← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

المسحة المعتبرة في مدة المسح على الخفين فضيلة الشيخ: لو أن إنساناً توضأ لصلاة الفجر ثم لبس الخف، فلما أتت صلاة الظهر كان على طهارته، وأراد أن يجدد الطهارة، فمسح على الخف فهل تحسب المدة من هذا المسح أم لا؟ يقول العلماء: لا تبتدئ مدة المسح إلا بعد المسح من الحدث، وعلى هذا فالمسح للتجديد لا تحسب منه المدة، كما في المثال الذي ذكرت، إذا جدد وضوءه لصلاة الظهر بدون حدث ومسح فإن المدة لا تبتدئ من هذا الوضوء، فإذا أحدث وتوضأ لصلاة العصر فإنها تبتدئ من هذا الوقت.

стр. 1542

مفطرات الصيام فضيلة الشيخ: أرجو أن تتكلم عن المفطرات في نهار رمضان ولو على وجه العموم؟ مفطرات الصائم في رمضان وفي غير رمضان، ذكر الله في القرآن ثلاثة منها في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧] هذه ثلاثة: الجماع، والأكل، والشرب. وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يكون الأكل والشرب نافعاً أو غير نافع أو ضار؛ لأن المأكول والمشروب إما نافع أو ضار أو ليس نافعاً ولا ضاراً، وكلها مفطرة، فلو بلع الإنسان خرزة سبحة فإنه يفطر بهذا ولو كانت لا تنفعه، ولو شرب دخاناً فإنه يفطر ولو كان ضاراً، ولو أكل تمرة فإنه يفطر ولو كانت نافعة. وكذلك يقال في الشرب. وجاءت السنة بالقيء، فإذا تقيأ الإنسان فإنه يفطر، فإن غلبه القيء فإنه لا يفطر. وجاءت السنة بالحجامة، فإذا احتجم الإنسان وهو صائم وخرج منه دم فإنه يفطر هذه خمسة من المفطرات. وألحق العلماء بهذا ما كان بمعنى الأكل والشرب مثل الإبر المغذية، وليست المغذية هي التي ينشط بها الجسم أو يبرأ بها، وإنما الإبر المغذية: هي التي تغني عن الأكل والشرب، وعلى هذا فجميع الإبر التي لا تغني عن الأكل والشرب لا تفطر، سواء كانت من الوريد أو من الفخذ أو من أي مكان. كذلك أيضاً إنزال المني بشهوة يفطر بها الصائم، والدليل قوله ﷺ في الحديث القدسي عن الله : (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والمني من الشهوة -لا شك- لقول الرسول ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: أو يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم. أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر) والذي يوضع هو المني، يضعه الرجل في رحم المرأة؛ ولهذا عدل ﷺ إلى قوله: (أرأيتم لو وضعها) لما قالوا: (أو يأتي أحدنا شهوته) وعلى هذا فنزول المني بشهوة مفطرٌ للصائم، وأما تقبيل المرأة ولو بشهوة، أو المذي ولو عمداً؛ فإنه لا يفطر الصائم، لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ . والأصل أن الصوم صحيح حتى يثبت بطريقٍ شرعي أنه فاسد، ولهذا لو قال لنا قائل: هذا الشيء يفطر به الصائم. نقول له: هات الدليل؟ وإلا لكان كل واحد لا يروق له الشيء يقول: هذا مفطر، وهذا غير مفطر. هذه المفطرات التي ذكرناها عامة للرجل والمرأة. أما خروج دم الحيض والنفاس فهذا خاص بالمرأة، إذا خرج منها الحيض ولو قبل الغروب بدقيقة فإنها تفطر، وكذلك دم النفاس، وأما إذا خرج دم الحيض بعد الغروب ولو بلحظة فإنها لا تفطر. وهذه المفطرات لا تفطر إلا بشروط ثلاثة: الشرط الأول: العلم. والشرط الثاني: الذكر. والشرط الثالث: الاختيار. الأول: العلم: وضد العلم الجهل، فلو أكل الإنسان وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طالع فصيامه صحيح؛ لأنه لم يعلم أن الفجر قد طلع، ولو كانت السماء غيماً وغلب على ظنه أن الشمس غربت وأكل وشرب، ثم تبين أنها لم تغرب فصيامه صحيح؛ لأنه ليس بعالم أنها لم تغرب. الثاني: الذكر كذلك إذا كان ناسياً فإنه لا يفطر، والنسيان ضد الذكر، فلو أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، لحديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) . الثالث: أن يكون مريداً -يعني: لما فعل- فإن كان مكرهاً، كما لو أكره الرجل زوجته على الجماع، وجامعها وهي صائمة؛ فإن صومها صحيح. السائل: ما حكم البخور؟ الشيخ: ما يفطر البخور، لكن لا تستنشقه.

стр. 1543

حكم الاحتياط في الأذان للفجر بتقديمه أو تأخيره فضيلة الشيخ: بعض الأهل عندنا كانوا يأكلون بعد أذان الفجر. ولما ذكرت لهم أن ذلك لا يجوز قالوا: ليس في ذلك شيء، فما حكم هذه الأيام الماضية؟ كلمة (ليس في ذلك شيء) ليست بحجة، لكن لو قالوا: ما طلع الفجر، لكان له وجه، مثل أن يكونوا في البر وليس حولهم أنوار، وقالوا: لم نشاهد طلوع الفجر؛ لأن بعض الناس الآن يشككون في التقويم الموجود بين أيدي الناس، يقولون: إنه متقدم على طلوع الفجر، ويقولون: خرجنا إلى البر وليس حولنا أنوار، ورأينا الفجر يتأخر، حتى بالغ بعضهم وقال: يتأخر ثلث ساعة. لكن الظاهر أن هذه مبالغة لا تصح، والذي نراه أن التقويم الذي بين أيدي الناس الآن -الذي هو تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في الفجر خاصة، يعني لو أكلت وهو يؤذن على التقويم فلا حرج، إلا إذا كان المؤذن يحتاط ويتأخر، فبعض المؤذنين جزاهم الله خيراً يحتاطون، ولا يؤذنون إلا بعد خمس دقائق من التوقيت الموجود الآن، وهذه المسألة مسألة خطيرة، وبعض جهال المؤذنين يتقدمون في أذان الفجر زعماً منهم أن هذا أحوط للصوم، لكنهم ينسون أنهم يهملون ما هو أشد من الصوم! وهو صلاة الفجر، فربما يصلي أحد الناس قبل الوقت، والإنسان إذا صلى قبل الوقت ولو بتكبيرة الإحرام ما صحت صلاته. ثم هم -أعني هؤلاء المؤذنين قبل الفجر- يقولون: نحن نحتاط. نقول: تحتاطون أكثر مما احتاط الله لعباده؟! إن الله يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة:١٨٧] فلابد أن تتبين الفجر. حتى التعبير القرآني لم يقل: حتى يطلع الفجر، بل قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ [البقرة:١٨٧] فأنتم الآن عندما أذنتم منعتم عباد الله ألا يأكلوا ولا يشربوا في هذه اللحظة، معناه أنكم حرَّمتم على الناس ما أباح الله لهم، فيكون عليكم إثم من هذه الناحية أيضاً، حتى لو فُرض أن الناس تمهلوا ولم يصلوا فعليكم إثم من جهة أنكم منعتم عباد الله مما أحل الله لهم. فالجهل داء قاتل، وبعض الناس يكون جاهلاً وينظر بعين الأعور، لا يرى إلا من جانب واحد، والجانب الثاني مهمل، وهذا غلط عظيم، ولذلك يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على هذه المسألة وخصوصاً المؤذنين، ويقولون: اتقوا الله في عباد الله! كيف تؤذنون قبل الفجر وتمنعون عباد الله مما أحل الله لهم؟! ربما كان الإنسان لتوه قام من النوم، عطشاناً ويريد أن يشرب، ولكن بورعه وتقواه لما سمع المؤذن أمسك، والمؤذن يؤذن قبل الفجر زعماً منه أن هذا هو الأحوط، فيحرم هذا الرجل المسكين من شربة الماء، فليس الأحوط أن تتبع الأشد؛ بل الاحتياط الحقيقي أن تتبع ما جاءت به الشريعة.

