Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
حكم صلاة الإمام إذا صلى بالناس على غير وضوء وحكم صلاة المأمومين
إذا كان إنسان صلى بمسجده إماماً وهو ليس على طهارة، فما حكم صلاة المأمومين؟ وهل تلزمهم الإعادة؟ وهل هو آثم بسبب صلاتهم؟
إذا صلى الإنسان إماماً وهو على غير طهارة فإن كان متعمداً فهو آثم، ويجب عليه أن يعيد صلاته، وأن يتوب إلى الله ويستغفره، وإذا كان جاهلاً مثل أن يكون أكل لحماً ولا يدري أنه لحم إبل ثم تبين له بعد الصلاة أنه لحم إبل فليس عليه إثم، لكن عليه إعادة الصلاة؛ لأنه صلى بغير وضوء.
وكذلك إن كان ناسياً كما لو كان قد أحدث ونسي أن يتوضأ ثم صلى ثم ذكر؛ فإنه لا إثم عليه، لكن يجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
أما بالنسبة للمأمومين فليس عليهم إعادة صلاة أبداً، ولا إثم عليهم؛ لأنه ليس لهم إلا الظاهر، وهذا الرجل صلى بهم إماماً على أنه متطهر، وأنه ليس فيه مانع من صلاته، فهم معذورون؛ لأنهم قاموا بما يجب عليهم وليس عليهم شيء، حتى لو فرض أنه ذكر في أثناء الصلاة أنه محدث فإنه ينصرف ويقول لبعض المأمومين: أكمل بهم الصلاة.
ويكملون الصلاة التي ابتدءوها مع إمام محدث، ولا شيء عليهم.
стр. 1647
حكم غيبة الفاسق
ما حكم غيبة الفاسق؟
غيبة الفاسق محرمة؛ لأن الفاسق من المؤمنين، ولا يحل للإنسان أن ينتهك عرض أخيه المسلم، والدليل على أن الفاسق من المؤمنين قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] المراد بأخيه المقتول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فجعل المقتول أخاً للقاتل، ومعلوم أن القاتل قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب العظيمة التي قال الله عنها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] وقال تعالى في الطائفتين المقتتلتين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] .
ومعلوم أن اقتتال المؤمنين بعضهم مع بعض كفر، كما قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ، وإذا تبين أن الفاسق لم يخرج من الإيمان -وإن كان ناقص الإيمان- فإنه لا يجوز اغتيابه إلا إذا كان في ذلك مصلحة، فلا بأس من أن يقال مثلاً: فلان يفعل كذا وكذا تحذيراً مما صنع، وإن لم يكن في ذلك مصلحة فالأصل أن عرضه محتاط؛ لأنه من المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] .
стр. 1648
كيفية جمع المصلي بين الصلاة خلف سترة والصلاة في الصف الأول
رجل دخل المسجد قبل إقامة الصلاة، وأراد أن يصلي تحية المسجد خلف سترة، مع العلم أنه لو صلى خلف السترة يفوت عليه الصف الأول، فهل يصلي خلف السترة، أو يصلي في الصف الأول؟
إذا كان يفوت عليه الصف الأول فليتقدم إلى الصف الأول لقول الرسول ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يقدروا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) ، فليتقدم إلى الصف الأول والسترة خفيفة: (إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم) يمكن أن يضع الإنسان سواكه ويكون سترة.
стр. 1649
حكم شرب الدخان والحث على نصح المدخنين باللطف والرفق
لا يخفى مدى انتشار الدخان المحرم في كل مكان في العمل وفي البيت وفي الأماكن العامة، السؤال: هل يجوز الجلوس معهم؟ وإذا كان المدخن في منزلك أو في مجلس عام فهل تتركه وتخرج؟
كما ذكر الأخ أن الدخان حرام للأدلة العامة على تحريمه، وهو ليس فيه نص عن الرسول بعينه؛ لأنه لم يحدث إلا أخيراً، لكن قواعد الشريعة عامة، والإشارة في بعض النصوص إلى تحريمه قاضية بتحريمه، فإذا صار إلى جنبك مدخن وأراد أن يدخن فانصحه بلطف ورفق.
قل له: يا أخي! هذا حرام ولا يحل لك.
وفي ظني أنك إذا نصحته بلطف ورفق أنه سوف ينزجر، كما جرب ذلك غيرنا وجربناه نحن أيضاً، فإن لم ينته عن شرب الدخان فالواجب عليك أن تفارقه لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] ولكن هذا في الأماكن العامة، أما إذا كان في مكان الوظيفة ونصحته فلم ينته فحينئذٍ لا حرج عليك أن تبقى؛ لأنه ضرورة، ولا تستطيع أن تتخلص منه.
فهل يمكن أن نقول: إن الإنسان إذا كان السوق فيه نساء متبرجات ورجال يشربون الدخان فلا تذهب للسوق لقضاء حاجتك؟ لا نقول هذا، إذاً: فالشيء الذي يضطر الناس إليه وهو من الأماكن العامة التي لا يمكن التخلص منها -وإن كان فيه معصية- لا إثم عليهم في ذلك، لكن عليه أولاً أن ينصح صاحب المعصية لعل الله أن يهديه على يديه.
