← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

نعمة الإسلام إننا -ولله الحمد- في هذه البلاد نتمتع بنعم كثيرة، أهمها: نعمة الإسلام، فليس -ولله الحمد- في بلادنا شيء من خصال الكفر الظاهرة، أو البدعة الظاهرة، فالكل -ولله الحمد- على عقيدة التوحيد والعقيدة السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالأمور التي خالف فيها أهل البدع لطريق السلف الصالح، وهذه أكبر نعمة على العبد؛ لأنها تتصل بها سعادة الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .

стр. 1192

نعمة الطعام والشراب أما النعمة الثانية: فهي نعمة توفر الطعام، والشراب، واللباس، والمساكن، والمراكب؛ التي قد تكون غير متوفرة في كثير من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، فما أكثر الذين يموتون جوعاً، أو يتضورون جوعاً، وما أكثر الأمم الذين لا يجدون ما يكسون به عوراتهم أو يتقون به البرد، أو يتقون به الحر! وما أكثر الأمم الذين لا يجدون مساكن إلا عشاشاً أو أشجاراً يضعون عليها قطعاً من الثياب يتظللون بها! وهذا شيء معلوم بالأخبار المتواترة من الثقات الذين يذهبون إلى تلك البلاد، ومما نسمع من الإذاعات.

стр. 1193

نعمة الأمن أما النعمة الثالثة فهي: نعمة الأمن، التي ترفل بها هذه البلاد، فالناس -ولله الحمد- في أمن كامل على أنفسهم وعلى أهليهم وعلى أموالهم، ليس هناك -ولله الحمد- اغتيالات ولا سطو على البيوت، ولا سرقة للأموال، حتى أن الأموال تكون في الأسواق ليس عندها حارس، ولكن الله يحرسها بما أودع في هذه البلاد من الأمن. وهذه النعم الثلاث هي التي أشار الله تعالى إليها في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣-٤] . فالإطعام من الجوع حاصل، والأمن من الخوف حاصل، وبقي علينا العبادة. نحن -ولله الحمد- نرى أن بلادنا من خير البلاد الإسلامية، ولكن هل هذه النعم ستبقى، أو تزيد، أو تزول؟ الجواب جاء من عند الله قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] فإن شكرنا الله على هذه النعم، وقمنا بما يجب من حقوق الله، وحقوق عباد الله وأعظمها حقوق الوالدين. أما حق النبي ﷺ فإنه داخل في حق الله، ولهذا تجدون الآيات الكريمات يذكر الله تعالى فيها حقه، ثم حق الوالدين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] . فلماذا لم يذكر حق الرسول ﷺ وهو أعظم من حق الوالدين؟ لأنه داخل في حق الله تعالى، إذ أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، ونحن إذا قمنا بمتابعة الرسول ﷺ فقد أدينا الحق.

стр. 1194

الحذر من التفرق والاختلاف كذلك -أيضاً- يجب علينا أن نحذر من التفرق، وتمزق الكلمة، واختلاف القلوب؛ فإن ذلك يوجب الفشل والخذلان، كما قال الله : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] . وأنا أرى في الساحة اختلافاً، وأرى قيل وقال، فهذا ينصر هذا القول، وهذا ينصر القول المضاد، وهذا ينتحل لهذا الرجل، وهذا ينتحل لرجل آخر، وكل شخص منهم يقف ضد الآخر، وهذا خطر عظيم، ما لنا ولزيدٍ أو لعمروٍ، نحن نتبع الحق أينما كان، ومن أي جهة كانت، وليس الحق مخصوصاً بشخصٍ معين دون شخصٍ آخر، ربما يأتي الحق من رجل كافر، وربما يأتي الحق من رجل فاسق، وربما يفوت الحق رجلاً مؤمناً يخطئ، وكل إنسان خطَّاء. وقد تستنكرون أن أقول: إن الحق يأتي من رجل كافر! ولكنه يأتي من رجل كافر، ويجب قبوله، أليس الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] ولم يكذبهم في قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] لأن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] حق فأبطل الله قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] ولم يبطل قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] لأنه حق فيجب قبوله ولو كان من كافر، وهذا الرجل اليهودي الذي حدث النبي ﷺ بأن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، إلى آخر الحديث هل كذبه الرسول ﷺ ؟ أو قال: لا نقبل منك لأنك يهودي؟ لا. صدَّقه، وضحك حتى بدت نواجذه تصديقاً لقوله، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] . وإذا كان هذا هو الواقع؛ فالواجب علينا أن نتبع الحق أينما كان، وأن نأخذ به من أي مصدر كان. فما بالنا ننتحل لزيد أو لعمرو ثم نقول: كل ما قاله فهو حق وصواب، وكل ما قاله الآخر فهو باطل وخطأ، فهذا لا يليق بالمؤمن إطلاقاً، اتبع الحق أينما كان، واعلم أن الإنسان قد يأتي بالحق الكثير ثم يخطئ مرة واحدة، أو يأتي بالخطأ الكثير ثم يصيب مرة واحدة، أو يكون خطؤه وصوابه متساويين، وفي الأحوال الثلاث كلها الواجب علينا: أن نأخذ بالحق وندع الباطل، وإذا رأينا من شخص خطأً ونحن نعلم حسن نيته فالواجب الاعتذار عنه لا التشنيع عليه؛ لأن التشنيع بأهل الحق من خصال النفاق، هم الذين إذا أمسكوا على أهل الإيمان خطأً واحداً بنوا عليه أخطاء كثيرة، وشنعوا عليه، وأشاعوا الفاحشة فيه. أما المؤمن فإذا رأى من شخصٍ خطأً وهو يعرف منه حسن نيته، فإنه يعذره لحسن نيته، فليس كل إنسان يخطئ نعذره في خطئه، يمكن أن يخطئ متعمداً، لكن إذا علمنا حسن نية الرجل، وأن هذا خطأ فادح، وكل ابن آدم خطاء؛ فإن الواجب علينا أن نعذره، وألَاّ نتحدث ونشنع عليه أمام الناس، ثم الواجب علينا تارة أخرى أن نتصل به، ونقول: إنك قلت كذا، أو فعلت كذا، ثم نبين الخطأ، قد يكون الخطأ بفهمنا نحن، ويكون ما قاله هو صحيحاً، وقد يكون الخطأ منه، وإذا كان حسن النية رجع إلى الصواب حتى لو كان أكبر الناس، من لم يتواضع للحق فهو مستكبر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) . فالواجب علينا -أيها الإخوة- ألا يكون همنا القيل والقال، وقال فلان وقال فلان، وفلان على حق، وفلان على خطأ، الواجب علينا أن نتبع الحق أينما كان، وأن نأخذ به من أي مصدر كان، وإذا صدر من شخص خطأ -والإنسان معرض للخطأ- فإنه لا يجوز أن نشنع عليه بهذا الخطأ، بل نعتذر عنه أمام الناس متى علمنا حسن نيته، ثم نتصل به لمناقشته على ما نظن أنه خطأ؛ إذ قد يكون الخطأ منا لا منه، حتى تستقيم الأمة وتكون الكلمة واحدة، ولا يحصل تفرق ولا نزاع، وأنتم تعلمون -بارك الله فيكم- أنه إذا حصل التفرق والتمزق بين الأمة زالت هيبتها، وصارت فريسة للشيطان والهوى، لكن إذا عقدنا العزم على أن نكون يداً واحدة، وأن نكون قلباً واحداً، وأن نكون كما قال النبي ﷺ مخبراً خبراً يجب أن يطبق: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وبهذا تتم أمورنا وتحسن أحوالنا، نسأل الله أن يتم لنا ذلك بمنه وكرمه.