стр. 1544

حكم قضاء الدين عن المعسر بدون علمه فضيلة الشيخ: ما حكم دفع الزكاة على المَديِنْ المعسر بدون علمه؟ حكم الزكاة على المدين المعسر الذي لا يجد الوفاء إلى غريمه بدون علم المدين الفقير جائز ومجزئ؛ لأن الآية الكريمة تدل على هذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] فالتعبير مختلف بين الأربعة الأُول وبين الأربعة الأُخر. الأربعة الأول كان التعبير باللام الدالة على التمليك ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] فلابد أن تملكهم، تعطيهم الزكاة وتتركهم يفعلون ما شاءوا من حاجاتهم، لكن في الغارمين قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] الغارمين: معطوف على الرقاب، فيكون التقدير (في) وعلى هذا فيجوز أن تذهب إلى الغريم الذي يطالب الفقير وتوفي عنه. ولكن هل الأولى أن تذهب إلى الغريم وتوفيه دون علم الفقير أو أن تعطي الفقير؟ هذا فيه تفصيل: إذا علمت أن الفقير الذي تريد القضاء عنه رجل ديِّن يحب إبراء ذمته وأنك إذا أعطيته سوف يذهب إلى صاحبه ويوفيه فأعطه هو؛ لأن ذلك أجبر لخاطره، وأبعد من الخجل، وأسلم من الرياء الذي قد يصيب الإنسان، فكونك تعطي المدين في هذه الحال أولى. أما إذا خشيت أن يكون المدين عابثاً، ولو أعطيته ما يوفي به دينه لذهب يلعب بها أو يشتري كماليات أو غيرها فلا تعطه إياها، اذهب إلى صاحبه الذي يطلبه ووفه حقه.

стр. 1545

ضوابط الجمع في المطر فضيلة الشيخ: بالأمس كان المطر يتساقط عندنا من صلاة العصر حتى صلاة العشاء في بلدة شمال بريدة، وكنت إماماً، وطلب المؤذن أن تجمع الصلاة وتحيرت في الأمر، لكن كان من إلحاح المؤذن أن نجمع فجمعنا الصلاة، وقد وردت فتوى لسماحتكم أنه لابد أن نتحقق من المطر وشدته وخروج الناس حال المطر، هل يؤثر عليهم، فأريد توضيح الضابط في هذا الجمع من جميع الجوانب جزاك الله خيراً؟ يجب أن تعلم أن الأصل وجوب أداء الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] وقد أجمع العلماء على أن تقديم الصلاة قبل وقتها بدون عذر شرعي حرام يقتضي عدم صحتها؛ لأن هذا خلاف ما أمر الله به، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا هو الأصل، وهذا شيء محكم ليس فيه اشتباه. فإذا وجد سبب للجمع -تقديم أو تأخير- فإن العلماء مختلفون في هذا؛ منهم من يرى أنه لا جمع إلا بـ عرفة ومزدلفة فقط، ومنهم من يرى الجمع بكل حال، وهذا رأي الرافضة، حيث يرون أنه يجوز الجمع بدون سبب، إن شئت اجمع وإن شئت لا، لكن الصحيح أن الجمع جائز للمشقة، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: (جمع النبي ﷺ في المدينة من غير خوف ولا مطر) قالوا: (ما أراد من ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) . ومعنى (يحرج) أي: ألا يلحقها الحرج، فالحرج مرفوع في شريعتنا، فإذا كان في ترك الجمع حرج ومشقة على الناس إما لكون الأسواق وحلاً، أو لكون المطر ينزل يبلل الثياب ويؤذي الماشين، فهذا عذر، أما إذا كان ينزل قطرات يسيرة والجو دافئ والأسواق ليس فيها وحل، فلا تجمع حتى لو أصر المؤذن أو المأمومون، أرأيت لو صمت رمضان في شعبان هل يجوز؟!! فإذا قدمت العشاء مع المغرب بدون عذر فإنه لا يجوز، والعجيب الآن أنني أذكر أن الناس كانوا في السابق ليس هناك كهرباء والأسواق مظلمة ووحل وطين وليس هناك إسفلت، ومع ذلك كانوا لا يجمعون إلا لمشقةٍ شديدة، بحيث أن الإنسان لا يأتي إلى المسجد إلا ومعه عصا يتوكأ عليها، أو مطر وابل صيب، وهم أشد مشقة من الآن بكثير، الآن ولله الحمد غالب الأسواق مسفلتة ومضاءة، وليس هناك مشقة ولا حرج، فالتهاون في هذا غلط عظيم؛ فأنت لديك نص محكم، وهو وجوب الصلاة في وقتها وعندك سبب مبيح للجمع، فإذا كنت لم تتيقن أن السبب صحيح شرعي فلا تجمع، والإمام هو الذي له الحكم في هذه المسألة، المؤذن له الحكم في الأذان أما مسألة الصلاة والجمع فهذه إلى الإمام.

стр. 1546

ضابط الاستحلال الموجب للكفر فضيلة الشيخ! ما هو ضابط الاستحلال الذي يكفر به العبد؟ الاستحلال: هو أن يعتقد حِلَّ ما حرمه الله. وأما الاستحلال الفعلي فينظر: إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر فهو كافر مرتد، فمثلاً لو أن الإنسان تعامل بالربا، ولا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحله، ولكن لو قال: إن الربا حلال، ويعني بذلك الربا الذي حرمه الله فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله. الاستحلال إذاً: استحلال فعلي واستحلال عقدي بقلبه. فالاستحلال الفعلي: ينظر فيه للفعل نفسه، هل يكفر أم لا؟ ومعلوم أن أكل الربا لا يكفر به الإنسان، لكنه من كبائر الذنوب، أما لو سجد لصنم فهذا يكفر لماذا؟ لأن الفعل يكفر؛ هذا هو الضابط ولكن لابد من شرط آخر وهو: ألا يكون هذا المستحل معذوراً بجهله، فإن كان معذوراً بجهله فإنه لا يكفر، مثل أن يكون إنسان حديث عهد بالإسلام لا يدري أن الخمر حرام، فإن هذا وإن استحله فإنه لا يكفر، حتى يعلم أنه حرام؛ فإذا أصر بعد تعليمه صار كافراً.

стр. 1547

حكم صيام المرضع والنفساء بعد الطهر امرأة نفست في شهر شعبان، وطهرت في عشرة رمضان، فهل لها أن تشرع في الصيام مع قدرتها على ذلك، ومع أن بعض الأطباء ذكر أن الطفل يصبر ست ساعات على الرضَّاعة؛ وهي قادرة على الصيام؟ إذا كانت ترضع ولا ينقص لبنها فيجب عليها أن تصوم، متى طهرت المرأة من الحيض أو النفاس وجب عليها الصوم، إلا أنها إذا طهرت أثناء النهار لا يلزمها الإمساك. - السائل: هي طهرت في عشرة رمضان؟ - الشيخ: يجب عليها أن تصوم العشرين الباقية وجوباً ما دام ليس على الولد ضرر، لكن إذا طهرت في أثناء اليوم لم يلزمها الإمساك بقية اليوم، تظل مفطرة، حتى الحائض لو طهرت مثلاً في نصف النهار تبقى مفطرة تأكل وتشرب، وهذا اليوم سيُقضى على كل حال.

стр. 1548

حكم الفطر للمسافر في رمضان فضيلة الشيخ: إذا كنت مسافراً ومكثت ثلاثة أيام هل يحق لي أن أفطر في السفر؟ إذا كنت مسافراً يحق لك أن تفطر في أثناء الطريق وفي البلد التي مكثت فيها، مثلاً: لو ذهبت إلى مكة للعمرة خمسة أيام أو ستة أيام، أفطر في مكة؛ لأن النبي ﷺ فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، في ثمانية عشر أو عشرين من شهر رمضان، وبقي مفطراً بقية الشهر، ولم يصم، بل كان يأكل ويشرب ويقصر الصلاة، فلك أن تفطر في مكة أثناء السفر حتى ولو لم يكن في الصوم مشقة، لكن الأفضل أن تصوم إذا لم يشق عليك.

стр. 1549

حكم خروج المذي أثناء الصوم ذكرتم حديث (يدع شهوته وطعامه) دليلاً على إفطار من أنزل منياً بشهوة، فلماذا لم يأخذ المذي نفس الحكم؟ لأن المذي ليس شهوة توضع في الرحم، ولهذا يخرج من غير إحساس به، ولولا أثره من الرطوبة ما عُلم به، فهو يحصل بدون شهوة عند خروجه. نعم قد ينتج المذي عن شهوة كأن يقبل الرجل زوجته فيمذي، لكن هو نفسه ليس فيه شهوة، لا يجد لذةً عند خروجه، اللذة منفصلة عنه، ولهذا يخرج بدون دفق وبدون إحساس، ولا يشعر الإنسان إلا برطوبته.

