Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
أهمية التثبت في الأخبار
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول في شهر جمادى الأولى من عام (١٤١٤هـ) والذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله أن يثيب الجميع على ما يقدمونه من بحث عن العلم والتعلم، ونبشركم جميعاً بأن النبي ﷺ قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) فنسأل الله أن ييسر لنا ولكم ذلك بمنه وكرمه.
نقول: إن الله قال في كتابه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] والأفاك هو ذو الإفك، والإفك هو الكذب، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) ومعنى ذلك: أن الإنسان الذي يحدث بكل ما سمع فإنه سيثقل كاهله بالكذب؛ لأنه ليس كل ما قيل وكل ما ينقل يكون صدقاً، بل كثير من الأخبار ولاسيما مع الانفعالات والعواطف يكون كذباً ويزاد فيه وينقص.
стр. 1297
وجوب التثبت عند سماع الإشاعات
يجب على الإنسان إذا سمع عن شخص شيئاً أن يتأكد أولاً من صحة النقل، فقد يكون النقل خطأً، وهذا يقع كثيراً، وكثيراً ما نسمع مما ينسب إلى المشايخ أو الأمراء أو غيرهم من الناس، ثم إذا تحققنا منه وجدنا أنه كذب لا أصل له، وربما يكون له أصل لكن يزاد فيه، وهذه محنة عظيمة، فيجب أولاً أن نتحقق من صحة النقل، فإذا صح النقل، وأن فلاناً قال كذا، من أمير أو عالم أو وزير أو رجل عادي، فإننا نتأمل قبل أن نتحدث معه، نتأمل هل لكلامه وجهة نظر؟! هل هو اجتهاد يخطئ فيه ويصيب، وقد نكون نحن مخطئين وهو المصيب.
نتأمل قبل أن نتجاسر على الكلام معه بإنكار ما نسب إليه أو ما أشبه ذلك، وكثيراً ما ينقل الشيء ويكون النقل صحيحاً، ونعلم أن هذا الرجل قاله أو فعله، ثم إذا تأملنا وجدنا أن له مبرراً ومسوغاً، وإذا كان له مبرراً أو مسوغاً -وإن كان يجهله كثير من الناس- فإنه ليس أهلاً للملامة أو أهلاً للإنكار؛ لأنه قاله عن اجتهاد، وليس الشخص منا ينزل عليه الوحي بحيث يكون ما قاله حقاً أو ما فعله حقاً، فإن الوحي انقطع بوفاة رسول الله ﷺ ، فإذا تأملنا ما صح به النقل عنه، ووجدنا أن لقوله ولفعله مساغاً ومبرراً فإننا نسكت ولا نتكلم معه.
فإذا تبين لنا أنه لا مساغ لقوله ولا مبرر له، أو لا مساغ لفعله ولا مبرر له حينئذٍ نتكلم ولكن كيف الكلام؟ هل يكون الكلام بأن نشهر بهذا الرجل عند الناس، ونقول: هذا فلان فيه كذا وكذا؟ لا.
الواجب النصيحة بالحكمة بأن نذهب إليه ونقول: فعلت كذا أو قلت كذا، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يخالف قول الله ، كذا وكذا، أو قول الرسول ﷺ كذا وكذا، أو إجماع العلماء على كذا وكذا، فكيف تقول ذلك أو تفعل ذلك؟
стр. 1298
النهي عن التشهير وبيان خطره
ولا يجوز إطلاقاً أن نشهر به، لاسيما إن كان من العلماء أو كان من الأمراء؛ لأنك إذا شهرت بخطأ عالم من العلماء فأنت في الحقيقة أسأت إليه شخصياً كما تسيء إلى سائر الناس، ولكنك أضفت إلى هذه الإساءة إساءة إلى العلم الذي يحمله والشريعة التي يتكلم بها، فإن العلماء إذا سقطوا من أعين الناس، لم يبق لقولهم ميزان ولم يثق الناس بقولهم، وحينئذٍ يذهب جزء من الشريعة على يد هذا العالم الذي أخطأ مرةً واحدة، ولا أحد معصوم من الخطأ فتضيع بالتشهير به مصالح كثيرة، وهذه جناية عظيمة ليس على الشخص نفسه بل على الشخص وما يحمله من شريعة الله كما هو معلوم، وإذا كان هذا مع الأمير وشهرت به فأنت أسأت إليه شخصياً كما تسيء إلى سائر الناس، وأسأت إلى الأمن مرة أخرى، وذلك لأن حُفّاظ الأمن هم الأمراء ومن جُعل لهم سلطة العقوبة والتنفيذ، فإذا شهرت بهم قَلَّت هيبتهم في نفوس الناس، وصاروا كعامة الناس لا أحد يهتم بهم، لا بأوامرهم ولا بنواهيهم، وحينئذٍ يختل الأمن ويحصل التمرد، فكان التشهير بالعلماء يستلزم التمرد على الشريعة التي يحملها هذا العالم ويتكلم بها، والتشهير بالأمراء يستلزم التمرد عليهم وانقضاض البنية التي يبنى عليها المجتمع من الأمن وانفلات الأمر، وهذه جناية عظيمة كبيرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] .
فمن هم أولو الأمر؟ أولو الأمر طائفتان من الناس: العلماء هم أولو الأمر في شريعة الله وتبيينها للخلق، والأمراء هم أولو الأمر في تنفيذ الشريعة وحفظ الأمن، أوجب الله طاعة هؤلاء؛ لأجل حفظ الشريعة وحفظ الأمن وانتظام الناس؛ لأن الناس لو تمردوا عليهم وجعلوا أمر الأمير أو أمر العالم كأمر زيد وعبيد لم يكن لهم سلطة على القلوب ولا على النفوس، وصاروا كعامة الناس، إن قالوا فالإنسان بالخيار إن شاء قبل ما قالوا وإن شاء رده، وإن أمروا فالإنسان بالخيار إن شاء أطاع وإن شاء عصى، وإلا فله الخيار إن شاء انتهى وإن شاء فعل، وهذه من كبار المسائل، ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ما قال: وليطع بعضكم بعضاً، قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فخص ولاة الأمور.
стр. 1299
حكم طاعة ولاة الأمر بالمعروف وإن كانوا عصاة
إذا أمروا بمعصية الله -مثلاً- كما لو قالوا للناس: لا تصلوا مع الجماعة، أو قالوا للناس: اشربوا الخمر، افعلوا كذا من الأشياء المحرمة، أو اتركوا شيئاً من الأشياء الواجبة، فهؤلاء لا يطاعون ولا سمع لهم ولا طاعة، فإذا أمرونا بالمعصية قلنا: لا.
لكن لو فعلوا المعصية هل لهم أمر علينا؟
نعم.