стр. 1650
حل إشكال حديث ابن عباس في جمع الرسول للصلاة من غير خوف ولا سفر
كيف توجه حديث ابن عباس في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر) ؟
نعم، (جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر) ، وهذه رواية أصح من رواية: (ولا سفر) ؛ لأن قوله: (ولا سفر) يغني عنه قوله: (في المدينة) ، وعلى كل حال فإن هذا الإشكال الذي أوردته أورده الناس على ابن عباس ﵄ فقالوا: (ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) أي: لا يلحقها حرج بترك الجمع.
فمتى كان في ترك الجمع حرج فإنه يجوز الجمع، أما إذا لم يكن هناك حرج فإن الجمع حرام ولا يجوز؛ لقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] ، ولأن النبي ﷺ وقت هذه المواقيت وحدد الظهر من كذا إلى كذا والعصر كذلك، والمغرب والعشاء والفجر، فمن قدم شيئاً على وقته أو أخر شيئاً على وقته بغير عذر شرعي فإنه آثم ولا تقبل منه الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
ولا حجة في هذا الحديث لمن أجاز جمعاً بدون حاجة؛ لأن ابن عباس وضح هذا فقال: (أراد ألا يحرج أمته) ، لو قال: أراد أن يوسع لأمته، لكان فيه احتمال أن يكون مراده أن الجمع جائز وتركه أفضل، لكن لما قال: (أراد ألا يحرج أمته) ، علمنا أن المراد بذلك ما إذا كان في ترك الجمع حرج ومشقة.
стр. 1651
مدى استفادة الذين لا يستطيعون الحضور إلى الدروس من استماعهم للأشرطة المسجلة
هناك بعض الشباب الذين عرفوا طريق الهداية إلى الله وهم راغبون في طلب العلم، ويريدون صراحة الحضور عند المشايخ حتى يقرءوا عليهم كتباً في العقيدة وكذلك في الحديث، لكنهم لا يستطيعون لظروف أعمالهم وهم في منطقة نائية لكنهم يكتفون بالأشرطة، فهل تكفيهم عن الحضور عند العلماء؟ وهل يكون طالب علم كغيره، أم لا؟ حفظكم الله.
أما كونهم تكفيهم فلا شك أنها تكفيهم عن الحضور إلى أهل العلم إذا كان لا يمكنهم الحضور، وإلا فإن الحضور إلى العلماء أفضل وأحسن وأقرب للفهم والمناقشة، لكن إذا لم يمكنهم فهذا يكفيهم للضرورة.
ثم هل يمكن أن يكونوا طلبة علم وهم يقتصرون على هذا؟ نقول: نعم.
يمكن إذا اجتهد الإنسان اجتهاداً كثيراً كما يمكن أن يكون عالماً إذا أخذ العلم من الكتب، لكن الفرق بين أخذ العلم من الكتب والأشرطة وبين التلقي من العلماء مباشرة: أن التلقي من العلماء مباشرة أقرب إلى حصول العلم؛ لأنه طريق سهل تمكن فيه المناقشة، بخلاف المستمع أو القارئ فإنه يحتاج إلى عناء كبير في جمع أطراف العلم والحصول عليه.
السائل: وهل يؤثر الاكتفاء بالأشرطة في معتقدهم؟ الشيخ: يؤثر في معتقدهم إذا كانوا يستمعون إلى أشرطة بدعية ويتبعونها، أما إذا كانوا يستمعون إلى أشرطة من علماء موثوق بهم فلا يؤثر على معتقداتهم بل يزيدهم إيماناً واحتساباً واتباعاً للمعتقد الصحيح.
стр. 1652
لقاء الباب المفتوح [٥٥]
افتتح الشيخ ﵀ اللقاء بذكر شروط الحج، وأنه لا يجب إلا على: المسلم، البالغ، العاقل، المستطيع، وتحدث عن كل شرط بما يوضحه، وفي الشرط الخامس قسم الاستطاعة إلى قسمين: بدنية، ومالية، وذكر ضمن شرحه لهذا الشرط نصيحة وتحذيراً في شأن الدين من أجل الحج.
стр. 1653
شروط الحج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني من لقاءاتنا الأسبوعية، والذي يتم في يوم الخميس من كل أسبوع، وهذا اليوم هو اليوم العاشر من شهر ذي القعدة عام (١٤١٤هـ) .
نستهل هذا اللقاء بمقدمة نتحدث فيها عن شروط وجوب الحج، فنقول: يجب الحج على كل مسلم، حر، بالغ، عاقل، مستطيع.
стр. 1654
الإسلام
فأما المسلم فضده الكافر، فلا يجب عليه الحج، وليس معنى قولنا: لا يجب الحج على الكافر أنه لا يعاقب على تركه، وإنما معناه: ألا نأمره به؛ لأننا نأمره أولاً أن يسلم، ثم بعد ذلك نأمره ببقية شرائع الإسلام، أما في الآخرة فإنه يعذب ويعاقب عليه، ولهذا يتساءل أصحاب اليمين عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦] فذكروا الصلاة مع أن الصلاة لا تلزمهم إلا إذا أسلموا.