стр. 1195

الأسئلة

стр. 1196

حكم صلاة المنفرد خلف الصف بعض الأحكام التي اختلف فيها الفقهاء قد ورد فيها نص من الكتاب والسنة، كصلاة المنفرد خلف الصف، هل يقال في هذا النص أو هذا الدليل: إنه ضعيف وليس حجة، ولا ينبني عليه حكم؟ أو يقال: إنه حديث صحيح، ولا اجتهاد مع النص؛ فأيهما قد ورد في هذه المسألة؟ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. الاختلاف بين العلماء كثير في هذه المسألة وغيرها، وأسبابه -أيضاً- متعددة، قد يكون سبب الخلاف أن العالم لم يبلغه الحديث، ولا غرابة ألا يبلغه الحديث؛ لعلنا نذكر قصة خفي فيها الحديث على الخليفة الثاني في هذه المسألة وعلى من معه من الصحابة وذلك حينما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى الشام، وفي أثناء الطريق قيل له: إن الطاعون وقع في الشام -والطاعون وباء فتاك- فوقف واستشار الصحابة كلهم؛ المهاجرين والأنصار، واختلفت آراؤهم، فمنهم من يقول: تقدم وتوكل على الله وما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنت آتٍ لله فاستمر، ومنهم من قال: لا تهلك المسلمين، لا تقدمهم على الطاعون يقتلهم ومعك الصفوة من المهاجرين والأنصار؛ فإذا قتلوا بالطاعون فهذه نكبة كبيرة ارجع. اختلفوا لكن استقر رأيهم على أن يرجعوا، فأتى أبو عبيدة بن الجراح -أمين هذه الأمة- ومنزلته عالية عند أمير المؤمنين عمر، حتى أنه لما طُعن عمر ﵁ قال: [لو كان أبو عبيدة حياً لخلفته على المسلمين] جاء أبو عبيدة إلى عمر فقال: [يا أمير المؤمنين! كيف ترد الناس؟ كيف ترجع؟ أتفعل هذا فراراً من قدر الله، قال: نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم ضرب له مثلاً، قال: لو كان هناك وادٍ -مجرى الماء- له شعبتان إحداهما مخصبة والثانية مجدبة، ولك إبل هل تعدلها عن المجدبة إلى المخصبة أم تذهب إلى المجدبة، قال: أعدلها من المجدبة إلى المخصبة، قال: بقدر الله، قال: بقدر الله، قال: هكذا نعدل] وفي أثناء ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكان قد تغيب لحاجة له، فسمع بالخبر فجاء إلى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين! إني سمعت النبي ﷺ يقول في الطاعون: (إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه) فوافق الاجتهاد النص. فأقول لكم أولاً: قد يخفى على العالم النص فلا يبلغه فيقول بخلافه، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ثانياً: قد يبلغه النص لكن لم يتبين له صحته إلى النبي ﷺ ، فيقول: هذا حديث ضعيف، ولا يعمل به. ثالثاً: ربما بلغه ويعتقد صحته لكن لا يفهمه على فهم الآخر، فيخطئ في الفهم، يتأول ويخطئ في التأويل. رابعاً: قد يكون بلغه وهو عنده صحيح، ويفهمه فهماً صحيحاً لكن يظن أن له نصاً آخر يعارضه، يكون النص المعارض عنده أقوى من هذا. خامساً: قد يكون ثبت عنده وليس له معارض، لكنه ظنه منسوخاً فيأخذ بما ظنه ناسخاً، مثل: أمر النبي ﷺ أن نتوضأ من لحوم الإبل، وهذا ثابت، فيه حديثان صحيحان عن النبي ﷺ ، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة، ففي حديث جابر (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) ، فظن كثير من العلماء أن أكل لحوم الإبل لا ينقض الوضوء؛ لأن جابراً يقول: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) فظن أن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول؛ لأنه قال: آخر الأمرين، والحق أنه ليس بناسخ؛ لأن مورد النصين مختلف، وذلك في لحم الإبل نيئاً أو مطبوخاً، وهذا فيما مست النار، ثم ترك ذلك، فيخطئ من يظن أن حديث الوضوء من لحم الإبل منسوخ، المهم أن أسباب الخلاف كثيرة. والمثال الذي ذكره الأخ السائل: وهو صلاة الإنسان منفرداً خلف الصف، للعلماء فيه أقوال متعددة: القول الأول: أن صلاته صحيحة سواء تم الصف الذي أمامه أم لم يتم، ولكنه ترك الأفضل، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، انظر كيف أن أكثر العلماء على أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة سواء تم الصف الأول الذي قبله أم لم يتم، يعتبر ثلاثة مذاهب ورواية في مذهب الإمام أحمد، وحملوا قوله ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) على نفي الكمال قالوا: لا صلاة أي: كاملة، وليس المعنى أن الصلاة غير صحيحة. القول الثاني: أن صلاة المنفرد خلف الصف غير صحيحة، سواء تم الصف الذي قبله أم لم يتم، لعموم قوله ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) ولأن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة، هذان قولان متقابلان. القول الثالث: وسط، يقول: إن تم الصف الذي قبله فصلاته صحيحة، وإن لم يتم فصلاته غير صحيحة، وهذا القول أصح الأقوال؛ لأن الأدلة تجتمع في هذا القول، فيكون معنى: لا صلاة لمنفرد خلف الصف مع تمكن القيام في الصف، وأما إذا لم يتمكن فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أين يذهب؟ هل يترك الفرض مع الجماعة أم ماذا؟ قال بعضهم: اذهب وتقدم مع الإمام وهذا ليس بحل، إذا تقدمت مع الإمام لزم من هذا تخطي رقاب الناس وشق الصفوف، وهذا يؤذي المصلين، كما رأى النبي ﷺ رجلاً يتخطى الرقاب يوم الجمعة فقال: (اجلس فقد آذيت) ثم إنه إذا تقدم وقام مع الإمام حصل بهذا مخالفة للسنة، فالسنة أن ينفرد الإمام بمكانه حتى لا يأتم الناس بإمامين، ولو كان مع الإمام أحد فأيهما الإمام؟ نقول: السنة أن يقف الإمام وحده في مكانه ليتبين أنه إمام، وهذا هدي النبي ﷺ ، ثم لو تقدم وصلى مع الإمام وجاء آخر ووجد الصف تاماً نقول: تقدم فصاروا ثلاثة، ثم جاء آخر وجد الصف تاماً نقول تقدم فصاروا أربعة، حتى يصبحوا عشرة مع الإمام وهذا غير ممكن أن يصف هؤلاء جميعاً مع الإمام، لكن لو وقف وصلى وحده خلف الصف ثم جاء آخر وقف معه وكونوا صفاً، فالقول الوسط الذي يقول: إذا وجدت الصف تاماً فصف وحدك ولا حرج، هذا هو الصحيح، وهو الذي تجتمع عليه الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي فالمهم: أن العلماء والأئمة لا يمكن أن يخالفوا النص مع علمهم بأنه عن رسول الله ﷺ إلا بتأويل أو بخفاء الدليل، أو بظن مرجح في غيره، أو بظن النسخ، فهذه أعذار أهل العلم في مخالفة ما يظهر من النصوص، وأنصح الأخ السائل والمستمعين -أيضاً- بقراءة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أو رسالتنا الصغيرة التي ألفناها في هذا الموضوع، وهي (أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك) ، ففي ذلك كفاية وفيها أمثلة -أيضاً- تزيدكم علماً، لأن فيها أمثلة لما خالف فيه بعض العلماء ظاهر النص، وأعذار أهل العلم في ذلك.

стр. 1197

حكم المحاماة ودراسة القانون الوضعي ما حكم عمل المسلم الذي يدرس القانون الوضعي؛ ثم يفتح مكتباً للمحاماة ويقف مرافعاً أمام المحاكم المدنية لإدارات الشركات؟ وما حكم ما يجمعه من مال؟ وضع القوانين المخالفة للشرع مكان الشرع كفر؛ لأنه رفع للشرع ووضع للطاغوت بدله، وهذا يدخل في قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ولا حجة لمن قال: إن الرسول ﷺ قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وهذه قوانين دنيوية نحن ما أتينا الصلاة والعبادات، والنكاح، والفرائض، لكن المعاملة بين الناس هي أمور دنيوية، وقد قال النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فنحن لا نكفر بذلك لأننا لم نرفع الشرع بل تصرفنا وفق الحديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم) ؟!! نقول: لقد ضلوا فيما فهموا؛ فالرسول ﷺ قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) في أمر الصناعة، وأمر الحرفة، لو جاء النجار وقال: كيف يصنع الباب؟ هل هو أعلم أم الرسول؟ هل النجار الماهر بالصنعة أعلم كيف يصنع هذا الباب أم النبي ﷺ ؟ الجواب: النجار؛ لأن الرسول تحدث عن هذا في أمر صناعي، وذلك أنه لما قدم المدينة وجد الناس يصعدون إلى فحل النخل ويأخذون الطلع، ثم يصعدون إلى النخلة ويلقحونها، فكم تعب الإنسان؟ أربع مرات، صعود الفحل والنزول منه، وصعود النخلة والنزول منها أربع مرات تقتضي جهداً ووقتاً، فقال لهم: (لو لم تفعلوا لصلح) لأن الرسول ﷺ يريد من المرء أن يكون حازماً، وألا يضيع دقيقة واحدة من عمره إلا في فائدة، فظن أن المسألة ليس فيها فائدة؛ لأنه لم يعش في بلد زراعة ونخيل، أين عاش؟ في مكة في بلد غير ذي زرع، ولا يعرف من هذا شيئاً، فتركوا النخل بدون تلقيح ففسد النخل وخرج البلح شيصاً، فجاءوا إلى الرسول ﷺ وقالوا: يا رسول الله! فسد النخل، فقال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) أي: أنتم أعلم في الحرفة والصنعة لا في الحلال والحرام، ولهذا نظم الرسول ﷺ بيع النخل، فقد نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وأطول آية في القرآن تتعلق بالبيع والدين في أمور الدنيا. فهؤلاء الذين ظنوا أن وضع القوانين المخالفة للشرع في الحكم بين الناس والرجوع إليها عند التنازع أخطئوا في فهم هذا الحديث، والواجب أن يبلغوا أنهم مخطئون؛ فإن أصروا على المخالفة وعلى رفع الحكم الشرعي ووضع القانون بدله فهذا -والعياذ بالله- كفر. وأما تعلم الإنسان للقوانين الوضعية، إذا كان يتعلمها من أجل أن يدفع الباطل بالحق؛ فهذا لا بأس به، وإذا كان يتعلمها من أجل أن يتبع ما فيها من القوانين المخالفة للشرع؛ فهذا حرام. وفي هذا نقول: حتى المحاماة في بلد تحكم الشريعة فيه نقول: إذا كان المحامي يريد إيصال الحق إلى أهله؛ فلا بأس أن يمارس هذه المهنة، وإن كان يريد أن يغلب الناس في قوله ومحاماته بالحق أو بالباطل؛ فهذا حرام.