لهم أمر علينا وإن فعلوا المعصية، لو كانوا يعصون فلهم أمرٌ علينا وطاعة؛ لأن الرسول ﷺ أمر بطاعة ولاة الأمور حتى وإن رأينا منهم ما نكره، وأمر بطاعة ولاة الأمور حتى وإن ضربوا الظهر وأخذوا المال، وكونهم يعصون الله فمعصيتهم عليهم، لكن إذا أمرونا مباشرة وقالوا: افعلوا هذه المعصية أو اتركوا هذا الواجب، قلنا لا سمع ولا طاعة، وما يروى أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بأمر، فقال بلال ﵁: لا سمع ولا طاعة؛ لأن عليك ثوباً جديداً أو ثوبين، فإن هذا لا أظنه يصح؛ لأن عمر له من الهيبة ما لا يمكن لـ بلال أن يتكلم بمثل هذا أمام الناس، ثم إن بلالاً ﵁ عنده من احترام عمر ما لا يمكن أن يتكلم بمثل هذا أمام الناس، ثم لو فرضت صحته مثل الشمس، فلعل بلالاً قال ذلك؛ لأن من الناس من انتقد عمر في هذا الفعل، فأراد بلال من عمر ﵁ أن يبين السبب الذي جعله يلبس ثوباً جديداً أو ثوبين، حتى يزول الإشكال الذي وقع في قلوب بعض الناس.
стр. 1300
واجبنا تجاه الأخبار المشاعة
أما أن يعلن إنكاره أمام الملأ فهذا بعيد جداً، ولكن إن صح فوجهه ما قلت: لعله سمع من يتكلم بهذا الكلام فأراد أن يبرأ ساحته مما يتكلم الناس به.
على كل حال يجب علينا إزاء ما نسمع من الأخبار أمور ثلاثة مرتبة: الأمر الأول: التثبت.
الأمر الثاني: التأمل.
الأمر الثالث: المواجهة والنصيحة، دون التشهير والإعلان، ولاسيما إذا كان الإنسان من ولاة الأمور من عالم أو أمير أو نحو ذلك.
وبهذا نسلك سبيل السلف الصالح ﵃ ويحصل الخير الكثير، وهذا لا يُفَوِّتُ شيئاً، فبدلاً من أن تنكر اليوم تثبت وتأمل ثم أنكر غداً أو بعد غد.
نحن نقول: تثبت وتبين لكن بهدوء وخطوات ثابتة متزنة مبنية على الحجة: المنقول والمعقول، وبهذا تتم الأمور وتصلح الأحوال.
نسأل الله تعالى أن يجمع قلوبنا على طاعته وتقواه، وأن يوحد كلمتنا بالحق، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 1301
الأسئلة
стр. 1302
حكم اتباع سنة الخلفاء الراشدين
هل للخلفاء الراشدين الأربعة سنة متبعة؟ وهل المقصود بحديث العرباض بن سارية ﵁: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.
) الخلفاء الأربعة أم يشمل غيرهم من الخلفاء، وجزاكم الله خيراً؟
الخلفاء الأربعة هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي باتفاق المسلمين وهم خلفاء راشدون لا شك، ولاسيما أبو بكر وعمر؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) وقال: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) ولهم سنة متبعة لا شك في هذا بأمر النبي ﷺ ، لكن سنة الرسول ﷺ مقدمة على سنتهم إذا ثبتت السنة عن الرسول ﷺ ، ولا عبرة بقول واحد منهم، ولا بقول جميعهم! مع أن هذا قد يكون مستحيلاً أن يتفقوا جميعاً على مخالفة سنة الرسول ﷺ .
أما أن تخفى على بعضهم السنة فهذا قد يقع، فهذا حديث الطاعون حين سافر عمر بن الخطاب إلى الشام وفي أثناء الطريق قيل له: إن هناك طاعوناً، فتوقف ﵁ واستشار الصحابة الذين معه من المهاجرين والأنصار، ولم يكن عند أحدهم أثر عن النبي ﷺ ، ولكن استقر الرأي على أن يرجع إلى المدينة وألا يخاطر بالمسلمين، فأذن بالرحيل، فجاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁ الذي قال فيه النبي ﷺ : (أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح) وكان عمر بن الخطاب يجله ويقدره، حتى قال حين طعن: لو كان أبو عبيدة حياً لجعلته خليفة من بعدي؛ لأن الرسول ﷺ جعله أمين هذه الأمة، فقال: [يا أمير المؤمنين! كيف ترجع أتفر من قدر الله؟ قال: نعم، أفر من قدر إلى قدر الله!] أي: إن ذهبت إلى الشام فبقدر الله، وإن رجعت إلى المدينة فبقدر الله، ثم ضرب له مثلاً قال: [لو كان لك إبل في وادٍ له عدوتان -أي: شعبتان- إحداهما مخصبة والثانية مجدبة، بأي العدوتين ترعاها؟ قال: بالمخصبة، قال: أبقدر الله؟ قال: نعم، قال: إذاً تركت المجدبة بقدر الله، ورعيت المخصبة بقدر الله] وفي أثناء ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكان قد ذهب في حاجة له، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الطاعون: (إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه) ولا شك أن مثل هذا يُسَرُّ به أمير المؤمنين ويُسَرُّ به المؤمنون جميعاً، فالحاصل أن السنة قد تخفى على بعض الخلفاء، فيقول قولاً أو يفعل فعلاً يخالفها من غير قصد منه، لكن كون الأربعة يتفقون على مخالفة السنة هذا بعيد ولا أذكر له مثالاً، وإن كان! فإذا تعارضت سنة أي شخص من هذه الأمة مع سنة رسول الله ﷺ فالواجب تقديم سنة الرسول ﷺ .
стр. 1303
حكم الغائب عن زوجته
امرأة تزوجت رجلاً، وهذا الرجل سافر إلى بلد آخر، وغاب عنها سنين، ولا تدري هذه المرأة إن كان زوجها حياً أو ميتاً، فهل تطلق منه أو تنتظره؟
هي بالخيار، إن شاءت رفعت القضية إلى المحكمة وطلبت الفسخ ولها أن تفسخ، وإن شاءت بقيت في عصمته حتى يُنظر في أمره.
стр. 1304
ضوابط تكفير أهل البدع
فضيلة الشيخ: أنقل إليك سلام شباب الرياض، وخاصة شباب النسيم وحي النظيم، والسؤال يا شيخ: ما هو ميزان تكفير المبتدع؟
أقول: عليك وعليهم السلام، ومسألة التكفير مسألة كبيرة عظيمة، أشد من التحليل والتحريم؛ لأن التحليل والتحريم لا يؤدي إلى استباحة الدم والمال، والتكفير يؤدي إلى استباحة الدم والمال؛ لأنك إذا قلت: هذا كافر، معناه: أنه مرتد، فإما أن يعود إلى الإسلام، وإما أن يقتل ويستباح ماله، فالمسألة كبيرة، ولهذا يجب على الإنسان أن يتقي الله في نفسه، وأن يحفظ لسانه عن قول: فلان كافر، أو فلان مشرك، أو ما أشبه ذلك، والتكفير لا بد فيه من شرطين: الشرط الأول: أن نتحقق من الكتاب والسنة أن هذا الشيء كفر، فإذا لم نتحقق فلا يجوز أبداً أن نقول: إنه كفر، لابد أن نتحقق أنه كفر.
الشرط الثاني: أن نتحقق أن هذا الوصف الذي رتب الشرع عليه الكفر قد اتصف به هذا الرجل بحيث تكون الحجة قد قامت عليه، وفهمها ولكنه أبى واستكبر، وقال كما قال أسلافه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] فإذا وجدنا رجلاً مبتدعاً سواءً كان من المقلدين العامة أو ممن فوقهم لكنه ليس مجتهداً في بدعته داعياً إليها، فإننا لا نكفره حتى تقوم عليه الحجة، ويُبيّن له الأمر، فإذا بُيَّن له الأمر فحينئذٍ نحكم بما تقتضيه دلالة الكتاب والسنة، لكون هذه البدعة مكفرة أو غير مكفرة، فالمسألة خطيرة.
