تحيِّر فخيِّر، ولهذا دائماً نقول للطلبة: لا تبينوا الخلاف للعامة فتذبذبوهم، ونقول: أيضاً لمن يعرف القراءات السبع: لا تقرأ بها أمام العامة؛ لأنك لو قرأت بقراءة أخرى غير التي في المصحف عندهم شوش عليهم ذلك.

стр. 1185

أقسام النفاق وضوابطه كثيرون هم من يتهمون غيرهم بالنفاق في هذا الزمان، ويستدل بالآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] وغيرها، فما هو ضابط النفاق؟ النفاق -بارك الله فيك- نوعان: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي، فالنفاق الاعتقادي محله القلب ولا يعلم به إلا الله، ولهذا بعض الصحابة الذين حصل منهم المخالفة، فقال عمر: [إنه نافق] فعارضه الرسول ﷺ . فالنفاق الاعتقادي محله القلب، ولا يجوز أن يرمي الإنسان به أحداً من المسلمين، وأهل الولاء لله ورسوله إلا ببينة واضحة. والنفاق العملي: أن يأتي الإنسان خصلة من خصال المنافقين، فلا بأس أن تقول: هذا منافق لهذا الفعل، فإذا رأينا الرجل يحدث ويكذب؛ قلنا: هذا منافق نفاقاً عملياً في هذه المسألة، وإذا رأيناه قام إلى الصلاة وهو كسلان؛ نقول: هذا فيه خصلة من خصال المنافقين؛ لأنه أشبه بالمنافقين في قيامه إلى الصلاة على وجه الكسل، فالنفاق العملي واسع؛ فكل من وافق المنافقين في خصلة من خصالهم فإنه منافق في هذا العمل خاصة، وكما قال الرسول ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) ، هذه علامة المنافق، لكن هذه العلامات قد يقوم بها أناس من المسلمين؛ فنقول: هو منافق في هذه المسألة.

стр. 1186

أجود التفاسير النافعة المختصرة تعلمون حفظكم الله أن الإجازة الصيفية قادمة، فحبذا لو دللتمونا على بعض كتب التفسير تنصحونا بقراءتها، وتكون خالية من الإسرائيليات والموضوعات، وما تعليقكم على تفسير الجلالين من حيث الإسرائيليات جزاكم الله خيراً؟ أنا أرى أن من خير التفاسير تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ على ما فيه من بعض الآيات التي يختصر فيها إختصاراً مخلاً، أو ربما يطويها ولا يتكلم عليها لكن هذا قليل، إنما فيه فوائد ما تكاد تجدها في غيره، فهو صالح لطالب العلم، والنقص الذي فيه يمكن للإنسان أن يتلافاه بمراجعة تفسير ابن كثير أو غيره كـ فتح القدير للشوكاني، وإن كان فيه ما فيه لكنه طيب. والذي يصلح للعوام تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي؛ لأنه ليس فيه إسرائيليات، ولا أسانيد ولا شيء يشوش عليهم، وتفسير الجلالين لطالب العلم جيد؛ لأنه في الحقيقة زبدة، وكما تعلم أنه يتمشى في مسألة الصفات على مذهب الأشاعرة فلا يوثق به فيرد قوله في ذلك، لكن في غير ذلك جيد جداً من حيث سبكه للقرآن، وتنبيهه في كلمات وجيزة على أمور تخفى على بعض طلبة العلم، فإذا اجتمع الفتوحات الإلهية وهو ما يعرف بـ حاشية الجمل مع الجلالين كان طيباً.

стр. 1187

حكم حمل ما فيه صورة ما حكم حمل الأشياء التي فيها الصور؟ إذا كان يحملها للضرورة، أو للحاجة فلا بأس، مثل النقود. فالنقود الآن فيها صور الملوك، لكن هل نحن اخترنا ذلك؟ الجواب: لا. لكننا مضطرون إلى هذا، ماذا نصنع في نقودنا؛ لابد أن ينقلها الإنسان، وكان الناس من قبل يحملون نقوداً فيها صور غير المسلمين، وهي صور مجسمة أيضاً، كانوا يحملون الريال الفرنسي، والريال الفرنسي فيه صورة ملك السويد أو غيرها، وهي صورة مجسمة تلمسها بيدك، ومن ورائها صورة الطير، ويحملون الجنيه الإفرنجي وعليه صورة جورج ملك الإنجليز، وعليها من الجانب الآخر فرس عليه راكب، ويلمس، لكن ماذا يصنع الناس، والحاجة مثل أن يحمل الإنسان بطاقته الشخصية من أجل أن يثبت شخصيته إذا دعت إليه الحاجة، فهذا لا بأس به إن شاء الله. أما حمل صورة مقصود حملها للذكرى كصورة الصديق وما أشبهها فهذا لا يجوز، وقولي مقصود حملها احترازاً مما يوجد في بعض الصحف من الصور التي هي غير مقصودة -يعني الذي يقرأ الصحيفة ما قصد الصورة ولا يريدها- فهذا لا بأس من حملها؛ لأنها غير مقصودة، لكن لو قال قائل: أريد أن أشق الصورة فقط ويجعلها -أي الصورة- في جيبه فلا يجوز؛ لأنها حينئذٍ مقصودة.