стр. 1198

حكم النذر المعلق في الطاعات رجل أصابه مرض فنذر نذراً إن شفاه الله أن يصوم أيام البيض، فشفاه الله، فبدأ يصوم أيام البيض، هل يستمر في صيامها رغم أنه بدأ يمل؟ أولاً: النذر مكروه، ويكره للإنسان أن ينذر سواءً على الشفاء، أو على النجاح، أو على حصول شيء ضائع له؛ لأن النبي ﷺ (نهى عن النذر) . ثانياً: إذا نذر نذر طاعة وجب عليه أن يوفي به، لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) وعلى هذا يجب على الأخ الذي نذر أن يصوم أيام البيض أن يصومها من كل شهر، إلا إذا كانت نيته أن يصومها من الشهر الذي يلي الشهر الذي شفاه الله فيه، فيكتفي بشهر واحد، أما إذا أطلق فيجب أن يصومها كل شهر.

стр. 1199

الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة السلفية نريد أن نعرف ما الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة السلفية؟ والله -يا أخي- إنني أرى أن الواجب على الجميع أن يكونوا إخواناً في الله وأن يكونوا على طريقة السلف؛ كما قال تعالى ممتناً على المسلمين ومذكراً لهم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] وإذا كانوا متآخين على طريق السلف فهذا طريق المؤمنين، أما إذا كان هناك مبادئ وأفكار تخالف ما كان عليه السلف الصالح؛ فإنه يجب أن تُعدل أو تبدل.

стр. 1200

الضابط في حمل الصور في الجلسة الماضية قلتم: إنه يجوز حمل الصور للضرورة فلو بينتم ضابط الضرورة؟ الضرورة مثل أن تكون الصورة في النقود، أو في التابعية التي لابد للإنسان من حملها، أو في رخصة القيادة؛ هذه من الضرورات. فالإنسان لا تهمه هذه الصورة ولا يقع في نفسه أي تعظيم لها، حتى الصور التي في النقود كصور الملوك لا يشعر الإنسان بأنه يعظم هذه الصورة.

стр. 1201

معنى قول النبي ﷺ : (وإذا أمن فأمنوا) قال النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا أمن فأمنوا) فما معنى قول الرسول ﷺ : (إذا أمن فأمنوا) ؟ معناه: إذا شرع في التأمين أو إذا بلغ موضع التأمين فأمنوا؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين) وهذا نص في الموضوع، واللغة العربية قد يطلق فيها الفعل، ويراد الشروع فيه؛ وبعض الناس قال: إن قوله: إذا أمن أي: إذا انتهى من التأمين، وليس كذلك، بل إذا بلغ موضع التأمين فأمنوا، وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم يوضح ذلك قال ﵊: (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين) .

стр. 1202

موضع دعاء الاستخارة موضع دعاء الاستخارة هل هو في السجود أو بعد الانتهاء من الصلاة؟ موضع دعاء الاستخارة إذا سلم من الركعتين؛ لقول النبي ﷺ : (فليصل ركعتين ثم ليقل) وذكر الدعاء.

стр. 1203

توجيه أحاديث الرجاء وتعذيب العصاة بالنسبة للحديث الذي ورد في الرجل الذي يمنُّ الله عليه ويخلصه وكان له تسعة وتسعون سجلاً من الذنوب والمعاصي وضعت في كفة، ثم جيء بالبطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله فرجحت البطاقة وطاشت السجلات، فما توجيهكم للحديث مع بقية الأحاديث التي هي معلومة؟ ولابد من تعذيب العصاة في جهنم مع أنهم جميعاً يقولون: لا إله إلا الله -وأيضاً- هل يصلح إيراد هذا الحديث وبقية أحاديث الرجاء على العوام، أو لابد من البيان؟ أما الأول: فيجب أن نعلم أن من كان مؤمناً ولو كان إيمانه ضعيفاً، فإننا لا نجزم له بدخول النار؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذا الرجل الذي معه كلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله، كان هذا الإخلاص التام مانعاً له من الخلود في النار، ومجوزاً أن يغفر الله له كما في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وهذه الآية -كما تعلمون- ذكرت مرتين في سورة النساء. وأما أحاديث الرجاء كهذا الحديث وغيره فهل يحسن أن تتلى على العوام؟ الجواب: يحسن أن تتلى على العوام مع أحد أمرين: إما أن يُشرح للعوام معناها، وإما أن يذكر معها أحاديث الوعيد حتى لا يغلب عليهم الرجاء فيقعوا في الأمن من مكر الله، ولا الخوف فيقعوا في القنوط من رحمة الله، ولهذا قال عبد الله بن مسعود كلمة جيدة قال: [إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة] فالواجب على الإنسان إذا ذكر مثل هذه الأحاديث أن يشرح معناها حتى لا يتلبس على العوام.

