Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
حكم إعادة الأذان في المكبر
فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن بدون مكبر الصوت لانقطاع التيار الكهربائي، ثم بعد أذانه مباشرة جاء التيار، فهل يعيد الأذان في مكبر الصوت أم يكتفي بأذانه الأول؟
يكفي أذانه الأول ولا حاجة للإعادة؛ لأن هناك مساجد أخرى حوله قد سمع الناس التأذين منها، أما لو كان مسجداً منفرداً ليس هناك غيره فهنا يعيد؛ حتى يعلم الناس بدخول وقت الصلاة.
стр. 1507
حكم الأكل المحتوي على ما يسمى بالجلاتين البقري
فضيلة الشيخ: ما حكم الأكلات التي تحتوي على ما يسمى بالهلام أو الجلاتين البقري؟
إذا علمنا أن البقرة ماتت بغير فعل آدمي أو أن ذابحها ما ذكاها ذكاة شرعية، أو كان ممن لا تحل ذكاته فهي ميتة لا يحل أكلها، فلو ذبح مجوسي بقرة فهي حرام ولو سمى الله ولو أنهر الدم، وإذا ذبح المسلم بقرة ولكن على غير الوجه الشرعي فهي -أيضاً- حرام وميتة، فإذا أخذ منها شيئاً وخلطه بغيره وظهر له أثر من طعم أو لون أو رائحة فهو حرام، وإن اضمحل فيها ولم يظهر له أثر فلا بأس به؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يأكلون من جبن المجوس، والمجوس ذبائحهم حرام؛ لكن لا يؤخذ من الأنفحة في الجبن إلا القليل الذي لا يظهر أثره في الطعام، فدل ذلك على أن الشيء الذي لا يظهر أثره لا أثر له.
стр. 1508
حكم استقدام خادمة من بلدها بدون محرم
استقدمت خادمة من بلدها بدون محرم لصعوبة إحضار المحرم، وقد استقدمتها للحاجة الماسة إليها، فما حكم الشرع في ذلك؟
أولاً ينبغي أن نستغني عن الخدم ما أمكن ولا نأتي بهم إلا للضرورة القصوى، وذلك لأن بقاء المرأة في البيت عاطلة لا تتحرك ولا تعمل مضر لها في بدنها، ويضرها في تفكيرها -أيضاً- لأنها ستبقى غير متحركة مما يؤدي إلى حدوث بعض الأمراض لها كالرهال والسكر، كما يحدث -أيضاً- تبلد في تفكيرها، فتستولي عليها الوساوس والهواجس الضارة، لكن إذا دعت الضرورة فلا بأس؛ إلا أننا نرى أنه لا بد من أمرين: الأمر الأول: أن تكون الخادمة مسلمة.
الأمر الثاني: أن يكون معها محرم.
أما الأمر الأول: فلأن الكافرة لا ينبغي أن تبقى بين جنبيك في بيتك مع أهلك وأولادك، لو لم يكن في ضررها إلا أن أهل البيت يقومون للصلاة وهذه المرأة لا تصلي فيقول الصغار: لماذا لا تصلي هذه المرأة؟ وهم يحبونها فيعتقدون حينئذ بعدم ضرورة الصلاة، هذا إن لم تكن تعلمهم دينها كما ذكر لنا من بعض الناس أنه يسمع الخادمة وهي تلقن الصبيان الصغار أن عيسى هو الله نسأل الله العافية! وهذا ليس ببعيد؛ لأنه دين عندها، دين ينفع ويقرب إلى الله، فترى تعليمها الأطفال إحسان إليهم.
أما الثاني: وهو وجود المحرم؛ فلأننا سمعنا أشياء فظيعة إذا لم يكن معها محرم؛ ولاسيما إذا كان في البيت شباب مراهقين، فإنه يحصل في ذلك فتنة وشر وبلاء، وبه يتبين حكم الشريعة ألا تسافر المرأة إلا مع محرم، لهذا لا أرى رخصة في أن يأتي الإنسان بخادمة إلا ومعها محرمها، وسيستفيد من المحرم؛ يقضي حوائج البيت من السوق، وربما يكون سائقاً ينتفع به صاحب البيت، فالمهم أنه: أولاً: لا يؤتى بخادمة إلا للضرورة.
ثانياً: أن تكون مسلمة.
ثالثاً: أن يكون معها محرم.
стр. 1509
حكم أكل اللحوم المستوردة من بلاد الكفار
ما حكم أكل اللحوم المستوردة من الدجاج أو اللحم التركي أو غيره؟
الذي نراه أن اللحوم المستوردة حلال؛ لأن مجلس هيئة كبار العلماء أتى بوكلاء الوزارة -وزارة التجارة- وناقشهم في الموضوع، وقالوا: إن الذي يرد إلى المملكة مراقب ولا إشكال فيه، وهذا هو الظن أنه لن يرد إلى هذه البلاد إلا ما كان حلالاً، فنرى أنه ليس فيه شيء، لكن إذا قال إنسان: إن عنده شبهة في هذا اللحم فليدع ما فيه شبهة عنده ليستريح.
стр. 1510
حكم من يقول الشهادتين ويذبح لغير الله
ما رأي فضيلتكم بمن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يذبح لغير الله، فهل يكون مسلماً؟ مع العلم أنه نشأ في بلاد الإسلام؟ الشيخ: الذي يتقرب إلى غير الله بالذبح مشرك شركاً أكبر، ولا ينفعه قول: لا إله إلا الله ولا صلاة ولا صوم ولا غيره، اللهم إلا إذا كان ناشئاً في بلاد بعيدة، لا يدري عن هذا الحكم، كمن يعيش في بلاد بعيدة يذبحون لغير الله، ويذبحون للقبور، ويذبحون للأولياء، وليس عندهم في هذا بأس، ولا يعلمون أن هذا شرك أو حرام، ولم تقم عليهم الحجة في ذلك فإن هذا يُعذر بجهله.
أما إنسان يقال له: هذا كفر.
فيقول: لا، ولا أترك الذبح للولي، فهذا قد قامت عليه الحجة فيكون كافراً، فإذا نُصح وقيل له: إن هذا شرك، وبينت له الأدلة في ذلك، وأقيمت عليه الحجة الشرعية فلم يعبأ ولم يهتم، صار مشركاً كافراً مرتداً يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
السائل: وهل هناك فرق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية؟ الشيخ: الخفية بينة، مثل هذه المسألة لو فرضنا أنه يقول: أنا أعيش في قوم يذبحون للأولياء ولا أعلم أن هذا حرام فهذه تكون خفية؛ لأن الخفاء والظهور أمر نسبي قد يكون ظاهراً عندي ما هو خفيٌ عليك وظاهرٌ عندك ما هو خفي عليَّ.
السائل: وكيف أقيم الحجة عليه؟ وما هي الحجة التي أقيمها عليه؟ - الشيخ: الحجة عليه ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١-٢] فهذا دليل على أن النحر للتقرب والتعظيم عبادة، ومن صرف عبادة لغير الله فهو مشرك.
فتجب إقامة الحجة قبل التكفير، وذلك في كل المسائل التي يمكن أن يجهلها الناس، فلا نقسم المسائل إلى مسائل ظاهرة ومسائل خفية؛ لأن الظهور والخفاء أمر نسبي، قد تكون المسألة ظاهرة عندي وخفية عند غيري، فلابد إذاً من إقامة الحجة وعدم التسرع في التكفير؛ لأن إخراج رجل من ملة الإسلام ليس بالأمر الهين، وهناك موانع تمنع من تكفير الشخص وإن قال أو فعل ما هو كفر، منها: الخطأ، فالرجل الذي قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) قال كلاماً كفرياً، ومع ذلك لم يكفر؛ لأنه أخطأ من شدة الفرح.
وكذلك إذا أكره رجل على الكفر فتكلم به لم يكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل:١٠٦] والعلماء الذين يقولون: كلمة كفر دون صاحبها، هذا إذا لم تقم عليه الحجة ولم نعلم عن حاله، أما إذا علمنا عن حاله فما الذي يبقى؟ نقول: لا يكفر؟ معناه: لا أحد كافر؟ أي: لا يبقى أحد يكفر، حتى المصلي الذي لا يصلي نقول: لا يكفر؟ حتى ابن تيمية يقول: إذا بلغته الحجة قامت عليه الحجة.
стр. 1511
حكم صلاة الوتر جماعة في غير رمضان
هل يجوز أن يصلي الوتر جماعة في غير شهر رمضان، كأن يكون قوم في سفر فيأتي وقت الوتر فيوترون جماعة ولو لمرة واحدة من غير صيغة استمرار ولا مواعدة كل عام؟
لا بأس أن يصلي الإنسان النافلة في جماعة في بعض الأحيان؛ لأنه ثبت هذا عن النبي ﷺ ، فإنه صلى معه ابن عباس ﵄ وصلى معه عبد الله بن مسعود، وصلى معه حذيفة بن اليمان، كل هذا وردت به السنة، فإذا فعلوا هذا ولم يتخذوها سنة راتبة فلا بأس.
