Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حكم العباءات ذات الأكمام الضيقة أو الشفافة
ظهر في الآونة الأخيرة عند النساء أكمام للعباءات ضيقة، ويكون حول هذا الكم تطريز أو نحوه، كذلك بعض العباءات يكون الطرف الأخير من الكم شفافاً، ما توجيهكم حول هذه الأشياء؟
نحن نقول: لدينا قاعدة مهمة، وهي أن الأصل في اللباس والطعام والشراب والمعاملات الأصل فيها الحل، وأنها حلال، ولا يحل لأحد أن يحرم منها إلا ما دل النص على تحريمه، فإذا علمنا هذه القاعدة وهي قاعدة دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] .
فكل شيء لم يحرمه الله من هذه الأمور فهو حلال، هذا هو الأصل إلا إذا جاء الشرع بتحريمه كتحريم الذهب على الرجال، وتحريم الحرير على الرجال، إلا ما استثنى منه، وتحريم إسبال الإزار والسروال والقميص والعباءة للرجال، وما أشبه ذلك، فإذا طبقنا هذه المسألة التي حدثت أخيراً وهي العباءات الجديدة على هذه القاعدة قلنا: الأصل أنها حلال، إلا إذا كان في ذلك لفت نظر أو فتنة، لكونها مطرزة على وجه يلفت النظر، فحينئذ نمنعها لا لذاتها، ولكن لما يترتب عليها من الفتنة، وكذلك لو فرض أن النساء صنعن عباءات على شكل عباءات الرجال فإنهن يُمنعن من ذلك؛ لأن النبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، فهذه العباءات نقول: الأصل فيها الحل ما لم نعلم سبباً للفتنة أو لفت النظر، فتمنع حينئذ.
السائل: فضيلة الشيخ! هل للمدرسة أن تمنع البنات من لبس مثل هذه العباءات؟ الشيخ: لابد أن نعرف هل هذا حرام أم حلال؟ فإذا كان حراماً؛ فالواجب أنه يبلغ مدير التعليم أو على الأقل مديرة المدرسة حتى تكون المسألة عامة؛ لأنه ربما هذه المدرسة تمنع، والمدرسة الأخرى لا تمنع، ثم يحصل النزاع.
ولذلك فإني أنصح الإخوان جميعاً بأن الأمور المشتركة لا ينبغي أن ينفرد بالحكم فيها شخص واحد من هؤلاء المشتركين، بل الأولى أن يؤتى من الأصل، ويكون الأمر من أعلى، ولهذا دائماً يسألنا بعض الأحيان بعض الإخوان من العسكر أو غيرهم عن أشياء هي محرمة وليس عندنا فيها إشكال، لكن نخشى أن نعطيهم فتوى مكتوبة محررة تكون سبباً للنزاع فيما بينهم؛ لأنه قد يأتي إنسان ويقول: هذا ليس بحرام، أو يسأل أحداً ليس عنده علم أو متساهل فيفتيه بأنه ليس فيه بأس، ثم يحصل في هذا نزاع، فمثل هذه الأمور يجب التنبه لها، وأن يكون الأمر ممن له السلطة على هذه المجموعة، فإذا كان من هؤلاء الطالبات من تتساهل في اللباس أو تأتي باللباس المحرم فإنه ينبغي أن يُتصل بمديرة المدرسة، فإن كانت المديرة لها القول في هذا قالت، وإن لم يكن عرض الأمر على إدارة التعليم.
стр. 1472
حكم استخدام حبوب منع الحمل
فضيلة الشيخ! تقول بعض النساء: إني أريد أن آخذ حبوب منع الحمل حتى يتم ولدي الرضاع، فهل عليَّ محظور في ذلك؟
أولاً: بارك الله فيك! حبوب منع الحمل بلغني من عدة جهات من الأطباء أنها ضارة، وهذا وإن لم نعلمه من جهة الأطباء فنحن نعلمه من جهة أنفسنا؛ لأن منع الشيء الطبيعي الذي خلقه الله وكتبه على بنات آدم لا شك أنه ضرر، فالله حكيم، ما جعل هذا الدم الذي تفرزه العروق في وقت معين بصفة معينة إلا لحكمة، فكوننا نمنعه بهذه العقاقير ضرر بلا شك، لكني بلغني أن الأمر أكثر مما نتصور، وأنه قد يكون سبباً لفساد الرحم، وسبباً لتشويه خلقة الجنين، وسبباً لأمراض الأعصاب، وكل هذا يوجب الحذر منه.
وهنا طرق لمنع الحمل أسهل من هذا، لكن يبقى على النظر في المرتبة الثانية أو الدرجة الثانية، هل من المستحسن أن نقلل الحمل؟ الجواب: لا.
كلما كثر النسل فهو أفضل؛ لاسيما أننا الآن في وقت يجب أن نكثر من نسل الأمة السلفية حتى تكون قادرة على مواجهة أعدائها، فالمسألة لا ينظر إليها من زاوية الدنيا فقط، والله إن الإنسان يخشى من الرفاهية التي تخالف الشرع أن يقال فيه يوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] .
لا تظنوا أن كل شيء هو الراحة في الدنيا، الدنيا متاع، والمرأة لابد أن تتعب ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ [الأحقاف:١٥] .
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] فلا أرى أن نقلل من النسل أبداً، بل نصبر ونحتسب، والله يعين الإنسان على قدر مئونته، لكن أحياناً تكون المرأة مريضة لا تتحمل الحمل كل سنة؛ فحينئذ لا بأس بمنع الحمل كل سنة؛ إما عن طريق العزل الذي كان عليه الصحابة، وإما عن طريق آخر بمراجعة الأطباء، ثم ليس للمرأة أن تستعمل ما يمنع الحمل مطلقاً إلا بموافقة الزوج؛ لأن الزوج له حق في الأولاد.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1473
لقاء الباب المفتوح [٤٧]
في هذا اللقاء تفسير الثلاث الآيات الأولى من سورة الأعلى، والتي احتوت على كثير من المعاني العظيمة والفوائد القيمة التي ذكرها الشيخ خلال تفسيره لهذه الآيات، فذكر أن الخطاب الموجه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام مع ذكر مثال لكل قسم من هذه الأقسام، وقد استمر في تفسيره للثلاث الآيات حتى آخرها، ثم أجاب عن أسئلة الحضور.
стр. 1474
تفسير آيات من سورة الأعلى
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإننا نستفتح لقاءنا الأسبوعي هذا وهو اللقاء الثاني من شهر رجب عام (١٤١٤هـ) ، والذي يتم في كل يوم خميس، نستفتحه بتفسير سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] لأنه انتهى بنا المطاف في تفسير جزء النبأ إلى هذه السورة، واخترنا أن نفسر السور القصيرة وهي المفصل؛ لأنها تقرأ كثيراً في الصلوات على العامة، والقرآن نزل لأمور ثلاثة: الأول: التعبد لله بتلاوته، مما يترتب عليه الأجر، فإن من قرأ حرفاً من القرآن كان له به عشر حسنات.
والثاني: التدبر لمعانيه.
والثالث: الاتعاظ به، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ولا يمكن أن يتذكر أحد بالقرآن إلا إذا عرف المعنى؛ لأن الذي لا يعرف المعنى بمنزلة الذي لا يقرأ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا قراءة، لهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على معرفة معنى القرآن؛ حتى ينتفع به، وحتى يكون متبعاً لآثار السلف فإنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.
стр. 1475
تفسير قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى)
فنبدأ بأول سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] البسملة سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة؛ ليست من الفاتحة ولا من البقرة، ولا من آل عمران ولا من أي سورة في القرآن، لكنها آية مستقلة تتنزل في ابتداء كل سورة، ولهذا كان الصحيح أن أول آية في الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] هذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه سنة النبي ﷺ .
يقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] والخطاب هنا للرسول ﷺ ، والخطاب الموجه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقوم الدليل على أنه خاص به فيختص به.
والقسم الثاني: أن يقوم الدليل على أنه عام، فيعم.
والقسم الثالث: ألا يدل الدليل على هذا ولا على هذا، فيكون خاصاً به لفظاً، عاماً له وللأمة حكماً.
مثال الأول: قوله ﵎: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:١-٢] وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء:٧٩] فإن هذا من المعلوم أنه خاص بالنبي ﷺ .
ومثال الثاني: الموجه للرسول ﷺ وفيه قرينة تدل على العموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] فوجه الخطاب أولاً للرسول ﷺ فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ولم يقل يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: يا أيها النبي إذا طلقت، فدل هذا على أن الخطاب موجه للرسول ﷺ وللأمة.
وأما أمثلة الثالث فهي كثيرة جداً، يوجه الله الخطاب للرسول ﷺ والمراد: الخطاب له لفظاً وللعموم حكماً، هنا يقول الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (سَبِّحِ) يعني: نزه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإن التسبيح يعني: التنزيه، إذا قلت: سبحان الله يعني: تنزه الله عن كل سوء، عن كل عيب، عن كل نقص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى: السلام، القدوس؛ لأنه متنزه عن كل عيب، ونحن نضرب لكم الأمثلة: من صفات الله تعالى: الحياة، هل في حياته نقص؟ لا.
حياة المخلوق فيها نقص: أولاً: لأنها مسبوقة بالعدم، فالإنسان ليس أزلياً.
وثانياً: أنها ملحوقة بالفناء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] .
ومن صفاته تعالى: السمع، وسمع الله ليس فيه نقص، يسمع كل شيء، حتى إن المرأة التي جاءت تشتكي إلى النبي ﷺ والتي ذكر الله تعالى قصتها في سورة المجادلة، كانت تحدث النبي ﷺ وعائشة في الحجرة يخفى عليها بعض حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] .
ولهذا قالت عائشة: [الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إن المرأة لتشتكي إلى النبي ﷺ وإنه ليخفى علي بعض حديثها] .
إذاً: معنى سبحان الله: أي أنزه الله عن كل عيب ونقص.
وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال بعض المفسرين: إن قوله: (اسم ربك) يعني: مسمى ربك؛ لأن التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أن معناه سبح ربك ذاكراً اسمه، يعني: لا تسبحه بالقلب فقط، بل سبحه بالقلب واللسان، وذلك بذكر اسمه تعالى، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] يعني: سبح تسبيحاً مقروناً بالاسم؛ وذلك لأن تسبيح الله تعالى قد يكون مقروناً بالقلب -بالعقيدة- وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعاً، والكمال أن يسبح بهما جميعاً: بقلبه لافظاً بلسانه.
وقوله: (رَبِّكَ) الرب: معناه الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فالله تعالى هو الخالق وهو المالك، وهو المدبر لجميع الأمور، وهل المشركون يقرون بذلك؟
نعم.
يقرون بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وأخبر الله أنهم إذا سئلوا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] فهم يقرون بأن الله له الملك، وله التدبير، وله الخلق، لكن يعبدون معه غيره من الجهل، كيف تقر بأن الله هو وحده الخالق المالك المدبر للأمور كلها وتعبد معه غيره؟! إذاً: معنى الرب على هذا هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، وكل إنسان يقر بذلك يلزمه ألا يعبد إلا الله، كما تدل عليه الآيات الكثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] قال: (اعبدوا ربكم الذي خلقكم) يعني: لا تعبدوا غيره.
وقوله تعالى: ﴿الْأَعْلَى﴾ من العلو، وعلو الله نوعان: علو صفة، وعلو ذات.
أما علو الصفة: فإنه أكمل الصفات لله ، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] .
وأما علو الذات: فهو أن الله تعالى فوق عباده مستوٍ على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله! فأين يتجه؟ إلى السماء -إلى فوق- فالله جل وعلا فوق كل شيء مستوٍ على عرشه.
إذاً ﴿الْأَعْلَى﴾ إذا قرأتها فاستشعر في نفسك أن الله عال بصفاته وعالٍ بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى يتذكر بسفوله هو علو الله عليه، فالإنسان ينزل في حال السجود أشرف ما فيه وأعلى ما فيه وهو وجهه، ويجعله في الأرض التي تداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن يقول: سبحان ربي الأعلى، يعني: أنزه ربي الذي هو فوق كل شيء؛ لأني نزلت أنا أسفل كل شيء، فتسبح الله الأعلى بصفاته والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: سبحان ربي الأعلى، أن ربك تعالى فوق كل شيء، وأنه أكمل كل شيء في الصفات.
стр. 1476
تفسير قوله تعالى: (الذي خلق فسوى)
ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢] (خَلَقَ) أي: أوجد من العدم -كل المخلوقات أوجدها الله قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] استمع لهذا المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] والله مثل عظيم! كل الذين تدعون من دون الله لا يخلقون ذباباً ولو اجتمعوا له؛ ولو يجتمع جميع الآلهة التي تعبد من دون الله وجميع السلاطين وجميع الرؤساء وجميع المهندسين على أن يخلقوا ذباباً واحداً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
الآن ونحن في هذا العصر وقد تقدم العلم هذا التقدم الهائل؛ لو اجتمع كل هؤلاء الخلق على أن يخلقوا ذباباً ما استطاعوا، حتى لو أنهم كما يقولون صنعوا آدمياً آلياً، ما يستطيعون أن يخلقوا ذباباً، هذا الآدمي الآلي ما هو إلا آلة تتحرك فقط، لكن لا تجوع ولا تعطش ولا تفرح ولا تحزن، ولا تتحرك إلا بتوجيه الإنسان لها عن طريق ما ركب فيه من آلات كهربائية.
الذباب لا يمكن أن يخلقه كل من سوى الله ولو اجتمعوا، فالله وحده هو الخالق، وبماذا يخلق؟ بكلمة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] الخلائق كلها تموت وتفنى وتأكلها الأرض وتأكلها السباع وتحرقها النيران، وإذا كان يوم القيامة زجرها الله زجرة واحدة، اخرجي فتخرج ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣-١٤] ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] كل العالم من إنس وجن، ووحوش وحشرات، وغيرها كلها يوم القيامة تحشر بكلمة واحدة.
إذاً: فالله وحده هو الخالق، ولا أحد يخلق معه، والخلق لا يضعفه ولا يعجزه بل سهل عليه.
وقوله: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ يعني: سوى ما خلق على أحسن صورة وعلى الصورة المناسبة؛ كالإنسان مثلاً كان خلقه على أحسن صورة كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٧-٨] وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] .
لا يوجد في الخلائق شيء أحسن من خلقة الإنسان، رأسه فوق، وقلبه في الصدر، وعلى هيئة تامة، ولهذا كان أول ما يدخل في قوله: ((فَسَوَّى)) هو تسوية الإنسان.
стр. 1477
تفسير قوله تعالى: (والذي قدر فهدى)
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣] قدر كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] قدره في حاله وفي مآله، وفي ذاته وفي صفاته، كل شيء له قدر محدود، الأجل محدود، والأحوال محدودة، والأجسام محدودة، كل شيء مقدر تقديراً كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] وقوله: ﴿فَهَدَى﴾ يشمل الهداية الشرعية والهداية الكونية.