стр. 1550

حكم طاعة ولي الأمر إذا منع شخصاً من الدعوة فضيلة الشيخ! إذا ندب الله إلى أمر من الشريعة ندباً عاماً كالدعوة إلى الله مثلاً، ومنع من إيقاعه ولي الأمر، فهل يستجاب لولي الأمر في هذا مع قول الرسول ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) مع الضابط إذا تيسر جزاك الله خيراً؟ إذا قال ولي الأمر لشخص مثلاً: لا تدعُ إلى الله، فإن كان لا يقوم أحد سواه بهذه المهمة فإنه لا يطاع ولي الأمر في ذلك؛ لأنها تكون فرض عين على هذا الشخص، ولا طاعة لولي الأمر في ترك فرض عين. أما إذا كان يقوم غيره مقامه، نظرنا: إذا كان ولي الأمر نهاه لأنه يكره دعوة الناس، فهنا يجب أن يناصح ولي الأمر في هذا، ويقال: اتق الله، لا تمنع من إرشاد عباد الله. أما إذا كان نهيه هذا الشخص لسبب آخر يحدث من جراء كلام هذا الرجل، ورأى ولي الأمر أن المصلحة في إيقافه، وغيره قائم بالواجب؛ فإنه لا يحل لهذا أن ينابذ ولي الأمر، وقد كان عمار بن ياسر ﵁ مع عمر بن الخطاب في سفره فأجنب عمار -أي: أصابته جنابة- فجعل يتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة -يعني: تقلب على الأرض ليشمل التراب جميع بدنه- ثم عاد إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ لـ عمار: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) وأراه التيمم. ثم جاءت خلافة عمر [وصار عمار يحدث بذلك، فاستدعاه عمر ﵁ يوماً من الأيام، وقال: كيف تحدث بهذا الحديث؟ لأن عمر يرى أن الجنب لا يتيمم، وأن التيمم في الحدث الأصغر فقط، ومن عليه جنابة ينتظر حتى يجد الماء ثم يغتسل ويصلي هذا رأيه. فقال له عمار: يا أمير المؤمنين! أما تذكر أن النبي ﷺ قال كذا وكذا؟ فكأن عمر نسي هذا، فقال له: يا أمير المؤمنين! إن شئت بما جعل الله لك عليَّ من الطاعة ألا أحدث به فعلت. فقال له عمر: لا. نوليك ما توليت] يعني: فحدث به، والشاهد أنه ما أنكر عليه قوله: [إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به فعلت] . أما لو قال ولي الأمر مثلاً: لا تصل النافلة. فنقول: صلها، لكن بدون منابذة، صلها في بيتك؛ لأن منابذة ولي الأمر يترتب عليها مفاسد كثيرة، لا بالنسبة لك أنت أيها المنابذ؛ لأنك -أنت أيها المنابذ- ربما تؤخذ وتؤذى، وأنت تعتقد أنك أوذيت في الله، لكن غيرك أيضاً يصاب بهذه المنابذة، وربما يقتدي بك غيرك ممن لا يعرف ما عرفت فينابذ بدون علم، وربما تُتحسس أخبار من حولك، ويؤتى بكل إنسان حولك ويؤذى بدون جريمة. ثم إن الحط من قدر ولاة الأمور من العلماء أو الأمراء في أعين الناس له ضرر كبير؛ لأن قدر ولاة الأمور إذا سقط من أعين الناس تمرد الناس على ولي الأمر ولم يروا لأمره قيمة، وصاروا يرونه كسائر الناس، وإذا انحط قدر العلماء في أعين الناس لم يكن لما يقولونه للناس من شريعة الله قيمة، ولم يثق الناس بأقوالهم، ونبذت الشريعة من هذا الجسر؛ لأن قدرهم هُوِّن في أعين الناس، فصار الناس لا يبالون بهم، ولا يأخذون بأقوالهم، ويذهبون يأخذون من فلان وفلان ممن هو دونهم في فقه شريعة الله . فهذه الأمور لا ينبغي لنا أن ننظر إلى ظاهرها وسطحها؛ لأن لها غوراً بعيداً عميقاً، وقد سئل النبي ﷺ عن ولاة الأمور الذين يطالبون بحقهم ويضيعون حق الله في رعيتهم فقال ﷺ : (أعطوهم ما لهم واسألوا الله حقكم) حتى لو منعونا حقنا فنحن نعطيهم ما لهم علينا، ونسأل الله حقنا، وذلك بأن يهديهم حتى يقوموا به. فينبغي لنا أيها الإخوة! ألا ننظر إلى الأمور من سطحيتها فقط؛ بل ننظر لما يترتب عليها من المفاسد العظيمة؛ والأمن حتماً له قيمة، فالدنيا كلها تبذل في سبيل الأمن، ويضحي الإنسان من نفسه بأشياء كثيرة من أجل الأمن، ولا يعرف قدر الأمن إلا من ابتلي بالخوف، واسألوا آباءكم الأولين عما كانت عليه هذه البلاد من الخوف فيما سبق؟! كان الناس لا يذهبون من بريدة إلى عنيزة أو من عنيزة إلى بريدة إلا مسلحين، وعلى خوف شديد؛ بل قال بعض الكبار: كنا -والله نخرج- في رمضان من بيوتنا بعد العشاء بل بعد المغرب ونحن نحمل السلاح. يخافون على أنفسهم من عدو يدخل البلد أو غير ذلك، فنعمة الأمن والرخاء لا يساويها نعمة، وإذا انفلت الأمن من يرده؟ فيجب علينا أن نتجنب كل ما يثير الناس، ونحن لا نبرئ ولاة الأمور من الخطأ، ولاة الأمور من العلماء والأمراء عندهم خطأ كثير، لكن جاء في الأثر: (كما تكونوا يولِّ عليكم) . انظروا إلى أحوال الناس، فمن حكمة الله أن الولي والمولى عليه يكونون متساويين كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] كذلك يولي الله على الصالحين الصلحاء، وإذا نظرنا إلى أحوال الرعية وجدنا أنفسنا نحن الرعية عندنا تفريط في الواجبات وإخلال وتهاون، وتهافت على المحرمات، نجد الغش في المعاملات، والكذب والتزوير وشهادة الزور وأشياء كثيرة، فلو أن الإنسان تعمق وسلط الأضواء على حال المجتمع الإسلامي اليوم لعرف القصور والتقصير، فالمجتمع الإسلامي مجتمع صدق ووفاء وأمانة، وكل هذه مفقودة الآن إلا ممن شاء الله. فإذا أضعنا نحن الأمانة فيما نحن أمناء فيه -وليس عندنا ولاية كبيرة- فكيف من له ولاية أمرنا؟ قد يكون أشد منا إضاعة للأمانة، لكن استقيموا يول الله عليكم من يستقيم. ثم إن الأولى أيضاً، بل إن لم أقل الواجب أن ندعو لولاة الأمور سراً وعلناً، أن ندعو لهم بالتوفيق والصلاح والإصلاح؛ لأنهم ولاة أمورنا، أعطيناهم البيعة، فلابد أن نسأل الله لهم الصلاح حتى يصلح الله بهم، ويذكر أن الإمام أحمد ﵀ قال: (لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان) لأنه إذا صلح السلطان صلحت الأمة، وهذا صحيح. فالواجب علينا -يا إخواني- ألا نيأس، وأن ندعو لولاة أمورنا أن يصلح الله لهم الأمور، وأن يعينهم على ما حملهم، وأن يبعد عنهم كل بطانة سوء؛ لأن ولي الأمر ليس وحده فله أعوان، وله وزراء، وله جلساء، تدعو الله أن يوفقه بجليس صالح وعون صالح، ووزير صالح، فهو من توفيق الله له وللرعية، وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو من شؤمه وشؤم الرعية. ولهذا يجب أن ندعو الله لولاتنا أن يوفقهم للصلاح والإصلاح، وأن ييسر لهم البطانة الصالحة، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق. السائل: أحسن الله إليك: هل الكفاية قامت بدعوة الناس إلى الله في أقطار الإسلام؟ الشيخ: لا. لم تقم، لكن بلادنا -والحمد لله- فيها من يقوم بهذا؛ أكثر المتولين للمنابر اليوم -ولاسيما في المدن- كلهم طلبة علم، وكلهم -والحمد لله- يوجهون الناس توجيهاً هادفاً تحصل به الكفاية، صحيح أن في القرى من لا تحصل به الكفاية، ولكن اتقوا الله ما استطعتم، ولو أن كل قرية فيها طالب علم يعتمد عليه يرجع الناس إليه في الفتاوى والوعظ وغيره من أمور دينهم ودنياهم لكان جيداً، لكن ليس الأمر باليسير. أما عن البلاد الإسلامية الأخرى فحدث ولا حرج، الخلل فيها كثير! خلاصة الفتوى: أنه يجب على من قيل له: لا تتكلم، ألا يتكلم، إلا إذا تعين الأمر عليه، إذا تعين فإنه يجب عليه أن يعصي ولي الأمر؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. السائل: أحسن الله إليكم يا شيخنا: أنتم تذكرون الآن أن الكفاية لم تقم في ديار الإسلام. وليست الدعوة حكراً على بلد معين أو حدود معينة! الشيخ: على كل حال نحن لا نرى أن يمنع إنسان من أن يسافر إلى بلد آخر، إذا كان يريد أن يدعو إلى الله، لكن إذا كانت طريقة دعوته إلى الله هناك طريقة دعوته إلى الله في بلادنا بحيث يكون غير مؤهل في علمه وتصرفه، فلولي الأمر أن يمنعه؛ لأن العلة كلها هي عبارة عن أشياء ربما توجب للناس وللرعية كراهة أولياء الأمور أو ما أشبه ذلك.

