← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حكم جمع المال لغرض معين فينفق في غيره هناك ما يعرف (ببطانية الشتاء) وتقوم بعض الجمعيات الخيرية بجمعها وتوزيعها على بعض المسلمين الذين يسكنون في المناطق الباردة، فتَجمع هذه الجمعيات ما يُعرف ببطانية الشتاء لتدفئة المسلم، فهل يمكن توسعة هذا النطاق؟! لأنه ما دام أن المقصود هو تدفئة المسلم، فإن بعض الأماكن يكون فيها الفقراء يحتاجون إلى ملابس شتوية مثلاً، أو يحتاجون إلى (بوتاجازات) أو ما شابهها للتدفئة، فيُشترى ذلك مِن الأموال التي جُمعت لشراء البطانيات؛ لأن المقصود واحد، وهو تدفئة المسلم؟ الأَولى أن يكون التعبير لهذه الجمعية بعبارة: (معونة الشتاء) ، فإذا قيل: معونة الشتاء صار صالحاً للبطانيات، والثياب، والبوتاجازات، وغيرها، فالأحسن أن يُعَدَّل شعار الجمع لهؤلاء، فيقال: (معونة الشتاء) ، أو (وقاية الشتاء) مثلاً. أما ما جُمِع لغرض معين فإنه لا يُصْرَف إلا في هذا الغرض المعين ما لم يتعطل، فمتى جمعنا بطانيةَ الشتاء لقرية من القرى، واستغنت بنصف المبلغ، وتحتاج إلى ثياب أو تدفئة، فهذه لا بأس بها، وأما إذا كان عاماًَ والناس محتاجون إلى بطانيات، فإنه لا يجوز صرفها في جهة أخرى. السائل: ولكن بعض الناس يحتاجون إلى الملابس للتدفئة، ولا يحتاجون إلى البطانيات! الشيخ: نعم؛ لكن الشعار أو العنوان الذي جُمع به هو: البطانية، والناس محتاجون لها. السائل: ولكن المعنى واحد إذا بدِّلت البطانيات بغيرها! الشيخ: لا يصلح أبداً. إلا إذا كان مشهوراً بين الناس أن معنى بطانية الشتاء هو: معونة الشتاء، ولهذا يُعَدَّل الشعار من الآن، ويقال: معونة الشتاء، أو ما أشبه ذلك.

стр. 1402

العلة في تحريم الغناء والموسيقى سألني أجنبي سؤالاً في بداية إسلامه، حيث كان يسمع الأغاني ويحبها، فقال لي: لماذا حرم الإسلام الأغاني، رغم أن الموسيقى تريحني؟ فحاولتُ أن أشرح له فما استطعت! الشيخ: كلِّمه بلُغَتِه عن سؤالك هذا، واسأله: هل يوافق عليه أم لا؟ السائل: نعم، هو يقول: اكتفيتُ بجوابك في ذلك اليوم؛ لكنه يريد أن يقتنع. الشيخ: دعه يسأل هو بلسانه من أجل أن يُسَجَّل. السائل: هو يقول: لماذا الإسلام حرَّم الموسيقى؟ حرم الإسلام الموسيقى؛ لأنها تشذ بالقلب، وتأخذ به، وتلهيه عن ذكر الله، والإنسان إنما خُلِق ليعبد الله ، فإذا تعلق قلبُه بهذه المعازف وهي الموسيقى صَدَّه عن ذكر الله ، ولذلك تجد المشغوفين بهذه الموسيقى تجده وهو يمشي يقول هكذا بيده، كأنه يضرب على الموسيقى؛ لأنها شغلت فكرَه وقلبَه، والإسلام يريد من أهله أن يكون اتجاههم دائماً إلى الله .

стр. 1403

حكم تسمية النصارى بـ (المسيحيين) فضيلة الشيخ! أحسن الله إليكم! يَرِدُ على ألسنة بعض المسلمين كلمة (مسيحية) حتى أنهم لا يميزون بين كلمتَي نصراني ومسيحي، حتى في الإعلام الآن يقولون عن النصارى: مسيحيين، فبدل أن يقولوا: هذا نصراني، يقولون: هذا مسيحي، فنرجو التوضيح لكلمة المسيحية هذه، وهل صحيحٌ أنها تطلق على ما ينتهجه النصارى اليوم؟ الذي نرى أن نسمي النصارى بالنصارى كما سماهم الله وكما هو معروف في كتب العلماء السابقين، كانوا يسمونهم: اليهود والنصارى؛ لكن لما قويت الأمة النصرانية بتخاذل المسلمين سَمَّوا أنفسهم بالمسيحيين ليُضْفوا على ديانتهم الصبغة الشرعية ولو باللفظ، وإلا فأنا على يقين أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﷺ بريء منهم، وسيقول يوم القيامة إذا سأله الله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] سيقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. ﴾ [المائدة:١١٦-١١٧] إلى آخر الآية. سيقول هذا في جانب التوحيد. وإذا سئل عن الرسالة فسيقول: يا رب! إني قلت لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] ، فهو مقرر للرسالات قَبْلَه، وللرسالة بَعْدَه ﵊. فأمر أمته بمضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ولكن أمته كفََرَت ببشارته، وكفَرَت بما أتى به من التوحيد، فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] . وقالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] . وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] نسأل الله العافية. الحاصل: أني أقول: إن المسيح عيسى بن مريم بريءٌ منهم، ومما هم عليه من الدين اليوم، وعيسى بن مريم يُلْزِمهم بمقتضى رسالته من الله أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ؛ ليكونوا عباداً لله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] .

стр. 1404

حكم الترحم على من مات وعنده خطأ عقدي فضيلة الشيخ! بالنسبة للعلماء الذين وقعوا في بعض الأخطاء في العقيدة؛ كالأسماء، والصفات، وغيرها، تمر علينا أسماؤهم في الجامعة حال الدراسة، فما حكم الترحُّم عليهم؟ الشيخ: مثل مَن؟ السائل: مثل: الزمخشري، والزركشي، وغيرهما. السائل: الزمخشري، والزركشي. الشيخ: الزركشي في ماذا؟ السائل: في باب الأسماء والصفات! على كل حال هناك أناس ينتسبون لطائفة معينة شعارها البدعة؛ كـ المعتزلة مثلاً، ومنهم الزمخشري، فـ الزمخشري مُعتزلي، ويصف المثْبِتِين للصفات بأنهم: حَشَوِية، مُجَسِّمة ويُضَلِّلهم فهو معتزلي، ولهذا يجب على مَن طالع كتابه الكشاف في تفسير القرآن أن يحترز من كلامه في باب الصفات؛ لكنه من حيث البلاغة والدلالات البلاغية اللغوية جيد، يُنْتَفع بكتابه كثيراً، إلا أنه خَطَرٌ على الإنسان الذي لا يعرف في باب الأسماء والصفات شيئاً. لكن هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع؛ لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل ابن حجر العسقلاني والنووي رحمهما الله فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحاً تاماً مطلقاً من كل وجه، حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يُحْرَقَ فتح الباري؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح. فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحداً قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله بحوله وقوته -ولا أَتَأَلَّى على الله- قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس, ويقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعاً عظيماً، وأتمنى أن يجعل الله لي كتاباً مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتِدعان ضالان، لا يجوز الترحُّم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما! ويجب إحراق فتح الباري، وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال: أَقِلُّوا عليهمُ لا أبا لأبيكمُ مِن اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولـ ابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين. وأمِّنوا على ذلك.