واعلم أنه ربما يكون القول كفراً أو الفعل كفراً والقائل أو الفاعل ليس بكافر، ولعله قد بلغكم من قصة الرجل الذي أضل راحلته في أرضٍ فلاة ضاعت منه، وعجز أن يلقاها وعليها طعامه وشرابه، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بزمام الناقة معلق بالشجرة فأخذه، ومن شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، هذه الكلمة كفر، لكنه أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن عليه شيء، والرجل يُكره على الكفر ولا يكفر كما قال الله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦] .
إذاً هو يكفر ومع ذلك يرفع عنه حكم الكفر، من أجل الإكراه والخطأ، والرجل العاصي الذي كان قد أهلك نفسه بالمعاصي، قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم، خاف من قدرة الله عليه أن يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، ففعل أهله ذلك به أحرقوه وذروه، فجمعه الله بقدرته كن فيكون، وسأله: لِمَ فعلت؟ قال: يا رب خوفاً من عقابك، فغفر الله له، مع أن الرجل شك في قدرة الله، والشك في قدرة الله كفر، لكن هذا الرجل لم يشك في قدرة الله تعالى استهانة بالله، لكن خوفاً من الله أن يعاقبه فظن أنه إذا فعل ذلك سوف ينجو.
فعلى كل حال أنا أدعوك أنت أيها السائل! وأدعو أيضاً غيرك أن يتريثوا في إطلاق كلمة الكفر، حتى يتبين من الكتاب والسنة أن هذا كفر، ثم يتبين أن هذا الوصف ينطبق على هذا الرجل بعينه، ثم يحكم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية وكما لا يجوز أن نقول: هذا حلال وهذا حرام إلا بإذن من الله، كذلك لا يجوز أن نقول: هذا كفر، أو ليس بكفر إلا بإذن الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1305
لقاء الباب المفتوح [٣٩]
ألقى الشيخ ﵀ الضوء على آيات من أول سورة الطارق، فذكر ضمن هذا اللقاء معنى الطارق وأنه النجم، وسمي طارقاً لأنه لا يظهر إلا ليلاً تشبيهاً له بالقادم ليلاً، وذكر عظم هذا القسم وتأكيد الله له، ثم بين المقسم عليه (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، ثم شرح مدلول هذه الآية، وأجاب عن الأسئلة.
стр. 1306
تفسير آيات من سورة الطارق
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا اللقاء الثاني لشهر جمادى الأولى عام (١٤١٤هـ) ، الذي يقام أسبوعياً في كل خميس، نسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يجعل عملنا جميعاً خالصاً لوجهه الكريم نذكر الكلام على قول الله ﵎: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:١-٤] .
стр. 1307
تفسير قوله تعالى: (والسماء والطارق)
هذه آيات كريمة تتضمن القسم بالسماء وبالطارق.
أما السماء فهي معروفة، وأقسم الله بها لعظمتها وقوتها واتساعها وارتفاعها، ودلالتها على قدرة خالقها جل وعلا، وما له من العظمة والقوة والحكمة التي تبهر العقول، قال الله ﵎: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] ، وقال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ [النبأ:١٢] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢] والآيات في ذكر السماء وما تتضمنه من الدلالة على قدرة الله وقوته وعظمته وحكمته كثيرة في كتاب الله، ولهذا كانت جديرة بأن يقسم الله تعالى بها.
أما القسم الثاني فهو الطارق، أقسم الله تعالى بالطارق وهو النجم، وسمي طارقاً لأنه لا يتبين إلا بالليل، والطارق في اللغة العربية هو القادم ليلاً، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : (أنه نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً) ، فسمي النجم بذلك؛ لأنه لا يتبين ضوؤه إلا في الليل، وليس هذا الوصف خاصاً بالثريا ولكنه عامٌ لكل نجم، سواء كان نوره قوياً أو كان نوره خفياً، وأقسم الله تعالى بالنجوم لأنها زينة للسماء، ورجوم للشياطين التي تسترق السمع، وعلامات يهتدى بها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥] وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٥-١٦] .
فبالنجم يهتدي الخلق إلى الجهات الأربع؛ الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، ويهتدون أيضاً إلى اتجاه القبلة، كما يعرف ذلك من يمارس هذا الاستدلال، وإن كان الناس في عصرنا هذا -نظراً لوجود الآلات التي تبين هذا بدون كلفة ولا مشقة- قد غفلوا عن هذه العلامات، ولكنها لا تزال موجودة يعرفها من تتبعها وشاهدها وسبر سيرها.
стр. 1308
تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما الطارق * النجم الثاقب)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ [الطارق:٢] هذا استفهام تفخيم.
أي: أيُ شيء أعلمك بهذا الطارق الذي هو النجم؟ ثم بين مراده بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:٣] أي: هو النجم الثاقب الذي يثقب الظلام بضيائه، مأخوذٌ من ثقب المسمار للخشبة، فهو يشق الظلام حتى يصل بنوره إلى الأرض، وهذا لا يتبين في وقتنا الحاضر في المدن؛ لأن الأرض مملوءة بأنوار الكهرباء، ولكن لو خرجت إلى البر بعيداً عن مواضع الكهرباء لرأيت إضاءة النجوم على الأرض ظاهرة، ويتبين ظهورها فيما إذا أظلمت السماء بالغيوم، حيث تكون الأرض مظلمةً أشد، ولهذا سمى الله النجم بالثاقب؛ لأنه يثقب الظلام بضيائه، أي يخرقه حتى يصل إلى الأرض.
стр. 1309
تفسير قوله تعالى: (إن كل نفس لما عليها حافظ)
ثم بين الله المقسم عليه بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤] (إن) هنا بمعنى (ما) وإذا جاءت (إلا) بعد (إن) فإن (إن) بمعنى (ما) ، أي: ما كل نفس، (ولما) هنا بمعنى (إلا) أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، أو كل نفس عليها حافظ، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] وكل نفس عليها حافظ يكتب ما يفعله الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢] ، وإنما أخبرنا الله بذلك وأقسم عليه مؤكداً له من أجل أن نحذر، وأن نتجنب كل ما يكتب علينا من المعاصي؛ إما بتركه من الأصل، وإما بالتوبة منه إن وقع منا، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
فالمؤمن إذا علم أن عليه حافظاً يكتب ما يقول ويفعل؛ فإنه لا شك يحذر ويخاف أن يكتب عليه ما يفعله من المعاصي والمخالفات، كما قال الله ﵎: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .
стр. 1310
الأسئلة
стр. 1311
حكم عطية الوالد لولده دون إخوانه
أعطاني أبي قطعة من الأرض، ولي أشقاء أحياء، علماً بأنني قد بنيت له بيتاً قبل ذلك، فربما أعطاني هذه الأرض مكافأة لي على البيت الذي بنيته له، فهل هذا الفعل يجوز؟ وهل ترد هذه الأرض للورثة بعد وفاة والدي؟ وجزاكم الله خيراً.