الهداية الكونية: أن الله هدى كل شيء لما خلق له، قال فرعون لموسى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩-٥٠] تجد أن كل مخلوق قد هداه الله تعالى لما يحتاج إليه، انظر للطفل إذا خرج من بطن أمه وأراد أن يرضع، هل هناك أحد يقول له: ارفع رأسك والقم ثدي أمك؟ لا.
لكن يهديه الله إلى هذا الثدي يرتضع منه.
انظر إلى أدنا الحشرات النمل مثلاً، أين تضع بيوتها؟ لا تضع بيوتها إلا في مكان مرتفع من الأرض على ربوة من الأرض، لماذا؟ لأنها تخشى من السيول أن تدخل بيوتها فتفسدها، وأيضاً إذا جاء المطر وكان في جحورها أو في بيوتها طعام من الحبوب تخرج به، فإذا طلعت الشمس تنشره، لماذا؟ لئلا يعفن، وهي قبل أن تدخره تأكل أطراف الحبة؛ لئلا تنبت فتفسد عليها، هذا شيء مشاهد فمن الذي هداها لذلك؟ هداها الله ، وهذه هداية كونية أنه هدى كل مخلوق لما يحتاج إليه.
أما الهداية الشرعية -وهي الأهم بالنسبة لبني آدم- فهي: الدلالة على شرع الله، وقد بينها الله على وجه تقوم به الحجة، حتى الكفار قد هداهم الله -يعني: بين لهم- قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] يعني: استحبوا الكفر على الإيمان والعياذ بالله، والهداية الشرعية هي المقصودة من حياة بني آدم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وإنما أخبرنا الله بذلك لأجل أن نلجأ إليه في جميع أمورنا، إذا علمت أنه هو الخالق بعد العدم، وأصابك مرض إلى من تلجأ؟ إلى الله، الجأ إلى الله؛ لأنه هو الذي خلقك وأوجدك من العدم، وهو قادر على أن يصحح بدنك، ولا حرج أن تتناول ما أباح الله لك من الدواء، لكن مع اعتقاد أن هذا الدواء سبب من الأسباب جعله الله ، وإذا شفيت بهذا السبب فمن الذي شفاك؟ الله هو الذي جعل هذا الدواء سبباً لشفائك، لو شاء لجعل هذا الدواء سبباً لهلاكك، فإذا علمنا أن الله هو الخالق؛ فنحن نلجأ في أمورنا كلها إليه .
إذا علمنا أنه هو الهادي؛ فإننا نستهدي بهدايته -بشريعته- حتى نصل إلى ما أعد لنا ربنا من الكرامة.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يحلنا وإياكم دار كرامته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
وإلى هنا ينتهي الكلام على هذه الآيات الكريمة، وأحثكم مرة أخرى على تعلم معاني آيات القرآن إذا شئتم أن تنتفعوا به حقيقة، لكن من العلماء الموثوقين أو من تفاسير العلماء الموثوقين؛ لأن الناس تكلموا في كلام الله وبحثوا في معانيه، لكن منهم من هدي إلى الصراط المستقيم، ومنهم من حصل له انحراف لسبب من الأسباب؛ إما لقصور علمه، أو فهمه أو سوء نيته؛ لأن الإنسان قد يحرم الصواب بسبب سوء النية والعياذ بالله.
стр. 1478
الأسئلة
стр. 1479
قصيدة في مدح الشيخ ابن عثيمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فضيلة الشيخ: أستأذنكم في قصيدة أتلوها:
يا أمتي! إن هذا الليل يعقبه فجر وأنواره في الأرض تنتشر
والخير مرتقبٌ، والفتح منتظر والحق رغم جهود الشر منتصر
وبصحبة بارك الباري مسيرتها نقية ما بها شوبٌ ولا كدر
ما دام فينا ابن صالح شيخ صحوتنا بمثله يرتجى التأييد والظفر
أنا لا أوافق على هذا المدح؛ لأني لا أريد أن يربط الحق بالأشخاص، كل شخص يأتي ويذهب، فإذا ربطنا الحق بالأشخاص معناه أن الإنسان إذا مات قد ييئس الناس من بعده، فأقول: إذا كان يمكنك الآن تبديل البيت الأخير بقول:
ما دام منهاجنا نهج الأولى سلفوا بمثلها يرتجى التأييد والظفر
فهذا طيب، أنا أنصحكم ألا تجعلوا الحق مربوطاً بالرجال: أولاً: لأنهم قد يضلون، فهذا ابن مسعود ﵁ يقول: [من كان مستناً فليستن بمن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة] الرجال إذا جعلتم الحق مربوطاً بهم يمكن الإنسان أن يغتر بنفسه والعياذ بالله من ذلك، ويسلك طرقاً غير صحيحة، فالرجل أولاً لا يأمن من الزلل والفتنة، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم.
ثانياً: أنه سيموت، ليس فينا أحد يبقى أبداً ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ثالثاً: أنه ربما يغتر إذا رأى الناس يبجلونه ويكرمونه ويلتفون حوله، وربما ظن أنه معصوم، ويدعي لنفسه العصمة، وأن كل شيء يفعله فهو حق، وكل طريق يسلكه فهو مشروع، ولا شك أنه يحصل بذلك هلاكه، ولهذا امتدح رجل رجلاً عند النبي ﷺ فقال له: (ويحك قطعت عنق صاحبك) وأنا أشكر الأخ على ما يبديه من الشعور نحوي، وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه أو أكثر، ولكن لا أحب المديح.
стр. 1480
حكم إطالة الإمام في الركوع حتى يدرك المتأخر الركعة
فضيلة الشيخ! ما حكم إطالة الإمام في الركوع حتى يدرك المتأخر الركعة؟ أفتونا مأجورين.
ذكر العلماء أنه يستحب للإمام إذا كان راكعاً وأحس بداخل أن ينتظر قليلاً، ولاسيما إذا كان هذا الركوع في آخر الركعات، لكن اشترطوا ألا يشق على المأمومين مثل أن يحس بداخل من باب المسجد وبين الصفوف مسافة طويلة، وهذا الرجل يمشي رويداً رويداً ويشق على المأمومين أن ينتظره، فهنا لا ينتظره؛ لأن الذين معه من أول الصلاة أولى بالمداراة من الثاني، ولعل أصل هذا في السنة أن الرسول ﷺ كان يطيل الركعة الأولى في الصلاة من أجل أن يحضر الناس، هذا بالنسبة للتطويل.
وأصل آخر بالنسبة للتخفيف: فقد كان إذا سمع بكاء الصبي أسرع في صلاته؛ مخافة أن تفتتن أمه، فلهذا أصل في الشريعة لكن بشرط ألا يشق على المأمومين.
وهناك -أيضاً- شرط آخر وهو: ألا يخشى الإمام أن يكبر الداخل تكبيرة الإحرام وهو راكع؛ لأنه إذا كبر تكبيرة الإحرام وهو راكع صارت صلاته نفلاً لا فريضة؛ لأن بعض الناس مع السرعة يكبر وهو يهوي بالركوع، فهذا لا يصح في الفريضة.
стр. 1481
التحذير من الميل لزوجة دون الأخرى
فضيلة الشيخ! حدث أن والدي من قبل سبع سنوات تغير تغيراً كلياً في معاملته مع والدتي، ومعي، ومع إخواني، تغير في سلوكه ومعاملته، علماً أن هذا التحول من مدة طويلة تزيد عن ست سنوات، ولم يحدث هذا إلا بعد زواجه من امرأة أخرى، وثبت يقيناً أنه مسحور، لما يُرى على حاله من دلائل السحر ومن علاماته، فما رأي سماحتكم في حل هذه المشكلة المحيرة التي حولت البيت إلى جحيم لا يطاق؟ وهل من طريقة أو توجيه لهذا الرجل؟ جزاكم الله خيراً.