стр. 1551

حكم صيام من كان مريضاً مرضاً مزمناً فضيلة الشيخ: هناك رجل مريض بمرض القلب، ولا يعمل عنده إلا جزء بسيط، يحتاج إلى الدواء باستمرار، يعني تقريباً كل ثمان ساعات أو ست ساعات، فهل يسقط عنه الصوم؟ من كان عنده هذا المرض يسقط عنه الصوم، ويطعم عن كل يوم مسكيناً؛ إن شاء أعطى كل مسكين ربع صاع من الأرز، وإن جعل معه لحماً فهو أحسن، وإن شاء عشاهم في آخر ليلة من رمضان أو غداهم في يوم آخر في الفطر، كل ذلك جائز.

стр. 1552

ترجمة القرآن بالمعنى فضيلة الشيخ: ما حكم ترجمة القرآن وتفسيره تفسيراً حرفياً لغير العربية؟ أسألك: هل يمكن أن يترجم القرآن ترجمةً حرفية؟ لا يمكن أبداً، فالمسألة مفروضة فرضاً لا واقعاً؛ لأن اللغات غير العربية تختلف عن العربية، وليست كالعربية في الترتيب ولا في الأسلوب، لهذا لا يمكن أن يترجم ترجمة حرفية، أما ترجمة القرآن ترجمة معنوية، بمعنى أن يأخذ الإنسان آية ويترجم معناها فهذا لا بأس به، بل قد يكون واجباً لمن احتيج إلى تفهيمه بذلك.

стр. 1553

حكم السفر قبل صلاة الجمعة فضيلة الشيخ: ما حكم السفر قبل صلاة الجمعة بساعتين؟ السفر يوم الجمعة إن كان بعد أذان الجمعة الثاني فإنه لا يجوز لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فلا يجوز للإنسان أن يسافر في هذا الوقت؛ لأن الله قال: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] وإذا كان السفر قبل ذلك فإن كان سيصلي الجمعة في طريقه مثل أن يسافر من بلده وهو يعلم أنه سيمر على بلد آخر في طريقه ويعرج عليه ويصلي الجمعة فيه فهذا لا بأس به، وإن كان لا يأتي بها في طريقه، فمن العلماء من كرهه، ومن العلماء من حرمه، ومن العلماء من أباحه، وقال: إن الله تعالى لم يوجب علينا الحضور إلا بعد الأذان. والأحسن ألا يسافر إلا إذا كان يخشى من فوات رفقته أو مثل أن يكون موعد الطائرة في وقتٍ لا يسمح له بالحضور أو ما أشبه ذلك وإلا فالأفضل أن يبقى.

стр. 1554

الأسماء اللازمة والمتعدية في أسماء الله تعالى فضيلة الشيخ: ما الفرق بين الأسماء المتعدية والأسماء غير المتعدية في أسماء الله تعالى؟ أسماء الله المتعدية معناها: أنها تتعدى للغير، واللازمة هي غير المتعدية، فمثلاً (الحي) من أسماء الله تعالى، وهو اسم غير متعد، فيجب أن نؤمن بالاسم وما دل عليه من الصفة وهي الحياة. أما إذا كان متعدياً يعني يتعدى للغير مثل (الخالق) فهذا لابد أن تؤمن به، وإثبات الاسم الذي هو الخالق وإثبات الصفة وهي الخلق، وإثبات الحكم وهو أنه يخلق، لا تقول: إنه خالق فقط، لابد أن تؤمن أنه خالق ويخلق . (السميع) من المتعدي، ولهذا قال الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] فلا يكفي أن تقول: نؤمن بأن الله سميع وأن الله له سمع، ولا نؤمن أنه يسمع؛ فهذا لا يجوز، فلابد أن تؤمن أن الله سميع له سمع ويسمع.

стр. 1555

حكم دخول الكافر المسجد للحاجة فضيلة الشيخ! بالنسبة لدخول الكفار للمسجد لإصلاح بعض الأمور كالبرادات مثلاً داخل المسجد؟ نعم. لا بأس أن يدخل الكافر المسجد لإصلاح محتوياته، لكن يجب التحرز منه، بمعنى: أننا لا ينبغي أن نثق به في أنه يحكم العمل، ربما لا يحكم العمل، فلهذا لابد من التحرز بأن يكون عليه مشرف من المسلمين الناصحين، فهو ليس نجساً نجاسة حسية بل هو نجس نجاسة معنوية، ولهذا لو مس يدك وهو رطب لا تنجس يدك، إذاً: لا حرج من دخوله -كما قلت لك- لمصلحة المسجد، أما أن يدخل ليمكث في المسجد فلا.

стр. 1556

حكم صلاة الجماعة فضيلة الشيخ! إمام وخطيب جمعة لا يصلي الفجر مع الجماعة إلا نادراً، ذهبنا إليه وكلمناه ونصحناه فقال: لا أقبل قولكم فهي ليست بواجبة -يقصد صلاة الجماعة- ثم قال: لا أقتنع إلا بقول ابن عثيمين؟! قل له: يسلم عليك ابن عثيمين، ويقول لك: صلاة الجماعة واجبة، أوجبها الله حتى في حال الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] وقال النبي ﷺ : (من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) واستأذنه رجل أعمى أن يصلي في بيته فأذن له، فلما ولى دعاه، وقال: (أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: أجب) وقال ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) . وقال ﷺ : (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) . وقل له أيضاً: يوصيك ابن عثيمين بتقوى الله ، وأن تكون أسوة صالحة، وأن تحافظ على الصلوات مع الجماعة وجوباً، وأن تحافظ على السنن الراتبة وعلى جميع التطوع؛ لأن ذلك مما يرفعك عند الله وعند العباد.

стр. 1557

لقاء الباب المفتوح [٥١] إن الله شرع لنا مواسم للخيرات نتقرب بها إليه ونطلب منه الفضل والرضا وخصها بالمدح والثناء، وندب إلى فعل الخيرات فيها، ولكن لا يعني انتهاء هذه المواسم انتهاء لفعل الخيرات، بل هي دائمة مستمرة، مطلوبة من الإنسان حتى يأتيه اليقين من ربه، وفي هذه المادة يتكلم الشيخ عما يشرع للإنسان من العبادات وأبواب الخير، ثم يجيب عن الأسئلة.

стр. 1558

الأعمال لا تنتهي بانتهاء مواسمها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من شهر شوال عام (١٤١٤هـ) وبه نفتتح لقاءاتنا من بعد شهر الصيام المبارك، نسأل الله تعالى أن يكتبها لنا ولا يكتبها علينا. بعد هذا الشهر المبارك نذكر أنفسنا وإياكم بأنه إذا انتهى شهر الصيام فلا يعني هذا أنه انتهى الصيام، وإذا انتهى شهر القيام فلا يعني هذا أنه انتهى القيام، وإذا انتهى شهر الصدقة فلا يعني هذا أن الصدقة انتهت؛ لأن الأعمال لا تنتهي بانتهاء مواسمها، وإنما تنتهي الأعمال بانتهاء الأجل، لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] فأمرنا بالبقاء على الإسلام إلى الموت، وقال ﵎: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] . قال النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله) وقال الحسن البصري ﵀: [إن الله لم يجعل لعمل عبده المؤمن أمداً دون الموت، ثم تلا قوله تعالى: ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) [الحجر:٩٩]] فالصيام لا زال مشروعاً والحمد لله.

