Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
حكم من أسلم وانتحل الابتداع في الدين
هناك كثير من النصارى عندما يسلم يتبع مذهباً غير مذهب أهل السنة والجماعة، مثل: التصوُّف، والتشيُّع، فهل نُكَفِّره؛ لأنه دَخَلَ مذهباً غير مذهب أهل السنة والسلف الصالح، أم ننظر إليه بحسب الفرقة التي دخل فيها؟
إذا أسلم وانتمى إلى الإسلام، ثم اتخذ نِحْلَة مبتدَعة، فإننا نعطيه حكم أهل هذه النِّحْلَة، إن كانت البدعة مكفِّرة فهو كافر، ولن ينفعه انتقالُه من النصرانية إلى هذه البدعة المكفِّرة، وإن كانت لا تكفِّر فإنه لا يكفر؛ لكن ينبغي لـ أهل السنة أن يتلقوا هؤلاء الذين يسلمون؛ لأنه ربما يسلم راغباً في الإسلام، ثم يأتيه رجل مبتدع فيغره ويقول: هذا هو الإسلام، فيرتكب البدعة؛ لأنه لا يدري.
فالواجب على أهل السنة أن يتلقوا هؤلاء الذين أسلموا حديثاً حتى لا يتلقفهم أحدٌ له بدعة.
السائل: إذاً: يكفَّر، وهذا أمر عاديٌّ! الشيخ: كما قلتُ لك: إذا انتَحَلَ بدعة مكفِّرة فله حكم أصحابها، وإذا انتَحَلَ بدعة غير مكفِّرة فله حكم أصحابها.
لكن قد يقال: هذا النصرانيُّ الذي لا يعرف عن الإسلام شيئاً بدعتُه التي ارتكبها وهي مكفِّرة ارتكبها عن جهل، فهذا نعَلِّمه أولاً بأن ما انتحله غير صحيح، ثم إذا أصَرَّ حُكِمَ عليه بحكم أهل هذه البدعة.
стр. 1367
حكم الحلف بالذمة أو الحرج
فضيلة الشيخ! حفظكم الله! ما قول فضيلتكم في بعض العامة إذا كان يصدر منه اليمين، فيكون في الذمة، كأن يقول: في ذمتي، أو يكون في الحرج، كأن يقول: أنت مني في حرج، فهل هذا يدخل في الشركيات؟
إذا قال الإنسان: في ذمتي، أو قال: أنت مني في حرج، فهذا لا يدخل في الشرك؛ لأن الشرك هو القَسَم بغير الله، أما هذا فهو في حكم القَسَم أو في حكم اليمين؛ ولكنه ليس القَسَم الذي يدخل صاحبه في الشرك، إلا أنَّا نقول: كونه يحلف بالله فهذا هو الذي أمر به النبي ﵊ حيث قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .
وقال الله لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١-٢] .
فالأفضل لمن أراد الحلف أن يحلف بالله.
أما قوله: (في ذمتي) أو (أنت مني في حرج) أو ما أشبه ذلك، فهذا له حكم اليمين، ولكنه ليس يميناً يقال لقائله: إنه مشرك، فاليمين الذي يقال لصاحبه: إنه مشرك أن يقول: (ومُلْكِ فلان) أو (والرئيسِ الفلاني) أو (والنبي) أو (والكعبة) فهذا هو الذي يدخل في قوله ﷺ : (مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .
стр. 1368
حكم الرقص
فضيلة الشيخ! هذا سؤال من بعض الأخوات تسأل عن حكم الرقص إجمالاً وتفصيلاً، خاصة فيما يتعلق بالرقص في الوسط النسائي والمُبْتَذَل منه وغير المُبْتَذَل! وهل يليق بالمسلمة فعل هذا الأمر؟
الرقص مكروه في الأصل؛ ولكن إذا كان على الرقصات الغربية وتقليد الكافرات صار حراماً، لقول النبي ﷺ : (مَن تشبه بقوم فهو منهم) مع أنه أحياناً تحصل به فتنة، فقد تكون الراقصةُ امرأةً رشيقةً جميلةً شابَّةً فتفتن النساء، وإن كانت في وسط النساء، فتحصل من النساء أفعالٌ تدل على أنهن افتَتَنَّ بها، وما كان سبباً للفتنة فإنه يُنْهَى عنه.
هذا هو الجواب في حكم الرقص.
السائل: وإذا كان -يا شيخ- على سبيل العَرْضَة الموجودة، أو شيءٍ شبيهٍ منها، أعني: أن تصطف مجموعة من النساء، فيتقدمن خطوات ويتأخرن خطوات وينحرفن لليمين ولليسار؟ الشيخ: نحن نريد بالرقص الرقص التي تتمايل تمايلاً تاماً، حتى تصل أحياناً إلى قريب الأرض، ثم ترتفع، ثم تهتز يميناً وشمالاً.
أما مجرد الحركة اليسيرة فهذه لا تعتبر كالرقص الذي نريده.
стр. 1369
جواز الجمع والقصر في السفر
جماعة كانوا خارجين إلى مدائن صالح للاتعاظ والاعتبار، وقد جمعوا صلاتي الظهر والعصر جمع تأخير، وصلوهما قصراً في مدائن صالح، فما حكم صلاتهم؟ الشيخ: هم مسافرون أم من أهل البلد؟ السائل: هم من خارج البلد، من مكان بعيدٍ قليلاً عن البلد.
يجوز للإنسان المسافر أن يقصُر ويجمع حتى يرجع إلى بلده، سواء خرج لنزهة، أو خرج لعبادة؛ كالمعتمر والحاج، أو خرج لعلم، أو خرج لتجارة، المهم أنه ما دام مسافراً؛ فقد قال الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] ولم يخص الله ضرباً دون ضرب؛ بل أطلق وعمَّم.
وأنت ذكرتَ في سؤالك أن هؤلاء ذهبوا إلى مدائن صالح للاتعاظ والاعتبار، والاتعاظ والاعتبار نوعان: النوع الأول: الاتعاظ والاعتبار بما كان لهؤلاء القوم من القوة والقدرة، حيث كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً؛ فهذا لا يجوز لأن هذا يؤدي إلى تعظيمهم، ويُقَسِّي القلب.
والنوع الثاني: الاتعاظ والاعتبار بأخْذِ الله وعقوبته لهم، وأنهم على هذه العظمة لم يضروا الله شيئاً، ولم يعجزوا الله فهذا لا بأس به.
ومع ذلك فإني أخبرك وأخبر مَن يستمع ويتعلم أن النبي ﷺ قال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثلما أصابهم) .
فمن ذهب ودخل وهو يبكي خوفاً من الله ، فليفعل، وإلا فلا يدخل، بل يبتعد، ولهذا لما مر الرسول عليه الصلاة السلام بديارهم في ذهابه إلى تبوك أو رجوعه منها فقَنَّع رأسه ونَزَّله وأسرع المسير ﵊، فكيف بالذي يذهب وينزل بساحتهم؟! حتى ولو كان للاعتبار الديني فإننا لا نشير عليه بذلك، إذا كان يعتبر اعتباراً دينياً فليقرأ القرآن، القرآن إيمانُ المؤمن بما فيه أكبر من إيمانِه بما يشاهده، وإن كانت المشاهدة لا شك تعتبر زيادة في الإيمان؛ لكن على كل حال نقول: من ذهب إلى هؤلاء القوم على الوجه الذي اشترط الرسول: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم) .
السائل: ولكنهم قد صلوا قصراً وجمعاً! الشيخ: نعم، صلاتهم صحيحة؛ لأنهم مسافرون.
стр. 1370
معنى تواطؤ الرؤى كتواطؤ الشهادات
فضيلة الشيخ! ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الاختيارات الفقهية: أن تواطؤ الرؤى كتواطؤ الشهادات؟
معناه: أن الرؤيا إذا تواطأت واتفقت فهي كتواطؤ الشهادات؛ يعني: أنها تقوِّي.
مثال ذلك: إذا رأى ثلاثة أو أربعة ليلة القدر في ليلة خمس وعشرين، فهذا هو تواطؤ هذه الرؤى، فيدل ذلك على أن لها أصلاً.
وإذا شهد رجلان على شخص ثم شهد ثالث ورابع، فالشهادة الثالثة والرابعة تقوِّي شهادة الرجلين الأوَّلَين.
وما قاله شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة صحيح، ومستند إلى قول الرسول ﵊ للجماعة الذين أُرُوا ليلة القدر: (أَرَى رؤياكم قد تواطأت -لأنهم رأوا ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان- فمَن كان متحريها فليتحرَّها في السبع الأواخر) .
стр. 1371
حكم تلبية الدعوة لحضور الولائم بعد الإحداد
فضيلة الشيخ! اعتاد بعض الناس في الآونة الأخيرة أنه إذا مات عن المرأة زوجها، وانتهت فترة الأربعة أشهر وعشراً، وهي ما تسمى بالحداد، أقام أقاربها ولائم، الابن مَرَّة، والأخت مَرَّة، وغيرهما مرَّة، وهكذا، فما حكم هذا العمل؟ وما حكم تلبية الدعوة بالنسبة لحضور هذه الولائم؟
والله الذي يظهر لي -إن شاء الله- أنه ليس فيها شيء؛ لأن هذا شيء معتاد، وليسوا يفعلونه على سبيل التعبد، بخلاف نساء الجاهلية، فنساء الجاهلية إذا تمت السنة وكان النساء في ذلك الوقت من الجاهلية يعتَدِدْن بسنة كاملة، فتبقى في أقبح بيت، ولا تمس الماء، حتى لو حاضت لا تمس الماء ولا تغتسل، فتبقى منتنة رائحتها كريهة، وإذا خَرَجَت بعد سنة كاملة أخذت بَعَرَة ورمت بها، فتقول: كأنَّ كل ما مر عليَّ أهون عليَّ من رَمْي هذه البعرة، كما قال ﵊: (قد كانت إحداكن ترمي بالبَعَرة على رأس الحول) .