الأصل أنه لا يحل للوالد أن يعطي أحداً من أبنائه أو بناته شيئاً إلا إذا أعطى الآخرين مثله؛ لأن بشير بن سعد الأنصاري ﵁ أعطى ابنه النعمان بن بشير عطية، فأتى إلى النبي ﷺ ليشهده على عطية ابنه، فقال له: (ألك بنون؟ قال: نعم.
قال: أنحلتهم مثل هذا؟ قال: لا.
فقال النبي ﷺ : اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال له أيضاً: (أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور) فلا يجوز للأب أن يخص أحد أولاده من بنين أو بنات بشيء إلا إذا أعطى الآخرين مثله، أو إذا سمحوا وطابت نفوسهم عن اختيار ورضا وهم راشدون، فإن هذا أيضاً لا بأس به، وإلا إذا كان عطاء لدفع حاجة النفقة أو حاجة الزواج، مثل أن يكون أحدهم غنياً ولا يحتاج إلى نفقة أبيه، والثاني فقيراً يحتاج إلى نفقة أبيه، فينفق على هذا الفقير بقدر حاجته، فإن ذلك جائز وإن لم يعط الآخر الغني، وكذلك لو احتاج أحد الأبناء إلى زواج فزوجه؛ فإنه لا يلزمه أن يعطي الآخرين مثل ما أعطى هذا لزواجه، ولكن يجب عليه إذا بلغ الآخرون سن الزواج وأرادوا أن يتزوجوا أن يزوجهم كما زوج الأول.
وبهذه المناسبة أشير إلى مسألة يفعلها بعض الناس، وهي: أنه يكون له أولاد بلغوا سن الزواج فيزوجهم، ويكون له أولاد صغار ولم يبلغوا سن الزواج، فيوصي لهم بعد الموت بمقدار ما أعطى إخوتهم، فإن هذه الوصية حرام وباطلة، وذلك لأن تزويجه للكبار كان دفعاً لحاجتهم، وهؤلاء الصغار لم يبلغوا سناً يحتاجون فيه للزواج، فإذا أوصى لهم بعد موته بمثل ما زوج به الآخرين فإن ذلك حرام ولا يصح ولا تنفذ الوصية.
أما ما ذكره الأخ السائل من أن الأب منح ابنه أرضاً لكونه بنى لأبيه بيتاً، فإنه ينظر إذا كان الأب منحه هذه الأرض ونيته بذلك مكافأة على بناء البيت، أي أنه من الأصل لم يقبل تبرع ابنه ببناء البيت إلا بمكافأة، فكافأه بهذه الأرض وهي تقابل بناء البيت؛ فإن هذا لا بأس به، كما لو اشترى منه حاجة وأوفاه ثمنها.
وأما إذا كان الأب قد قبل تبرع الابن ببناء البيت، ولم يكن يخطر على باله أن يكافئه؛ فإنه لا يحل له أن يعطيه أرضاً دون إخوته، وإذا قدر أنه أعطاه فإنه يجب عليه في حياته أن يعطي الآخرين مثل ما أعطاه، أو يرد الأرض وتكون من جملة المال الذي يورث من بعده، فإن مات قبل ذلك فإن سمح الأولاد بهذه العطية فهي ماضية نافذة، كما لو سمحوا بها في حياته، وإن لم يسمحوا بها فإنها ترد في الميراث، وتورث من جملة ماله، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا مات الأب قبل أن يردها فإنها تكون لمن أعطيت له، ويكون بذلك آثماً، ولكن ما ذكرناه أولاً، وهو أنه يجب على المعطى أن يردها إذا لم يسمح إخوته بذلك هو الصواب؛ إبراءً لذمة الميت، وإحلالاً للمال من جهة الحي.
стр. 1312
حكم لبس الساعات المطلية بالذهب
فضيلة الشيخ: بعض الساعات تكون مطلية بالذهب، فما حكم لبسها؟
الساعات المطلية بالذهب لا يحل لبسها للرجال إذا كان الذهب كثيراً، بحيث يجتمع منه شيء لو عرضت على النار، ويعرف هذا الصاغة.
أما إذا كان مجرد لون فلا بأس بلبسها للرجال، لكني أنصح بعدم لبسها؛ لأنه إذا لبسها اتهم بأنه يلبس الذهب، وصار ذلك سبباً للقدح فيه، أو إذا كان ممن يقتدى به فإنه ربما يغتر به أحد ويلبس ساعات الذهب الخالصة.
стр. 1313
ضابط العذر بالجهل
فضيلة الشيخ: ما الضابط في العذر بالجهل في أمور العبادات؟ وهل كل من جهل شيئاً من أمور العبادات -وخاصة في المسائل الاجتهادية- يسقط عنه ما يترتب على تركه لهذا الأمر بسبب جهله؟
العذر بالجهل ثابت بالقرآن والسنة؛ لقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله ﵎: قد فعلت، ولقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] أي: ما تعمدت قلوبكم فعله على وجه مخالفة الشرع.
وكذلك في السنة ثبت عن النبي ﷺ عدة قضايا تدل على العذر بالجهل، منها ما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ، ثم طلعت الشمس ولم يؤمروا بالقضاء.
ومنها: حديث عدي بن حاتم ﵁، حين أصبح صائماً فكان يأكل، وكان قد وضع تحت وسادته عقالين أحدهما أبيض والثاني أسود، وجعل يأكل حتى تبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، فأمسك، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فبين له النبي ﷺ أن المراد بذلك بياض النهار وسواد الليل، وليس بياض الخيط الذي هو الحبل الأبيض من الأسود، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
ثم إن الله قال في كتابه: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] وهذا يدل على أنه إذا لم يكن ثمة رسل فإن لهم الحجة على الله، وكذلك لو كان لهم رسل ولكن لم يعلموا بذلك؛ لأنه لا فرق بين ألا يكون له رسول، وبين أن يكون له رسول لم يعلم به، وقال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] والآيات في هذا المعنى عديدة.
ولهذا نقول: كل إنسان فعل شيئاً محرماً جاهلاً به فإنه ليس عليه إثم، ولا يترتب عليه عقوبة؛ لأن الله تعالى أرحم من أن يعذب من لم يتعمد مخالفته ومعصيته.
ولكن يبقى النظر إذا فرط الإنسان في طلب الحق، بأن كان متهاوناً، ورأى ما عليه الناس ففعله دون أن يبحث، فهذا قد يكون آثماً، بل هو آثم بالتقصير في طلب الحق، وقد يكون غير معذور في هذه الحال، وقد يكون معذوراً إذا كان لم يطرأ على باله أن هذا الفعل مخالفة، وليس عنده من ينبهه من العلماء، ففي هذه الحال يكون معذوراً، ولهذا كان القول الراجح أنه لو عاش أحدٌ في البادية بعيداً عن المدن، وكان لا يصوم رمضان ظناً منه أنه ليس بواجب، أو كان يجامع زوجته في رمضان ظناً منه أن الجماع حلال، فإنه ليس عليه قضاء؛ لأنه جاهل، ومن شرط التكليف بالشريعة أن تبلغ المكلف فيعلمها.
فالخلاصة إذاً: أن الإنسان يعذر بالجهل، لكن لا يعذر في تقصيره في طلب الحق.