стр. 1204

حكم الجهاد في هذا العصر أرجو أن تبين مدى حاجة المجتمع الإسلامي للجهاد في سبيل الله؟ هذه الحاجة بينها الله في كتابه فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] فالناس في حاجة إلى قتال الكفار الآن حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ولكن هل يجب القتال، أو هل يجوز القتال مع عدم القدرة عليه؟ الجواب: لا يجب، بل ولا يجوز أن نقاتل ونحن غير مستعدين له، والدليل على هذا أن الله لم يفرض على نبيه وهو في مكة أن يقاتل المشركين، وأن الله أذن لنبيه في صلح الحديبية أن يعاهد المشركين ذلك العهد الذي إذا تلاه الإنسان ظن أن فيه خذلاناً للمسلمين. كثير منكم يعرف كيف كان صلح الحديبية حتى قال عمر بن الخطاب: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنّية في ديننا؟) فظن هذا خذلاناً، لكن الرسول ﷺ لا شك أنه أفقه من عمر، وأن الله تعالى أذن له في ذلك، فقال ﷺ : (إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري) . انظر الثقة الكاملة في هذه الحالة الضنكة الحرجة، يعلن هذا ويقول: (لست أعصيه، وهو ناصري) سيكون ناصراً لي، وإن كان ظاهر الصلح أنه خذلان للمسلمين، وهذا يدلنا على مسألة مهمة، وهي: قوة ثقة المؤمن بربه، فهذا محمد رسول الله ﷺ في هذه الحال الحرجة يقول: (وهو ناصري) . وفي قصة موسى ﵇ لما لحقه فرعون وجنوده وكان أمامهم البحر وخلفهم فرعون وجنوده، ماذا قال أصحابه؟ قالوا: إنا مدركون، قال: كلا. لا يمكن أن ندرك ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] سيهديني لشيء يكون فيه الإنقاذ، وحصل الإنقاذ وحصل هلاك فرعون وقومه. فالمهم: أنه يجب على المسلمين الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ولا يستطيعون جهاد الكفار، حتى ولا جهاد مدافعة في الواقع. جهاد المهاجمة -لا شك- أنه الآن غير ممكن حتى يأتي الله بأمة واعية تستعد إيماناً ونفسياً ثم عسكرياً، أما ونحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد أعداءنا، ولذلك انظر إلى إخواننا في جمهورية البوسنة والهرسك ماذا يفعل بهم النصارى؛ يمزقونهم أشلاءً، وينتهكون حرماتهم، وقيل لنا: إنهم يذبحون الطفل أمام أمه، ويجبرونها على أن تشرب من دمه، نعوذ بالله! شيء لا يتصور الإنسان أنه يقع، ومع ذلك فإن الأمم النصرانية تماطل وتتساهل وتعد وتُخلف؛ والأمة الإسلامية ليس لها إلا التنديد القولي دون الفعلي، من بعضها لا من كلها، وإلا فلو أن الأمة الإسلامية فعلت شيئاً ولو قليلاً مما تقدر عليه لأثر ذلك، لكن مع الأسف أننا نقف وكأننا متفرجون لاسيما بعض ولاة الأمور في الأمة الإسلامية، الشعوب معها شعور، معها حركة قلبية، لكن لا يكفي هذا، والله إن الإنسان كلما ذكر إخوانه هناك تألم لهم ألماً شديداً، لكن ماذا نعمل؟ نشكو إلى الله ، ونسأل الله تعالى أن يقيم علم الجهاد في الأمة الإسلامية حتى نقاتل أعداءنا وأعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا. فالآن الخلاصة في الجواب: أن الجهاد واجب (حتى لا تكون فتنة) أي: صد عن سبيل الله، ولا يستطيع أعداء المسلمين أن يدعوا لدينهم، ويكون الدين كله لله، ولكن هذا بشرط أن يكون عندنا قدرة، وليس عندنا الآن قدرة، حتى ولا قدرة الدفاع مع الأسف، فكيف بقدرة المهاجمة، ولما كان المسلمون على الحق، ويعتمدون على رب العزة والجلال، ويمسكون المصحف بيد والرمح بيد، ويقدمون المصحف على الرمح فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وبدأ الناس يأتون إليهم من كل جانب ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر:١-٢] . فبدأ الناس يقبلون على الإسلام؛ لأن الإسلام دين الفطرة، والقيم العالية، والأخلاق الفاضلة، فلو عرض للناس، وصور لهم نظرياً وتطبيقياً؛ ما أرادوا سواه، لكن -مع الأسف- المسلمون اليوم أكثر همهم ماذا عندك من المال؟ وكيف قصرك وبيتك؟ وكيف سيارتك؟ هذا أكثر حال الناس -مع الأسف- ولهذا تجد الغش في المعاملات، والكذب، والخداع، والمكر وكل شيء؛ لأن الناس شغلوا بما خلق لهم عما خلقوا له، نحن خلقنا للعبادة، وخلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ فشغلنا بما خلق لنا عما خلقنا له، نسأل الله أن يحيينا وإياكم حياة طيبة، وأن يبدل الحال بخير منه.

стр. 1205

حكم الصلاة داخل الحجر هل الصلاة داخل الحجر جائزة في جميع الاتجاهات؟ أعتقد أنك لو صليت في الحجر وظهرك إلى الكعبة لعدك الناس مجنوناً، لكن من الناحية النظرية لو أن الإنسان في الحجر وصلى إلى الجهة الشرقية منه أو الغربية لكفى؛ لأنه يصلي إلى جدار، والحجر من الكعبة. أما أن يجعل الكعبة وراء ظهره، ويتجه إلى الشمال فإنه لا يجزئه؛ لأن جدار الحجر الشمالي ليس من الكعبة إذ أن الحجر ليس كله من الكعبة، بل من الكعبة مقدار ستة أذرع ونصف تقريباً. وأما إذا جعلت الكعبة عن يسارك أو عن يمينك إلى الجدار الشرقي أو الغربي من الحجر الداخلي في حدود الكعبة، فإن ذلك يجزئك إن كانت الصلاة نفلاً، ولا يجزئك في الفريضة هذا هو القول المشهور عند أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولكن القول الصحيح أنها تجزئ الفريضة والنافلة إلا أنه ليس من المستحسن أن تدع الكعبة القائمة عن يمينك أو شمالك وتصلي إلى جدار من الحجر.

стр. 1206

حكم حجز الأماكن في المساجد ما حكم حجز الأماكن في المساجد حيث إن بعض الناس يجعل له مكاناً يحجزه ثم يجلس في الخلف حتى يأتي الإمام، ثم يتقدم يحرم الناس هذا المكان، وهو لا ينتفع به إلا عند الإقامة، مع علمكم بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا، والأحاديث توحي أن الصحابة لم يكونوا يفعلون هذا، حيث أن النبي ﷺ قال في الصف الأول: (حتى لو لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) وحديث أنس في صحيح البخاري أنه قال: (حتى إذا قضيت الصلاة تبادروا إلى السواري) أو نحو ذلك، أفتونا مأجورين جزاكم الله خيراً؟ تحجير الأماكن في المساجد يرى بعض العلماء أنها جائزة مطلقاً سواءً كان الإنسان في المسجد أو خارج المسجد، وهذا هو المشهور عند الحنابلة في كتب الفقه، أنه يجوز للإنسان أن يتحجر ومتى جاء دخل في مكانه، ولكن الصحيح أن هذا حرام، وأنه لا يجوز أن يتحجر؛ لأنه يمنع غيره مما هو أحق به منه؛ ولأن ذلك يؤدي إلى أن يتراخى هو أيضاً في الحضور؛ لأنه إذا اطمأن أن مكانه في الصف الأول تهاون ولم يأت إلا متأخراً؛ ولأنه يترتب عليه -أحياناً- أن يؤذي المصلين بتخطي رقابهم إذا لم يكن للمسجد مدخل من الأمام، هذا الذي نراه في هذه المسألة. أما إذا كان الإنسان في المسجد بأن يضع شيئاً يحجز به المكان وهو في المسجد فهذا لا بأس به بشرط ألا يلزم منه التخطي لرقاب الناس، وعلى هذا إذا حجزت مكاناً في الصف الأول، ثم وصل الثاني إلى مكانك وحاذاه؛ فإنه يجب عليك أن تتقدم لئلا تتخطى رقاب الناس، ما لم يكن للمسجد مدخل من الأمام تدخل منه، فالصحيح في هذه المسألة التفصيل، وهو: أن من كان في المسجد فلا حرج عليه؛ لأنه حصل له التقدم، ولكن ربما يقوم بعض الناس حيث يرى أن ابتعاده عن الناس أخشع له في صلاته، أو ربما يكون ممن يجهرون بالقراءة فلا يحب أن يبقى في الصف الأول فيشوش على الناس، أو يحب أن يكون له مذاكرة في درس من الدروس يجب أن يكون بعيداً عن الصف، أو غير ذلك من الأغراض، فإذا أقيمت الصلاة تقدم إلى مكانه.

стр. 1207

حكم المرجئة ومن يعذر بجهله ما حكم المرجئة؟ وما حكم من يصف الذين يعذرون بالجهل بأنهم دخلوا مع المرجئة في مذهبهم؟ أولاً: لا بد أن نعرف من هم المرجئة؟ المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان عمل القلب، ولكن قولهم هذا باطل لا شك فيه؛ لأن النصوص تدل على أن الإنسان إذا عصى الله نقص إيمانه، وأما العذر بالجهل فهذا مقتضى عموم النصوص، ولا يستطيع أحد أن يأتي بدليل يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ولولا العذر بالجهل لم يكن للرسل فائدة، ولكان الناس يلزمون بمقتضى الفطرة ولا حاجة لإرسال الرسل، فالعذر بالجهل هو مقتضى أدلة الكتاب والسنة، وقد نص على ذلك أئمة أهل العلم: كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، لكن قد يكون الإنسان مفرطاً في طلب العلم فيأثم من هذه الناحية أي: أنه قد يتيسر له أن يتعلم؛ لكن لا يهتم، أو يقال له: هذا حرام؛ ولكن لا يهتم، فهنا يكون مقصراً من هذه الناحية، ويأثم بذلك. أما رجل عاش بين أناس يفعلون المعصية، ولا يرون إلا أنها مباحة ثم نقول: هذا يأثم، وهو لم تبلغه الرسالة هذا بعيد، ونحن في الحقيقة -يا إخواني- لسنا نحكم بمقتضى عواطفنا إنما نحكم بما تقتضيه الشريعة، والرب يقول: (إن رحمتي سبقت غضبي) فكيف نؤاخذ إنساناً بجهله وهو لم يطرأ على باله أن هذا حرام، بل إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قال: نحن لا نكفر الذين وضعوا صنماً على قبر عبد القادر الجيلاني وعلى قبر البدوي لجهلهم وعدم تنبيههم. والمرجئة لم أعلم أن أحداً أخرجهم من الإسلام، وهم لا شك أنهم مخطئون، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كما يدل على ذلك نصوص كثيرة، وأن عدم عمل الصالحات ينقص من الإيمان.

