Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الأسئلة
стр. 1612
التفصيل في حكم من سب النبي ﷺ
ذكرتم في بعض دروسكم أن الذي يسب الرسول ﷺ أو أحد أصحابه فإنه يكفر وله توبة ولكن مع القتل أخذاً بثأر النبي ﷺ وأخذاً بثأر أصحابه ﵃، فإذا كان هذا الشاتم في زمن غفلة ومعصية ولكن لا يزال مسلماً فهل يطبق عليه حكم القتل بعد أن تاب وأناب وندم على ما فعل كما كان الحال مع الصحابي الجليل كعب بن زهير ﵁، وقصة شتمه للنبي ﷺ معروفة، نرجو التوضيح والله يحفظكم؟
يقول السائل: ذكرتم في بعض دروسكم أن من سب الرسول ﷺ أو أحداً من أصحابه فإنه يكفر ويقتل، والأمر ليس كذلك، إنما الصواب: أن من سب الرسول ﷺ فإنه هو الذي يكفر، أما من سب أحداً من الصحابة فلا يكفر، لكن لو سب الصحابة عموماً أو سبهم إلا نفراً قليلاً فإنه يكفر، لكن الكلام الآن وموضوع الإجابة سيكون عن سب الرسول ﷺ .
فنقول: إذا سب الرسول فإنه يكفر، سواء كان جاداً أو مازحاً أو مستهزئاً، فإنه يكفر لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] ولكن إذا تاب تقبل توبته؛ لقوله ﵎: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] .
ولكن هل يسقط عنه القتل؟ الجواب على هذا: فيه تفصيل: إن كان الذي سب الرسول ﷺ سبه وهو كافر لم يسلم بعد فإنه لا يقتل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] .
أما إذا كان الذي سب الرسول مسلماً وارتد بسبب سبه الرسول ﷺ فإن القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يقتل مع قبول توبته؛ أخذاً بالثأر للرسول ﷺ .
فإن قال قائل: إنه قد وجد أناس سبوا الرسول ﷺ وقبل توبتهم ولم يقتلهم.
قلنا: نعم.
هذا صحيح، لكن الحق في القتل لمن؟ للرسول ﷺ ، وإذا عفا عنهم في حياته فالحق له، إن شاء قتلهم وإن شاء لم يقتلهم، لكن بعد موته لا نستطيع معرفة إن كان الرسول سيعفو عنهم أم لا، فإذا كانوا مستحقين للقتل بسبهم الرسول ﷺ وهو حق آدمي، ولم نعلم أنه عفا عنهم، فإن الواجب قتلهم.
ثم إن في قتلهم مصلحة وهو كف ألسنة غيرهم عن سب الرسول ﷺ ، أما هم فقد قبل الله توبتهم إذا كانت توبتهم نصوحاً، وأمرهم إلى الله، وإذا لم يقتلوا اليوم ماتوا غداً، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
ويرى بعض العلماء أنه إذا تاب فلا تقبل توبته ويقتل كافراً، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد، قال في زاد المستقنع: ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الصواب: أن التوبة مقبولة متى صدرت على الوجه الصحيح، لكن إن كان سب الله فإنه لا يقتل، وإن كان قد سب الرسول فإنه يقتل، ولعلكم تتعجبون فتقولون: أيهما أعظم: سب الله، أم سب الرسول ﷺ ؟!! الجواب: سب الله أعظم بلا إشكال، إذاً فلماذا إذا تاب من سب الله قبلنا توبته ولم نقتله، وإذا تاب من سب الرسول قبلنا توبته وقتلناه؟ لأن من سب الله وتاب تاب الله عليه، وقد أخبر الله تعالى عن نفسه أنه يسقط حقه فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فنحن نعلم أن الله تعالى قد عفا عنه بتوبته من سب الله، أما من سب الرسول فلا نعلم أن الرسول عفا عنه، وحينئذٍ يتعين قتله.
هذا وجه الفرق بينهما.
وذهب بعض العلماء: إلى أن من سب الله أو رسوله ثم تاب قبلت توبته ولم يقتل، فصارت الأقوال في المسألة ثلاثة، أرجحها أن توبته تقبل ويقتل.
стр. 1613
حكم الطواف بالقبور وعبادتها من دون الله
في كثير من البلاد الإسلامية هناك أضرحة يطاف حولها وتعبد من دون الله، وفي بعض القرى هناك أضرحة رئيسية يطاف حولها يومياً، وفي بعض القرى هناك نحو تسعة وتسعين ضريحاً، وهذه يحج إليها ويطاف بها، وذكر أحد إخواني أنه طاف بها منذ صلاة الفجر إلى صلاة الظهر حتى أكمل الطواف، وفي هذه القرى مساجد تقام فيها الصلوات، ومع ذلك بلغتهم دعوة التوحيد، فما حكم هذه الصلوات؟ وما حكم هذه العبادات؟
من طاف بالأضرحة -يعني: القبور- يدعو صاحب القبر، ويستغيث به، ويستنجد به، فهو مشرك شركاً أكبر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] وإذا صلى هؤلاء في المساجد وهم مصرون على هذا الشرك -أعني: دعاء أصحاب الأضرحة والاستغاثة بهم- فإن صلاتهم لا تقبل منهم ولا تنفعهم عند الله، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] .
لكن الواجب على أهل العلم في تلك البلاد أن يكثفوا الدعوة، والذهاب إلى هؤلاء لبيان الحق لهم، وألا ييئسوا من روح الله، وإذا كان لا يمكن أن ندعوهم جهاراً على سبيل العموم؛ لأن من الناس من يقول: لو ذهبت إلى هؤلاء العامة وأدعوهم وأقول لهم: إن عملكم هذا شرك ربما يقتلونني، فإنه من الممكن أن يختار من زعمائهم من يختار، ويدعوه إلى بيته أو يزوره هو في بيته، ويتكلم معه بهدوء، ويبين له محاسن الإخلاص، ويبين له -أيضاً- أن هؤلاء الموتى لا يستجيبون له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦] فليكثف الدعوة معهم؛ لأن هؤلاء الذين يترددون إلى الأضرحة ويدعونهم يعتبرون في حكم أهل الجاهلية، فلا بد من دعوتهم وتكثيف الدعوة معهم، ولعلَّ الله أن يهديهم على أيدي إخواننا المصلحين.
стр. 1614
حكم سؤال الله أن يخرج المهدي
جاءت الأحاديث في السنة وتواترت تواتراً معنوياً تذكر المهدي، ولكن سؤالي من شقين: الشق الأول: المهدي الحقيقي هل يجوز لنا سؤال الله أن يخرج فينا المهدي؟ الشق الثاني: كلمة "المتنظر" جاءت في كتابات إسلامية للمتأخرين تذكر المهدي المنتظر، فهل لهذا أصل؟ وجزاك الله خيراً.
المهدي وردت فيه أحاديث انقسمت إلى أربعة أقسام: أحاديث موضوعة مكذوبة عن الرسول ﷺ ، وأحاديث حسنة، وأحاديث صحيحة بغيرها.
والصحيح أنه سيخرج إذا اقتضت حكمة الله خروجه، حين تملأ الأرض جوراً وظلماً، وانتبهوا لكلمة (تملأ الأرض) أي: لا يبقى عدل ولا إحسان، فإذا ملئت الأرض جوراً وظلماً ولم يبق عدل ولا إحسان حينئذٍ يبعث الله المهدي، يبين للناس الحق ويدعوهم إليه، ويهديهم الله على يديه، هذا هو الصحيح المعتقد عندنا، وللشيخ عبد المحسن العباد محاضرة في مجلة الجامعة الإسلامية أيام كان الشيخ عبد العزيز بن باز رئيساً للجامعة، وهي محاضرة قيمة أحيل الأخ السائل عليها، حتى يتبين له حكم خروج المهدي.