стр. 1405

حكم صلاة كسوف القمر في النهار في يوم الإثنين القادم، الساعة السادسة والثلث صباحاً سيكسف القمر، هل يُصلَّى أم لا يُصلَّى؟ ومن الذي سيشاهده الساعة السادسة؟! السائل: في جميع مناطق المملكة سيُشاهَد. الشيخ: ما شاء الله! السائل: سيُشاهَد مكتملاً، أي: يكون مكتملاً في منتصف الساعة السادسة صباحاً. الشيخ: لا، لا، هو ربما سيبدأ الساعة السادسة. السائل: هو يبدأ الساعة السادسة. الشيخ: لكنه لا يُشْرَع حتى يضيق، ثم إن العلماء قالوا: إذا كسف في النهار فإنه لا يُصلَّى؛ لأن سلطانه قد زال، والناس لا يتخوفون منه إذا كان في النهار؛ لأنه سواءً كَسَفَ أو لم يَكْسف لن يظهر لهم.

стр. 1406

ضابط العدل بين الأبناء ذكوراً وإناثاً نحن قادمون من الرياض، ووُدَّنا أن نلقي هذا السؤال: بالنسبة للعدل في العطايا بين الذكور والإناث، وكذلك الابن الذكر الذي يعمل مع والده في المحل أو المتجر، كيف تكون معاملته؟ العدل -بارك الله فيك- بين الذكور والإناث يكون بما عدل الله به : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، فإذا أعطيتَ الذكر ريالين، فأعطِ الأنثى ريالاً. لكن النفقة العدلُ فيها أن تعطي كل واحد ما يحتاج، فقد تحتاج الأنثى إلى خروص في أذُنَيها قيمتها مثلاً: (٢٠٠) ريال، والذكر يحتاج إلى طاقية قيمتها مثلاً: (١٠) ريالات، إن كانت من الطاقيات الجيدة، وإلَاّ فهي -كما أظن- بريالين. فعلى كل حال أعطِ هذا ما يحتاج وهذه ما تحتاج. كما أنه لو احتاج أحدهما إلى الزواج زوِّجه، ولا تعطِ الآخرين مثله، إلا مَن بلغ حدَّ الزواج فزوِّجه. هذه هي مسألة النفقة. فالنفقة: العدل فيها أن تعطي كل واحد ما يحتاج. وأما التبرع المحض فهو: أن تعطي الذكر مِثْلَي ما تعطي الأنثى. أما من كان يشتغل مع أبيه في تجارته أو فلاحته فإن تبرع بذلك وأراد ثوابه من عند الله، فثواب الآخرة خير. وإن قال: أنا أريد من الدنيا ما أريد، كما أن إخواني كل واحد منهم يشتغل لنفسه ويشتغل بماله، فهذا يجعل له والده إما أجرة شهرية، وإما نسبة من الأرباح؛ ولكن يَعُدُّه كأنه رجل أجنبي، وليس كأنه ولده، بل كأنه رجل أجنبي استأجره، فمثلاً: إذا كان مِثْلُه يُعطَي الأجنبي مرتبَ (٢٠٠٠) ريال، فليُعطِه (٢٠٠٠) ريال في الشهر، أو إذا كان مثلاً معه في فلاحته فليقُل له مثلاً: لك نصف الحاصل من المنتَج، أو ربعَه، أو ما أشبه ذلك، أو حسب ما يتفقان عليه، بشرط أن لا يحابيه.

стр. 1407

حكم الألعاب والموسيقى في الكمبيوتر نحن مَجموعة من الشباب جئنا لزيارتكم من الرياض حباً في الله، نسأل الله أن يتقبل منا، ومنكم. فأثناء زياراتنا -الحقيقة- في الرياض نجد بعض الشباب مجتمعين على بعض الألعاب، هذه الألعاب فيها أجهزة، مثل الحاسب الآلي الذي يسمى: الكمبيوتر، فيكون في هذا الحاسب بعض المعلومات التي تفيدهم، وبعضها تكون ألعاباً فقط، فنجدهم في زياراتنا يجلسون على هذه الأشياء، وأثناء الألعاب تظهر بعض الموسيقى من حين لآخر، وكانوا يستفسرون عن هذا الشيء! فنريد الإجابة منكم؟ أما إذا كان هذا الحاسب الآلي أو الكمبيوتر يفيد فهذا طيب، وهذا ربما قد يكون من جملة ما ينبغي أن يُقْتَرح على الذين يقومون على الاستراحات التي سأل عنها الأخ أولاً. وأما الشيء الذي لا يفيد فهو لغوٌ من القول، وهو محسوب على الإنسان من عمره. وأما المحرم فيجب الامتناع عنه، فالموسيقى هذه إذا جاءت يجب أن يخفض الصوت حتى لا تُسْمَع. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. جعلني الله وإياكم ممن ينتفعون بالعلم، ويعملون به، إنه على كل شيء قدير.

стр. 1408

لقاء الباب المفتوح [٤٤] في هذه المادة تحدث الشيخ عن يسر الشريعة وسماحتها، ثم بيان صفة المسح على الخفين والجبيرة، وبعد ذلك أجاب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.

стр. 1409

بيان سماحة الشريعة الإسلامية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأسبوعي الثالث لشهر جمادى الثانية عام: (١٤١٤هـ) والذي يتم في كل يوم خميس، نسأل الله أن ينفع به. وقد أتممنا الكلام عن تفسير سورة البروج في اللقاءات الماضية. أما اليوم فأرى أن نتكلم عما يتعلق بالوقت، وهو: مسح الجوارب والخفين؛ لأن زمن الشتاء عند العامة بدأ منذ يومين. فنقول: إن الله جعل هذا الدين يسراً، فقال الله في كتابه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] . وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الدين يسر) . وقال ﷺ وهو يبعث البعوث للدعوة إلى الله: (إنما بعثتم مُيَسِّرين ولم تبعثوا مُعَسِّرين، فيسِّروا ولا تعسِّروا) . وهذه القاعدة العامة في الدين الإسلامي كل شرائع الإسلام تشهد لها، فأصل الشرائع يسيرة سهلة، ثم إذا طرأ ما يوجب التيسير تيسرت، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ عمران بن حصين: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] . وفي أثناء الآيات قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] . وفي الحج قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: فلا يحلقه، وعليه ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] . والقاعدة العامة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] . كلها تعتبر طريقاً يجب على المسلم أن يسير عليه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .

стр. 1410

وجوب الوضوء على كل محدث أراد الصلاة ومن يسر الله أنه فرض الوضوء عند إرادة الصلاة على كل مَن أحدث، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] . ولهذا ينبغي لنا ونحن نتوضأ أن نستشعر أننا نمتثل أمر الله، كأن الله تعالى يخاطبنا الآن، فيقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] حتى نكون بذلك مخلصين لله ، وأن نستشعر أننا نقتدي بالرسول ﵊ حتى تتحقق لنا المتابعة، أعني: كأن الرسول أمامنا الآن يتوضأ، فنحن نتبعه بذلك ليتحقق لنا بهذه العبادة الإخلاص والمتابعة، وهكذا بقية العبادات. فيجب الوضوء، والواجب منه ما ذكره الله في القرآن: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] وجاءت السنة مبينة لبعض الإبهام في هذه الآية وهي: المضْمَضَة والاستنشاق، فإنهما واجبان في السنة، وهما داخلان في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ؛ لأن الأنف والفم جزء من الوجه، وكذلك الأذنان، جاءت السنة ببيان مسحهما مع الرأس، وذلك لأنهما من الرأس، فعلى هذا لا بد من المضمضة والاستنشاق، ولا بد من مسح الأذنين. هذه هي الوجبات في الوضوء؛ لكن الوضوءَ الأكملَ، هو ما توفر فيه الآتي: - النية: وهذه لا بد أن تقترن بكل عمل. - البسملة. - غسل الكفين ثلاثاً قبل غسل الوجه. - البدء بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه. - تخليل اللحية الكثيفة التي لا تصف البشرة، وغسل اللحية إلى أصول الشعر إذا كانت تصف البشرة؛ لأنها لا تغطي البشرة، فتغسل من جهة البشرة التي لا تغطيها هذه اللحية. - التثليث في الأعضاء ما عداء الرأس أحياناً وفي الأكثر الأغلب، وأحياناً يقتصر الإنسان على مرة، وأحياناً على مرتين، وأحياناً يفرِّق، فيغسل الوجه ثلاثاً، واليدين مرتين، والرجلين مرة، كما جاءت بذلك السنة.