стр. 1208

لقاء الباب المفتوح [٣٤] تحدث الشيخ ﵀ عن تفسير الآيات الأخيرة من سورة الانشقاق، والتي أقسم الله تعالى فيها بالشفق وهو: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وأقسم أيضاً بالليل وما وسق أي: ما جمع، والمقسم عليه هو: قوله تعالى: (لتركبن طبقاً عن طبق) أي: حالاً عن حال، فذكر أحوال الزمان والمكان وأحوال القلوب والأبدان.

стр. 1209

تفسير آيات من سورة الانشقاق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأخير في شهر صفر عام (١٤١٤هـ) في يوم الخميس، وبه نختتم ما بقي من سورة الانشقاق.

стр. 1210

تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق) انتهينا في اللقاء السابق إلى قول الله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٦-١٩] هذه الجملة مكونة من قسم ومقسم به ومقسم عليه ومُقسِم. فالقسم في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق:١٦] قد يظن الظان أن معنى (لا أقسم) نفي، وليس كذلك؛ بل هو إثبات و (لا) هنا جيء بها للتنبيه ولو حذفت في غير القرآن لاستقام الكلام، ولها نظائر مثل قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج:٤٠] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨] وكلها يقول العلماء: إن (لا) فيها للتنبيه، وأن القسم مثبت. أما المُقسِم فهو الله ، وأما المُقسَم به في الآية فهو الشفق وما عُطف عليه، فإن قال قائل: لماذا يقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قسم؟ وكذلك يقسم النبي ﷺ على خبره وهو صادق بلا قسم؟ قلنا: إن القسم يؤكد الكلام، والقرآن نزل باللسان العربي. وإذا كان من عادة العرب أنهم يؤكدون الكلام بالقسم، صار هذا الأسلوب جارياً على لسانهم. وقوله: (بالشفق) الشفق هو: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس وإذا غابت هذه الحمرة خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء، هذا قول أكثر العلماء، وبعضهم قال: إذا غاب البياض -وهو يغيب بعد الحمرة بنحو نصف ساعة- لكن الذي عليه الجمهور ويقال: إن أبا حنيفة ﵀ رجع إليه هو أن الشفق هو الحمرة، وإذا غاب هذا الشفق فإنه يدخل وقت العشاء ويخرج وقت المغرب.

стр. 1211

تفسير قوله تعالى: (والليل وما وسق) قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق:١٧] هذا أيضاً مقسم به معطوف على الشفق، أي: وأقسم بالليل وما وسق، وهذان قسمان: الأول بالليل والثاني بما وسق. الليل معروف، فما معنى (ما وسق) ؟ أي: ما جمع؛ لأن الليل يجمع الوحوش، والهوام، وما أشبه ذلك، فتجتمع وتخرج، تبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٨] القمر معروف، ومعنى إذا اتسق، أي: إذا اجتمع نوره وتم وكمل، وذلك في ليالي الإبدار، فأقسم الله بالليل وما وسق، أي: ما جمع، وبالقمر؛ لأنه آية الليل.

стр. 1212

تفسير قوله تعالى: (لتركبن طبقاً عن طبق) ثم قال بعد ذلك: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩] والخطاب هنا لجميع الناس أي: لتركبن حالاً عن حال، يشير إلى أن الأحوال تتغير، فيشمل أحوال الزمان، وأحوال المكان، وأحوال الأبدان، وأحوال القلوب، انتبه! يتضمن أربعة أشياء. أحوال الزمان نعرف أنها تتنقل ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فيوم يكون فيه السرور والانشراح وانبساط النفس، ويوم آخر يكون بالعكس حتى إن الإنسان ليشعر بهذا من غير أن يكون هناك سبب معلوم وفي هذا يقول الشاعر: فيوم لنا ويوم علينا ويوم نُساءُ ويوم نُسرَّ وهذا شيء يعرفه كل شخص منا بنفسه، تصبح اليوم مستأنساً فرحاً مسروراً، وفي اليوم الثاني تكون بعكس ذلك بدون سبب، لكن هكذا لابد أن الإنسان يركب طبقاً. كذلك في أحوال الأمكنة: ينزل الإنسان هذا اليوم منزلاً، وفي اليوم الثاني منزلاً آخر، وثالثاً ورابعاً إلى أن تنتهي به المنازل في الآخرة، ومن قبل الآخرة في القبور، وهي منازل مؤقتة، القبور ليست هي آخر المنازل؛ بل هي مرحلة. وسمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم، إن الأعرابي بفطرته عرف أن وراء هذه القبور شيئاً يكون المصير إليه؛ لأننا نعرف أن الزائر يزور ثم يرتحل. وبهذا نعرف ما نقرأه في الجرائد: (فلان توفي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير) أن هذه الكلمة خطأ كبير، ومدلولها كفر بالله وكفر باليوم الآخر؛ لأنك إذا جعلت القبر هو المثوى الأخير؛ فهذا يعني أنه ليس بعده شيء، وهذا كفر بالبعث. الذي يرى أن القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى؛ فهو كافر، والمثوى الأخير إما جنة وإما نار. أحوال الأبدان: الأبدان يركب الإنسان فيها طبقاً عن طبق، واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] . أول ما يخلق الإنسان يكون طفلاً صغيراً، يمكن أن تجمع يديه أو رجليه بيد واحدة منك وتحمله بهذه اليد، يكون كائناً ضعيفاً، ثم لا يزال يقوى رويداً رويداً حتى يكون شاباً جلداً قوياً، ثم إذا استكمل القوة عاد فرجع إلى الضعف مرة ثانية، وقد شبه بعض العلماء حال البدن بحال القمر، يبدو هلالاً ضعيفاً، ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يمتلئ نوراً، ثم يعود ينقص شيئاً فشيئاً حتى يضمحل، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، نعم هذه حال الأبدان. أما أحوال القلوب وما أدراك ما أحوال القلوب! أحوال القلوب هي البلية هي المصيبة هي النعمة هي النقمة، كل قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن شاء أزاغها، وإن شاء هداها، ولهذا قال النبي ﷺ هذا الحديث قال: (اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) . القلوب لها أحوال عجيبة، تارة يتعلق القلب بالدنيا، وتارة يتعلق بشيء من الدنيا كالمال، فيكون المال أكبر همه، وتارة يتعلق بالنساء، وتكون النساء أكبر همه، وتارة بالقصور والمنازل، ويكون ذلك أكبر همه، وتارة يتعلق بالمركوبات والسيارات، ويكون ذلك أكبر همه، وتارة يكون مع الله ، دائماً يتعلق بالله ، ويرى أن الدنيا كلها وسيلة إلى عبادة الله، وإلى طاعة الله؛ فيستخدم الدنيا؛ لأنها خُلقت له، ولا يجعل الدنيا تستخدمه، فانظروا -يا إخواني- أصحاب الدنيا هل تظنون أن الدنيا تخدمهم أم يخدمونها؟ هم الذين يخدمونها، هم الذين أتعبوا أنفسهم في تحصيلها، لكن أصحاب الآخرة هم الذين استخدموا الدنيا وخدمتهم الدنيا، ولذلك لا يأخذونها إلا عن طريق رضى الله، ولا ينفقونها إلا في رضى الله ، فاستخدموها أخذاً وصرفاً، لكن أصحاب الدنيا الذين تعبوا بها سهروا الليالي يراجعون الدفاتر، ويراجعون الشيكات، ويراجعون المصروفات، ويراجعون المدفوعات، ويراجعون ما أخذوا وما صرفوا هؤلاء في الحقيقة استخدمتهم الدنيا ولم يستخدموها، لكن الرجل المطمئن الذي جعل الله رزقه كفافاً يستغني به عن الناس، ولا يشقى به عن طاعة الله، هذا هو الذي خدمته الدنيا. أحوال القلوب هي أعظم الحالات الأربع، ولهذا يجب علينا جميعاً -وأقول ذلك لنفسي قبلكم- أن نراجع قلوبنا كل ساعة وكل لحظة، أين يعيش القلب؟ بماذا ينشغل؟ لماذا ينصرف عن الله؟ لماذا يلتفت يميناً وشمالاً؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثير من الناس حتى إنه ليصرف الإنسان عن صلاته، التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته ذهب قلبه يميناً وشمالاً، حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئاً، والناس يصيحون يقولون: صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وعد الله؟ حينها يقال: يا أخي! هل صلاتك صلاة؟ إذا كنت من حين تكبر تفتح لك أبواب هواجس لا نهاية لها، فهل أنت مصلٍّ؟ صليت بجسدك لكن لم تصل بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) حسب ما يعقل منها، إذن فالقلوب تركب طبقاً عن طبق.

