← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان مم خلق) قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] (اللام) هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا: نظر الاعتبار، وهو النظر بالبصيرة، يعني: فليفكر الإنسان مم خلق؟ هل خُلِق من حديد؟! هل خلق من فولاذ؟! هل خلق من شيء قاسٍ قوي؟! والجواب على هذه التساؤلات: أنه ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] ، وهو ماء الرجل، ووصفه الله تعالى في آية أخرى بأنه ماء مهين، ضعيف السيلان، ليس كالماء العادي المنطلق، ووَصَفَه الله تعالى في آية أخرى أنه (نطفة) أي: قليلٌ من الماء، وهذا هو الذي خلق منه الإنسان؛ والعجب أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة -والعياذ بالله- إلا من أَلانَ الله قلبه لدين الله.

стр. 1437

تفسير قوله تعالى: (يخرج من بين الصلب والترائب) ثم بيَّن أن هذا الماء ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٧] : من بين صلب الرجل، وترائبه أعلى صدره، وهذا يدل على عمق مخرج هذا الماء، وأنه يخرج من مكان مكين في الجسد، والصواب أن هذا الوصف لماء الرجل. وقال بعض العلماء: (يخرج من بين الصلب) : أي صلب الرجل، (والترائب) أي: ترائب المرأة؛ ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ. والصواب أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل؛ لأن الله تعالى وصفه بذلك.

стр. 1438

تفسير قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:٨-١٠] . (إنه) : أي الله . (على رجعه) : أي على رجع الإنسان. (لقادر) : وذلك يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] ، فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين قادرٌ على أن يعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقَّب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يقول: إذا كان الله قادراً على أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين ويحييه، إذاً فهو قادر على أن يعيده مرة ثانية، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ، ولهذا يستدل الله بالمبدأ على المعاد؛ لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة.

стр. 1439

تفسير قوله تعالى: (يوم تبلى السرائر) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] : أي تختبر السرائر، وهي القلوب، فإن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عامَلَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنافقين معاملة المسلمين؛ حيث كان يُستأذَن في قتلهم فيقول: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أن فلاناً منافق، وفلاناً منافق؛ لكن العمل في الدنيا على الظاهر، ويوم القيامة على الباطن، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] : أي تُخْتَبَر، وهذا كقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩-١٠] . ولهذا يجب علينا -يا إخوان- العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، فعمل الجوارح علامة ظاهرة؛ لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي ﵊ عن الخوارج، وهو يخاطب الصحابة، فيقول: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة؛ لكن قلوبهم خالية -والعياذ بالله- لا يتجاوز الإسلام حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. فعلينا -أيها الإخوة- أن نعتني بالقلوب، وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، قال الحسن البصري ﵀: والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان، والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل؛ لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه. فعلينا -أيها الإخوة- أن نعتني بقلوبنا، وإصلاحها، وتخليصها من شوائب الشرك، والبدع، والحقد، والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله، وكراهة الصحابة ﵃، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.

стр. 1440

تفسير قوله تعالى: (فما له من قوة ولا ناصر) ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:١٠] أي: يوم القيامة ليس للإنسان قوة ذاتية، وهي: القوة الداخلية، (ولا ناصر) وهي: القوة الخارجية، فهو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] في الدنيا يتساءلون، يسأل بعضهم بعضاً، ويحتمي بعضهم ببعض؛ لكن يوم القيامة لا أنساب، لا تنفع القرابة، ولا يتساءلون. فنسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالكم، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.

стр. 1441

الأسئلة

стр. 1442

ضابط كلمة التوحيد المنجي من الخلود في النار كيف نجمع بين الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: عن أبي الأسود الدؤلي أن أبا ذر حدثه فقال: أتيت النبي ﷺ وهو نائم، وعليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه، فقال: (ما من عبد قال: (لا إله إلا الله) ، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة! قلت: وإن زَنَى وإن سرق؟ قال: وإن زَنَى وإن سرق! قلت: وإن زَنَى وإن سرق؟ قال: وإن زَنَى وإن سرق! ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذر) . وبين ما نراه وما نقرأه عن أصحاب الفرق الضالة؛ كـ الرافضة والخوارج، وما يكون من المنافقين؛ حيث إنهم يشهدون شهادة التوحيد، ويموتون عليها؟ أفيدونا وفقكم الله وأثابكم؟ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. حديث أبي ذر -كما سمعتم- يدل دلالة ظاهرة على أن هذا القائل -أي: قائل: (لا إله إلا الله) - مؤمن حقاً؛ لكن سولت له نفسه ففعل بعض المعاصي، بل بعض الكبائر من الزنا والسرقة وغير ذلك. وطريق أهل السنة والجماعة أن الإنسان المؤمن، وإن فعل الكبيرة مآله الجنة، وما قبل الجنة من العقوبة راجع إلى الله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فصار جميع فاعلي المعاصي -وإن عَظُمَت- إذا كانت دون الكفر لا تمنع من دخول الجنة، فمآل فاعلها إلى الجنة؛ لكن قد يُعذَّب بما فعل من ذنب، وقد يغفر الله له، والأمر راجع إلى الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] . أما المنافقون، وأهل البدع المكفِّرة التي تكفِّرهم بدعُهم فإنهم حقيقة لم يقولوا: (لا إله إلا الله) بقلوبهم؛ لأن هذا الانحراف الذي أدى إلى الكفر ينافي الإخلاص، وقولُ: (لا إله إلا الله) لابد فيه من الإخلاص. أما أن يقول: (لا إله إلا الله) وهو يعتقد أن لا رب ولا إله -والعياذ بالله- أو يعتقد أن مع الله إلهاً يدبر الكون، أو يعتقد -مثلاً- أن أصحاب النبي ﷺ ارتدوا كلهم بعد موته، أو يعتقد أن أبا بكر وعمر ارتدا بعد موت الرسول ﵊، أو ما أشبه ذلك من البدع المكفِّرة، فهؤلاء لم يخلصوا في قول: (لا إله إلا الله) ، فكانت بدعُهم هذه تنافي قول الرسول ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله -أو من قال: (لا إله إلا الله) - دخل الجنة) . السائل: أي: أن الرسول لم يقل: من قال: (لا إله إلا الله) باللفظ فقط، بمعنى: أن قوله ﷺ لا يشمل كل من قال: (لا إله إلا الله) ! الشيخ: لا. لا. بل لابد من الإخلاص، ولهذا استَمِعْ إلى قول الله تعالى في المنافقين: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] ، وفي نفس السورة يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [النساء:١٤٥] ، ويقول عنهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] هذه شهادة بالرسالة، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] أي: كاذبون في قولهم.

стр. 1443

حكم أكل الحرام بقصد التدريب في بعض الجيوش الإسلامية تُخْتار فِرَقٌ تُدَرَّبُ على أكل الحيات، والضفادع، وشرب بولهم، بحجة أن ذلك يقويهم، فهل هذا يجوز؟ الشيخ: بول الإنسان نفسه، أم بول هذه الأشياء؟ السائل: بول الإنسان نفسه. هذا لا يجوز، ولا يحل، ولا يمكن أن يكون استحلال المعصية سبباً للنصر أبداً، بل المعصية سبب للخذلان، أرأيت قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢] يشير إلى غزوة أحد، وليس فيها إلا معصية واحدة، ومع ذلك خُذِل أشرف جيش على وجه الأرض من وقت خَلْق آدم إلى أن تقوم الساعة، وذلك بسبب هذه المعصية؛ وسببها أن الرسول ﵊ رتب الجند، وقال لخمسين رجلاً من الرماة: كونوا هنا في مكان مُهِمٍّ ليحموا ظهور المسلمين، ولما انكشف المشركون وانهزموا، وجعل المسلمون يجمعون الغنائم نزل أكثر هؤلاء الرماة؛ لأنهم ظنوا أن المسألة انتهت، فذكَّرهم أميرهم بقول الرسول ﵊: (لا تبرحوا) أي: عن مكانكم، سواءً كانت لنا أو علينا؛ ولكنهم ﵃، وتجاوز عنهم، وعفا عنهم لم يمتثلوا، بل نزلوا، فحصلت الهزيمة بعد أن كان النصر في أول النهار للمسلمين، وذلك من معصية واحدة، فكيف بالذي يقول: اشرب بولك، وكُل الحيات، وما أشبه ذلك؟! هذا لا يقوله مسلم؛ بل الذي يظهر لي أن هذا مُتَلَقَّىً من الكفار الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. السائل: هذا موجود في فِرَق الصاعقة الموجودة في بعض الدول الإسلامية! الشيخ: حتى ولو وُجد في أي مكان، فهذا لا يحل لهم أبداً، فالمحرمات لا تجوز إلا عند الضرورة، فإذا جاءت الضرورة عَرَف الإنسان كيف يأكل ويشرب، أما أن نجعله في حال الاختيار يشرب البول، ويأكل الحرام، خوفاً من أن يحتاج إلى ذلك فلا! بل نقول: إذا حلت الضرورة في تلك الساعة فقد أباح الله للإنسان أن يأكل ما حرم الله عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] .