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1372
لقاء الباب المفتوح [٤٢]
تحدث الشيخ عن أواخر سورة البروج وما فيها من معاني قدرة الله في كل شيء، وما فيها من خبر إهلاكه تعالى للأقوام السابقة لما كذبوا وكفروا، وأخبر تعالى بأن الذين كفروا دائماً في تكذيب لآيات الله.
стр. 1373
تفسير آيات من سورة البروج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من شهر جمادى الثانية عام (١٤١٤هـ) ، والذي يتم كل أسبوع في يوم الخميس.
لقاؤنا هذا نفتتحه بالكلام على آيات من كتاب الله في سورة البروج من قوله ﵎: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ؛ لأن ما سبق قد تكلمنا عنه.
стр. 1374
تفسير قوله تعالى: (فعال لما يريد)
قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] هذا وصف لله أنه فعال لما يريد، فكل ما أراد سبحانه فإنه يفعله، لا يمنعه شيء من ذلك؛ لأن له ملك السماوات والأرض، ومالك السماوات والأرض لا أحد يمنعه من أن يفعل في ملكه ما شاء، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فالخلق مهما كانوا لا يستطيعون أن يفعلوا ما شاءوا، بل قد يريدون الشيء إرادة جازمة وبكل قلوبهم، ويتمنون أن يفعلوه؛ ولكن لا يحصل لهم هذا، بل يحول بينهم وبينه قدر الله ، أما الرب ﵎ فإنه فعال لما يريد.
وفي الآية الكريمة إثبات إرادة الله ، وهو كذلك، فإنه تعالى له إرادة كاملة تامة في خلقه حتى فيما يتعلق بأفعال الخلق؛ لا يكون فعلٌ من الناس إلا بإرادة الله كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] فعلق مشيئتهم بمشيئته .
وقال جلَّ وعَلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] .
فهو إرادته شاملةٌ لِمَا يكون من فعله، ولِمَا يكون من فعل العباد، فأنا -مثلاً- لو تكلمت بكلامي هذا أو بغيره أو بما سبقه، فكل كلامي كائن بإرادة الله، ولو شاء الله ما تكلمتُ، وإذا شاء الله أن أتكلم تكلمتُ، فتنبعث من قلبي إرادة للكلام فأتكلم، ولهذا قال: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] .
стр. 1375
تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود)
ثم قال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج:١٧] والخطاب لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو لكل من يصح أن يتوجه إليه خطاب، والاستفهام للتنبيه؛ لأن الشيء إذا جاء باستفهام انتبه له الإنسان أكثر، فالله يقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج:١٧] ، فالجنود: جمع جند، وهو هنا مُبْهَم؛ لكنه فسره بقوله: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:١٨] أي: هل أتاك خبرهم؟
و
نعم، أتانا خبرهم، قص الله علينا من نبأ فرعون وثمود ما فيه عبرة لمن كان قلبه حياً ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] .
стр. 1376
تفسير قوله تعالى: (فرعون وثمود)
ذكر الله تعالى قصة فرعون في آيات كثيرة في القرآن الكريم وفي سور متعددة، وذلك لأن قصة فرعون مقدمة بين يدي رسالة موسى ﵇، وموسى كما هو معروف مبعوث إلى بني إسرائيل؛ وقد قص الله على رسوله ﷺ من نبأ موسى ما لم يقصه من نبأ غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سوف تكون هجرته إلى المدينة، والمدينة فيها ثلاث قبائل من اليهود ساكنة فيها، فكان النبي ﵊ يعلم من نبئهم الشيء الكثير؛ من أجل أن يكون على استعداد لمناظرتهم ومجادلتهم بالحق، حتى لا يخفى عليه من أمرهم شيء.
ففرعون: ملك مصر، وهل هو عَلَم شخص أو عَلَم وصف؟ بمعنى: هل فرعون اسم للجبار العنيد الذي بُعِث إليه موسى؟ أو أنه وصف لكل مَن مَلَك مصر وهو كافر؟ من العلماء من يقول: إنه علم شخص؛ يعني: أنه الذي أُرْسِل إليه موسى وهو جبار عنيد يسمى فرعون.
ومنهم مَن قال: إنه علم وصف لكل مَن مَلَك مصر كافراً، كما يقال: كسرى لكل مَن مَلَك بلاد الفرس، وقيصر لكل مَن مَلَك بلاد الروم، والنجاشي لكل مَن مَلَك الحبشة، وما أشبه ذلك.
والخلاف في هذا ليس بذاك المهم؛ لكن المهم أن فرعون قصته معروفة؛ كان جباراً عنيداً متكبراً، يَدَّعي أنه الرب، ويستهزئ بموسى، وبما جاء به من الآيات، ويتحداه، ويقول له صراحة وجهاً لوجه: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:١٠١] ، ويفتخر ويقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥١-٥٣] .
وماذا كانت النتيجة؟! كانت النتيجة أن كفر به أخص الناس بكيده وهم السَّحَرة، فإن السَّحَرة لما جمعوا كل ما عندهم من السحر، وجاءوا لمقابلة موسى ﵊ حيث إن موسى أتى بآية تشبه السحر؛ ولكنها ليست بسحر؛ بل هي آية من آيات الله، وهي أنه يضع العصا التي بيده -عصا من خشب-، فإذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى، فقال الناس: هذا سحر، فجُمِع السَّحَرة كلهم؛ أكبرُ السَّحَرة وأحذقهم بالسحر جُمِعُوا في وقت حدَّده موسى، حيث قال له فرعون: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً﴾ [طه:٥٨] أي: مكاناً مستوياً منبسطاً حتى يشاهد الناس ما يشاهدون من السحر وأعمال السَّحَرة، فقال لهم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩] ، ويوم الزينة يوم عيدهم، ويوم العيد -كما تعلمون- يكثر فيه تجمع الناس، ويهنئ بعضُهم بعضاً بالعيد، فاجتمعوا -كما وعدهم موسى- يوم الزينة، وحُشِر الناس، ومتى حُشروا؟ لم يُحشروا في الليل، أو في آخر النهار، أو أول النهار؟ بل حُشروا ضحى في رابعة النهار.
ولَمَّا حشروا ألقى السَّحَرة كل ما يكيدون من كيد وسحر، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٦-٦٧] ؛ لأنه شاهد شيئاً عظيماً، فأوحى الله إليه أن يلقي العصا، فألقى العصا فإذا هي تلقف ما يأفكون، حينئذ علم السَّحَرة أن موسى صادق وأنه ليس بساحر؛ لأنه لو كان ساحراً ما غلبهم بسحره، فآمنوا بالله وكفروا بفرعون، و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١-١٢٢] ، وتحدوا فرعون.
وفي النهاية كانت نهاية فرعون أن أغرقه الله بالماء الذي كان يفتخر به بالأمس، في قوله: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] ، والأنهار: المياه، فأهلكه الله بجنس ما كان يفتخر به.
أما ثمود: فإن الله تعالى قد أعطاهم قدرة وقوة، وأترفهم، حتى كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، ويتخذون من السهول قصوراً، وكانت لهم قوة وصرامة، فأُهْلِكوا حين كَذَّبوا نبيهم صالح ﵇ أُهْلِكوا برجفة وصيحة، صِيْحَ بِهِم، وارتجفت بهم الأرض، فهَلَكوا عن آخرهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٦٧]-والعياذ بالله-.
فالله يقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:١٧-١٨] ، وماذا كان من نبئهم؟ وفي هذا التنبيه فائدتان: الفائدة الأولى: تسليةُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقويتُه، وأن الذي نصر الرسل من قبله سوف ينصره، ولا شك أن هذا يقوِّي العزيمة، ويوجب أن يندفع الإنسان فيما كُلِّف به من تبليغ الرسالة.
والفائدة الثانية: تهديدُ قريش الذين كذبوا الرسول ﵊، وأنهم ليسوا أشد قوة من فرعون وثمود، ومع ذلك أهلكهم الله .
стр. 1377
تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب)
قال تعالى: ﴿بَلِ﴾ [البروج:١٩] للإضراب، وهو للانتقال من موضوع إلى آخر.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البروج:١٩] أي: بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج:١٩] (في) للظرفية، كأن هؤلاء منغمسون في التكذيب، والتكذيب محيط بهم من كل جانب، وهذا أبلغ من قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:٢٢] في هذا الموضع، وإلَاّ فإن قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:٢٢] في موضعه يكون أبلغ؛ لأن القرآن الكريم قد يأتي بالكلمتين مختلفتين في موضعين، وتكون كل واحدة في موضعها أبلغ من الأخرى، إذ أن القرآن مشتمل على غاية البلاغة.
стр. 1378
تفسير قوله تعالى: (والله من ورائهم محيط)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] أي: غالِبُهم ومحيطٌ بهم، ومهما فروا فإن الله تعالى مدركهم لا محالة، فهو محيط بهم علماً وقدرةً وسلطاناً، ولَنْ يُفْلِتوا من الله إذا أراد بهم سوءاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] .
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] وسنتكلم على هذا إن شاء الله في اللقاء القادم؛ لأنه مهم، ونذكر المناسبة بين ختمه لهذه السورة بهاتين الآيتين، وبين ابتدائها بالسماء ذات البروج، وما ذكر فيها من العبر والقصص.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1379
الأسئلة
стр. 1380
تفسير معنى إرادة الله
فضيلة الشيخ! هل الإرادة تكون بمعنى المحبة في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ؟
قال العلماء: إرادة الله تنقسم إلى قسمين: إرادة بمعنى: المحبة، وإرادة بمعنى: المشيئة.