أما كلمة "المهدي المنتظر" فهذا هو مهدي الرافضة الذي يدعون أنه في سرداب في العراق، وأنه حي، وأنه ينتظر الفرج، وأنه سوف يخرج، وجهالهم -كما نقل عنهم السفاريني ﵀ يخرجون في صباح كل يوم عند هذا السرداب ومعهم فرس ورمح وماء وعسل وخبز، كل يوم يقولون: ننتظر خروجه في هذا الصباح، من أجل أن يفطر بالخبز والماء والعسل، ثم يركب الفرس برمحه ويخرج إلى الناس يقاتل الظلمة؛ لأن عندهم أو كثير منهم أن كل الناس ظالمون، حتى أبو بكر وعمر ﵄ ظلمة في رأيهم، يقولون: إنهم ظلموا علي بن أبي طالب ﵁ فأخذوا منه الخلافة واغتصبوها منه، فهم ظلمة وليسوا خلفاء، الخليفة المستحق للخلافة هو علي بن أبي طالب ﵁.
ومن العجب أن رأيت للشهرستاني في كتاب الملل والنحل قولاً عجباً قال: إن أبا بكر وعمر ظلمة، وإن علياً ظالم أيضاً؛ لأنه لم يأخذ بالثأر لنفسه.
نسأل الله العافية! صار هؤلاء عند الشرذمة ظلمة! لكن عامة الرافضة لا يقولون بهذا، يقولون: إن أبا بكر وعمر كانا ظالمين مغتصبين للخلافة، وأن علي بن أبي طالب هو الخليفة.
ولا شك أن قولهم هذا مرفوض بقول علي بن أبي طالب نفسه، فإنه صح عنه بالنقل المتواتر أنه قال على منبر الكوفة: [خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر] .
يعلنها ﵁ وهذا هو تمام الإنصاف وتمام الحق والعدل منه ﵁، لكن من يدعون أنهم أتباعه خالفوا طريقه في هذا، وهو قد بايع أبا بكر وبايع عمر وآزرهما، وكان معهما، بل بايع عثمان ﵄، وهذا معروف في السير والتاريخ، فإرداف كلمة (المنتظر) بكلمة (المهدي) هذه مأخوذة عن الرافضة.
ونحن نقول: إن هذا المهدي -أعني: مهدي أهل السنة لا مهدي الرافضة - سوف يخرج إذا اقتضت حكمة الله تعالى ذلك، بحيث تملأ الأرض ظلماً وجوراً، والذي يقول: اللهم أخرجه، فيه رائحة من الرفض؛ لأنه يعتقد الآن أن الأرض مملوءة ظلماً وجوراً، والأرض الآن -والحمد لله- ليست مملوءة ظلماً وجوراً، الأرض الآن فيها أناس يحكمون بالعدل، ويقضون بالحق، ويقيمون الشريعة بحسب المستطاع، سواء كانوا من أفراد الشعوب أو من حكام الشعوب، وهذا أمر يعرفه كل واحد، بل إن الناس اليوم ولا سيما الشعوب خير منهم بالأمس.
ظهر ولله الحمد فئات متعددة في البلاد الإسلامية كلها تنادي بالإسلام وتناضل من أجله، وتطبق من الإسلام ما استطاعت، فالإسلام الآن ولله الحمد في مستقبل، حتى في الأمم الكافرة كـ أمريكا وفرنسا وانجلترا وغيرها، فيها فئات كثيرة مسلمة تدعوا إلى الإسلام، والآن الإسلام له وزنه حتى في أمريكا في الوقت الحاضر والحمد لله، حتى إن رئيس أمريكا هنأ مسلمي أمريكا بعيد الفطر لهذا العام ومسلمي جميع العالم كما نقل عنه، وهذا يدل على أن الإسلام الآن أصبح له وزنه، وما ذكر من هؤلاء الطغاة -أعني: من طغاة الكفرة- أن الإسلام يهدد البشرية، فهذا من وحي الشيطان، الإسلام يهدي البشرية ولا يهدد البشرية، أي نظام أحسن من دين الله؟! ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] .
السائل: بعض المتقدمين من العلماء يطلق (المنتظر) على المهدي؟ الشيخ: لا يصح هذا، نقول: المهدي كما جاء في الحديث فقط، ولا نقول: المنتظر.
стр. 1615
حكم المعاملة التي يكون فيها أحد الطرفين غانماً أو غارماً
يوجد عند بعض المكتبات التجارية إعلان يشتمل على أن من يدفع في الشهر مبلغاً معيناً من النقود فإنه يحصل على أمرين: الأمر الأول: يزود بالكتب الجديدة في مواد التخصص كالفقه ونحوه.
والأمر الثاني: يعطى بطاقة تخفيض (١٠%) إذا أتى يشتري.
فما حكم ذلك؟
هذا نوع من الميسر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] والميسر: كل معاملة مبناها على المغالبة؛ إما غانم وإما غارم، هذه القاعدة الشرعية في الميسر، فهذا الرجل الذي يدفع كل شهر خمسمائة ريال -مثلاً- قد يشتري كتباً تكون نسبة التنزيل فيها أكثر من ألف ريال، وقد لا يشتري شيئاً، فإذا فرضنا أنه يشتري كتباً نسبة التخفيض فيها أكثر من خمسمائة ريال صار غانماً وصاحب الدكان غارماً؛ لأنه يخسر، وإن لم يشتر صار صاحب الدكان غانماً وهذا غارماً؛ لأنه دفع خمسمائة ريال ولم يأخذ مقابلاً لها، فهذه المعاملة من الميسر ولا تحل.
والحقيقة أن مثل هذه المعاملات فشت الآن كثيراً، فلو فرض -مثلاً- أننا تخلصنا من الربا التي تقوم عليه كثير من البنوك اليوم، في كثير من معاملاتها تورطنا في الميسر، الآن كثرت هذه المعاملات والمغالبات، فإذا قدمنا أن الربا خفف كما هو الآن، اتجه بعض البنوك إلى فتح بعض الفروع إسلامية تتعامل حسب مقتضى الشريعة، تأتينا هذه البلايا في المعاملات وهي بلايا الميسر، فالواجب علينا أن ننتهي عن هذا عن كل معاملة تكون فيها مغالبة، إما غانم وإما غارم.
стр. 1616
حكم جمع نيتين في صيام يوم واحد
هل يصح جمع نيتين في صيام يوم واحد، مثل أن يصوم أحد الأيام الست مع يوم واحد من الأيام البيض؟
العبادات أحياناً تتساقط -أي: يسقط بعضها بعضاً- وهذا فيما إذا علمنا أن المقصود حصول هذه العبادة في هذا الوقت دون النظر إلى ذات العبادة، فمثلاً: إذا دخل الإنسان المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا دخل المسجد وهو يريد أن يصلي الراتبة فصلى الراتبة سقطت بذلك تحية المسجد؛ لأن المقصود ألا تجلس حتى تصلي وقد صليت، وكذلك لو دخلت والإمام يصلي فإن من المعلوم أنك سوف تدخل مع الإمام وتسقط عنك تحية المسجد.
وكذلك لو صام الإنسان أيام الست اكتفى بها عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ولا يبالي في أول الشهر صامها أو وسطه أو آخره) ، وإذا كنت تريد أن تصوم أيام البيض بذاتها فإنك تصوم أيام الست في أول الشهر، ثم إذا جاءت أيام البيض قمت بصيامها؛ لأنك أردت أن يكون صيامك في هذا الوقت المعين، أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فإن صيام الأيام الست يجزئ عنها.
стр. 1617
حكم السترة ومقدارها
ما حكم السترة وما مقدارها؟
السترة في الصلاة سنة مؤكدة إلا للمأموم، فلا يسن له اتخاذها اكتفاء بسترة الإمام.
وأما مقدارها فقد جاء في الحديث: (إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم) وجاء في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود بإسناد حسن: (فإن لم يكن فليخط خطاً) .
قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن، فالحديث ليس فيه علة توجب رده.
فنقول: أقلها خط وأعلاها مثل مؤخرة الرحل، وهي سنة في حق الإمام والمنفرد لا في حق المأموم.