стр. 1444

صحة أحاديث: من شهد بالتوحيد دخل الجنة ورد عن بعض السلف في أحاديث التوحيد أن مَن شهد بالتوحيد دخل الجنة، وورد عن بعض السلف أن تلك الأحاديث منسوخة بأحاديث الفرائض، فهل هذا القول صحيح؟ الصحيح أنه لا نسخ في هذا؛ ولكن ليكن معلوماً أن من شهد بالتوحيد مخلصاً فلا يمكن أبداً أن يَدَع الفرائض؛ لأن إخلاصه يحمله على فعلها، كيف يشهد أن لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، ويقول: أنا أريد بذلك وجه الله، ثم لا يعمل العمل الذي يوصله إلى الله؟! فهذا لا يمكن، ولهذا مَن حافظ على ترك الصلاة ولم يصلِّ صار كافراً، حتى ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ فما دام أنه لا يصلي نقول: أنت كافر، لا فرق بينك وبين الذي يسجد للصنم؛ ولهذا جاء لفظٌ في رواية مسلم من حديث جابر: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) . السائل: بعضهم يفسر كلمة (منسوخة) أي: أنها مخصصة، فهل هذا صحيح؟ الشيخ: أبداً. لم تخصص؛ لأننا نقول: إنه بالالتزام، متى شهد أن لا إله إلا الله حقاً فسوف تحمله هذه الشهادة على القيام بفرائض الله.

стр. 1445

المسح على الجوارب لمن لم ينو حال لبسها المسح عليها إذا لبستُ الجوارب على طهارة، ولَمْ أنوِ المسح، فهل لي أن أمسح إذا حان وقت الصلاة؟ نعم. إذا لبس الإنسان الجوارب -وهي: الشُّرَّاب- على طهارة، وإن لم ينوِ المسح إذا توضأ، فإنه يمسح حتى ولو فُرِضَ أنه لبسها في الصباح بعد الفجر ومن نيته أنه يخلعها قبل الظهر، فلو نوى أنه يخلعها قبل الظهر ثم جاء وقت الظهر ولم يخلعها فله أن يمسح عليها. السائل: هل توقيتها يوماً وليلةً بالساعة؟ الشيخ: نعم. توقيتها يوماً وليلة بالساعة.

стр. 1446

حكم الانتساب إلى الجماعات الإسلامية ما حكم الانتساب إلى الجماعات الإسلامية الموجودة الآن في الساحة؟ ونريد خطوطاً واضحة في التعامل معها؟ أولاً: يا أخي! أنا لا أقر ولا أوافق على التكتل الديني، بمعنى: أن كل حزب يرى نفسَه أنه منفرد عن الآخرين؛ لأن هذا يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] . ولهذا تجد هؤلاء المتفرقين عندهم من كراهة بعضهم لبعض أشد من كرههم للفاسقين الذين يعلنون بفسقهم -كما نسمع- حتى إن بعضهم يضلل الآخر ويكفِّره بدون سبب للتكفير. فأنا لا أرى التكتُّل والتحزب الديني، وأرى أنه يجب محو هذه الأحزاب، وأن نكون كما كان الصحابة ﵃ عليه؛ أمة واحدة، ومن أخطأ منا في طريق عَقَدي أو قولي أو فعلي فعلينا أن ننصحه وندله إلى الحق، فإن اهتدى فهذا المطلوب، وإن كان الصواب معه وجَبَ علينا الرجوع إلى ما كان عليه هو، وإذا كان الصواب معنا وأصَرَّ على ما هو عليه بلا تأويل سائغ، فحينئذ نحذر من رأيه ومما ذهب إليه دون أن نعتقد أننا في حزب وهو في حزب، فنشطِّر الأمة الإسلامية إلى شطرين أو أكثر. فأرى أنه ينبغي لنا بل يجب علينا أن نكون ضد هذه الأحزاب، أي: ضد التحزب. والحمد لله! الأمة كما اتفق أولها على جادَّة واحدة وطريق واحد فيمكن أن يتفق آخرها. السائل: فهل تحذِّر من هذه الأحزاب؟! الشيخ: لا. أنا أحذِّر من التحزب. السائل: ولكن واقع الأحزاب بنفس هذا المعنى! الشيخ: لا؛ لأني لو قلت: أحد الأحزاب فقد يكون هذا الحزب على حق، فلا أحذِّر منه، بل أحذِّر من التحزب، وأرى أنه يجب على مَن يقال عنهم: إن هؤلاء من التبليغ، وهؤلاء من الإخوان، وهؤلاء من السَّلَفية، وهؤلاء من الإصلاح، وما أشبه ذلك، أرى أنه يجب أن يجتمع بعضُهم إلى بعض، وأن يتدارسوا الأمر، وأن يخرجوا بفكر واحد ورأي واحد. أما أن يتعادَوا الآن كما هو في الساحة؛ فتجد هؤلاء يسبون هؤلاء، ويقعون في أعراضهم، فهذا يُوْهِنُ الجميع. فالعامة إذا رأوا أنهم في عمىً؛ هذا يقول: الحق عندي، والباطل مع ذاك، وذاك يقول: الحق عندي، والباطل مع الآخر، فإنها تبقى متحيِّرة. السائل: بِمَ تنصح طالب العلم اليوم؟ فهذا موضوع مهم ويحتاج إلى فتوى صريحة؛ لأن الشباب تفرقوا! الشيخ: أنا الآن أعطيتك فتوى صريحة: فأنا أرى أنه لا يجوز التحزب أبداً. السائل: وبالنسبة للانتساب يا شيخ؟! الشيخ: ولا الانتساب، فالانتساب معناه: أنك تشعر بأنك منفرد عن الآخرين، وكيف تنفرد عن الآخرين وهم إخوانك من المؤمنين إذا ما أخطئوا في شيء عَمَلي أو عَقَدي، إذْ الذي ينبغي عليك أن تجتمع بهم وتناقشهم وتبين لهم الخطأ. لكن ثق بأنهم إذا سمعوا -مثلاً- أن الآخرين يقدحون فيهم أو يحذِّرون منهم، فسيزداد تمسكهم بما هم عليه، حتى وإن كان باطلاً، فهذه طبيعة النفس البشرية. ولكن لو أننا قلنا: يا جماعة! كلنا إخوان مسلمون، كلنا نريد الوصول إلى شريعة الله، فلنكن عليها سواءً، فإذا كان الله يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [آل عمران:٦٤] فكيف بإخواننا المسلمين؟! فمثلاًَ: التبليغيون: عندهم قاعدة: أن يخرج الإنسان ثلاثة أيام، أو أربعة، أو أسبوعاً، أو شهراً، فنبحث هذه الطريقة، وننظر ما هي؟ وعندهم كذلك: عدم الخوض في المسائل العلمية، والتعمق فيها، فنبحث معهم، ونقول: لماذا تقررون ثلاثة أيام، أو أربعة، أو أسبوعاً، أو شهراً، أو ما أشبه ذلك؟ لماذا؟ وننظر إذا كان لهم غرضٌ صحيح ومقصودٌ نافع، فلا نذهب لنُبَدِّعَهم، ونشهِّرَ بهم من أجل ذلك. وإذا كانوا يكرهون المناقشة في العلم والتعمق فيه، نسألهم: لماذا؟ فإن قالوا: لئلا تحصل عداوة بين المتناقشين، قلنا: هذا غلط، فالإنسان الذي يريد الحق لو ناقشه غيرُه للوصول إلى الحق لا يكرهه، بل يقول: هذا من نعمة الله عليَّ أن أحداً يناقشني؛ حتى إذا كنتُ على خطأ تبيَّن لي خطئي. السائل: عندنا في الكويت الشيخ سالم الطويل، والشيخ حَمَد العثمان يحاربان صراحة عدم الحزبية، ويضادون من بعض الجماعات إلا من رحم الله، فما نصيحتك لهما؟ الشيخ: أنا هذه نصيحتي -وقد سمعتَ الآن- لهما ولغيرهما. وأنا أخبرك أيضاً أنه في مجلسنا هذا لا نتعرض لاسم شخص؛ لكن لكونك لا تدري عن منهجنا نسامحك في هذا، وإلا فإنا لا نرضى أن أحداً يذكر شخصاً معيناً، مهما كان.

стр. 1447

حكم الشجر النابت على القبور في القرية التي أنا موجود فيها الآن والقريبة من دُخْنَة يوجد قبر خارج هذه القرية، وقد نبتت على هذا القبر شجرة، فجاءت الإبل تأكل من هذه الشجرة، وتدوس على هذا القبر، وحفاظاً على هذا القبر وُضِعَ حول هذا القبر سُوْر، فهل هذا العمل جائز أم لا؟ أولاً -بارك الله فيك-: هذه المسألة ليست مشكلة، هذه الشجرة تُقْلَع مع أصلها. السائل: أنا أسأل عن السُّور الذي حول القبر يا شيخ! الشيخ: كُنْ معي، إذا قلعنا الشجرة من أصلها ما جاءت الإبل، وسلمنا من شر الإبل، وبقي القبر على ما هو عليه. وأما البناية عليه. فأخشى إن طال بالناس زمان أن يَضِلوا بهذا، فيعتقدو أنه قبر ولي أو صالح، ثم تعود مسألة القبور إلى هذه المملكة بعد أن طهرها الله منها على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. فالآن لابد أن تبلغ القاضي عن الموضوع، خصوصاً إذا كان البناء قديماً كأنه حجرة، فهذا لابد أن يزال، والقبر إما أن يُنقل إلى مكان آخر إن كان بقي فيه رُفاتَ، وإن كان قد ذَهَبَ فقد ذَهَبَ.