القسم الأول: الإرادة بمعنى: المحبة: وهي لا تكون إلا فيما يحبه الله ، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] فيريد بمعنى: يحب، وليست بمعنى المشيئة؛ لأنها لو كانت بمعنى المشيئة لتاب الله على كل أحد؛ لكنها بمعنى المحبة، فهو يريد أن يتوب علينا، وهذا حثٌّ لنا على التوبة؛ لأن الله يحب التوابين، وقد قال النبي ﵊: (لَلَّهُ أشَدُّ فرحاً بتوبة عبده من أحدكم بناقته كان عليها طعامه وشرابه، وكان في أرض فلاة -ليس حوله أحد- فأضلَّ الناقة، وضاعت فطلبها، فلم يجدها، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقاً في الشجرة، فأخذ بخطامها، وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) ، فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] : أي يحب.
القسم الثاني: الإرادة بمعنى: المشيئة: وهي الإرادة الكونية بمعنى: المشيئة، فهذه لا تتعلق بما يحبه فقط، بل تكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، وذلك بمعنى: المشيئة، ومنها هذه الآية: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] أي: لِمَا يشاء، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] .
وبناءً على ذلك لو قال لنا قائل: هل أراد الله المعاصي للناس؟! بمعنى: هل المعاصي التي هي من أعمال الناس من الكفر والفسوق والفجور، هل هي مُرادة لله، وهل أرادها الله؟! إن قلتُ: لا، فقد أخطأتُ.
وإن قلتُ: نعم، فقد أخطأتُ.
إذاً: لا بد من التفصيل! نقول: أما بالإرادة الكونية فقد أرادها، ولا يَخْرُج في مُلْكه شيء عن إرادته.
وإن أردتَ الإرادةَ الشرعية فإن الله لَمْ يُرِدْ ذلك؛ لَمْ يُرِدْ من العباد أن يكفروا ويفسقوا ويفجروا، بل هو يريد منهم أن يَصْلُحوا، ولكن حكمته جعلت الناس ينقسمون إلى مؤمن وكافر.
стр. 1381
معنى قوله ﷺ لما توفي ابنه إبراهيم: (إن له في الجنة مرضعاً)
ثبت في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ لما توفي إبراهيم: (إن له في الجنة مرضعاً) ، فما توجيه الحديث؟
إبراهيم هو ابن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من مارية القبطية، أي: أنه مِن ولد السِّرِّيَّة وليس مِن ولد زوجةٍ، توفي وهو في زمن الرضاع قبل أن يُفْطم له نحو ستة عشر شهراً، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن له مرضعاً في الجنة، يعني: أن هذا الطفل في الجنة، وأن له من يرضعه.
أما كيف ذلك؟ فلا ندري؛ لأن هذا من أمور الغيب؛ وأمور الغيب علينا أن نؤمن بمعناها، وأن نتوقف عن كيفيتها، ولا نسأل: كيف؟! نؤمن بأن إبراهيم بن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم له مرضع في الجنة، أما كيف ذلك؟! فليس لنا أن نسأل؛ لأننا نعلم أن الصحابة الذين قال فيهم الرسول هذه المقالة أحرص منا على العلم، ومع ذلك ما قالوا: كيف يا رسول الله؟! كيف يكون له مرضع في الجنة وقد مات؟! فنحن نقول كما قال النبي ﵊: إن إبراهيم له مرضع في الجنة؛ ولكن لا ندري كيف ذلك.
؟! السائل: بلا تأويل! الشيخ: أبداً، هكذا نقول.
стр. 1382
حكم المريض الذي لا يستطيع الصلاة قائماً أو قراءة القرآن من المصحف
هناك إنسان مريض إذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع الصلاة واقفاً خوفاً من الناس، فيجلس، وإذا قرأ القرآن تنقلب الحروف سوداء، لا يستطيع قراءتها، وإذا خرج وذهب إلى البيت صلَّى بصورة عادية، وقرأ القرآن بصورة عادية، فهل يحق له الصلاة في البيت؟ الشيخ: قولك: إذا كان في المسجد وقرأ القرآن كانت الحروف سوداء، تعني: أنه يقرأ في المصحف؟ السائل: نعم.
الشيخ: وهو يصلي.
السائل: داخل المسجد قبل الصلاة.
الشيخ: مسألة القراءة قبل الصلاة هذه سنة، أعني: إن تيسرت وإلا يذكر الله بقلبه ولسانه، أو يقرأ ما يحفظه من القرآن بدون مصحف، فهذه ليست مهمة بتلك الأهمية.
لكن إذا كان الإنسان في بيته يستطيع أن يصلي الفريضة قائماً وإذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع القيام، إما لتعبه من المشي، أو لخوفه من الناس، أو لأي سبب من الأسباب فقد اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة: فمنهم من يقول: يصلي في بيته قائماً، ولا يجوز أن يذهب إلى المسجد ويصلي قاعداً، وعللوا هذا بأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به، وصلاة الجماعة واجبة، تصح الصلاة بدونها.
ومن العلماء من يقول: بل يجب عليه الذهاب إلى المسجد؛ لأنه دعي إلى الصلاة، وصلاة الجماعة واجبة عليه، فليذهب إلى الصلاة، ثم إن استطاع أن يصلي قائماً فعل، وإن لم يستطع فإنه يصلي قاعداً، وهذا القول أصح؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وهذا الرجل دعي إلى الصلاة، وسمع النداء، وقد قال النبي ﵊ للرجل: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) فليجب، ثم إذا وصل إلى المسجد إن قدر على القيام قام، وإلا صلى جالساً.
وهذا القول هو الصحيح، والقيام ليس بركن في حقه الآن؛ لأنه ليس بقادر عليه.
السائل: هو يختلف عقلياً داخل الصلاة! الشيخ: إذا كان يختلف عقلياً بحيث لا يدري ما يقول فهذا معذر في ترك الجماعة، فليصلِّ في بيته.
стр. 1383
حكم النشيد الوطني
في بعض المدارس وفي نهاية الطابور الصباحي في المدارس يقوم الطلاب بترديد ما يسمى بالنشيد الوطني، فما رأيكم في هذا؟ الشيخ: ما هو النشيد الوطني؟ السائل: والله لا أحفظه؛ لستُ أدري إذا كان أحد الإخوان يحفظه! لكنَّه هو قولُهم:
سارعي للمجدِ والعلياءِ مَجِدِّي لخالق السماءِ
الشيخ: سارعي! يخاطب مَن؟! امرأة؟! أم أنه يخاطب نفسه؟! السائل: وطنَه.
مداخلة: العَلَم.
الشيخ: إذا كان العَلَم فيقال: سارعْ، أليس العَلَم مذكَّراً؟! مداخلة: إذاً: الراية.
الشيخ: الراية! السائل:
سارعي للمجدِ والعلياءِ مَجِدِّي لخالق السماءِ
وارفعي الخفَّاقَ أخضرْ يحمل النور المسطَّرْ
ردِّدي: الله أكبر
يا موطني
عاش الملك للعَلَم والوطن
الشيخ: على كل حال أرى أن الذي يجب أن يُسأل عنها هم الذين بيدهم إلغاؤه أو إبقاؤه، وهذه قاعدة أحب أن يتنبَّه لها من يُستفتَى، يأتي مثلاً بعض الناس ممن هم تحت إدارة معينة، ويكون في هذه الإدارة بعض التجاوزات، وبعض المنكرات، فيأتي أحد الإخوة يسأل عنها، ربما يجيب المجيب بحسن نية، فيتخذ السائل من هذا الجواب سُلَّماً للمنازعة مع المسئولين والتشويش عليهم، ولا يحصل المقصود؛ لأن المسئولين إذا جاءهم الأمر من أسفل قد لا يخضعون ولا يستجيبون، ويزيدون في ما هم عليه؛ لكن يجب أن تُعالَج هذه الأمور من فوق، فيُنْظَر: أولاً: هل العَلَم وهو جماد يُخاطَب بمثل هذا الخطاب أم لا؟! هذه واحدة.
ثانياً: عندما يقال:
عاش الملك للعَلَم والوطن
ما معنى هذه الكلمة؟! عاش المليك، لا بأس، ندعو له بالعيش الحميد، والحياة الطيبة، وأن يسدد الله خُطاه، وأن يدله على الخير، هذا لا بأس، ندعو له بذلك.
لكن العبارة الثانية:..
للعَلَم والوطن ما معنى للعَلَم والوطن؟! هل المعنى: عاش للعَلَم، وعاش للوطن؟! أم أن المعنى: أنني أقول ذلك تعظيماً للعَلَم وللوطن؟! ما ندري! والحقيقة أن الذي ينبغي هو أن نوجه شبابنا إلى التحمُّس للدين، لا للوطن؛ لأن التحمُّس للوطن، أو للقومية، أو ما أشبه ذلك لا ينبغي مع وجود التحمُّس لدين الله ، ولهذا ترك الصحابة أوطانهم بعد الفتوحات الإسلامية، وذهبوا يسكنون الكوفة، والبصرة، والشام، ومصر؛ لأن وطن المسلم هو ما يستقيم به دينُه.
فكوننا نربي الأجيال على الدفاع عن الوطن وما أشبه ذلك دون أن نشعرهم بأننا نحمي وطننا وندافع عن وطننا من أجل ديننا؛ لأن وطننا -والحمد لله- وأعني بذلك المملكة العربية السعودية هو من خير أوطان المسلمين إقامة لدين الله، فإذا كان الإنسان يريد بالوطنية أي: أن وطننا هو أحسن الأوطان في الوقت الحاضر بالنسبة لإقامة الدين، فأنا أدافع عن وطني؛ لأنه الوطن الإسلامي الذي يطبق من أحكام الشريعة ما لا يطبقه غيره، وإن كان عندنا خلل كثير، فهذا لا بأس، أما مجرد الوطنية فهذه دعوة فاشلة.