стр. 1618
مدى صحة قول القائل عن النبي ﷺ : أشرف خلق الله
هناك أحد الأساتذة في الجامعة يقول: إن قولنا عن النبي ﷺ : (أشرف خلق الله) لا يصح، وإن هذا من عبارات التصوف، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] يقول: إننا لا نحصي خلق الله تعالى حتى ندعي أن نبينا محمداً ﷺ هو من أشرفها؟
المشهور عند كثير من العلماء إطلاق هذه العبارات أن محمداً ﷺ أفضل الخلق كما قال الناظم:
وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا فمل عن الشقاق
لكن الأحوط والأسلم أن نقول: محمد ﷺ سيد ولد آدم، وأفضل البشر، وأفضل الأنبياء، أو ما أشبه ذلك اتباعاً لما جاء به النص، ولم أعلم إلى ساعتي هذه أنه جاء أن النبي ﷺ أفضل الخلق مطلقاً في كل شيء.
وأما الاستدلال بالآية: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] ففي غير محلة؛ لأن هذه الآية في المركوبات قال الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] أي: مما تركبون، وهو -أيضاً- يخلق ما لا نعلم من غير ما نركب، لكن الاستدلال بهذه الآية على أن الله يخلق خلقاً خيراً من محمد ﷺ فيه نظر، إنما الأسلم أن الإنسان في هذه الأمور يتحرى ما جاء به النص.
مثلاً لو قال قائل: هل فضل الله بني آدم عموماً على جميع المخلوقات؟ قلنا: لا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] لم يقل: على كل من خلقنا، فمثل هذه الإطلاقات ينبغي على الإنسان أن يتقيد فيها بما جاء به النص فقط ولا يتعدى.
والحمد لله، نحن نعلم أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، وأشرف الرسل وأفضلهم وأكرمهم عند الله ، وأدلة ذلك من القرآن والسنة الصحيحة معروفة مشهورة، وأما ما لم يرد به دليل صحيح فإن الاحتياط أن نتورع عنه، أما كون هذه من عبارات الصوفية أو غير الصوفية فلا أدري، لكنه مشهور عند كثير من العلماء، تجدهم يقولون: إن محمداً أشرف الخلق.
стр. 1619
حكم قبول الموظف للهدية
شخص يعمل في إحدى المؤسسات ويقوم بعمل جيد يواجه فيه الجمهور، وأحد العملاء المتعاملين معه أهدى له إهداء نتيجة هذا العمل، فهل يقبل هذا الإهداء من باب التشجيع له، أم يرده؟
إذا كان هذا الرجل الذي أهدى إليه ممن يتعامل معه فلا يقبل الهدية؛ لأنه يخشى أن تكون رشوة، ومعلوم أن الهدية تجلب المودة والمحبة، وأنها تعصف بالإنسان عن اتباع الصراط المستقيم، فيخشى إذا جاءت معاملة من هذا الذي أهداه أن يقدمها على غيرها ولو في المستقبل البعيد، فنرى أن الإنسان الذي يباشر أعمالاً للجمهور أولى به ألا يقبل هدية ممن يتعامل معهم؛ لأنه سوف يحابيه ولو على الزمن البعيد.
стр. 1620
قبول توبة من أصيب بمرض لا يرجى شفاؤه
هل تصح التوبة ممن أصيب بمرض لا يرجى شفاؤه؟
نعم.
تصح التوبة من إنسان أيس من حياته إما بمرض لا يرجى شفاؤه كمرض السرطان مثلاً، وإما بتقديمه للقتل كرجل قدم ليقتص منه حتى ولو كان السياف على رأسه، وإما من إنسان محصن زنى واستحق الرجم حتى ولو كانت الحجارة قد جمعت لرجمه، فإنه تصح توبته؛ لأن الله تعالى يقبل توبة الإنسان ما لم يغرغر بروحه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧] ومعنى قوله: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] أي: يتوبون قبل الموت، لقول الله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] ولكن التوبة لا بد لها من شروط خمسة: الإخلاص، والندم على ما فعل، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعود في المستقبل، وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، أي: بأن تكون قبل الموت أو قبل طلوع الشمس من مغربها.
стр. 1621
حكم التعامل مع البنوك الربوية لتسديد الضرائب من فوائدها
أنا من دولة إرتيريا والحكومة هناك تضطهد المسلمين وتفرض عليهم ضرائب أكثر من دخلهم، فالذي يكسب ألف ريال مثلاً تفرض عليه الحكومة عشرين ألف ريال ضرائب، وعندنا بنوك تتعامل بالربا، فهل يجوز لنا التعامل معها لتسديد تلك الضرائب من فوائدها؟ وهل يجوز لنا أن ندفع الزكاة في سداد هذه الضرائب أم لا؟ أفيدونا مأجورين وجزاكم الله خيراً.
هذان سؤالان، ونجيب أولاً عن السؤال الثاني فنقول: أما دفع الزكاة في هذه الضرائب فلا يجوز، ولا إشكال في ذلك؛ لأن الزكاة لها أهلها المختصون بها، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] .
وأما أخذ الربا لدفعه في هذه الضرائب الظالمة فأنا أرى أنه لا يجوز أيضاً؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٨-٢٧٩] (رءوس أموالكم) أي: بدون زيادة ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] نعم لو فرض أن عائدات هذه البنوك تعود إلى هذه الحكومة الظالمة فهذا ربما يكون مسوغاً، لأن تأخذ هذا الربا لتدفع الظلم عن نفسك، لأنك سوف تأخذه من الدولة الظالمة لتدفع به ظلمها.
أما إذا كانت هذه البنوك لغير هذه الدولة الظالمة فلا أرى جواز الأخذ وإن كان بعض الناس يفتي بأن يأخذه الإنسان لا بنية التملك ولكن بنية توقي صرفه إلى مؤسسات نصرانية؛ لأن بعض الناس يدعي أنك إن لم تأخذ هذا الربا صرفته هذه البنوك في الدعوة إلى النصرانية التي يسمونها التبشير، ولا ندري هل هذا صحيح، أم لا؟ وعلى كل حال فخلاصة جوابي في هذه المسألة: أنه لا يجوز أخذ الربا من البنوك، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٧٨-٢٧٩] فنص على رءوس الأموال.
ثم إن النبي ﷺ قال في خطبة عرفة في حجة الوداع أكبر مجمع للأمة الإسلامية قال: (إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) فانظر: الآن عقد ربا في حال الشرك وأبطله الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يجوز أخذه، ولأن الإنسان لو أخذه فربما تغلبه نفسه ولا يخرجه من ملكه لا سيما إذا كان كثيراً، افرض أن الربا بلغ مليون ريال ربما يأخذه الإنسان وهو يريد أن يتخلص منه لكن تغلبه نفسه فيبقيه، ولأن الإنسان المسلم إذا أخذه اقتدى به غيره؛ لأنهم لا يدرون أن هذا الرجل أخذه ليتصدق به مثلاً، فيأخذه الناس الآخرون ولا يتصدقون به، ولأننا إذا منعنا الناس عن أخذ الربا من البنوك ألجأهم هذا إلى أن ينشئوا بنوكاً إسلامية تكون مبنية على الشريعة الإسلامية.
فالذي نرى: أن أخذ الربا لا يجوز بأي حال من الأحوال، إلا أننا نتوقف في هذه المسألة الأخيرة، وهي إذا كانت هذه البنوك الظالمة التي تفرض الضرائب على الناس وأخذ الإنسان من الربا بقدر مظلمته ليدفعه لهذه الدولة الظالمة، فهذا محل توقف عندي، والله أعلم بالصواب.
стр. 1622
حكم النذر والوفاء به
نذرت امرأة نذراً إبان أزمة الخليج وقالت: إن نصر الله بلادنا لتذبحن أربع ذبائح وتطبخها وتوزعها، فما الحكم؟
نقول: أولاً: ننهى هذه المرأة وغيرها عن النذر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: (لا يأتي بخير ولا يرد قضاء) والرب أكرم من كونه لا يتكرم إلا بجزاء، هو يتكرم عليك سواء نذرت له أو لم تنذر، فكونك إذا أيست من الشفاء من المرض تنذر، أو إذا أيست من قدوم الغائب تنذر، أو إذا أيست من الانتصار تنذر، هذا خطأ وسوء ظن بالله ، الرب أكرم من أن تنذر له ليتفضل عليك، ولكن إذا أنعم عليك فاشكره.