стр. 1188

حكم الدعاء بعد الصلاة ما حكم الدعاء بعد الصلاة؟ الدعاء بعد الصلاة إذا كان المقصود به رقع الخلل الذي فيها فإنه مشروع، ومن ذلك أن النبي ﷺ كان إذا سلم استغفر ثلاثاً، قال: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله) أي أسأل الله المغفرة، أما إذا كان دعاء لغير ذلك فالأفضل أن يدعو به قبل أن يسلم، لقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) . وليس من اللائق أن الإنسان إذا انصرف عن ربه بالسلام من الصلاة ذهب يدعو، بل الأليق أنك ما دمت بين يدي الله تناجيه وتدعوه ، ولهذا لم يكن من هدي الرسول ﷺ أنه إذا سلم من الصلاة دعا، إلا فيما يعتبر ترقيعاً لخللها كالاستغفار. وما حفظ عنه بعد الفريضة ولا بعد النافلة فيما أعلم إلا مرة واحدة؛ وذلك حين وضع كفار قريش عليه سلى الناقة وهو ساجد تحت الكعبة قبل الهجرة، والقصة مشهورة معروفة، فإنه لما سلم رفع يديه يدعو وكأن هذا والله أعلم من أجل إغاظة هؤلاء الكفار وإدخال الرعب في قلوبهم؛ لأنه لو دعا وهو يصلي ما علموا بذلك، فلما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو، فهذا له سبب، والله تعالى أعلم. وإلى هنا ينتهي هذا المجلس، وإلى لقاء قادم إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1189

لقاء الباب المفتوح [٣٣] في هذا اللقاء بيان نعم الله الكثيرة وأهمها نعمة الإسلام، وعرّج الشيخ على التحذير من الفرقة والاختلاف، ثم أجاب على الأسئلة، ومن أهم ما أجاب عليه الشيخ مسألة القوانين الوضعية، وحكم الجهاد في هذا العصر، وما هو سبب اختلاف العلماء، ثم أشار بإشارة مهمة عن التحذير من فرقة المرجئة.

стр. 1190

نعم الله على عباده الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا نذكر الإخوة جميعاً بما أنعم الله به علينا في هذه الجلسة المباركة، وهذا اللقاء المبارك، وهو اللقاء الثالث في شهر صفر من عام (١٤١٤هـ) الذي يكون كل يوم خميس.

стр. 1191

نعمة الإسلام إننا -ولله الحمد- في هذه البلاد نتمتع بنعم كثيرة، أهمها: نعمة الإسلام، فليس -ولله الحمد- في بلادنا شيء من خصال الكفر الظاهرة، أو البدعة الظاهرة، فالكل -ولله الحمد- على عقيدة التوحيد والعقيدة السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالأمور التي خالف فيها أهل البدع لطريق السلف الصالح، وهذه أكبر نعمة على العبد؛ لأنها تتصل بها سعادة الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .

стр. 1192

نعمة الطعام والشراب أما النعمة الثانية: فهي نعمة توفر الطعام، والشراب، واللباس، والمساكن، والمراكب؛ التي قد تكون غير متوفرة في كثير من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، فما أكثر الذين يموتون جوعاً، أو يتضورون جوعاً، وما أكثر الأمم الذين لا يجدون ما يكسون به عوراتهم أو يتقون به البرد، أو يتقون به الحر! وما أكثر الأمم الذين لا يجدون مساكن إلا عشاشاً أو أشجاراً يضعون عليها قطعاً من الثياب يتظللون بها! وهذا شيء معلوم بالأخبار المتواترة من الثقات الذين يذهبون إلى تلك البلاد، ومما نسمع من الإذاعات.

стр. 1193

نعمة الأمن أما النعمة الثالثة فهي: نعمة الأمن، التي ترفل بها هذه البلاد، فالناس -ولله الحمد- في أمن كامل على أنفسهم وعلى أهليهم وعلى أموالهم، ليس هناك -ولله الحمد- اغتيالات ولا سطو على البيوت، ولا سرقة للأموال، حتى أن الأموال تكون في الأسواق ليس عندها حارس، ولكن الله يحرسها بما أودع في هذه البلاد من الأمن. وهذه النعم الثلاث هي التي أشار الله تعالى إليها في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣-٤] . فالإطعام من الجوع حاصل، والأمن من الخوف حاصل، وبقي علينا العبادة. نحن -ولله الحمد- نرى أن بلادنا من خير البلاد الإسلامية، ولكن هل هذه النعم ستبقى، أو تزيد، أو تزول؟ الجواب جاء من عند الله قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] فإن شكرنا الله على هذه النعم، وقمنا بما يجب من حقوق الله، وحقوق عباد الله وأعظمها حقوق الوالدين. أما حق النبي ﷺ فإنه داخل في حق الله، ولهذا تجدون الآيات الكريمات يذكر الله تعالى فيها حقه، ثم حق الوالدين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] . فلماذا لم يذكر حق الرسول ﷺ وهو أعظم من حق الوالدين؟ لأنه داخل في حق الله تعالى، إذ أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، ونحن إذا قمنا بمتابعة الرسول ﷺ فقد أدينا الحق.