стр. 1559

صيام النوافل فيشرع للإنسان: - أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أوله أو أوسطه أو آخره لقول النبي ﷺ : (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله) وقالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، لا يبالي أصامها من أول الشهر أم من وسطه أم من آخره) ولكن الأفضل أن تكون هذه الأيام الثلاثة أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. - هناك أيضاً صوم أسبوعي يتكرر بتكرر الأسابيع، وهو صوم يوم الإثنين والخميس، فإن النبي ﷺ كان يصومهما ويقول: (تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) . - هناك صوم حولي على مدار السنة وهو صوم يوم عرفة، قال النبي ﷺ فيه: (إنه يحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) . وصوم يوم عاشوراء، قال النبي ﷺ : (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) . فالصيام -والحمد لله- لم يزل مشروعاً، وهذه الأيام التي تصام يكمل بها الخلل الحاصل في رمضان، بل يكمل فيها خلل صوم رمضان، لأن صوم رمضان لا بد أن يكون فيه خلل، إما كلمات محرمة يقولها الصائم، وإما فعلاً محرماً يفعله الصائم، وإما إخلالاً بواجب يخل به الصائم فيحتاج إلى ترقيع؛ لأن هذه خروق في الصيام تحتاج إلى ترقيع، فترقع بالنوافل، ولهذا جاء في الحديث أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة، ويرقع بها خلل الفرض.

стр. 1560

صلاة النوافل القيام لا يزال مشروعاً في كل ليلة، كان النبي ﷺ يقوم حتى تتورم قدماه، وصح عنه ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر، وذلك كل ليله) . إذاً: فالقيام مشروع في كل ليلة، والصلاة أيضاً مشروعة في كل وقت ما عدا أوقات النهي؛ فإنه لا يصلى فيها إلا الفرائض أو النوافل ذوات السبب، والصلاة شأنها عظيم؛ ولهذا قضى رجل للنبي ﷺ حاجة؛ فقال له الرسول ﷺ : (اسأل -يعني: ماذا تريد أن نكافئك به؟ - قال: أسألك مرافقتك في الجنة -انظر الهمة العالية! ما سأل شيئاً من الدنيا، سأل أن يكون رفيق النبي ﷺ في الجنة- فقال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) قال العلماء: بكثرة السجود، يعني: بكثرة الصلاة؛ لأن الصلاة يطلق عليها اسم السجود، حيث إنه ركن فيها، كما يقال: اعتق رقبة ويريد عبداً كاملاً، لكن لما كانت الرقبة لا يمكن وجود الحياة إلا بها أطلقت على جميع العبد.

стр. 1561

الصدقة وفضلها الصدقة لم تنته برمضان، فكل وقت يشرع فيه الصدقة، كما قال النبي ﷺ : (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) أينا لم يخطئ؟ (كل بني آدم خطاء) ما أكثر أخطاءنا! وما أكثر إسرافنا على أنفسنا! والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصدقة صدقة وإن كانت شق تمرة، قال النبي ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإذا تصدق الإنسان من طيب فإن الله تعالى يأخذ صدقته بيمينه ولو كانت عدل تمرة، فيربيها كما يربي الإنسان فلوه؛ حتى تكون مثل الجبل العظيم. فتصدق -يا أخي- ثم اعلم أن الصدقة ليست هي التي يتصدق بها الإنسان على شخص أجنبي ليس من أهل بيته فقط، بل الصدقة على أهل بيتك أفضل من الصدقة على الأجانب، والإنفاق على أهل البيت صدقة، بل إن الدينار الذي تنفقه على نفسك صدقة أيضاً، والصدقة على القريب أفضل من الصدقة على البعيد كما قال النبي ﷺ ؛ لأنها صدقة وصلة، المهم أن تنفق الصدقة تبتغي بها وجه الله تعالى. زار النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص فقال له: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في فم امرأتك) (نفقة) أَيْ: أَيَّ نفقة، لأنها جاءت نكرة في سياق النفي، تشمل كل نفقة صغيرة أو كبيرة، قليلة أو كثيرة، فإنك تؤجر عليها بشرط: أن يكون ذلك لله، وأن تكون من طيب، وتبتغي بها وجه الله، مع أن إنفاقك على امرأتك واجب، لو لم تنفق لقالت: إما أن تنفق وإما أن تطلق، فأنت تنفق عليها تأليفاً لها وقياماً بواجبها، وخوفاً من أن تطالب بالطلاق، ومع ذلك تؤجر على النفقة عليها، فالأبواب -ولله الحمد- كثيرة واسعة.

стр. 1562

الذكر والتسبيح إذا كان صوم رمضان إيماناً واحتساباً سبباً لمغفرة الذنوب وكذلك قيامه؛ فإن هناك أسباباً أخرى لكفارات الذنوب: (إذا قال الإنسان: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) الله أكبر! نعمة عظيمة (سبحان الله وبحمده) فقط إذا قلتها مائة مرة غفر الله لك خطاياك وإن كانت مثل زبد البحر! ومعلوم أنه لا يمكن أن يحصي أحد زبد البحر. وقولك: سبحان الله وبحمده لا يستغرق من وقتك كثيراً، أعتقد أن الإنسان إذا قاله بتوسط فإنه يكمله في عشر دقائق أو أقل، وتكمله أيضاً وأنت تمشي في السوق، وأنت جالس في بيتك، وأنت جالس تنتظر الصلاة، سبحان الله وبحمده مائة مرة، تغفر لك بها خطاياك وإن كانت مثل زبد البحر، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يقول هذا في آخر النهار، ليكفر ما عمله في نهاره، فالخير كثير! ولله الحمد، لكن نحتاج إلى احتساب. عندما يتوضأ الإنسان في بيته ويسبغ الوضوء ويخرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، أتدرون ما ثوابه؟ لا يخطو خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، اللهم لك الحمد، الخطوة الواحدة لك فيها فائدتان: الأولى: أن الله يرفع لك بها درجة. والثانية: أن يحط عنك بها خطيئة. لكن أين المحتسبون؟ أين الذين يقدرون على هذا؟ أين الذين يشعرون حينما يخرجون من بيوتهم إلى المساجد بهذا الشعور؟ أكثر الناس إما جاهل بهذا فلا يدري، وإما عالم لكنه غافل لا يحتسب، ولهذا ينبغي لك أن تحتسب ما تعمله من خير على الله، بمعنى: أن ترجو بذلك ثواب الله. فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل بقاءنا في هذه الدنيا رفعة في درجاتنا، وقربى وزلفى لديه يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1563

الأسئلة

стр. 1564

حكم الكدرة بعد الطهارة امرأة تقول: جاءها الحيض وتوقف عنها الدم في اليوم السادس من المغرب حتى الساعة الثانية عشر ليلاً، واغتسلت هذا اليوم وصامت اليوم الذي بعده، ثم جاءتها كدرة بنية وصامت هذا اليوم، هل يعتبر هذا من الحيض مع أن عادتها تجلس سبعة أيام؟ هذه الكدرة ليست من الحيض، الكدرة التي تصيب المرأة من بعد طهارتها ليست بشيء، قالت أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً) وفي رواية أخرى: (كنا لا نعدها شيئاً) ولم تذكر بعد الطهر. والحيض دم وليس بكدرة ولا صفرة، وعلى هذا فيكون صيام هذه المرأة صحيحاً سواء في اليوم الذي لم تر فيه الكدرة أو اليوم الذي رأت فيه الكدرة؛ لأن هذه الكدرة ليست بحيض.

стр. 1565

إخراج الزكاة لأهل العراق هل يحق لنا أن نعطي الزكاة أو شيئاً منها إلى أهالي العراق؟ الذي يظهر أن أهل العراق في حاجة شديدة اليوم، فالإنسان قد يتوقف في شخص يشك أنه غني، وأما إذا كنت يغلب على ظنك أنه أهل للزكاة فأعطه منها؛ وعلى هذا فلا بأس أن ترسل لهم من الزكاة إذا كنت تعلم أنهم اليوم فقراء، أو يغلب على ظنك ذلك، وأما إن كنت تعلم أنهم كانوا أغنياء في السابق وربما طرأ عليهم الفقر فمثل هؤلاء لا ترسل لهم من الزكاة وإنما أرسل إليهم من باب الصلة أو الصدقة، فأنت تعلم أن صلة الرحم فيها خير كثير وأجر كبير، وقد تكفل الله للرحم أن يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها.