وكما تعلمون أن الدعوة إلى القومية العربية إبَّان رؤساء سبقوا وهلكوا وهلكت دعوتُهم صارت لها ضجة كبيرة، ودعوة عظيمة؛ ولكن فشلت إلى أبعد الحدود، حتى العرب أنفسهم الآن ليسوا على قلب واحد؛ هم متفككون، ولا أَدَلَّ على ذلك من أن اليهود الذين هم عدوٌّ للجميع صار كل واحد منهم يصالحهم على انفراد، ولا يعبأ بالآخرين، وتفككت القومية العربية.
ثم إن الدعوة إلى القومية العربية أخرجت ملايين المسلمين من الانطواء تحت لواء الإسلام أو الأمة الإسلامية على الأصح، وأدخلت في القومية العربية مَن هم أعداءٌ للإسلام من نصارى وغيرهم.
لهذا أنا أحث الموجِّهين الذين يوجهون الشباب إلى أن يحمِّسوهم للدعوة إلى الإسلام، وتشجيعه، والأخذ بتعاليمه، حتى تعود الأمة الإسلامية إلى ما كانت عليه من قبل، فتعتز بإسلاميتها، وتعتز بما عندها من شريعة الله ، ولا يمكن أن يُعِزَّ اللهُ قوماً بشيء ثم يتركوا هذا الشيء ليعتزوا بغيره أبداً، كما يُرْوَى عن عمر ﵁ أنه قال: [إننا قوم أعزنا الله بالإسلام] يعني: أننا إذا تركنا الإسلام ذهبت العزة، وهذه حقيقة، فالعرب العرباء الذين هم عربٌ أقحاح هم الذين كانوا في عهد الرسول ﵊ وفيما قبله من زمن الجاهلية، ومع ذلك ما انتصروا على غيرهم من الفرس والروم إلا بالإسلام.
стр. 1384
مسألة التورُّق
ما هو التورُّق؟ وما حكمه؟
التورُّق: هو أن يحتاج الإنسان إلى دراهم ليشتري سلعة، ولم يجد مَن يقرضه، فيذهب إلى شخص ويشتري منه سلعةً بثمن مؤجل أكثر من ثمنها حاضراً، ثم يأخذ السلعة ويبيعها، ويشتري بثمنها السلعة التي يريد.
وكذلك كأن يحتاج الإنسان إلى أرض ليبني عليها سكناً له، وليس معه دراهم، ولا يجد من يقرضه، ويأبى صاحب الأرض أن يبيعها بثمن مؤجل، فيذهب إلى إنسان آخر ويقول: بِعْ عليَّ سيارات بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحاضر، ثم يأخذ السيارات، ويبيعها، ويشتري بثمنها هذه الأرض.
هذا هو التورُّق، بمعنى: أن يحتاج إلى دراهم، فيشتري ما يساوي ألفاً بألف ومائة إلى أجل، ليبيعه، ويأخذ دراهمه ليشتري بها حاجته.
هذا هو التورُّق.
والعلماء ﵏ مختلفون فيه: منهم من أجازه، ومنهم من قال: هو مكروه، ومنهم من قال بتحريمه، وشدد فيه شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 1385
حكم صلاة الجمعة على من يبعد عن المسجد ولا يسمع النداء
جاء عن الرسول ﷺ أن الجمعة على مَن سمع النداء، ويقول الإمام أحمد: إن الجمعة تجب على مَن يبعد عن المسجد بفرسخ فما دون، فما هو الفرسخ؟ وهل مَن يبعُد عن المسجد بأكثر من فرسخ أو لا يسمع النداء لا تجب عليه الجمعة؟
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، والجمعة لا تقام إلا في مكان واحد من البلد، مضى على ذلك عَهْدُ رسول الله ﵌، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ولم تُعَدَّد الجُمَع في بلد واحد إلا في القرن الثالث أي: مضى على الأمة الإسلامية مائتا سنة وهم يصلون في مكان واحد.
وإذا كان الإنسان في البلد الذي تقام فيه الجمعة وجبت عليه الجمعة، ولو كانت بينه وبينها فراسخ، ما دام في البلد، وسواء كان يسمع النداء أو لا يسمعه؛ لأن المسجد هذا لكل أهل البلد.
أما إذا كان خارج البلد -أي: في ضواحي البلد- فهذا هو الذي قاله الإمام أحمد: ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ.
والفرسخ: ثلاثة أميال.
وإنما قلتُ لك: إنه مضى على هذه الأمة الإسلامية مائتا سنة ولم تُعَدَّد الجُمَع في المساجد وذلك من أجل أن تنتبه لما يفعله الناس اليوم حيث يعَدِّدون الجُمَع، حتى أصبحت في بعض البلاد كأنها صلاة عادية؛ كأنها صلاة ظهر تقام في كل مسجد، وهذا ليس في بلادنا والحمد لله؛ لكن في البلاد الأخرى، وهذا خطأ، فإن من حكمة الشرع أن يجعل لمعتنقي الشرع يوماً في الأسبوع يجتمعون فيه، ويصدرون عن إمام واحد، وعن رأي واحد، فإذا تعدَّدت الجُمَع زالت هذه الحكمة.
стр. 1386
الجمع بين قوله تعالى: (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) وقول النبي ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
فسر بعضُهم قولَ الله تعالى في سورة الذاريات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٦] قالوا: المحسنون: هم الذين أحسنوا إلى الله ، وأحسنوا إلى الناس، فكيف نوفِّق بين قول الرسول ﷺ من حديث عبد الله بن عمر: (المسلم مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويده) وبين الآية؟ وهل يكون هذا التعريف الذي في الحديث هو للإسلام الخاص؟ الشيخ: لم أفهم وجه الإشكال! السائل: يا شيخ! الذي يحسن إلى العباد ويحسن إلى رب العباد هل يكون مطبقاً لهذا الحديث السابق، ويكون إسلامه إسلاماً خاصاً فقط؟ الشيخ: قوله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٦] الإحسان في هذه الآية: إما في عبادة الله، وإما في معاملة عباد الله.
فالإحسان في عبادة الله: بيَّنه الرسول ﵊، وقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
والإحسان في معاملة الخلق: فسَّره النبي ﷺ أيضاً بقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .
وقوله ﵊: (من أحب أن يزَحْزَح عن النار ويُدْخَل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتَى إليه) ، فهذا هو الإحسان في معاملة الخلق.
والإحسان في الآية الكريمة: ذَكَرَ الله تعالى صنفاً منه ونوعاً منه في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧-١٨] إلى آخر الآيات، فالمهم أن الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله.
أما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (المسلم مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويده) فهذا هو الإحسان في معاملة الناس.
стр. 1387
حكم الإعداد للجهاد
هل الإعداد للجهاد فرض عين أم فرض كفاية؟
الإعداد للجهاد ومباشرة الجهاد فرض كفاية، فلو وجدنا مثلاً أمة تستعد للجهاد في سبيل الله، وعندها ما يكفي صار في حق الآخرين سنة وليس بواجب، وإذا لم يوجد أحدٌ أَثِمَ الجميع في عدم الإعداد وعدم الجهاد.
لكن الأمر -كما ترى- في الوقت الحاضر ليس هناك صِدْقٌ مع الله، لا بالنسبة للناس، ولا بالنسبة لحكام الناس.
فأما الناس فتجدُ عامتهم وأكثرَهم غافلين عن هذا إطلاقاً، وليس عندهم استعداد، فهم في غفلة؛ بل لم يحصل منهم حتى جهاد أنفسهم عن محارم الله.
وأما الحكام فكما ترى، هم أيضاً غافلون عن هذا نهائياً، ولذلك أصبحت الأمة الإسلامية الآن أمةً ممزقة متفرقة، وأصبح الكفار هم الذين لهم السيطرة على العالم، ولا يمكن أن يكون لنا سيطرة على العالم وعلى الكفار إلا بالرجوع إلى الدين الذي بعث الله به محمداً ﷺ وتطبيقِه عقيدةً وقولاً وعملاً؛ في عبادة الله، وفي معاملة عباد الله، ولهذا لَمَّا قال أبو سفيان لـ هرقل ما يعلمه من صفات الرسول ﵊ ومعاملته، قال له هرقل: [إن كان ما تقولُه حقاً فسيملك ما تحت قدمي هاتين] .
فنحن الآن في حال يُرْثَى لها في الواقع، نسأل الله تعالى أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها.
السائل: هل للإنسان إذا توفرت له الفرصة للإعداد، وأعد نفسه للجهاد بالسلاح، هل يصير الجهاد في حقه فرض عين؟ الشيخ: هو فرض كفاية؛ لا يكون الجهاد فرض عين إلا في أحوالٍ معينة عيَّنها العلماء: الأولى: إذا حضر الصف: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥-١٦] ، وأخبر النبي ﵊ أن التولي يوم الزحف من الموبقات.
الثانية: إذا حاصر بلدَه العدو: فلا بد أن يدافع لفك الحصار عن بلده، وفي هذه الحال قال العلماء: إنه يكون فرض عين؛ لأن هذا كتقابل الصفَّين.
الثالثة: إذا استنفره الإمام: فلو قال: يا فلان اخرج، صار فرض عين، ولا يجوز أن يقول: مُرْ غيري، بل يجب أن يطيع.
الرابعة: إذا دَعَت الحاجة إليه بعينه: مثل أن يكون عارفاً بنوع من السلاح، ولا يستخدمه إلا مثلُه، فهنا يتعين عليه أن يباشِر القتال بهذا السلاح الذي لا يعرفه إلا هو.
هذه الأحوال الأربع هي التي ذكر العلماء أن الجهاد يكون فيها فرض عين، وما عدا ذلك فإنه فرض كفاية.
ثم إن كونه فرض كفاية أو فرض عين لا بد لها من شروط، أهمها: القدرة، فإن لم يكن عند الإنسان قدرة فإنه لا يُلْقِي بنفسه إلى التهلكة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] .