стр. 1194

الحذر من التفرق والاختلاف كذلك -أيضاً- يجب علينا أن نحذر من التفرق، وتمزق الكلمة، واختلاف القلوب؛ فإن ذلك يوجب الفشل والخذلان، كما قال الله : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] . وأنا أرى في الساحة اختلافاً، وأرى قيل وقال، فهذا ينصر هذا القول، وهذا ينصر القول المضاد، وهذا ينتحل لهذا الرجل، وهذا ينتحل لرجل آخر، وكل شخص منهم يقف ضد الآخر، وهذا خطر عظيم، ما لنا ولزيدٍ أو لعمروٍ، نحن نتبع الحق أينما كان، ومن أي جهة كانت، وليس الحق مخصوصاً بشخصٍ معين دون شخصٍ آخر، ربما يأتي الحق من رجل كافر، وربما يأتي الحق من رجل فاسق، وربما يفوت الحق رجلاً مؤمناً يخطئ، وكل إنسان خطَّاء. وقد تستنكرون أن أقول: إن الحق يأتي من رجل كافر! ولكنه يأتي من رجل كافر، ويجب قبوله، أليس الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] ولم يكذبهم في قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] لأن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] حق فأبطل الله قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] ولم يبطل قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] لأنه حق فيجب قبوله ولو كان من كافر، وهذا الرجل اليهودي الذي حدث النبي ﷺ بأن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، إلى آخر الحديث هل كذبه الرسول ﷺ ؟ أو قال: لا نقبل منك لأنك يهودي؟ لا. صدَّقه، وضحك حتى بدت نواجذه تصديقاً لقوله، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] . وإذا كان هذا هو الواقع؛ فالواجب علينا أن نتبع الحق أينما كان، وأن نأخذ به من أي مصدر كان. فما بالنا ننتحل لزيد أو لعمرو ثم نقول: كل ما قاله فهو حق وصواب، وكل ما قاله الآخر فهو باطل وخطأ، فهذا لا يليق بالمؤمن إطلاقاً، اتبع الحق أينما كان، واعلم أن الإنسان قد يأتي بالحق الكثير ثم يخطئ مرة واحدة، أو يأتي بالخطأ الكثير ثم يصيب مرة واحدة، أو يكون خطؤه وصوابه متساويين، وفي الأحوال الثلاث كلها الواجب علينا: أن نأخذ بالحق وندع الباطل، وإذا رأينا من شخص خطأً ونحن نعلم حسن نيته فالواجب الاعتذار عنه لا التشنيع عليه؛ لأن التشنيع بأهل الحق من خصال النفاق، هم الذين إذا أمسكوا على أهل الإيمان خطأً واحداً بنوا عليه أخطاء كثيرة، وشنعوا عليه، وأشاعوا الفاحشة فيه. أما المؤمن فإذا رأى من شخصٍ خطأً وهو يعرف منه حسن نيته، فإنه يعذره لحسن نيته، فليس كل إنسان يخطئ نعذره في خطئه، يمكن أن يخطئ متعمداً، لكن إذا علمنا حسن نية الرجل، وأن هذا خطأ فادح، وكل ابن آدم خطاء؛ فإن الواجب علينا أن نعذره، وألَاّ نتحدث ونشنع عليه أمام الناس، ثم الواجب علينا تارة أخرى أن نتصل به، ونقول: إنك قلت كذا، أو فعلت كذا، ثم نبين الخطأ، قد يكون الخطأ بفهمنا نحن، ويكون ما قاله هو صحيحاً، وقد يكون الخطأ منه، وإذا كان حسن النية رجع إلى الصواب حتى لو كان أكبر الناس، من لم يتواضع للحق فهو مستكبر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) . فالواجب علينا -أيها الإخوة- ألا يكون همنا القيل والقال، وقال فلان وقال فلان، وفلان على حق، وفلان على خطأ، الواجب علينا أن نتبع الحق أينما كان، وأن نأخذ به من أي مصدر كان، وإذا صدر من شخص خطأ -والإنسان معرض للخطأ- فإنه لا يجوز أن نشنع عليه بهذا الخطأ، بل نعتذر عنه أمام الناس متى علمنا حسن نيته، ثم نتصل به لمناقشته على ما نظن أنه خطأ؛ إذ قد يكون الخطأ منا لا منه، حتى تستقيم الأمة وتكون الكلمة واحدة، ولا يحصل تفرق ولا نزاع، وأنتم تعلمون -بارك الله فيكم- أنه إذا حصل التفرق والتمزق بين الأمة زالت هيبتها، وصارت فريسة للشيطان والهوى، لكن إذا عقدنا العزم على أن نكون يداً واحدة، وأن نكون قلباً واحداً، وأن نكون كما قال النبي ﷺ مخبراً خبراً يجب أن يطبق: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وبهذا تتم أمورنا وتحسن أحوالنا، نسأل الله أن يتم لنا ذلك بمنه وكرمه.

стр. 1195

الأسئلة
следующие страницы →