Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
لقاء الباب المفتوح [٣٥]
تحدث الشيخ عن تفسير قوله تعالى: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) إلى آخر السورة، حيث ذكر بأن الله يتكلم عن الكافرين، بأنهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؛ بسبب تكذيبهم، وأن التقصير في الواجبات دليل على ضعف الإيمان والحكم بنقيضه، فبشر الله وأمر المسلمين بتبشيرهم بالعذاب، ثم خص المؤمنين بأنهم ناجون من العذاب، وأن لهم أجراً كبيراً.
стр. 1227
تفسير آخر آيات سورة الانشقاق
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من شهر ربيع الأول عام (١٤١٤هـ) ، وهو اللقاء الذي يكون في كل يوم خميس من كل أسبوع.
في هذا اللقاء سنتكلم عن آخر سورة الانشقاق وهو قوله ﵎: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٣-٢٥] .
стр. 1228
تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون)
لما ذكر الله أنه إذا قُرئ عليهم القرآن لا يسجدون، بيَّن أن سبب تركهم السجود هو تكذيبهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن كل من كان إيمانه صادقاً فلابد أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي؛ لأن الإيمان الصادق يحمل صاحبه على ذلك، ولا تجد شخصاً ينتهك المحارم أو يترك الواجبات إلا بسبب ضعف إيمانه، ولهذا كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فمتى رأيت الرجل يترك الواجبات أو بعضاً منها، أو يفعل المحرمات؛ فاعلم أن إيمانه ضعيف، إذ لو كان إيمانه قوياً ما أضاع الواجبات، ولا انتهك المحظورات، ولهذا قال هنا: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:٢٢] أي: أنَّ تركهم السجود كان بسبب تكذيبهم لما جاءت به الرسل.
стр. 1229
تفسير قوله تعالى: (والله أعلم بما يوعون)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٣] أي: أنه أعلم بما يوعونه، أي: بما يجمعونه في صدورهم، وما يجمعونه من أموالهم، وما يجتمعون عليه من منابذة الرسل ومخالفتهم، بل ومحاربة الرسل وقتالهم، وأنتم تعلمون أن الكفار أعداء للرسل من حين بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم يجمعون لهم، ويكيدون لهم، فتوعدهم الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٣] أي: بما يجمعون من أقوال، وأفعال، وضغائن، وعداوات، وأموال ضد الرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 1230
تفسير قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم)
ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق:٢٤] أخبرهم بالعذاب الأليم الذي لابد أن يكون، والخطاب في قوله: ((فَبَشِّرْهُمْ)) [الانشقاق:٢٤] عام للرسول ﷺ ولكل من يصح منه الخطاب، كل من يصح خطابه فإنه داخل في هذا، فنحن نبشر كل كافر بعذابٍ أليم ينتظره، كما قال تعالى: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة:٣٠] .
стр. 1231
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥] (إلا) هنا بمعنى (لكن) ولا تصح أن تكون استثناءً متصلاً؛ لأن الذين آمنوا ليسوا من المكذبين في شيء، بل هم مؤمنون مصدقون وهذا هو استثناء منقطع وتقدر (إلا) بـ (لكن) أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون؛ الذين آمنوا بقلوبهم، واستلزم إيمانهم قيامهم بالعمل الصالح، فهؤلاء هم الذين ليس لهم عذاب ولا ينتظرون العذاب، بل لهم أجر غير ممنون.
فإن قيل: ما هو العمل الصالح؟ ف
أن العمل الصالح ما جمع شيئين: الأول: الإخلاص لله تعالى بأن يكون الحامل على العمل هو الإخلاص لله ابتغاء مرضاته وثوابه، وابتغاء النجاة من النار، -أي: لا يريد الإنسان بعمله شيئاً من الدنيا- ولهذا قال العلماء: إن الأعمال التي لا تقع إلا عبادة لا يصح أخذ الأجرة عليها كالأذان: -مثلاً- فلا يصح أن تؤذن بأجرة، والإمامة: فلا يصح أن تؤم بأجرة، وقراءة القرآن: فلا يصح أن تقرأ بأجرة، بخلاف تعليم القرآن فيصح بالأجرة؛ لأنه متعدٍّ وتكون الأجرة على العمل الذي هو التعليم لا على التلاوة، فلو أتى إنسان وقال: أريد أن أتلو القرآن بأجرة، فإن ذلك لا يصح ولا يحل؛ لأن من شرط العمل الصالح أن يكون مخلصاً لله ، ومن قرأ بأجرة أو تعبد بأجرة؛ فإنه لم يخلص العمل لله فلا يكون عمله مقبولاً.
الثاني: أن يكون متبعاً فيه شريعة الله التي جاء بها رسول الله ﷺ -أي: أن يتبع الإنسان رسول الله ﷺ في عمله فعلاً لما فعل، وتركاً لما ترك- فما لم يفعله النبي ﷺ مع وجود سببه فالسنة تركه.
أي: إذا وجد سبب الشيء في عهد الرسول ﷺ ولم يفعله فإن السنة تركه.
ولهذا نقول: إن ما يفعله أكثر المسلمين اليوم من الاحتفال بمولد الرسول ﷺ في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول بدعة ليس له أصل من السنة؛ لأن رسول الله ﷺ لم يحتفل بعيد مولده ولا خلفاؤه الراشدون، مع أننا نعلم علم اليقين أنه لو كان مشروعاً ما تركه النبي ﷺ بلا بيان للأمة؛ لأن عليه البلاغ، فلما لم يقل للأمة أنه يشرع الاحتفال بهذه المناسبة، ولما لم يفعله هو بنفسه، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون، عُلم أنه بدعة لا يزيد فاعله من الله إلا بعداً نسأل الله العافية.
وهذه البدعة حدثت أول ما حدثت في القرن الرابع، أي: بعد مضي أكثر من ثلاثمائة سنة على الأمة الإسلامية، حدثت هذه البدعة وزعموا أنهم يعظمون فيها رسول الله ﷺ ، والحقيقة أن كل بدعة ليس فيها تعظيم للرسول ﷺ ؛ لأن تعظيم رسول الله ﷺ إنما هو باتباع سنته، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] .
ولننظر هذه البدعة! هل لها أصل من التاريخ؟ هل لها أصل من الشرع؟ نقول: ليس لها أصل من التاريخ، وذلك أن مولد الرسول ﷺ مختلف فيه على أكثر من خمسة أقوال، بعد الاتفاق على أنه في ربيع، لكن مختلف في أي يوم هو، وقد رجح بعض علماء التاريخ المعاصرين أنه كان في اليوم التاسع وليس في الثاني عشر، فبطل من الناحية التاريخية أن يكون في اليوم الثاني عشر، أما من الناحية الشرعية فهو باطل لوجوه: الأول: أنه عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ ، ولا الخلفاء الراشدون الذين أمرنا باتباع سنتهم، فإن ادعى مدعٍ أن ذلك مشروع في القرآن والسنة، أو في عمل الخلفاء الراشدين، أو الصحابة؛ فعليه الدليل؛ لأن البينة على المدعي، ولن يستطيع إلى ذلك سبيلاً -أي: لن يستطيع أن يأتي بدليل واحد من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين، أو الصحابة؛ على أنه يسن الاحتفال بيوم ميلاد الرسول ﷺ .