стр. 1512
إمكان الجمع بين طلب العلم والزواج
فضيلة الشيخ: هناك طالب علم شرعي يريد أن يتزوج ولكنه يخشى إن تزوج أن يتعطل وينشغل عن طلب العلم، فما نصيحتكم له؟ وماذا تشيرون عليه إذا أراد ترك الدراسة للجهاد؟
الزواج لا يعوق عن طلب العلم، بل ربما يعين على طلب العلم؛ قد يوفق الإنسان لامرأة تقرأ وتكتب وتساعده، فإن لم تكن فأقل ما يكون أن يذهب عنه الوساوس والتفكير في الزواج، فالزواج يعين على طلب العلم؛ وإذا كان أبوه يريد أن يزوجه فلا يرفض، فخير البر عاجله، ولعل الله يهديه.
أما ترك الدراسة للجهاد فالذي أشير عليه به أن يبقى في الدراسة إذا كان عنده استعداد للعلم؛ لأن الناس يختلفون؛ لو جاءنا رجل قوي شجاع لكنه في طلب العلم ليس ذلك الرجل فهنا نقول: الأفضل له الجهاد، ولو جاءنا إنسان دون ذلك في القوة وفي الشجاعة لكنه وعاء علم نقول: الأفضل طلب العلم، فإن تساوى الأمران فطلب العلم أفضل.
стр. 1513
حكم من ذبح لغير الله وقد بلغته الحجة
رجل مرض وذهب للكهنة وطلبوا منه أن يذبح للجن ويعلق شعر الذئب، وبُلِّغ بالحجة أن هذا شرك فذهب وفعل هذا، هل يطلق عليه بأنه مشرك بعد إبلاغه الأدلة الشرعية؟
من ذبح للجن تعظيماً لهم أو خوفاً منهم فهذا شرك، وإذا بُلغ الإنسان بهذا ولكنه أصر على أن يفعل كان شركاً، لكنه إذا تاب ولو بعد أن فعل فإن الله يتوب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] ، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ونسأل الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة.
стр. 1514
لقاء الباب المفتوح [٤٩]
تحدث الشيخ ﵀ عن أهمية استغلال أيام الإجازة الصيفية، وذكر أن الناس في الإجازة على قسمين: منهم من استغل وقته بما يكون سبباً لرضا الرب ﷻ ، ومنهم من أمضى وقته في المعاصي، فخسر الدنيا والآخرة، ثم أجاب الشيخ بعد ذلك عن الأسئلة التي طرحت عليه.
стр. 1515
نصيحة لاستغلال الإجازة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأخير من شهر رجب عام (١٤١٤هـ) ، وهو اللقاء الأسبوعي الذي يكون كل خميس، وسيكون هذا آخر لقاء قبل الإجازة، وتستأنف اللقاءات -إن شاء الله- بعد استئناف الدراسة في آخر شعبان، نسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح.
كنا بصدد أن ننتهي من تفسير سورة الأعلى، ولكن لعل المناسب في هذه الجلسة أن يكون هناك توجيه للناس لما سيفعلونه في هذه الإجازة.
فنقول ومن الله تعالى التوفيق: لا شك أن ساعات العمر أغلى من الدنانير والدراهم؛ لأن ساعات العمر تفوت ولا يمكن استرجاعها أبداً، وكل يومٍ يمضي فإنه يبعدنا من الدنيا ويقربنا إلى الآخرة، فتسير الأيام وتنقضي الساعات وتمضي السنوات وإذا بالإنسان ينتهي إلى الأجل المحتوم الذي قال الله تعالى عنه: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩] وإذا كانت هذه منزلة العمر وساعاته؛ فإن الواجب على العاقل فضلاً عن المؤمن أن يستغل هذه الساعات فيما خُلق له، والذي خلقنا له جميعاً هو عبادة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
والعبادة: اسم لكل ما يقرب إلى الله تعالى من قول أو عمل؛ سواء كان عمل الجوارح الظاهرة أو عمل القلب، وسواء كان قول اللسان الذي ينطق به أو قول القلب الذي هو الاعتقاد، فكل ما يقرب إلى الله فهو عبادة، والله تعالى لا يريد منا أن نبقى دائماً في صلاة، أو نبقى دائماً محبوسين في المساجد للذكر والقراءة؛ بل إن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فقد بلغه أن قوماً من أصحابه قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، فخطب النبي ﷺ وقال: (ألا إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) وقال ﷺ : (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) .
وعلى هذا فنقول: إنه لا حرج على الإنسان أن يمتع نفسه بما أحل الله تعالى له من النعم؛ حتى يذهب عنه السآمة والملالة والتعب، لكن بشرط أن يكون فيما أحل الله له، وهذه الإجازة التي قررت للدارسين والمدرِّسين في أثناء العام ما هي إلا لهذا الغرض؛ لدفع الملل والسآمة والتعب، ولإعطاء النفس حظها مما أباح الله لها.
ينقسم الناس في هذه الإجازة إلى أقسام: - منهم من يستغلها بالسفر إلى بيت الله الحرام وإلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل التحية والسلام.
- ومنهم من يستغلها بالسفر لزيارة الأقارب والأرحام.
- ومنهم من يستغلها للتجول في الدعوة إلى الله وإرشاد الناس وتوجيههم.
- ومنهم من يستغلها للتفرغ في استعادة ما مضى من طلب العلم، واستذكار ما نسي من القرآن.
- ومنهم من يستغلها في مساعدة أبيه في بيع أو شراء أو حرث أو غير ذلك.
- ومنهم من يستغلها في الخروج إلى البر والتنزه على وجهٍ يكون مباحاً.
- ومنهم من يستغلها في الخروج إلى البر والتنزه لكن على وجهٍ محرم، يمضون أوقاتهم إما في مشاهدة ما يعرض في التلفاز من البرامج التي ترد إلينا من الخارج، إما عن طريق أشرطة الفيديو، أو عن طريق الدش الذي يلتقط كل شيء مما يفسد الأديان، ويهدم الأخلاق.
فهؤلاء خسروا الدنيا والآخرة خسروا الدنيا لأنهم لم يعملوا في هذه المدة فيما يرضي الله ، اللهم إلا في أداء الفرائض التي لابد منها كالصلاة والطهارة.
وخسروا الآخرة؛ لأن هذه المعاصي تكون سبباً لتعذيبهم وعقوبتهم في الآخرة، وربما تتراكم المعاصي على القلب حتى يختم عليه والعياذ بالله، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:١٣] أي: إذا تلي عليه القرآن وما فيه من عبر وعظات قال: هذا كلام مجالس وقصص لا حقيقة لها، ﴿كَلَّا﴾ [المطففين:١٤] أي: ليس القرآن أساطير الأولين ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] حتى لم يذوقوا طعم القرآن -نسأل الله العافية- فالمعاصي بريد الكفر كما قال العلماء ﵏.
- ومن الناس من يستغل الإجازة في أخبث من هذا؛ في السفر إلى الخارج إلى بلاد الفساد والمجون، فيفعل هناك ما شاء من أنواع المعاصي، وغالباً أنه يدع الصلاة؛ فيخسر خسارة فادحة -والعياذ بالله- فيرجع وقد خسر الدنيا والآخرة، مظلم الوجه مسود القلب.
فالمهم أن الناس لهم نزعات وطرق في قضاء هذه الإجازة.
فالواجب على الإنسان العاقل أن يستغل وقته بما يكون سبباً لرضا ربه ، حتى إذا أتاه الموت أتاه وهو على أحسن ما يكون؛ لأن من ابتلي بالمعاصي في حال صحته وعنفوان شبابه ربما يستمر على هذه المعاصي، فإذا جاء وقت الحاجة إلى الطاعة إذا هو مفلس صفر اليدين، لا يتمكن من نطق الشهادة حال الموت نسأل الله العافية! فالإنسان العاقل ينظر في أيامه ولياليه بماذا أمضاها هل في طاعة الله تعالى أم في معصيته؟ فإن كان في طاعة الله فليحمد الله على ذلك، وليستمر عليه، وليسأله الثبات على ذلك إلى الموت، وإن كان على خلاف ذلك فليسارع بالتوبة والإنابة في وقت الإمكان؛ لأنه حين الموت لا ينفع الندم، ولا تفيد التوبة.
فأدعوكم ونفسي لاستغلال هذه الإجازة فيما يرضي الله ، وقد عرفتم ما يسر الله لنا ذكره من الأقسام التي يتوزع الناس عليها في هذه الإجازة، فأحث نفسي وإياكم على استغلالها فيما يرضي الله، بعبادة الله، وبنفع الخلق، وإعطاء النفس شيئاً من المتعة على وجهٍ مباح وهكذا.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن عمروا أوقاتهم بطاعة ربهم، وأن يثبتنا على ذلك حتى الممات، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1516
الأسئلة
стр. 1517
وسطية أهل السنة تجاه مرتكب الكبيرة
فضيلة الشيخ جزاكم الله خيراً: في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسمٍ فسمه بيده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ماذا يقصد بهذه الأبدية؟ هل هي خاصة بقاتل نفسه؟ وهل يجوز الترحم على من فعل ذلك بنفسه؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا سؤال مهم جداً، وذلك أنه يأتي في الكتاب والسنة أحياناً نصوص فيها فتح باب الرجاء والأمل الواسع، مثل أن تكون أعمال صالحة يترتب عليها تكفير السيئات، أو دخول الجنة أو ما أشبه ذلك، فيفرح الإنسان ويستبشر بذلك ويقول: إذاً لا تضرني معصية ما دام هذا العمل اليسير يكفر عني السيئات، أو يكون سبباً في دخولي الجنة، فأعمل ما شئت من المعاصي، وتأتي أحياناً نصوص فيها وعيد شديد على بعض المعاصي أو بعض الكبائر، بل هي كبائر في الواقع ولكنها لا تخرج من الإسلام، فتجد الرجل يستحسر ويتوقف ويقول: ما هذا؟ ولذلك انقسم أهل القبلة -أي: المسلمون الذين ينتسبون إلى الإسلام- تجاه هذه النصوص إلى ثلاثة أقسام: - قسم غلَّب جانب نصوص الرجاء وقال: لا تضر مع الإسلام معصية، وهؤلاء هم المرجئة، يغلبون جانب الرجاء على جانب الخوف، ويقولون: أنت مؤمن، اعمل ما شئت فلا يضرك مع الإيمان معصية.