стр. 1655
الحرية
أما الحر فضده الرقيق المملوك، فلا يجب عليه الحج لأمرين: الأول: لأنه ليس عنده مال، إذ أن ما بيده من المال لمالكه.
الثاني: أنه مرهون لسيده في الواقع ولا يملك نفسه، فلا يستطيع أن يحج؛ لأنه مملوك لسيده.
стр. 1656
البلوغ
البالغ ضد الصغير، فلا يجب عليه الحج، كما أنه لا يجب عليه سائر العبادات؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لكن لو حج الصبي فإنه يصح منه ولا يجزئه، فإذا بلغ أدى فريضة الإسلام.
وهنا ربما نتساءل: هل الأفضل في أوقاتنا هذه أن نحجج أولادنا الصغار، أم لا؟ نقول: الأفضل ألا نحججهم في هذه الأوقات؛ لأنه يحصل بذلك مشقة عظيمة على الطفل، وإشغال أبيه عن إتمام مناسكه، والمشقة مدفوعة ومرفوعة، فإن هذا ليس واجباً حتى نقول: نتحمل ونصبر، وإشغال الأب ينافي كمال حجه، والأب جاء ليحج حجاً كاملاً ويعتمر عمرة كاملة، وإذا كان مشغولاً بهؤلاء الأطفال ألهاه ذلك عن كمال حجه وعمرته.
أما في أيام السعة فإن النبي ﷺ سألته امرأة حين رفعت إليه صبياً وقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) لكن في أيامنا هذه حيث الزحام الشديد الذي يكاد الرجل القوي أن يتعب منه، بل ربما يهلك بعض الناس، فإننا لا نرى أن يحجج الإنسان أطفاله، بل يريحهم ويستريح من عنائهم وتعبهم.
стр. 1657
العقل والاستطاعة
العاقل ضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولا يصح منه؛ لأنه فاقد الوعي ولا نية له.
وأما المستطيع، فالاستطاعة نوعان: استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فمن لم يكن مستطيعاً بماله فإنه لا يلزمه الحج كالفقير، والمدين، وما أشبههما، ولهذا نُطمئن المدينين بأنه لا حج عليهم، ولم يفرضه الله عليهم، وهم حتى الآن لم يكونوا أهلاً لفريضة الحج عليهم، ونقول: لا تقلقوا، أليس الرجل الفقير لا تلزمه الزكاة؟
بلى.
لا تلزمه الزكاة، ومع ذلك لا يقلق، ولا يقول: ليتني كنت غنياً حتى أؤدي الزكاة، وكذلك أيضاً الإنسان الذي لا يستطيع الحج لوجود دين عليه، نقول له: لا تقلق يا أخي، حتى الآن لم تكن أهلاً للفريضة، ولو مت للقيت الله غير آثم؛ لأنها لم تجب عليك، ولكن مع الأسف أن بعض الناس اليوم يرتكبون خطأ، فتجده مغرقاً بالدين، وربما يكون دينه حالاً فيذهب ويحج، مع أن الحج في هذه الحالة غير واجب عليه، فيأتي شيئاً غير واجب، ويدع شيئاً واجباً، والريال أو الدرهم الذي تنفقه في الحج أنفقه في قضاء الدين فهو خير لك.
والدين ليس بالأمر الهين حتى يتهاون به الإنسان، فإنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وكان النبي ﷺ إذا قدم إليه ميت وعليه دين ولم يخلف قضاءً امتنع من الصلاة عليه ولم يصل عليه، وسئل عن الشهادة -يعني: عن الرجل يقتل في الجهاد شهيداً- هل يكفر عنه بالشهادة؟ فقال: (نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك) .
فالشهادة على فضلها لا تكفر الدين، لهذا يجب على الإنسان ألا يتهاون به، وإذا كان النبي ﷺ لم يرشد الفقير الذي قال: (ليس عندي مهر فلم يقل له: استلف للمهر، وإنما قال له: التمس ولو خاتماً من حديد، قال: لا أجد.
قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم.
قال: اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن) فلم يأذن له ولم يرشده إلى أن يستدين من أجل أن يتزوج مع أن الزواج واجب على الإنسان إذا كان ذا شهوة، ويخاف على نفسه.
فالذي أرجوه من إخواني أن يحرصوا غاية الحرص على إبراء ذممهم وعدم إشغالها بالدين، فإن ذلك من السفه في التصرف، ومن الخطأ في الناحية الدينية، ولا ينبغي للإنسان أن يستدين سلفاً أو غير سلف إلا إذا كانت هناك ضرورة أو شيء لا بد منه، أو إنسان يعلم أنه سيوفي عن قرب، كرجل يحتاج في أثناء الشهر شيئاً ويعلم أنه في آخر الشهر سيحصل على الراتب مثلاً ويوفي دينه، فهذا أمر سهل.