стр. 1411

شروط المسح على الخفين ومن نعمة الله وتيسيره في هذا الوضوء أنه إذا كان على الرجلين ما يسترهما من جوارب أو خفين وهما (الكنادر) فإن الإنسان يمسح عليهما؛ لكن في مدة محددة كما سيُبَيَّن وبشروط:

стр. 1412

أن يلبسهما على طهارة لقول النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة لما أهوى لينزع خفيه، قال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما. فإن لبسهما على غير طهارة لم يجز المسح، ولو نسي فمسح فإنه يلزمه إعادة الوضوء، وغسل الرجلين، وإعادة الصلاة؛ لأنه صلى على غير طهارة.

стр. 1413

أن يكون المسح في الحَدَث الأصغر لا في الأكبر ودليله حديث صفوان بن عسال، قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْراً -يعني: مسافرين- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة؛ ولكن من غائط، وبول، ونوم) فإذا حصل على الإنسان جنابة وعليه جوارب وَجَبَ عليه أن يخلعهما، وأن يغسل قدميه؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى وهي الغسل من الجنابة ليس فيها مسح إلا إذا كانت هناك جبيرة، ولهذا لا يُمسح الرأس فيها، بل يجب أن يُغسل غسلاً تاماً.

стр. 1414

أن تكون الجوارب أو الخفاف طاهرة فلا يصح المسح على النجس؛ لأن النجس لا يزيد بالمسح عليه إلا خبثاً وتلويثاً لليد التي باشرت النجاسة؛ ولأن الإنسان في الغالب يمسح ليُصَلي، ولا صلاة في الشيء النجس، والدليل على أنه لا صلاة في الشيء النجس: (أن رسول الله ﷺ كان ذات يوم يصلي بأصحابه، فخلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم سألهم: لماذا خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً) أي: أنه خلعها من أجل ذلك، وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون الملبوس طاهراً.

стр. 1415

أن يكون في الوقت المحدد شرعاً الوقت المحدد شرعاً هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وتبتدئ هذه المدة من أول مرة مَسَحَ بعد الحدث، فإذا لَبِسها من صلاة الفجر مثلاً، وتوضأ لصلاة الظهر ومسحها، فابتداء المدة من الظهر، أي: من الوقت الذي مسح فيه، حتى يأتي مثله من اليوم التالي إذا كان مقيماً، أو في اليوم الثالث إذا كان مسافراً، فهي ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. والحكمة في هذا واضحة؛ لأن المسافر أحوج إلى ستر قدمه من المقيم. هذه هي شروط المسح على الجوربين، أو على الخفين، وما عدا ذلك من الشروط التي ذكرها بعض الفقهاء فإنه ليس عليها دليل، وإنما هي تعاليم استنبطها الفقهاء تُسَلَّم لهم أو لا تُسَلَّم؛ لكن هذه هي الشروط التي يطمئن إليها الإنسان، وأنه لا بد من أن تتوفر في جواز المسح على الخفين أو الجوربين.

стр. 1416

المسح على الجبيرة أما ما يتعلق بالجبيرة على جرح أو على كسر؛ فإذا كانت على جرح فالعلماء يقولون: يُتَّبَع ما يلي: أولاً: يغسل الجرح بالماء. ثانياً: فإن كان يضرُّه مسحه، أي: بلَّ يدَه ومسح عليه. ثالثاً: فإن كان يضره المسح، أو كان قد لُفَّ عليه شيء، فإنه يمسح هذه اللفافة في الحدثين الأصغر والأكبر، وكذلك اللَّصْقة على وَجَعٍ في الظهر أو في الرقبة أو ما أشبه ذلك، فإنه يمسح عليها في الحدثين الأصغر والأكبر. رابعاً: فإن لم يكن هذا؛ بمعنى أن الجرح طريٌّ لا يمكن أن يُلَفَّ عليه، ولا يمكن أن يُمْسَحَ بالماء، فإنه يتيمم عنه. فهذه مراتبٌ: غسلُه. ثم مسحه. ثم مسح اللفافة. ثم التيمم. وهذا يجوز في الحدث الأصغر وفي الحدث الأكبر؛ لأنها ضرورة فتتقدَّر بقَدْرها، حتى لو بقيت أياماً أو شهوراً، فإن الحكم لا يزال باقياً؛ لأن الحكم يتقدر بقدره. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1417

الأسئلة

стр. 1418

حكم الطهارة إذا خلع الجورب بعد مسحه إذا مسح الشخص على الجورب، ثم نزعه، هل تنتقض طهارته؟ إذا مسح الجورب، ثم نزعه، فإنه طهارته لا تنتقض؛ بل هي باقية حتى يُحْدِث، فإذا طُلِب منا الدليل، قلنا: الدليل على من قال: إنها تنتقض؛ لأن هذه طهارة ثبتت بالشرع، فلا تنتقض إلا بدليل من الشرع، وليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن خَلْع الجورب بعد مسحه ينقض الطهارة، فيبقى على طهارته حتى يُحْدِث، ثم يتوضأ.

стр. 1419

جواز تغيير الشيب بالحناء الأحمر مع الكتن الأسود هل يجوز خلط الحناء الأحمر مع الكَتَن الأسود، ووضعُه على شيب اللحية، وبعد الوضع يكون لون اللحية من بعيد أسود، ومن قريب يتضح ويميل لونه إلى البُنِّي الغامق؟ السنة تغيير الشيب بالحناء، أو بالحناء والكَتَن، فإذا غيَّره بالحناء فإن الحناء يكون لونه أصفر، وإذا غيَّره بالحناء والكَتَن صار بين الحمرة والسواد، فلا بأس به، ولا حرج إن شاء الله.

стр. 1420

العلاج الصحيح لمن أصابه مس الجان فضيلة الشيخ! أحد إخواننا بعث إلينا بسؤال يقول فيه: نحن في حاجة إلى الدعاة، ومع ذلك فإن أحدنا انشغل بعلاج الممسوسين بالجن، فهل يجوز تعطيل الدعوة من أجل هذا العمل؟ وكيف يكون العمل الصحيح لعلاج الممسوس؟ وهل يجوز اشتراط أخذ المال، بحيث لا يعالِج بغيره؟ الدعوة إلى الله فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، فإن تعينت على الشخص بحيث لا يقوم غيره مقامه، فإنها مقدمة على القراءة على مَن به مس من الجن؛ وذلك لأن مصلحة الدعوة مصلحة مُتَيَقَّنة، ومصلحة القراءة على من به مس من الجن مصلحة غير مُتَيَقَّنة، وكم من إنسان قرئ عليه ولم يستفد شيئاً! فيُنْظَر! إذا كانت الدعوة مُتَعَيَّنة على هذا الرجل، لا يقوم غيره مقامه فيها، فإنه يجب عليه أن يدعو، ولو ترك القراءة على من به مس من الجن؟ أما إذا كانت فرض كفاية فيَنْظُر إلى الأصلح، وإذا أمكن أن يجمع بينهما، وهو الظاهر أنه يمكن الجمع بينهما، بأن يخصِّص لهذا يوماً ولهذا أياماً حسب الأهمية، فيحصل منه الإحسان إلى إخوانه الذين أصيبوا بهذه المصيبة، ومع ذلك يستمر في الدعوة إلى الله ، فإن حصل الجمع بينهما ما أمكن فهو الأولى. أما العلاج الصحيح للممسوس بالجن فإنه يختلف؛ لكن أحسن ما يكون أن يُقْرَأ عليه القرآن؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَاّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٣-٣٦] لأن هذا تَحَدٍّ لهم أنهم لا يستطيعون الفرار من الله ، وكذلك يُقْرَأ عليهم المعوذتين وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وآية الكرسي، وكذلك يتكلم معهم بالموعظة، كما يُذكر عن شيخ الإسلام أنه كان يعظهم، ويقول لهم: هذا حرام عليكم، ولا يحل لكم أن تؤذوا المسلمين، أو تظلموهم، أو ما أشبه ذلك. أما أخْذ المال فإنه إذا لم يأخذ المال فهو أفضل وأقرب إلى الإخلاص والنفع، وإن أخذه بدون شرط فلا بأس، وإن كان هؤلاء الذين قرأ عليهم قد تركوا ما يجب عليهم للقارئ، وأبى أن يقرأ إلا بعوض فلا بأس، كما فعل أهل السرية الذين بعثهم النبي ﵊، فنزلوا على قوم فلم يضيِّفوهم، فأرسل الله تعالى على سيدهم عقرباً فلدغته، فطلبوا من يقرأ، فقالوا: لعل هؤلاء القوم الذين نزلوا بكم يقرءون، فأتوا إليهم، فقالوا: لا نقرأ عليه إلا بكذا وكذا -بقطيع من الغنم-، فأجاز هذا النبي ﷺ .