стр. 1388
كيفية الإفتاء في القضايا الخاصة
لو أن إنساناً طلق زوجته فقال لها: أنت طالقٌ طالقٌ طالقٌ طالق، أربع مرات، ثم خرج من المجلس الذي كان فيه هو وزوجته، فلحقه أخو الزوجة فقال: أنت طلقتها؟ قال: نعم، هي طالقٌ طالق، مرتين، ثم رجع بعد مدة وقال: أريد زوجتي، وقال: إني كنتُ غضباناً، فأريد إعادة زوجتي، فما الحكم يا شيخ؟
هذه قضية معينة ولا نفتي فيها بفتوى عامة؛ لكن نقول: مُرْ هذا الرجل الذي حصل منه هذا الكلام أن يتصل بنا أو بغيرنا من أهل العلم، ويسأل هو بنفسه، وإن كانت المسألة وقَعَتْ منك أنت فبعدما ينتهي المجلس أخبرك بالجواب -إن شاء الله-.
стр. 1389
الحكمة من تشابه الآيات في القرآن الكريم
يا شيخ! ما الحكمة من تشابه الآيات في القرآن الكريم؟ الشيخ: من أي ناحية؟ من ناحية المعنى أم من ناحية اللفظ؟ السائل: من ناحية اللفظ!
الحكمة من تشابه الآيات في القرآن الكريم من ناحية اللفظ هو: تكرار ما تفيد هذه الآيات من المعاني على النفوس، من أجل أن يهتم بها الإنسان، ولهذا تجد بعض السور تتكرر فيها الآية الواحدة عدة مرات، مثلاً: في سورة الرحمن كُرِّر قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] عدة مرات، أكثر من ثلاثين مرة، وفي سورة المرسلات كُرِّر قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥] ، وذلك من أجل الاهتمام والعناية بهذا الأمر.
نسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق لما يحبُّ ويرضى، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والسلام عليكم.
стр. 1390
لقاء الباب المفتوح [٤٣]
ضمن درس اللقاء فسر الشيخ ﵀ آخر جزء في سورة البروج، وذكر أن الكفر يصدق على كل من كفر بالمصطفى ﷺ ، ثم تحدث عن اللوح المحفوظ وأنواع الكتابة، وأشار إلى أن التمسك بالكتاب والسنة مصدر عزنا ومجدنا، وأجاب ضمن أسئلته عن سؤال يتعلق باقتناء الدشوش، وآخر عن إطلاق كلمة (مسيحيين) على النصارى.
стр. 1391
تفسير آيات من سورة البروج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني في هذا الشهر.
شهر جمادى الثانية عام (١٤١٤هـ) والذي يتم في كل خميس من كل أسبوع.
وقد حصل بهذا اللقاء -ولله الحمد- خير كثير؛ حيث انتفع الناس به، مِن الحاضرين، ومِن الذين يستمعونه عبر الشريط وغيره، ولا شك أن هذا من نعمة الله على عباده في هذا الزمن الذي ضعفت فيه الهمم، وقلَّ فيه الطالبون للعلم؛ لكن جاء الله تعالى بهذه الوسائل العظيمة الكثيرة السهلة، فيستطيع الإنسان أن ينتفع بالعلم وهو يمشي في سيارته، أو وهو يأكل؛ يتغدى ويتعشى، أو وهو يشرب القهوة، أو في أي حال.
ولقاؤنا هذا اليوم يشتمل على تفسير بقية سورة البروج ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١] ، وعلى ما يرد من أسئلة نجيب عنها بتوفيق الله .
стр. 1392
تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب)
انتهينا إلى قول الله ﵎ في سورة البروج: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:١٩-٢٠] .
قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) يشمل كل من كفر بالله ورسوله، سواء كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من غيرهم، وذلك لأن اليهود والنصارى الآن وبعد بعثة الرسول ﷺ ليسوا على دين، ولا تنفعهم أديانهم؛ لأن النبي ﷺ خاتم الأنبياء، فمن لم يؤمن به فليس على شيء من دينه؛ بل إنه سبق لنا أن مَن لم يؤمن برسول واحد من الرسل فهو كافر بجميع الرسل، فمثلاً: مَن لم يؤمن بنوح أنه رسول، ولو آمن بغيره من الأنبياء فإنه مكذب لجميع الأنبياء، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] فبين الله أن هؤلاء كذبوا جميع الرسل مع أنهم لم يكذبوا إلا رسولاً واحداً؛ إذْ أنه ليس قبل نوح رسول.
كذلك الذي كذب بمحمد ﷺ فهو مكذِّب لغيره من الرسل.
فإذا ادَّعت اليهود أنهم على دين، وأنهم يتبعون التوراة التي جاء بها موسى، نقول لهم: أنتم كافرون بِموسى، كافرون بالتوراة.
وإذا ادَّعت النصارى -الذين يُسَمُّون أنفسهم اليوم بالمسيحيين- أنهم مؤمنون بعيسى، قلنا لهم: كذبتم، أنتم كافرون بعيسى؛ لأنكم كافرون بمحمد ﵊.
والعجب أن هؤلاء اليهود والنصارى يكفرون بمحمد ﵊ مع أنهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] و ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أبناءهم؛ لكن العناد والكبرياء والحسد مَنَعَهم أن يؤمنوا بمحمد ﵊ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] .
فالحاصل أن قوله تعالى: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) يشمل كل من كفر بمحمد حتى من اليهود والنصارى، ولهذا قال النبي ﵊: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة -أي: أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما جئتُ به إلا كان من أصحاب النار) .
كل الكفار ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج:١٩] ، وقال: (فِي تَكْذِيبٍ) فجعل التكذيب كالظرف لهم، أي: أنه محيط بهم من كل جانب -والعياذ بالله-.
стр. 1393
تفسير قوله تعالى: (والله من ورائهم محيط)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] أي: أن الله تعالى محيط بهم من كل جانب، لا يشذُّون عنه، لا عن علمه، ولا سلطانه، ولا عقابه؛ ولكنه قد يُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته.
стр. 1394
تفسير قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد)
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] .
(بَلْ هُوَ) أي: ما جاء به الرسول ﵊.
(قُرْآنٌ مَجِيدٌ) أي: ذو عَظَمة ومجد، ووَصْفُ القرآن بأنه مجيد لا يعني أن المجد وصفٌ للقرآن نفسِه فقط، بل هو وصف للقرآن ولِمَن تحمَّل هذا القرآن فحمله، وقام بواجبه مِن تلاوته حق تلاوته، فإنه سيكون له المجد والعزة والرفعة.
وقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] يعني بذلك: اللوح المحفوظ عند الله الذي هو أم الكتاب، كما قال الله ﵎: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] ، هذا اللوح لو سألنا سائل: من أي مادة هو؟ نقول: الله أعلم! فلو قال: هل هو من خشب؟ أو من حديد؟ أو من زجاج؟ أو من ذهب؟ أو من فضة؟ لقلنا: لا ندري.
هو لوح كتب الله فيه مقادير كل شيء، ومن جملة ما كَتَبَ فيه: أن هذا القرآن سينزل على محمد ﷺ ، فهو في لوح محفوظ.
قال العلماء: محفوظ: لا يناله أحد، محفوظٌ عن التبديل والتغيير، والتبديل والتغيير إنما يكون في الكتب الأخرى؛ لأن الكتابة من الله أنواع، وأرجو أن تنتبهوا لهذا: النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ: وهذه الكتابة لا تُبَدَّل ولا تُغَيَّر، ولهذا سماه الله لوحاً محفوظاً، لا يمكن أن يُبَدَّل أو يُغَيَّر ما فيه، لأنه هو النهائي.
النوع الثاني: الكتابة على بني آدم وهم في بطون أمهاتهم:- لأن الإنسان في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر بعث الله إليه ملكاً موكَّلاً بالأرحام، فينفخ فيه الروح -بإذن الله-؛ لأن الجسد عبارة عن قطعة من لحم، إذا نفخت فيه الروح صار إنساناً، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقِه، وأجَلِه، وعملِه، وشقيٍّ أو سعيد.
النوع الثالث: الكتابة الحولية كل سنة:- وهي الكتابة التي تكون في ليلة القدر، فإن الله يقدر في هذه الليلة ما يكون في تلك السنة، قال الله ﵎: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] ، فيكتب في هذه الليلة ما يكون في تلك السنة.
النوع الرابع: كتابة الصحف التي في أيدي الملائكة:- وهذه الكتابة تكون بعد العمل.
والكتابات الثلاث السابقة كلها تكون قبل العمل، لكن الكتابة الأخيرة هذه تكون بعد العمل، يُكتَب على الإنسان ما يعمل من قول بلسانه، أو فعل بجوارحه، أو اعتقاد بقلبه، فإن الملائكة الموكلين بحفظ بني آدم -أي: بحفظ أعمالهم- يكتبون، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:٩-١٢] .
فهذه الكتابة الأخيرة تختلف عن الكتابات الثلاث السابقة؛ لأنها كتابةُ ما بعد العمل حتى يُكتَب على الإنسان ما عمل، فإذا كان يوم القيامة فإنه يُعطَى هذا الكتاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣-١٤] يعني: تُعطَى الكتاب، ويقال: أنت اقرأ، وحاسب نفسك، قال بعض السلف: لقد أنصفَك مَن جعلك حسيباً على نفسك.
وهذا صحيح، أيُّ إنصاف أبلغ من أن يقال لشخص: تفضَّل، هذا ما عملت، حاسِب نفسك! أليس هذا هو الإنصاف؟! أكبر إنصاف هو هذا.