- وقسم غلب نصوص التخويف والزجر وقال: إن فاعل الكبائر مخلد في نار جهنم أبداً، ولو كان مؤمناً، ولو كان يصلي ويزكي ويصوم ويحج، وهؤلاء هم الوعيدية من المعتزلة والخوارج، قالوا: إن الإنسان لو فعل كبيرة كقتل نفسه مثلاً، أو قتل نفس غيره، أو زنا، أو سرق، فهو خالدٌ مخلد في نار جهنم وكل هؤلاء جانبوا الصواب، لا الأولون ولا هؤلاء.
وأهل السنة والجماعة وسط في ذلك، قالوا: نأخذ بالنصوص كلها؛ لأن الشريعة واحدة وصادرة عن مصدر واحد وهو الله ، إما في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يكمل بعضها بعضاً، ويقيد بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، فيأتي نص عام ونص خاص؛ فيجب أن نحمل العام على الخاص ونخصصه به، ويأتي نص مطلق ونص مقيد؛ فيجب أن نحمل المطلق على المقيد؛ لأن الشريعة واحدة، والمشرع واحد، فإذا كان كذلك فلا يمكن أن نأخذ بجانب دون آخر.
وبناءً على هذا يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة، فيقال: إنه ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] هذه خمس عقوبات:١- جزاؤه جهنم.
٢- خالداً فيها.
٣- غضب الله عليه.
٤- لعنه.
٥- أعد له عذاباً عظيماً.
عندما تقرأ هذه الآية تقول: إن قاتل المؤمن عمداً مخلد في النار، ولا يمكن أن يخرج منها؛ لأن الله قال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] ومن لعنه الله فقد طرده وأبعده من رحمته، وهذا يقتضي أنه لا يمكن أن يخرج من النار إلى الجنة أبداً، وكذلك ما أشار إليه السائل فيمن قتل نفسه، أنه خالد مخلداً أبداً، صرح في الحديث بالتأبيد، وهذا يقتضي ألا يخرج منها؛ لأن هذا خبر من الرسول ﷺ ، وخبر الرسول صدق لا يمكن أن يعتريه الكذب، ولا يمكن أن يتخلف مدلوله.
ولهذا نقول: هذه الأشياء تكون سبباً لذلك، قتل النفس سبب للخلود المؤبد في نار جهنم، كما قال الرسول ﷺ ، ولكن هناك موانع من الخلود دلت عليها النصوص الشرعية؛ منها: أن يكون الإنسان معه شيء من الإيمان ولو أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فإنه لا يخلد في النار، فنحمل هذه النصوص على هذه النصوص، ونقول: نصوص الوعيد جاءت عامة من أجل التنفير من هذا العمل والهروب منه، ولكن ليس هناك خلود مؤبد إلا للكافرين هذا وجه.
الوجه الثاني: قال بعض العلماء: هذه النصوص على ظاهرها، وذلك أنه قد يصاب الذي يقتل نفسه بالانسلاخ من الإيمان، فيكون حين قتل نفسه غير مؤمن، وإذا كان غير مؤمن فهو كافر خالد في النار؛ لأنه إذا نحر نفسه فإن كان مجنوناً فلا شيء عليه، وإن كان عاقلاً فلابد أنه فعل ذلك لسبب، وهذا السبب في الغالب لكي يستريح من النكبة أو الضائقة التي ألمت به، ومن زعم أنه إذا قتل نفسه نجا من الضائقة التي ألمت به فقد أنكر البعث، وأنكر عقوبة الآخرة، وإذا أنكر البعث وعقوبة الآخرة كان بذلك كافراً، فيكون مستحقاً للخلود المؤبد في النار؛ لأنه ليس من المعقول أن شخصاً يعدم نفسه ليستريح مما هو فيه إلا لظنه أن ينتقل إلى ما فيه الراحة له، ولا يمكن أن يكون أريح له وقد قتل نفسه، فيكون شاكاً أو متردداً أو جاحداً لعذاب الآخرة، وبذلك يكون كافراً.
وعلى كل حال يجب أن نعلم أن الكتاب والسنة صدرت من عند الله وحده، منها ما هو من كلامه جل وعلا وهو القرآن، ومنها ما هو من كلام رسول الله ﷺ ، وأن نصوص الكتاب والسنة بعضها يقيد بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، ولا تناقض بين نصوص الكتاب والسنة أبداً.
وأما مسألة الترحم عليه فيجوز الترحم عليه؛ لأنه ليس بكافر.
стр. 1518
معنى حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)
فضيلة الشيخ: نسأل الله العلي العظيم أن يمد في عمرك على طاعته نرجو منك إعراب هذا الحديث مع بيان معناه بارك الله فيك: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) .
إعرابه كالتالي: (لا) : نافية.
(يقبل) : فعل مضارع مرفوع وعلامة الرفع ضمة ظاهرة في آخره.
الاسم الكريم (الله) : فاعل يقبل.
(صلاة) : مفعول يقبل.
و (صلاة) مضاف، و (أحدكم) : مضاف إليه، و (أحد) مضاف، والكاف: مضاف إليه، والميم علامة الجمع.
(إذا) : ظرف للزمان.
(أحدث) : فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
(حتى) : حرف غاية.
(يتوضأ) : فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد (حتى) ، وفاعله ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
هذا إعراب الحديث.
أما معناه: فهو أن الله تعالى لا يقبل الصلاة من الإنسان إذا أحدث حدثاً أصغر؛ لقوله: (حتى يتوضأ) دل على أن المراد بالحدث هو الأصغر، ولو أراد الحدث الأكبر لقال: حتى يغتسل.
(لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وظاهر الحديث أنه لا فرق بين الناسي والذاكر والجاهل والعالم، فلو أن الإنسان أحدث ثم صلى ناسياً أنه أحدث، وجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة، ولو صلى الإنسان وهو محدث لكنه جاهل بالحدث؛ مثل أن يأكل لحم إبل ولا يدري أنه لحم إبل، ثم يقوم ويصلي، ثم أخبر بأنه أكل لحم إبل فيجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
стр. 1519
حكم طاعة الوالدين في الأمر بطلاق الزوجة
فضيلة الشيخ: كثير من الإخوة يشكون من أن الأم قد لا تحب زوجة الابن، ويكون الابن قد تعلق بزوجته وأحبها، فتأمره الأم بطلاقها، وكذلك قد يأمره الأب، فهل إذا رفض طلاق زوجته يعتبر عاقاً لوالديه؟
لا يلزم الابن أن يطيع أبويه إذا أمراه بطلاق زوجته؛ لأن هذه تتعلق برغبة خاصة بالإنسان، ولا يلزمه أن يقبل ما أمره والداه به من مفارقة الزوجة، كما لو قالا له: لا تأكل من هذا الطعام، لا تأكل لحماً، لا تأكل أرزاً، لا تأكل الشيء المعين، وهو مما يشتهيه، فلا يلزمه طاعتهما في ذلك؛ لأنه لا مصلحة لهما في ذلك، وفيه ضررٌ عليه لفوات محبوبه.
فكذلك إذا قالا: طلق زوجتك.
لا يلزمه طلاقها إلا بسببٍ شرعي معلوم يقر به الزوج، فهنا يلزمه -لا من أجل أمرهما- حتى لو كانا لم يأمراه بذلك، وربما يورد مورد علينا قصة عبد الله بن عمر مع أبيه ﵄، حيث أمر عمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته، فأمر النبي ﷺ عبد الله أن يطلقها.
والجواب عن هذا: أن هذا الإيراد أورد على الإمام أحمد بن حنبل ﵀ الإمام المشهور حيث سأله سائل فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي.
فقال له: لا تطلقها.
فأورد عليه حديث عمر، فقال له الإمام أحمد جواباً سديداً، قال: وهل أبوك عمر؟ أي: هل أبوك مثل عمر لا يأمر إلا بشيء لابد منه؟ فالجواب: لا، وإذا كان الجواب بالنفي فلا يصح القياس.