أما الاستطاعة بالبدن في الحج: فأن يكون الإنسان قادراً على أداء الحج بلا مشقة شديدة، فإن كان عاجزاً نظرنا؛ إن كان عجزه يرجى زواله، كإنسان جاء في وقت الحج وهو مريض مرضاً عادياً، فلينتظر حتى يبرأ ويحج، وإن كان عجزاً لا يرجى زواله كمرض السرطان مثلاً -نسأل الله لنا ولكم السلامة- فهنا نقول له: استنب من يحج عنك ما دام عندك المال، فيوكل شخصاً يحج عنه وتبرأ ذمته بذلك إذا حج عنه.
هذا ما أردنا أن نتكلم عليه حول هذا الموضوع، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من دعاة الحق وأنصاره، ونسأله تعالى أن ينصر إخواننا المسلمين في كل مكان على أعدائهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تنبيه: بالنسبة للسلام هل هو مشروع أن يسلم الإنسان وهو حاضر؟ وهل كان الصحابة إذا أراد أحد منهم أن يسأل الرسول ﵊ عن شيء قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم يسأل؟ الجواب: لا.
ولهذا لا حاجة للسلام لأن المسلم معنا، وإنما يسأل، فلا حاجة إلى أن يستفتح سؤاله بالسلام.
стр. 1658
الأسئلة
стр. 1659
حكم المعانقة والتقبيل عند الملاقاة
انتشرت بين المسلمين في هذه الأزمنة بعض العادات مثل المعانقة والتقبيل عند الملاقاة، فما حكم ذلك؟
لا أصل للمعانقة أو التقبيل عند الملاقاة، إلا إذا كان لها سبب كقدوم من سفر ونحوه، وكلنا نعلم أن أشد الناس محبة هم الصحابة ﵃ للنبي ﷺ ، وإن أحق الناس بالاحترام هو رسول الله ﷺ ، ومع ذلك فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا لاقوه لا يقبلونه، لا يقبلون رأسه ولا يديه ولا شيئاً من جسده -كالأكتاف مثلاً- إنما كانوا يصافحونه، بل إن النبي ﷺ : (سئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا.
قالوا: أيعانقه ويلتزمه؟ قال: لا.
قالوا: أيصافحه؟ قال: نعم) هذا هو المشروع.
وما ذكره السائل من أنه في عصرنا هذا أصبح الناس يتخذون التقبيل بدلاً عن المصافحة فهو حق، وما أكثر الناس الذين يقابلوننا فيأخذون برءوسنا لتقبيلها، ثم قد يصافحون وقد لا يصافحون، والسنة أن تصافح، وأما تقبيل الرأس فإن كان لسبب كما أشرنا آنفاً فهذا مما جاء في السنة كقدوم الغائب، وإن كان بغير سبب فإنه من الأمور المباحة، إذا كان الذي تقبل رأسه أهلاً لذلك؛ لكونه نافعاً للمسلمين بماله أو بعلمه فلا بأس أن تقبل رأسه، وكذلك الأب والأخ الكبير ونحو ذلك.
стр. 1660
جواز كتابة القرآن بمداد ثم وضعه في ماء ليشرب
بعض الناس يكتبون آيات من القرآن ويمحونها بالماء ويشربونها، وإذا اعترض عليهم قالوا: إنه كلام الله نستشفي به.
هل يجوز هذا العمل؟ أفيدونا أثابكم الله.
هذا العمل جائز، يجوز للإنسان أن يكتب القرآن بمداد يجوز شربه، ثم يوضع هذا المكتوب في ماء ويرج ثم يشرب، وقد كان بعض السلف يفعلون هذا، ويفعلونه في الأواني كالصحون وما أشبهها، إذا فعل الإنسان ذلك فله سلف فيه، وقد يستدل لهذا بعموم قول الله ﵎: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] ، فإذا استشفي بالقرآن على هذا الوجه، وجُرِّبَ وصار نافعاً فإنه يدخل في عموم هذه الآية الكريمة.
стр. 1661
حكم الطلاق لمجرد التغيير
هل الطلاق جائز مطلقاً بدون أسباب تذكر، لكن رغبة في التغيير فقط، حتى وإن ترتب على هذا مفسدة عظيمة بالنسبة للمرأة؟
الأصل في الطلاق أنه مكروه، ولو قيل: الأصل أنه محرم لم يبعد، ويدل لهذا قول الله ﵎ في الذين يؤلون من نسائهم قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦-٢٢٧] وختم الآية بهذين الاسمين: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧] وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة:٢٢٧] يشعر بأن الله جل وعلا لا يحب هذا؛ لأن الفيئة -وهي الرجوع للمرأة بعد أن حلف ألا يجامعها- قال فيها: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦] وهذا واضح في أن الله تعالى يحب أن يرجع هذا الذي آلى، وأما إن عزم الطلاق فإنه يشعر بأن الله تعالى يكره ذلك لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧] .
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) وهذا الحديث ليس بصحيح لكنَّ معناه صحيح، أن الله تعالى يكره الطلاق ولكنه لم يحرمه على عباده للتوسعة لهم، فإذا كان هناك سبب شرعي أو عادي للطلاق صار ذلك جائزاً، وعلى حسب ما يؤدي إليه إبقاء المرأة إن كان إبقاء المرأة يؤدي إلى محظور شرعي لا يتمكن رفعه إلا بطلاقها فإنه يطلقها، كما لو كانت المرأة ناقصة الدين أو ناقصة العفة وعجز عن إصلاحها، فهنا نقول: الأفضل أن تطلق، أما بدون سبب شرعي أو سبب عادي فإن الأفضل ألا يطلق، بل إن الطلاق حينئذٍ مكروه.
стр. 1662
الصلاة خلف إمام مبتدع
هل تصح الصلاة خلف إمام مسجد يقول: إن القرآن مخلوق، وإن صاحب الكبيرة مخلد في النار؟
نقول: كلما كانت الصلاة خلف إمام أتقى لله فهي أفضل، فإذا كانت خلف مبتدع نظرنا؛ إن كانت بدعته مكفرة فإن الصلاة خلفه لا تصح؛ لأنه كافر، والكافر لا صلاة له ولا إمامة، وإن كانت بدعته مفسقة فإن الأولى ألا يصلى خلفه، لما في ذلك من غروره بنفسه إذا رأى الناس يصلون خلفه، وكذلك اغترار الآخرين بصلاة هذا الرجل خلفه، ولا سيما إن كان هذا الرجل ممن يشار إليه فإنه لا يصلى خلفه -ولو كانت بدعته مفسقة- لئلا يغتر الناس بصلاة المسلمين خلفه؛ فيكون ذلك سبباً في وقوعهم في شيء من بدعته.
стр. 1663
الصلاة التي يشرع فيها التورك
هل التورك يكون في الصلاة الرباعية فقط؟
التورك في التشهد الثاني من كل صلاة فيها تشهدان: كالمغرب والظهر والعصر والعشاء، وأما الصلاة التي فيها تشهد واحد فإنه لا يتورك فيها.
ثم التورك في التشهد الأخير الذي يعقبه السلام، فلو فرضنا أن الإنسان دخل مع الإمام في الركعة الثانية وجلس معه للتشهد الأول والتشهد الأخير، فإنه لا يتورك في تشهد الإمام الأخير؛ لأنه ليس الأخير بالنسبة له، بل يتورك في الأخير الذي يعقبه السلام.
стр. 1664
حكم حمل العصا
هل ثبت عن النبي ﷺ حديث يدل على الاتكاء على العصا؟
ورد حديث في فضل العصا، ولكنه حديث ضعيف، والصواب: أن حمل العصا ليس بسنة، لكن إذا كان في مكان يحتاج إلى حملها فهو سنة لدرأ الخطر، كما لو كان في أرض كثيرة الكلابِ العادِية التي تعدو على الإنسان، أو خاف على نفسه من إنسان آخر فحمل العصا، فهنا نقول: إنه مستحب للدفاع عن نفسه، أما بدون سبب فليس مستحباً.
стр. 1665
حكم الدعاء بما نعلم أن الله فاعله
بالنسبة للدعاء فيما يعلم أن الله فاعله: كمن يدعو بالنصرة للإسلام، وقد ثبت في بعض الأحاديث أن المستقبل للإسلام فهل يجوز الدعاء في مثل هذه الأمور؟
الدعاء بما نعلم بأن الله سيفعله لا بأس به، ولهذا نحن نقول: اللهم صل على محمد، فندعو له بالصلاة عليه، مع أن الله أخبرنا أنه يصلي عليه، فهو أمر معلوم؛ لأن الله وملائكته يصلون على النبي.
ونقول أيضاً: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة؛ آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً.
والوسيلة كما قال النبي ﷺ : (فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو) ورجاؤه هذا إن شاء الله سيتحقق، وكذلك الدعاء بنصر الإسلام والمسلمين ليس معناه: أن الإنسان لا يؤمن بأن الله سينصر الإسلام.
لكن دعوته هذه تتضمن أن يتصف المسلمون بالإسلام الذي يستحق النصر من تمسك به؛ لأن المسلمين اليوم مع الأسف الشديد ليسوا على الطريق الذي ينبغي أن يكونوا عليه، بل ولا على السنة التي يجب أن يكونوا عليها، وكثير من المسلمين اليوم عندهم صدود عن سبيل الله، أي: أنهم صادون بأنفسهم، وصادون لغيرهم.
ما أكثر الباخلين بالزكاة، ما أكثر الشاكّين في أمر الإيمان بالله، وما أكثر الذين يغتابون عباد الله، وما أكثر الذين يأكلون لحوم الذين يأمرون بالقسط من الناس، فالمهم أن المسلمين اليوم مع الأسف الشديد على حال يرثى لها، ولو أنهم نصروا الله بنصرهم دينه لنصرهم الله كما نصر سلفهم الصالح.