فيوم القيامة تعطى هذا الكتاب منشوراً مفتوحاً أمامك ليس مغلقاً، تقرأ ويتبين لك أنك عملت في يوم كذا، في مكان كذا: كذا وكذا، فهو شيء محفوظ لا يتغير، وإذا أنكرتَ فهناك مَن يشهد عليك، ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور:٢٤] يقول اللسان: نطقتُ بكذا، ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤] تقول اليد: بطشتُ، وتقول الرجل: مشيتُ، بل يقول الجلد أيضاً، فالجلود تشهد بما لَمِسَت، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١] .
المهم الآن أن اللوح المحفوظ هو هذا اللوح الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء، وهو محفوظ من التغيير، محفوظ من أن يناله أحد، والله يعلم ما كَتَب فيه، وقلنا: إنه محفوظ لأنه لا يتغير، وما بأيدي الملائكة يتغير، وقلنا: إن الكتابات أربعة: الأولى: كتابة اللوح المحفوظ.
والثانية: كتابة الأجنة.
والثالثة: الكتابة الحولية، تكون في ليلة القدر.
والرابعة: كتابة الأعمال بعد وقوعها، وتكون هذه بأيدي الملائكة، عن اليمين واحد من الملائكة، وعن الشمال واحد، يسجلان على الإنسان كلَّ ما يقول، نحن الآن نسجل في شريط في المسجل، فلا يفوت شيء من كلامنا، حتى النَّفَس يُدْرَك بهذا الشريط.
فالملائكة أيضاً يكتبون كل شيء: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وقوله: ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨] يقول علماء البلاغة عنها: إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أيْ: أنَّ أيَّ قول تقوله فعندك رقيب عتيد حاضر لا يغيب عنك.
ويذكر أن الإمام أحمد ﵀ كان مريضاً، وكان يئن في مرضه من شدة المرض، فدخل عليه أحد أصحابه، وقال: يا أبا عبد الله إن طاوساً -وهو رجل من التابعين معروف- يقول: إن الملائكة تكتُب على الإنسان حتى أنينه في مرضه، فأمسك ﵀ عن الأنين.
فالأمر ليس بالأمر الهين.
نسأل الله تعالى أن يتولانا وإياكم بعفوه ومغفرته.
وإلى هنا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة التي ابتدأها الله تعالى بالقسم بالسماء ذات البروج، وأنهاها بقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] ، فمن تمسك بهذا القرآن العظيم فله المجد والعزة والكرامة والرفعة.
ولهذا ننصح أمتنا الإسلامية بادئين بأفراد شعوبها أن يتمسكوا بالقرآن العظيم، ونوجِّه الدعوة على وجهٍ أوكد إلى ولاة أمورها أن يتمسكوا بالقرآن العظيم، وألا يغرهم البهرج المزخرف الذي يَرِدُ من الأمم الكافرة التي تضع القوانين المخالفة للشريعة، المخالفة للعدل، المخالفة لإصلاح الخلق، أن يضعوا هذه القوانين موضع التنفيذ، ثم ينبذوا كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم، فإن هذا والله سبب التأخر، ولا أظن أحداً يتصور الآن أن أمة بهذا العدد الهائل تكون متأخرة هذا التأخر؛ وكأنها إمارة في قرية بالنسبة للدولة الكافرة؛ لكن سبب ذلك -لا شك- معلوم، وهو: أننا تركنا ما به عزتنا وكرامتنا وهو التمسك بهذا القرآن العظيم، وذهبنا نلهث وراء أنظمة بائدة، فاسدة، مخالفة للعدل، مبنية على الظلم والجور.
فنحن نناشد ولاة أمورنا، وأقصد بولاة أمورنا: ولاة أمور المسلمين جميعاً؛ لأننا أمة واحدة، وإن تفرقت بنا البلدان، واختلفت مِنَّا الألسن نناشدهم أن يتقوا الله ، وأن يرجعوا رجوعاً حقيقياً إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى يستتب لهم الأمن والاستقرار، وتحصل لهم العزة والمجد والرفعة، وتطيعهم شعوبهم، ولا يكون في قلوب شعوبهم عليهم شيء.
وذلك لأن الإنسان إذا أصلح ما بينه وبين ربه أصلح الله ما بينه وبين الناس، فإذا كان ولاة الأمور يريدون أن تُذْعِن لهم الشعوب وأن يطيعوا الله فيهم، فليطيعوا الله أولاً حتى تطيعهم أممهم، وإلا فليس من المعقول أن يعصوا الملك الأكبر، وهو الله ، ثم يريدون أن تطيعهم شعوبهم، هذا بعيد، بل كلما بعُد القلب عن الله بَعُد الناس عن صاحبهم، نسأل الله العافية، وكلما قَرُب من الله قَرُب الناس منه.
فنسأل الله أن يعيد لهذه الأمة الإسلامية مجدها وكرامتها، وأن يذل أعداء المسلمين في كل مكان، ونسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، وأن يعينهم على ما أصابهم من هؤلاء النصارى الذين لا يريدون أن تقوم للمسلمين قائمة في أي مكان، ونسأل الله أن يذل النصارى واليهود، وأن يكبتهم، وأن يردهم على أعقابهم خائبين، وكذلك كل عدو للمسلمين، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1395
الأسئلة
стр. 1396
مفاسد الاستراحات
يا شيخ! هناك شباب يجلسون في حوش، وبينهم وبين المسجد تقريباً كيلو أو كيلو إلا ربع، ويصلون بنفس الحوش، ويقولون: هل تجب علينا صلاة الجماعة؟! مع العلم أن بعضهم يخرج ويصلي مع الجماعة، فيصيروا متفرقين، بعضهم يصلي في الحوش، وبعضهم يصلي خارج الحوش! ثم بماذا تنصحهم على ذَهاب أوقات كثيرة عليهم من بعد العصر حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلاً وهم جالسون جلوساً لا ثمرة فيه ولا فائدة؟
هذه الظاهرة التي ذكرها السائل قد كان منها أن فتح الناس ما يسمى بالاستراحات، فعمروا أحواشاً وفيها شيءٌ من الأشجار أو النباتات، وصاروا يخرجون إليها من بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، أو قريباً من منتصف الليل، والغالب أنهم لا يحصلون على فائدة إلا مجرد ضياع الوقت، وأُنْسُ بعضِهم ببعض، وما أشبه ذلك، وقد تشتمل هذه الجلسات على شيء محرم، فقد سمعنا أن في بعض هذه الاستراحات دشوشاً، تلك التي لا يشك أحدٌ اليوم في أنها تدمر الأخلاق، وتدمر الأديان؛ لأنها تلتقط ما يُشاهَد على شاشة التلفاز بواسطتها مِمَّا يُبَث في البلاد الفاسدة من بلاد الكفر وغيرها.
فيكون عندهم هذا الدش، ثم يبقون يشاهدون ما يشاهدون فيه من المفاسد والمنكرات، فيزدادون بُعداً من الله -والعياذ بالله-وتسهل عليهم الأمور المنكَرة؛ لأنهم يمارسونها ويشاهدونها، ومن المعلوم أن من اعتاد على شيء هان عليه، ويقال في المثل السائر: (مع كثرة الإمساس يقل الإحساس) .
فهذه الاستراحات يحصل فيها مثل هذه المفاسد، وتحصل فيها مفسدة أخرى أيضاً وهي: ترك الصلاة مع الجماعة، فتجد هذا المكان قريباً من المسجد، ومع ذلك لا يصلون في المسجد، وإنما يصلون في مكانهم، مع أنهم يمكن أن يذهبوا إلى المسجد بكل راحة، ويرجعوا إلى المكان بكل راحة، فهم ليسوا كالذين هم في دائرة عمل، لو خرجوا إلى المسجد لتفرقوا ولتوزعوا ولتعطل العمل، أو في المدرسة لو خرج الطلاب إلى المسجد لانتثروا في المسجد، ولأساءوا إلى أهل المسجد، أو لتفرقوا إلى أهليهم ولم يصلوا، بمعنى: أننا لو عذرنا أصحاب المكاتب وأصحاب المدارس إذا صلوا في مكاتبهم ومدارسهم فإننا لن نعذر هؤلاء؛ لأن هؤلاء عدد محصور يمكن أن يذهبوا جميعاً ويرجعوا جميعاً، فلا عذر لهم -فيما نرى- في ترك الصلاة في المساجد، حتى لو صلوا جماعة؛ فإن ذلك لا يكفي عن حضور المسجد، لقول النبي ﵊: (لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار) .
قال: (إلى قوم) ، مع أن هؤلاء القوم ربما يقيمون الجماعة في مكانهم؛ لكن أراد الرسول ﷺ أن يحضروا إلى المسجد.
وقال لرجل حين استأذنه في ترك الحضور: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب!) .
فلو تبلغهم -جزاك الله خيراً- عني بأنه يجب عليهم أن يصلوا في المسجد ثم يرجعوا إلى مكانهم.
وكذلك أوجه النصيحة إلى من وضع الدش في هذه الاستراحات، وأقول له: اتقِ الله في نفسك، لا تكن سبباً لدمار الأخلاق، وفساد الأديان بما يُشاهَد في هذه الدشوش.
كما أنِّي -بالمناسبة- أحذر صاحب كل بيت من أن يضع في بيته مثل هذا الدش؛ لأنه سوف يُخَلِّفه بعد موته.
وإنِّي أسأل واضعَ الدش في بيته وهو يرى هذه المنكرات التي تُبَثُّ منه: هل هو بهذا ناصحٌ لبيته وأهله أم أنه غاشٌّ لهم؟! سيكون الجواب ولا بد: أنه غاش، إلا أن يكون ممن طبع الله على قلبه فلا يحس، فهذا شيء آخر؛ لكن سيقول: إنه غاش، فأقول له: اذكر قول الرسول ﵊: (ما من عبد استرعاه الله على رعية، فيموت حين يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة) .