стр. 1448

عدم حِلْ أكل الحرام بقصد التدريب بالنسبة للسؤال الثاني من هذا اللقاء وهو سؤال أكل الضفادع: نجد أن بعض التدريبات التي تحصل في الجيوش إنما لتكون في أوقات الشدة، أعني: في الحروب، حتى إذا اضطر الإنسان إليها فإنه يكون قد ألِفَها، ولا تكون مقصودةً بذاتها! لكن يا أخي! الإنسان إذا جاء ليأكل سواءً تدرَّب أو لم يتدرب، فإنه لا يحتاج إلى أن يتدرب، وهل يتدرب الشخص على الأكل؟ فالإنسان إذا جاع فإنه يأكل؛ ولكن يتدرب على ملاقاة الأعداء، وعلى الكر والفر، لا بأس بذلك؛ أما أن يتدرب على الأكل وعلى شرب البول فهذا ليس بصحيح. السائل: ولكن في مناطق الشدة -يا شيخ- لا يجدون ما يأكلون؛ لأنها خالية من الطعام! الشيخ: حسنٌ! إذا وقعتَ في مناطق الشدة ولم تجد فيها إلا حيات أكلتَ وإن لم تتدرب. إن الصبي يهديه الله إلى ثدي أمه، ويعرف مكان الثدي، والإنسان الكبير لا يعرف أنه إذا جاع يأكل الدابة أو الحية؟ فلا يحتاج هذا إلى تدرُّب أبداً. وقد تقول: إنهم يدربونهم على السم! فنقول: السم ليس في نفس الجسم، بل يحصل السم من انفعال هذا الحيوان، ثم يبرز منه هذا السائل، كما أن الإنسان فيه الماء المهين الذي يُخلق منه الولد، فإنه لا يخرج إلا بعد أن توجد أسبابُه.

стр. 1449

حكم بيع الطيور غالية الثمن بعض الناس يشتغل في بيع الطيور بأسعار غالية، وقد يصل سعر حيوان واحد إلى (٦٠. ٠٠٠) ريال، أو إلى (٥٠٠٠) ريال، أو (١٠. ٠٠٠) ريال، فما رأي فضيلتكم؟ الشيخ: أي طير هذا؟ هل هو الصقر؟ السائل: مثل الحمام. ذكروا أن هناك أنواعاً معينة تكون غالية، فيكون كل السوق على هذا السعر، فإذا كان هذا هو رغبة الناس فلا بأس. لكن بالنسبة للحمام، فأنا أخشى أن قيمتها لم تَزِدْ هذه الزيادة إلا من أجل اللعب بها، واللعب بالحمام مضيعة للوقت، وتضييع الوقت منهي عنه، وإلا ما الفرق بين حمامة بخمسة ريالات وحمامة بخمسة آلاف؟! السائل: هناك نوع من الحمام يوصل الرسائل إلى الدمام، وإلى الكويت! الشيخ: كان هذا في الأول يوم أن كان الناس على الإبل والحمير، والآن الرسالة بالفاكس موجودة، وموجودة بالتليفون شفوياً، فليست هناك حاجة إليها الآن. السائل: ومَن اشتغل في هذا يا شيخ؟! الشيخ: والله أرى أن هذا مما يُخشى أن يكون من إضاعة المال من جهة، ومن الإعانة على اللهو من جهة أخرى. أما كونه من إضاعة المال فكيف أبذل خمسة آلاف في هذه الحمامة؟ فربما يأتي قط ويأكلها، أو تموت من العطش، أو ما أشبه ذلك؟!

стр. 1450

حكم إتيان العرافين ما جاء عن الرسول ﷺ من قوله: (من أتى عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) هل هذا كفرٌ مُخْرِجٌ من الملة، أم في هذا تفصيل؟ الحديث: (من أتى عرافاً فصدقه. ) ، فإذا قال لك العراف: سيكون في الشهر الفلاني كذا وكذا، ثم صدقته، فهذا يتضمن تكذيب قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ؛ لأنك الآن آمنت بأن الكلام من هذا الكاهن أو العراف حق، فيكون بذلك كفراً أكبر؛ لأن كل شيء يتضمن تكذيب ما قاله الله ورسوله فهو كفر، ولهذا جاء الحديث الذي رواه مسلم: (من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً) ، ولم يذكر الكفر؛ لأن هذا سأل مجرد سؤال ولم يصدقه، بخلاف ما لو سأله فصدقه، فإن تصديقه يتضمن تكذيب قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ، ويكون كفراً مُخْرِجاً من الملة. وقد شاهدنا -بحمد الله- كذبهم في أول السنة الميلادية في العام الماضي، فمع الأسف نشرت الصحف عن واحدة من الكاهنات أنها قالت أشياء كثيرة ستحدث، ولكننا لم نشاهد منها أي شيء، ولا واحداً منها؛ ولكنهم يُدَجِّلون على الناس، والناس مع ضعف الإيمان يتشبثون بكل شيء.

стр. 1451

حكم استنابة الغير في الإمامة إذا كان لدي أعمال ما الحكم في شخص يعمل في فِراشَة مسجد، ويأخذ المكافأة، ويجعل عاملاً هندياً يعمل في المسجد بدلاً عنه، ويعطيه (٣٠٠) ريال من الراتب، والباقي يأخذه، وهو لا يعمل شيئاً؟ أنا بلغني عن المسئولين في الأوقاف أن الفِراشَة لا يُقْصَد بها الشخص بعينه بل يُقْصَد العمل، فمتى أمَّنَ لهم الإنسان فِراشَةَ هذا المسجد وتنظيفه فليكن بأي طريق كان، وقالوا لي: لا بأس إذا كان الإنسان أخذ الفِراشَة وعنده عامل، أو استأجر عاملاً يقوم بهذا؛ يقولون: نحن لا نرى في هذا بأساً؛ لأنه ليس لنا إلا العمل فقط. أما الإمام فلا يجوز له، فلو أن إماماً أراد أن يترك الإمامة ويجعل فيها رجلاً آخر، فإنه لا يجوز؛ لأن الإمام قد يُقْصَد بعينه لكونه قارئاً، أو لكونه عالماً، أو ما أشبه ذلك. مع أني أرى أن الورع ترك هذا، وأن الإنسان إما أن يباشر الشيء بنفسه وإلا فليتركه لغيره من أناسٍ آخرين محتاجين، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الاختيارات: مِنْ أَكْلِ المالِ بالباطل قومٌ يأخذون الوظائف، ويستنيبون غيرهم بيسير مما أخذوا. وهذه تنطبق تماماً على المسألة التي قلتُ. فأرى أن الورع أن لا يفعل الإنسان هذا؛ لكن لو فعل بِرِضى إدارة الأوقاف فلا حرج عليه.