كلنا يعلم أن العرب أمة ضعيفة مهينة ذليلة فقيرة قبل الرسالة، لكنهم بعد الرسالة وحين تمسكوا بالإسلام صاروا أمة عزيزة غالبة، حتى إن تاج كسرى -ملك أعظم دولة في ذلك الوقت- جيء به من المدائن إلى المدينة حتى وضع بين يدي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، وهل فوق هذا العز من عز؟! لكن مع الأسف كما ترون اليوم أن المسلمين متخاذلون، ليس عندهم من القوة والعزيمة ما يدافعون به عن أنفسهم.
ولا أدل على ذلك مما نحن فيه اليوم، ففي بلاد الإسلام اليوم من تنتهك أعراضهم، وتهدم مساجدهم، وتغنم أموالهم، وتسبى ذريتهم من قبل النصارى، ونحن أمة لا نتكلم بما علينا أن نتكلم به، وما يفعل بالمسلمين اليوم في البوسنة أمر يفطر الأكباد في الواقع، فلو أن الإنسان منا تصور -لا قدر الله علينا إلا الخير- أن عدوه على أشراف المدينة ودخل المدينة، وأن صبيانه وفتيانه الصغار ينادون: جاءنا الصرب جاءنا الصرب.
ويبكون من هول ذلك المشهد، وهو قد تقطع كبده دماً لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فهل نحن نشعر بهذا الشعور الآن؟ أبداً، كل واحد منا على فراشه مع أهله، ولا كأن شيئاً يجري على إخوانه، فالنصارى ليسوا أعداء للبوسنة فقط، وليس نصارى البوسنة هم الأعداء فقط، النصارى أعداء لكل مسلم في كل بلاد الله، سواء كانوا من صرب البوسنة أم من غيرهم، لكن مع الأسف كثير من المسلمين يجهلون ذلك.
والله إن الإنسان أحياناً لا ينام سريعاً كما ينام في العادة إذا تذكر هؤلاء الإخوان المحصورين على يد هؤلاء الصرب المعتدين الظالمين.
ثم لننظر في موقف الأمم المتحدة ماذا صنعت؟ صارت أذل شيء في هذه الحرب، فالصرب يدخلون على الدبابات والأسلحة التي في حيازة الأمم المتحدة يدخلون وفيها الحرس، ثم يأخذونها يقاتلون بها المسلمين، ولا سمعنا أحداً رفع صوته مدوياً من رؤساء المسلمين ينكر هذا الفعل، فأين التناصر بين المسلمين؟! أين الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر؟! وكيف يمكن أن ننصر ونحن متخاذلون هذا التخاذل؟! فأنت إذا دعوت إلى الله بنصر المسلمين ودعوته بنصر الإسلام فإنك تدعو الله تعالى أن يهيئ المسلمين إلى حال يكونون فيها أهلاً للنصرة، فنسأل الله تعالى أن يعيد لنا عزنا ومجدنا، وأن يصلح ولاة أمور المسلمين حتى يكونوا كما أوجب الله عليهم، فالمسلمون اليوم ألف مليون أو أكثر، ومع ذلك -كما ترون- فإنها أمة ضعيفة مهينة لا تملك شيئاً من أمر نفسها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1666
الإثبات المفصل والنفي المجمل في الأسماء والصفات
من قواعد أهل السنة والجماعة: إثبات أسماء الله وصفاته، والنفي يكون مجملاً، فهل يمكن أن يأتي الإثبات مجملاً وأن يأتي مفصلاً؟ وإذا أمكن هذا فهل يؤدي هذا إلى الخروج عن القاعدة السابقة؟
أولاً: أسماء الله وصفاته إذا جاءت في الإثبات فالأكثر فيها التفصيل، وشاهد هذا واضح في القرآن والسنة، تجد مثلاً قول الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢] إلى آخر السورة فيها أربعة عشر اسماً من أسماء الله، كل اسم يتضمن صفة أو صفتين؛ وذلك لأن صفات الإثبات كلها صفات كمال، فكلما تعددت وكثر الإخبار عنها ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلوماً من قبل.
أما صفات النفي فإنها صفات نقص، نفاها الله تعالى عن نفسه، وإذا وقعت على سبيل الإجمال كانت أعظم في التعظيم، ولو جاءت على سبيل التفصيل لكان فيها شيء من الاستهزاء والسخرية.
وأضرب لكم مثلاً بما يكون في بني آدم: لو أن رجلاً قال لملك من الملوك: أنت رجل ذو سلطان قائم، أنت رجل حازم، أنت رجل قوي، أنت رجل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أنت رجل شديد على الكفار رحيم بالمؤمنين، أنت رجل ذو سلطة قوية، أنت رجل يخافك الأعداء.
لكانت هذه الصفات كلها مدحاً يفخر بها الملك.
لكن لو قال له: أنت ملك لست بزبال، ولا كناس، ولا منظف حشوش، ولا حلاق، ولا حجام.
وجعل يذكر صفات النقص وينفيها عن الملك؛ لكان هذا قدحاً يغضب منه الملك، فلهذا جاءت الصفات المنفية عن الله جل وعلا مجملة، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:١١١] وما أشبه ذلك، إلا أنها تذكر أحياناً بالتفصيل؛ وذلك لدفع توهم يقع من بني آدم، أو لرد فرية قالها المفترون.