стр. 1314
البهاق من عيوب النكاح
هل البهاق اليسير من عيوب النكاح؟ يعني: لو وجد الرجل في زوجته بهاقاً فهل يعد عيب؟
نعم.
هو عيب لا شك؛ لأن الإنسان ينفر من هذا، ولا يمكن أن يركن إلى زوجته إلا أن يشاء الله، وهو عيب سواء في الرجل أو في المرأة، حتى الرجل لو كان به بهاق، وتزوجت المرأة منه غير عالمة به؛ فإنه عيب لها أن تفسخ النكاح به، ولكن إذا كان هذا البهاق مما يمكن معالجته؛ فإن الأولى والأفضل الصبر حتى ينظر هل يبرأ بالمعالجة أو لا يبرأ؛ لأن الفراق والطلاق ليس بالأمر السهل، أما إذا تعذر برؤه فإنه عيب.
والحاصل أن البهاق عيب يثبت به الفسخ سواء كان في الرجل أو في المرأة، ولكن إذا كان في الرجل فللمرأة الفسخ، فتطلب أن يفسخ النكاح فتفسخ النكاح وتتزوج غيره، لكن إذا كان في المرأة فالرجل معلوم أنه يجوز أن يفارق زوجته بالطلاق، لكن فائدة قولنا إنه له الفسخ: أنه إذا فسخ من أجل هذا العيب فله أن يسترد الصداق ممن غره.
وأما من جهة الإثم فالرجل يأثم والمرأة تأثم إذا كان فيهما هذا العيب أو غيره من العيوب التي تمنع كمال الاستمتاع ولم يخبر صاحبه، فإن كتمانه لا شك أنه محرم، وهو من الغش الذي تبرأ النبي ﷺ من فاعله.
стр. 1315
حكم رقص الرجال على الطبول بأسلحتهم
فضيلة الشيخ: إننا نحبك في الله عندنا في مناطقنا هناك في الجنوب في الأعراس يحصل رقص للرجال على الطبول بأسلحتهم، فهل هذا جائز؟
أولاً: بارك الله فيك، اعلم أن الأصل في المعازف أنها حرام ومنها الطبول، ولا يحل منها إلا ما ورد الشرع به، والذي ورد به الشرع هو الدف، وكان في عهد الرسول ﷺ لا يرتاده إلا النساء، يضربن بالدف؛ والدف هو عبارة عن شيء مدور كالصحن، ويكون أحد جانبيه مستوراً بالجلد الذي يكون له الصوت، أي: أنه مفتوح من جانب ومختوم بالجلد من جانب، هذا هو الذي وردت به السنة.
أما الرقص للرجال فإنه لا يجوز؛ لأن الرقص من عادات النساء وليس من عادات الرجال، وأما اللعب بالسلاح بالبنادق والسيوف وما أشبه ذلك إذا لم يكن فيه طبول فهذا لا بأس به؛ لأن النبي ﷺ مكن الحبشة أن يلعبوا في وسط مسجده ﷺ برماحهم، لكن بدون رقص.
стр. 1316
هجر الرجل امرأته للتأديب
رجل عنده امرأة وقد هجرها في الفراش لتأديبها، السؤال: كم مدة الهجر في الفراش، خاصة إذا كانت المرأة لا يفيد فيها هذا الهجر؟
ذكر الله في كتابه العزيز ثلاث مراحل، فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] ، وهذا أول ما يبدأ به الإنسان امرأته حين يخاف نشوزها، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] هذه المرحلة الثانية، ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] هذه المرحلة الثالثة، فإذا لم يفد بها الهجر فإنه يضربها، لكن ضرباً غير مبرح، أي: غير مؤلم ولا موجع؛ لأن المقصود هو التأديب، ولكن لا يلجأ إلى الضرب إلا في الحالات القصوى؛ لأن الرسول ﷺ أنكر أن يجلد الرجل امرأته جلد العبد ثم يضاجعها؛ لأن هذا شيء غير مستساغ بمقتضى الطبيعة، فكيف تألف المرأة رجلاً ضربها قبل ساعات ثم الآن يضاجعها! هذا بعيد في النفوس والفطر، لهذا لا يلجأ إلى الضرب بعد الهجر الذي لم يفد إلا في حالة الضرورة القصوى، فإن صلحت الحال بعد الضرب وإلا فيُحَكَّم حكمان: حكم من أهله وحكم من أهلها، ويصلحا بينهما، ويجب على هذين الرجلين أن يتقيا الله ، وأن يأخذا بالعدل، وأن يريدا الإصلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ [النساء:٣٥] أي: الزوج والزوجة والحكمان: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] .
стр. 1317
حكم القسم بما أقسم الله به
في بداية تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق:١] قلتم: إن الله أقسم بالسماء، فنحن عند القراءة نقول: والسماء، فهل هذا يُعتَبر قسماً منا بغير الله؟
تلاوة القرآن تلاوة لكلام تكلم الله به.
أما إذا أردتُ أن أقسم فقلتُ: والسماء والطارق إن فلاناً حضر كان هذا حراماً؛ لكن إذا تلوته فأنا أُخبر بما أقسم الله به، لكن لو أردتُ أن أقسم من جديد وأقول: والسماء والطارق إن فلاناً حضر كان هذا حراماً؛ لأن الحلف بغير الله شرك، لكن إذا تلوته فأنا أخبر بما أقسم الله به.
стр. 1318
حكم سب الدهر وهل منه حديث: (الدنيا ملعونة) ؟
فضيلة الشيخ! هل هناك تعارض بين قول الرسول ﷺ : (لا تسبوا الدهر فأنا الدهر) وبين قوله في حديث آخر: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها.
) إلى آخر الحديث؟
أولاً: الحديث الثاني الذي ذكرت في صحته نظر عن النبي ﷺ ، وإذا قدر أنه صحيح فإن هذا لا ينافي قول الرسول ﷺ : (لا تسبوا الدهر) لأن هذا خبر، والسبّ يقصد به اللوم والعيب والعتب على المسبوب، ومعنى كونه خبراً: أن الدنيا ليس فيها خير، لا هي ولا ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم، وفرق بين الخبر والإنشاء، وأما السب ففيه إنشاء، إنشاء اللوم والقدح للمسبوب، وأما الخبر فهو خبرٌ عن حال الشخص أو عن حال الشيء، كقول لوط ﵊: ((هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)) [هود:٧٧] ، هو لم يُرد أن يسب هذا اليوم ويقدح فيه، لكنه أراد أن يخبر بأنه يوم شديد عليه، فيجب الفرق بين الإنشاء والقدح والذم وبين مجرد الخبر، وهذا حسب نية الإنسان، لكن الغالب في قول القائل: لا بارك الله في هذا اليوم، وقول القائل: لا بارك الله في الساعة التي أتت بك، هذا في الغالب يراد به السب، فلينتبه اللبيب للفروق الدقيقة.
стр. 1319
حكم اعتقاد ضرر الطيب على الجروح وهل هو من شرك الأسباب
فضيلة الشيخ! بعض طلبة العلم يقول: إن الطيب لا يؤثر على الجروح؛ لأن هناك دراسة أثبتت أن الطيب ليس له أثر على ألم الجرح أو انتفاخه، ولكن من اعتقد أن الطيب يضر فإنه يُوكَل إلى ما اعتقد، وبذلك يقع في شرك الأسباب، فهل هذا صحيح جزاك الله خيراً؟
نحن نقول في هذا الأمر قاعدة مفيدة وهي: إن الشيء لا يثبت حكمه إلا عن طريق الوحي، أو عن طريق التجارب، ففي قوله تعالى عن النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] علمنا بأن فيه شفاء عن طريق الوحي، وكذلك قول الرسول ﷺ في الحبة السوداء: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا الموت) عرفنا ذلك عن طريق الوحي.