وعلى الوالدين أن يتقيا الله ، وألا يفرقا بين الرجل وزوجه؛ لئلا يكونا مثل السحرة الذين يتعلمون من الشياطين ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وإذا رأى الابن أن الحال لن تستقيم بوجود الزوجة مع الأم في بيت واحد، ففي هذه الحال يخرج من البيت هو وزوجته وينفردان عن الأم، قد يقول: لا ترضى الأم أن أنفرد بزوجتي في بيتٍ آخر، نقول: وإن لم ترض فيقال لها: إما أن تحسني العشرة وإما أن أخرج.
ولكن مع ذلك لا يظن الظان أننا نرجح في هذه الحال جانب الزوجة، فلو فرض أن الزوجة تسيء إلى الأم، فإن الواجب على الزوج أن ينهاها ويؤدبها.
стр. 1520
حكم الأشياء التي يشمها الكلب أو يلمسها
فضيلة الشيخ: جميع الإخوة والأخوات في المنطقة الشرقية يسلمون عليك، وسؤالي هو: أنه يوجد نقاط تفتيش في بعض المؤسسات الكبرى يستخدم فيها الكلاب المدربة، فتدخل في مقدمة السيارة ثم تبدأ بالشم واللحس.
فهل تتنجس بذلك المقاعد والأماكن التي قام الكلب بشمها أو لحسها؟ وجزاكم الله خيراً.
أما الشم فإنه لا يضر؛ لأنه لا يخرج من الكلب ريق، وأما اللحس فيخرج فيه من الكلب ريق، وإذا أصاب ريق الكلب ثياباً أو شبهها فإنها تغسل سبع مرات، ولا نقول: إحداها بالتراب؛ لأنه ربما يضر، لكن نقول: يستعمل عن التراب صابوناً أو شبهه من المزيل ويكفي مع الغسلات السبع.
стр. 1521
حكم من جعل جوائز لمن يشتري من عنده سلعة معينة
فضيلة الشيخ: عندنا في دولة الكويت أنواع من البيوع منتشرة الآن، يقوم التاجر بعرض بضاعته ويوزع كوبونات على المشترين بحسب قيمة شراء كل واحد، وهذه الكوبونات تدخل في سحب الجوائز، ثم تعمل بعد ذلك قرعة ويفوز بعض الناس بجوائز يوزعها عليهم هذا التاجر، فما حكم ذلك جزاكم الله خيراً؟
هذا نوع من البيع نخاطب به البائع والمشتري، فنقول للبائع: هل أنت ترفع سعر السلعة من أجل هذه الجائزة أم لا؟ فإن كنت ترفع السعر فإنه لا يجوز؛ لأنه إذا رفع السعر واشترى الناس منه صاروا إما غارمين وإما غانمين، إما رابحين وإما خاسرين، فإذا كانت هذه السلعة في السوق -مثلاً- قيمتها عشرة فجعلها باثني عشر من أجل الجائزة فهذا لا يجوز؛ لأن المشتري باثني عشر إما أن يخسر الزائد على العشرة وإما أن يربح أضعافاً مضاعفة بالجائزة، فيكون هذا من باب الميسر والقمار المحرم، فإذا قال البائع: أنا أبيع بسعر الناس، لا أزيد ولا أنقص؛ فله أن يضع تلك الجوائز تشجيعاً للناس على الشراء منه.
ثم نتجه إلى المشتري فنقول له: هل اشتريت هذه السلعة لحاجتك إليها، وأنك كنت ستشتريها سواء كانت هناك جائزة أم لا، أم أنك اشتريتها من أجل الجائزة فقط؟ فإن قال: الأول.
قلنا: لا بأس أن تشتري من هذا أو من هذا؛ لأن السعر ما دام أنه كسعر السوق وأنت ستشتري هذه السلعة لحاجتك فحينئذ تكون إما غانماً أو سالماً، ففي هذه الحالة لا بأس أن تشتري من صاحب الجوائز.
وأما إذا قال: أنا أشتري ولا أريد السلعة، وإنما أشتري لأجل أن أحصل على الجائزة.
قلنا: هذا من إضاعة المال؛ لأنك لا تدري أتصيب الجائزة أم لا تصيبها.
وقد بلغني أن بعض الناس يشتري علب اللبن وهو لا يريدها، يشتريها ويريقها لعله يحصل على الجائزة، فهذا يكون من إضاعة المال، وقد ثبت (أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال) .
بقي شيء ثالث: إذا قال قائل: هذه المعاملة ربما تضر بالبائعين الآخرين؛ لأن هذا البائع إذا جعل جوائز للمشترين وكان سعره كسعر السوق اتجه جميع الناس إليه، وكسدت السلع عند التجار الآخرين، فيكون في هذا ضرر على الآخرين، فنقول: هذا يرجع إلى الدولة، فيجب عليها أن تتدخل، فإذا رأت أن هذا الأمر يوجب اضطراب السوق؛ فإنها تمنعه إذا رأت أن المصلحة في منعه، أو إذا رأت أنه من التلاعب في الأسواق، والتلاعب في الأسواق يجب على ولي الأمر أن يمنعه منها.
стр. 1522
العمل فيما إذا تعارضت آراء العلماء
فضيلة الشيخ: إذا تعارض رأي عالم مع رأي عالم آخر من أهل السنة والجماعة في مسألة ما فمن أتبع؟ علماً بأني لا أستطيع أن أرجح بين الأدلة، فما رأيكم؟ وجزاكم الله خيراً.
أسألك: ماذا يفعل المريض إذا اختلف طبيبان كل منهما يصف دواء غير الآخر؟ في هذه الحال يرجح المريض من يطمئن إليه قلبه أنه هو الأعلم والأوثق، وكذلك الأمر هنا، إذا ذهبت إلى شخصين من أهل العلم وتساويا عندك في العلم والثقة؛ لأنه ليس كل عالم يكون ثقة، فالعلماء ثلاثة: علماء ملة، وعلماء دولة، وعلماء أمة.
أما علماء الملة -جعلنا الله وإياكم منهم- فهؤلاء يأخذون بملة الإسلام، وبحكم الله ورسوله، ولا يبالون بأحد كائناً من كان.
وأما علماء الدولة فينظرون ماذا يريد الحاكم، يصدرون الأحكام على هواه، ويحاولون أن يلووا أعناق النصوص من الكتاب والسنة حتى تتفق مع هوى هذا الحاكم، وهؤلاء علماء دولة خاسرون.
وأما علماء الأمة فهم الذين ينظرون إلى اتجاه الناس هل يتجه الناس إلى تحليل هذا الشيء فيحلونه، أو إلى تحريمه فيحرمونه، ويحاولون -أيضاً- أن يلووا أعناق النصوص إلى ما يوافق هوى الناس.
فأنت -على كل حال- إذا اختلف عندك رأي عالمين فانظر أيهما أوثق في نظرك من حيث العلم، ومن حيث الدين، وخذ بما اطمأن قلبك إليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب) فإن لم يوجد عندك اطمئنان ولا ترجيح فبعض العلماء قال: تخير بين أن تأخذ بقول هذا أو بقول هذا، وبعض العلماء قال: تأخذ بالأشد لأنه الأحوط، وبعض العلماء قال: تأخذ بالأيسر لأنه الأوفق لروح الشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر، كما قال النبي ﷺ : (الدين يسر) وهذا لفظ البخاري، فما دمنا لم نعلم أن الدين منع هذا الشيء أو أوجب هذا الشيء فنحن في حل.
стр. 1523
حكم مراعاة الطالب أثناء وضع الدرجات لأدبه وسلوكه
فضيلة الشيخ: هل يجوز للمدرس أثناء تصحيح أوراق الطلبة أو أثناء الاختبار الشفوي أن يراعي سلوك الطلبة في الفصل، فإن كان جيداً زاد له الدرجات ونحو ذلك؟ وأيضاً هل يجوز في أعمال السنة أن يزيد المدرس الطلاب درجة أو درجتين خوفاً من الظلم أو نحو ذلك، لأنكم تعلمون أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن دعوة المظلوم مستجابة، وأن كثيراً من المدرسين يظلمون الطلاب ظلماً كبيراً دون أن يشعروا، فيخاف المدرس من هذا؟ أفيدونا وفقكم الله.
هذا السؤال مهم بالنسبة للمدرسين، وأنا أعلم أنهم يجعلون درجات لسلوك الطالب وأخلاقه داخل المدرسة، فيجب على المدرس الذي يحدد هذه الدرجات أن يحكم بالعدل، وأن يتقي الله ، فإن كان أحد الطلبة أحسن سلوكاً وأخلاقاً فإنه يعطيه درجته التي يستحقها، وينقص من الطالب السيئ الأخلاق من درجات السلوك ما يستحقه، ولا يحابي في ذلك أحداً.
أما درجة العلوم والرياضيات والمستوى العلمي فلا يزيد فيها ولا ينقص منها نظراً لسلوك الطالب، وإنما يعطي كل طالب ما يستحقه من الدرجات أرأيت لو تحاكم رجلان إلى قاض أحدهما كافر والآخر مسلم فهل يهضم حق الكافر لأنه كافر؟ لا.
فمسألة الإجابة هي على حسب ما قدم لك من معلومات، سواءً كان سيئ الأخلاق أو حسن الأخلاق.