стр. 1213

تفسير قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون) ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠] (فما لهم) أي شيء يمنعهم من الإيمان؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٩] أي شيء يمنعهم من الإيمان؟ وأي شيء يضرهم إذا آمنوا؟ قال مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] فأي شيء على الإنسان إذا آمن؟ ولهذا قال موبخاً لهم: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠] .

стр. 1214

تفسير قوله تعالى: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢١] أي: لا يخضعون لله ، فالسجود هنا بمعنى الخضوع لله، وإن لم تسجد على الأرض؛ لكن يسجد قلبك لله ذلاً وخضوعاً إذا سمعت آياته، وجرب نفسك -يا أخي- إذا تُلي عليك القرآن هل قلبك يسجد ويلين ويذل؟ إن كان الأمر كذلك فأنت من المؤمنين الذين إذا تليت عليهم آيات ربهم زادتهم إيماناً، وإن لم يكن قلبك كذلك ففيك شبه من المشركين الذين إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. ومن علامات الخضوع لله عند قراءة القرآن: أن الإنسان إذا قرأ آية فيها سجدة سجد لله ذلاً وخضوعاً، وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب السجود -أي: سجود التلاوة- وقالوا: إن الإنسان إذا مر بآية سجدة ولم يسجد كان آثماً، والصحيح أنها ليست بواجبة وإن كان هذا القول -أعني: القول بالوجوب- هو مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لكن هذا قول مرجوح. وذلك أنه ثبت في الصحيح أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يوماً فقرأ سورة النحل فلما وصل إلى آية السجدة نزل من المنبر فسجد ثم قرأها من الجمعة الثانية فمر بها ولم يسجد، فقال ﵁: [إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء] وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، وسنته ﵁ من السنن التي أُمرنا باتباعها، وعلى هذا فالقول الراجح أن سجود التلاوة ليس بواجب لكنه سنة مؤكدة. فإذا مررت بآية فاسجد في أي وقت كنت، في الصباح، أو في المساء، أو في الليل، أو في النهار، تكبر عند السجود وإذا رفعت فلا تكبر ولا تسلم، هذا إذا سجدت خارج الصلاة، أما إذا سجدت في الصلاة فلا بد أن تكبر إذا سجدت، وأن تكبر إذا نهضت؛ لأنها لما كانت في الصلاة كان لها حكم سجود الصلاة. قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٢-٢٣] ونقتصر على هذا؛ لأن الوقت الباقي نجعله للأسئلة وبقية السورة فإننا نتركها للجلسة القادمة، إن شاء الله.

стр. 1215

الأسئلة

стр. 1216

مسألة العزاء والتوسع فيها مسألة العزاء يتوسع الناس فيها، تجد إذا مات عند الناس ميت يُصنع الطعام ويؤتى بالذبائح، وإذا قلنا في ذلك يقولون: أناس يزورون أفلا نغديهم؟! وكذلك إذا كلمناهم في الجلوس للعزاء، قالوا: أين نستقبل الناس؟ لنا رسالة صغيرة في أحكام التعزية وما يتعلق بها لو أخذت منها شيئاً يكون نافعاً، التعزية ليست تهنئة كما يهنأ الإنسان القادم، التعزية يراد بها أننا إذا رأينا شخصاً مصاباً متأثراً نكلمه بما يهون عليه المصيبة هذا هو المقصود منها، فنقول له -مثلاً- كما قال النبي ﷺ لإحدى بناته: (اصبري واحتسبي فإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى) ولا حاجة إلى الاجتماع في البيت، فإن الاجتماع في البيت خلاف ما كان عليه السلف الصالح، حتى قالوا: كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة، والنياحة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة. ولكن إذا سمعنا أن شخصاً من الناس تأثر بموت قريبه، أو صديقه، أو ما أشبه ذلك؛ فإننا نحرص على أن نصل إليه ونقول: اصبر واحتسب، أما مجرد أن يموت القريب نجتمع ويجتمع الناس، وربما توقد الأنوار، ونأتي بالقراء فهذا لا يجوز، كان الناس إلى عهد قريب لا يفعلون هذا إطلاقاً، يموت الميت للإنسان، فإذا فرغوا من دفنه ورأوا أخاه أو أباه متأثراً عزوه ورجعوا إلى أهلهم، ثم من وجده في السوق أو في المسجد عزاه، وأما الاجتماع فلا شك أنه بدعة، وأنه ينهى عنه لا سيما إن صحبه ندب، كأن تجتمع النساء تقول: والله هذا كان كذا وكذا هذا أبو العائلة هذا صاحب البيت من للعائلة من للبيت، وما أشبه ذلك فإنه يكون من الندب المحرم، وعلى طلبة العلم أن يبصروا الناس قبل أن يتسع الخرق على الراتق.

стр. 1217

حكم العقد الذي يكون فيه أحد الطرفين غانم أو غارم ما الحكم إذا استقدمت عاملاً أو عاملين من البلاد المجاورة، أو غيرها، وهيأت له محلاً تجارياً، ووضعته فيه، وأعطيته الحرية، وقلت -مثلاً- سواء ربحتم خمسة أو غيرها الربح لكم وأن تعطوني -مثلاً- في كل شهر مبلغاً معيناً كألف ريال؛ وذلك لأني لا أعلم كم يربحون ربما لا ينضبط؟ الحكم في هذا التحريم يعني: لا يجوز للإنسان أن يستقدم عمالاً، أو تجاراً، أو أن يتفق مع شخص من أهل البلد على أن يتجر في هذا الدكان، ويعطيه كل شهر كذا وكذا، ويكون بقية الربح لهم، فإن هذا من الميسر؛ لأنه قد يربح الدكان ربحاً كثيراًُ تكون النسبة التي اتفقوا عليها قليلة بالنسبة إلى هذا الربح، وقد لا يربح إلا قليلاً فتكون النسبة كثيرة، وقد لا يربح شيئاً أبداً وقد يخسر فهذا العقد متضمن للقاعدة الميسرية، وهي: إما غانم وإما غارم، فلا يحل ولا يجوز، وقد قال رافع بن خديج ﵁: [كان الناس يؤاجرون على الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع] يعني: يقول لك هذا ولي هذا، فيسلم هذا ويهلك هذا، ويهلك هذا ويسلم هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فنهى عنه النبي ﷺ . وإذا كان العامل أجنبياً ازداد الأمر حرمة؛ لأن الحكومة لا تسمح بهذا ولا توافق عليه، ونظام الدولة إذا لم يكن مخالفاً للشرع واجب الاتباع؛ لأن اتباعه من طاعة الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] . ويظن بعض الجهال القليلين العلم ضعيفين الإيمان أن الحكومة لا تطاع إلا فيما أمر الله به، وهذا ظن فاسد؛ لأن ما أمر الله به يجب علينا فعله إذا كان واجباً سواء أمرت به الحكومة أو لا؛ ولأننا لو قلنا: إن الحكومة لا تطاع إلا فيما أمر الله، لم يكن بينها وبين عامة الناس فرق في الطاعة، فكل إنسان يأمرك بما أمر الله به فهو واجب الاتباع إذا كان قد أوجب الله ذلك، لكن ولي الأمر له شأن خاص، فولي الأمر إن أمرك بما أمرك الله به صار فعلك واجباً من وجهين: من جهة أمر الله، ومن جهة أمر ولي الأمر، وإن أمرك بمحرم؛ فلا تطعه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإن أمرك بشيء ليس مأموراً به ولا منهياً عنه؛ فأطعه، وهذا هو الفرق بين ولي الأمر وبين سائر الناس، سائر الناس إذا أمروك بشيء فأنت بالخيار إذا لم يكن قد أمر الله به، وأما ولي الأمر فيجب أن تطيعه إلا في المعصية، فإذا قال ولي الأمر لا نسمح لأي شخص من المواطنين أن يسلم أحداً من غير المواطنين محلاً تجارياً يتجر فيه وجب علينا أن نكف عن هذا، ولا يحل لنا أن نخالف النظام؛ لأن معصية ولي الأمر معصية لله تعالى إلا إذا أمروا بمعصية.