ولهذا قال الرسول ﷺ : (إنه لا يأتي بخير) والذي لا يأتي بخير هل يفعله العاقل؟ لا يفعله، ولهذا حرم بعض العلماء النذر وقال: أحرمه؛ لأن الرسول نهى عنه، أحرمه؛ لأن الرسول قال: (لا يأتي بخير) فالإنسان لا ينذر لا لشفاء من مرض، ولا لقدوم غائب، ولا لانتصار طائفة أبداً.
لكن إذا ابتلي ونذر فلا بد من الوفاء بالنذر إذا نذر طاعة، لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) فهذه المرأة عليها أن تذبح أربعاً من الغنم وتطبخها كما نذرت وتوزعها على الفقراء خاصة، وإذا رأت أن من المصلحة أن توزع على الفقراء وهي غير مطبوخة وأن هذا أنفع للفقراء فلتوزعها غير مطبوخة.
стр. 1623
نصيحة للإمام الذي يرى من نفسه التقصير وأنه لا يصلح للإمامة
هذا شاب إمام لأحد المساجد وهو كما يقول: محبوب عند جماعة من رواد المسجد، ويعلم في قرارة نفسه أنه مقصر وعنده بعض المعاصي ولا يستحق الإمامة، ولا يستحق هذه المحبة والتقدير من الناس، ويخشى على نفسه إذا هو بقي في المسجد إماماً يخشى على نفسه من النفاق والرياء، فهل يبقى في المسجد -أي: يستمر في إمامة الناس-، أو يترك الإمامة خشية الرياء والنفاق؟
أقول: إن هذا الشاب الذي وصفته بأنه محبوب عند قومه ولكن عليه إسراف فيما بينه وبين ربه أقول: إن هذا الذي حباه الله به من الإمامة ومحبة قومه له توجب أن ينزع عن الإسراف على نفسه، وأن يحسن العبادة، وأن يشكر الله ؛ لأن كون الإنسان يكون محبوباً عند قومه وهو إمام لهم نعمة من الله كبيرة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] إلى أن قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] فليحمد الله على هذه النعمة، ولينزع من الإسراف على نفسه، وليجعل هذا من الأسباب التي تعينه على طاعة الله، وليبق في مكانه.
وكونه يقول: أخشى من الرياء، فهذه وسوسة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان كلما أراد أن يعمل طاعة، يدخل عليه الشيطان ويقول: أنت مراء، فيجب عليه أن يطرح هذا ويعرض عنه ويستعين بالله ، فهو دائماً يردد في الصلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] .
стр. 1624
الجمع بين حديث الذين يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة وأحاديث كفر تارك الصلاة
كيف نوفق بين قوله ﷺ في أقوام يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة، والأحاديث التي جاءت بكفر تارك الصلاة؟
يحمل قوله ﷺ : إنهم يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة، على أناس يجهلون وجوب الصلاة، كما لو كانوا في بلاد بعيدة عن الإسلام أو في بادية لا تسمع عن الصلاة شيئاً، ويحمل -أيضاً- على من ماتوا فور إسلامهم دون أن يسجدوا لله سجدة، وإنما قلنا بذلك؛ لأن الحديث -الذي ذكرت- من الأحاديث المتشابهة، وأحاديث كفر تارك الصلاة من الأحاديث المحكمة البينة، واتباع المتشابه واطراح المحكم طريقة من في قلوبهم زيغ والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] .
ولعله بلغك قصة الأصيرم من بني عبد الأشهل الذي خرج إلى أحد وقتل فوجده قومه في آخر رمق وقالوا: يا فلان! ما الذي جاء بك؟ أحدب على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، فأخبروا النبي ﷺ فقال: (إنه من أهل الجنة) مع أن هذا الرجل ما سجد لله سجدة، لكن منَّ الله عليه بحسن الخاتمة، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.
стр. 1625
حكم الصلاة لمن سافر بعد دخول الوقت من حيث القصر والإتمام
إذا سافر المسافر بعد دخول وقت الصلاة، أي: أن الوقت دخل عليه وهو في البلد ثم سافر، فهل يقصر، أم يتم؟
إذا سافر الإنسان بعد دخول الوقت وصلى في مسيره فإنه يقصر صلاته كما أنه لو دخل عليه الوقت وهو في السفر ثم وصل بلده فإنه يتم الصلاة؛ لأن العبرة بفعل الصلاة لا بوقتها، فمتى فعل الصلاة في السفر قصرها، ومتى فعلها في الحضر أتمها.
стр. 1626
حكم استعمال الجن المسلمين
امرأة تستعمل الجن بحجة أن من تستعملهم هم من الجن المسلمين، وإذا كان هذا لا يجوز فهل يجوز التستر عليها، خاصة إذا علم أنها تابت ولا نعلم صحة توبتها؟
أحيل السائل في هذا السؤال -أي: في استعمال الجن المسلمين- على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى، وكذلك في كتاب النبوات، وكذلك في إيضاح الدلالة على عموم الرسالة فإنه صرح أنه يجوز للإنسان أن يستعمل الجن الصالحين، كما يستعمل الإنس الصالحين، ويعلم صلاحهم بطريقته، فإذا كانوا لا يستجيبون للإنسان إلا بكفره بأن يذبح لهم مثلاً، أو كانوا لا يستجيبون له إلا بتمكينهم من فعل الفاحشة به، أو كانوا لا يستجيبون له إلا بظلم الناس بإتلاف أموالهم كما لو قالوا له: نحن نأتي لك بإبل فلان مثلاً، فهؤلاء ليسوا صالحين فلا يجوز استعمالهم.
لكن إذا كانوا لا يفعلون إلا الخير فقد قال شيخ الإسلام ﵀: إن هذا من الدعوة إلى الخير، والجن مدعوون إلى الخير منهيون عن الشر، كما أن الإنس كذلك، وذكر ﵀ قصصاً عن الصحابة في هذه المسألة، فارجع إلى كلامه ﵀ في هذا الموضوع، وأظن أننا في كتابنا العقد الثمين أشرنا إلى مواضع كلامه ﵀ بالصفحات فارجع إليها بارك الله فيك.
نسأل الله أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً مباركاً نافعاً إنه على كل شيء قدير.
стр. 1627
لقاء الباب المفتوح [٥٤]
هذا اللقاء هو عبارة عن تفسير آيات من سورة الأعلى تحدث الشيخ عن سبب إعراض الأشقى للذكرى وعدم الانتفاع بها، وبين ما سيلقاه يوم القيامة من عذاب بسبب إعراضه عن الذكرى.
стр. 1628
تفسير آيات من سورة الأعلى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع والخمسون من اللقاء المسمى بلقاء الباب المفتوح، ونتكلم على ما تبقى من سورة الأعلى.
стр. 1629
تفسير قوله تعالى: (ويتجنبها الأشقى)
قال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى:١١] أي: يتجنب هذه الذكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضد: السعادة، كما في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود:١٠٧-١٠٨] فالأشقى -والعياذ بالله- المتصف بالشقاوة يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو: البالغ في الشقاوة غايتها وهذا هو الكافر، فإن الكافر يذكر ولا ينتفع بالذكرى.
стр. 1630
تفسير قوله تعالى: (الذي يصلى النار الكبرى)
قال تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:١٢-١٣] الذي يصلى النار الموصوفة بأنها الكبرى وهي: نار جهنم؛ لأن نار الدنيا صغرى بالنسبة لها، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (ناركم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) أي: إن نار الآخرة فضلت على نار الدنيا بتسع وستين ضعفاً.