فمثلاً قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] هذه صفة نفي خاصة؛ لكن قالها ونفاها عن نفسه رداً على المفترين الذين قالوا: إن الله تعالى اتخذ ولداً، فالنصارى قالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله.
أو جاءت لدفع توهم وبيان كمال، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] اللغوب: الإعياء والتعب، وهو صفة خاصة، لكن نفاها الله عن نفسه لئلا يتوهم متوهم بأن الله تعب لما خلق هذه المخلوقات العظيمة في هذه المدة الوجيزة، فنفاها عن نفسه، فصار الغالب في صفات الإثبات التفصيل، وفي صفات النفي الإجمال.
وقد يأتي التفصيل في باب النفي، كما يأتي الإجمال في باب الإثبات، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠] المثل الأعلى، أي: الوصف الأكمل، وهذه عامة ليس فيها تفصيل.
стр. 1667
واجب المسلم تجاه إخوانه المستضعفين
ماذا نعمل الآن من أجل دعم إخواننا في البوسنة، خاصة وأن باب الجهاد لم يفتح حتى اليوم؟ وهل نوصف بالتقصير إذا متنا دون أن نجاهد أعداء الإسلام؟
العمل -بارك الله فيك- أن يكون الإنسان مستعداً، وينوي نية جازمة أنه لو حصل دعوة للجهاد بالمال أو بالنفس فإنه يلبي ويجيب داعي الله، ويكون بهذا قد حدث نفسه بالغزو، حتى لا يموت على شعبة من النفاق.
وأيضاً: أنا أوصيكم أن تكثروا من الدعاء: أن يسلط الله على هؤلاء الصرب المعتدين جنداً من جنده، وأن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأن يشتت شملهم، ويفرق جمعهم، ويهزم جندهم، وأن يجعل بأسهم بينهم، إلى غير ذلك من الأدعية، وأن تستعينوا الله عليهم، اللهم إننا نستعينك على هؤلاء، وتدعون الله تعالى أن يثبت إخواننا في البوسنة على مقابلة هؤلاء الأعداء، ولولا أن الله قد ثبتهم لكانوا راحوا بالأمس، لأن سلاح أعدائهم وشراستهم أكثر بكثير مما عندهم.
إخواننا في البوسنة مجردون من السلاح كما هو معلوم، وهؤلاء عندهم من الأسلحة ما يعد الثالث أو الرابع في الدنيا كلها، اللهم ثبت إخواننا، ولا شك أن هذا إن شاء الله تعالى من كرامة الله لهم، وأن الله تعالى سيأخذ بأيديهم؛ لأن الله تعالى قال لرسوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] ولكن أوصيكم بالدعاء في كل مناسبة؛ في السجود، بين الأذان والإقامة، في آخر الليل، في كل وقت، واجعلوا قلوبكم معهم، واشعروا بشعورهم أو أكثر، هم إخوانكم، ثم إنهم يواجهون اليوم قوماً كفرة من أهل الشرك والتثليث.
أما القنوت فإنه راجع لولاة الأمر، لكننا نحن نقنت فيما بيننا وبين أنفسنا فلا أحد يمنعنا من ذلك.
стр. 1668
شرح لفظة: (لا يسترقون) من حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب
نريد إيضاح حديث ابن عباس ﵄ في قول النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (لا يسترقون.
) الحديث، فهل عموم العلاج يدخل في الحديث؟ وإذا كان لا يدخل فما الفرق بينه وبين الرقية لأن كلاً منهما سبب؟ وكيف نفهم أمر النبي ﷺ لـ عائشة وغيرها أن يسترقوا من العين؟ وإذا علمنا رجلاً أصابته عين فهل نأمره بالرقية أم نرشده إلى الصبر والاحتساب؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيراً.
قوله في حديث السبعين ألفاً: (ولا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم، ولكنه ﵊ أمر بالتداوي وأرشد إليه وقال: (ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله) والفرق بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن تعلق الإنسان بالراقي أكثر من تعلقه بالتداوي؛ لأن الراقي إذا قدر الله تعالى أن ينتفع به المريض برقيته صارت العلاقة بينه وبين هذا المريض علاقة روحية، فربما يفتتن به ويقول: هذا من أولياء الله.
وما أشبه ذلك، وقد يحصل معه شيء من الشرك، ولهذا جاء بعدها: (وعلى ربهم يتوكلون) .
الثاني: أنه قد يطلب الرقية من شخص ليس أهلاً لذلك؛ لأنه لا يداوي بشيء حسي يعرف، فيرقي هذا الذي سئل بالرقية ثم يحصل الشفاء، لا بالرقية -لأنها غير شرعية- ولكن عند الرقية، فيفتتن الناس أيضاً بهذا الرجل، ويظنونه ممن تجاب دعوته، وممن يتبرك بقراءته وليس كذلك.