والطريق الثاني: التجارب، وهذا يكون معلوماً بالحس، والمعلوم عند الناس بالتجارب أن الجرح قد يتأثر بنوع من الطيب ليس بكل الأطياب، وهذا الشيء عندهم مجرب متعارف، وأنه بمجرد ما يحصل هذا الطيب عند المريض بالجروح تتفطر الجروح وتتورم، كما لو علمنا -مثلاً- أن تناول هذه الأعشاب مسهل للبطن أو موجب للقبض بالتجارب، فكل الأدوية الآن المصنوعة والموجودة عند الناس التي لم ينزل فيها وحي، كلها علمت بالتجارب، فالذي أعرف أن الجروح تتأثر ببعض الأطياب، والدليل على هذا أنهم يحتاطون، فيشرب الإنسان شيئاً من المر أو يضعه في أنفه، حتى لا تدخل الرائحة إلى مسام البدن.
فما علمنا أنه سبب حسي فإنه لا بأس أن نعتمده سبباً، وليس هذا من الشرك، أما الذي يكون بمجرد الأوهام فهذا لا أثر له، ولا يجوز أن نعتمده سبباً.
стр. 1320
حكم غسل الجمعة وحكم التسول
فضيلة الشيخ: ما التحقيق في حكم غسل الجمعة، وهل حكمه الوجوب أو الاستحباب؟ وإذا كان القول بالوجوب هو المعتمد فهل يأثم من تركه؟ ثم إننا نلاحظ ظاهرة التسول في المساجد، فما موقفنا بالنسبة للمتسولين هل نمنعهم منعاً باتاً، أو نكون على حذر منهم، أو نتبين حالهم؟ ما هو التحقيق في هذا أدام الله النفع بكم؟
هذان سؤالان: الأول: عن غسل الجمعة، والقول الصحيح في غسل الجمعة أنه واجب؛ لأن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ونحن نعلم أن أبلغ الناس في التعبير وأفصحهم هو رسول الله ﷺ ، فلا يمكن أن يطلق على شيء ليس بواجب أنه واجب، ونعلم أيضاً أن أنصح الناس في بيان مراده وهداية الخلق هو رسول الله ﷺ ، فكيف يقول: (واجب) وهو يريد غير واجب؛ لأنه لو أراد أنه غير واجب صار في هذا تلبيس على المخاطب، ورسول الله ﷺ منزه عن ذلك مبرأ منه، وهو أشد وأنصح الناس للخلق، ثم إنه قيده بوصف يقتضي الإلزام وهو قوله: (على كل محتلم) ، أي على كل بالغ، والبالغ هو أهل الإلزام؛ لأن غير البالغ لا يلزم بشيء، فالصحيح أنه واجب.
وأما ما يذكر عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) فهذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ .
وإذا قلنا: إنه واجب؛ فإنه يأثم بتركه، ولكن هل تصح الجمعة مع تركه؟ الجواب: نعم.
تصح مع تركه؛ لأن هذا الغسل ليس عن جنابة حتى نقول: إن الجمعة لا تصح، ويدل لصحتها قصة عثمان ﵁ حين دخل وأمير المؤمنين عمر يخطب الناس يوم الجمعة، فلامه على ذلك فقال: [والله -يا أمير المؤمنين! - ما زدت على أن توضأت ثم أتيت.
فقال له عمر: والوضوء أيضاً؟] أي: كيف تقتصر على الوضوء وتترك الغسل؟ وقد قال النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فلامه على ترك الاغتسال أمام الناس، وأذن له أن يصلي الجمعة، ولو كانت لا تصح لقال: اذهب واغتسل.
أما موضوع التسول، فالواقع أن الناس يفسد بعضهم على بعض، فمن المتسولين من يتسول -والعياذ بالله- وهو في غنى، وهذا يصدق عليه قول الرسول ﷺ : (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم) فإذا علمت أنه غني وجب عليك أن تطرده، وأن تبين للناس غناه حتى لا يغتروا به، وإذا غلب على ظنك أنه غني فلا تعطه، وانصحه، وإذا شككت في الأمر فكِلْ أمره إلى الله، ولا يلزمك أن تقابله بشيء.
ولكن يبقى النظر أن من المتسولين من يقوم أمام الجماعة، ويتكلم بصوت مرتفع، ويشوش على الناس أذكارهم بعد الصلاة، وقد يستمر في الكلام حتى يشوش بكلامه على من أراد أن يتنفل، فمثل هذا يُمنع ويقال له: اخرج إلى باب المسجد من الخارج.
стр. 1321
حكم تأجير البيوت لمن لا يصلون
لدي بيوت تأجير كثيرة، وسبق أن أجرتها عمالاً لمدة سنة، وهؤلاء العمال لا يصلون وعندهم بعض المنكرات، وبعد انتهاء العقد أخرجتهم منها، والآن البيوت مغلقة، وأنا بحاجة إلى تأجيرها، ولا يوجد لدينا سوى هؤلاء العمال؛ لأنها بيوت قديمة، ولا تؤجر للعوائل، فهل يجوز تأجيرها لهم؟
لا بأس أن تؤجرها هؤلاء، وانصحهم بالبعد عن المعاصي التي تراها منهم وعن ترك الجماعة، وإذا قلنا: لا بأس بالنسبة للتأجير فلا بأس بالأجرة، وربما نقول: إذا كان في عدم تأجيرهم ردع لهم عن المعاصي وحث لهم على الصلاة مع الجماعة، فقد يقال بمنع تأجيرهم من أجل إصلاح حالهم.
стр. 1322
عدد الرضعات التي تحرم الزواج
ابنة عمي وأنا ولد عمها، رضعت معها من جدتي أم أمي وأم أمها، مرتين فقط، فهل تحل لي أو أخواتها؟
تحل لك هي وأخواتها مادام الرضاع مرتين، فالرضاع إذا كان مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً فإنه لا يؤثر، وإذا صار خمساً، ورضعت أنت من جدتك خمس مرات صرت أخاً لخالاتك، فيكون بنات خالاتك محرمات عليك؛ لأنك خالهن من الرضاع.
стр. 1323
ضابط الإنكار بالقلب
هل الرجل الذي يرى المنكر فينكر بقلبه ثم يسكت عنه يدخل فيمن ينجيهم الله يوم القيامة من السوء؟
الذي يرى المنكر ويكرهه بقلبه، ولا يستطيع أن ينكره بلسانه فإنه معذور ويكفي هذا، ولكن إذا أنكره بقلبه فإنه لا يجوز له أن يبقى مع هؤلاء الفاعلين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] .