стр. 1421

أيهما أولى: متابعة الإمام في الزيادة في الصلاة أم مخالفته ؟ حدث معنا مَرَّةً في الصلاة -يا شيخ- التالي: صلى بنا الإمام -جزاه الله خيراً- وفي بدء الركعة الثانية تدارك أنه ليس على طهارة، فانسحب وأحضر المؤذنَ، وقال له: أعد الصلاة، فكبر، وأعاد الصلاة من أولها، فجميع المصلين المأمومين صلوا خمساً؛ لأنهم احتاروا ماذا يفعلون! إلا ثلاثة فقط صلوا الرباعية وخالفوا الإمام الثاني، فأكملوا أربع ركعات، ولم يزيدوا الخامسة معه، أي: أنهم جلسوا بعد تمام أربع ركعات ولم يواصلوا مع الإمام الثاني، وبعد ذلك تقدم أحد الإخوة من الذين عندهم بعض العلم، فقال للإخوان الذين صلوا خمس ركعات: عليكم جميعاً أن تعيدوا صلاتكم، فقال له أحد الإخوة: إنهم احتاروا، وما كان عليهم إلا أن يتابعوا الإمام الثاني سلامةً، فهل يعتبر أنهم تعمدوا الخامسة، ولذلك عليهم الإعادة؟ أم أن متابعتهم للإمام الثاني كانت من باب الحيطة، ولذلك ليس عليهم إلا سجود السهو؟ فما هو الأفضل؟ الأفضل في هذه الصورة إذا تذكر الإمام أنه ليس على طهارة أن يُخَلِّف مَن يصلي بهم بقية الصلاة بدون استئناف، فيقول مثلاً للمؤذن أو لمن وراءه ممن يمكن أن يصلي بالجماعة: يا فلان! تقدم فأكمل الصلاة بهم، ثم يكمل الصلاة بهم، ويبني على ما فعله الإمام الأول، إلا أنه في قراءة الفاتحة ينبغي أن يقرأها من أولها؛ ليكون الركن من إمام واحد، والباقي يكمله على ما هو عليه. هذا هو الأفضل. وإذا لم يفعل هذا بأن انصرف ولم يوكل أحداً ليقوم مقامه، فللمأمومين أن يقدموا واحداً منهم يكمل بهم، فإن لم يفعلوا أتموا فرادى. وأما استئناف الصلاة فقد قال به بعض أهل العلم؛ لكن لا وجه له؛ لأن المأمومين معذورون، لا يدرون عن حَدَث الإمام، ولو علموا بحدث الإمام ما صلوا وراءه، ولَنَبَّهوه قبل أن يصلي بهم. أما بالنسبة لهؤلاء الذين صلوا خمساً بناءً على أن هذا هو الواجب عليهم فليس عليهم شيء، ولا تلزمهم الإعادة؛ لأنهم معذورون بالجهل، ومجتهدون متأولون، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] والمتاول لا سيما الباني على أصل ليس عليه شيء، ولهذا لم يأمر النبي ﵊ المرأة المستحاضة أن تقضي ما فاتها من الصلاة التي كانت تتركها بناءً على أن الاستحاضة حيض، وكذلك ليس عليهم سجدةُ سهو؛ لأنهم لم يسَهَوا.

стр. 1422

حكم تجهيز المحلات وتأجيرها هناك معاملة انتشرت عند الكثير تسمى: بتجهيز المحلات؛ وصورتها: أن يأتي رجل إلى صاحب دكان كقطع غيار مثلاً أو ما شابه ذلك، فيقول له: سآخذ منك المحل ثلاث سنوات، وأعطيك كل شهر (١٠. ٠٠٠) ريال، وبعد ثلاث سنوات أردُّ إليك المحل بالبضاعة التي استلمتُها منك كاملة، فما حكم هذه المعاملة؟ أحسن الله إليكم! الشيخ: إذا أخذ المحل يحصل البيع؟ السائل: لا. لا يحصل عقد بيع، بل صورتها أن يأتي إليه ويقول له: آخذ منك المحل لمدة ثلاث سنوات، وأعطيك كل شهر (١٠. ٠٠٠) ريال، أو (٨٠٠٠) ريال بحسب ما يتفقان عليه، وبالطبع لا يزيد على المبلغ المتفق عليه من دخل هذا المحل، وبعد الثلاث سنوات أردُّ إليك المحل كما كان بما فيه من بضاعة، وكأن صورتها في الظاهر صورة تجارة! الشيخ: الأغراض التي في المحل لِمَن؟ السائل: هي للمالك الأول، بدليل أنه سوف يردها إليه بعد ثلاث سنوات كاملة! هذا عقدٌ لا يصح -في الواقع-، إلا إذا قال: ثَمِّن الأغراض الموجودة الآن، وتكون في ملك الثاني، ويعطيه كل شهر (١٠. ٠٠٠) على أنها أجرة للمحل، وتكون الأعيان الموجودة فيه للمستأجر الأخير، لا للأول، مُلكاً له، له غنمها، وعليه غرمها، فهذا لا بأس به. أما ما ذكرتَ فلا يجوز؛ لأنه غرر واضح؛ لا ينطبق على المشاركات، ولا على الإجارة، ولا على البيع. فنرى أنها لا تجوز، وأن الواجب على عامة الناس إذا حدثت مثل هذه المعاملات الجديدة أن يعرضوها على أهل العلم قبل أن يدخلوا فيها، والمعاملات من الدين، وليست خاضعة للعرف ولِمَا يتعامل به الناس، فلو كانت كذلك لقلنا: إن البنوك حلال، وإن الميسر حلال، وإن كل المعاملات التي اعتادها الناس في الخارج أو في الداخل حلال، مع أن المعاملات لا شك أنها من الدين، فالإنسان إذا أكل الحرام فإنه يبعُد أن يُستجاب دعاؤه والعياذ بالله.

стр. 1423

حكم المصارفة بدون قبض بالنسبة للحوالة، إذا أعطى رجلٌ رجلاً مبلغاً لكي يستلمه الرجلٌ الآخر في بلدة أخرى بعملة تلك البلدة، ويُشكل عليه -يا شيخ- اختلاف هذه العملة بالريالات، فهل هذا يدخل في ربا الفضل، أم أنه لا بأس به؟ هذا يدخل في ربا النسيئة؛ لأنه مع اختلاف العملة لا يوجد ربا فضل؛ لكن يدخل فيه ربا النسيئة، ولهذا فإن الحوالة الصحيحة على أحد وجهين: إما أن يحولها بالدراهم إلى المكان الآخر، ثم هناك تجري المصارفة بالسعر الحاضر. أو يشتري العملة التي في البلد الثاني يشتريها في البلد الأول، ويحوِّلها إلى البلد الثاني بعملة البلد الثاني. أما ما ذكرتَ فهذه مصارفة بدون قبض، والمصارفة بدون قبض لا تجوز.