стр. 1452

من أصول أهل السنة والجماعة ما هي أصول المسائل التي مَن خالفها فقد خالف منهج أهل السنة والجماعة؟ هذه الأصول ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية، والعقيدة الواسطية كتابٌ مختصر معروف عند أكثر طلبة العلم؛ لكنه كتاب مبارك، فيه خير كثير. ذكر ﵀ لما أنهى الكلام على قصد السنة فقال: إن أهل السنة والجماعة وسَطٌ في فِرَق هذه الأمة، كما أن الأمة وسط في الأمم. فأمتنا -ولله الحمد- وسط بين الأمم؛ بين اليهود والنصارى، في العقيدة، وفي الأعمال. أولاً: في العقيدة:- نجد أن اليهود تنقَّصوا الله حتى وصفوه بصفات المخلوقين الذميمة. ماذا قالوا؟! ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] ، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقالوا: إن الله تعبَ، فاستراح يوم السبت بعد خَلْق السماوات والأرض، فأَلْحَقوا الخالق بالمخلوق. والنصارى على العكس، أَلْحَقوا المخلوق بالخالق، وجعلوا عيسى بن مريم إلهاً مع الله، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] . ثانياً: في الأعمال:- ففي الرسالات: اليهود كذبوا الأنبياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق، والنصارى غالَوا في الأنبياء، وجعلوا عيسى إلهاً. أما هذه الأمة -ولله الحمد- فقد خالَفَتْهم في هذين الأصلين وقالوا: إن الله موصوف بصفات الكمال، وأنه لا مِثْل له، ولم يصل أحد من المخلوقين إلى ما يختص بالله من الصفات. وفي الرسل: قالت هذه الأمة: عباد الله ورسله، ليس لهم حق من الربوبية ولا من الألوهية، وهم صادقون مصدوقون. وفي الحلال والحرام: نجد أن الله تعالى ضيَّق على اليهود المأكولات، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦] . والنصارى يستحلون كل خبيث، ويأكلون ما هبَّ ودبَّ، وهذه الأمة أحل الله لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث. وفي مسألة الحائض: نجد أيضاً أن اليهود لا يقربون الحائض، ولا يؤاكلونها، ولا يجتمعون معها في بيت، والنصارى بالعكس لا يهتمون بالنجاسات. وهذه الأمة -ولله الحمد- وسط، يأكلون مع الحائض، ويجالسونها، ويباشر الرجل زوجته الحائض بما عدا الجماع. فالحاصل: أن هذه الأمة وسط بين الأمم. كذلك أهل السنة والجماعة وسط بين فِرَق الأمة في الأصول الخمسة التي ذكرها ﵀. الأصل الأول: في باب الأسماء والصفات:- هم وسط بين الممثلة والمعطلة، فـ الممثلة: طائفة تقول: صفات الله تعالى كصفاتنا؛ فوجه الله كوجوهنا، وعينه كأعيننا، ويده كأيدينا، وما أشبه ذلك. والمعطلة بالعكس، فهم ينكرون ما وصف الله به نفسه، ويقولون: ليس لله وجه، ولا يد، ولا عين، وما أشبه ذلك، و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] في هذه الأمور. الأصل الثاني: في القَدَر:- كذلك أهل السنة والجماعة وسط في القَدَر، فهناك طائفتان ضالتان في مسألة القَدَر: الطائفة الأولى: الجبرية، تقول: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، ولا اختيار له ولا إرادة، والطائفة الأخرى: القدرية، تقول: الإنسان مستقل بنفسه، وليس لله فيه تعلُّق، يفعل بدون مشيئةٍ من الله، وبدون خَلْق. وأهل السنة والجماعة قالوا: إن الإنسان يفعل باختياره، وهو مختارٌ مُخَيَّر؛ ولكن أيَّ فعل يفعله فهو بمشيئة الله تعالى وخلقِه. الأصل الثالث: في أسماء الإيمان والدِّين:- ففي أسماء الإيمان والدين نجد من الفرق المخالِفة: المعتزلة، والخوارج، من جهة، والمرجئة من جهة أخرى. قالت المعتزلة والخوارج: إن الإنسان إذا زَنَى خرج من الإيمان، فلا يكون مؤمناً، ولا يَصْدُق عليه أنه مؤمن أبداً. وقالت المرجئة وهم ضدهم: إن الإنسان وإن زَنَى وسرق فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه مثل إيمان أطوع الناس لله. وقال أهل السنة والجماعة: إذا زَنَى الإنسان أو سرق فإنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته. الأصل الرابع: في الأحكام:- ففي أحكام الإنسان على فعله، ماذا يكون إذا فعل الكبيرة، قالت المعتزلة والخوارج: إنه يخلد في النار مع المنافقين؛ مع أبي جهل، وأبي لهب، وغيرهم، وقالت المرجئة: لا. بل فاعل الكبيرة لا يدخل النار أبداً، ولا يمكن. وأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يستحق العقاب، وقد يغفر الله له. الأصل الخامس: في أصحاب الرسول ﵊:- وهو الأصل الخامس الذي ذكره شيخ الإسلام، فأصحاب الرسول انقسمت فيهم أهل البدع إلى قسمين: قسمٌ كفَّروهم وضلَّلوهم كـ الرافضة، إلا آل البيت فإنهم غالَوا فيهم وأنزلوهم فوق منزلتهم، فصاروا ضالين في الصحابة من وجهين: مِن جهة تكفير وتضليل، عدا آل البيت، ومن جهة الغُلُو في آل البيت. وهناك قسم ضدهم يُسَمَّى: الخوارج وهم النواصب، فقد كفروا علي بن أبي طالب، وخرجوا عليه، وقاتلوه، واستحلوا دمه. أما أهل السنة والجماعة فقالوا: الصحابة ﵃ خير القرون وأفضل الأمة، ولهم حقهم الذي يجب علينا، ولآل النبي ﷺ على المؤمنين به حقُّ القرابة مع الإيمان والصحبة إذا كانوا من الصحابة؛ ولكننا لا نغلو فيهم كما فعل الرافضة، ولا نقدح فيهم كما فعلت الخوارج، بل نعطي حقهم من غير غُلُو ولا تقصير. كذلك من الأصول التي يختلف فيها أهل السنة وأهل البدع: الخروج على الأئمة: فـ الحرورية هؤلاء الخوارج خرجوا على إمام المسلمين، وكفَّروه، وقاتلوه، واستباحوا دماء المسلمين من أجل ذلك. وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: علينا أن نسمع ونطيع لولي الأمر فعل ما فعل من الكبائر والفسق ما لم يصل إلى حد الكفر البواح، فحينئذ نقاتله إذا لم يترتب على قتاله شر وفتن، وذلك أن النبي ﵊ نهى عن الخروج على الأئمة إلا بشروط وقال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) ، أربعة شروط: الأول: أن تروا، أي: بأعينكم، أو تعلموا ذلك. الثاني: كفراً، لا فسقاً، أي: حتى لو رأى أنه يزني، أو يسرق، أو يقتل النفس المحرمة بغير حق، دون استباحة لذلك، فإنه ليس كافراً بل هو فاسق من جملة الفاسقين، ولا يحل لنا أن نخرج عليه، فالرسول قال: كفراً. الثالث: بواحاً أي: صريحاً لا يمكن فيه التأويل، فإن أمكن فيه التأويل فإننا لا نكفره، ولا نخرج عليه. الرابع: عندكم فيه من الله برهان، يعني: ليس الكفر الذي رأيناه بواحاً كفراً بقياس أو ما أشبه ذلك؛ بل يكون عندنا فيه برهان، ودليل واضح من الكتاب والسنة. هذه أربعة شروط، وهناك شرط خامس يؤخذ من الأدلة الأخرى، وهو: أن يكون عندنا قدرة على إزاحة هذا الحاكم الكافر الذي كَفَرَ كفراً صريحاً عندنا فيه من الله برهان، فيكون لنا قدرة على ذلك، فإن لم يكن لنا قدرة صار الشر الذي نريد إزالته أكثر مما لو تركناه على حاله، ثم حاولنا بطريق أو بأخرى الإصلاح ما استطعنا. ولهذا يخطئ بعض الإخوة الذين عندهم -ولله الحمد- غيرة إسلامية ودين، يخطئون حينما يخرجون على مَن ولَّاه الله تعالى إياهم، والله حكيم، فهو الذي يولِّي بعض الظالمين بعضاً، ولا تظنوا أن الولاة إذا ظلموا أو اعتدوا أن هذا تسليط من الله تعالى لمجرد مشيئة من الله، بل هو لحكمة؛ لأن الله قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] . والولاة لا يتسلطون على الرعية إلا بسبب الرعية، (كما تكونون يُوَلَّى عليكم) ، فبعض الناس الذين يحاولون الخروج على من ولاه الله عليهم ولو بالقوة هم يخطئون في الواقع من أوجه: الأول: أنه لابد من العلم بما حصل من هذا الذي ولاه الله عليهم، فلابد أن نعلم، فمجرد الكلام الذي يُنْقَل لا ينبغي أن يُصدَّق، وكم نُقِل إلينا من أقوال كاذبة، سواء في الولاة، أو فيمن هم دون الولاة، فإذا تحققنا وجدنا أنه لا أصل لها، ولهذا جاء الحديث: (إلا أن تروا كفراً) . الثاني: إذا رأينا هذا الشيء بأعيننا، أو تواتر إلينا من ثقات، فلابد أن نعرضه على الكتاب والسنة، وننظر هل هو كفر أو فسق؟! الثالث: لابد أن يكون بواحاً، إذا ظننا أنه كفر فلا بد أن ننظر هل فيه برهان من الله؟ هل هو كفر صريح لا يحتمل التأويل؟ لأنه قد يكون كفراً؛ لكن يُعْذَر فيه الإنسان من جهة التأويل. فلابد أن يكون بواحاً، صريحاً، واضحاً لا يحتمل التأويل. الرابع: لابد أن يكون عندنا فيه من الله برهان، وهو الدليل القاطع الواضح. وإنما ضيق النبي ﵊ ذلك، أي: الخروج على الأئمة بهذه القيود التي قد يظنها بعض الناس صعبة؛ لأن ما يترتب على الخروج أشد ضرراً مما هم عليه. وأنتم تشاهدون الآن ما حصل من الثورات، هل كانت الشعوب أسعد بعد الثورة منها قبل الثورة؟ أبداً. بل بالعكس، وليس هناك حاجة إلى أن نعين بلاداً معينة في هذا المكان؛ لأن الأمر واضح. فالمهم أن ننصح إخواننا المسلمين بعدم التسرع

стр. 1453

لقاء الباب المفتوح [٤٦] كان الحديث في هذا اللقاء عن تفسير الآيات الأخيرة من سورة الطارق، وتحدثت الآيات عن قسم الله بالسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، كما تحدث عن المناسبة بين القسم الذي في أول السورة والقسم الثاني، واستمر الشيخ في تفسير الآيات حتى آخر السورة، ثم أجاب عن الأسئلة.

стр. 1454

تفسير آيات من سورة الطارق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا اللقاء الأول لشهر رجب عام (١٤١٤هـ) ، وهو اللقاء الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، صالحين مصلحين. عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطارق.

стр. 1455

تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الرجع) قال الله تعالى بعد أن ذكر الإقسام بالسماء والطارق إلى قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:٩-١٠] قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١١-١٢] هذا هو القسم الثاني بالسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:١١] . فهناك قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١-٣] وهنا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١١-١٢] ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣] . والمناسبة بين القسمين والله أعلم: أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم هو كما نعلم ترمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله . أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فالقسم الأول مناسبته أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة؛ لأنه قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:١١] والرجع: هو المطر، يسمى رجعاً؛ لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض. ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١٢] الصدع: هو الانشقاق، يعني: التشقق لخروج النبات منها، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها. والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] فسمى الله القرآن روحاً؛ لأنه تحيا به القلوب. يقول : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:١١] أي: ذات المطر ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١٢] أي: ذات الانشقاق لخروج النبات منها.