الحمد لله رب العالمين، هذا السؤال يستحق العناية، وهو أن بعض الناس يتزوج امرأة جديدة على امرأة أولى، فيحبها، ثم يكون معها وينسى الأولى، وهذا لا شك أنه من كبائر الذنوب: أن يميل الإنسان مع إحدى زوجتيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) وهذا وعيد شديد؛ لأن الخلائق جميعها تشهد على عقوبته، هذا أمر عظيم جداً، فالميل مع إحدى النساء -أي: مع إحدى الزوجات- من كبائر الذنوب، إلا شيئاً لا تملكه من المحبة وما يكون ناشئاً عنها، فهذا لا يستطيع الإنسان أن يسيطر عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] .
وأما ما ذكره أنه يمكن أن يكون سحراً فهذا مع الأسف انتشر في كثير من الناس اليوم: مسألة السحر، مسألة النفس، مسألة الجن، وهذا خطأ؛ لأن الإنسان إذا شعر هذا الشعور هلعت نفسه وضعفت، واستولى عليه الشيطان، وصارت الأفكار كلها تدور حول هذا الشيء، حتى يصبح الخيال حقيقة، لكن لو أن الإنسان اعتمد على الله وتوكل على الله حق التوكل وصار قوياً بالله فإنه لا يهمه، ويعرض عن هذا كله، ويعتقد أن هذه الأمور تعرض للإنسان بدون هذه الأسباب.
يعرض للإنسان ضيق في الصدر، يعرض للإنسان خوف زائد، ويعرض للإنسان أشياء كثيرة حتى إن الرسول ﷺ قال: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أو أكثر من سبعين مرة) .
فنصيحتي لإخواني: ألا ينساقوا وراء هذه الأوهام والتخيلات، نحن لا ننكر أن الجن تمس الإنسان كما قال تعالى: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] وهذه في المرابين، وكما جاءت السنة بذلك، لكن ليس معناه أن كل ما أصابنا يكون من مس الجن، حتى لو أصابنا زكام قلنا: هذا جني تلبس بنا، هذا خطأ، الواجب أن الإنسان يكون عنده قوة وتوكل على الله، ثم يستعمل الأوراد الواردة عن الرسول ﷺ كقراءة آية الكرسي في الليل، وكذلك قراءة سورة البقرة في البيت وما أشبه ذلك، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كلما أحس هذه الأمور حتى تزول عنه.
كذلك -أيضاً- النفس نحن لا ننكر أن النفس لها تأثير، وقد قال النبي ﷺ : (العين حق ولو سبق القدر شيء لسبقته العين) لكن ليس كل ما يصاب به الإنسان يكون عيناً، إلا أنه إذا توهم الشيء فإنه مع كثرة التوهم والتخيل يكون حقيقة؛ ولهذا ننصح إخواننا المسلمين أن يكون عندهم اعتماد تام، وتوكل على الله حتى تزول عنهم هذه الأوهام، وبالتالي أنصح هذا الرجل الذي تحدث عنه السائل بأن يتقي الله ، وأن يحاول ما استطاع العدل بين زوجتيه، والرجوع إلى أولاده بالحنو، والشفقة، والتأديب، والتوجيه، وألا يبتعد عنهم؛ لأنهم قطعة منه.
وأما العلاج والتداوي أخشى أني أوصي بالعلاج والتداوي معناه أني أقررته على ما توهم، قد لا يكون هذا سحراً، أما إذا كان مسحوراً كما جزم به السائل؛ فعليه أن يعالج نفسه بالقراءة والأذكار، أو يذهب إلى المعالجين لهذه الأمور ممن يوثق بدينهم وعقيدتهم.
стр. 1482
من يعطي صكه لغيره لإدخاله في صوامع القمح أو الشعير
فضيلة الشيخ! ما رأيكم فيمن يعطي صكه لغيره لإدخاله في صوامع القمح أو الشعير باسم آخر وليس لصاحب الصك؟ يعني: الإنسان قد يكون عنده صك باستحقاقه لإدخال زرعه من شعير أو بر في الصوامع، ويأخذ عليه قيمة أكثر مما في السوق، ويكون إنسان آخر ليس عنده صك فيبيع الأول صكه على الآخر، أو يعطيه إياه مجاناً وتبرعاً ليدخل به الثاني زرعه على الصوامع وهو لا يستحق؟
إن هذا حرام، حرام على الآخذ وعلى المعطي؛ لأن هذا يتضمن الكذب، فإن الزرع ليس لصاحب الصك، ويتضمن التحايل على أنظمة الحكومة، ويتضمن الخيانة، والواجب على الإنسان الذي عنده صك ولم يزرع تلك السنة أن يدعه للسنة الأخرى التي يزرع فيها، فإن ترك الزراعة نهائياً رد الصك على الصوامع، أما أن يعطيه من لا يستحقه ويكذب فيه على الدولة فهذا حرام، ولربما نقول: إن تأخر الأمطار في هذه السنين، وإن تأخر قبول الصوامع لكثير من الزرع كله بسبب الذنوب والكذب والتحايل.
فنصيحتي: أن يكون الإنسان صادقاً، مبيناً، واضحاً، صريحاً، والرزق لن يضيع منه شيء كما قال النبي ﷺ : (إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) .
стр. 1483
السنة في لبس الخاتم
فضيلة الشيخ! هل من السنة لبس الخاتم من الفضة في الخنصر أو البنصر؟ أفتونا مأجورين.
الخنصر أو البنصر سواء، ولا بأس أن يلبس في هذا أو ذاك، ولكن هل من السنة لبس الخاتم؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ من العلماء من قال: إنه سنة؛ لأن النبي ﷺ لبس الخاتم، ولبسه الصحابة أيضاً، ولكن بشرط ألا يكون من الذهب إذا كان للرجال، ومنهم من قال: إنه سنة لذي السلطان: كالحاكم، والقاضي، والأمير، والمفتي، وما أشبه ذلك، وأما سائر الناس فليس لهم بسنة، ولكنه لا نهي فيه.
стр. 1484
حكم الصلاة على الإسفلت
فضيلة الشيخ! ما رأيكم في الصلاة على الإسفلت المرشوش بالماء مثلاً؟ جزاكم الله خيراً.
يجوز للإنسان أن يسجد على كل شيء من الأرض، وعلى غير الأرض -أيضاً- كفراش القطن والصوف، المهم فقط أن يمكن جبهته من الأرض، سواء سجد على فراش، أو على حصير، أو على الأرض، أو على رمل، أو على غير رمل.
стр. 1485
حكم طاعة الابن لأبيه في شراء السجائر
فضيلة الشيخ! والدي يدخن ويأمرني أن أشتري له الدخان، هل أطيعه أم لا؟ علماً بأنه عاجز ومريض أفتونا جزاكم الله خيراً.
الدخان حرام، ونصوص الكتاب والسنة العامة تدل على أنه حرام، وإذا كان حراماً وأمرك أبوك أن تأتي له به فقد أمرك بمعصية، فهل تطيع أباك في معصية؟ لا.
لا تطيعه في معصية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وتقول لأبيك: أنا أنصحك عن هذا، لكن إذا وعدك بأنه سيحاول أن يتوب إلا أنه لا يستطيع أن يتوب مرة واحدة، وقال: ائت لي في اليوم بأربع سيجارات: واحدة في الصباح عند الفطور، وواحدة مع الغداء، وواحدة مع العشاء، وواحدة عند النوم، ولك علي أن أنقص كل يوم واحدة حتى أتركه فهنا لا بأس به؛ لأنه وعدك أن يتوب، ومعروف أن صاحب الدخان المبتلى -والعياذ بالله- لا يمكن في الغالب أن ينقطع منه مرة واحدة، أما إذا كان يستمر كل يوم يشرب عشر حبات ويستمر على ذلك فهذا لا تطعه، حتى لو غضب عليك، أو قاطعك، أو دعا عليك، فلا يضرك إن شاء الله.