стр. 1424

حكم جمع العصر إلى الجمعة هل يصح الجمع بين الجمعة والعصر سواء في الحضر أو في السفر؟ أولاً: في الحضر: قد يقع هذا، فقد يكون الإنسان مريضاً، فيحضر الجمعة، ويشق عليه أن يصلي العصر في وقتها، فيجمع. وأما في السفر فهذا أيضاً يمكن، إذا كان المسافر مر بالبلد التي تقام فيه الجمعة وصلى معهم الجمعة. وأما السفر الذي الإنسان فيه سائر فهذا ليس فيه جمعة؛ لأن النبي ﷺ سافر ولم يكن يقيم الجمعة في أسفاره، حتى في يوم عرفة صادف يوم الجمعة، ومع ذلك لم يُقِمِ الجمعة ﷺ . ولكن لا يصح جمع العصر إلى الجمعة؛ لأن السنة إنما وردت بجمع العصر إلى الظهر، والجمعة ليست ظهراً كما لا يخفى؛ بل تُفارِقُ الظهرَ في أكثر من (٢٠) وجهاً، وإذا كانت كذلك فإنها تعتبر صلاة منفردة مستقلة بنفسها، كصلاة الفجر، لا يُجْمَع إليها غيرها، فلا يحل للإنسان أن يجمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة، ولو كان ممن يباح له الجمع، أما من لا يباح له الجمع، فلا يجوز له أن يجمع إلى الجمعة ولا إلى الظهر.

стр. 1425

حكم العمل في مجال التصوير الفوتوغرافي أنا أعمل في مجالٍ يكثر فيه التصوير الفوتوغرافي، لتوفير هذا العمل ونشره في الصحف أو في كتيبات، فما مدى صحة هذه؟ حفظك الله؟ إذا كان فيه مصلحة دينية فلا بأس، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة فالورع أحسن، وذلك أن تتركه وتطلب عملاً آخر، أو تمتنع عن التصوير.

стр. 1426

مسألة انتقاض الوضوء بانتهاء مدة المسح هل ينتقض الوضوء بانتهاء مدة المسح؟ الصحيح أنه لا ينتقض بانتهاء مدة المسح، فمثلاً لو كانت تنتهي مدة المسح الساعة الثانية عشرة ظهراً، وبقيتَ على طهارتك إلى الليل فأنت على طهارتك، وذلك لأنه ليس هناك دليل على انتقاض الوضوء بانتهاء مدة المسح، فانتهاء مدة المسح ينتهي به المسح فقط، ولا تنتهي بانتهائه الطهارة، ورسول الله ﷺ إنما وقَّت المسح ولم يوقت الطهارة، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، وهي: أن ما ثبت بدليل شرعي فإنه لا يرتفع إلا بدليل شرعي؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.

стр. 1427

أجر الجماعة الأولى وأجر الجماعة الثانية هناك شخص مؤذن في أحد المساجد، وعنده أولاد بالغين مكلفين، فيأتون إلى الصلاة متأخرين بعد أن تنتهي ويسلم الإمام، وذلك في أغلب الأوقات، فناقَشَ الإمامُ المؤذن في هذه الموضوع، فقال المؤذن: إن لهم أجر الجماعة حتى وإن لم يدركوا الجماعة الأولى وصلوا مع الجماعة الثانية، أهم شيء أن يأتوا ليصلوا في المسجد، يعني: لا تفوتهم السبع والعشرين درجة، وهذا المؤذن كفيف، فحاول الإمام أن يقنع هذا المؤذن أنه لا بد أن يأمرهم بالصلاة جماعة؛ لأنه بصفته مؤذناً فهو قدوة، حيث أن الإمام شاهد أن أغلب المصلين يتأخرون عن الصلاة بحجة أنهم شاهدوا أولاد المؤذن يتأخرون وهم كبار، فهذا الإمام لم يرَ بعد النصيحة نتيجة، فهل ينبغي أن يُبدي شيئاً من الجفاء سواءً للأب أو للأولاد؟ أو أنه يأخذهم بطريقةٍ ترونها أنتم جزاكم الله خيراً. الجواب على هذا السؤال من شقين: الشق الأول: أنه لا يجوز أن نقتدي بمن فرط في الواجب؛ فتترك الواجب لأن فلاناً لا يقوم به، فأنت مسئول عن نفسك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فلا يجوز للإنسان أن يقول: لستُ بِمُصَلٍّ مع الجماعة؛ لأن أولاد المؤذن لا يصلون! وليس ذلك حُجَّةً عند الله ، كما لا يجوز للإنسان أن يفعل المحرم ويقول: فلان يفعله، حتى لو كان طالبُ علمٍ يفعلُ هذا المحرم، فلا يجوز للإنسان أن يفعله لأن هذا يفعله، بل أنت مسئول عن نفسك، ومسئول عما أجبت به المرسلين: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] . والشق الثاني: بالنسبة للمؤذن، الواجب عليه أن يأمر أولاده بالصلاة، وأن يضربهم عليها إذا بلغوا عشر سنين، حتى يؤدوا الصلاة مع الجماعة، ولا حرج عليه في هذه الحال أنه إذا أذَّن خرج وأيقظهم وأحضرهم إلى المسجد؛ لأن الخروج هنا لعذر، وأنه سيرجع ويصلي في المسجد. وأما بالنسبة للإمام فأولاً: لا ينبغي أن يناقش المؤذن أمام الناس؛ لكن يناقشه سراً فيما بينه وبينه، فإذا ادَّعى المؤذن أنه لا يستطيع إحضارهم إلى المسجد فهناك جهات مسئولة يمكن أن تحضرهم، كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحضرهم إلزاماً؛ لأن هؤلاء ممن تلزمهم صلاة الجماعة. وأما قول المؤذن: إنهم إذا صلوا في المسجد ولو بعد الجماعة الأولى فإن لهم أجر سبعٍِ وعشرين درجة فهذا ليس بصحيح، فأجر سبعٍ وعشرين درجة لا يكون إلا في الجماعة الأولى فقط، أما الثانية فلا شك أن الصلاة في جماعة أفضل من الصلاة على وجه الانفراد؛ لأن النبي ﷺ قال في رجل دخل وقد فاتته الصلاة: (من يتصدق على هذا فيصلي معه) فقام أحد القوم فصلى معه. ولأنه ﵊ قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) لكن كون الجماعة الثانية تنال أجر الجماعة الأولى فهذا ليس بصحيح، وإلا لكان كل الناس يذهبون إلى المسجد متى شاءوا، ويصلون جماعة ويقولون: أخذنا أجر سبع وعشرين درجة، فهذا لا أعلم أحداً قال به، أي: أن الصلاة الثانية كصلاة الأولى في الحصول على أجر سبع وعشرين درجة. فلا أعلم أحداً قال بهذا.