وما يفعله بعض الجهال من بقائه مع أهل المنكر الذين يفعلون المنكر بين يديه؛ كشرب الدخان، أو يلعبون أشياء محرمة، ويقول: أنا أكره هذا بقلبي، نقول: هذا لا يكفي، إذا كنت تكرهه بقلبك حقاً فإن قلبك سوف ينفر منه، وإذا نفر القلب فإن الجوارح سوف تنفر منه أيضاً؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب) فعلى هذا نقول: إذا كرهته بقلبك ولم تستطع أن تنكره بلسانك؛ وجب عليك أن تغادر المحل، وإذا كنت تستطيع الإنكار بلسانك وجب عليك ذلك وإلا كنت آثماً.
стр. 1324
الجمع بين بقاء غير المسلمين في الجزيرة وبين أمره ﷺ أن يخرجوا منها
قضية بقاء اليهود والنصارى في جزيرة العرب؛ كيف نوفق بين قول الرسول ﷺ : (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ، وأنه (لا يجتمع فيها دينان) ، وكون الرسول ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وعمر بن الخطاب ﵁ الذي أخرج يهود خيبر وأجلاهم عن الجزيرة قتله مجوسي فقال: [الحمد لله إذ لم يقتلني رجل سجد لله سجدة] ، فكيف نجمع بين هذا وذاك؟
أما قوله ﷺ : (لا يجتمع فيها دينان) فالمعنى: لا تقام شعائر الكفر في جزيرة العرب، أي: لا تبنى الكنائس، ولا ينادى فيها بالناقوس وما أشبه ذلك، وليس المعنى أنه لا يتدين أحد من الناس في نفسه فقط، بل المراد أنه لا يكون لهم كنائسُ أو معابدُ أو بِيَعٌ كما للمسلمين مساجد.
وأما قوله: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) فالمراد منها السُّكنى، وأما الأجراء وما أشبه ذلك فلا يدخلون في هذا؛ لأنهم ليسوا قاطنين بل سيخرجون.
وأما إبقاء الرسول ﷺ يهود خيبر فيها، فإن الرسول ﷺ لم يبقهم إبقاءً مطلقاً عاماً، بل قال: (نقركم فيها ما شاء الله -أو قال-: ما شئنا) أي: إلى أمد، وهذا الأمد كان لانتهائه سبب، وذلك في عهد عمر ﵁، حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر وعلى الرجل الذي بات عندهم، ولم يفوا بما عليهم؛ فطردهم عمر ﵁.
стр. 1325
حكم صلاة من صلى مع رجل بنية القصر ثم تبين أن الرجل متم
كنت مسافراً إلى الرياض، وكنت أقصر صلاة الظهر فدخل معي رجل، وكان -والله أعلم- فيما تبين لي بعد ما أنهيت الصلاة أنه متم للصلاة، وليس عليه قصر كما قصرت أنا صلاة الظهر؛ لأنه أتى وأنا في التشهد الأخير، فلما سلمت من صلاة الظهر دخلت معه بنية العصر، وكنت أعتقد أنه يصلي قصراً، ودخلت العصر بنية ركعتين، ثم اتضح أن الرجل متم فأتممت معه العصر، فهنا صار عندي لبس فما الحكم؟
هذا غلط منك، فإن أعدت صلاتك الآن أربعاً فهو أحسن، ولا تتعود هذا الشيء، ما دام مأموم بك يصلي الظهر دعه يقضي، وإذا قضى صلاته تصلي أنت وهو صلاة العصر، الرجل ربما نعذره بالجهل في هذه المسألة، لكن كونه الآن ما بقي عليه إلا مدة يسيرة ويسأل الناس في نفس الوقت.
السائل: تقضى قصراً أم أتم؟ الشيخ: لا.
تقضى تمام! لأنك دخلت على أنك متم.
стр. 1326
لقاء الباب المفتوح [٤٠]
ألقى الشيخ ﵀ في مستهل هذا اللقاء تفسير آيات من سورة البروج، وذكر ضمن ذلك: التوبة النصوح، وشروطها.
ثم أجاب عن أسئلة في أبواب شتى، منها: في الطلاق، والرضاع، والسفر، والعمل الوظيفي، وشيئاً من أحكام الزكاة، والصيام، وصلاة وطهارة المريض، وحكم الموسيقى، والعباءات النسائية، والاستشفاء بالدم وغيرها.
стр. 1327
تفسير آيات من سورة البروج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث في شهر جمادى الثانية من عام (١٤١٤هـ) الذي يكون كل خميس، نسأل الله تعالى أن ينفعنا جميعاً به، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتوفانا على الإيمان.
اخترنا في أول لقاءاتنا أن نتكلم على التفسير من (جزء عم) الذي يبدأ بسورة النبأ؛ لأن هذا الجزء الأخير من الكتاب العزيز تكثر قراءته في الصلوات وغيرها، فأحببنا أن يكون الناس فيه على علم؛ لأن الفائدة العظمى من القرآن هي التدبر والاتعاظ، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] .
стр. 1328
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين)
انتهينا إلى قوله تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] (فتنوهم) أي: أحرقوهم على قول بعض أهل العلم؛ لأن هؤلاء المجرمين خدوا أخاديد، أي: شقوا سراديب في الأرض، وأوقدوا فيها النيران، وأحرقوا فيها المؤمنين، فيكون معنى (فتنوا المؤمنين) أي: أحرقوا المؤمنين، وقيل: فتنوهم أي: صدوهم عن دينهم، والصحيح أن الآية شاملة للمعنيين جميعاً؛ لأنه ينبغي أن نعلم أن معاني القرآن أوسع من أفهامنا، وأننا مهما بلغنا من الذكاء والفطنة، فلن نحيط به علماً، إنما نعلم منه ما تيسر، والقاعدة في علم التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتضادان فإنها تحمل عليهما جميعاً.
فنقول: هم فتنوا المؤمنين بصدهم عن سبيل الله، وفتنوهم بالإحراق أيضاً، ولكن مع هذا يقول الله : ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] فدلت الآية الكريمة على أنهم لو تابوا لغفر الله لهم، حتى وإن فعلوا بأوليائه ما فعلوا، فإن الله يتوب عليهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج:١٠] أي: عذاب النار يعذبون بها، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] يحرقون بها في نار جهنم نسأل الله العافية.
وفي الآية إشارة إلى أن التوبة تهدم ما قبلها، ولكن لا بد أن نعلم أن التوبة لا تكون توبة نصوحاً مقبولة عند الله إلا إذا اشتملت على شروط خمسة: الأول: الإخلاص لله بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة خوف الله ورجاء ثوابه؛ لأن الإنسان قد يتوب من الذنب من أجل أن يمدحه الناس، أو من أجل دفع مذمة الناس له، أو من أجل مرتبةٍ يصل إليها، أو من أجل مال يحصل عليه، وكل هؤلاء لا تقبل توبتهم؛ لأن التوبة يجب أن تكون خالصة لله .
أما من أراد بعمله الدنيا، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥-١٦] .
الثاني: الندم على ما حصل من الذنب، بمعنى ألا يكون الإنسان كأنه لم يذنب ولا يتحسر ولا يحزن، لا بد أن يندم إذا ذكر عظمة الله ندم، كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني ورزقني وهداني فيندم؟ كما لو عصى الإنسان أباه فإنه يندم.
الثالث: أن يقلع عن الذنب، فلا تصح التوبة مع الإصرار على الذنب؛ لأن التائب هو الراجع، فإذا كان الإنسان يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من أكل الربا، ولكنه لا يزال يرابي، هل تصح توبته؟ لا تصح، لو قال: أستغفر الله من الغيبة -والغيبة ذكرك أخاك بما يكره- ولكنه في كل مجلس يغتاب الناس، هل تصح توبته؟ لا.