فأنت الآن إذا مت وقد وضعت لأهلك هذا الدش الذي لا يَشُكُّ أحدٌ أنه غِشٌّ في البيت فإن البيت فيه نساء وفيه سفهاء من الصغار، لا يتحاشون الشيء المحرم، بمعنى أنه لو فُرِضَ أن إنساناً عاقلاً عنده هذا الدش، وليس في البيت أحد، ويقول: أنا أريد أن أطالع ما فيه مصلحة لي، أو أطالع أخبار الناس؛ ولكن إذا جاءت الأمور المنكَرة أقفلتُه، لو قال أحدٌ هكذا، لقلنا: ربما يكون لا بأس به، مع أنه على خطر أنَّ نفسَه تستدرجه فيقع في الهلاك، وعلى خطر من أنه إذا بقي بعد موته فسيرثه من لا يستخدمه إلا استخداماً سيئاً، ثم هو لا يدري متى يموت! لذلك نصيحتي لإخواني أن يبتعدوا عن هذا الدش، وأن يفروا منه فرارهم من الأسد، وإلا فكيف يليق بالإنسان أن يأتي بشيء يدمر أخلاقه وأخلاق أهله؟! نسأل الله العافية، اللهم عافنا.
السائل: فكيف يستفيد من وقته؟ الشيخ: أما قضاء الوقت، فتعرفون أن الوقت طويل من صلاة العصر إلى قريبٍ من منتصف الليل، لا سيما في أيام الصيف، فإن وقت العصر يطول، فهم لو كان عندهم مثلاً مسبح يقضون الوقت في السباحة، أو عندهم مثلاً أهداف يترامون عليها ولو بالبندقية الصغيرة التي تسمى (أم الحبة) ، وكذلك لو قضوا وقتهم في سباق على الأقدام، فكل هذا عمل طيب مريح للنفس، ثم يقرءون ما تيسر من كتب العلم النافعة، أو كتب القصص النافعة، وأهم من ذلك كله أيضاً أن يقرءوا سيرة النبي ﷺ ، وسِيَر خلفائه الراشدين.
стр. 1397
زيادة (أقصى) في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد
يا شيخنا! هناك بعض النُّسَخ من كتاب بلوغ المرام في حديث أنس بن مالك ﵁ (أن أعرابياً جاء إلى المسجد فبال في طائفة من المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما (أقصى) .
) ، هذه الكلمة الأخيرة لا توجد في الصحيحين!
إذا كانت لا توجد في الصحيحين وليس لها معنى فمعنى ذلك أن اللقطة فيها غلط مطبعي، فالصواب: (فلما قضى بوله.
) أي: انتهى منه.
فإن كانت النسخة عندك فأرجعها إلى صاحبها.
السائل: نتركها مرة أخرى.
الشيخ: لا، ليس في المرة الأخرى.
السائل: أنا أظن أنها في رواية أخرى.
الشيخ: ليست في رواية أخرى، وليس لها معنى.
стр. 1398
حكم تأجير المحلات أو غيرها للبنك أو لمن يقيم بها المحرم
كنتُ قد أفتيت عن البنك الذي يستأجر المحل الذي لا يوجد من يستأجره غيره، وقلتَ: إن ذلك حلال، وأنا عندي شك، ولا أدري هل الفتوى صحيحة أو غير صحيحة؟!
والله يا أخي أنا أنصحك أنه كلَّما مرَّ عليك شيء يُنسب إليَّ أو إلى غيري من العلماء وأنت تستنكره فكذِّبه، وقل لمن قال لك: أطالبك بصحة نقلك؛ لأنه يُنقل عنا كثيراً خطأ وكذب، ويُنقل عن غيرنا أيضاً.
أما بالنسبة للسؤال فأنا ما قلتُ هذا أبداً.
وأقول: إنه لا يجوز لإنسان أن يؤجر دكانه أو بيته على البنك حتى لو تعطل مائة سنة، لأن الله قال في كتابه العظيم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ، وتأجير المحلات للبنوك تعاونٌ على الإثم والعدوان، وإذا كان قد ثبت عن النبي ﵊ أنه (لعن آكلَ الربا، ومُوْكِلَه، وشاهدَيه، وكاتبَه) مع أن الشاهدَين والكاتب ليس لهم مصلحة إلا تثبيت الربا، فقد لعن الجميع وقال: (هم سواء) .
فخذ مني الآن: أنه لا يجوز أن تؤجَّر الأماكن على البنك؛ لأنه إنما وُضِع للربا، وهذا أصل وضعه، صحيحٌ أنه قد يكون له معاملات أخرى مباحة؛ لكن هو أصلاً مؤسَّسٌ للربا.
فبلِّغ الذي نقل عني هذا وقل: إني سألتُ فلاناً، فقال: هذا ليس بصحيح، ولا يجوز أن تؤجر البيوت أو الدكاكين لهذه البنوك حتى وإن تعطَّل مائة سنة.
السائل: حسناً -يا شيخ-! إذا أجَّرنا للبنك ففلوس البنك تكون حراماً، ولكن أي بنك من البنوك يا شيخ؟! الشيخ: البنوك الربوية معروفة.
السائل: وإذا أجَّرنا لحلاقين ودكاكين شرب الدخان؟! الشيخ: كل شيء تؤجره لمحرم فأنت شريك صاحبه في الإثم، وهو حرام عليك، حتى تأجير المكان للحلاق الذي يحلق اللحية حرام؛ لكن لو أجرته لحلاق على أنه يحلق الرءوس، ثم رأيته يحلق اللحى، فهذا الإثم عليه هو؛ لأن هناك فرقاً بين من استأجر الشيء ليعصي الله فيه وبين من استأجره فعصى الله فيه.
أفهمتم؟! هناك فرق بين من استأجر الشيء ليعصي الله فيه وبين من استأجره فعصى الله فيه.
فمثلاً: لو استأجر هذا الإنسان دكاناً للربا، فهذا حرام، وكذلك لو استأجره ليبيع فيه دخاناً، وكان يعرف المؤجر أنه استأجره ليبيع الدخان فيه، فهذا حرام أيضاًَ.
لكن لو استأجره لغرض مباح، ثم باع الدخان فيه، أو رابَى فيه، فليس عليه منه شيء.
السائل: وإذا اشترط في العقد؟ الشيخ: اشترط ماذا؟ السائل: أن لا يبيع فيه دخاناً أو ما شابهه؟ الشيخ: هذا طَيِّبٌ.
السائل: وهل له فسخ العقد؟ الشيخ: نعم.
له فسخه، فإذا اشترط عليه إذا أجَّره الدكان للحلاقة أن لا يحلق في لحيةً، ثم حلق، فله الفسخ.
стр. 1399
ضوابط إطلاق الكفر والشرك
هل مَن وقع في الشرك الأكبر؛ مثل: مَن استغاث بغير الله، أو نَذَر نَذْراً لغير الله، هل يقال: إنه كافر، أم يقال: لا بد من قيام الحجة عليه؟
كلُّ إنسان يقع في شرك ومثله يجهله فإنه لا يُحكم بشركه حتى تقوم عليه الحجة، كما أنَّ مَن وقع في معصية دون الشرك فإنه لا يُعاقب عليها إذا كان مثله يجهلها؛ فلو أن رجلاً زَنا وهو قريب عهد بالإسلام ولا يعلم أن الزنا حرام فإننا لا نقيم عليه الحد؛ لأنه جاهل، وكذلك الذي يستغيث بغير الله أو يدعو غير الله وهو جاهل ونعلم أن مثله يجهله فإنه لا يُحكم بكفره؛ لأن الآياتِ الصريحةَ كثيرة في أنه لا يُحكم بالكفر إلا بعد العلم، يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] ولا ظُلْم إلا بالعناد والمُشاقَّة.
ويقول تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، فبيَّن أنه لا حجة للخلق على الله إلا إذا أرسل الرسول، وأعلمهم بأن هذا حرام وهذا شرك.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] .
وقال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٥] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والإنسان لا يعرف ما حرَّم الله إلا بعلم مِن قِبَل الرسل.
فإذا كان هذا الإنسان مسلماً يصلي، ويصوم، ويزكي، ويحج، ويستغيث بغير الله وهو لا يدري أنه حرام، فهو مسلم؛ لكن بشرط أن يكون مثله يجهله، بحيث يكون حديث عهد بالإسلام، أو في بلادٍ انتشر فيها هذا الشيء، وصار عندهم كالمباح، وليس عندهم علماء يبينون لهم.
أما لو كان في بلدٍ التوحيدُ فيها ثابتٌ مطمئنٌ فإن ادعاءهَ الجهلَ قد يكون كاذباً فيه.
стр. 1400
مشيئة الله في التوبة على بعض العصاة دون البعض الآخر
فضيلة الشيخ! يوجد سؤال يتردد دائماً في ذهني وهو: أنَّا نرى اثنين مِن الناس يكونان في معصية واحدة يفعلانها جميعاً، ثم فجأة يموت أحدُهما، والآخر يبقى، فيتوب الآخر، رغم أن هذا الإنسان الذي ماتَ قد ماتَ على المعصية، ونحن لا نشك في عدل الله ؛ ولكن من أجل التوضيح والمعرفة والعلم، ودحر شبهات الشيطان، فكيف يجوز في عدل الله رغم أن الأعمار بيد الله ، كيف يجوز في عدله أن يمهل هذا حتى يتوب، وذاك لم يُمهل، بل توفاه الله ، فكانت هناك فرصة للثاني أن يتوب، والأول لم تكن له فرصة لكي يتوب، فكيف هذا؟!
أسألك: هل أماته الله لينتقم منه؟! السائل: لا.
إنما هو أجله الذي قدَّره الله.