ثانياً: أن نقول: هذا الاحتفال إما أن يكون حقاً أو يكون باطلاً، فإن كان حقاً؛ لزم من ذلك أن يكون النبي ﷺ إما جاهلاً بالحق، وإما عالماً به وكاتماً له، وكلا الأمرين باطل يمتنع غاية الامتناع أن يكون الرسول ﷺ جاهلاً بشيء من شريعة الله، أو يكون عالماً به ولكن لم يبينه للأمة؛ لأن الاحتمال الأول: يقتضي أن يكون جاهلاً بالشرع مع أنه هو صاحب الشرع.
والاحتمال الثاني: يقتضي أن يكون كاتماً ما أنزل الله إليه وحاشاه من ذلك، ولو كان كاتماً ما أنزل الله إليه لكتم قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] .
ثالثاً: إذا تبين أنها بدعة، فإنه لا يحل لأحد أن يقيمها لقول النبي ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
ولو اتبع الحق أهواءهم وصار كل من عنَّ له أن في أمرٍ ما مشروعية فيشرعه؛ لاختلفت الأمة، ولتمزق الدين، ولكان كل قوم لهم دين معين، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة الإسلامية من وجوب الاتفاق على كلمة الله، وسنة رسوله ﷺ .
رابعاً: نقول: هذه بدعة لم تقتصر على مجرد الاجتماع، والصلاة على النبي ﷺ ، وذكر محاسنه، ومآثره، وشريعته، بل عدل عن هذا إلى قصائد المديح البالغة في الغلو غايته، بل المتجاوزة لطبيعة البشر إلى حقوق الله ، فقد كان هؤلاء الذين يجتمعون يترنمون بقصيدة البوصيري الذي كان يقول فيها يخاطب النبي ﷺ :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
قال بعض العلماء: إذا كان الأمر هكذا لم يبق لله شيء، ولم يكن الله تعالى هو الملجأ عند الشدائد والفزع، بل كان الرسول ﷺ الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، هو الملجأ وهذا غاية ما يكون من الغلو الذي نهى عنه الرسول ﷺ ، فصار هؤلاء الذين يدعون أنهم يتقربون إلى الله بمثل هذه الاحتفالات، وأنهم هم المحبون لرسول الله ﷺ صاروا في الحقيقة هم الذين يبتعدون عن الله بما أشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً.
ولا شك أن الرسول ﷺ لا يرضى بمثل هذا أبداً، فإذا قالوا: إن منشأ هذا هو محبة رسول الله ﷺ ومن أجل أن نبين للنصارى أننا نعتني برسول الله كما كانوا يعتنون برسولهم فيجعلون من ميلاده عيداً، قلنا: إذا كنتم صادقين في محبة الله ورسوله فهنا ميزان قسط عادل هو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ولهذا كلما كان الإنسان أشد حباً لله كان أشد اتباعاً لرسول الله ﷺ ، وكلما كان أقل حباً لله كان أقل اتباعا لرسول الله ﷺ ، فإذا رأيت الرجل يدعي محبة الله ورسوله لكنه لا يلتزم بالشريعة فاعلم أنه كاذب؛ لأن محبة الله ورسوله تنتج إنتاجاً لازماً هو اتباع الرسول ﷺ .
فالحاصل أنه يجب على طلبة العلم هنا في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد الإسلامية أن يبينوا للعامة ولغير العامة أن هذا الاحتفال ليس له أصل من السنة، وأنه بدعة لا يزيد الإنسان إلا بعداً من الله ؛ لأنه شرع في دين الله ما ليس منه، فإن قال قائل: أليست الصلاة على رسول الله ﷺ مشروعة كل وقت؟ فالجواب: بلى.
أكثر من الصلاة على الرسول ﷺ يُعظِم الله لك فيها أجراً، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، لكن ترتيبها في ليلة معينة والاجتماع عليها وذكر المدائح والقصائد البالغة في الغلو غايته هذا هو الممنوع، ونحن لا نقول: لا تصلوا على الرسول، بل نقول: أكثروا من الصلاة عليه ﷺ ، ولا نقول: لا تحبوا الرسول، ولكن نقول: أحبوا الرسول أكثر مما تحبون أنفسكم، ولا يكمل إيمانكم إلا بذلك، ولكن لا تُحدِثوا في دينه ما ليس منه.
فالواجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس، وأن يقولوا لهم: اشتغلوا بالعبادات الشرعية الصحيحة، واذكروا الله، وصلوا على النبي ﷺ في كل وقت، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحسنوا إلى المسلمين في كل وقت، أما أن تجعلوا عيداً معيناً في السنة لم يجعله الله، فالله تعالى لم يجعل في السنة إلا ثلاثة أعياد فقط: عيد الأضحى، وعيد الفطر، وعيد الأسبوع يوم الجمعة، أما أن تحدثوا أعياداً أخرى فإنكم تحدثون في دين الله ما لم يشرعه.
стр. 1232
تفسير قوله تعالى: (لهم أجر غير ممنون)
ثم قال الله ﵎: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥] (لهم أجر) أي: ثواب، (غير ممنون) أي: غير مقطوع بل هو مستمر أبد الآبدين، والآيات في تأبيد الجنة كثيرة ومعلومة في الكتاب والسنة، وليس من الصعوبة بحيث نسوقها إليكم الآن؛ لأنها واضحة ولله الحمد، فأجر الآخرة لا ينقطع أبداً، ليس كالدنيا هناك وقت تثمر الأشجار ووقت لا تثمر، أو وقت تنبت الأرض ووقت لا تنبت، كلا.
الأجر فيها دائم ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم:٦٢] .
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين العاملين للصالحات المجتنبين للسيئات إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1233
الأسئلة
.
стр. 1234
حكم الطلاق من حيث الوقوع والعدم
ما حكم الطلاق من حيث الوقوع أو عدمه في الصورة التالية: وهي أن رجلاً قال لأخي الزوجة: اذهب إليها وقل لها إن لم تفعل كذا فهي طالق، فدخل إلى الغرفة ولم يخبرها ثم خرج، فقال للزوج: إنها ترفض أن تفعل ما تقول -أي: إن لم تفعل كذا فهي طالق- ولم تفعل ولم يخبرها، يعني كذب عليها فخرج الزوج من البيت ولم يقل شيئاً؟
لا يقع الطلاق في هذه الحال؛ لأن المرأة لم تُخبر، فإذا تركت فعل ما قاله الزوج في الوقت الذي حدده وهي جاهلة؛ فليس على الزوج طلاق، وليس عليه يمين أيضاً.
стр. 1235
كيفية الدعاء للطفل الميت في صلاة الجنازة
هل ورد في السنة دعاء خاص يدعى به للطفل الميت في الصلاة عليه؟ وهل في السنة نهي عن استلقاء المرأة على ظهرها؟
أما الأول فليس فيه سنة صحيحة عن الرسول ﷺ ، ولكن وردت أحاديث في صحتها نظر، وهو أن الطفل الذي لم يبلغ يدعى لوالديه، وقد ذكر بعض الفقهاء دعاءً مناسباً قالوا: اللهم اجعله فرطاً لوالديه، وذخراً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم.