стр. 1456

تفسير قوله تعالى: (إنه لقول فصل) قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ [الطارق:١٣] أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣] فوصفه الله بأنه قول. قول من؟ قول الله ، فهو الذي تكلم به وألقاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ، وقد أضاف الله القرآن قولاً إلى جبريل وإلى محمد عليهما الصلاة والسلام فقال تعالى عن الأول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] وقال عن الثاني -وهو الرسول ﷺ : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١] . ففي الأول أضاف القول إلى جبريل؛ لأنه بلغه عن الله إلى محمد ﷺ ، وفي الثاني أضافه إلى محمد؛ لأنه بلغه إلى الناس، وإلا فإن الذي قاله ابتداءً هو الله . ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣] فصل: يفصل بين الحق والباطل، وبين المتقين والظالمين، بل إنه فصل، أي: قاطع لكل من ناوأه أو عاداه، ولهذا نجد المسلمين لما كانوا يجاهدون الكفار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفار وقطعوا دابرهم، وقضى بينهم، فلما أعرضوا عن القرآن هُزموا وذُلوا بقدر بعدهم عن القرآن، فكلما ابتعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدت عنه العزة، وابتعد عنه النصر، حتى يرجع إلى كتاب الله .

стр. 1457

تفسير قوله تعالى: (وما هو بالهزل) قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٤] أي: وما هو باللعب والعبث واللغو، بل هو حق، كلماته كلها حق، أخباره صدق، وأحكامه عدل، وتلاوته أجر، لو تلاه الإنسان كل أوانه لم يمل منه، وإذا تلاه بتدبر وتفكر فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيء مشاهد اقرأ القرآن وتدبره، كلما قرأته وتدبرته حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل؛ كل هذا لأنه فصل وليس بالهزل، لكن الكلام اللغو من كلام الناس كلما كررته كرهته ومللته، أما كتاب الله فلا يمل منه قارئه.

стр. 1458

تفسير قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيداً) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥] (إِنَّهُمْ) أي: الكفار المكذبين للرسول ﷺ (يَكِيدُونَ كَيْداً) أي: يكيدون كيداً عظيماً للرسول ﷺ ولمن اتبعه. وانظر ماذا كانوا يفعلون بالمؤمنين أيام كانوا بـ مكة من التعذيب والتوبيخ والتشريد. هاجر المسلمون مرتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم من هؤلاء المكذبين المجرمين، الذين آذوهم بكل كيد، وأعظم ما فعلوا بالنبي ﷺ حين الهجرة، حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمد ﷺ . فكلما ذكروا رأياً نقضوه، وقالوا: هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم -فيما ذكر أهل التاريخ- الشيطان الذي جاء في صورة رجل، وقال لهم: إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرقة، وتعطوا كل واحد منهم سيفاً ماضياً حتى يقتلوا محمداً قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتص من القبائل كلها، فيضطرون إلى أخذ الدية، وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي، واستحسنوا هذا الأمر. وفعلاً جلس الشبان العشرة ينتظرون خروج النبي ﷺ ليقتلوه، لكن النبي ﷺ خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه. وذكر أهل التاريخ أنه جعل يذر التراب على رءوسهم إذلالاً لهم ويقرأ قول الله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] . ولا تتعجبوا كيف خرج النبي ﷺ من بينهم ولم يشاهدوه، لا تتعجبوا من هذا، فهاهي قريش حين اختبأ النبي ﷺ في الغار -لما خرج من مكة يريد المدينة - اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليَخفَّ عنه الطلب؛ لأن قريشاً صارت تطلبه، وجعلت لمن جاء بخبره مائة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مائتي بعير، وهذه جائزة كبيرة. فوقفوا على الغار الذي فيه النبي ﷺ وأبو بكر -وكلنا يعلم أن الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى- ولكنهم لم يروا النبي ﷺ ولا أبا بكر ﵁ الذي قال: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فاطمأن أبو بكر. هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصور في السمع، ولا قصور في البصر، ولا قصور في الذكاء؛ ولكن أعمى الله أبصارهم عن النبي ﷺ وعن صاحبه، فلا تعجب إن خرج رسول الله ﷺ من بين هؤلاء الشبان العشرة -كما قال أهل التاريخ- وجعل يذر التراب على رءوسهم ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] . هنا يقول في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥-١٦] واقرأ قول الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] يعني: يحبسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] .

стр. 1459

تفسير قوله تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويداً) ثم قال : ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٧] مهِّل وأمهل معناهما واحد، أي: انتظر بمهلة، ولا تنتظر بمهلة طويلة: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٧] أي: قليلاً، و (رويداً) : تصغير رود أو إرواد، والمراد به: الشيء القليل. وفي هذه الآية تهديد لقريش وتسلية للرسول ﷺ ووعد له بالنصر، وحصل الأمر كما أخبر الله ، خرج النبي ﷺ مهاجراً منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السنة الثانية للهجرة قتل من صناديد قريش وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلاً؛ منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات، بل أقل من ثماني سنوات دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً منصوراً ظافراً، حتى إنه قال -كما جاء في التاريخ- قال وهو ممسك العضادتي باب الكعبة، وقريش تحته: (ما ترون أني فاعل بكم؟ -لأن أمرهم أصبح بيده ﵊ قالوا: أخ كريم! وابن أخ كريم! قال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] اذهبوا فأنتم الطلقاء) وإنما منَّ عليهم هذه المنة ﷺ ؛ لأنهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨] . هذا هو آخر ما تيسر من الكلام على سورة الطارق، وإني أحثكم على تدبر القرآن وتفهم معانيه، خذوا معانيه من أفواه العلماء الموثوقين، أو من كتب التفسير الموثوقة كـ تفسير ابن كثير، أو تفسير عبد الرحمن بن سعدي، وما أشبهها من التفاسير التي تعرفون أصحابها أنهم موثوقون في عقيدتهم وفي آرائهم. نسأل الله أن يجعلنا ممن يتلون كتابه حق تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1460

الأسئلة

стр. 1461

من أحكام صلاتي الاستسقاء والعيد فضيلة الشيخ! بالنسبة لصلاة الاستسقاء والعيدين إذا فاتت الإنسان هل يقضيها أم لا؟ وإذا فاتته ركعة فهل يقضي التكبيرات أم لا؟ وبالنسبة للأئمة الذين لا يطلبون من المأمومين تسوية الصفوف فما نصيحتكم لهم؟ هذا السؤال يأتي في مناسبة طيبة؛ لأنه صادف اليوم الذي أقمنا فيه صلاة الاستسقاء، والاستسقاء كما نعلم هو طلب السقيا، وطلب السقيا يكون على أوجه كثيرة، قد تستسقي وأنت في السجود، وقد تستسقي وأنت في مجلس بين أصحابك، وقد يستسقي الخطيب في يوم الجمعة، وقد يخرج الناس إلى مصلى العيد ليصلوا صلاة الاستسقاء. وصفة صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، أما الخطبة فإنها خطبة واحدة، وليست كخطبة العيد، فالعيد فيه خطبتان، وهذا هو المشهور عند أهل العلم، وقيل: للعيد خطبة واحدة، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة السالمة من التضعيف، أن خطبة العيد واحدة لكن الرسول ﷺ كان يخطب الرجال أولاً ثم ينزل إلى النساء فيعظهن. أما الاستسقاء فهو خطبة واحدة، حتى على قول من يرى أن صلاة العيد لها خطبتان فهي خطبة واحدة؛ إما قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فالأمر كله جائز، لو أن الإمام حين حضر إلى المصلى فاستقبل القبلة ودعا وأمن الناس على ذلك لكان كافياً، وإن أخر الخطبة إلى ما بعد الصلاة فهو أيضاً كافٍ وجائز، فالأمر في هذا واسع. وإنما قلت ذلك لئلا يستنكر أحدٌ مما قد يفعله بعض الأئمة من الخطبة والدعاء في صلاة الاستسقاء قبل الصلاة، فإن فعل ذلك لا ينكر عليه؛ لأنه سنة ثابتة عن النبي ﷺ . أما إذا فاتت الإنسان صلاة الاستسقاء فأنا لا أعلم في هذا سنة عن النبي ﷺ ، لكن لو صلى ودعا فلا بأس. وأما صلاة العيد فإنها لا تقضى إذا فاتت؛ لأنها صلاة شرعت على وجه معين، وهو حضور الناس واجتماعهم على إمام واحد، فإذا فاتت فإنها لا تقضى. وكذلك صلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى -أيضاً- لكن يصلي بدلها ظهراً؛ لأن هذا وقت الظهر، فإن لم يتمكن من الجمعة صلى الظهر. أما العيد فلم يرد عن النبي ﷺ عنها بدل، فإذا فاتتك مع الإمام فقد فاتتك، ولا يشرع لك قضاؤها، وأما بالنسبة للتكبيرات التي بعد تكبيرة الإحرام فإنك إذا دخلت مع الإمام بعد انتهاء التكبيرات فإنك لا تعيد التكبيرات؛ لأنها سنة فات محلها، فإذا فات محلها سقطت. أما الركعة الثانية فسوف تكبر مع الإمام، وأما إذا فاتتك الركعة الأولى ولم تدخل مع الإمام إلا في الركعة الثانية فمن المعلوم أنك سوف تكبر التكبيرات التي يكبرها الإمام أو ما بقي منها، وإذا قمت إلى قضاء ما فاتك فإنك تكبر في الركعة التي تقضيها. أما طلب الأئمة تسوية الصفوف في صلاة العيد وفي صلاة الاستسقاء فإنه مشروع كغيرها من الصلوات؛ وذلك لأن الناس إذا لم ينبهوا على هذا ربما يغفلون عنه، فكل صلاة يشرع فيها الجماعة؛ فإنه يشرع للإمام إذا كان الناس صفوفاً أن ينبههم وأن يقول: استووا، اعتدلوا. وأما قول بعض الأئمة: استقيموا. فإن هذا لا أصل له، ولم ترد عن النبي ﷺ ، وقد بحثت عنها وسألت بعض الإخوان أن يبحثوا عنها، فلم يجدوا لها أصلاً عن النبي ﷺ أنه كان يقول بدل (أقيموا صفوفكم) (استقيموا) . ولا وجه لقوله (استقيموا) ؛ لأن المراد بقوله (استقيموا) أي: على دين الله، وليس هذا محله؛ لأن هذا محل أمر الناس بإقامة الصفوف في الصلاة، فالمشروع أن يقول: أقيموا صفوفكم سووا صفوفكم وما أشبه ذلك.