стр. 1428

مسألة التورق من التحايل على الحرام عفا الله عنكم يا شيخ! توجد الآن بعض الشركات تقول لأي شخص: من أراد بيتاً أو سيارةً في أي مكان يأتي ويخبرنا بهذا البيت أو بهذه السيارة فنشتري له هذا البيت أو هذه السيارة، ثم نقسط عليه ثمن هذا البيت أو هذه السيارة أقساطاً، وفي نفس الوقت لا تُلْزِم هذه الشركةُُ إذا أخَذَت لهذا الشخص هذا البيت أو هذه السيارة، لا تلزمه بأخذ هذا البيت أو السيارة، فهو بالخيار، إن أراد أن يشتري أو أراد أن يرجع في كلامه. فما حكم هذا البيع جزاكم الله خيراً؟ هذه المعاملة فَشَت في الناس كثيراً، وهي -في الحقيقة- من الناحية الشرعية غير جائزة، ومن الناحية الاقتصادية ضارة. فأما كونها غير جائزة من الناحية الشرعية: فمن المعلوم أنك لو أتيتَ إليَّ وقلتَ: أريد أن أشتري السيارة الفلانية بخمسين ألف ريال فأعطني (٥٠. ٠٠٠) ريال، وأعطيك بعد سنة (٦٠. ٠٠٠) ريال، فهل هذه المسألة جائزة، أو غير جائزة؟! غير جائزة، ولا إشكال في ذلك. فشراء التاجر أو الشركة لهذه السيارة ليس إلا من أجل الوصول إلى هذه العشرة آلاف الزيادة التي كانت في الأول غير جائزة، والآن صارت بهذه الحيلة جائزة، فلا يمكن هذا، فإن المحرم محرم، ولا يزيد بالتحايُّل عليه إلا قُبْحاً، فهذه بمنزلة أن أقول: خذ (٥٠. ٠٠٠) واشترِ السيارة التي تريد، وبعد سنة أعطني (٦٠. ٠٠٠) ريال، لا فرق أبداً، إلا أن هذه الصورة التي ذكرتَ؛ أن يشتريها التاجر من المعرض ثم يبيعها عليك ما هي إلا مجرد حيلة فقط؛ فلولاك ما اشتراها لك، ولا فكَّر في شرائها، ولهذا تجده يحتاط لنفسه، فيذهب ليستطلع البيت وينظر هل يساوي هذا البيتُ الثمنَ أم لا يساويه، والسيارة كذلك، فهو يحتاط احتياطاً تاماً. ثم إذا قُدِّر أنه اشتراه وتراجَعْتَ أنت عنه كَتَبَك في القائمة السوداء، فلا يعاملك بعد هذا أبداً، ثم إن كلمة: (إذا شاء رَدَّه قَبِِلْنا) ، هي كذَرِّ الرماد في العيون -كما يقولون-؛ فلا تظن أن هذا الرجل الذي أراد هذا البيت أو هذه السيارة أو هذه الأرض، واستعد للزيادة، لا تظن أنه يتراجع، فالرجل له غرض في هذا، ولا بد أن يشتري، ولو أنك أحصيت مَن تراجع، ما وجدتَ واحداً في الألف. لذلك نرى أن هذه المعاملة حرام، وأنها حيلة على الربا بشراءٍ صوريٍّ ليس مقصوداً بذاته. وإذا كان شيخ الإسلام ﵀ يحرم التورُّق، وكذلك الإمام أحمد، وغيرهما من العلماء، والتورُّق: هو طلب العين الموجودة عند البائع، فهذا أخبث وأشد. وبنو إسرائيل لما حُرِّمت عليهم الشحوم قالوا: لا نأكل الشحم؛ لكن نذيب الشحم، ونبيعه ونأكل ثمنه. فأيهما أقرب للمحرم: هذه الحيلة، أو الحيلة التي ذكرتَ؟! الحيلة التي ذكرتَ أقرب؛ لأنها تصل إلى المحرم في أول درجة، أما حيلة بني إسرائيل فلا تصل إلى المحرم إلا بعد ثلاث درجات، ومع ذلك قال الرسول ﵊: (قاتل الله اليهود! لَمَّا حُرِّمت عليهم الشحوم جَمَلوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه) . فهذه والله حيلة على المحرم، وليس عندي إشكال في تحريمها، والإنسان الناصح لنفسه يبتعد عنها، وإن أفتاه الناس وأفتوه، والعبرة بالمقاصد لا بالصور، والتاجر ما قصد من الربح إلا الربا، ولا قصد بشراء السيارة إلا الربا. ولكن نقول: نعم، لو كانت السيارة عنده موجودة، وباعها عليك بأكثر من ثمنها حاضراً، وأنت تريد السيارة نفسها، أو تريد أن تتكسب بها، فتشتريها من هذه البلاد وتبيعها في البلاد الأخرى للتتكسب بها، فهذا ليس فيه إشكال، وجائز. أما إن اشتريتَها مِن عندِه وهي عندَه، وتريد أن تبيعَها وتأخذَ ثمنها فهذه هي مسألة التورُّق، وفيها خلاف بين العلماء، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنها حرام، وهي رواية عن الإمام أحمد. ولو قال قائل: إن الربا الصريح أهون من المعاملة التي ذُكِرَت، فإن قوله لن يكون بعيداً من الصواب؛ لأن هذه المعاملة جمعت بين الحيلة والتحايل على الله وبين الربا، فمفسدة الربا موجودة، وهي الزيادة التي أخذها هذا التاجر، فنسأل الله الهداية. والحقيقة: أن الإنسان إذا رأى هذه المعاملات، ورأى معاملة البنوك، ورأى معاملة الميسر التي بدأت الآن تكثر؛ كالتأمين وما أشبه ذلك، يخشى والله من العقوبة؛ فإذا كان بنو إسرائيل يعذَّبون بأقل من هذا، فإننا والله لنَخْشى. فلَمَّا حُرِّم عليهم صيد الحيتان يوم السبت ابتلاهم الله ، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعاً على الماء، وغير يوم السبت لا يرون الحيتان، فتحايلوا فنصبوا شَبَكاً يوم الجمعة، وأخذوا الحيتان يوم الأحد، وقالوا: نحن لم نصد يوم السبت، الصورةُ أنهم لم يصيدوا صحيح؛ لكن في الحقيقة أنهم صادوا. فالعبرة -يا إخواني- بحقائق الأمور لا بصورها. فنحن نخشى من عقوبة تحل بنا بواسطة هذه الأمور، فلو كنا نبيع ونشتري على حسب الشرع، مبتعدين عن الحِيَل، وخداع رب العالمين لكان هذا أنفع وأبرك لنا. فتبيَّن لنا من الناحية الشرعية أنها لا تجوز. وأما كون هذه المعاملة ضارة من الناحية الاقتصادية، فإنها قد فتحت للفقراء باب التكالب على الديون لهذا السبب، فصار يهُون عليهم أن يشتري أحدهم السيارة بسبعين ألفاً؛ لأنه سيذهب إلى التاجر ويأخذها بكل سهولة؛ لكن لو لم تكن هذه الطريقة لذهب ليشتري له سيارة بستة عشر ألفاًَ على قدر حاجته، وعلى قدر ما عنده، فهذه المعاملة أثقلت كواهل كثير من الناس، وجرَّأتهم على التَدَيُّن، لا أقصد التَّدَيُّن مِن الدِّيْن، وإنما مِن الدَّيْن، فجرَّأتهم على التَّدَيُّن من الناس، حتى إذا مات وُجِد أن عليه مئات الألوف، وكل ذلك بسبب هذه المعاملة. لهذا فنحن نحذِّر منها شرعياً واقتصادياً، ونقول: (ومَن يستغنِ يُغْنِهِ الله) . (ومَن تَرَكَ شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه) . السائل: ولكن الناس لا يدرون شيئاً عن هذا. الشيخ: والله يا أخي نحن لنا فتوى في هذا، كتبنا فيه فتوى. السائل: المشكلة أن بعض هذه الشركات تدَّعي أن عندها لجنة شرعية، وأن هذه اللجنة الشرعية أفتت بجواز هذا -يا شيخ-! الشيخ: على كل حال: الذي يلزمنا نحن البيان، وقد بيَّنا الآن، فمن سمع هذا الكلام فإن اقتنع به ورأى أن الحيلة لا تجعل الحرام حلالاً فليحمد الله على الهداية، ومن لم يقتنع فلكلٍّ درجاتٌ مما عملوا. السائل: بعض الناس الآن صاروا يشتركون ثلاثةً أو أربعةً في شراء سيارة من أجل التقسيط. الجواب: لا بأس، بشرط ألا يكون من مسألة التورُّق، فمثلاً الآن -انتبه! -: إذا اشتريتَ سيارة بالتقسيط فلها ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تشتريها بالتقسيط لتَكُدَّها، سواء كان الكَدُّ للأجرة أو لحاجاتك، فهذه جائزة، ولا خلاف فيها. الوجه الثاني: أن تشتريها لتتكسب بها لا لدفع حاجتك، فأنت لستَ محتاجاً؛ لكنك اشتريتَها من هذا البلد لتبيعها في بلد آخر بزيادة، فهذه أيضاً ليس فيها شيء. الوجه الثالث: أن تشتريها لحاجتك إلى الدراهم؛ لكن ما وجدتَ أحداً يقرضك، فلجأتَ إلى هذه الطريقة، فهذه يسميها العلماء: مسألة التورُّق، وفيها الخلاف الذي ذكرتُ لكم.