وأما استلقاء المرأة على ظهرها فإنه لا ينبغي خصوصاً إذا كان في البيت أحد فإنه قد يمر بها وهي على هذه الحال، وقد تحصل الفتنة، وأما إذا كانت وحدها في بيتها فلا بأس.
стр. 1236
الرد على القول بعصمة الصحابة
قوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) قال أحد مشايخ الصوفية: لقد رفع الرسول ﷺ الخلفاء الأربعة إلى درجة العصمة حيث أمر الأمة باتباع سنتهم فهل أمرنا باتباع سنتهم وهو يعلم أنهم كانوا يخطئون؟ وما معنى كلمة مهديين؟ أليست تعني الحفظ من الله لهم من الوقوع في الأخطاء فما قولكم؟
قال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) فبدأ ﷺ بسنته أولاً، وهذا يعني أن سنة الخلفاء الراشدين إذا خالفت سنته فإنها لا تتبع، ولهذا قال ابن عباس ﵄: [يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر] والمتتبع لأقوال الخلفاء الراشدين يجد أن في أقوالهم ما يكون ناتجاً عن اجتهاد لكنه لم يصب السنة، وهذا أمر معلوم في التتبع، وهذا يدل على أنهم غير معصومين من الخطأ، ولكن إذا لم يكن في الأمر سنة عن الرسول ﷺ فلا شك أن سنتهم أقرب إلى الصواب من غيرهم، وأن قولهم حجة كما قال ذلك الإمام أحمد ﵀، ولكن لا يعني هذا قوله أنهم معصومون في كل قول يقولونه، أو في كل فعل يفعلونه.
وأما كونهم مهديين فالهداية تكون لهم ولغيرهم، لكن الهداية الأكثر لهم بلا شك؛ لأنهم خلفاء راشدون خلفوا النبي ﷺ في أمته، عقيدة وعملاً ودعوة، ثم إنه وصفهم بالخلفاء الراشدين، ومعلوم أن الإنسان إذا أخطأ في مسألة من المسائل لم يكن راشداً فيها ولكنه مغفور له إذا كان ذلك ناتجاً عن اجتهاد.
стр. 1237
حكم الحلف بالطلاق
من كان بينه وبين زوجته شجار فقال لها: عليَّ الطلاق لأفعلن كذا وكذا، سواء كانت واحدة أم ثلاث فما الحكم؟
أولاً: أنصح الأزواج عامة ألا يتساهلوا بلفظ الطلاق، وألا يتسرعوا فيه، وأقول: إن الرجل إذا قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق، أو عليَّ الطلاق أن تفعلي كذا، ثم خالفت؛ فإن أكثر العلماء يرون أنها تطلق على كل حال، ويقولون: إن هذا أتى بصريح الطلاق، فوجب أن يقع الطلاق، كما لو أتى به غير معلق، ومعلوم أن الإنسان إذا قال لزوجته: أنت طالق فإنها تطلق، ولكن إذا كان معلقاً بأن قال: إن فعلت كذا فأنت طالق، أو إن لم تفعلي كذا فأنت طالق، فجمهور العلماء قالوا: إن المعلق كالمنجز، وأنها إذا خالفت الزوج في ذلك طلقت بكل حال.
فإذاً المسألة خطيرة ليست بالهينة، ولكن ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنه إذا قصد بذلك الحث أو المنع فإنه يكون حكمه حكم اليمين، أي: أن الزوجة لا تطلق ويكفر كفارة اليمين، فإذا قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق، فإن فعلت فعلى قول جمهور العلماء تطلق، وعلى قول شيخ الإسلام نسأل الرجل ونقول: هل أردت أن الزوجة إذا فعلت هذا تكون طالقاً، فإن قال: نعم.
فحينئذٍ تطلق، وإذا قال: لا.
وإنما أردت أن أؤكد عليها المنع من هذا الشيء وأهددها بالطلاق قلنا: إذاً طلاقك في حكم يمين فتكفر كفارة يمين ولا يقع الطلاق، وبهذا عرفتم خطورة هذه المسألة وأنها ليست بالأمر الهين، نسأل الله الهداية للجميع.
стр. 1238
استغلال دعوة الكفار الذين بين أظهرنا إلى الإسلام
يأتي إلى بعض مناطق المملكة عمال وأغلبهم كفار قد يكونون نصارى أو هندوس، ويسكنون في مناطق المملكة، وقد يكون بجوارهم طلاب علم، وطلاب العلم قد لا يدعونهم إلى الإسلام، ويحصل منهم جفاء في المعاملة، ويستمرون هكذا طيلة السنين، ويذهبون إلى بلادهم ولا يدعونهم، مع أن المسلمين لو كانوا في الخارج لبذل النصارى جهودهم في دعوتهم فما توجيهكم؟
توجيهي أن الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم لكنها فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، لقول الله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] (أدعوا إلى الله) كل أحد، (أنا ومن اتبعني) ، فكلما كان الإنسان أشد اتباعاً للرسول ﷺ ؛ كان أشد دعوة لشريعته، ولا شك أن هؤلاء الإخوة الذين نزل إلى جانبهم قوم من الكفار ولم يدعوهم إلى دين الإسلام لا شك أنهم مقصرون، وأن الذي ينبغي بل الذي يجب عليهم أن يدعوا هؤلاء إلى دين الإسلام حتى بالتأليف، فلو دعوهم إلى البيت وقدموا لهم الطعام، ثم تحدثوا إليهم ودعوهم إلى الإسلام، وبينوا لهم محاسنه كان هذا طيباً.
ولكن بعض الإخوة تغلب عليهم الغيرة مع الجهل فينفر من هؤلاء، ويقاطعهم، ويعاملهم بالشدة والقسوة، حتى ينفروا من الإسلام بسبب هذا الرجل المسلم، ويظنون أن أخلاق هذا المسلم هي الأخلاق التي يأمر بها الإسلام.
والغيرة وإن كانت حسنة محمودة؛ لكنها إذا لم تقرن بالحكمة والعلم صارت في الحقيقة غيرة ضارة، فعلى هذا ننصح إخواننا هؤلاء وغيرهم بأن يدعوا إلى الله ، وكما تفضلت بأن النصارى يبذلون كل غالٍ ورخيص من أجل الدعوة إلى النصرانية، مع أنها دين باطل أبطله الإسلام، ولكنهم حريصون بوحي الشيطان إليهم على دعوة الناس للنصرانية مع أنها دين باطل منسوخ بالإسلام؛ فما بالنا نحن -ونحن أمة العزم والحزم والصدق- نتكاسل حتى عن جيراننا الذين لهم حق علينا لا ندعوهم إلى الإسلام، ولا أدري عن هؤلاء الإخوة هل يقومون بحق الجوار أو لا يقومون؟ وفي الحديث: (إذا طبخت مرقة؛ فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) وفي الحديث الصحيح أيضاً: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) وقال العلماء: إن الجار إذا كان غير مسلم فله حق الجوار، وإن كان مسلماً فله حق الجوار والإسلام، وإن كان مسلماً قريباً فله حق الجوار والإسلام والقرابة.