المسألة الثانية: إذا كان المدرس قد ظلم الطالب فهذا لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أنه كان يظن حين معاملة الطالب أنه على صواب، وأنه مجتهد، وهذا الذي أداه إليه اجتهاده، مثل أن يوقفه في الفصل أو يضربه أو يطرده أو ما أشبه ذلك، لكنه في ذلك الوقت يرى أنه على صواب، ثم بعد التفكير يرى أنه أخطأ؛ فهذا ليس فيه ظلم، ولا يعاقب عليه الإنسان؛ لأنه في ذلك الوقت كان مجتهداً، وقد قال النبي ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) .
ولو أننا قلنا لكل متصرف في شأن غيره: إنه إذا أخطأ بعد اجتهاده تحمل هذا الخطأ ووقع عليه العقاب؛ ما قبل أحد أن يتصرف في شأن غيره، ولتعطلت مصالح العباد، لكن من رحمة الله أن المتصرف لغيره كولي اليتيم والوكيل وناظر الوقف وغيرهم، إذا تصرفوا وهم حين التصرف يرون أن هذا هو الصواب بدون تفريط منهم، ثم بعد هذا تبين خطؤهم؛ فإنه لا شيء عليهم، لا ضمان في الدنيا ولا إثم في الآخرة.
الحال الثانية: أن يعلم أنه قد ظلم الطالب ظلماً حقيقياً، وهو في ذلك الوقت يعرف أنه إنما عاقبه انتقاماً لنفسه فقط؛ فحينئذ يسترضي الطالب دون أن يزيد في درجاته وإنما يعطيه حقه فقط؛ لأنه إذا زاد في درجاته أوقع الظلم على الطلبة الآخرين، وحصل من ذلك تشويش، وربما أدى ذلك إلى فقدان الطلبة ثقتهم في معلميهم، وهذا من أخطر الأمور؛ لأن الطالب إذا فقد ثقته في معلمه لم يهتم بأوامره، ولم يستفد منه حتى وإن أظهر أنه يستمع إليه وينصت إلى شرحه.
стр. 1524
حكم إتمام صيام كفارة القتل بعد رمضان
أثابك الله يا شيخنا: لي قريب صدم شاباً فمات هذا الشاب، ولكن هذا القريب تهاون في صيام الشهرين حتى مات، وقد تطوعت أخته فصامت عنه الشهرين، لكن بقي منهما يومان وقد دخل شهر رمضان، فكيف تصوم هذين اليومين؟
أقول: لا حرج عليها -إن شاء الله- إذا دخل رمضان وبقي عليها يومان أن تصومهما بعد رمضان، في اليوم الثاني والثالث من شهر شوال.
стр. 1525
الجمع بين قوله تعالى: (ما يبدل القول لدي) وبين مراجعة الرسول لربه في تخفيف الصلاة ليلة الإسراء
فضيلة الشيخ: كيف نوفق بين قول الله : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] وبين مراجعة الرسول لربه في حديث الإسراء في تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس صلوات؟ وجزاك الله خيراً.
لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [قّ:٢٩] وبين ما ذكرت، فهل قال الله تعالى: ما نبدل القول؟ لا.
إنما قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] فإنه: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤] لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله.
وإذا قلنا: الآية مبنية لما لم يسمَّ فاعله، وأنه هو نفسه لا يبدل ما قال ؛ فنقول: إن ما حدث من مراجعته ﵊ ربه في الصلاة كان لإتمام القول الذي ارتضاه أولاً أنها خمس، لكنه شرع لنبيه خمسين لحكمة، وهي ظهور مدى تقبل الرسول ﷺ ما يفرضه الله عليه هذا من وجه.
والوجه الثاني: أن يكتب لهذه الأمة أجر خمسين صلاة؛ لأننا الآن نصلي خمساً لكننا كالذي يصلي خمسين، ليس من باب أن الحسنة بعشر أمثالها، فكل عمل صالح الحسنة فيه بعشر أمثالها، لكن من باب أن الصلاة الواحدة تكتب لنا عشر صلوات، وهذه نعمة كبيرة، وهي من حكمة الله ورحمته.
فيكون الأصل هو القول الأول الذي ارتضاه الله وقضى بأنها ستكون خمس صلوات، لكنه فرضها خمسين لهذه الحكمة؛ أولاً: ليظهر مدى تقبل الرسول ﷺ لفرائض الله تعالى، وإن كانت في صورة شاقة، ولا شك أن الرسول ﷺ أشد الناس قبولاً لما ألزمه به ربه ﵎.
وثانياً: من أجل أن يكتب للأمة أجر خمسين صلاة مع أن الأمة تؤديها خمساً بالفعل، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة.
стр. 1526
حكم توكيل شخص لاستخراج منحة مالية على نسبة تعطى له
يا شيخ! أحسن الله إليك وأمد في عمرك هناك بعض الناس يتوسطون لبعض الأشخاص في المناخ السنوي أو ما يسمى بالعادة السنوية، وهذا الذي يتوسط يشترط على ذلك الشخص إذا خرج اسمه أول السنة أن يكون له نصف المبلغ المقرر، وبعضهم لا يشترط ولكن يعده صاحب الطلب أنه إذا خرج اسمه أن يعطيه نصف ما يتقرر له أو ربعه، فهل هذا جائز؟
أولاً: طلب المناخ أو العادة إذا كان الإنسان في حاجة فلا بأس، وأما إذا لم يكن في حاجة فلا يجوز أن يطلب ذلك؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال لـ عمر بن الخطاب ﵁: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) ، ولأن الإنسان الغني لا يجوز له أن يسأل الناس ليستكثر، قال النبي ﷺ : (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر) .
ثانياً: إذا كان فقيراً أو محتاجاً فلا بأس أن يؤجر شخصاً يطالب له، ويقول: لك نصف المبلغ، أو ربع المبلغ، حسب ما يتفقان عليه.
стр. 1527
الإنكار في المسائل الخلافية
فضيلة الشيخ: هل ينكر على المرأة التي تكشف الوجه، أم أن المسألة خلافية والمسائل الخلافية لا إنكار فيها؟
لو أننا قلنا: المسائل الخلافية لا ينكر فيها على الإطلاق لذهب الدين كله؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين العلماء، نضرب مثلاً: رجل مس امرأةً بشهوة، وأكل لحم إبل، ثم قام ليصلي، وقال: أنا أتبع الإمام أحمد في أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وأتبع الشافعي في أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وسأصلي على هذه الحالة فهل صلاته الآن صحيحة على المذهبين؟ هي غير صحيحة؛ لأنها إن لم تبطل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل بطلت على مذهب الشافعي، وإن لم تبطل على مذهب الإمام الشافعي بطلت على مذهب الإمام أحمد؛ فيضيع دين الإنسان.
والمسائل الخلافية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: اجتهادية يسوغ فيها الخلاف؛ بمعنى: أن الخلاف ثابت حقاً وله حكم النظر، فهذه لا إنكار فيها على المجتهد، أما عامة الناس فإنهم يلزمون بما عليه علماء بلدهم؛ لئلا ينفلت العامة؛ لأننا لو قلنا للعامي: أي قول يمر عليك لك أن تأخذ به، لم تكن الأمة أمة واحدة، ولهذا قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀: العوام على مذهب علمائهم.
فمثلاً: عندنا هنا في المملكة العربية السعودية أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها، فنحن نلزم نساءنا بذلك، حتى لو قالت لنا امرأة: أنا سأتبع المذهب الفلاني وكشف الوجه فيه جائز، قلنا: ليس لكِ ذلك؛ لأنكِ عامية ما وصلتِ إلى درجة الاجتهاد، وإنما تريدين اتباع هذا المذهب لأنه رخصة، وتتبع الرخص حرام.
أما لو ذهب عالم من العلماء الذي أداه اجتهاده إلى أن المرأة لا حرج عليها في كشف الوجه، ويقول: إن امرأتي سوف أجعلها تكشف وجهها.
قلنا: لا بأس، لكن لا يجعلها تكشف الوجه في بلاد يسترون الوجوه، يمنع من هذا؛ لأنه يفسد غيره، ولأن المسألة فيها اتفاق على أن ستر الوجه أولى، فإذا كان ستر الوجه أولى فنحن إذا ألزمناه بذلك لم نكن ألزمناه بما هو حرام على مذهبه، إنما ألزمناه بالأولى على مذهبه، ولأمر آخر وهو ألا يقلده غيره من أهل هذه البلاد المحافظة، فيحصل من ذلك تفرق وتفتيت للكلمة.
أما إذا ذهب إلى بلاده فلا نلزمه برأينا، ما دامت المسألة اجتهادية وتخضع لشيء من النظر في الأدلة والترجيح بينها.
القسم الثاني من قسمي الاختلاف: لا مساغ له ولا محل للاجتهاد فيه، فينكر على المخالف فيه؛ لأنه لا عذر له.
стр. 1528
من اعتمر ونسي أن يتجرد من السراويل
فضيلة الشيخ: مواطن من أهل مدينة جدة ذهب إلى العمرة، فلما أتمها أخذ شيئاً من شعره، وعاد إلى بيته في جدة، فعندما خلع الإحرام وجد أنه لم يتجرد من السراويل، فما حكمه؟
هذا ليس عليه شيء، وأنا سأعطيكم قاعدة تهتدون بها إن شاء الله تعالى: جميع المحرمات إذا فعلها الإنسان جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً فلا إثم عليه ولا كفارة ولا أي شيء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله تعالى: (قد فعلت) ثبت ذلك في صحيح مسلم، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ، وقال في الكفر وهو أعظم المحرمات: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦] .
فإذا كان الإنسان محرماً، ونسي السراويل عليه حتى انتهى من الإحرام فلا شيء عليه، وكذلك لو أكل أو شرب وهو صائم ناسياً فلا شيء عليه، وكذلك لو ارتكب محظوراً جاهلاً؛ كإنسان حلق رأسه وهو محرم قبل أن يحل، أو غطى رأسه وهو محرم؛ فلا شيء عليه ما دام جاهلاً.
فأي شيء محرم في العبادة إذا فعله الإنسان جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً فلا إثم عليه ولا كفارة.
стр. 1529
الحجامة للصائم
فضيلة الشيخ: نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن ابن حزم أنه قال: صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أنس: (رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً انتهى.
وذكر الحافظ -أيضاً- حديثاً عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمها إبقاءً على أصحابه) وهذا أيضاً ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى وقال: إسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر، فكيف نوفق بين هذه الأدلة وبين ما ذهبتم إليه -حفظكم الله- من إفطار الصائم بالحجامة؟
نرد على هذا بما رد به الإمام أحمد: أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) وحديث أنس بن مالك الذي أشرت إليه فيه ضعف هذا أمر.
الأمر الثاني: إن قولنا بالإفطار هو من مصلحة الصائم في الواقع؛ لأن من المعروف أن الإنسان إذا سحب منه الدم فسوف يلحقه هبوط ومشقة وتعب، فإذا قلنا: إنه يفطر بالحجامة، معناه أنك لا تحتجم إلا للضرورة، فإذا كنت صائماً صيام فرض واحتجمت للضرورة فكل واشرب واقض ذلك اليوم، والآخرون يقولون: إذا احتجمت للضرورة فلابد أن تبقى على صومك ولو كنت في غاية ما يكون من الضعف.
فصار القول بأنه يفطر هو الأيسر الذي تقتضيه مصلحة الصائم وتدل عليه الأدلة الشرعية؛ لأننا نقول: إن كنت لا تحتاج إلى الحجامة فلا تحتجم إلا في الليل، وإن كنت تحتاج إليها ولابد -كما لو هاج عليك الدم- فنقول: احتجم، ونرخص له أن يأكل ويشرب حتى يستعيد قوته؛ فتبين بهذا أن القول بأنها تفطر هو القول الموافق للحكمة، وقد حقق شيخ الإسلام ﵀ ذلك في رسالة له صغيرة تسمى: حقيقة الصيام، ومن أحب أن يتسع له الجواب فليرجع إليها فإنها مفيدة.
والتبرع بالدم مثل الحجامة؛ لأنه كثير، فيحصل به من الضعف ما يحصل بالحجامة، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يتبرع بالدم وهو صائم صيام الفرض إلا للضرورة، فإذا كانت ضرورة تبرع بدمه وأفطر ذلك اليوم.
стр. 1530
حكم الاختلاط بين الرجال والنساء، وحكم قيادة النساء للسيارات
فضيلة الشيخ: في بلادنا الكويت كثر الاختلاط في الجامعات؛ فالمدرس أحياناً يخلو بالبنت، وكذلك بالنسبة لتعليم النساء قيادة السيارات، نجد أن المدرب يخلو بالبنت وهو يدربها ساعة أو ساعتين، فما حكم ذلك جزاكم الله خيراً؟
أقول بالنسبة للطالبات: الواجب عليهن أن يغطين وجوههن، وأما النظر إلى المدرس فهذا لا بأس به إذا لم يكن لشهوة أو لتمتع بالنظر إليه، وإنما كان من أجل التلقي منه، هذا لا بأس به؛ لأن نظر المرأة إلى الرجل ليس حراماً، بدليل أن النبي ﷺ قال لـ فاطمة بنت قيس: (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) وكان ﷺ يستر عائشة وهي تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد.
فالقول الراجح من أقوال العلماء: أن المرأة لا بأس أن تنظر إلى الرجل بشرط ألا يكون نظرها لشهوة أو تمتع.
وأما بالنسبة لتدريب الفتاة على قيادة السيارة وانفرادها برجلٍ يدربها فهذا لا يجوز، وهو أكبر فتنة مما لو انفرد بها في حجرة؛ لأن من المعلوم أن النفس تحب من أحسن إليها، وهذا المدرب إذا عامل الفتاة باللطف واللين يكون هناك فتنة كبيرة لا يتصورها الإنسان، وكيف عندما تجد الطالبة نفسها بجانبه يريها كيف يعمل عجلة القيادة، وكيف يعمل بالفرامل، وكيف يعمل كذا، فهذا خطير جداً جداً.
ثم إن من رأيي أنا أن المرأة لا تقود السيارة هل قلَّ الرجال وما بقي إلا أن نضطر إلى النساء؟!! أبداً ما قل الرجال، فهم كثيرون، وقيادة السيارة للمرأة فيها أخطار كثيرة، إذا كنا الآن نخشى من شبابنا إذا ذهبوا في السيارات إلى البر وغيره نخشى عليهم من الفتنة، فكيف بالمرأة؟ من يضبط المرأة إذا أخذت السيارة وخرجت إلى البر أو إلى أي إنسان تريده؟! الحقيقة أني أتعجب من بعض الناس كيف ينظرون إلى الأمور بظواهرها! يقولون: إن المرأة لا بأس أن تقود السيارة كما كانت النساء تركب الجمال في عهد الرسول ﷺ .
نقول: نحن لا ننكر أصل قيادة المرأة للسيارة، فليس هو في ذاته منكراً، لكن لما يترتب عليه من المفاسد الكثيرة العظيمة نمنعه، والشريعة الإسلامية جاءت لسد الذرائع الموصلة إلى المحرمات ثم ليس هناك ضرورة؛ فالشباب كثيرون والحمد لله، والمرأة إذا تعود أخوها أو ابنها قيادة السيارة كفاها.
فالواجب منع المرأة من قيادة السيارة؛ لا لأن ذلك حرام عليها، وإنما هو من باب سد الذرائع الموصلة إلى الحرام، ولما يترتب على ذلك من مفاسد محققة.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1531
لقاء الباب المفتوح [٥٠]
شرح الشيخ ﵀ في هذا اللقاء آياتٍ في الصيام، وتحدث عن الحكمة من فرضية الصيام، والتيسير فيه خاصة وفي الدين عامة، ووقوع النسخ في الإطعام للقادر على الصيام، وذكر بعض الإيضاحات عن بعض أحكام الصيام.
ثم أجاب عن الأسئلة حول الصيام، وطاعة ولي الأمر، وغير ذلك.
стр. 1532
تفسير آيات الصيام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 1533
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام)
فهذا يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر شعبان، عام (١٤١٤هـ) ، وهو المجلس الأول في الإجازة الربيعية بمناسبة قرب شهر رمضان يحسن أن نتحدث قليلاً عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فهذه الآية الكريمة صدَّرها الله بهذا النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣] بوصف الإيمان؛ لأن وصف الإيمان يحمل الإنسان على القيام بالأمر واجتناب النهي، وهو وصف -لا شك- محمود محبوب إلى الخلق، فكل إنسان عاقل يحب أن يوصف بالإيمان، وكل إنسان يود أن يتمم إيمانه، فإذا نادى الله تعالى عباده بهذا الوصف المحمود المحبوب كان أدعى للقبول، وقد قال ابن مسعود ﵁ فيما يروى عنه: [إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فارعها سمعك؛ فإنه إما خير تؤمر به، وإما شرٌّ تنهى عنه] وما في جلستنا هذه هو خير نُؤمر به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: فرض، والفارض له هو الله فرضه على عباده.
وقد جاء في السنة بأنه أحد أركان الإسلام الخمسة.
стр. 1534
تفسير قوله تعالى: (كما كتب على الذين من قبلكم)
وفي قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فائدتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، حتى لا يقول قائل: لماذا أُلزمنا نحن بترك شهواتنا من مطعوم، ومشروب، ومنكوح دون غيرنا من الأمم، فيكون في هذا نوع تسلية للأمة، وأنها لم تلزم بما لم تلزم به الأمم قبلها.
والفائدة الثانية: بيان استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت للأمم من قبلها، ولهذا كان النبي ﷺ خاتم الأنبياء، وقد ضرب مثلاً لحاله مع إخوانه المرسلين بقصرٍ مشيد عُمِرَ، فكان الناس يطوفون به ويقولون: ما أحسن هذا القصر، إلا موضع لبنة فيه، وكان النبي صلى الله عليه هو الذي حل أو سد موضع هذه اللبنة وبه تم البناء، فتمت الشرائع -والحمد لله- بهذه الشريعة الإسلامية.