الشيخ: هو أجلٌ مقدَّر، وكون الله يمد للثاني العمر فهو فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء، وأيضاً هذا الذي مات على معصية دون الشرك، هو تحت مشيئة الله أيضاً، إن شاء غَفَر له بدون شيء، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
ولا يخفاك الحديث الذي ثبت عن النبي ﵊ أنه ضرب مثلاً لأمته مع اليهود والنصارى برجل استأجر أُجَراءَ؛ جماعةً من الصبح إلى الظهر وأعطاهم أجرهم، وجماعةً من الظهر إلى العصر وأعطاهم أجرهم، وجماعةً من العصر إلى الغروب وأعطاهم مِثْلَي ما أعطى الأوَّلِين، أي: ضاعف لهم الأجر، فاحتج الأولون عليه: كيف تعطي هؤلاء مثلَينا أو مثلنا مرتين ونحن لا تعطينا مثلهم، قال: (هل أنا ظلمتكم شيئاً؟ قالوا: لا! قال: فهذا فضلي أوتيه من أشاء) ، بمعنى: أني استأجرتكم على عشرة عشرة، وأعطيتُ هؤلاء عشرين، ولا حق لكم عندي.
فالمهم أن المسألة ليس فيها إشكال أبداً، هذا مات بأجَلِه، والله لم يُمِتْه لينتقم منه، وهو أيضاً تحت مشيئة الله إذا كان ذنبه دون الشرك.
أما هذا الذي مُدَّ له في الأجل أيضاً، فقد يتوب وقد لا يتوب، وربما يزداد إثماً على إثمه.
стр. 1401
حكم جمع المال لغرض معين فينفق في غيره
هناك ما يعرف (ببطانية الشتاء) وتقوم بعض الجمعيات الخيرية بجمعها وتوزيعها على بعض المسلمين الذين يسكنون في المناطق الباردة، فتَجمع هذه الجمعيات ما يُعرف ببطانية الشتاء لتدفئة المسلم، فهل يمكن توسعة هذا النطاق؟! لأنه ما دام أن المقصود هو تدفئة المسلم، فإن بعض الأماكن يكون فيها الفقراء يحتاجون إلى ملابس شتوية مثلاً، أو يحتاجون إلى (بوتاجازات) أو ما شابهها للتدفئة، فيُشترى ذلك مِن الأموال التي جُمعت لشراء البطانيات؛ لأن المقصود واحد، وهو تدفئة المسلم؟
الأَولى أن يكون التعبير لهذه الجمعية بعبارة: (معونة الشتاء) ، فإذا قيل: معونة الشتاء صار صالحاً للبطانيات، والثياب، والبوتاجازات، وغيرها، فالأحسن أن يُعَدَّل شعار الجمع لهؤلاء، فيقال: (معونة الشتاء) ، أو (وقاية الشتاء) مثلاً.
أما ما جُمِع لغرض معين فإنه لا يُصْرَف إلا في هذا الغرض المعين ما لم يتعطل، فمتى جمعنا بطانيةَ الشتاء لقرية من القرى، واستغنت بنصف المبلغ، وتحتاج إلى ثياب أو تدفئة، فهذه لا بأس بها، وأما إذا كان عاماًَ والناس محتاجون إلى بطانيات، فإنه لا يجوز صرفها في جهة أخرى.
السائل: ولكن بعض الناس يحتاجون إلى الملابس للتدفئة، ولا يحتاجون إلى البطانيات! الشيخ: نعم؛ لكن الشعار أو العنوان الذي جُمع به هو: البطانية، والناس محتاجون لها.
السائل: ولكن المعنى واحد إذا بدِّلت البطانيات بغيرها! الشيخ: لا يصلح أبداً.
إلا إذا كان مشهوراً بين الناس أن معنى بطانية الشتاء هو: معونة الشتاء، ولهذا يُعَدَّل الشعار من الآن، ويقال: معونة الشتاء، أو ما أشبه ذلك.
стр. 1402
العلة في تحريم الغناء والموسيقى
سألني أجنبي سؤالاً في بداية إسلامه، حيث كان يسمع الأغاني ويحبها، فقال لي: لماذا حرم الإسلام الأغاني، رغم أن الموسيقى تريحني؟ فحاولتُ أن أشرح له فما استطعت! الشيخ: كلِّمه بلُغَتِه عن سؤالك هذا، واسأله: هل يوافق عليه أم لا؟ السائل: نعم، هو يقول: اكتفيتُ بجوابك في ذلك اليوم؛ لكنه يريد أن يقتنع.
الشيخ: دعه يسأل هو بلسانه من أجل أن يُسَجَّل.
السائل: هو يقول: لماذا الإسلام حرَّم الموسيقى؟
حرم الإسلام الموسيقى؛ لأنها تشذ بالقلب، وتأخذ به، وتلهيه عن ذكر الله، والإنسان إنما خُلِق ليعبد الله ، فإذا تعلق قلبُه بهذه المعازف وهي الموسيقى صَدَّه عن ذكر الله ، ولذلك تجد المشغوفين بهذه الموسيقى تجده وهو يمشي يقول هكذا بيده، كأنه يضرب على الموسيقى؛ لأنها شغلت فكرَه وقلبَه، والإسلام يريد من أهله أن يكون اتجاههم دائماً إلى الله .
стр. 1403
حكم تسمية النصارى بـ (المسيحيين)
فضيلة الشيخ! أحسن الله إليكم! يَرِدُ على ألسنة بعض المسلمين كلمة (مسيحية) حتى أنهم لا يميزون بين كلمتَي نصراني ومسيحي، حتى في الإعلام الآن يقولون عن النصارى: مسيحيين، فبدل أن يقولوا: هذا نصراني، يقولون: هذا مسيحي، فنرجو التوضيح لكلمة المسيحية هذه، وهل صحيحٌ أنها تطلق على ما ينتهجه النصارى اليوم؟
الذي نرى أن نسمي النصارى بالنصارى كما سماهم الله وكما هو معروف في كتب العلماء السابقين، كانوا يسمونهم: اليهود والنصارى؛ لكن لما قويت الأمة النصرانية بتخاذل المسلمين سَمَّوا أنفسهم بالمسيحيين ليُضْفوا على ديانتهم الصبغة الشرعية ولو باللفظ، وإلا فأنا على يقين أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﷺ بريء منهم، وسيقول يوم القيامة إذا سأله الله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] سيقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.
﴾ [المائدة:١١٦-١١٧] إلى آخر الآية.
سيقول هذا في جانب التوحيد.
وإذا سئل عن الرسالة فسيقول: يا رب! إني قلت لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] ، فهو مقرر للرسالات قَبْلَه، وللرسالة بَعْدَه ﵊.
فأمر أمته بمضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ولكن أمته كفََرَت ببشارته، وكفَرَت بما أتى به من التوحيد، فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] .
وقالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] .
وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] نسأل الله العافية.
الحاصل: أني أقول: إن المسيح عيسى بن مريم بريءٌ منهم، ومما هم عليه من الدين اليوم، وعيسى بن مريم يُلْزِمهم بمقتضى رسالته من الله أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ؛ ليكونوا عباداً لله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] .
стр. 1404
حكم الترحم على من مات وعنده خطأ عقدي
فضيلة الشيخ! بالنسبة للعلماء الذين وقعوا في بعض الأخطاء في العقيدة؛ كالأسماء، والصفات، وغيرها، تمر علينا أسماؤهم في الجامعة حال الدراسة، فما حكم الترحُّم عليهم؟ الشيخ: مثل مَن؟ السائل: مثل: الزمخشري، والزركشي، وغيرهما.
السائل: الزمخشري، والزركشي.
الشيخ: الزركشي في ماذا؟ السائل: في باب الأسماء والصفات!
على كل حال هناك أناس ينتسبون لطائفة معينة شعارها البدعة؛ كـ المعتزلة مثلاً، ومنهم الزمخشري، فـ الزمخشري مُعتزلي، ويصف المثْبِتِين للصفات بأنهم: حَشَوِية، مُجَسِّمة ويُضَلِّلهم فهو معتزلي، ولهذا يجب على مَن طالع كتابه الكشاف في تفسير القرآن أن يحترز من كلامه في باب الصفات؛ لكنه من حيث البلاغة والدلالات البلاغية اللغوية جيد، يُنْتَفع بكتابه كثيراً، إلا أنه خَطَرٌ على الإنسان الذي لا يعرف في باب الأسماء والصفات شيئاً.
لكن هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع؛ لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل ابن حجر العسقلاني والنووي رحمهما الله فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحاً تاماً مطلقاً من كل وجه، حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يُحْرَقَ فتح الباري؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح.
فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحداً قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله بحوله وقوته -ولا أَتَأَلَّى على الله- قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس, ويقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعاً عظيماً، وأتمنى أن يجعل الله لي كتاباً مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده.
فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتِدعان ضالان، لا يجوز الترحُّم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما! ويجب إحراق فتح الباري، وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال:
أَقِلُّوا عليهمُ لا أبا لأبيكمُ مِن اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله.
فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولـ ابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين.
وأمِّنوا على ذلك.
стр. 1405
حكم صلاة كسوف القمر في النهار
في يوم الإثنين القادم، الساعة السادسة والثلث صباحاً سيكسف القمر، هل يُصلَّى أم لا يُصلَّى؟
ومن الذي سيشاهده الساعة السادسة؟! السائل: في جميع مناطق المملكة سيُشاهَد.
الشيخ: ما شاء الله! السائل: سيُشاهَد مكتملاً، أي: يكون مكتملاً في منتصف الساعة السادسة صباحاً.
الشيخ: لا، لا، هو ربما سيبدأ الساعة السادسة.
السائل: هو يبدأ الساعة السادسة.
الشيخ: لكنه لا يُشْرَع حتى يضيق، ثم إن العلماء قالوا: إذا كسف في النهار فإنه لا يُصلَّى؛ لأن سلطانه قد زال، والناس لا يتخوفون منه إذا كان في النهار؛ لأنه سواءً كَسَفَ أو لم يَكْسف لن يظهر لهم.
следующие страницы →