فانصح هؤلاء وقل لهم: ادعوا هؤلاء للدين، ربما يكون في دعوتهم خير (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وربما إذا اهتدى هذا الرجل دعا غيره كما هو مشاهد ومعلوم الآن.
стр. 1239
صفة دعاء السفر
ذهبنا من القصيم إلى الرياض في سفر قبل أمس؛ فأشكل علينا أنا والإخوة سؤالان، نقول: متى يقال دعاء السفر؟ هل هو عند الخروج من المدينة أم عند ركوب الدابة؟ وعندما رجعنا من الرياض اختلف الشباب في المكان الذي يقال فيه دعاء السفر، فقال البعض: مكانه عندما نشرف على المدينة - عنيزة - ونراها؛ لأنه فعل النبي ﷺ كما يزعمون، وقال بعضهم: بل مكانه حال خروجنا من الرياض متوجهين إلى القصيم ويدل عليه سياق الحديث حيث قال ﷺ في هذا الدعاء: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى) وقال: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) فكيف يقول هذا وقد انتهى من سفره ووصل إلى أهله؟ أفتونا مأجورين.
الدعاء المأثور يذكر إذا ركب الدابة أو السيارة، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٢-١٣] أي: ما جعل لنا من الفلك والأنعام، والآن نحن نركب الفلك لكنه فلك بري، والفلك ثلاثة أنواع: بري، وبحري، وجوي، ولا يعرف في عهد الرسول ﷺ إلا البحري لكنه الآن تنوع بهذا التنوع، فإذا استوى عليه قرأ الذكر وقال: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) أما إذا رجع فإنه يقول: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) إذا قفل من البلد التي رجع منها وعند رؤية بلده.
فالأول يقال في حال السفر فقط، لكن (آيبون تائبون) في الرجوع عند العودة، أما ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] فيقوله كلما ركب الدابة، سواء في السفر أو في الحضر حتى إذا ركبت السيارة الآن من بيتك إلى المسجد تقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣-١٤] .
стр. 1240
حكم بول وروث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل
بالنسبة للبول وروث الحيوانات التي يؤكل لحمها هل هي نجسة وتنقض الوضوء أم لا؟
بول وروث الحيوان المأكول طاهر، ولا يلزم إذا أصابك منها شيء أن تغسل ثيابك أو بدنك، ودليل ذلك: أن النبي ﷺ رخص في الصلاة في مرابض الغنم، وهو محل ربضها عند المنام والمبيت، وهو لا يخلو من الروث ومن البول، وأمر النبي ﷺ العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولكن لا يصلى في معاطن الإبل؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وليس من أجل نجاستها بل لمعنى لا نعقله عند بعض العلماء، أو هو معقول عند آخرين وهو يعني أن الإبل خلقت من الشياطين فيكون في معاطنها تأثير من هذه الإبل التي خلقت من الشياطين، فلذلك نهى النبي ﷺ عن الصلاة في معاطنها.
وأما بول ما لا يؤكل لحمه وروثه فإنه نجس كالبغل والحمار والهر ونحو ذلك، وأما هل تنقض الوضوء؟ الجواب: لا تنقض الوضوء حتى الأشياء النجسة لا تنقض الوضوء؛ لأن النجس يجب غسله فقط ولا يجب الوضوء له.
стр. 1241
حكم الاحتفال بالمولد النبوي
في بعض البلاد يقوم الناس بالاحتفال بالمولد النبوي كاحتفالهم بعيد الفطر أو عيد الأضحى، ويقوم رب البيت بالتوسعة على أولاده في الطعام والشراب والحلوى، وشراء الهدايا، والقيام بالزيارات للأهل فهل هذا من البدع؟ وما واجبنا تجاه هذا الأمر؟
نعم.
هذا من البدع لا شك، وواجبنا نحو هذا الأمر أن نبين للناس أن هذا بدعة وأن كل بدعة ضلالة، ونقول: أربعوا على أنفسكم ولا تتعبوها بهذا الأمر الذي لا يزيدكم إلا ضلالاً، ثم نقول لهم: إذا كنتم تحبون رسول الله ﷺ فلا تقدموا بين يديه، ولا تدخلوا في دينه ما ليس منه، وهل جعل النبي ﷺ عيداً للمسلمين سوى الأعياد الثلاثة؟! بل إنه لما قدم المدينة ووجد الأنصار يحتفلون بأعيادٍ لهم كانت في الجاهلية قال لهم: (إن الله أبدلكم بخيرٍ منها عيد الأضحى، وعيد الفطر) فأمرهم النبي ﷺ بما رغب في العيدين أن يدعوا الأعياد التي ليست أعياداً شرعية.
стр. 1242
ما يفعل الشخص عند الدخول على زوجته
هل ورد عن النبي ﷺ أنه وضع يده على ناصية إحدى زوجاته؟ وما يجب أن يفعل من يدخل على زوجته ليلة البناء؟
ورد من قول الرسول ﷺ أن الإنسان إذا ملك دابة، أو تزوج زوجة، أو ما أشبه ذلك أخذ بناصيتها وقال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) ولكن لو أن الإنسان فعل هذا أول ما يدخل على زوجته ربما يحصل منها نفرة؛ فليمسك برأسها كأنه يريد أن يقبلها ويقول هذا الذكر سراً حتى تحصل المصلحة بدون مفسدة.
стр. 1243
ما هي الصور التي يجب طمسها
لو بينتم بعض الصور التي يجب طمسها؟
الصورة التي يجب طمسها كل ما كان على صورة إنسان أو حيوان؛ فإنه يجب طمس وجهها فقط، ويكفي طمس وجهها عن بقية بدنها، أما صور الأشجار، والأحجار، والجبال، والشمس، والقمر، والنجوم؛ فإن هذا لا بأس به، ولا يجب طمسه.
أما صورة عين فقط أو وجه فقط فهذا ليس فيه شيء؛ لأنه ليس بصورة، هذا جزء منها وليس صورة.
стр. 1244
حكم إقامة الحجة وفهمها على أهل البدع
بعض الإخوة ذهبوا بدعوة صلة أرحامهم في جنوب اليمن وأرحامهم هؤلاء تربوا وترعرعوا على أيدي علماء الصوفية ومما علموهم قالوا: إذا جاءكم أي شخص من الحجاز أو من نجد أو كان موحداً فهذا يعتبر وهابياً فلا تقبل منه، وأردنا أن ندعوهم إلى التوحيد فلم يقبلوا منا هذه الدعوة، فهل هذه حجة؟ وهل يشترط مع إقامة الحجة فهم الحجة أم لا؟
لا شك أنه إذا قيل لهم: هذا هو الحق وهذا هو كتاب الله، وهذه هي سنة رسول الله ﷺ أنه قد قامت عليهم الحجة؛ لأنهم عرب يفهمون بمجرد ما يسمعون، أما لو كان أعجمياً وكنت تتكلم أمامه باللغة العربية وهو لا يفهمها؛ فإن الحجة لم تقم عليه؛ لأنه لا يفهم ما تقول، فإذا كان يعلم ما تقول، وأتيت بالكتاب والسنة دليلاً ولكنه أصر وقال: سأتبع مشايخي فقد قامت عليه الحجة، ويكون هذا كالذين قال الله عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] إذاً نقول: سمونا ما شئتم، وهابية، أو حنبلية، أو نجدية، أو حجازية، أو ما شئتم، ألستم تؤمنون بالله ورسوله؟! ألستم ترون أن القرآن دليل، وأن السنة دليل؟! ولكن يبدو أن بعض الدعاة يكون منه انفعال، وإذا قالوا: نحن لا نأخذ منكم أنتم وهابية، ينفر منهم، أو يرد عليهم بالمثل، ويقول: أنتم ضلال، وأنتم فيكم كذا وكذا، فلا يحصل منه الدعوة بالحكمة.