стр. 1429

السنة في تخفيف سنة الفجر فضيلة الشيخ! هناك أدلة وردت في أفضلية تخفيف ركعتي سنة الفجر، فهل المراد بالتخفيف السرعة فيهما وأداء أدنى الكمال من ناحية التسبيح؟ ولو أُذِّن لصلاة الفجر وأنا في قنوت الوتر فهل أُعْتَبَر قد أدركتُ الوتر؟ سنة الفجر السنة فيها التخفيف، فيقرأ الإنسان في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أو يقرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] الآية في سورة البقرة، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] . وفي الركوع يخفف أيضاً، فيقتصر على أدنى الكمال، ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم. وفي السجود كذلك. وفي التشهد أيضاً لا يطيله. هذه سنة الرسول ﵊. ولهذا نقول: لو أن الإنسان خرج من بيته إلى المسجد ولم يصلِّ الراتبة في البيت، فإن الأفضل إذا وصل المسجد أن يصلي سنة الفجر مع التخفيف، وتجزئ عن تحية المسجد، فهذا أفضل من أن يصلي تحية المسجد أولاً ثم السنة ثانياً؛ لأن تخفيف الرسول ﵊ فيما ثبت استحبابه في هذا الوقت يدل على أنه لا ينبغي أن يُزاد في هذا الوقت على قدر المستحب، وهنا إذا صلى سنة الفجر عند دخول المسجد أجزأت عن تحية المسجد، فالأفضل أن يقتصر على الركعتين بنية الراتبة، وتجزئه عن تحية المسجد. هذا بالنسبة للسؤال الأول. أما بالنسبة للسؤال الثاني: إذا أذَّن وأنت في الوتر فأكمِل الوتر، وتكونُ مدركاً له. أولاً: لقول الرسول ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) . وثانياً: أن غالب المؤذنين في الفجر يؤذنون قبل الوقت؛ لأنه ثبت عندنا من طريق الحساب -وهو مطبوع من بعض الإخوة الذين لهم شأن في الفلك- أن التقويم الموجود فيه تقديمٌ بخمس دقائق على الوقت، ومعنى هذا أن الإنسان في حِلٍّ إلى ما بعد (٥) دقائق حسب التقويم الموجود، هذا في الفجر فقط، أما في بقية الأوقات فلم يُظْهِروا لنا اختلافاً، على أن بعض الإخوة يبالغ في مسألة الفجر، فيقول: إن الفجر لا يخرج إلا بعد التوقيت الموجود بثلث ساعة أو بربع ساعة؛ لكن هذا فيه شيء من المبالغة؛ لكن الخمس دقائق فقد قال لنا الإخوة الذين عندهم علم بالفلك أنها مُحَقَّقة في التقديم، ولهذا ينبغي لك إذا أذن المؤذن وأنت في البيت ألا تتعجل في ركعتي الفجر إذا عرفتَ أنه يؤذن على التقويم. السائل: القاعدة الفقهية التي تقول: (تجزئ عن تحية المسجد) ، ما معنى تجزئ عن تحية المسجد. الشيخ: تعني: أنه لا يُطالَب بها، فإذا قيل: تجزئ عن تحية المسجد فإن معنى هذا أنه لا يُطالَب بها؛ لأن المقصود أن يصلي ركعتين عند دخول المسجد، وقد حصل.

стр. 1430

الجمع بين حديثي إتيان العراف وتصديقه كيف نجمع بين الحديثين التاليين: حديث: (مَن أتى عرافاً فسأله عن شيء فَصَدَّقه، لم تُقْبَل له صلاةٌ أربعين يوماً) . وحديث: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؟ فالسؤال هنا: هل التصديق يستمر مع الشخص، أم أنه ينقطع، حيث أنه صدقه في تلك اللحظة فقط، ولم يستمر في التصديق، كأن سأله شخص آخر، فدله، وهكذا؟ أما لفظ الحديث الأول فليس فيه (فَصَدَّقه) والصحيح: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً) وليس فيه لفظ التصديق. أما الثاني: ففيه التصديق، ووجهُ كُفْرِه بما أنزل على محمد: أنه إذا استقر في نفسه أن هذا صادق وهو أمر غيبي مُسْتَقْبَل؛ فإن ذلك يتضمن الكفر بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] . والتصديق يكفي فيه أن يصدقه في أول الأمر، وليس معناه أن ينتظر حتى يصدقه الواقع، أو لا يصدقه؛ لأنه إذا انتظر وقال: ننظر، هل يقع ما قال أو لا يقع، فهذا لم يصدقه في الواقع؛ لكن لا تُقْبَل له صلاةٌ أربعين يوماً. فالتصديق أن يطمئن إلى قوله، ويرى أنه حق وأنه واقع. أما أن يقول: سأجرب، فهذا ما صدَّقه. كذلك لو أتى كاهناً أو عرافاً فسأله ليُظْهِر كذبه، فإن هذا لا بأس به، فقد سأل النبيُّ ﷺ ابن صياد الذي يدعي أنه يأتيه مَن يأتيه، سأله عن شيءٍ أضْمَرَه له وهو سورة (الدُّخان) ، فقال: الذي في نفسك هو (الدُّخ) ولم يتمكن من الوصول إلى التلفظ به كاملاً، فقال له النبي ﵊: (اخسأ! فلن تَعْدُوَ قَدْرَك) .

стр. 1431

نصيحة المتخلفين عن صلاة الجماعة بالأسلوب الحسن نريد من سماحتكم توجيه الأئمة إلى نصيحة المتخلفين عن الصلاة في جماعة بالأسلوب الأمثل! والله يا أخي! نصيحة المتخلفين عن الصلاة أن الإمام يأتي بالآيات والأحاديث التي فيها الترغيب في صلاة الجماعة، وفيها الترهيب من تركها على سبيل العموم، أي: مواعظ بين حين وآخر، ثم يباشر الذي يرى كثرة المتخلفين بالنصيحة بينهم وبينه. السائل: ولا يكون لجماعة الناسِ في المسجد دخلٌ في النصيحة! الشيخ: ليس هناك مانع، لا بأس إذا كان هؤلاء الجماعة أناسٌ يَنصحون نصحيةً حقيقية لا مجرد فضيحة؛ لأن بعض الناس يقول: فعلنا وفعلنا، ورُحنا إلى فلان، وقلنا له: كذا، فهذا لا ينبغي، إلا لو قالوا ذلك لإنسان يمكنه أن يؤدب هذا المتخلف، كما لو قالوا ذلك عند ولي الأمر الذي يستطيع أن يؤدبه، أما إفشاء العيب بين الناس فهذا لا يجوز؛ لأن الإنسان لا يستفيد سواءً المُتَكَلَّم فيه ولا المُتَكَلِّم، فإذا تكوَّنت الجماعة من خمسة من الإخوان النشِطين الناصحين الذين يمكن أن يقتنع الإنسان بقولهم ونصيحتهم فهذا حسن، بشرط أن يكونوا كما قلتُ ناصحين لا فاضحين. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1432

لقاء الباب المفتوح [٤٥] بدأ الشيخ بتفسير آيات من سورة الطارق، وذكر ما فيها من أحكام فقهية ومواعظ، وبعد ذلك أجاب عن الأسئلة من الحاضرين، وكان من أهمهما: سؤال عن الجماعات الإسلامية وحكم الانتماء إليها والعمل معها، وسؤال عن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة.