والمراد: نار الدنيا كلها ليست ناراً مخصوصة بل هي أشد ما يكون من نار الدنيا، فإن نار الآخرة فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، ولهذا وصفها الله بقوله: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢] ثم إذا صلاها لا يموت فيها ولا يحيا، المعنى: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة سعيدة، وإلا فهم أحياء في الواقع، لكنهم أحياء معذبون ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] كما قال الله : ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف:٧٧] وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: يهلكنا ويريحنا من هذا العذاب ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] فيها العذاب المقيم، ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨] .
هذا معنى قوله: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:١٣] لأنه قد يشكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حي ولا ميت؟ فيقال: لا يموت فيها ميتة يستريح بها، ولا يحيا حياة يسعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذاب وجحيم وشدة، يتمنى الموت ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:١٣] .
стр. 1631
الأسئلة
стр. 1632
امرأة حصلت على الطلاق بأمر المحكمة وزوجها غير راضٍ
رجل تزوج امرأة ثم بعد أيام قليلة طلبت منه الطلاق، وهو يرغب في أن تبقى في عصمته، فقال لها بعد الدخول: إن شئت خالعتك.
فرفعت أمرها للقضاء -قضاء المحاكم الدستورية في الكويت - وحصلت على الطلاق، وهو يرغب في بقائها معه، فهل يقع هذا الطلاق؟
هذه المرأة التي سألت زوجها الخلع، والخلع معناه: أن يفارق الزوج زوجته بعوض، سواء كان العوض منها أو من أبيها أو من رجل أجنبي.
ونحن نقول: أولاً: لا يحل للمرأة أن تسأل زوجها الطلاق إلا لسبب شرعي؛ لأن النبي ﷺ قال: (من سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، أما إذا كان هناك سبب شرعي بأن كرهته في دينه، أو كرهته في خلقه، أو لم تستطع أن تعيش معه وإن كان مستقيم الخلق والدين، فحينئذٍ لا حرج عليها أن تسأل الطلاق، ولكن في هذه الحال تخالعه مخالعة، بأن ترد عليه ما أعطاها ثم يفسخ نكاحها.
ودليل ذلك: (أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس ﵁ أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام.
فقال لها النبي ﷺ : أتردين حديقته؟ وكان قد أصدقها حديقة.
فقالت: نعم.
يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) فأخذ العلماء من هذه القضية أن المرأة إذا لم تستطع البقاء مع زوجها فإن لولي الأمر أن يطلب منه المخالعة، بل أن يأمره بذلك، قال بعض العلماء: يلزم بأن يخالع؛ لأن في هذه الحال لا ضرر عليه؛ إذ أنه سيأتيه ما قدم لها من مهر، وسوف يريحها.
أما أكثر العلماء فيقولون: إنه لا يلزم بالخلع، ولكن يندب إليه ويرغب فيه، ويقال له: (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) .
وأنا أرى أننا الآن أمام مشكلة: فبقاؤها في عصمته يمنعها من أن تتزوج بزوجٍ آخر، وظاهراً حسب حكم المحكمة أنها طلقت منه، وأنها إذا انتهت عدتها تجوز للأزواج، فأرى للخروج من هذه المشكلة أنه لا بد من أن يتدخل أهل الخير والصلاح في هذه المسألة، من أجل أن يصلحوا بين الزوج وزوجته، وإلا فعليها أن تعطيه عوضاً، حتى يكون ذلك خلعاً شرعياً.
стр. 1633
حكم من لا يرى البيعة لولي الأمر
ما حكم من لا يرى البيعة لولي الأمر إن كان يترتب على ذلك خروج؟
الذي لا يرى البيعة لولي الأمر يموت ميتة جاهلية؛ لأنه ليس له إمام، ومن المعلوم أن البيعة تثبت للإمام إذا بايعه أهل الحل والعقد، ولا يمكن أن نقول: إن البيعة حق لكل فرد من أفراد الأمة، والدليل على هذا: أن الصحابة ﵃ بايعوا الخليفة الأول أبا بكر ﵁ ولم يكن ذلك من كل فرد من أفراد الأمة، بل من أهل الحل والعقد، فإذا بايع أهل الحل والعقد لرجل وجعلوه إماماً عليهم صار إماماً، وصار من خرج عن هذه البيعة يجب عليه أن يعود إلى البيعة حتى لا يموت ميتة جاهلية، أو يرفع أمره إلى ولي الأمر لينظر فيه ما يرى؛ لأن مثل هذا المبدأ مبدأ خطير فاسد يؤدي إلى الفتن والشرور.
فنقول لهذا الرجل ناصحين له: اتق الله في نفسك، واتق الله في أمتك، ويجب عليك أن تبايع لولي الأمر أو تعتقد أنه إمام ثابت، سواء بايعت أنت أم لم تبايع، إذ أن الأمر في البيعة ليس لكل فرد من أفراد الناس ولكنه لأهل الحل والعقد.
السائل: وإذا كان عذره تعدد الولايات الإسلامية، والبيعة تكون للإمام الواحد؟ الجواب: هذا عذر باطل مخالف لإجماع المسلمين، فتعدد الخلافات الإسلامية ثابت من عهد الصحابة ﵃، وهي متعددة إلى يومنا هذا، والأئمة من أهل السنة كلهم متفقون على أن البيعة تكون للإمام أو للأمير الذي هم في حوزته، ولا أحد ينكر ذلك، وهذا الذي قاله تلبيس من الشيطان، وإلا فإنه من المعلوم أن طريق المسلمين كلهم إلى يومنا هذا أن يبايعوا لمن كانت له الولاية على منطقتهم، ويرون أنه واجب الطاعة.
فنسأل هذا الرجل: إذا كنت لا ترى أن البيعة إلا لإمام واحد على عموم المسلمين، فمعنى ذلك: أن الناس الآن أصبحوا كلهم بلا إمام، وهذا شيء مستحيل متعذر! لو أننا أخذنا بهذا الرأي لأصبحت الأمور فوضى، كل إنسان يقول: ليس لأحد عليَّ طاعة، ولا يخفى ما في هذا القول من المنكر العظيم.
стр. 1634
حكم الصلاة في المساجد التي فيها الصور
هناك بعض الرخام المظلل بالأسود والأبيض تزين به جدران المساجد من الداخل، وهو مع الأسف يجلب من دول الشرك والكفر، ولهذا فهو يحتوي على كثير من الصور الظاهرة والمخفية التي تستبين بتدقيق النظر، وهي صور لأشخاص وحيوانات، فما حكم الصلاة في هذه المساجد؟ وحكم وضع هذا الرخام بالمسجد؟
حكم وضع هذا الرخام الذي تظهر فيه الصور محرم، يعني: أنه محرم أن نضع في مساجد المسلمين رخاماً فيه الصور، ويجب على أهل الحي الذين سترت جدران مساجدهم بهذا أن يطالبوا بإزالتها، فإن لم يمكن فلا يصلوا في هذا المسجد، بل يطلبوا مسجداً آخر، ولهذا امتنع عمر ﵁ من دخول الكنائس؛ لأن فيها صوراً.
стр. 1635
من مات بسبب السرعة وحكم مخالفة إشارات المرور
الذي يسير بالسيارة بسرعة تزيد عن مائة وعشرين كيلو متراً في الساعة، أو يقطع الإشارة فيحصل عليه حادث فيموت، أو يموت شخص آخر معه أو في سيارة أخرى، هل يكون هذا القتل عمداً أو شبه عمد؟ وهل يجوز قطع الإشارة إذا كان لا يوجد في جهات أخرى سيارات، أخذاً بالقاعدة الأصولية (الحكم مع علته) ؟ أفيدونا وفقكم الله.
أما مسألة السرعة، فالسرعة لا يمكن أن نحددها بحد معين؛ لأن ذلك يختلف، فهناك فرق بين خط عام سريع وخط خاص، وهناك فرق أيضاً بين شخص يمشي في البر وآخر يمشي في البلد، فالمهم أن السرعة تتقيد بحسب الحاجة إلى التهدئة، ولا يمكن ضبطها.