стр. 1218

حكم أمر رجال الهيئة المرأة الكاشفة الوجه أن تحتجب لا شك أن من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عالماً بشروطه هل هو منكر أو غير منكر؟ وبعض الناس إذا رأى أحد رجال الهيئة يعترض على امرأة كاشفة الوجه يقول: لا يجب عليك أن تنكر؛ لأنها لا تخلو من حالتين: إما أن تكون مسلمة ترى عدم وجوب ستر الوجه، وإلا فتكون كافرة فلا يجب في الأصل أن تحتجب، هل ما يقول هذا صحيح، أو غير صحيح؟ لا. هذا غير صحيح؛ لأن المعاصي قسمان: قسم لا تضر إلا صاحبها فهذا ندعه ورأيه إذا كان أهلاً للاجتهاد، وقسم تضر غير صاحبها، ولا شك أن كشف المرأة وجهها لا يختص ضرره بها هي، بل يضر غيرها؛ لأن الناس يفتتنون بها، وعلى هذا يجب أن تنهاها سواء كانت كافرة أو مسلمة، وسواء كانت ترى هذا القول أو لا تراه، انهها وأنت إذا فعلت ما فيه ردع الشر سلمت منه. أما ما كان لا يضر إلا صاحبه مثل رجل يشرب الدخان، وقال: أنا أرى حله ولا أرى أنه حرام، وعلمائي يقولون: إنه حلال، فهذا ندعه إذا كان عامياً؛ لأن العامي قوله قول علمائه، فإذا قال: أنا أرى أنه ليس بحرام نتركه؛ لأن هذا لا يضر إلا نفسه، إلا إذا ثبت صحياً أنه يضر الناس بخنقهم أو كان يؤذيهم برائحته، قد نمنعه من هذه الناحية، فاعرف هذه القاعدة. إن المعاصي قسمان: قسم لا تضر إلا صاحبها فهذه إذا خالفنا أحد في اجتهادنا ندعه، وقسم تضر الغير فهذا نمنعه من أجل الضرر المتعدي، لكن إذا خيف من ذلك فتنة تزيد على كشف هذا الوجه فإنه يدرأ أعظم الشرين بأخفهما، يعني: لو فرض أنك لو فعلت هذا ربما تعاقب، وربما تفصل عن مكانك، أو ما أشبه ذلك مما هو متوقع؛ فلا تنكر الإنكار الشديد، ولكن من باب المشورة إذا رأيت امرأة كاشفة مع ولي أمرها تمسك ولي الأمر، وتقول: يا أخي! هذا لا يجوز؛ هذا حرام، هذا يضر أهلك ويضر غيرهم، تكلمه بالتي هي أحسن -باللين- لا تتكلم مع المرأة نفسها قد يكون في هذا ضرر أكبر عليك أنت.

стр. 1219

حكم الإخبار بموت الميت عبر مكبرات الصوت إذا مات الميت يأتون بسيارة عليها مكبر صوت ويطوفون في القرى، ويقولون: توفي إلى رحمة الله فلان الفلاني، ويعدون مكاناً يستقبلون فيه الناس ويصنعون لهم الطعام ويأتون بالمقرئ يقرأ، فما حكم هذه الأشياء؟ وهل الميت يستفيد من قراءته على أنه يأخذ أجراً على قراءته؟ هذا محرم من عدة أوجه: أولاً: هو من النعي الذي نهى النبي ﷺ عنه، فإن النبي ﷺ كان ينهى عن النعي، وهو: الإخبار بموت الميت إلا إذا كان الميت لم يدفن وأخبرنا بموته من أجل كثرة المصلين عليه؛ فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأمر الناس فخرجوا فصلوا عليه. ثانياً: أن هذا العمل من عمل الجاهلية، وقد نهينا عن التشبه بهم. ثالثاً: أنه نياحة حيث يجتمع الناس إلى أهل الميت، ويصنعون الطعام ويأكلونه. رابعاً: أنه متضمن لمحرم وهو الاستئجار في قراءة القرآن؛ فإن هذا عمل محرم؛ لأن القرآن لا تقع تلاوته إلا قربة لله، وما لا يقع إلا قربة لا يصح أن تؤخذ عليه الأجرة، وأما انتفاع الميت بذلك فإنه لا ينتفع قطعاً، بل قد قال النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب بما نيح عليه) فهو يعذب من هذا الصنيع، ولا ينتفع بقراءة المقرئ؛ لأن هذا المقرئ لا أجر له، قد استعجل أجره بما أخذ من الأجرة فليس له في الآخرة من خلاق، وإذا لم يكن له أجر في الآخرة؛ فإن الميت لا ينتفع بشيء، لذلك يجب أن يُنبه الفاعلون لهذا الأمر، وأن يحذروا منه، وأن يعلموا أنه ليس فيه إلا إضاعة المال، وإضاعة الأوقات، والوقوع في السيئات -والعياذ بالله-.

стр. 1220

الفرق بين الرجاء الشركي والرجاء المباح كما نعلم أن الشرك أقسام، والخفي منها علاجه أن الإنسان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه، لكن الأكبر مثل: الرجاء، والخوف؛ أحياناً المسلم قد يلتبس عليه، ولا يفرق بين الرجاء الشركي، والرجاء المباح، هل لكم أن تفصلوا في هذا الموضوع؟ الرجاء الشركي هو رجاء العبادة، أن الإنسان إذا كان يرجو رجاءً يتضمن التذلل، والخضوع، والاعتماد على المرجو اعتماداً كلياً، وأن هذا المرجو بيده الأمر يفعل ما شاء، هذا هو الشركي، فإذا رجا الإنسان مخلوقاً على هذا الوجه؛ فهو شرك أكبر. أما رجاء الإنسان فيما يمكن حصوله منه بدون أن يتعلق القلب به تعلق ذلٍّ وخضوع؛ فإنه لا بأس به، مثل أن تقول للشخص: أرجو أن تساعدني، أرجو أن تذهب لفلان تقول له: كذا وكذا، أرجو أن تفعل كذا وكذا، فهذا ليس فيه بأس وليس من الشرك في شيء؛ لأن رجاء الإنسان لربه ليس كرجائه لغيره، رجاء الإنسان لله رجاء تذلل، وخضوع، واعتماد، وإيمان بأنه قادر على ما يشاء، وهذا الرجاء إذا صرفه الإنسان لغير الله كان مشركاً شركاً أكبر، ورجاؤه لغير الله لا يتضمن مثل ذلك.

стр. 1221

الاستماع إلى القرآن لا يجزئ عن قراءته في منع دخول الشيطان البيت هناك حديث عن النبي ﷺ أن الإنسان لو قرأ سورة البقرة لا يدخل الشيطان بيته، لكن لو كانت السورة مسجلة على شريط هل يحصل نفس الأمر؟ لا. صوت الشريط ليس بشيء، لا يفيد؛ لأنه لا يقال: قرأ القرآن يقال: استمع إلى صوت قارئ سابق، ولهذا لو سجلنا أذان مؤذن فإذا جاء الوقت جعلناه في الميكروفون وتركناه يؤذن، هل يجزئ؟ لا يجزئ، ولو سجلنا خطبة خطيب مثيرة، فلما جاء يوم الجمعة وضعنا هذا المسجل وفيه الشريط أمام الميكروفون فقال المسجل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أذن المؤذن ثم قام فخطب هل تجزئ؟ لا تجزئ، لماذا؟ لأن هذا تسجيل صوت ماض، كما لو أنك كتبته في ورقة، لو كتبت ورقة أو وضعت مصحفاً في البيت هل يجزئ عن القراءة؟ لا يجزئ.

стр. 1222

حكم من مات ولم يصم شهر رمضان لمدة أربع سنين بعذر المرض أمي ألمَّ بها مرض لمدة أربع سنوات وتوفيت، ولم تصم شهر رمضان، فما الحكم؟ أطعم عن كل يوم مسكيناً الصاع لأربعة مساكين، صاع الأرز عن أربعة أيام.

стр. 1223

حكم إعطاء بعض العمال غير المسلمين من مال الزكاة لتأليف قلوبهم لو أن الإنسان آنس من أحد العمال الكفار خيراً والقرب من الإسلام هل يجوز أن يعطيه من الزكاة على أنه من باب المؤلفة قلوبهم أو لا يجوز؟ وما هو أفضل سبيل لدعوة هؤلاء الكفرة؟ أما الرجل المقبل على الإسلام والذي تعرف منه الرغبة في الإسلام، إذا رأيت أنك إذا أعطيته مالاً ازدادت رغبته فأعطه؛ لأن النبي ﷺ كان يعطي المؤلفة قلوبهم يتألفهم على الإسلام، لكن بعض العلماء ﵏ قال: إنه لا يعطى إلا السيد المطاع في عشيرته؛ لأن إسلامه ينفع من وراءه، وأما الفرد فلا يعطى من التأليف، ولكن الصحيح أن الفرد يعطى لعموم الآية ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] ولأنه إذا كان يجوز أن نعطيه لسد حاجة جسمه فإعطاؤه لينجو من النار من باب أولى. فالصحيح أنه يعطى ولكن ينبغي للإنسان أن يُبين له أولاً ما يجب عليه في الإسلام كما قال النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن: (أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وذلك من أجل أن يدخل على بصيرة؛ لأن بعضهم لا يظن أن الإسلام فيه هذه العبادات فيدخل في الإسلام كأنه اسم من الأسماء، ثم إذا قيل له إن فيه كذا وفيه كذا فيرتد -والعياذ بالله- فيكون كفره الثاني أعظم من كفره الأول. أما كيف نعامل هؤلاء فإن لكل حال مقالاً منهم من نرى أن فيه إقبالاً وليونة، فهذا نعامله بكل ما يقتضيه تأليف القلب بالدعوة، ندعوه -مثلاً- للبيت نهدي إليه هدايا نعطيه أشرطة نعطيه كتيبات ينتفع بها نثني عليه أمام الناس نفعل كل شيء يرغبه في الإسلام.