стр. 1535
تفسير قوله تعالى: (لعلكم تتقون)
بين الله الحكمة من فرضية الصيام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يقل: لعلكم تجوعون، أو تعطشون، أو يشق عليكم مجانبة الأهل، بل قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فهذه هي الحكمة من فرض الصوم، ولهذا جاء في الحديث: (رب صائمٍ حظه من صيامه الجوع والظمأ) فما هي التقوى؟ التقوى عبارة عن اتخاذ وقاية من عذاب الله، ولا وقاية من عذاب الله إلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ولهذا نقول: التقوى: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، وهذا أجمع تعريفٍ للتقوى.
وقد بين الرسول ﵊ شيئاً من ذلك بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) فالذي لا يدع هذه الأشياء فإن الله لا يريد منه أن يدع الطعام والشراب؛ لأن هذا قد يكون فيه تعذيب للنفس والله تعالى يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧] فالله يريد منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، وهذه هي الحكمة من الصوم، فلينظر الإنسان في نفسه هل قام بهذه الحكمة وهذه الغاية الحميدة أو كان صيامه فقط هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح؟!
стр. 1536
تفسير قوله تعالى: (أياماً معدودات)
ثم بين الله أن هذا الصيام ليس أشهراً ولكنه ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] فهو قليل العدد، ثم هو قليل المشقة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] إذاً: ليس فيه كثرة، وليس فيه مشقة؛ لأن المسافر إذا كان يفطر، والمريض الذي يشق عليه الصوم يفطر فقد انتفت المشقة، فالصوم يسير، ولله الحمد.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يقدرون عليه ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي: من لا يريد الصوم فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا تيسير؛ تصوم إن شئت، وإن شئت تطعم عن كل يوم مسكيناً، ولو كنت تطيقه.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ وأطعم مسكيناً ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فيخير الإنسان بين أن يصوم وبين أو يطعم ولو كان قادراً، وهذه من نعمة الله وتيسيره.
لكن هل بقي هذا الحكم؟ لا لم يبق هذا الحكم، بل نسخه ما بعده.
стр. 1537
تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فأوجب الله الصوم ونسخ الإطعام، لكن لما كان أول فرض الصيام قد يشق على الناس أن يصوموا رُغبُوا في الصوم، وخُيِّروا بينه وبين الإطعام، ثم لما استقر الفرض في نفوسهم، وقرت به أعينهم، أوجب الله عليهم الصيام، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يطعم مع قدرته على الصوم، ثم إذا كان عاجزاً عن الصوم فإما أن يكون عجزه مستمراً؛ فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً، وإما أن يكون عجزه طارئاً يرجو زواله كالمريض مرضاً معتاداً فهذا ينتظر حتى يشفى ثم يصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] .
стр. 1538
تفسير قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)
فقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا كالتعليل لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة:١٨٥] أي: أنه رخص لكم الفطر في حال السفر وفي حال المرض؛ لأنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بكل يسر ولله الحمد، حتى قال النبي ﷺ فيما صح عنه: (إن الدين يسر) وهذه جملة حصرية بمعنى أن الدين كله يسر ليس فيه مشقة، فلو تأملت أوامر الشريعة لوجدتها كلها سهلة يسيرة.
ثم إذا كان على الإنسان مشقة في شيء منها فإنها تنقسم إلى قسمين: إما أن تسقط بسبب المشقة، وإما أن ينتقل إلى بدل، ففي الوضوء إذا تعذر استعمال الماء فإنه يتيمم، فإن لم يجد ما يتيمم به سقط عنه الوضوء والتيمم، فهذا المثال للشيء الذي يسقط إلى بدل وإلى غير بدل، وهذا تيسير ولله الحمد فالدين كله يسر.
ولذا يجب على طالب العلم أن ينظر إلى هذه الزاوية أكثر مما ينظر إلى زاوية التعسير على الخلق؛ لأن ربهم الذي خلقهم هو الذي قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وكثيرٌ من الناس الآن نجده يعامل الناس بما هو أعسر وأشق، وهذا إن جاءت به الشريعة فلا بأس وليس بشاق إلا في تصور بعض الناس، وأما إذا لم تأتِ به الشريعة فإنه لا حجة له عند الله يوم القيامة إذا قال له لماذا عسرت على عبادي؟ وأنا ميسر لهم؟ ولهذا يجب أن ننظر إلى هذا نظرة فاحصة، وألا نلزم الناس بما لم يلزمهم الله به، وألا نحرم عليهم ما لم يحرمه الله عليهم، حتى وإن فرض أننا عندهم قدوة، وأنهم يطيعوننا فإننا في الواقع بينهم وبين الله، وسوف يسألنا الله .
стр. 1539
تفسير قوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: عدة رمضان، الفائدة من هذه الجملة ألا نتسرع في الإفطار، فمثلاً لو شهد شاهد واحد على دخول شهر شوال ليلة ثلاثين من رمضان فإننا لا نقبل شهادته حتى يأتي شاهد آخر يشهد بأنه رأى هلال شهر شوال، فإننا حينئذ نأخذ بقولهما، ونكون قد أكملنا العدة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] وهذا بعد إكمال العدة إذا غابت الشمس ليلة عيد الفطر فإنه يشرع للناس أن يكبروا الله على ما هداهم؛ لأن هدايته لهم نعمة كبيرة يستحق عليها الشكر: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
نسأل الله أن يتمم لنا ولكم صيام رمضان وقيامه على أحسن وجه، وأن نقوم بذلك إيماناً واحتساباً، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1540
الأسئلة
стр. 1541
المسحة المعتبرة في مدة المسح على الخفين
فضيلة الشيخ: لو أن إنساناً توضأ لصلاة الفجر ثم لبس الخف، فلما أتت صلاة الظهر كان على طهارته، وأراد أن يجدد الطهارة، فمسح على الخف فهل تحسب المدة من هذا المسح أم لا؟
يقول العلماء: لا تبتدئ مدة المسح إلا بعد المسح من الحدث، وعلى هذا فالمسح للتجديد لا تحسب منه المدة، كما في المثال الذي ذكرت، إذا جدد وضوءه لصلاة الظهر بدون حدث ومسح فإن المدة لا تبتدئ من هذا الوضوء، فإذا أحدث وتوضأ لصلاة العصر فإنها تبتدئ من هذا الوقت.
стр. 1542
مفطرات الصيام
فضيلة الشيخ: أرجو أن تتكلم عن المفطرات في نهار رمضان ولو على وجه العموم؟
مفطرات الصائم في رمضان وفي غير رمضان، ذكر الله في القرآن ثلاثة منها في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧] هذه ثلاثة: الجماع، والأكل، والشرب.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يكون الأكل والشرب نافعاً أو غير نافع أو ضار؛ لأن المأكول والمشروب إما نافع أو ضار أو ليس نافعاً ولا ضاراً، وكلها مفطرة، فلو بلع الإنسان خرزة سبحة فإنه يفطر بهذا ولو كانت لا تنفعه، ولو شرب دخاناً فإنه يفطر ولو كان ضاراً، ولو أكل تمرة فإنه يفطر ولو كانت نافعة.
وكذلك يقال في الشرب.
وجاءت السنة بالقيء، فإذا تقيأ الإنسان فإنه يفطر، فإن غلبه القيء فإنه لا يفطر.
وجاءت السنة بالحجامة، فإذا احتجم الإنسان وهو صائم وخرج منه دم فإنه يفطر هذه خمسة من المفطرات.
وألحق العلماء بهذا ما كان بمعنى الأكل والشرب مثل الإبر المغذية، وليست المغذية هي التي ينشط بها الجسم أو يبرأ بها، وإنما الإبر المغذية: هي التي تغني عن الأكل والشرب، وعلى هذا فجميع الإبر التي لا تغني عن الأكل والشرب لا تفطر، سواء كانت من الوريد أو من الفخذ أو من أي مكان.
كذلك أيضاً إنزال المني بشهوة يفطر بها الصائم، والدليل قوله ﷺ في الحديث القدسي عن الله : (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والمني من الشهوة -لا شك- لقول الرسول ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: أو يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم.
أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر) والذي يوضع هو المني، يضعه الرجل في رحم المرأة؛ ولهذا عدل ﷺ إلى قوله: (أرأيتم لو وضعها) لما قالوا: (أو يأتي أحدنا شهوته) وعلى هذا فنزول المني بشهوة مفطرٌ للصائم، وأما تقبيل المرأة ولو بشهوة، أو المذي ولو عمداً؛ فإنه لا يفطر الصائم، لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ .
والأصل أن الصوم صحيح حتى يثبت بطريقٍ شرعي أنه فاسد، ولهذا لو قال لنا قائل: هذا الشيء يفطر به الصائم.
نقول له: هات الدليل؟ وإلا لكان كل واحد لا يروق له الشيء يقول: هذا مفطر، وهذا غير مفطر.
هذه المفطرات التي ذكرناها عامة للرجل والمرأة.
أما خروج دم الحيض والنفاس فهذا خاص بالمرأة، إذا خرج منها الحيض ولو قبل الغروب بدقيقة فإنها تفطر، وكذلك دم النفاس، وأما إذا خرج دم الحيض بعد الغروب ولو بلحظة فإنها لا تفطر.
وهذه المفطرات لا تفطر إلا بشروط ثلاثة: الشرط الأول: العلم.
والشرط الثاني: الذكر.
والشرط الثالث: الاختيار.