стр. 1566

جمع النبي ﷺ بين الصلاة من غير سفر ولا مطر ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ جمع بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير سفر ولا مطر، فلما سألوا ابن عباس عن سبب ذلك، قال: لكي لا يشدد عليهم) أو كما في الحديث، أفيدونا عن ذلك وفقكم الله؟ نعم، هذا الحديث كما ذكرت جاء في صحيح مسلم، وسئل ابن عباس ﵄ في ذلك فقال: (أراد ألا يحرج أمته) يعني: ألا يرهقها بحرج ومشقة. ولهذا يجوز للإنسان متى لحقه حرج ومشقة في تفريق الصلوات أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، سواء في سفر أو في حضر، ولهذا نجمع في أيام الأمطار، ونجمع في أيام الرياح الباردة، ونجمع في المرض، فباب الجمع أوسع من باب القصر، القصر ليس له إلا سبب واحد فقط وهو السفر، فغير المسافر لا يقصر، حتى المريض مرضاً شديداً لا يمكن أن يقصر إلا إذا كان في غير بلده، كإنسان ذهب للمعالجة فهذا يقصر، وإن بقيت المعالجة سنين، لكن الجمع أوسع، الجمع سببه الحاجة، والقصر سببه السفر، ولهذا جاز للمستحاضة -التي يأتيها الدم باستمرار- أن تجمع؛ لأنه يشق عليها مع خروج الدم أن تتوضأ لكل صلاة. قال العلماء: حتى المرضع التي يشق عليها أن تطهر ثيابها لكل صلاة من نجاسة طفلها، يجوز لها أن تجمع، لكن هذا الذي قاله أهل العلم في وقت يكون الناس في ضيق، وليس عند المرأة إلا ثوب واحد يشق عليها أن تغسله كلما بال عليها الصبي، أما الآن -الحمد لله- يمكن أن يكون للمرأة ثوب خاص للصلاة، وآخر حين وجودها مع أطفالها.

стр. 1567

حكم الاستغاثة بالأشراف والأولياء ما رأيك في مسلمين يستغيثون بالسادة والأولياء وغيرهم؟ إذا كان في بلاد الإسلام التي يظهر فيها التوحيد، وليس فيها شيء من شعائر الكفر، وهو يعيش بينهم فإنه لا يعذر فيه؛ لأنه ليس هناك سبب يؤدي إلى الشرك، لكن في بلاد الإسلام التي يكون فيها شعائر الشرك كغالب البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر، حيث توجد فيها القبور التي تعبد من دون الله ويستغاث بها، فذلك قد يعذر بالجهل؛ لأنه قد يكون عامياً لا يدري عن شيء أبداً، يعيش في هذه القرية وهم يهبون إلى السيد فلان والولي فلان ويستغيثون به، فكان معهم ولم ينبهه أحد على ذلك، فهذا يعذر بجهله ويحكم له بظاهر الحال. ثم إن كان هناك شيء خفي عنا فأمره إلى الله يوم القيامة، أما في الدنيا فيحكم له بظاهر الحال وهو الإسلام؛ لأنه لو اعتقد أن هذا شرك ما فعله؛ لأنه يدين بالإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويحج البيت، ويصوم، ولكنه في قوم نشئوا على هذا وشابوا عليه، ولا يعرفون أن هذا شرك، فهذا لا شك أنه يعذر؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥] وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤] فلا بد من البيان، ولا بد من المعرفة، والله أكرم من أن يعاقب من لا يعرف أن هذا ذنب.

стр. 1568

حكم المال الذي يؤخذ على العمال المتقدمين ما حكم أخذ صاحب المؤسسة من العمال الذين يستقدمهم عن طريق مكاتب الاستقدام في الداخل والخارج، فيقومون باستقدام العمال من الخارج لصاحب المؤسسة، ويعطونه مقابل كل فرد ألف ريال. ما حكم هذا المال؟ أنا أكره استقدام العمال على الوجه الذي عليه الناس اليوم؛ لأن استقدام العمال أصبح تجارة يتجر بها الناس، تجد الإنسان يأخذ فيزاً وهو لا يحتاجها، لكن يأخذها فيبيعها على فلان وفلان، أو يأخذها ويأتي بالعمال فيستغلهم بأن يأخذ منهم مالاً، سواء من المكاتب هنا أو من المكاتب الخارجية، فأنا أكره هذا إطلاقاً، وأقول: إن الإنسان لا يستقدم إلا من يحتاج إليه فعلاً، وحينئذٍ لا يمكن أن يبيع الفيزة، ولا أن يأخذ من العامل. ثم كيف نقول أنه يأخذ من العامل ومن الشروط المعروفة بينهم: أن العامل يأتي لمدة ثلاثة شهور للتجربة، ثم إذا انتهت الشهور لا يعجبه هذا العامل فيقوم برده إلى أهله، فيكون بهذا أخذ منه مالاً بغير حق، أما لو يأخذ منه المال ويقول: إذا لم يقبله رد عليه ما أخذه، فهذا أهون. فالآن معنا نقطتان: أننا لا نرى جواز استقدام العمال إلا لمن احتاج إليهم حقيقة، أما من استقدمهم ليتجر بهم فهذا لا يجوز، أما إذا احتاج إليهم ثم أعطوه مالاً ليقدمهم على غيرهم فإنه إذا قدر أنه لم يوفق في هذا العامل فليرد إليه ما أخذه؛ لئلا يكون ما أخذه بغير حق.

стр. 1569

كفارة الطلاق رجل يدخن فقال لزوجته: أنت طالق لو شربتُ الدخان. تركه مؤقتاً ثم عاد إليه، ثم توقف وتاب، وهو الآن على توبته؟ هذا ليس عليه إلا أن يكفر كفارة يمين، فيطعم عشرة مساكين، وذلك أن قوله لزوجته: أنت طالق إنما قاله تأكيداً للامتناع عن التدخين، وليس قصده فراق الزوجة، فعلى هذا نقول: ما دمت أردت تأكيد الامتناع منه ثم عدت إليه فليس عليك إلا كفارة يمين.

стр. 1570

رفع اليدين في الدعاء ما هو ضابط رفع اليدين في الدعاء؟ رفع اليدين في الدعاء على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما وردت به السنة، فهذا ظاهر أنه يسن فيه الرفع، مثل: دعاء الاستسقاء، إذا استسقى الإنسان في خطبة الجمعة أو في خطبة الاستسقاء فإنه يرفع يديه، وكرفع اليدين على الصفا وعلى المروة، وكرفع اليدين في عرفة بالدعاء، وكرفع اليدين عند الجمرة الأولى في أيام التشريق والجمرة الوسطى، ولهذا فإن في الحج ست وقفات: الوقفة الأولى: على الصفا. والثانية: على المروة. والثالثة: في عرفة. والرابعة: في مزدلفة بعد صلاة الفجر. والخامسة: عند الجمرة الأولى في أيام التشريق. والسادسة: بعد الجمرة الوسطى في أيام التشريق. هذا القسم لا شك أن الإنسان يرفع يديه فيه لورود السنة به. والقسم الثاني: ما ورد فيه عدم الرفع مثل: الدعاء في الصلاة، فإن النبي ﷺ كان يستفتح في الصلاة ويدعو ويقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) ويدعو بين السجدتين: (رب اغفر لي) ويدعو في التشهد الأخير، ولا يرفع يديه في ذلك كله، وكذلك في خطبة الجمعة يدعو ولا يرفع يديه إلا في الاستسقاء أو في الاستصحاء، ومن رفع يديه في هذه الأحوال وأشباهها قلنا: إنه بدعة، ونهيناه عن ذلك. القسم الثالث: ما لم يرد فيه الرفع ولا عدم الرفع، فهذا الأصل فيه أن من آداب الدعاء أن يرفع الإنسان يديه؛ لقول النبي ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) وذكر النبي ﷺ : (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطمعه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) فجعل النبي ﷺ رفع اليدين إلى الله من أسباب إجابة الدعاء. فهذه أقسام رفع اليدين، ولكن في القسم الذي ترفع فيه الأيدي هل إذا فرغ من الدعاء يمسح وجهه بيديه؟ الصحيح: أنه لا يمسح وجهه بيديه؛ لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف لا تقوم به حجة، فإذا رأينا شخصاً يمسح وجهه بيديه إذا انتهى من الدعاء بينا له أن السنة ألا تمسح وجهك بيديك؛ لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف.