ثم إن السيارات نفسها تختلف، فبعض السيارات إذا زادت فيها على مائة وعشرين تكون مخاطراً، وبعض السيارات تكون سرعتها أوسع من هذا بكثير، فكل مقام له مقال.
أما بالنسبة لقطع الإشارة أرى أنه لا يجوز قطع الإشارة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وولاة الأمر إذا وضعوا علامات تقول للإنسان: قف، وعلامات تقول للإنسان: سر، فهذه الإشارات بمنزلة القول؛ يعني: كأن ولي الأمر يقول لك: قف، أو يقول: سر، وولي الأمر واجب الطاعة، ولا فرق بين أن تكون الخطوط الأخرى خالية أو فيها من يحتاج إلى أن يفتح له الخط.
وقد سألت المدير العام للمرور هنا بـ المملكة العربية السعودية وقال: إن هذه الإشارات ليست للتنظيم ولكنها للإيقاف والحجز، وإذا كان كذلك فهذا لا ينطبق عليه ما أشار إليه السائل في قوله: الحكم يدور مع علته وجوده أو عدمه؛ لأن هذا أمر بالإيقاف وليس المعنى: قف! إن كانت الخطوط الأخرى مشغولة، بل المعنى قف نهائياً، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز.
ثم إنه قد يرى الإنسان الخط غير مشغول، فإذا بإنسان يأتي مسرعاً ليتدارك الإشارة التي ترخص له بالسير فيحصل الحادث كما يقع هذا كثيراً، لذلك نرى أن الواجب الوقوف، والمسألة والحمد لله لا تعدو ثلاث دقائق ثم ينفتح له الخط.
أما قولك في أنه قتل عمد أو شبه عمد فليس عمداً ولا شبه عمد.
стр. 1636
مجاهدة اليهود في فلسطين
بالنسبة لـ منظمة حماس الموجودة الآن في الأرض المحتلة وما تقوم به من عمليات استشهادية وغيرها ضد اليهود، هل هذا العمل شرعي؟ علماً بأنها قد تكون سبباً في انتقام اليهود بأشد مما قام به أعضاء هذه المنظمة، وكذلك قيامهم ضد دولتهم الجديدة هل هو شرعي؟
نسمع أنهم يقومون بعمليات ضد اليهود، ونحن نرى أن اليهود أهل غدر وخيانة، ولا يمكن أن يفوا لأحد، وإن تظاهروا بما يتظاهرون به، فوراء هذا التظاهر ما وراءه من الشر، وإذا كانوا لم يفوا بالعهد لأشرف البشر محمد ﷺ فكيف بمن دونه؟! نفهم أن اليهود أهل غدر وخيانة، وأما عملية حماس أو غيرها فنقول للسائل: إذا كنت مندوباً عنهم فأثبت لنا ذلك ونحن نفتيك إن شاء الله.
стр. 1637
ضوابط إمارة الأمير في السفر وحكم مخالفته
إذا تأمر شخص على مجموعة أثناء السفر فما هي ضوابط إمارته عليهم؟ كذلك إذا خالفه أحد أفراد المجموعة أثناء السفر هل يكون آثماً، أم لا؟
من المعلوم أن الرسول ﷺ أمر المسافرين أن يؤمروا عليهم واحداً لئلا تكون أمورهم فوضى، ولابد أن يكون مطاعاً فيما يتعلق بمصالح السفر، أما الأمور الأخرى فلا تلزم طاعته، فمثلاً: لو قال لإنسان من الذين معه: لا تصم وهو يحب أن يصوم يوم الإثنين مثلاً، فلا تلزمه طاعته في ذلك، لكن لو قال: ننزل في هذا المكان الآن لزمه طاعته.
وعلى الأمير أن يتقي الله وأن يراعي الأمانة، وألا يتصرف إلا في مصلحة القوم، وكما أشرت إليه أن النبي ﷺ لم يأمر بالتأمير إلا ليطاع، حيث لا فائدة من أمير لا يطاع، ويطاع فيما يتعلق بمصلحة السفر خاصة، ومعلوم أننا إذا قلنا يجب طاعته فإنه يأثم من خالفه.
стр. 1638
كيفية النهي عن المنكر إذا كان علناً
إذا كان المنكر علانية فهل ينكر علانية؟ وإذا كان الشخص يجاهر بالفسق ويدعو إلى الفسوق والمعاصي فهل يحذر منه الناس حتى يحذروا من شره؟
المنكر إذا أعلن فيجب إنكاره علناً، لكن هل يجب تعيين الشخص القائم به؟ هذا ينظر فيه إلى المصلحة، إن اقتضت المصلحة أن نعين الشخص من أجل أن يرتدع عما هو عليه من المنكر فليذكر بعينه، وإذا كانت المصلحة تقتضي أن يعمم القول وأن يقال: يوجد من الناس من يفعل كذا، أو ما بال أقوام يفعلون كذا، أو ما شابه ذلك فهو أحسن، فالمهم أن المنكر إذا أعلن يجب إنكاره علناً، لكن تعيين الفاعل ينظر فيه إلى المصلحة، أما التحذير من هذا الفاعل سراً خوفاً من أن يفتتن به الناس فهذا واجب.
стр. 1639
الأشياء التي يبتدئ بها طالب العلم في تعلمه
هناك بعض طلبة العلم يبدءون طلب العلم بكتب الحديث ليس بالمتون الفقهية، ويعللون ذلك: بأن المتون الفقهية خالية من أدلة الكتاب والسنة، فهل هذا صحيح؟
الذي أرى أن يبدأ الطالب قبل كل شيء بفهم القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ، ولأن القرآن لا يحتاج إلى أي عناء في ثبوته؛ لأنه ثابت بالتواتر، لكن السنة فيها الصحيح وفيها الحسن وفيها الضعيف وفيها الموضوع، فهي تحتاج إلى عناء، ثم هي أيضاً تحتاج إلى جمع أطرافها، فقد يبلغُ الإنسانَ حديثٌ عن الرسول ﷺ يكون له مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه، أو يكون هذا الحديث منسوخاً وهو لا يعلم، ولهذا تجد أن الذي يعتمد على فهمه من الأحاديث يخطئ كثيراً، ولا شك أن الأحاديث أو السنة عن النبي ﷺ أصل من الأصول، فهي كالقرآن لوجوب العمل بها إذا صحت عن النبي ﷺ .
وأما دعواه بأن المتون خالية مما قال الله ورسوله فنعم، أكثر المتون الفقهية ليس فيها الدليل، ولكن توجد الأدلة في شروحها، فليست خالية من الأدلة باعتبار شروحها التي تحلل ألفاظها وتبين معانيها.
والذي أرى أن يكون الإنسان بادئاً أولاً بكتاب الله ، وثانياً: بكتب الفقه المبنية على الكتاب والسنة؛ لأن هذه تضبط تصرفه وتصحح فهمه.
لكن لو سألنا: هل الأفضل أن أحفظ متناً من متون الفقه، أو متناً مختصراً من الحديث؟ رأينا له أن يحفظ متناً مختصراً من الحديث كعمدة الأحكام، وبلوغ المرام، ولكن لا يدع الاستئناس بكلام أهل العلم وأهل الفقه.
стр. 1640
التورع عن وصف الناس بألقاب السوء كالفسق أو العلمانية أو الحداثة
ما رأيك في رجل تورع أن يرمي إنساناً بالكفر بينما لا يتورع أن يرميه بالعلماني أو الحداثي جزاكم الله خيراً؟
معلوم أننا يجب أن نتورع عن وصف الإنسان بالكفر أو الفسق أو بـ العلمانية أو الحداثة أو غير ذلك من ألقاب السوء، حتى نتبين ثم نحكم عليه بما يستحق، والعلمانية والحداثة إذا كانت كفراً فلا فرق بين أن نرميه بأنه علماني حداثي أو نقول هو كافر، لكن كلمة الكفر صريحة واضحة، كل إنسان يعرف أنك إذا قلت: فلان كافر.
أنه خارج من الإسلام، لكن إذا قلت علماني أو حداثي ربما يفهم أن فيه شيئاً من العلمانية أو الحداثة الذي لا يوصل به إلى الكفر.