стр. 1486
نصيحة لمن يرغبون في قراءة كتب النصارى
فضيلة الشيخ! أخي يقول عن نفسه: أريد أن أقرأ في كتاب النصارى لكي أعرف الأمور التي حرفوها، فما هي نصيحتكم له ولأمثاله من شباب المسلمين الذين قدموا قراءة هذا الكتاب على حفظ كتاب الله ؟ أفيدونا حفظكم الله ونفع المسلمين بعلمكم.
أرى أنه لا يجوز للإنسان أن يقرأ كتاباً مضلاً من كتب اليهود، أو النصارى، أو المشركين، أو أهل البدع؛ إلا إذا كان عنده رصيد قوي يمكن أن يتحصن به، وأما إذا كان مبتدئاً في القراءة فلا يجوز له أن يبدأ بقراءة هذه الكتب الباطلة؛ لأنه ربما تأثر بما فيها من الباطل.
فهؤلاء ننصحهم بأن يتركوا هذه الكتب، حتى يحصنوا أنفسهم بالعلوم الشرعية الصحيحة قبل أن يدخلوا في هذه الكتب المضلة، فالإنسان إذا أراد أن يتحصن من السيل أخذ في بناء السدود والمصارف قبل مجيء السيل، لا يفعل ذلك بعد مجيئه، فنقول: أولاً حصنوا أنفسكم بمعرفة الشريعة، واغرسوها في قلوبكم حتى إذا تمكنتم فلا بأس أن تقرءوا لتردوا على شبهات القوم وأباطيلهم.
стр. 1487
منزلة أبناء النبي ﷺ
فضيلة الشيخ! هل كان أبناء النبي محمد ﷺ من الصحابة أو من الأنبياء؟ جزاكم الله خيراً.
أبناء النبي ﷺ من الصحابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ولو كان أبناؤه من الأنبياء لكانوا من بعده.
стр. 1488
كيفية نصح الأب الذي يغضب من نصيحة ابنه
إذا كان الأب يغضب من نصيحة ابنه، ويظن في نظره أن الابن ما زال صغيراً، فكيف ينصحه؟
هل تجد غضب أبيك حين يغضب إذا نصحته أشد من غضب آزر حين قال لإبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦] فدعه يغضب، لكن الإنسان الحكيم يداري ويتكلم في مواضع الكلام، قد يكون -مثلاً- أبو الإنسان، أو غير أبي الإنسان في حال ليس أهلاً لتقبل النصيحة، يعني: متضايق من شيء، مشتغل بأكل، فتترك الأمر حتى يكون على استعداد لقبول النصيحة.
стр. 1489
أنواع الهداية
ذكرنا هداية الدلالة والهداية الكونية والهداية الشرعية، فهل هي بمنزلة هداية الدلالة والتوفيق؟
هداية الدلالة والتوفيق في الشرعيات، لكن الهداية الكونية فيها دلالة ليس فيها شك.
стр. 1490
حكم التيمم مع وجود الماء في مكان بعيد عن مكان الصلاة
فضيلة الشيخ! بعض الناس إذا خرج بسيارته ونزل في مكان وحان وقت الصلاة ولم يكن معه ماء فإنه يتيمم مع أن الماء قد يكون قريباً منه جداً، فما حكم تيمم هذا الرجل؟ وأيضاً يا شيخ! إذا نزل الرجل من مكان، أو في مسجد على الطريق، ولم يجد ماءً في هذا المكان، أو في هذا المسجد، فهل يجب عليه أن يبحث عن الماء؟
قال الله في آية الوضوء والغسل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] قال العلماء قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا) دليل على أنه طلبه؛ لأنه لا يقول: لم أجد إلا من طلب، وأما رجل يريد أن يكون الماء عنده في حمامات حول المسجد هذا قد لا يحصل، فالواجب على الإنسان إذا كان الماء قريباً منه أن يتطهر به، أما إذا كان بعيداً فلا بأس إذا حضرت الصلاة أن يتيمم ويصلي، كما قال النبي ﷺ : (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) يعني: يصلي بالماء إن كان حاضراً، وإلا بالتيمم.
ولكن يجب أن يبحث فربما يجد ماءً قريباً أو يجد أحداً يبيعه مثلاً، والحمد لله الآن ما تجد بقالة إلا وفيها ماء يباع، وكذلك ماء الصحة يمكن أن يتوضأ به الإنسان.
стр. 1491
الواجب على من سرق شاة وأكلها ثم تاب
رجل في أيام غفلته سرق شاة ومعه جماعة، فذبحوها وأكلوها، وهذا الرجل تاب إلى الله ، فهل يدفع بعض الذي يظن أنه جزء من الذبيحة، أو كل قيمة الشاة يتكفلها، مع العلم أن الآخرين ما تابوا؟
الواجب عليه أن يدفع جميع قيمة الشاة؛ لأن الناس المتعاونين هم يدٌ واحدة، لكن في هذه الحالة هل يعرف صاحبها؟ فإذا كان لا يعرف صاحبها فيتصدق بالقيمة بالنية عن صاحبها؛ لأن المتفقين على شيء يكون جرم الجماعة كجرم الواحد، ولهذا لو اتفق جماعة على قتل إنسان فقتلوه يقتلون كلهم، ولو كانوا عشرة بواحد.
стр. 1492
حكم من توضأ بعد عصر يوم الجمعة ليصلي لأجل الدعاء
فضيلة الشيخ! رجل عادةً يصلي سنة الوضوء، ولكنه توضأ بعد عصر الجمعة ليصلي لأجل الدعاء فما رأيكم؟
هذا لا يجوز، إذا كان ليس من عادة الإنسان أنه يصلي إذا توضأ، لكن توضأ لأجل أن يصلي فهذا إن توضأ حرام عليه أن يصلي؛ لأن الصلاة التي ليس لها سبب في هذا الوقت حرام.
والوضوء للحرام حرام، فلا يجوز أن يتوضأ لأجل أن يصلي، لو كان يجوز أن يتوضأ ليصلي لم يكن للنهي فائدة، لكن إذا كان ليس من عادته أن يتقدم إلى المسجد، وفي يوم الجمعة توضأ وتقدم إلى المسجد فهذا لا بأس به، فيصلي تحية المسجد ويدعو بما شاء.
стр. 1493
حكم اقتناء بعض مجسمات الآلات الموسيقية للزينة
فضيلة الشيخ! سبق مع بعض الإخوان نقاش في موضوع اقتناء بعض مجسمات الآلات الموسيقية للزينة، فهناك من ذكر قال: إن اقتناء هذه المجسمات معصية، وهناك من ذكر قال: إن تأثيم المسلم يحتاج إلى دليل، فكان هناك تعارض في النقاش؟
على كل حال إذا كان لا يستعمل فالأصل أنه حلال، لكن لا نحب أن نوضع مجسماً كهذا بين الأهل والصبيان؛ لأنهم يألفون مثل هذه الصورة، ولا يستنكرونها في نفوسهم، والإنسان إذا لم يستنكر الصورة وأنس بها سهلت عليه، من هذه الناحية فقط، فقد تكون ذريعة يخشى أن يكون في المستقبل لا يهمه هذا الشيء، فالأولى منعها.