стр. 1462

حكم استفتاء أكثر من عالم في المسألة الواحدة هل يجوز استفتاء أكثر من عالم؟ وفي حالة اختلاف الفتيا هل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط؟ وجزاكم الله خيراً. لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقاً بقوله أن يستفتي غيره؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب بدين الله وتتبع الرخص؛ بحيث يسأل فلاناً فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل الثالث وهكذا. وقد قال العلماء في تتبع الرخص: فسق. لكن أحياناً يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلاً، فيسأله من باب الضرورة، وفي نيته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله، فهذا لا بأس به أن يسأل الأول للضرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله. وإذا اختلف العلماء عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم -مثلاً- فإنه يتبع من يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه، فإن تساوى عنده الرجلان في العلم والدين فقال بعض العلماء: يتبع الأحوط وهو الأشد. وقيل: يتبع الأيسر، وهذا هو الصحيح؛ أنه إذا تعادلت الفتيا عندك فإنك تتبع الأيسر؛ لأن دين الله مبني على اليسر والسهولة، لا على الشدة. وقد قالت عائشة ﵂ في وصف النبي ﷺ : (إنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) .

стр. 1463

كيفية التخلص من الوساوس امرأة ابتلاها الله بوسواس في الطهارة، والشعور بعد الوضوء بمدافعة الخبث، وفي ذات مرة شعرت بمن يأمرها بسب القرآن وسب الله فما كان منها إلا أن بكت، فكيف علاجها والخلاص من هذا الوسواس؟ هذا الوسواس مبتلى به كثير من الناس إذا لم يكن السؤال الذي يرد علينا بالتليفون مكرراً من سائلٍ واحد فما أكثر هذا في الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودواء الوسواس كثرة التعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولاسيما قراءة المعوذتين، فإنه ما استعاذ مستعيذ بمثلهما ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١-٢] وأول ما يدخل في ذلك شر الشيطان؛ لأنه من مخلوقات الله، وفي سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:١-٤] . فدواء ذلك بكثرة التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واللجوء إلى الله ﵎، والعزيمة الصادقة، بحيث لا يلتفت الإنسان لما يرد على قلبه من الوساوس. مثلاً توضأ مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثاً فلا تلتفت إلى وسوسة الشيطان، حتى لو شعر الإنسان في نفسه أنه لم يتوضأ مثلاً، أو أنه أهمل شيئاً من أعضائه، أو أنه لم ينو فلا يلتفت لهذا الشيء. وكذلك لو أنه في صلاته شعر أو وقع في نفسه أنه لم يكبر للإحرام لا يلتفت لذلك، يمضي في صلاته يكملها، وكذلك -أيضاً- لو خطر في قلبه ما ذكر من سب الله أو سب المصحف أو غير ذلك من الكفر فلا يلتفت لهذا ولا يضره، حتى لو فرض أنه جرى على لسانه هذا الشيء وهو بغير اختيار فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا طلاق في إغلاق) فإذا كان طلاق الموسوس لا يقع؛ فهذا أولى بالعفو، لكن يعرض عن هذا، ولا يهتم به. فوصيتي لهذه ولغيرها -ممن ابتلي بذلك-: الإكثار من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ومن قراءة السورتين العظيمتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ومن العزيمة الصادقة وعدم الالتفات إلى تلك الوساوس الشيطانية. ولو أوقع الشيطان في قلبه التشكيك في الله، أو ما أشبه ذلك؛ لا يهمه؛ لأنه ما تألم من هذا الشك إلا لإيمان في قلبه، فغير المؤمن لا يهمه شك أو لم يشك؛ لكن الذي يتألم من هذه الشكوك والوساوس مؤمن، وقد قال النبي ﷺ للصحابة: (ذلك صريح الإيمان) يعني: أن ما يلقي الشيطان في قلوبكم من مثل هذه الأمور صريح الإيمان -أي: خالصه- جعله من خالص الإيمان مع أن الشك يرد على القلب؛ لأن هذا الذي ورد على قلبه الشك لا يطمئن لهذا الشك ولا يلتفت إليه ويتألم منه ولا يريده، والشيطان لا يأتي إلا القلوب العامرة حتى يدمرها، فالقلوب الدامرة لا يأتيها؛ لأنها دامرة، قيل لـ ابن عباس أو ابن مسعود: إن اليهود يقولون نحن لا نوسوس في صلاتنا. قال: [نعم. وما يفعل الشيطان بقلب خراب؟!] . فوصيتي لها -وأرجو أن تبلغها أو تشتري لها الشريط لتسمعه- أن تعرض عن هذا كله، وهي سوف تتألم أول ما تعمل هذا العمل، سوف ترى أنها صلت بغير طهارة، أو صلت بغير تكبيرة الإحرام، أو ما أشبه ذلك؛ ولكنها سوف تستريح بعد ذلك، ويزول عنها الشك والوسواس بإذن الله. والحمد لله هناك أناس شكوا هذه الشكوى، وبلغوا بما ينبغي أن يقاوموها به؛ فعافاهم الله منها، نسأل الله لها العافية.

стр. 1464

الجمع بين ترك طلب الدعاء من الغير، وطلب عمر من أويس أن يدعو له فضيلة الشيخ! هل في طلب الإنسان من غيره ممن يرى على ظاهره الصلاح أن يدعو له بظهر الغيب، هل في ذلك ضعف في توكل ذلك الشخص الطالب للدعاء؟ وإن كان كذلك فما توجيهكم في طلب عمر من أويس القرني الدعاء له مع أن عمر أفضل من أويس؟ طلب الإنسان من غيره أن يدعو له لو لم يكن فيه إلا أنه سأل الناس، وقد كان من مبايعات الرسول ﷺ لأصحابه: ألا يسألوا الناس شيئاً. و (شيئاً) نكرة في سياق النفي تعم كل شيء، هذه هي القاعدة الأصولية، حتى كان عصا أحدهم يسقط منه وهو على راحلته فينزل ويأخذه لا يقول لأحد: ناولني العصا؛ لأنهم بايعوا النبي ﷺ ألا يسألوا الناس شيئاً، لو لم يكن فيه إلا هذا لكفى، لكن ربما يكون في قلب الإنسان احتقارٌ لنفسه وسوء ظنٍ فيسأل غيره، فيقال: يا أخي! أحسن الظن بالله . وأنت إذا كنت لست أهلاً لقبول الدعاء، فإن دعاء غيرك لا ينفعك، فعليك أن تحسن الظن بالله، ولا تجعل واسطة بينك وبين الله يدعو لك؛ ادع ربك أنت، فالله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] فنفس دعائك لله عبادة، فكيف تفوت على نفسك هذه العبادة العظيمة؟ وكذلك فإن بعض الناس إذا طلب من شخص يظهر فيه الصلاح أن يدعو له فإنه ربما يعتمد على دعائه هذا ولا يدعو لنفسه أبداً، ثم إن فيه -أيضاً- مسألة ثالثة: وهي أنه ربما يحصل للذي طلب منه الدعاء غرور بنفسه، وأنه أهل لأن يطلب منه الدعاء. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إذا طلبت من أخيك الدعاء -تريد بذلك نفعه بإحسانه إليك، أو نفعه إذا دعا لك بظهر الغيب- إن الملك يقول: آمين، ولك بمثله. فهذا لا بأس به، أما إذا أردت مجرد انتفاعك أنت فقط؛ فهذا من المسألة المذمومة. أما ما ذكرت من طلب عمر ﵁ من أويس أن يدعو له ﵁ فهذا بأمر النبي ﷺ وهو خاص بالرجل، ولهذا لم يطلب من عمر أو غيره أن يقول لـ أبي بكر ﵁: ادع الله لنا، وأبو بكر أفضل من عمر، وأفضل من أويس، وأفضل من بقية الصحابة، لكن هذا خاص بهذا الرجل الذي حث النبي ﷺ ممن أدركه أن يقول له: ادع الله لي، والمسائل الخاصة لا تتعدى محلها.

стр. 1465

كيفية صلاة الاستسقاء لمن فاتته، وبيان الوقت الذي يكون فيه الدعاء بالنسبة للذي لم يدرك صلاة الاستسقاء، لو قلنا أن يصلي ما فاته، فهل يدعو قبل السلام أو بعد السلام؟ وهل يصليها كبقية النوافل في البيت مثلاً؟ إذا قلنا بقضائها، وأنا قلت لا أعلم في هذا أثراً عن الرسول ﷺ ولكن إذا قضاها فهي صلاة نافلة، لكن يقضيها على صفة ما فعلها الإمام. أما الدعاء فيدعو في أثناء الصلاة؛ لأن الإمام يدعو بعد الصلاة أن يوجهوا الناس في الخطبة فلذلك يدعو بعد الصلاة، لكن هذا الرجل ليس عنده من يخطب فيه، فالمختار أن يدعو أثناء الصلاة.