وعلى كل حال: الواجب ألا نتنابز بالألقاب، وألا نصف أحداً بسوء إلا إذا كان متصفاً به حقيقة، وكان في ذلك مصلحة تربو على مفسدة ذكره؛ لأن التسرع في هذه الأمور يؤدي إلى المفاسد، وقد ثبت عن النبي ﷺ : (أن من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله ولم يكن كذلك رجع على القائل) .
стр. 1641
حكم صلاة المأموم بجانب الإمام إذا لم يجد مكاناً في الصف
ما حكم صلاة المأموم الذي لم يجد مكاناً في الصف ووقف عن يمين الإمام، وإذا حصل عارض للإمام هل يجوز له أن يؤم المصلين؟
السنة أن الإمام يتقدم على المأمومين إذا كانوا اثنين فأكثر، ولا ينبغي أن يقف أحد بجانب الإمام إلا للضرورة القصوى، كما لو امتلأ المسجد ولم يجد مكاناً إلا إلى جنب الإمام فلا بأس، وإذا كانوا اثنين واحتاجا إلى أن يكونا جانب الإمام فليكن أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، ولا يكونا جميعاً عن يمينه كما كان هذا هو المشروع أولاً، أنه إذا كان هناك ثلاثة أن يكون الإمام بين الاثنين، ثم نسخ ذلك حتى كان المشروع أن يكون الاثنين خلفه.
وأما ما يظنه بعض العامة الآن من أن الرجلين إذا احتاجا أن يكونا مع الإمام كانا عن يمينه فقط، هذا ليس له أصل، نعم إذا كان واحداً فلا يقف إلا عن يمينه.
أما إذا حدث للإمام حدث وانصرف من الصلاة فله أن يقول لبعض المأمومين: يا فلان! تقدم أتم بهم الصلاة.
فإن لم يفعل فللمأمومين أن يقدموا أحدهم، أو أن يكملوا الصلاة فرادى.
стр. 1642
حكم بيع التصريف وبيع البضاعة المشتراة من الخارج قبل وصولها المحل
ما حكم الشرع في رأيكم في بيع التصريف وبيع البضاعة المشتراة من الخارج قبل أن تصل إلى المحل؟
هذان سؤالان في سؤال واحد: السؤال الأول: ما حكم بيع التصريف؟ وصورته أن يقول: بعت عليك هذه البضاعة، فما تصرف منها فهو على بيعه، وما لم يتصرف فرده إليَّ، وهذه المعاملة حرام؛ وذلك لأنها تؤدي إلى الجهل ولابد، إذ أن كلاً من البائع والمشتري لا يدري ماذا يتصرف من هذه البضاعة، فتعود المسألة إلى الجهالة، وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه: (نهى عن بيع الغرر) وهذا لا شك أنه من الغرر.
ولكن إذا كان لابد أن يتصرف الطرفان هذا التصرف فليقل من له السلعة: خذ هذه وبعها بالوكالة، وليجعل له أجراً على وكالته، فيحصل بذلك المقصود للطرفين، فيكون هذا الثاني وكيلاً عن الأول بأجرة ولا بأس بذلك.
أما بيع السلع قبل أن تصل: فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، فلا بد أولاً من حيازتها ثم بعد ذلك يبيعها، أما أن يبيعها وهي في بلد آخر ولا يدرى هل تصل سليمة أو غير سليمة فإن هذا لا يجوز.
فإن قال قائل: المشتري رضي بما تكون عليه السلع سواء نقصت أو لم تنقص.
قلنا: ولو رضي بذلك؛ لأنه قد يرضى بهذا عند العقد طمعاً في الربح، ثم إذا حصل ندم وتأسف ربما يحصل بينه وبين البائع نزاع، والشرع -ولله الحمد- قد سدَّ كل باب يؤدي إلى الندم وإلى النزاع والخصومة.
وكذلك أيضاً: لو تلفت قد يحصل نزاع بين الطرفين.
فالمهم أن هذا لا يجوز -بيع السلع- حتى تصل إلى مقرها عند البائع، ثم يتصرف فيها.
стр. 1643
الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وحكم التفريق بينهما
هل مسألة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة من أصول الدين التي يوالى ويعادى عليها؟ وهل الذي يفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة يكون مبتدعاً؟
المعروف عند أهل السنة أن الفرقة الناجية هي المنصورة إلى قيام الساعة، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، فـ الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة وصفان لموصوف واحد ولا فرق بينهما.
وهذه المسألة ليست من المسائل الكبيرة التي يعادى من أجلها ويوالى من أجلها، إذا اختلف فيها فهم رجلين، فالواجب على كل إنسان يخالف غيره أن يبحث معه بحثاً هادئاً يقصد به الوصول إلى الحق، ثم إذا بقي كل منهم على ما يرى فأمره إلى الله، سوف يحاسبه الله على نيته، ولكن نحن لا نلزم غيرنا بما نرى؛ لأننا إذا ألزمنا غيرنا بما نرى فقد وضعنا أنفسنا في غير موضعها؛ وضعناها في مرتبة العصمة لنا والخطأ لغيرنا، وهذا مذهب خطير؛ لأنه لا أحد يقبل قوله في كل حال إلا الرسول ﷺ ، وكيف يليق بالإنسان العاقل أن يحاول إلزام غيره برأيه ثم لا يقبل أن يلزمه غيره برأيه؟! أما مسألة التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة فأرى أن الخلاف في هذه المسألة لا يصل إلى البدعة، بل يجب أن يناقش فيها المخالف مناقشة هادئة، وسوف يتضح الحق إذا استعمل الطرفان أدب الخلاف وكان الحق مطلوباً للطرفين كليهما.
стр. 1644
حكم من توضأ وصلى الفجر وعليه حدث أكبر خشية فوات الجماعة
في اللقاء الشهري الماضي سئلت عن إنسان صلى الفجر وهو عليه حدث أكبر، فخشي أن تفوته صلاة الجماعة فتوضأ ثم صلى، فلما سئلت في ذلك قلت: الأولى والأحرى أن يعيد الصلاة، فهل معنى قولك (الأولى والأحرى) أنه لا يلزمه إعادة الصلاة على سبيل الوجوب؟
الصحيح أنه إذا فعل ذلك عن جهل فإنه يعذر بذلك، كما عذر النبي ﷺ المسيء في صلاته ولم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات، وكما عذر المرأة التي استحيضت وكانت تترك الصلاة، وكما عذر عمار بن ياسر حينما تمرغ في الصعيد يظن أن هذا هو الواجب عليه في التيمم، والشواهد على هذا كثيرة.
стр. 1645
حكم انتساب الرجل إلى غير أبيه من أجل الحصول على الجنسية أو غيرها
هناك قضية تحدث الآن كثيراً وخصوصاً بين دول الخليج خاصة، وهي أنه يكون أحد أفراد هذه البلاد ثم يذهب فيتحصل على جنسية أخرى من إحدى دول الخليج ولكن ليست باسمه ولا باسم أبيه، وإنما بإضافته إلى عمه كأحد أولاده أو إلى خاله أو إلى أحد أقاربه، فيحصل بذلك على تلك الجنسية وكل ما يترتب عليها من رواتب وغير ذلك من مصالح، مع أنه هنا لديه جنسية ولديه أوراقه، وليس عنده أي مشكلة إلا أنه يفعل ذلك للحصول على بعض المصالح المادية، ولا يخفى على فضيلتكم خطورة الادعاء لغير الوالد وما ورد في ذلك من النهي الخطير، فما حكم هذا العمل؟
هذا العمل محرم، ولا يحل للإنسان أن ينتسب إلى غير أبيه؛ لأنه يترتب عليه الكذب، ويترتب عليه الميراث، ويترتب عليه المحرمية، ويترتب عليه كل ما يترتب على النسب، ولهذا جاءت النصوص بالوعيد على من انتسب لغير أبيه، وهذا العمل أيضاً من كبائر الذنوب بل يجمع بين كبيرتين: وهما الكذب لأكل المال بالباطل، والانتساب إلى غير أبيه.