стр. 1245
حكم نسيان الإمام للبسملة في الصلاة
إذا نسي الإمام قراءة البسملة في الصلاة هل تبطل صلاته؟
إذا نسي الإمام البسملة في الصلاة فإن صلاته لا تبطل، وكذلك المنفرد والمأموم؛ لأن البسملة ليست من الفاتحة، بل هي آية مستقلة يؤتى بها عند ابتداء السور إلا سورة براءة.
стр. 1246
حكم قول: إن كنت على خلاف كذا فعلي كذا
ما رأيكم فيما يكون في المجالس، يقول الرجل لأخيه: إن كان ذلك على خلاف ما تقول علي حق؟
إذا التزم القائل بهذا فلا حرج؛ لأن هذا من جانب واحد، وقصد القائل بذلك تأكيد قوله فهو يقول: إن كنت كاذباً فعلي كذا وكذا.
стр. 1247
حكم تلحين الأناشيد الإسلامية
نجد بعض أشرطة الأناشيد الإسلامية فيها تلحين يشبه الأغاني فما حكم ذلك؟
الذي أرى أن التلحين للأناشيد المباحة إذا كان تلحيناً كأغاني المطربين فإنه حرام؛ لأنه تشبه بقوم لا يجوز التشبه بهم، وكذلك إذا كانت هذه الأناشيد قد لحنت من رجال أصواتهم جميلة جذابة يخشى منها الفتنة، فإنها لا تجوز لما يخشى منها من الفتنة.
стр. 1248
حكم إتمام الصلاة الفائتة جماعة
إذا كان الرجل عليه قضاء بعض الصلاة، فقام ليتم الصلاة فهل يتم هو ومن بجواره؟
يعني: أنه إذا دخل اثنان في الصلاة وقد فاتهما بعض الصلاة فقال أحدهما للآخر: أكون إماماً لك فيما نقضي، فهل هذا جائز؟ يقول بعض العلماء، أنه جائز، ويقول بعض العلماء أنه لا يجوز؛ لأن الإنسان مأمور بأن يقضي ما فاته وحده: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) والذي نرى أنه لا بأس به ولكن الأحسن ألا يُفعل، بل يقضي كل إنسان وحده؛ لأنه إذا قضى بصاحبه جماعة فربما يشوش على غيره بالتكبير وبالقراءة إن كان فيما يقضيان قراءة جهرية، وربما يكون هو وصاحبه جماعة ويأتي اثنان آخران فيكونان جماعة وتتعدد الجماعات في مسجد واحد؛ فلهذا ينبغي ألا يفعل، لكن لو فُعل فالصحيح أن الصلاة لا تبطل، وقال بعض العلماء أنها تبطل.
стр. 1249
حكم جمع الصلاة للمسافر
هل صحيح أن جمع الظهر والعصر جمع تأخير في سفر يصح عند غروب الشمس؟ وما هي السنة في الجمع في السفر؟
أولاً: لا يجوز أن تؤخر صلاة العصر إلى اصفرار الشمس فضلاً عن تأخيرها إلى الغروب أو قربه، لقول النبي ﷺ : (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) سواء في جمع أو في غير جمع، في حضر أو في سفر.
ثانياً: إذا جاز الجمع فإنما يجوز الجمع في وقت الجواز، أي: لا يجوز أن يؤخر الجمع حتى تصفر الشمس، أما حكم الجمع في السفر فإنه جائز ولكن الأفضل ألا يجمع إلا عند الحاجة، والحاجة إنما تكون فيما إذا جد به السير، إذا كان مستمراً في سيره، أو وصل إلى البلد التي يريد وهي غير بلده، وصار متعباً وأراد أن يؤخر الصلاة حتى ينشط قليلاً فلا بأس، وفي هذه الحال -أي: فيما إذا احتاج المسافر إلى الجمع يكون الجمع أفضل- إما جمع تقديم أو تأخير حسب الأيسر له، ولهذا كان النبي ﷺ يجمع إذا جد به السير، ولا يجمع إذا كان نازلاً.
стр. 1250
دخول الوضوء مع الغسل أثناء غسل الجنابة
هل يقوم الغسل من الجنابة مقام الوضوء؟
نعم.
إذا كان على الإنسان جنابة واغتسل مع المضمضة والاستنشاق كفى عن الوضوء، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] ولم يذكر وضوءاً.
стр. 1251
حكم صلاة الجنازة في المقبرة
يوجد مكان يصلى فيه على الجنازة في المقبرة ولا تقام فيه صلوات أخرى فهل يجوز إقامة صلاة الجنازة في المقبرة في هذا المصلى؟
نعم.
لا بأس أن يصلى على الجنازة في المقبرة؛ لأنه لا دليل على المنع، وقد قال النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ولا أعلم في ذلك سنة، ولكن ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على القبر، وذلك في قصة المرأة التي كانت تقمُّ المسجد -أي: تنظفه من القمامة- فماتت في الليل فكأنهم تقالوا شأنها وقالوا: لا نخبر النبي ﷺ بها، فلما سأل عنها النبي ﷺ قالوا: إنها ماتت ليلاً فقال: (هلا كنتم آذنتموني) -أي: أخبرتموني- ثم قال: (دلوني على قبرها) فدلوه على قبرها فخرج وصلى عليها ﷺ ، فدل ذلك على جواز الصلاة على الميت في المقبرة، ولا فرق بين المدفون وبين الذي لم يدفن بعد.
стр. 1252
حكم التسمية عند ذبح مجموعة من الدجاج
قمت بزيارة إلى مزارع الدواجن الوطنية فرأيت كيف يذبحون الدجاج؛ ففي البداية يعلقون الدجاج يعني حتى ما يستطيع أن يتحرك ثم يمر على الذابح فيذبح بدون تسمية فسألت، لماذا لا تسمي؟ قال: لأني أنا أسمي في البداية ولا أستطيع أن أسمي على خمسمائة ألف دجاجة، فأقول عندما أدخل بسم الله، الله أكبر ويكفي هذا، فقلت: من سألت؟ قال: أهل العلم أفتوا بذلك وأجازوها فما أدري يا فضيلة الشيخ! جواز هذا الفعل؟
لابد أن يسمي على شيء معين، سواء كانت واحدة أم أكثر -فمثلاً- إذا صف ألف دجاجة ثم عند تحريك الماكينة قال: باسم الله كفى، فإذا صف له ألف دجاجة -مثلاً- ثم تحركت الماكينة وتحركت الأمواس يكفي إذا قال: باسم الله على هذه المصفوفة، فإذا صف له مجموعة أخرى سمى عليها.
السائل: يقول أنا أسمي مرة واحدة ويكفي؟ الشيخ: يعني إلى أن تقف الماكينة لا يجوز هذا، إذ لابد أن تكون تسميته على معين.