стр. 1466

نسخ القرآن بالسنة فضيلة الشيخ: في شأن النسخ، هل نسخ شيء من القرآن بالسنة؟ لا أعلم شيئاً من القرآن نسخ بالسنة إلا مسألة اللوطي -نسأل الله العافية- فإن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:١٦] فهذه الآية تدل على أن الفاعلين يؤذيان حتى يتوبا ويصلحان، فجاءت السنة: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) فهذا يستدل به على أن السنة تنسخ القرآن. وعمل قوم لوط أكبر من الزنا -والعياذ بالله- وأفحش، والدليل على هذا أن الله قال في القرآن: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢] أي: فاحشة من الفواحش، وأما اللواط فقد قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:٨٠] أي: الفاحشة العظمى الكبرى، ولهذا دخلت عليها (أل) فكان اللواط أعظم من الزنا، ويدل على هذا أن الله بعث رسولاً برسالة تامة لينذر من هذه الفعلة الشنيعة، وأن الله أهلك فاعلي هذه الفعلة الشنيعة بصفة عامة، فدل ذلك على أن اللواط أعظم من الزنا، ولهذا يجب على ولي الأمر إذا ثبت اللواط بين اثنين وكلاهما بالغ عاقل، ولم يكره أحد منهما يجب عليه أن يقتلهما امتثالاً لأمر النبي ﷺ ، ودرءاً لهذه المفسدة القبيحة والفاحشة الشنيعة نسأل الله العافية. هذا الذي يحضرني بعد التتبع من نسخ القرآن بالسنة. وأما من قال: إن قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] منسوخ بقوله صلى الله عله وسلم: (لا وصية لوارث) فهذا قول لا يصح: أولاً: لأن الحديث ليس فيه نسخ بل فيه التخصيص؛ لأن الآية فيها الأمر بالوصية للأقربين، وهذا يعم الوارث وغير الوارث، ثم رفع الحكم عن الوارث فقط، وهذا تخصيص لا نسخ؛ لأن النسخ رفع الحكم كله، لا رفع الحكم عن بعض أفراد العموم. ثانياً: أن الحديث مبين للناسخ وليس ناسخاً؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وهذا يدل على أن النبي ﷺ بين أن الله تعالى قسم الميراث وأعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية بعد هذا التقسيم لوارث. لكن ليكن معلوماً لديك أنه حتى وإن لم يوجد مثال يسلم من المعارضة؛ فإن السنة إذا صحت عن النبي ﷺ فهي بمنزلة القرآن، يجب العمل بما فيها، وتصديق خبرها.

стр. 1467

كيفية قضاء من فاتته ركعة في صلاة الاستسقاء بالنسبة لصلاة الاستسقاء: لو فاتته الركعة الأولى، هل يكملها على أنها الثانية أو على أنها الأولى؟ هذه المسألة مبنية على خلاف مشهور، هل ما يقضيه المأموم المسبوق أول صلاته أو آخر صلاته؟ والصحيح أن ما يقضيه هو آخر صلاته لقول النبي ﷺ : (وما فاتكم فأتموا) ويظهر الخلاف فيما لو أدرك الإنسان في صلاة الظهر الركعتين الأخريين وقام يقضي فهل يقرأ مع الفاتحة شيئاً؟ إن قلنا: إن ما يقضيه أول صلاته، قرأ بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، وإذا قلنا: إنه آخر صلاته لم يقرأ، والصحيح أنه آخر صلاته؛ لقوله ﷺ : (وما فاتكم فأتموا) ولأن الإنسان إذا أدرك ركعة من صلاة المغرب فإنه يتشهد التشهد الأول بعد الركعة الأولى التي يقضيها، ولو كان أول صلاته لم يتشهد، لقلنا له: صل الركعتين اللتين تقضيهما بدون تشهد إلا الأخيرة، وبناءً على ذلك إذا أدرك الركعة الثانية في صلاة الاستسقاء أو العيد، ثم قام يقضي؛ فإنه لا يكبر في الثانية التي يقضيها إلا خمس مرات فقط.

стр. 1468

الفرق بين موالاة الكفار وتوليهم فضيلة الشيخ! ما هو الفرق بين موالاة الكفار وتوليهم؟ الموالاة معناها: المناصرة والمساعدة على أمورهم الكفرية، ومن ذلك أن يقاتل المسلمون مع الكفار؛ يعني: مثلاً يقوم الكفار بغزو بلد من البلدان الإسلامية، فيتولاهم هذا المسلم، وينصرهم، ويساعدهم على هذه البلدة في القتال، سواءً بالسلاح، أو بإمدادهم بأي شيء يساعدهم على قتال المسلمين، هذا من موالاتهم، وهو -أيضاً- من توليهم، فإن الموالاة والتولي يراد بها هنا المناصرة وأن يكون يداً معهم على المسلمين. وأما الاستعانة بهم فهذا يرجع إلى المصلحة، وإن كان في ذلك مصلحة؛ فلا بأس، بشرط أن نخاف من شرهم وغائلتهم، وألا يخدعونا، وإن لم يكن في ذلك مصلحة؛ فلا يجوز الاستعانة بهم؛ لأنهم لا خير فيهم.

стр. 1469

حكم استعمال بعض الطبول فيما يستعمل فيه الدف فضيلة الشيخ! هناك نوع من الطبول يكون مغطى من جهة، والجهة الثانية يكون مغطى معظمه إلا فتحة صغيرة، فهل يلحق هذا بالدف؟ هذا -سلمك الله- يلحق بالطبل، وربما يكون أشد؛ لأن الفتحة اليسيرة تجعل الصوت يخرج من هذه الفتحة اليسيرة ويحصل له صفير وصوت أبلغ مما لو كان مختوماً كله أو مفتوحاً كله، فلا يجوز أن يستعمل هذا فيما يستعمل فيه الدف؛ لأن الدف أهون بلا شك من هذا، هذا يعطي صوتاً رناناً وسبباً للنشوة والطرب أكثر.

стр. 1470

معنى: (اقرأ وارق ورتل) الله يقول لصاحب القرآن: (اقرأ وارق ورتل) الحديث، هل المقصود بالقراءة: النظر أم الحفظ؟ النصوص الواردة في فضل تلاوة القرآن تشمل تلاوته نظراً وتلاوته حفظاً؛ لأن النبي ﷺ لو أراد الحفظ فقط لقال: من قرأ عن ظهر قلب، فلما لم يقيده فإن الواجب إطلاقه، وأن نقول: من قرأ من المصحف أو عن ظهر قلب فإنه ينال الأجر الثابت لتالي القرآن.

стр. 1471

حكم العباءات ذات الأكمام الضيقة أو الشفافة ظهر في الآونة الأخيرة عند النساء أكمام للعباءات ضيقة، ويكون حول هذا الكم تطريز أو نحوه، كذلك بعض العباءات يكون الطرف الأخير من الكم شفافاً، ما توجيهكم حول هذه الأشياء؟ نحن نقول: لدينا قاعدة مهمة، وهي أن الأصل في اللباس والطعام والشراب والمعاملات الأصل فيها الحل، وأنها حلال، ولا يحل لأحد أن يحرم منها إلا ما دل النص على تحريمه، فإذا علمنا هذه القاعدة وهي قاعدة دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] . فكل شيء لم يحرمه الله من هذه الأمور فهو حلال، هذا هو الأصل إلا إذا جاء الشرع بتحريمه كتحريم الذهب على الرجال، وتحريم الحرير على الرجال، إلا ما استثنى منه، وتحريم إسبال الإزار والسروال والقميص والعباءة للرجال، وما أشبه ذلك، فإذا طبقنا هذه المسألة التي حدثت أخيراً وهي العباءات الجديدة على هذه القاعدة قلنا: الأصل أنها حلال، إلا إذا كان في ذلك لفت نظر أو فتنة، لكونها مطرزة على وجه يلفت النظر، فحينئذ نمنعها لا لذاتها، ولكن لما يترتب عليها من الفتنة، وكذلك لو فرض أن النساء صنعن عباءات على شكل عباءات الرجال فإنهن يُمنعن من ذلك؛ لأن النبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، فهذه العباءات نقول: الأصل فيها الحل ما لم نعلم سبباً للفتنة أو لفت النظر، فتمنع حينئذ. السائل: فضيلة الشيخ! هل للمدرسة أن تمنع البنات من لبس مثل هذه العباءات؟ الشيخ: لابد أن نعرف هل هذا حرام أم حلال؟ فإذا كان حراماً؛ فالواجب أنه يبلغ مدير التعليم أو على الأقل مديرة المدرسة حتى تكون المسألة عامة؛ لأنه ربما هذه المدرسة تمنع، والمدرسة الأخرى لا تمنع، ثم يحصل النزاع. ولذلك فإني أنصح الإخوان جميعاً بأن الأمور المشتركة لا ينبغي أن ينفرد بالحكم فيها شخص واحد من هؤلاء المشتركين، بل الأولى أن يؤتى من الأصل، ويكون الأمر من أعلى، ولهذا دائماً يسألنا بعض الأحيان بعض الإخوان من العسكر أو غيرهم عن أشياء هي محرمة وليس عندنا فيها إشكال، لكن نخشى أن نعطيهم فتوى مكتوبة محررة تكون سبباً للنزاع فيما بينهم؛ لأنه قد يأتي إنسان ويقول: هذا ليس بحرام، أو يسأل أحداً ليس عنده علم أو متساهل فيفتيه بأنه ليس فيه بأس، ثم يحصل في هذا نزاع، فمثل هذه الأمور يجب التنبه لها، وأن يكون الأمر ممن له السلطة على هذه المجموعة، فإذا كان من هؤلاء الطالبات من تتساهل في اللباس أو تأتي باللباس المحرم فإنه ينبغي أن يُتصل بمديرة المدرسة، فإن كانت المديرة لها القول في هذا قالت، وإن لم يكن عرض الأمر على إدارة التعليم.