стр. 1494
صلاة ركعتين عند دخول مصلى العيد
فضيلة الشيخ! هل نصلي ركعتين عند الدخول في مصلى العيد يوم العيد؟
إذا دخلت مصلى العيد فلا تجلس حتى تصلي ركعتين؛ لأنه مسجد، والدليل على أنه مسجد: أن النبي ﵊ أمر الحيض إذا خرجن إلى صلاة العيد أن يعتزلن المصلى، وهذا يدل على أنه مسجد، وهناك من العلماء من يقول: صل ركعتين، وهناك من يقول: لا تصل، لكن نرى أنه يصلي، سواء قبل طلوع الشمس أو بعدها لا يجلس حتى يصلي ركعتين.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 1495
لقاء الباب المفتوح [٤٨]
стр. 1496
حكم اقتناء الدشوش
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تعلمون حفظكم الله بأنه قد انتشر في هذا العصر بلاء عم وطم كثيراً من بيوت المسلمين وخاصةً في أشرف البقاع إلى الله مكة والمدينة؛ هذه البلية التي ابتلي بها كثير من الناس هي جهاز "الدش" ولا يخفى على أئمتنا العلماء ما يترتب على وجوده من الفساد والانحراف الظاهر والباطن في الدين والأخلاق.
فهل يحكم على مقتنيه بالدياثة، وخاصة من في بيته محارم؟ أم يحكم عليه بالسذاجة والجهل؟ وما نصيحتكم وتوجيهكم لهؤلاء الإخوة هدانا الله وإياهم إلى الصواب وبارك الله في أعمالكم؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تكلمنا على الدش في مثل هذا المجلس بكلام لا حاجة إلى إعادته في الواقع؛ لأننا لا نود أن تذهب مجالسنا في التكرار، وكذلك تكلمنا عليه في إحدى خطب الجمعة القريبة، والأشرطة موجودة في ذلك.
أما ما جاء ضمن السؤال: هل وجود الدش يعتبر من الدياثة؟ نقول: هذا ليس من الدياثة؛ لأن الديوث هو الذي يقر الفاحشة في أهله، وهذا الذي عنده الدش لو رأى رجلاً يحوم حول بيته فضلاً عن أن يفعل الفاحشة في أهله لقاتله، فلا يمكن أن نقول: إن هذه دياثة، لكن نقول: إنه سببٌ للشر والفساد، وهذا شيء معلوم، ولذلك أرى أن من الواجب على طلبة العلم في كل مكان أن يحذروا منه، وأن يبينوا أضراره، وإذا كان يلتقط أشياء فاسدة والكل يعرف فسادها وضررها فليأتِ بمثال ولا حرج، لكن الواجب التحري في النقل والصدق؛ لأن بعض الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يضيفون أشياء لم تكن؛ من أجل المبالغة في التنفير عنه، وكأنهم على رأي من يرى من العلماء أنه لا بأس بالحديث الضعيف في مساوئ الأخلاق للتنفير منها، وهذا ليس بصحيح.
أقول: التهاون في النقل ليس بصحيح؛ لأن لدينا في مجتمعنا من يحب أن يجد ثلمة في الدعاة ينتقدها عليهم، ثم يكون في هذا نزع الثقة مما يقوله الدعاة، فإذا تحرى الإنسان ونقل أدنى شر أو أعلى شر لكان الحق معه ولم يعترض عليه أحد، أما المبالغة التي توجب انتقاد الناس للدعاة والحط عليهم فلا تنبغي؛ لأن المقصود بيان الحق وهداية الخلق، وهذا لا يكون إلا بالصدق والتجرد في النقل والبلاغ.
стр. 1497
حكم الصلاة خلف الحليق وشارب الدخان
فضيلة الشيخ! ما رأيك في إمام يشرب الدخان أو كان حليق اللحية؟
مسألة الصلاة خلف الحليق: الصحيح في ذلك أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة؛ لأنه لا يوجد دليل على عدم الصحة في إمامة الفاسق، لكن لا شك أنه لا يجوز لولي الأمر أن يرتب في المساجد من هو عاص ومجاهر بالمعصية؛ وصحيح -أيضاً- أنه إذا كان يوجد مسجد إمامه عنده من التقوى ما ليس عند هذا فليذهب إليه.
стр. 1498
حكم صلاة من يحسن الفاتحة خلف من يلحن فيها
يقول الفقهاء: إذا صلى من يحسن الفاتحة خلف إمام يلحن فيها لحناً يغير المعنى لم تجزئ الصلاة، فهل هذا يعني وجوب الإعادة أم لا؟
نعم.
إذا صلى من يحسن الفاتحة خلف من لا يحسنها وهو يعلم أن إمامته لا تصح، فمعلوم أن صلاته باطلة يجب عليه إعادتها، أما إذا كان يجهل وقد أتى المأموم بالفاتحة على وجه صحيح فصلاته صحيحة.
стр. 1499
حكم ترويج البضائع بالجوائز
هناك ظاهرة انتشرت عندنا في الكويت وهي: أن كثيراً من الشركات تعلن عن بيع بضائعها، وتجعل جوائز لمن يشتري مثلاً بعشرة دنانير فما فوقها، وهذه الجوائز عبارة عن سيارات وأجهزة كهربائية وغيرها، وقد سمعنا أن فضيلتكم أجاز ذلك، فما قولكم -بارك الله في علمكم ونفع بكم-؟
بارك الله فيك.
الآن التجارات وكذلك الصناعات بدأت تكثر السلع والصناعات، وأتخموا الناس منها، وصارت البيوت -كما تشاهدون الآن- كل واحد عنده في بيته عدة أنواع من الأواني، أو عدة أنواع من الألبسة، والشركات مادية بحتة، تجعل جوائز لمن يشتري منها فنقول: هذا لا بأس به بشرطين: الشرط الأول: أن يكون الثمن -ثمن البضاعة- هو ثمنها الحقيقي، أي: لم يرفع السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة قمار ولا يحل.
الشرط الثاني: ألا يشتري الإنسان السلعة من أجل ترقب الجائزة، فإن كان اشترى من أجل ترقب الجائزة فقط وليس له غرض في السلعة كان هذا من إضاعة المال، وقد سمعنا أن بعض الناس يشتري علبة الحليب أو اللبن وهو لا يريدها لكن لعله يحصل على الجائزة، فتجده يشتريه ويريقه في السوق أو في طرف البيت، وهذا لا يجوز؛ لأن فيه إضاعة المال، وقد (نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال) .
стр. 1500
كيفية التعامل مع الجار المقصر في دينه
فضيلة الشيخ! إذا كان لي جار لا يصلي أو كان على بعض المنكرات، وقدمت له النصيحة، أو أعطيته بعض الأشرطة التي تدله على الصواب، هل أكون بذلك أديت له النصيحة وأبرأت ذمتي منه؟
الواجب على الإنسان إذا رأى من أخيه منكراً أن ينهاه عنه، وأن يدعوه إلى الخير بأي وسيلة، سواء عن طريق الأشرطة أو في كتيبات صغيرة، أو هو بنفسه يدعوه، فلا بأس أن تدعوه لبيتك وتصنع له مثلاً الطعام، ثم تكلمه في الموضوع، وقد يكون تأثير هذا الأخير أكثر من تأثير الأشرطة والكتيبات؛ لأن الأشرطة والكتيبات قد يسمعها ويقرأها وقد لا يسمعها ولا يقرأها، ولكن إذا اتصلت به أنت بنفسك وزرته في بيته أو دعوته إلى بيتك قد يكون هذا أنفع.
والمهم هو الإصلاح، وسبل الإصلاح تختلف باختلاف الناس واختلاف أحوالهم وتقبلهم، والعاقل الحكيم: هو الذي ينزل الأشياء في منازلها، فإذا فعلت ذلك كله مع الحرص على هدايته فقد أديت النصيحة، والله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١-٢٢] .