стр. 1224

حكم حلق اللحية خوفاً من الضرر والأذية كثير من المقيمين في هذا البلد وأكثرهم من المدرسين الذين يذهبون في الإجازة إلى بلادهم وهم من إحدى الدول العربية، فتكون لهم لحى فإذا أرادوا السفر حلقوها فلما نصحناهم أتوا بحجة قوية قالوا: نحن إذا أبقيناها أوذينا وربما نلقى في المعتقلات ومعنا أطفال وزوجات، فيقع الإنسان في حيرة معهم، فبماذا ننصحهم بارك الله فيكم؟ إذا كنت ترى أن حجتهم قوية فالقوي يُعتمد، لكن نحن نرى أنها ليست بقوية، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] فارتد وترك ما كان عليه مما أوذي عليه، هذه واحدة فنقول: اصبر واحتسب ثم نقول: أنت إذا اتقيت الله جعل لك مخرجاً، فكم من أناس نعرفهم نحن يذهبون إلى البلاد التي تشير إليها ومع ذلك لا يقال لهم شيء، يذهبون وهم ملتحون ويرجعون وهم على ما هم عليه ولا يقال لهم شيء. فهذه الحكومات الظالمة الجائرة -نسأل الله أن يبدل المسلمين خيراً منهم- إذا لم تر الإنسان يتكلم فيهم أو له حركة فإنها لا تهتم، يكون متديناً أو غير متدين، يهمها أن أحداً تكون له حركة وله دعوة، فلذلك ربما يقبضون على شخص ليس له لحية، يحلق لحيته صباحاً ومساءً، ولكننا نعلم أن هؤلاء إنما سلطوا على المسلمين بسبب ذنوبهم، وإلا فمن يتصور أن أحداً يتولى على أمة مسلمة ثم يرغمها على عصيان الرسول ﵊، من يتصور هذا؟! ولكن الذنوب والمعاصي هي التي أوجبت أن يتسلط علينا هؤلاء، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] . فهؤلاء ما سلطوا على الأمة الإسلامية إلا بسبب أن الأمة الإسلامية انحرفت عن مسارها الصحيح، وإلا لكان حكامها مثلها، ويذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رجلاً من الخوارج أتى إليه قال: [يا علي! ما بال الناس معك يفعلون ويفعلون وكانوا مع أبي بكر وعمر سامعين مطيعين؟ قال له: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك] وهذا صحيح. وقيل أن عبد الملك بن مروان سمع الناس يتكلمون فيه، ويتكلمون في ولايته، فجمع أشراف القوم وأعيان البلد وتكلم معهم بكلام فصيح، وقال لهم: أنتم تريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر، فكونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر حتى نكون نحن مثل أبي بكر وعمر. فلو فكرت في هؤلاء القوم الذين سلط عليهم هؤلاء الولاة لوجدت عندهم من البلاء والشر ما لا يعلمه إلا رب العباد، حتى إن بعض الثقات قدم أخيراً من بعض البلاد العربية وقال: إني والله كنت العام الماضي في وسط لندن ولم أر تبرج النساء في لندن كتبرجهن في هذه البلاد التي تسمى بلاداً إسلامية، أيُنا أحق بالستر والحجاب، نحن أم النصارى؟ نحن أحق، ومع ذلك هذه بلادنا، فإذا كان الشعب مثل هكذا فكيف لا يُسلط عليهم الولاة؟ فنسأل الله أن يصلح رعيتنا ورعاتنا، ويقينا وإياكم شر الفتن.

стр. 1225

قضية البوسنة والهرسك وواجب المسلمين أحد الإخوة يريد الجهاد في البوسنة هل تنصحه بالجهاد هناك أو في أي بلد ثانٍ؟ أرى أن الواجب على المسلمين في مسألة البوسنة والهرسك غير ما يفعلونه اليوم، الحقيقة أن المسلمين لم يؤدوا الواجب بالنسبة للبوسنة والهرسك، وليس يهمني أنا أن يقتل شخص، أو يؤسر شخص، أو يقطع شخص أوصالاً؛ لأن هذه من المصائب التي يكفر الله بها السيئات، ومع الاحتساب يرفع الله بها الدرجات وكل إنسان سيموت، ومن لم يمت بمثل هذه الميتة مات بغيرها، لكن يهمني أن يقال جمهورية إسلامية قائمة معترف بها تسقط في أيدي النصارى! هذا هو الذي يجرح القلب ويدمي الكبد، أين المسلمون؟! كم من مليون من المسلمين؟ عدد هائل كبير. والله لو كانوا جراداً أرسل على الصرب لأكلوهم أكلاً، ولكن أنا لا أدري هل الحكومات الإسلامية عاجزة أم ماذا؟ إن كانت عاجزة فالله يعذرها، والله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١] فإذا كان ولاة الأمور في الدول الإسلامية قد نصحوا لله ورسوله، لكنهم عاجزون فالله قد عذرهم، لكن لا ندري هل تحقق فيهم هذا الشرط أم لا؟ هل تحقق فيهم أنهم نصحوا لله ورسوله؟ هل تحقق فيهم أنهم عاجزون؟ الله أعلم.

стр. 1226

لقاء الباب المفتوح [٣٥] تحدث الشيخ عن تفسير قوله تعالى: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) إلى آخر السورة، حيث ذكر بأن الله يتكلم عن الكافرين، بأنهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؛ بسبب تكذيبهم، وأن التقصير في الواجبات دليل على ضعف الإيمان والحكم بنقيضه، فبشر الله وأمر المسلمين بتبشيرهم بالعذاب، ثم خص المؤمنين بأنهم ناجون من العذاب، وأن لهم أجراً كبيراً.

стр. 1227

تفسير آخر آيات سورة الانشقاق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من شهر ربيع الأول عام (١٤١٤هـ) ، وهو اللقاء الذي يكون في كل يوم خميس من كل أسبوع. في هذا اللقاء سنتكلم عن آخر سورة الانشقاق وهو قوله ﵎: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٣-٢٥] .

стр. 1228

تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون) لما ذكر الله أنه إذا قُرئ عليهم القرآن لا يسجدون، بيَّن أن سبب تركهم السجود هو تكذيبهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن كل من كان إيمانه صادقاً فلابد أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي؛ لأن الإيمان الصادق يحمل صاحبه على ذلك، ولا تجد شخصاً ينتهك المحارم أو يترك الواجبات إلا بسبب ضعف إيمانه، ولهذا كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فمتى رأيت الرجل يترك الواجبات أو بعضاً منها، أو يفعل المحرمات؛ فاعلم أن إيمانه ضعيف، إذ لو كان إيمانه قوياً ما أضاع الواجبات، ولا انتهك المحظورات، ولهذا قال هنا: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:٢٢] أي: أنَّ تركهم السجود كان بسبب تكذيبهم لما جاءت به الرسل.

стр. 1229

تفسير قوله تعالى: (والله أعلم بما يوعون) قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٣] أي: أنه أعلم بما يوعونه، أي: بما يجمعونه في صدورهم، وما يجمعونه من أموالهم، وما يجتمعون عليه من منابذة الرسل ومخالفتهم، بل ومحاربة الرسل وقتالهم، وأنتم تعلمون أن الكفار أعداء للرسل من حين بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم يجمعون لهم، ويكيدون لهم، فتوعدهم الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٣] أي: بما يجمعون من أقوال، وأفعال، وضغائن، وعداوات، وأموال ضد الرسل عليهم الصلاة والسلام.

стр. 1230

تفسير قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق:٢٤] أخبرهم بالعذاب الأليم الذي لابد أن يكون، والخطاب في قوله: ((فَبَشِّرْهُمْ)) [الانشقاق:٢٤] عام للرسول ﷺ ولكل من يصح منه الخطاب، كل من يصح خطابه فإنه داخل في هذا، فنحن نبشر كل كافر بعذابٍ أليم ينتظره، كما قال تعالى: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة:٣٠] .
следующие страницы →