стр. 1472

حكم استخدام حبوب منع الحمل فضيلة الشيخ! تقول بعض النساء: إني أريد أن آخذ حبوب منع الحمل حتى يتم ولدي الرضاع، فهل عليَّ محظور في ذلك؟ أولاً: بارك الله فيك! حبوب منع الحمل بلغني من عدة جهات من الأطباء أنها ضارة، وهذا وإن لم نعلمه من جهة الأطباء فنحن نعلمه من جهة أنفسنا؛ لأن منع الشيء الطبيعي الذي خلقه الله وكتبه على بنات آدم لا شك أنه ضرر، فالله حكيم، ما جعل هذا الدم الذي تفرزه العروق في وقت معين بصفة معينة إلا لحكمة، فكوننا نمنعه بهذه العقاقير ضرر بلا شك، لكني بلغني أن الأمر أكثر مما نتصور، وأنه قد يكون سبباً لفساد الرحم، وسبباً لتشويه خلقة الجنين، وسبباً لأمراض الأعصاب، وكل هذا يوجب الحذر منه. وهنا طرق لمنع الحمل أسهل من هذا، لكن يبقى على النظر في المرتبة الثانية أو الدرجة الثانية، هل من المستحسن أن نقلل الحمل؟ الجواب: لا. كلما كثر النسل فهو أفضل؛ لاسيما أننا الآن في وقت يجب أن نكثر من نسل الأمة السلفية حتى تكون قادرة على مواجهة أعدائها، فالمسألة لا ينظر إليها من زاوية الدنيا فقط، والله إن الإنسان يخشى من الرفاهية التي تخالف الشرع أن يقال فيه يوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] . لا تظنوا أن كل شيء هو الراحة في الدنيا، الدنيا متاع، والمرأة لابد أن تتعب ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ [الأحقاف:١٥] . ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] فلا أرى أن نقلل من النسل أبداً، بل نصبر ونحتسب، والله يعين الإنسان على قدر مئونته، لكن أحياناً تكون المرأة مريضة لا تتحمل الحمل كل سنة؛ فحينئذ لا بأس بمنع الحمل كل سنة؛ إما عن طريق العزل الذي كان عليه الصحابة، وإما عن طريق آخر بمراجعة الأطباء، ثم ليس للمرأة أن تستعمل ما يمنع الحمل مطلقاً إلا بموافقة الزوج؛ لأن الزوج له حق في الأولاد. وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1473

لقاء الباب المفتوح [٤٧] في هذا اللقاء تفسير الثلاث الآيات الأولى من سورة الأعلى، والتي احتوت على كثير من المعاني العظيمة والفوائد القيمة التي ذكرها الشيخ خلال تفسيره لهذه الآيات، فذكر أن الخطاب الموجه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام مع ذكر مثال لكل قسم من هذه الأقسام، وقد استمر في تفسيره للثلاث الآيات حتى آخرها، ثم أجاب عن أسئلة الحضور.

стр. 1474

تفسير آيات من سورة الأعلى الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا نستفتح لقاءنا الأسبوعي هذا وهو اللقاء الثاني من شهر رجب عام (١٤١٤هـ) ، والذي يتم في كل يوم خميس، نستفتحه بتفسير سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] لأنه انتهى بنا المطاف في تفسير جزء النبأ إلى هذه السورة، واخترنا أن نفسر السور القصيرة وهي المفصل؛ لأنها تقرأ كثيراً في الصلوات على العامة، والقرآن نزل لأمور ثلاثة: الأول: التعبد لله بتلاوته، مما يترتب عليه الأجر، فإن من قرأ حرفاً من القرآن كان له به عشر حسنات. والثاني: التدبر لمعانيه. والثالث: الاتعاظ به، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ولا يمكن أن يتذكر أحد بالقرآن إلا إذا عرف المعنى؛ لأن الذي لا يعرف المعنى بمنزلة الذي لا يقرأ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا قراءة، لهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على معرفة معنى القرآن؛ حتى ينتفع به، وحتى يكون متبعاً لآثار السلف فإنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.

стр. 1475

تفسير قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى) فنبدأ بأول سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] البسملة سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة؛ ليست من الفاتحة ولا من البقرة، ولا من آل عمران ولا من أي سورة في القرآن، لكنها آية مستقلة تتنزل في ابتداء كل سورة، ولهذا كان الصحيح أن أول آية في الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] هذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه سنة النبي ﷺ . يقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] والخطاب هنا للرسول ﷺ ، والخطاب الموجه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقوم الدليل على أنه خاص به فيختص به. والقسم الثاني: أن يقوم الدليل على أنه عام، فيعم. والقسم الثالث: ألا يدل الدليل على هذا ولا على هذا، فيكون خاصاً به لفظاً، عاماً له وللأمة حكماً. مثال الأول: قوله ﵎: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:١-٢] وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء:٧٩] فإن هذا من المعلوم أنه خاص بالنبي ﷺ . ومثال الثاني: الموجه للرسول ﷺ وفيه قرينة تدل على العموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] فوجه الخطاب أولاً للرسول ﷺ فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ولم يقل يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: يا أيها النبي إذا طلقت، فدل هذا على أن الخطاب موجه للرسول ﷺ وللأمة. وأما أمثلة الثالث فهي كثيرة جداً، يوجه الله الخطاب للرسول ﷺ والمراد: الخطاب له لفظاً وللعموم حكماً، هنا يقول الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (سَبِّحِ) يعني: نزه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإن التسبيح يعني: التنزيه، إذا قلت: سبحان الله يعني: تنزه الله عن كل سوء، عن كل عيب، عن كل نقص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى: السلام، القدوس؛ لأنه متنزه عن كل عيب، ونحن نضرب لكم الأمثلة: من صفات الله تعالى: الحياة، هل في حياته نقص؟ لا. حياة المخلوق فيها نقص: أولاً: لأنها مسبوقة بالعدم، فالإنسان ليس أزلياً. وثانياً: أنها ملحوقة بالفناء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] . ومن صفاته تعالى: السمع، وسمع الله ليس فيه نقص، يسمع كل شيء، حتى إن المرأة التي جاءت تشتكي إلى النبي ﷺ والتي ذكر الله تعالى قصتها في سورة المجادلة، كانت تحدث النبي ﷺ وعائشة في الحجرة يخفى عليها بعض حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] . ولهذا قالت عائشة: [الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إن المرأة لتشتكي إلى النبي ﷺ وإنه ليخفى علي بعض حديثها] . إذاً: معنى سبحان الله: أي أنزه الله عن كل عيب ونقص. وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال بعض المفسرين: إن قوله: (اسم ربك) يعني: مسمى ربك؛ لأن التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أن معناه سبح ربك ذاكراً اسمه، يعني: لا تسبحه بالقلب فقط، بل سبحه بالقلب واللسان، وذلك بذكر اسمه تعالى، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] يعني: سبح تسبيحاً مقروناً بالاسم؛ وذلك لأن تسبيح الله تعالى قد يكون مقروناً بالقلب -بالعقيدة- وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعاً، والكمال أن يسبح بهما جميعاً: بقلبه لافظاً بلسانه. وقوله: (رَبِّكَ) الرب: معناه الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فالله تعالى هو الخالق وهو المالك، وهو المدبر لجميع الأمور، وهل المشركون يقرون بذلك؟ نعم. يقرون بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وأخبر الله أنهم إذا سئلوا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] فهم يقرون بأن الله له الملك، وله التدبير، وله الخلق، لكن يعبدون معه غيره من الجهل، كيف تقر بأن الله هو وحده الخالق المالك المدبر للأمور كلها وتعبد معه غيره؟! إذاً: معنى الرب على هذا هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، وكل إنسان يقر بذلك يلزمه ألا يعبد إلا الله، كما تدل عليه الآيات الكثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] قال: (اعبدوا ربكم الذي خلقكم) يعني: لا تعبدوا غيره. وقوله تعالى: ﴿الْأَعْلَى﴾ من العلو، وعلو الله نوعان: علو صفة، وعلو ذات. أما علو الصفة: فإنه أكمل الصفات لله ، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] . وأما علو الذات: فهو أن الله تعالى فوق عباده مستوٍ على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله! فأين يتجه؟ إلى السماء -إلى فوق- فالله جل وعلا فوق كل شيء مستوٍ على عرشه. إذاً ﴿الْأَعْلَى﴾ إذا قرأتها فاستشعر في نفسك أن الله عال بصفاته وعالٍ بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى يتذكر بسفوله هو علو الله عليه، فالإنسان ينزل في حال السجود أشرف ما فيه وأعلى ما فيه وهو وجهه، ويجعله في الأرض التي تداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن يقول: سبحان ربي الأعلى، يعني: أنزه ربي الذي هو فوق كل شيء؛ لأني نزلت أنا أسفل كل شيء، فتسبح الله الأعلى بصفاته والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: سبحان ربي الأعلى، أن ربك تعالى فوق كل شيء، وأنه أكمل كل شيء في الصفات.
следующие страницы →