стр. 1501
حكم قول الشاعر: (كل الوجود يفنى إلا هواك يا وطني)
فضيلة الشيخ: ما رأيكم في بيت الشعر الذي يقول فيه الشاعر:
كل الوجود يفنى إلا هواك يا وطني
وهل من يردد هذا البيت دون قصد لمعناه يعتبر مشركاً أو كافراً؟ أفيدونا وفقكم الله لما يحبه ويرضاه.
الوجود يدخل فيه الرب ؛ لأنه واجب الوجود، فمدلول هذه الكلمة خطير جداً وكفر، لكن قد يقولها القائل وهو لا يدري معناها، ثم إن الواجب يا إخواني ألا نكون وطنيين وقوميين، أي: ألا نتعصب لقومنا ولوطننا؛ لأن التعصب الوطني قد ينضم تحت لوائه المؤمن والمسلم والفاسق والفاجر والكافر والملحد والعلماني والمبتدع والسني، وطن يشمل كل هؤلاء، فإذا ركزنا على الوطنية فقط فهذا لا شك أنه خطير؛ لأننا إذا ركزنا على الوطنية جاء إنسان مبتدع إلى إنسان سني وقال له: أنا وإياك مشتركان في الوطنية، ليس لك فضل عليَّ ولا لي فضل عليك، وهذا مبدأ خطير في الواقع؛ والصحيح هو التركيز على أن نكون مؤمنين.
أما البيت الذي ذكر في السؤال: فإن اعتقد قائله معناه فقد كفر، وإن كان لا يعتقد مدلوله ولكن يقول ولا يدري فهذا لا نكفره؛ لأنه لا يدري معناه، لكن ننهاه عن هذا البيت ونبين -أيضاً- أن التعصب للوطن وكون الجامع بيننا هو الوطنية ليس بصحيح أبداً، ولا يستقيم الأمر إلا أن يكون الجامع بيننا الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] والآية نزلت في المدينة، وكان في المدينة يهود قبل هجرة الرسول ﷺ إليها؛ ومع ذلك فلم يدخلوا في الآية مع أنهم مواطنون، فإن الرسول ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي.
فهذه مسألة خطيرة فالمبدأ الصحيح أن الذي يجمع بيننا هو الإسلام والإيمان، وبهذا نكسب المسلمين في كل مكان، أما احتجاج بعض دعاة الوطنية بقول الرسول ﷺ لـ مكة: (إنكِ أحب البقاع إلى الله) فلا حجة لهم في ذلك؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: إنك أحب البلاد إلي، بل قال: (أحب البقاع إلى الله) ولذلك قال: (ولولا أن قومكِ أخرجوني منك ما خرجت) فلم يقل رسول الله ﷺ ذلك من أجل الوطنية وإنما من أجل أن مكة أحب البقاع إلى الله تعالى، وهو ﷺ يحب ما يحبه الله.
стр. 1502
حكم من يشتغل في المسجد بالكلام ونحوه
فضيلة الشيخ: ما رأيكم في الذين إذا حضروا إلى المسجد لأداء الصلاة اشتغلوا بالسواليف والكلام فيما بينهم حتى تقام الصلاة؟
إذا دخل هؤلاء المسجد وصلوا تحية المسجد، وصلوا الراتبة إن كانت الصلاة مما لها راتبة قبلها، فإذا فعلوا ذلك فالأفضل أن يشتغلوا بالقرآن أو يشتغلوا بالتسبيح أو بأي شيء ينفعهم؛ لأنهم لا يزالون في صلاة ما انتظروا الصلاة، فإن تشاغلوا بكلام آخر نظرنا: إن كان مما يحرم فإنَّ تحدثهم به وهم في المسجد وفي انتظار الصلاة يكون أشد إثماً، وإن كان من الأمور المباحة فلا بأس بذلك ما لم يشوشوا على غيرهم، فإن شوشوا على غيرهم فإنه لا يحل لهم التشويش على المسلمين.
стр. 1503
حكم اللحن في القرآن من كبار السن
عندنا امرأة يزيد عمرها على خمسين سنة، وفي قراءتها لسورة الفاتحة تقول: (اهدنا الصراط المستقين) بالنون بدل الميم، وإذا أرادت أن تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تقول: (إياك نعبد وإياك نستعيم) بالميم، فما هو رأي فضيلتكم في ذلك؟
أرى أن تجلس معها أنت، أو تجلس معها بعض الأخوات لتعليمها القراءة الصحيحة، وخصوصاً لتعديل هذه الحروف التي تخطئ فيها من سورة الفاتحة، وليس كبر السن مانعاً لها من التعلم، فاجلس معها ولو أكثر من جلسة، ومع التكرار تتعلم إن شاء الله تعالى.
стр. 1504
حكم الزوجين إذا أسلم أحدهما دون الآخر
فضيلة الشيخ: أسلم رجل هندوسي متزوج وزوجته لا زالت هندوسية في بلادها، وقد أخذ إجازة واتفق مع المسئول عنه أن يستقدمها إلى هنا من أجل دعوتها إلى الإسلام، فهل يجوز له أن يقضي وطره منها أثناء إجازته دون إخبارها بإسلامه؟ أفتونا أثابكم الله.
لا يحل لهذا الرجل المسلم أن يستمتع بها إلا أن تسلم، والواجب عليه أن يعرض عليها الإسلام أولاً، فإن أسلمت فهي زوجته، وإن لم تسلم فليست زوجة له، ولا يحل له أن يستمتع بشيء منها؛ لأنها محرمة عليه، قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] فالواجب عليه ألا يقربها بمعنى: لا يباشرها ويستمتع بها، بل يتحدث معها عن الإسلام، وعن محاسن الإسلام، ويرغبها شيئاً فشيئاً.
стр. 1505
حكم نسيان الإمام أو المأموم للفاتحة
فضيلة الشيخ: إذا كانت قراءة الفاتحة ركناً من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، فما الحكم في إمام أو مأموم نسي قراءة الفاتحة؟
هذا سؤال وجيه؛ فالفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا بها في كل ركعة، فإذا نسيها الإمام في الركعة الأولى ولم يتذكر إلا حين قام إلى الركعة الثانية صارت الثانية هي الأولى في حقه، وعلى هذا إذا سلم فلا بد أن يأتي بركعة أخرى عوضاً عن الركعة التي ترك فيها الفاتحة، أما المأموم فإنه لا يتابعه في هذه الركعة لكن يجلس للتشهد وينتظر حتى يسلم مع إمامه.
أما بالنسبة للمأموم إذا تركها فمن قال: إن المأموم ليست عليه قراءة الفاتحة فالأمر واضح أنه ليس عليه شيء.
ومن قال: إنها ركن في حقه، فهو كالإمام، فإذا تركها يأتي بعد سلام إمامه بركعة، إلا إذا جاء والإمام راكع أو جاء والإمام قائم، ولكنه ركع قبل أن يتمها، ففي هذه الحال تسقط عنه -أي: عن المأموم- في الركعة الأولى.
стр. 1506
حكم إعادة الأذان في المكبر
فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن بدون مكبر الصوت لانقطاع التيار الكهربائي، ثم بعد أذانه مباشرة جاء التيار، فهل يعيد الأذان في مكبر الصوت أم يكتفي بأذانه الأول؟
يكفي أذانه الأول ولا حاجة للإعادة؛ لأن هناك مساجد أخرى حوله قد سمع الناس التأذين منها، أما لو كان مسجداً منفرداً ليس هناك غيره فهنا يعيد؛ حتى يعلم الناس بدخول وقت الصلاة.