السائل: الأمر الآخر يا شيخ! كنا في زيارة كذلك إلى مزارع استرا في تبوك وهم يذبحون طيور السمان فماذا يفعلون؟ يعلقون هذه الطيور، وبعد تعليقها تمر على مثل آلة ترش الماء على هذا الطائر فنوعاً ما يتخدر، ثم يمر على مثل الجدار ومكتوب عليه بسم الله والله أكبر، ثم يذهب إلى الآلة فيقطع رأسه، وقال المسئول: هذا يجزئ؛ فبسم الله والله أكبر مكتوب كتابة؟ الشيخ: كل هذا جهل ويجب بارك الله فيك الآن أنك ترفع ما شاهدت أنت مع إخوانك وتوقعون عليه وترسلونه إلى دار الإفتاء، وتبينون متى كان ذلك، هل في هذه السنة أو قبل سنوات؛ حتى تبرأ ذمتك لذلك.
السائل: يا شيخ! هم يقولون: إن مجموعة من المشايخ أفتوا بذلك.
الشيخ: لا.
قد يكون بعض المشايخ أفتى بشيء على غير هذا الوجه، ويمكن أنه أفتاه بما قلت أنا أي: أنه يجمع مجموعة ثم يحرك الماكينة على هذه المجموعة، وإن لم يسم على كل واحد بعينها، مثل ما لو رأى فرقة من الطير فرماها فقال: بسم الله، فسقط عشرون طائراً فإنها تحل.
стр. 1253
حكم الإيثار بالقربات
موضوع الإيثار بالقرب، كأن نؤثر العالم أو الوالد بالصف الأول، فإذا كنا في الصف الأول -مثلاً- ووجدنا الأب أو العالم الشيخ في الصف الثاني، وأردنا أن نقدمه إلى الصف الأول -مثلاً- فهل هو مشروع، أو مكروه، أو يدخل في حدود الإباحة وجزاكم الله خيراً؟
الإيثار بالقرب على نوعين: النوع الأول: القرب الواجبة: فهذه لا يجوز الإيثار بها، ومثاله رجل معه ماء يكفي لوضوء رجل واحد فقط، وهو على غير وضوء، وصاحبه الذي معه على غير وضوء ففي هذه الحال لا يجوز أن يؤثر صاحبه بهذا الماء؛ لأنه يكون قد ترك واجباً عليه وهو الطهارة بالماء، فالإيثار في الواجب حرام، وأما الإيثار بالمستحب فالأصل فيه أنه لا ينبغي، بل صرح بعض العلماء بالكراهة، وقالوا: إن إيثاره بالقرب يفيد أنه في رغبة عن هذه القرب، لكن الصحيح أن الأولى عدم الإيثار، وإذا اقتضت المصلحة أن يؤثر فلا بأس، مثل أن يكون أبوه في الصف الثاني وهو في الصف الأول، ويعرف أن أباه من الرجال الذين يكون في نفوسهم شيء إذا لم يقدمهم الولد، فهنا نقول: الأفضل أن تقدم والدك، أما إذا كان من الآباء الطيبين الذين لا تهمهم مثل هذه الأمور فالأفضل أن يبقى في مكانه، ولو كان والده في الصف الثاني، وكذلك بالنسبة للعالم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
стр. 1254
لقاء الباب المفتوح [٣٦]
تحدث الشيخ في هذا اللقاء عن فضل مجالس العلم، وتدبر القرآن، ثم فسر آيات من سورة البروج، وذكر حكم البسملة وأنها إنما أنزلت للفصل بين السور.
وأجاب عن بعض الأسئلة، مثل: كيفية التعامل مع الشيعة، وحكم من يدعو غير الله ويعتقد فيه النفع والضر ومات على ذلك، وفسر المقصود بتكفير المعين عند ابن تيمية.
стр. 1255
فضل مجالس العلم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: نفتتح لقاءنا هذا، وهو اللقاء الثاني من شهر ربيع الثاني، يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني عام (١٤١٤هـ) ، ونسأل الله أن يبارك لنا جميعاً في أعمارنا وأعمالنا، وأن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاه.
هذه اللقاءات المباركة بين العلماء وطلبة العلم، وبين طلبة العلم وعوام الناس، لا شك أنها لقاءات خيرة ونافعة، تجعل الناس يستبصرون في دينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويشكو بعضهم إلى بعض حوائجه ونوائبه، ولا غرابة في ذلك، فإن النبي ﷺ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وقال ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وهذا هو الواجب في حق الأمة الإسلامية أن تكون جسداً واحداً، إذا تألم منه عضو تألم سائر الجسد له حتى يبرأ ويهدأ، وكذلك يجب أن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك النبي ﷺ بين أصابعه إشارةً إلى أن البنيان كلما تراصّ وتلاءم كان أقوى له.
لقاءاتنا هذه ولله الحمد فيها بركة، يستفيد منها الحاضرون، ويستفيد منها المستمعون، ويستفيد منها السامعون بما مَنَّ الله به علينا في هذا الزمن من تسهيل الأشرطة المنتشرة بين الناس.
فقد يكون الإنسان قائداً لسيارته وهو يستمع إلى الشيخ يحدثه بدون تعب ولا ملل، ويكون الإنسان مضطجعاً في فراشه وهو يستمع إلى العلم، كل هذا بما مَنَّ الله به علينا من هذه الأشرطة، ولذلك نرى ولله الحمد آثار هذه الأشرطة في البيوت عند الصغار والكبار والنساء والرجال، وهذا لا شك أنه من الخير والبركة.
ومن عادتنا أننا نفتتح اللقاء بكلام على آيات من القرآن الكريم، ابتدأناها بسورة النبأ حتى وصلنا إلى سورة البروج، واخترنا هذا الجزء؛ لأنه يكثر سماعه من الناس في الصلوات، والقرآن الكريم لم ينزل لمجرد التلاوة بل نزل للتلاوة وللتدبر وللتذكر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وكان الصحابة ﵃ لا يتجاوزون العشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.
والذي ليس له حظ من القرآن إلا التلاوة هو أمي في الحقيقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا قراءة، فوصفهم الله بأنهم أميون، مع أنهم يقرءون، فلا بد من أن يتعلم المسلمون معاني القرآن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الذي يسمى (مقدمة في علم التفسير) قال: إن الناس لو جعل لهم كتاب يدرسونه في الطب أو في أي علم كان، فلا بد أن يفهموا معناه حتى يستفيدوا منه، فإذا كان هذا في الكتب العلمية التي هي من كلام البشر، فكيف بأم العلم وأصل العلم الذي هو من كلام الله ، فهو أولى وأجدر أن نعتني به، ونفهم معناه وتفسيره، ونتلقاه من أئمة التفسير الذين عُرفوا بصحة العقيدة وسلامة المنهج.
стр. 1256
تفسير آيات من سورة البروج
وقفنا عند سورة البروج وفيها يقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:١-٢] .