الأول: العلم: وضد العلم الجهل، فلو أكل الإنسان وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طالع فصيامه صحيح؛ لأنه لم يعلم أن الفجر قد طلع، ولو كانت السماء غيماً وغلب على ظنه أن الشمس غربت وأكل وشرب، ثم تبين أنها لم تغرب فصيامه صحيح؛ لأنه ليس بعالم أنها لم تغرب.
الثاني: الذكر كذلك إذا كان ناسياً فإنه لا يفطر، والنسيان ضد الذكر، فلو أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، لحديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) .
الثالث: أن يكون مريداً -يعني: لما فعل- فإن كان مكرهاً، كما لو أكره الرجل زوجته على الجماع، وجامعها وهي صائمة؛ فإن صومها صحيح.
السائل: ما حكم البخور؟ الشيخ: ما يفطر البخور، لكن لا تستنشقه.
стр. 1543
حكم الاحتياط في الأذان للفجر بتقديمه أو تأخيره
فضيلة الشيخ: بعض الأهل عندنا كانوا يأكلون بعد أذان الفجر.
ولما ذكرت لهم أن ذلك لا يجوز قالوا: ليس في ذلك شيء، فما حكم هذه الأيام الماضية؟
كلمة (ليس في ذلك شيء) ليست بحجة، لكن لو قالوا: ما طلع الفجر، لكان له وجه، مثل أن يكونوا في البر وليس حولهم أنوار، وقالوا: لم نشاهد طلوع الفجر؛ لأن بعض الناس الآن يشككون في التقويم الموجود بين أيدي الناس، يقولون: إنه متقدم على طلوع الفجر، ويقولون: خرجنا إلى البر وليس حولنا أنوار، ورأينا الفجر يتأخر، حتى بالغ بعضهم وقال: يتأخر ثلث ساعة.
لكن الظاهر أن هذه مبالغة لا تصح، والذي نراه أن التقويم الذي بين أيدي الناس الآن -الذي هو تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في الفجر خاصة، يعني لو أكلت وهو يؤذن على التقويم فلا حرج، إلا إذا كان المؤذن يحتاط ويتأخر، فبعض المؤذنين جزاهم الله خيراً يحتاطون، ولا يؤذنون إلا بعد خمس دقائق من التوقيت الموجود الآن، وهذه المسألة مسألة خطيرة، وبعض جهال المؤذنين يتقدمون في أذان الفجر زعماً منهم أن هذا أحوط للصوم، لكنهم ينسون أنهم يهملون ما هو أشد من الصوم! وهو صلاة الفجر، فربما يصلي أحد الناس قبل الوقت، والإنسان إذا صلى قبل الوقت ولو بتكبيرة الإحرام ما صحت صلاته.
ثم هم -أعني هؤلاء المؤذنين قبل الفجر- يقولون: نحن نحتاط.
نقول: تحتاطون أكثر مما احتاط الله لعباده؟! إن الله يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة:١٨٧] فلابد أن تتبين الفجر.
حتى التعبير القرآني لم يقل: حتى يطلع الفجر، بل قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ [البقرة:١٨٧] فأنتم الآن عندما أذنتم منعتم عباد الله ألا يأكلوا ولا يشربوا في هذه اللحظة، معناه أنكم حرَّمتم على الناس ما أباح الله لهم، فيكون عليكم إثم من هذه الناحية أيضاً، حتى لو فُرض أن الناس تمهلوا ولم يصلوا فعليكم إثم من جهة أنكم منعتم عباد الله مما أحل الله لهم.
فالجهل داء قاتل، وبعض الناس يكون جاهلاً وينظر بعين الأعور، لا يرى إلا من جانب واحد، والجانب الثاني مهمل، وهذا غلط عظيم، ولذلك يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على هذه المسألة وخصوصاً المؤذنين، ويقولون: اتقوا الله في عباد الله! كيف تؤذنون قبل الفجر وتمنعون عباد الله مما أحل الله لهم؟! ربما كان الإنسان لتوه قام من النوم، عطشاناً ويريد أن يشرب، ولكن بورعه وتقواه لما سمع المؤذن أمسك، والمؤذن يؤذن قبل الفجر زعماً منه أن هذا هو الأحوط، فيحرم هذا الرجل المسكين من شربة الماء، فليس الأحوط أن تتبع الأشد؛ بل الاحتياط الحقيقي أن تتبع ما جاءت به الشريعة.
стр. 1544
حكم قضاء الدين عن المعسر بدون علمه
فضيلة الشيخ: ما حكم دفع الزكاة على المَديِنْ المعسر بدون علمه؟
حكم الزكاة على المدين المعسر الذي لا يجد الوفاء إلى غريمه بدون علم المدين الفقير جائز ومجزئ؛ لأن الآية الكريمة تدل على هذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] فالتعبير مختلف بين الأربعة الأُول وبين الأربعة الأُخر.
الأربعة الأول كان التعبير باللام الدالة على التمليك ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] فلابد أن تملكهم، تعطيهم الزكاة وتتركهم يفعلون ما شاءوا من حاجاتهم، لكن في الغارمين قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] الغارمين: معطوف على الرقاب، فيكون التقدير (في) وعلى هذا فيجوز أن تذهب إلى الغريم الذي يطالب الفقير وتوفي عنه.
ولكن هل الأولى أن تذهب إلى الغريم وتوفيه دون علم الفقير أو أن تعطي الفقير؟ هذا فيه تفصيل: إذا علمت أن الفقير الذي تريد القضاء عنه رجل ديِّن يحب إبراء ذمته وأنك إذا أعطيته سوف يذهب إلى صاحبه ويوفيه فأعطه هو؛ لأن ذلك أجبر لخاطره، وأبعد من الخجل، وأسلم من الرياء الذي قد يصيب الإنسان، فكونك تعطي المدين في هذه الحال أولى.
أما إذا خشيت أن يكون المدين عابثاً، ولو أعطيته ما يوفي به دينه لذهب يلعب بها أو يشتري كماليات أو غيرها فلا تعطه إياها، اذهب إلى صاحبه الذي يطلبه ووفه حقه.
стр. 1545
ضوابط الجمع في المطر
فضيلة الشيخ: بالأمس كان المطر يتساقط عندنا من صلاة العصر حتى صلاة العشاء في بلدة شمال بريدة، وكنت إماماً، وطلب المؤذن أن تجمع الصلاة وتحيرت في الأمر، لكن كان من إلحاح المؤذن أن نجمع فجمعنا الصلاة، وقد وردت فتوى لسماحتكم أنه لابد أن نتحقق من المطر وشدته وخروج الناس حال المطر، هل يؤثر عليهم، فأريد توضيح الضابط في هذا الجمع من جميع الجوانب جزاك الله خيراً؟
يجب أن تعلم أن الأصل وجوب أداء الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] وقد أجمع العلماء على أن تقديم الصلاة قبل وقتها بدون عذر شرعي حرام يقتضي عدم صحتها؛ لأن هذا خلاف ما أمر الله به، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا هو الأصل، وهذا شيء محكم ليس فيه اشتباه.
فإذا وجد سبب للجمع -تقديم أو تأخير- فإن العلماء مختلفون في هذا؛ منهم من يرى أنه لا جمع إلا بـ عرفة ومزدلفة فقط، ومنهم من يرى الجمع بكل حال، وهذا رأي الرافضة، حيث يرون أنه يجوز الجمع بدون سبب، إن شئت اجمع وإن شئت لا، لكن الصحيح أن الجمع جائز للمشقة، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: (جمع النبي ﷺ في المدينة من غير خوف ولا مطر) قالوا: (ما أراد من ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) .
ومعنى (يحرج) أي: ألا يلحقها الحرج، فالحرج مرفوع في شريعتنا، فإذا كان في ترك الجمع حرج ومشقة على الناس إما لكون الأسواق وحلاً، أو لكون المطر ينزل يبلل الثياب ويؤذي الماشين، فهذا عذر، أما إذا كان ينزل قطرات يسيرة والجو دافئ والأسواق ليس فيها وحل، فلا تجمع حتى لو أصر المؤذن أو المأمومون، أرأيت لو صمت رمضان في شعبان هل يجوز؟!! فإذا قدمت العشاء مع المغرب بدون عذر فإنه لا يجوز، والعجيب الآن أنني أذكر أن الناس كانوا في السابق ليس هناك كهرباء والأسواق مظلمة ووحل وطين وليس هناك إسفلت، ومع ذلك كانوا لا يجمعون إلا لمشقةٍ شديدة، بحيث أن الإنسان لا يأتي إلى المسجد إلا ومعه عصا يتوكأ عليها، أو مطر وابل صيب، وهم أشد مشقة من الآن بكثير، الآن ولله الحمد غالب الأسواق مسفلتة ومضاءة، وليس هناك مشقة ولا حرج، فالتهاون في هذا غلط عظيم؛ فأنت لديك نص محكم، وهو وجوب الصلاة في وقتها وعندك سبب مبيح للجمع، فإذا كنت لم تتيقن أن السبب صحيح شرعي فلا تجمع، والإمام هو الذي له الحكم في هذه المسألة، المؤذن له الحكم في الأذان أما مسألة الصلاة والجمع فهذه إلى الإمام.
следующие страницы →