стр. 1571

حكم جمع النية في أكثر من عبادة هل يمكن الجمع في النية بين صيام الثلاثة أيام من الشهر وصيام يوم عرفة، وهل يأخذ الأجرين؟ تداخل العبادات قسمان: قسم لا يصح: وهو فيما إذا كانت العبادة مقصودة بنفسها، أو متابعة لغيرها، فهذا لا يمكن أن تتداخل العبادات فيه، مثال ذلك: إنسان فاتته سنة الفجر حتى طلعت الشمس، وجاء وقت صلاة الضحى، فهنا لا تجزئ سنة الفجر عن صلاة الضحى، ولا الضحى عن سنة الفجر، ولا الجمع بينهما أيضاً؛ لأن سنة الفجر مستقلة وسنة الضحى مستقلة، فلا تجزئ إحداهما عن الأخرى. وكذلك إذا كانت الأخرى تابعة لما قبلها فإنها لا تتداخل، فلو قال إنسان: أنا أريد أن أنوي بصلاة الفجر صلاة الفريضة والراتبة، قلنا: لا يصح هذا؛ لأن الراتبة تابعة للصلاة فلا تجزئ عنها. والقسم الثاني: أن يكون المقصود بالعبادة مجرد الفعل، والعبادة نفسها ليست مقصودة، فهذا يمكن أن تتداخل العبادات فيه، مثاله: رجل دخل المسجد والناس يصلون صلاة الفجر، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا دخل المسجد لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا دخل مع الإمام في صلاة الفريضة أجزأت عنه الركعتين، لماذا؟ لأن المقصود أن تصلي ركعتين عند دخول المسجد، وكذلك لو دخل الإنسان المسجد وقت الضحى وصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الضحى أجزأت عن تحية المسجد، وإن نواهما جميعاً فأكمل، فهذا هو الضابط في تداخل العبادات. ومنه الصوم، فصوم يوم عرفة مثلاً المقصود أن يأتي عليك هذا اليوم وأنت صائم، سواء كنت نويته من الأيام الثلاثة التي تصام من كل شهر أو نويته ليوم عرفة، لكن إذا نويته ليوم عرفة لم يجزئ عن صيام الأيام الثلاثة، وإن نويته يوماً من الأيام الثلاثة أجزأ عن يوم عرفة، وإن نويت الجميع كان أفضل.

стр. 1572

حكم قصر الحاج من أهل مكة الصلاة هل يَقْصُر الحاج من أهل مكة في المشاعر؟ المشهور عند أصحاب الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك والإمام أحمد أن المكي لا يَقْصُر ولا يجمع؛ لأنه غير مسافر، إذ أن السفر ما بلغ ثلاثة وثمانين كيلو أو أكثر، والمعروف أن عرفة هي أبعد المشاعر عن مكة لا تبلغ هذا المبلغ، فعلى هذا لا يجمع أهل مكة ولا يقصرون، بل يتمون ويصلون كل صلاة في وقتها، سواء في عرفة أو في مزدلفة أو في منى. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنهم يجمعون ويقصرون، وقال: إن هذا الجمع والقصر سببه النسك وليس سببه السفر، فيقصرون ولو كانوا في منى وهو أقرب المشاعر إلى مكة. ولكن الصحيح أن القصر في منى وفي عرفة وفي مزدلفة ليس سببه النسك بل سببه السفر، والسفر لا يتقيد بالمسافة، بل يتقيد بالحال وهو أن الإنسان إذا خرج تأهب واستعد لهذا الخروج وحمل معه الزاد والشراب فهو مسافر، وإذا كان خروجاً يسيراً فيخرج في أول النهار ويرجع في آخره، فهذا ليس بمسافر. وبناءً على ذلك نقول: إن الناس في عهد الرسول ﷺ كانوا يتزودون للحج، أهل مكة وغير أهل مكة، ولهذا كان أهل مكة مع الرسول ﷺ في حجة الوداع يجمعون ويقصرون تبعاً للرسول، ولم يقل: يا أهل مكة! أتموا وهذا القول هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ولكن يبقى علينا في وقتنا الحاضر إذا نظرنا إلى منى وجدنا أنها أصبحت حياً من أحياء مكة، والذي يخرج إلى منى مثل الذي يخرج إلى العزيزية؛ بل ربما يكون بعض أفراد العزيزية الشرقية فوق منى، لذلك أرى أن من الأحوط لأهل مكة ألا يقصروا في منى.

стр. 1573

جواز تأخير الصلاة للمسافر المسافر إذا حان وقت الظهر وهو مسافر وليس عنده ماء فإذا أخر الصلاة إلى العصر وجد الماء، فهل له أن يصلي في وقت الظهر بالتيمم؟ الأفضل لمن يرجو وجود الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، إن كانت لا تجمع بما بعدها كالفجر والعشاء والعصر، وإذا كانت تجمع لما بعدها فتأخيرها إلى وقت الثانية هو الأفضل، وإن تيمم وصلى فلا بأس؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] إلى أن قال: ﴿فَإن لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبا﴾ [المائدة:٦] .

стр. 1574

حكم التحايل على المحرمات (العينة والتورق) مؤسسة تجارية يقصدها الناس بقصد التداين لشراء بعض السلع، فيقصدها المشتري فيخبرهم مثلاً بأنه يريد أن يشتري سيارة، فيجمعون له ثمن السيارة ويقسطون عليه الباقي بالزيادة المعروفة، فيقوم هذا المشتري الأول ببيعها لمشترٍ آخر، ويلجأ الثاني إلى نفس المؤسسة ليتدين منها بقصد تسديد ثمن هذه السيارة، فيزيدون عليه الأقساط، فيكون المشتريان لسلعة واحدة وتكون العملية على ثلاثة أو أربعة أشخاص، بينما المتدين منه جهة واحدة وهي المؤسسة، فما حكم ذلك يا شيخ؟ هذه الطريقة من العقود ظلمات بعضها فوق بعض، وحيلة على محارم الله، فإن من المعلوم أنني لو أعطيتك أربعين ألفاً على أن تكون خمسين ألفاً إلى سنة فمن المعلوم أنها ربا لا يختلف فيه، فإذا جئت إلى شخص وأنت تريد الدراهم لكن لا تريد أن تقول: أعطني أربعين ألفاً بخمسين ألفاً إلى سنة؛ لأنه ربا صريح، ولكن قلت: أنا أشتري لك سيارة ثم أبيعها لك بثمن زائد على قيمتها من أجل التقسيط، ثم تذهب وتبيعها فإن بعتها على الذي اشتريتها منه فهي مسألة العينة، وإن بعتها على غيره فهي مسألة التورق. لا شك أن مسألة العينة حيلة واضحة جداً على الربا، فبدل من أن يعطيك أربعين ألفاً بخمسين إلى سنة اشتريت هذا الشراء الصوري الذي يعلم الله وتعلم أنت ويعلم الدائن ويعلم الخلق كلهم أنه ليس المقصود بهذا الشراء الحقيقي، وإنما المقصود به أخذ أربعين ألفاً بخمسين، فهذه حيلة واضحة، ومن فعل هذا ففيه شبهٌ من اليهود نسأل الله العافية؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) . وإذا كان اليهود دعا عليهم الرسول ﷺ وقال: (قاتل الله اليهود! إنه لما حرمت عليهم الشحوم جملوها -يعني: أذابوها- ثم باعوها وأكلوا ثمنها) فاليهود لما حرم الله عليهم الشحوم قالوا: إذاً: لا نأكل الشحم لكن نذيبه ونبيعه ونأكل ثمنه، هذه الحيلة التي صنعها اليهود، ودعا النبي ﷺ عليهم أن يقاتلهم الله؛ لأنهم حرب على الله إذا فعلوا هذا الفعل. وحيلة اليهود أبعد من حيلة هؤلاء؛ لأن اليهود ما أكلوا الشحم ولا باعوا الشحم أيضاً، ذوبوه ثم باعوه وأكلوا الثمن، أما هذا فبدلاً من أن يعطيك أربعين ألفاً وتكون عليك بخمسين ألفاً إلى سنة قال: تشتري هذه السيارة بخمسين ألفاً إلى سنة ثم يشتريها هو بأربعين ألفاً، فهذه المعاملة حرام على الدائن وعلى المستدين، وعلى من فعلها أن يتوب إلى الله قبل أن يأتيه الموت وهو متلبس بهذه الحيلة -والعياذ بالله- ومن تاب تاب الله عليه؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] .