البسملة آية مستقلة في الكتاب العزيز، وليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، يؤتى بها في أول كل سورة إلا سورة براءة، فإن الصحابة ﵃ لم يكتبوها في هذه السورة فبقيت بدون بسملة، وما اشتهر عند العوام من أن الجن اختطفوا بسملة سورة براءة، فهذا لا شك أنه باطل؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولا يمكن أن يسلط عليه الشياطين أو الجن حتى يختطفوا منه، بل إن الله تعالى حماه حين نزوله، وحماه بعد نزوله، وما ذكر عن بعض العلماء: أنه لم يذكر فيها البسملة؛ لأنها نزلت بالسيف؛ لأن فيها الأمر بقتال المشركين، فهذا غير صحيح؛ لأن البسملة بركة والجهاد في سبيل الله من أعظم ما يطلب فيه البركة.
على كل حال هي آية مستقلة من أول كل سورة إلا سورة براءة، وليست من الفاتحة على القول الراجح الذي دل عليه الحديث القدسي، وهو قوله تعالى فيما رواه عنه نبيه ﷺ : (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي.
) إلى آخر الحديث، وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وكذلك أول ما نزل على الرسول ﷺ سورة (اقرأ) أقرأه إياها جبريل، ولم يكن فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فدل هذا على أنها ليست من السورة.
стр. 1257
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات البروج)
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١] الواو: حرف قسم، يعني: يقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، أي: صاحبة البروج، والبروج جمع برج، وهي المجموعة العظيمة من النجوم، وسُميت بروجاً لعلوها وارتفاعها وظهورها وبيانها، والبروج عند الفلكيين اثنا عشر برجاً جمعت في قول الناظم:
حمل فثور فجوزاء فسرطان فأسد فعذراء فميزان
فعقرب قوس فجدي وكذا دلو وذي آخرها الحيتان
فهي اثنا عشر برجاً؛ ثلاثة منها للربيع، وثلاثة للصيف، وثلاثة للخريف، وثلاثة للشتاء.
فيقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، وله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، أما نحن فلا نقسم إلا بالله وبأسمائه وصفاته، ولا نقسم بشيء من مخلوقاته لقول النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ولقوله: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .
стр. 1258
تفسير قوله تعالى: (واليوم الموعود)
قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:٢] اليوم الموعود هو: يوم القيامة وعد الله به، وبينه في كتابه، ونصب عليه الأدلة العقلية التي تدل على أنه واقع حتماً، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] .
ثم قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] ذكر علماء التفسير في معنى الشاهد والمشهود عدة أقوال، يجمعها: أن الله أقسم بكل شاهد وبكل مشهود، والشهود كثيرون منهم: محمد رسول الله ﷺ ، وهو شهيد علينا.
ومنهم نحن -هذه الأمة- سوف نشهد على الناس.
وكذلك أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة بما عمل من خير وشر.
وكذلك الملائكة يشهدون يوم القيامة، فكل من شهد بالحق فهو داخل في قوله: (وشاهد) .
وأما المشهود فهو يوم القيامة وما يعرض فيه من الأهوال العظيمة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣] فأقسم الله بكل شاهد وبكل مشهود.
стр. 1259
تفسير قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود)
ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] (قُتل) أي: أُهلك، وقيل: القتل هنا بمعنى اللعن، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وأصحاب الأخدود هم قوم كفار أحرقوا المؤمنين بالنار.
وقد وردت قصص متعددة في هؤلاء القوم منها شيء في الشام ومنها شيء في اليمن، والمقصود أن هؤلاء الكفار حاولوا أن يردوا المؤمنين عن دينهم، ولكنهم عجزوا فحفروا أخدوداً -أي: حفراً ممدودة- في الأرض كالنهر، وجمعوا الحطب الكثير وأحرقوا المؤمنين -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٥] أي: أن الأخدود هو أخدود النار (ذات الوقود) أي: الحطب الكثير المتأجج.
стр. 1260
تفسير قوله تعالى: (إذ هم عليها قعود)
قال تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج:٦] أي: أن هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين، كان - والعياذ بالله - عندهم قسوة وجبروت، يرون النار تلتهم هؤلاء البشر وهم قعود عليها فاكهين كأن شيئاً لم يكن -والعياذ بالله- وهذا من الجبروت أن يرى الإنسان أحد البشر تلتهمه النار وهو جالس يتفكه بالحديث ولا يبالي: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٧] أي: هم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، أي: حضور لا يغيب عنهم ما فعلوا بالمؤمنين، ولذلك استحقوا هذا الوعيد؛ بل استحقوا هذه العقوبة، أن الله أهلكهم ولعنهم وطردهم وأبعدهم عن رحمته.
стр. 1261
الأسئلة
стр. 1262
حال طوائف الشيعة وكيفية معاملتهم
فضيلة الشيخ: هل عموم الشيعة الموجودين في هذا الزمان انقرضوا إلا طائفة الرافضة؟ وإذا لم يبق إلا هؤلاء الرافضة كيف يعاملهم من لا يعلم منهجهم، وهل يعاملهم كالمنافقين، أم ماذا؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد: الشيعة: هم كل من يزعم أنه يتشيع لآل البيت، أي: لقرابة النبي ﷺ ، وهم طوائف وفرق كثيرة، وقد ذكر المتكلمون على فرق هذه الأمة أنهم يزيدون على عشرين فرقة، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نحكم على جميعهم بحكم واحد، بل لا بد أن ننظر ماذا يفعلون، وماذا يعتقدون في النبي ﷺ ، وماذا يعتقدون في الصحابة؟ فمثلاً: إذا قالوا: نحن نعتقد أن علي بن أبي طالب إله وربٌّ، كما يُذكر عن عبد الله بن سبأ الذي قابل علياً ﵁ بالمواجهة الصريحة فقال: أنت الله، فأمر علي ﵁ بالأخاديد فخدت ثم أحرقهم بالنار لشناعة قولهم والعياذ بالله.
كذلك أيضاً من قال: إن الصحابة ارتدوا بعد النبي ﷺ إلا نفراً قليلاً من آل البيت فهم كفار أيضاً؛ لأن هذا يؤدي إلى القدح في الشريعة الإسلامية، وألا نثق بما نقل إلينا منها، لا القرآن ولا ما ينسب للرسول ﷺ منها، وإذا كان هذا يتضمن القدح في الشريعة ونسفها فهو كفر بالله تعالى وكفر بشريعته أيضاً.
ومن قال: إن علياً ولي وأنه أفضل من محمد ﷺ فهو كافر؛ لأن المسلمين أجمعوا على أن محمداً ﷺ أفضل البشر.
والمهم أن ننظر إلى عقيدة هذا الرافضي أو الشيعي، فإذا كانت تقتضي الكفر حكمنا بكفره، وإذا كانت لا تصل إلى الكفر بل هي بدعة تجعله فاسقاً لا كافراً حكمنا بما تقتضيه بدعته.
أما معاملتهم فإننا نعاملهم بما تقتضيه المصلحة فكل ما تقتضيه المصلحة فإننا نعاملهم به، فلو كان من المصلحة أن نهاديه لندعوه إلى الحق ونبين له أنه هو الواجب، وأنه لا يجوز العدول عنه فلا حرج من أن نهاديه، ومن اقتضت حاله سوى ذلك فلنعامله بما تقتضيه حاله، وأما بالنسبة للتقية لا شك أنها من مذهبهم -أعني الرافضة - فهم يعتقدونها ديناً، ولكن قد لا يكون عند بعضهم تقية؛ لكنه رجل عامي مخدوع بكبرائهم وزعمائهم فلكل مقام مقال، والإنسان العاقل يستطيع أن يعامل الناس بتوفيق الله حسب ما تقتضيه حالهم.