والواجب على الإنسان أن يعود إلى الحق في هذه المسألة، وأن يمزق التابعية التي ليست حقيقية، هذا الواجب عليه، وإني لأعجب أن يقدم الإنسان على هذا العمل المحرم من أجل طمع الدنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ [الإسراء:١٨] فأرجو منك أن تبلغ هذا الأخ أنه يجب عليه أن يمزق هذه التابعية التي ليست حقيقية، وعفا الله عما سلف، وما أخذه بهذه التابعية من الدراهم فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] يقول هذا في آكل الربا، وما دونه من باب أولى، لكن يجب عليه أن يتلف التابعية التي ليست حقاً.
السائل: يا شيخ! وإذا لم يترتب عليها آثار في المحرمية والميراث؟ الشيخ: شرعاً يترتب عليها، فمثلاً: إذا انتسبت إلى عمي على أنه أبي صار أولاده إخوة لي، هذا لازم ولابد من ذلك.
السائل: لكن يقول: الناس الآن قد يعلمون الحقيقة؟ الشيخ: لو علموا الحقيقة الآن لا يعلمونها في المستقبل، ثم هو كذب ومن كبائر الذنوب، كيف يستمر الإنسان على شيء من الكذب وكبائر الذنوب.
стр. 1646
حكم صلاة الإمام إذا صلى بالناس على غير وضوء وحكم صلاة المأمومين
إذا كان إنسان صلى بمسجده إماماً وهو ليس على طهارة، فما حكم صلاة المأمومين؟ وهل تلزمهم الإعادة؟ وهل هو آثم بسبب صلاتهم؟
إذا صلى الإنسان إماماً وهو على غير طهارة فإن كان متعمداً فهو آثم، ويجب عليه أن يعيد صلاته، وأن يتوب إلى الله ويستغفره، وإذا كان جاهلاً مثل أن يكون أكل لحماً ولا يدري أنه لحم إبل ثم تبين له بعد الصلاة أنه لحم إبل فليس عليه إثم، لكن عليه إعادة الصلاة؛ لأنه صلى بغير وضوء.
وكذلك إن كان ناسياً كما لو كان قد أحدث ونسي أن يتوضأ ثم صلى ثم ذكر؛ فإنه لا إثم عليه، لكن يجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
أما بالنسبة للمأمومين فليس عليهم إعادة صلاة أبداً، ولا إثم عليهم؛ لأنه ليس لهم إلا الظاهر، وهذا الرجل صلى بهم إماماً على أنه متطهر، وأنه ليس فيه مانع من صلاته، فهم معذورون؛ لأنهم قاموا بما يجب عليهم وليس عليهم شيء، حتى لو فرض أنه ذكر في أثناء الصلاة أنه محدث فإنه ينصرف ويقول لبعض المأمومين: أكمل بهم الصلاة.
ويكملون الصلاة التي ابتدءوها مع إمام محدث، ولا شيء عليهم.
стр. 1647
حكم غيبة الفاسق
ما حكم غيبة الفاسق؟
غيبة الفاسق محرمة؛ لأن الفاسق من المؤمنين، ولا يحل للإنسان أن ينتهك عرض أخيه المسلم، والدليل على أن الفاسق من المؤمنين قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] المراد بأخيه المقتول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فجعل المقتول أخاً للقاتل، ومعلوم أن القاتل قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب العظيمة التي قال الله عنها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] وقال تعالى في الطائفتين المقتتلتين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] .
ومعلوم أن اقتتال المؤمنين بعضهم مع بعض كفر، كما قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ، وإذا تبين أن الفاسق لم يخرج من الإيمان -وإن كان ناقص الإيمان- فإنه لا يجوز اغتيابه إلا إذا كان في ذلك مصلحة، فلا بأس من أن يقال مثلاً: فلان يفعل كذا وكذا تحذيراً مما صنع، وإن لم يكن في ذلك مصلحة فالأصل أن عرضه محتاط؛ لأنه من المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] .
стр. 1648
كيفية جمع المصلي بين الصلاة خلف سترة والصلاة في الصف الأول
رجل دخل المسجد قبل إقامة الصلاة، وأراد أن يصلي تحية المسجد خلف سترة، مع العلم أنه لو صلى خلف السترة يفوت عليه الصف الأول، فهل يصلي خلف السترة، أو يصلي في الصف الأول؟
إذا كان يفوت عليه الصف الأول فليتقدم إلى الصف الأول لقول الرسول ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يقدروا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) ، فليتقدم إلى الصف الأول والسترة خفيفة: (إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم) يمكن أن يضع الإنسان سواكه ويكون سترة.
стр. 1649
حكم شرب الدخان والحث على نصح المدخنين باللطف والرفق
لا يخفى مدى انتشار الدخان المحرم في كل مكان في العمل وفي البيت وفي الأماكن العامة، السؤال: هل يجوز الجلوس معهم؟ وإذا كان المدخن في منزلك أو في مجلس عام فهل تتركه وتخرج؟
كما ذكر الأخ أن الدخان حرام للأدلة العامة على تحريمه، وهو ليس فيه نص عن الرسول بعينه؛ لأنه لم يحدث إلا أخيراً، لكن قواعد الشريعة عامة، والإشارة في بعض النصوص إلى تحريمه قاضية بتحريمه، فإذا صار إلى جنبك مدخن وأراد أن يدخن فانصحه بلطف ورفق.
قل له: يا أخي! هذا حرام ولا يحل لك.
وفي ظني أنك إذا نصحته بلطف ورفق أنه سوف ينزجر، كما جرب ذلك غيرنا وجربناه نحن أيضاً، فإن لم ينته عن شرب الدخان فالواجب عليك أن تفارقه لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] ولكن هذا في الأماكن العامة، أما إذا كان في مكان الوظيفة ونصحته فلم ينته فحينئذٍ لا حرج عليك أن تبقى؛ لأنه ضرورة، ولا تستطيع أن تتخلص منه.
فهل يمكن أن نقول: إن الإنسان إذا كان السوق فيه نساء متبرجات ورجال يشربون الدخان فلا تذهب للسوق لقضاء حاجتك؟ لا نقول هذا، إذاً: فالشيء الذي يضطر الناس إليه وهو من الأماكن العامة التي لا يمكن التخلص منها -وإن كان فيه معصية- لا إثم عليهم في ذلك، لكن عليه أولاً أن ينصح صاحب المعصية لعل الله أن يهديه على يديه.
стр. 1650
حل إشكال حديث ابن عباس في جمع الرسول للصلاة من غير خوف ولا سفر
كيف توجه حديث ابن عباس في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر) ؟
نعم، (جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر) ، وهذه رواية أصح من رواية: (ولا سفر) ؛ لأن قوله: (ولا سفر) يغني عنه قوله: (في المدينة) ، وعلى كل حال فإن هذا الإشكال الذي أوردته أورده الناس على ابن عباس ﵄ فقالوا: (ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) أي: لا يلحقها حرج بترك الجمع.
فمتى كان في ترك الجمع حرج فإنه يجوز الجمع، أما إذا لم يكن هناك حرج فإن الجمع حرام ولا يجوز؛ لقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] ، ولأن النبي ﷺ وقت هذه المواقيت وحدد الظهر من كذا إلى كذا والعصر كذلك، والمغرب والعشاء والفجر، فمن قدم شيئاً على وقته أو أخر شيئاً على وقته بغير عذر شرعي فإنه آثم ولا تقبل منه الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
ولا حجة في هذا الحديث لمن أجاز جمعاً بدون حاجة؛ لأن ابن عباس وضح هذا فقال: (أراد ألا يحرج أمته) ، لو قال: أراد أن يوسع لأمته، لكان فيه احتمال أن يكون مراده أن الجمع جائز وتركه أفضل، لكن لما قال: (أراد ألا يحرج أمته) ، علمنا أن المراد بذلك ما إذا كان في ترك الجمع حرج ومشقة.
следующие страницы →