стр. 1575

حكم تنظيم البرامج الدعوية ما حكم تنظيم البرامج الدعوية في المراكز الصيفية والرحلات البرية؟ لا بأس أن تنظم الجماعات في الدعوة إلى الله في أي وقت وفي أي مكان، وقد كان النبي ﷺ ينظم أصحابه في الجهاد والصلاة والحج وفي كل شيء، يصفهم ويرتبهم، ويقول: أنت لك الراية، وهذا له العلم، وهذا في المجنبة اليمنى، وهذا في المجنبة اليسرى، وهذا في القلب، يعني: في وسط الجيش. هكذا فعل الرسول ﷺ ، كذلك العلماء قالوا: ينبغي في الجهاد أن يرتب الجيش، وينزل كل إنسان منزلته، ويجعل على كل طائفة عرفاء يبلغون القائد العام حاجات الناس، فالتنظيم أمر جاء به الشرع ولكنه مطلق، ومعنى: كلمة مطلق، أنه يخضع لما تقتضيه المصلحة في كل زمان ومكان، قد يكون تنظيمنا هنا في البلد مناسباً وصالحاً، ولكنه في بلد آخر لا يكون مناسباً ولا صالحاً، ولهم أنظمة خاصة بهم، فكل يراعي ما تحصل به المصلحة، وليس ذلك شيئاً محدثاً أو محرماً في الشرع، فإنه من الأمور التي جاءت السنة بمثله.

стр. 1576

شروط إقامة الحجة في التكفير هناك قضية تثار الآن حول ما يناط للتشريع العام فيما يحكم به الحكام، ويستدل أصحاب هذا الرأي بفتواكم حفظكم الله في المجموع الثمين بأن هذا الكفر وأنه واضح؛ لأنه تبديل لشرع الله، كذلك ينسب هذا إلى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀. فالسؤال هنا: هل ترد موانع التكفير أو ما اشترطه أهل السنة والجماعة في إقامة الحجة على من حكم بغير ما أنزل الله تشريعاً عاماً؟ كل إنسان فعل مكفراً فلا بد ألا يوجد فيه مانع التكفير، ولهذا جاء في الحديث الصحيح لما سألوه هل ننابذ الحكام؟ قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فلا بد من الكفر الصريح المعروف الذي لا يحتمل التأويل، فإن كان يحتمل التأويل فإنه لا يكفر صاحبه وإن قلنا إنه كفر. فيفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، قد تكون الفعلة فسقاً ولا يفسق الفاعل لوجود مانع يمنع من تفسيقه، وقد تكون كفراً ولا يكفر الفاعل لوجود ما يمنع من تكفيره، وما ضر الأمة الإسلامية في خروج الخوارج إلا هذا التأويل، فـ الخوارج كانوا مع علي بن أبي طالب على جيش أهل الشام، فلما حصلت المصالحة بين علي بن أبي طالب وأهل الشام خرجت الخوارج الذين كانوا معه عليه حتى قاتلهم وقتلهم والحمد لله، لكن الشاهد أنهم قالوا: حكمت بغير ما أنزل الله؛ لأنك حكمت البشر، فخرجوا عليه. فالتأويل الفاسد هو بلاء الأمة؛ فقد يكون الشيء غير كفرٍ فيعتقدها هذا الإنسان أنه كفر بواح فيخرج، وقد يكون الشيء كفراً لكن الفاعل ليس بكافر لوجود مانع يمنع من تكفيره، فيعتقد هذا الخارج أنه لا عذر له فيخرج. ولهذا يجب على الإنسان التحرز من التسرع في تكفير الناس أو تفسيق الناس، ربما يفعل الإنسان فعلاً فسقاً لا إشكال فيه، لكنه لا يدري، فإذا قلت: يا أخي! هذا حرام. قال: جزاك الله خيراً. وانتهى عنه. إذاً: كيف أحكم على إنسان بأنه فاسق دون أن تقوم عليه الحجة؟ فهؤلاء الذي تشير إليهم من حكام العرب والمسلمين قد يكونون معذورين لم تتبين لهم الحجة، أو بينت لهم وجاءهم من يلبس عليهم ويشبه عليهم. فلا بد من التأني في الأمر، ثم على فرض أننا رأينا كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، وكلمة (رأينا) شرط، و (كفراً) شرط، و (بواحاً) شرط، و (عندنا فيه من الله برهان) شرط أربعة شروط. فنقول: (أن تروا) أي: تعلموا يقيناً احترازاً من الشائعات التي لا حقيقة لها. وكلمة (كفراً) احترازاً من الفسق، يعني: لو كان الحاكم فاسقاً فاجراً لكن لم يصل إلى حد الكفر فإنه لا يجوز الخروج عليه. الثالث: (بواحاً) أي: صريحاً لا يتحمل التأويل، وقيل البواح: المعلن. والرابع: (عندكم فيه من الله برهان) يعني: ليس صريحاً في أنفسنا فقط، بل نحن مستندون على دليل واضح قاطع. هذه الشروط الأربعة شرط لجواز الخروج، لكن يبقى عندنا شرط خامس لوجوب الخروج وهو: هل يجب علينا إذا جاز لنا أن نخرج على الحاكم؟ هل يجب علينا أن نخرج؟ ينظر للمصلحة، إن كنا قادرين على إزالته فحينئذٍ نخرج، وإذا كنا غير قادرين فلا نخرج، لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة. ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه، لأننا خرجنا ثم ظهرت العزة له، صرنا أذلة أكثر، وتمادى في طغيانه وكفره أكثر، فهذه المسائل تحتاج إلى تعقل، وأن يقترن الشرع بالعقل، وأن تبعد العاطفة في هذه الأمور، فنحن محتاجون للعاطفة لأجل تحمسنا، ومحتاجون للعقل والشرع حتى لا ننساق وراء العاطفة التي تؤدي إلى الهلاك.

стр. 1577

حكم العرضات الشعبية يقام في منطقة الجنوب عند البدو في حفلة العرس والأعياد ما يسمى بالعرضة، وهي لعبة جماعية للرجال ينشدون فيها بعض القصائد الحماسية بدون طبل ولا زار، فما حكم الشرع في نظركم؟ أتوقف في تحريم هذا الشيء؛ لأن العارضات في المناسبات جاءت الشريعة بمثلها في لعب الحبشة برماحهم في مسجد الرسول ﷺ وأراد عمر أن يحصبهم، فقال له الرسول ﷺ : (دعهم حتى يعلموا أن في ديننا فسحة) . فأنا أتوقف في التحريم، هذا إذا لم تشتمل على شيء محرم كحضور النساء واختلاطهن بالرجال، فهنا تكون محرمة من أجل ذلك.

стр. 1578

لقاء الباب المفتوح [٥٢] في هذا اللقاء تفسير آيات من سورة الأعلى، حيث بين أن الله عالم بما يجهر به العباد وبما يسرونه ويكنونه من الأقوال والأفعال، كما رد من خلال الآيات على من يحتج بالقدر على المعاصي.

стр. 1579

تفسير آيات من سورة الأعلى الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني والخمسون من اللقاءات الأسبوعية التي تعقد في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو لقاء الأسبوع الثالث من شهر شوال عام (١٤١٤هـ) ، نتكلم فيه أولاً على ما بقي من سورة سبح اسم ربك الأعلى من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٦-٨] .

стр. 1580

وعد الله لنبيه بإقرائه القرآن فهذا وعد من الله لرسوله محمد ﷺ أنه يقرئه القرآن ولا ينساه الرسول، وكان الرسول ﷺ يتعجل إذا جاء جبريل يلقي عليه الوحي، فقال الله له: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٩] ، فصار النبي ﷺ ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرؤه. وهنا يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦-٧] يعني: إلا ما شاء الله أن تنساه، فإن الأمر بيده كما قال : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٦-١٠٧] وربما ينسى النبي ﷺ آية من كتاب الله تعالى، ولكنه سرعان ما يذكرها ﷺ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٧] أي: أن الله تعالى يعلم ما يجهر به الإنسان ويتكلم به مسموعاً ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٧] أي: ما يكون خفياً لا يظهر، فإن الله يعلمه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [قّ:١٦] فهو يعلم الجهر، ويعلم أيضاً ما يخفى.
следующие страницы →