стр. 1263
حكم من مات وهو يعتقد أن غير الله ينفع أو يضر
فضيلة الشيخ: يعلم الله أننا نحبك في الله، وأما سؤالنا فهو عمن كان يعتقد بأن الأولياء المقبورين ينفعونهم أو يضرونهم! مع اعتقادهم بوجود الخالق، وإقامتهم للصلاة، فما مصير هؤلاء الناس بعد مماتهم؟ هل يكونون بحكم الكفرة أم الموحدين؟
أسأل الله أن يحبك كما أحببتني فيه، وأن يجعلنا جميعاً من أحباب الله وأولياء الله.
أولياء الله هم الذين جمعوا بين وصفين: الإيمان، والتقوى، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] وحينئذٍ قبل أن نقول: إن هذا قبر ولي، يحتاج أن ننظر في سيرة هذا الميت، هل هو من المؤمنين المتقين؟ فإذا كان كذلك فإنه يرجى أن يكون من أولياء الله، أم هو من المخرفين المشعوذين الخداعين الذين يظهرون للناس بمظهر الصلاح، وهم أبعد الناس عن الصلاح فهذا ليس بولي، وإن زعم أنه ولي، هذا أولاً.
ثانياً: إذا تقرر أنه بما يظهر لنا من حاله أنه من المؤمنين المتقين، فإننا نرجو له الخير، ونعلم أنه هو نفسه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأنه ما آمن واتقى إلا خوفاً من عقاب الله، ليس له من الأمر شيء، فإذا كان هو لا يملك لنفسه شيئاً، فكيف يملك لنا؟ ثم كيف يملك لنا ذلك وهو الآن جثة هامدة، وربما أكلته الأرض؟ وإذا كان الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقال له: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] وقال له: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١-٢٣] يعني: ليست وظيفتي إلا البلاغ، فإذا كان كذلك فمن دونه من باب أولى.
والصحابة ﵃ لما نزل بهم القحط والجدب في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في العام المشهور الذي يعرف بعام الرمادة، لم يستسقوا بالرسول ﷺ ولم يأتوا إلى القبرة ليقولوا: يا رسول الله! ادعُ الله أن يسقنا، وادعُ الله أن يغيثنا، وإنما هم دعوا الله ، وطلب عمر من العباس أن يقوم فيدعو الله تعالى بالسقيا.
لكن مع ذلك فهؤلاء الذين يأتون إلى الأولياء ويدعونهم وهم جهال، ليس عندهم من يعلمهم، ولا من ينبههم، ولكنهم يقولون: نحن مسلمون يُصلون، ويتصدقون، ويصومون، ويحجون، ويجتهدون، ويتهجدون، لكن لا يعلمون عن هذا الأمر شيئاً، ولم ينبهم عليه أحد، ولم يخبرهم به أحد، فهؤلاء معذورون بجهلهم، ويُحكم بأنهم مسلمون، وأما من بلغه أن هذا شرك ولكنه أصر وقال: إن هذا دين آبائي وأجدادي ولا يمكن أن أحيد عنه، فهذا يحكم بكفره؛ لأن قوله هذا كقول من قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] .
стр. 1264
حكم إهداء الجوائز التشجيعية من التجار لزبائنهم
فضيلة الشيخ: هناك بعض التجار يضع جوائز وهدايا للذين يشترون من المحل بمبالغ معينة فهل هذا جائز؟
هذا لا بأس به بشرط أن يكون بيعه كبيع الناس، فمثلاً إذا كان هذا الكرتون عند الناس بعشرة وهو يبيع بعشرة، لكن وضع للناس جائزة لمن اشترى مائة كرتون مثلاً، أو اشترى بمبلغ ألف ريال، فهذا لا بأس به، هذا بالنسبة لواضع الجائزة.
أما بالنسبة للمشتري إذا كان يشتري الشيء بدون حاجة إليه لكن لعله يربح جائزة، فهذا حرام؛ لأنه إضاعة مال، وقد سمعت أن بعض الناس يشتري كراتين اللبن وهو لا يريدها ويريقها، ولكن من أجل أن ينال الجائزة، وهذا لا يجوز؛ لأنه من إضاعة المال، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
فالمسألة فيها الآن نظران: النظر الأول لواضع الجائزة، والنظر الثاني: للمشتري.
فواضع الجائزة إذا كان لا يضيف إلى سلعته مبلغاً زائداً من أجل الجائزة يعني: الناس يبيعون بعشرة وهو يبيع بعشرة، فهذا لا شيء عليه، أما بالنسبة للمشتري نقول له: هل أنت تشتري لأنك محتاج لهذه السلعة، وتقول: مادمت محتاجاً لها فكوني أشتري من هذا البائع الذي عنده الجائزة لعلها تصيبني أحب إليَّ من أن أشتري من شخص ليس عنده جائزة، فهذا لا بأس به.
أما إذا كان يشتري وليس له حاجة، ولكن لعله ينال الجائزة، فهذا حرام لأنه إضاعة للمال، ولأنه ربما يشتري أشياء كثيرة ولا يحصل على الجائزة، فيكون مغامراً مخاطراً.
بقي أن يقال في المسألة الأولى: إذا كان واضع الجائزة يبيع كما يبيع الناس، أفلا يكون هذا من باب قطع رزق الآخرين؛ لأنه ربما يقبل الناس على هذا ويتركون الآخرين؟ نقول: هذا صحيح، إنه قد يؤثر، فإذا رأى ولي الأمر أو من ينوب عنه -كالبلدية مثلاً التي ترعى أسواق الناس- منع مثل ذلك فلهم ذلك، ويكون هذا من باب التنظيم وحفظ الأسواق عن التلاعب.
стр. 1265
حرمة الحلف بغير الله
في بداية التفسير علمنا أن الله أقسم بمخلوقاته كالسماء والليل، ونجد بعض الناس يحلف ويقول: وحياة أولادي، ويقول: عليَّ الطلاق، أو حرام عليَّ ما أفعل كذا وكذا، فما حكم ذلك؟
أما (وحياة أولادي) فهذا قسم صريح لا يجوز، وهو يدخل في قوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .
وأما: عليَّ الطلاق لأفعلن فهذا ليس قسماً لكن له حكم القسم، فإذا قال: الحرام عليَّ ما أشرب من هذا الحرام عليَّ ما أزور فلاناً الحرام عليَّ ما آكل طعام هذا حرام عليَّ ما تذبح لي ذبيحة.
فهذا ليس بقسم من حيث الصيغة لكنه بمعنى القسم، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١-٢] فسمى الله التحريم يميناً، أما الحكم فنقول: إذا قلت مثل هذا فكفِّر عن يمينك، وذلك بأن تطعم عشرة مساكين، ولا فرق بين أن يقول: حرام عليَّ زوجتي، أو عليَّ الطلاق، أو حرام عليَّ أن أفعل كذا، لكن في مسألة الطلاق إن أراد الطلاق وقع إن حنث فيما قال.
следующие страницы →