كيف تصح وهو مصر على المعصية؟ فلابد أن يقلع، إذا تاب من أكل أموال الناس وقد سرق هذا، وأخذ مال هذا بالخداع والغش، فهل تصح توبته؟ لا.
حتى يرد ما أخذ من أموال الناس إلى أصحابها، لو فرضنا أن شخصاً أدخل مراسيمه في ملك جاره واقتطع جزءاً من أرضه، وقال: إني تائب، ماذا نقول له؟ نقول: رد المراسيم إلى حدودها الأولى، وإلا فإن توبتك لا تقبل؛ لأنه لا بد من الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه.
الشرط الرابع: أن يعزم عزماً تاماً على ألا يعود إلى الذنب، فإن تاب وهو ينوي في نفسه أنه لو حصلت له فرصة لعاد إلى الذنب فإن توبته لا تقبل، لا بد أن يعزم عزماً أكيداً على ألا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تقبل فيه التوبة؛ لأن هناك أوقاتاً لا تقبل فيها التوبة، وذلك في حالتين: الحالة الأولى: إذا حضره الموت فإن توبته لا تقبل، لقول الله ﵎: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] أي: إذا أتاه الموت وشاهد العذاب، قال: تبت! هذا لا ينفع، وكمثال واقع لهذه المسألة، أن فرعون لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] أي: بالله، ولم يقل: آمنت بالله، إذلالاً لنفسه، حيث كان يحارب بني إسرائيل على الإيمان بالله، والآن يقول: آمنت بالذي آمنوا به، فكأنه جعل نفسه تابعاً لبني إسرائيل، إلى هذا الحد بلغ به الذل ومع ذلك قيل له ﴿آلْآنَ﴾ [يونس:٩١] ؟ يعني: الآن تتوب؟ الآن تؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] .
إذاً: إذا حضر الموت فإن التوبة لا تقبل، وأنا أسأل كل إنسان: هل يعلم متى يحضره الموت؟ لا يعلم، إذاً لا بد من المبادرة بالتوبة؛ لأنك لا تدري في أي وقت يحضرك الموت، فمن الناس من نام على فراشه في صحةٍ وعافية ثم حمل من فراشه إلى سرير التغسيل، ومن الناس من جلس على كرسي العمل يعمل ثم حُمل من كرسي العمل إلى سرير التغسيل، كل هذا واقع وأمثال هذه المفاجأة كثير، فإذاً يجب أن نبادر بالتوبة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذلك، بادروا بالتوبة، قبل أن تغلق الأبواب.
الحالة الثانية: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمنوا، لكن الله يقول: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] .
стр. 1329
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١] .
لما ذكر عقاب المجرمين ذكر ثواب المؤمنين وهذه هي طريقة القرآن في عرض الترغيب والترهيب، والقرآن الكريم مثاني، تذكر فيه المعاني المتقابلة، يذكر فيه عقاب أهل النار ونعيم أهل الجنة، وصفات المؤمنين وصفات الكافرين، ونحو ذلك، من أجل أن يكون الإنسان سائراً إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، فيعرف نعمة الله عليه بالإسلام، ويعرف حكمة الله تعالى في وجود هؤلاء الكافرين المجرمين ويزداد حذراً من ذلك.
ونقتصر على هذا القدر ونؤجل الكلام على هذه الآية وما بعدها إن شاء الله إلى الأسبوع القادم من أجل أن نحصل على أجوبة لأسئلة كثيرة.
ونسأل الله التوفيق.
стр. 1330
الأسئلة
стр. 1331
حكم من نوى الطلاق ثم تراجع
ما حكم رجل أمر زوجته -وهي قريبتي- أن تذهب إلينا، وسيرسل إليها بورقة الطلاق، لكنه لم يرسل بالورقة، ونوى إرجاعها؟ فما الحكم في ذلك؟ هل نردها إليه أم لا؟
الطلاق لا يكون إلا باللفظ، أو بالكتابة أو بالإشارة من الإنسان الذي لا يستطيع أن يتكلم كالأخرس، وأما أنه قال لها: اذهبي إلى أهلكِ وستأتيكِ ورقتكِ، ولم تأتها ورقتها فهذا ليس بطلاق، ردها عليه الآن بدون أي شيء.
стр. 1332
حكم من جعل له نائباً يقوم بوظيفته لعذر
رجل يعمل خادماً في أحد المساجد ثم أصيب بمرض يمنعه من القيام بهذا العمل، فوضع مكانه أحد العمال، بجزء من الراتب ويقول: إنه قد أخبر إدارة الأوقاف، فهل هذا العمل جائز أم لا؟
إذا كانت الإدارة تسمح له بذلك فلا بأس، وإذا كانت إدارة الأوقاف لا تسمح بهذا، أو لم يقم نائبه بعمله كما يجب؛ فإنه لا يجوز وحينئذٍ إما أن يقوم بعمله أو يقدم استقالته.
стр. 1333
مقدار الرضاعة التي تبنى عليها أحكامها
أنا رضعت مع خالي من جدتي -وهي أمه- فهل بناتي يحتجبن عنه، علماً بأني رضعت أكثر من خمس مرات؟
إذا رضعت من جدتك خمس رضعات معروفة فقد صرت ولداً لها، وصار أولادها إخوانك الكبير والصغير، وإذا صاروا إخوانك صاروا أعمام بناتك، وعلى هذا فيجوز أن تكشف بناتك على أخوالك كلهم.
стр. 1334
حكم السفر لمن نوى الإقامة لمدة سنة أو أكثر
نحن مجموعة من الشباب منا مَن هو مِن المدينة ومنا مَن هو مِن القصيم، توظفنا في منطقة الدوامي للتدريس، ونوينا الإقامة لمدة سنة، لكن هذه المدة قد تطول لأسباب خارجة عن إرادتنا، أي: من وزارة المعارف مثلاً، فهل نقصر الصلاة في هذه المدة أم لا؟
نقول: لا يجوز أن تقصروا؛ لأن أمر الرجوع إلى أهليكم ليس بأيديكم، والأصل أن الموظف يبقى على وظيفته في مكانها إلا أن يتجدد شيء يوجب رده إلى أهله، أو إلى مكان آخر، فالذي أرى لكم ألا تقصروا وألا تترخصوا برخص السفر، بخلاف الإنسان الذي يحدد لنفسه الوقت، وأنه سيرجع بعد شهر أو شهرين أو نحو ذلك، فهذا له أن يقصر إلا أنه إذا كان في بلد تقام فيه جماعة، فإنه يجب عليه أن يصلي مع الجماعة.
стр. 1335
تشميت العاطس إذا تكرر منه العطاس
هل ورد عن الرسول ﷺ أننا نقول لمن يعطس في المرة الثالثة: شفاك الله؟
إذا عطس أحد وقال: الحمد لله، قل له: يرحمك الله، فإذا عطس ثانية فحمد الله، قل له: يرحمك الله، وإذا عطس ثالثة وقال: الحمد لله، قل له: عافاك الله إنك مزكوم، كذلك ادع له بالعافية.
следующие страницы →