стр. 1433

تفسير آيات من سورة الطارق الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأخير من شهر جمادى الثانية عام: (١٤١٤هـ) ، الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وقد لَمَسنا -ولله الحمد- فيه خيراً كثيراً من الإخوة الذين يحضرون، أو الذين يستمعون إلى الأشرطة المسجلة أو غيرهم، وهذا من نعمة الله على الجميع، ولا شك في هذا. في درس الأسبوع الماضي تكلمنا عن حكم المسح على الخفين وما يتعلق به. أما هذا الأسبوع فإننا سوف نستمر فيما كنا نقوم به من تفسير آخر جزء من القرآن؛ لأنه هو الذي يكثر وروده وسماعه على الناس. وقد شرعنا في تفسير سورة الطارق بعد أن أكملنا ما سبقها.

стр. 1434

تفسير قوله تعالى: (والسماء والطارق) يقول الله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١-٣] . وهنا -كما ترون- فيه قسم أقسم الله تعالى به، وهو السماء، وكذلك الطارق. وقد يُشْكِل على بعض الناس كيف يقسم الله بالمخلوقات، مع أن القسم بالمخلوقات شرك، لقول النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، وقوله ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) . فلا يجوز الحلف بغير الله؛ لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأي شيء من المخلوقات. والجواب على هذا الإشكال أن نقول: إن الله له أن يقسم بما شاء من خلقه، وإقسامه بما يقسم به من خلقه يدل على عظمة الله ؛ لأن عِظَمَ المخلوق يدل على عِظَم الخالق. وقد أقسم الله تعالى بأشياء كثيرة من خلقه، ومن أحسن من رأيته تكلم عن هذا الموضوع ابن القيم ﵀ في كتابه: التبيان في أقسام القرآن، وهو كتاب جيد ينفع طالب العلم كثيراً. فهنا يقسم الله تعالى بالسماء، والسماء هو كل ما علاك؛ كل ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يسمى سماءً، كما قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧] ، وإذا كان يُطْلَق على كل ما علاك؛ فإنه يشمل ما بين السماء والأرض، ويشمل السماوات كلها؛ لأنها كلها قد عَلَت وهي فوقك. وأما قوله: ﴿وَالطَّارِقُ﴾ فهو قَسَمٌ ثان، أي أن الله أقسم بالطارق، فما هو الطارق؟ ليس الطارق هو الذي يطرق أهله ليلاً، بل فسره الله بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:٣] ، هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم، فتكون (أل) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب أي: النجم اللامع، أي: قوي اللمعان؛ لأنه يثقب الظلام بنوره، وأيَّاً كان فإن هذه النجوم من آيات الله الدالة على كمال قدرته؛ في سَيْرها، وانتظامها، واختلاف أشكالها، واختلاف منافعها أيضاً. قال الله ﵎: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥] فهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها.

стр. 1435

تفسير قوله تعالى: (إن كل نفس لما عليها حافظ) ثم بيَّن المقْسَم عليه بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤] (إنْ) هنا نافية، يعني: ما كل نفس، و (لَمَّا) بمعنى (إلَاّ) يعني: ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله. وبيَّن الله مهمة هذا الحافظ في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢] هؤلاء الحفظة يحفظون على الإنسان عمله، وما له وما عليه، ويجده يوم القيامة كتاباً منشوراً، يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] . هؤلاء الحفظة يكتبون ما يقوم به الإنسان من قول، وما يقوم به من فعل؛ سواء كان ظاهراً؛ كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطناً حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان، فإنه يكتب عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦-١٨] هذا الحافظ يحفظ عمل بني آدم، وهناك حفظة آخرون ذكرهم الله في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] .

стр. 1436

تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان مم خلق) قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] (اللام) هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا: نظر الاعتبار، وهو النظر بالبصيرة، يعني: فليفكر الإنسان مم خلق؟ هل خُلِق من حديد؟! هل خلق من فولاذ؟! هل خلق من شيء قاسٍ قوي؟! والجواب على هذه التساؤلات: أنه ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] ، وهو ماء الرجل، ووصفه الله تعالى في آية أخرى بأنه ماء مهين، ضعيف السيلان، ليس كالماء العادي المنطلق، ووَصَفَه الله تعالى في آية أخرى أنه (نطفة) أي: قليلٌ من الماء، وهذا هو الذي خلق منه الإنسان؛ والعجب أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة -والعياذ بالله- إلا من أَلانَ الله قلبه لدين الله.

стр. 1437

تفسير قوله تعالى: (يخرج من بين الصلب والترائب) ثم بيَّن أن هذا الماء ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٧] : من بين صلب الرجل، وترائبه أعلى صدره، وهذا يدل على عمق مخرج هذا الماء، وأنه يخرج من مكان مكين في الجسد، والصواب أن هذا الوصف لماء الرجل. وقال بعض العلماء: (يخرج من بين الصلب) : أي صلب الرجل، (والترائب) أي: ترائب المرأة؛ ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ. والصواب أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل؛ لأن الله تعالى وصفه بذلك.

стр. 1438

تفسير قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:٨-١٠] . (إنه) : أي الله . (على رجعه) : أي على رجع الإنسان. (لقادر) : وذلك يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] ، فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين قادرٌ على أن يعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقَّب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يقول: إذا كان الله قادراً على أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين ويحييه، إذاً فهو قادر على أن يعيده مرة ثانية، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ، ولهذا يستدل الله بالمبدأ على المعاد؛ لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة.

стр. 1439

تفسير قوله تعالى: (يوم تبلى السرائر) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] : أي تختبر السرائر، وهي القلوب، فإن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عامَلَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنافقين معاملة المسلمين؛ حيث كان يُستأذَن في قتلهم فيقول: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أن فلاناً منافق، وفلاناً منافق؛ لكن العمل في الدنيا على الظاهر، ويوم القيامة على الباطن، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] : أي تُخْتَبَر، وهذا كقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩-١٠] . ولهذا يجب علينا -يا إخوان- العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، فعمل الجوارح علامة ظاهرة؛ لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي ﵊ عن الخوارج، وهو يخاطب الصحابة، فيقول: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة؛ لكن قلوبهم خالية -والعياذ بالله- لا يتجاوز الإسلام حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. فعلينا -أيها الإخوة- أن نعتني بالقلوب، وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، قال الحسن البصري ﵀: والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان، والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل؛ لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه. فعلينا -أيها الإخوة- أن نعتني بقلوبنا، وإصلاحها، وتخليصها من شوائب الشرك، والبدع، والحقد، والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله، وكراهة الصحابة ﵃، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.

стр. 1440

تفسير قوله تعالى: (فما له من قوة ولا ناصر) ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:١٠] أي: يوم القيامة ليس للإنسان قوة ذاتية، وهي: القوة الداخلية، (ولا ناصر) وهي: القوة الخارجية، فهو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] في الدنيا يتساءلون، يسأل بعضهم بعضاً، ويحتمي بعضهم ببعض؛ لكن يوم القيامة لا أنساب، لا تنفع القرابة، ولا يتساءلون. فنسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالكم، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
следующие страницы →