стр. 1507
حكم الأكل المحتوي على ما يسمى بالجلاتين البقري
فضيلة الشيخ: ما حكم الأكلات التي تحتوي على ما يسمى بالهلام أو الجلاتين البقري؟
إذا علمنا أن البقرة ماتت بغير فعل آدمي أو أن ذابحها ما ذكاها ذكاة شرعية، أو كان ممن لا تحل ذكاته فهي ميتة لا يحل أكلها، فلو ذبح مجوسي بقرة فهي حرام ولو سمى الله ولو أنهر الدم، وإذا ذبح المسلم بقرة ولكن على غير الوجه الشرعي فهي -أيضاً- حرام وميتة، فإذا أخذ منها شيئاً وخلطه بغيره وظهر له أثر من طعم أو لون أو رائحة فهو حرام، وإن اضمحل فيها ولم يظهر له أثر فلا بأس به؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يأكلون من جبن المجوس، والمجوس ذبائحهم حرام؛ لكن لا يؤخذ من الأنفحة في الجبن إلا القليل الذي لا يظهر أثره في الطعام، فدل ذلك على أن الشيء الذي لا يظهر أثره لا أثر له.
стр. 1508
حكم استقدام خادمة من بلدها بدون محرم
استقدمت خادمة من بلدها بدون محرم لصعوبة إحضار المحرم، وقد استقدمتها للحاجة الماسة إليها، فما حكم الشرع في ذلك؟
أولاً ينبغي أن نستغني عن الخدم ما أمكن ولا نأتي بهم إلا للضرورة القصوى، وذلك لأن بقاء المرأة في البيت عاطلة لا تتحرك ولا تعمل مضر لها في بدنها، ويضرها في تفكيرها -أيضاً- لأنها ستبقى غير متحركة مما يؤدي إلى حدوث بعض الأمراض لها كالرهال والسكر، كما يحدث -أيضاً- تبلد في تفكيرها، فتستولي عليها الوساوس والهواجس الضارة، لكن إذا دعت الضرورة فلا بأس؛ إلا أننا نرى أنه لا بد من أمرين: الأمر الأول: أن تكون الخادمة مسلمة.
الأمر الثاني: أن يكون معها محرم.
أما الأمر الأول: فلأن الكافرة لا ينبغي أن تبقى بين جنبيك في بيتك مع أهلك وأولادك، لو لم يكن في ضررها إلا أن أهل البيت يقومون للصلاة وهذه المرأة لا تصلي فيقول الصغار: لماذا لا تصلي هذه المرأة؟ وهم يحبونها فيعتقدون حينئذ بعدم ضرورة الصلاة، هذا إن لم تكن تعلمهم دينها كما ذكر لنا من بعض الناس أنه يسمع الخادمة وهي تلقن الصبيان الصغار أن عيسى هو الله نسأل الله العافية! وهذا ليس ببعيد؛ لأنه دين عندها، دين ينفع ويقرب إلى الله، فترى تعليمها الأطفال إحسان إليهم.
أما الثاني: وهو وجود المحرم؛ فلأننا سمعنا أشياء فظيعة إذا لم يكن معها محرم؛ ولاسيما إذا كان في البيت شباب مراهقين، فإنه يحصل في ذلك فتنة وشر وبلاء، وبه يتبين حكم الشريعة ألا تسافر المرأة إلا مع محرم، لهذا لا أرى رخصة في أن يأتي الإنسان بخادمة إلا ومعها محرمها، وسيستفيد من المحرم؛ يقضي حوائج البيت من السوق، وربما يكون سائقاً ينتفع به صاحب البيت، فالمهم أنه: أولاً: لا يؤتى بخادمة إلا للضرورة.
ثانياً: أن تكون مسلمة.
ثالثاً: أن يكون معها محرم.
стр. 1509
حكم أكل اللحوم المستوردة من بلاد الكفار
ما حكم أكل اللحوم المستوردة من الدجاج أو اللحم التركي أو غيره؟
الذي نراه أن اللحوم المستوردة حلال؛ لأن مجلس هيئة كبار العلماء أتى بوكلاء الوزارة -وزارة التجارة- وناقشهم في الموضوع، وقالوا: إن الذي يرد إلى المملكة مراقب ولا إشكال فيه، وهذا هو الظن أنه لن يرد إلى هذه البلاد إلا ما كان حلالاً، فنرى أنه ليس فيه شيء، لكن إذا قال إنسان: إن عنده شبهة في هذا اللحم فليدع ما فيه شبهة عنده ليستريح.
стр. 1510
حكم من يقول الشهادتين ويذبح لغير الله
ما رأي فضيلتكم بمن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يذبح لغير الله، فهل يكون مسلماً؟ مع العلم أنه نشأ في بلاد الإسلام؟ الشيخ: الذي يتقرب إلى غير الله بالذبح مشرك شركاً أكبر، ولا ينفعه قول: لا إله إلا الله ولا صلاة ولا صوم ولا غيره، اللهم إلا إذا كان ناشئاً في بلاد بعيدة، لا يدري عن هذا الحكم، كمن يعيش في بلاد بعيدة يذبحون لغير الله، ويذبحون للقبور، ويذبحون للأولياء، وليس عندهم في هذا بأس، ولا يعلمون أن هذا شرك أو حرام، ولم تقم عليهم الحجة في ذلك فإن هذا يُعذر بجهله.
أما إنسان يقال له: هذا كفر.
فيقول: لا، ولا أترك الذبح للولي، فهذا قد قامت عليه الحجة فيكون كافراً، فإذا نُصح وقيل له: إن هذا شرك، وبينت له الأدلة في ذلك، وأقيمت عليه الحجة الشرعية فلم يعبأ ولم يهتم، صار مشركاً كافراً مرتداً يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
السائل: وهل هناك فرق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية؟ الشيخ: الخفية بينة، مثل هذه المسألة لو فرضنا أنه يقول: أنا أعيش في قوم يذبحون للأولياء ولا أعلم أن هذا حرام فهذه تكون خفية؛ لأن الخفاء والظهور أمر نسبي قد يكون ظاهراً عندي ما هو خفيٌ عليك وظاهرٌ عندك ما هو خفي عليَّ.
السائل: وكيف أقيم الحجة عليه؟ وما هي الحجة التي أقيمها عليه؟ - الشيخ: الحجة عليه ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١-٢] فهذا دليل على أن النحر للتقرب والتعظيم عبادة، ومن صرف عبادة لغير الله فهو مشرك.
فتجب إقامة الحجة قبل التكفير، وذلك في كل المسائل التي يمكن أن يجهلها الناس، فلا نقسم المسائل إلى مسائل ظاهرة ومسائل خفية؛ لأن الظهور والخفاء أمر نسبي، قد تكون المسألة ظاهرة عندي وخفية عند غيري، فلابد إذاً من إقامة الحجة وعدم التسرع في التكفير؛ لأن إخراج رجل من ملة الإسلام ليس بالأمر الهين، وهناك موانع تمنع من تكفير الشخص وإن قال أو فعل ما هو كفر، منها: الخطأ، فالرجل الذي قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) قال كلاماً كفرياً، ومع ذلك لم يكفر؛ لأنه أخطأ من شدة الفرح.
وكذلك إذا أكره رجل على الكفر فتكلم به لم يكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل:١٠٦] والعلماء الذين يقولون: كلمة كفر دون صاحبها، هذا إذا لم تقم عليه الحجة ولم نعلم عن حاله، أما إذا علمنا عن حاله فما الذي يبقى؟ نقول: لا يكفر؟ معناه: لا أحد كافر؟ أي: لا يبقى أحد يكفر، حتى المصلي الذي لا يصلي نقول: لا يكفر؟ حتى ابن تيمية يقول: إذا بلغته الحجة قامت عليه الحجة.
следующие страницы →