فلهذا قال ﷺ : (ولا يسترقون) ولم يقل: ولا يتداوون، وعلى هذا فالدواء مطلوب، وأما الاسترقاء فإن الأفضل تركه، لكن لو أنّ أحداً من الناس هو الذي تقدم وقرأ عليك ولم تمنعه فإن هذا لا يمنع من دخول الإنسان في الحديث؛ لأنك لم تطلب الرقية، وكذلك لو أنك رقيت على أخيك فإنك محسن إليه ولا تخرج بهذه الرقية من صفات هؤلاء السبعين ألفاً، ولهذا نقول: إن ما ورد في صحيح مسلم من زيادة وهي قوله: (ولا يرقون) زيادة شاذة ليست بصحيحة، والصواب: (ولا يسترقون) فقط، أما الرقية من العالم فلأن العالم معروف، فتطلب منه الرقية؛ لأنه إذا رقى على الإنسان فإنه ينتفع بذلك بإذن الله ، كالطبيب الذي يداوي.
أما هل نأمر الذي أصيب بالعين بالرقية، أو نأمره بالصبر؟ فنقول له: إن الرسول ﷺ أرشد إلى طريقة الشفاء من العين، حيث أمر الذي عاين أحد الصحابة أن يغتسل ويتوضأ، فيؤخذ من مائه فيصب على المصاب حتى يشفى.
стр. 1669
حكم من يعطي مالاً ليُحَجَّ عنه حج نافلة
ما هو الضابط لمن يُحَجُّ عنه، خاصة أننا نجد كثيراً من المحسنين يخصص جزءاً من ماله لبعض الناس لكي يحج به، وبعضهم يصادف أن يكون عليه دين فهل لآخذ المال أن يسدد الدين من هذا المال، أم يجب عليه أن يحج به كله؟
أما الإنسان الذي يُحَجُّ عنه، فإن السنة إنما جاءت في حج الفريضة فيمن لا يستطيع أن يحج بنفسه، ولم تأت في حج النافلة أبداً، غاية ما هنالك ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة.
فقال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي.
قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا.
قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) .
قد يتمسك بعض الناس بهذا الحديث فيقول: إن الرسول ﷺ لم يسأله: هل حجه عن شبرمة فريضة أم نافلة؟ فيقال: الحج محتمل، لكن قوله: (حج عن نفسك ثم عن شبرمة) يدل على أن هذا الحج فريضة، فالاستنابة بالفريضة عند العجز جاءت بها السنة، والاستنابة في النافلة لم ترد بها السنة إطلاقاً، لكن بعض العلماء قاسها على الفريضة.
ثم إن بعض العلماء توسع في هذا وقال: يجوز للقادر أن يوكل من يحج عنه نفلاً، أما الفرض فإنه لا يجوز، أما أنا فلا أحب أن يتوسع الناس في هذا، نقول: من عنده فضل مال يريد أن يعطيه لمن يحج عنه، فليعطه لمن يحج فريضة، وتكون أنت قد ساعدت شخصاً في أداء فريضة فيكتب لك مثل أجره؛ لأن النبي ﷺ قال: (من جهز غازياً فقد غزا) .
وكذلك من جهز حاجاً فإنه يرجى أن يكون كالذي جهز غازياً، أي: يكتب له أجر الحج، هذا أفضل من أن نقول: خذ هذه الدراهم حج عني وأنت قادر على أن تحج بنفسك، أرأيت لو قلت لإنسان: أنا اليوم متعب فقد أديت الفريضة في صلاة الظهر ولا أستطيع أداء النافلة، فخذ هذه الدراهم وصل عني الراتبة؟! فلا شك أن هذا لا يجزئ، فلذلك ينبغي ألا نتوسع في هذه المسألة، وإنما نقول لمن كان عنده فضل مال: الأفضل أن تعين من يحج أو يعتمر ثم يكون لك أجر إن شاء الله تعالى.
وأما من أخذ للحج وعليه دين وقضى به شيئاً من دينه فلا بأس إذا أدى الحج على الوجه الذي ينبغي.
стр. 1670
ضعف حديث: (أقامها الله وأدامها) عند إقامة الصلاة
نسمع من بعض الناس بعد إقامة الصلاة قولهم: أقامها الله وأدامها.
فما الحكمة في ذلك؟
ورد في هذا حديث عن الرسول ﷺ أنه كان إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة قال: (أقامها الله وأدامها) لكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.
стр. 1671
معنى: (المقام المحمود)
هل صحيح أن المقام المحمود الذي وعده الله لرسوله ﷺ هو مكان العرش كما ورد في بعض الآثار؟
الصحيح أن المقام المحمود عام؛ كل مقام يحمده الناس فيه، ومن ذلك الشفاعة العظمى، حين يتدافع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الشفاعة، حتى تصل إليه ﷺ فيشفع فيشفعه الله ، هذا هو الصحيح أنه عام.
стр. 1672
حكم تبييت النية في صيام النفل
هل صيام الست من شوال ويوم عرفة يكون لها حكم صيام الفرض، فيشترط فيها تبييت النية من الليل؟ أم يكون لها حكم صيام النفل بحيث يجوز للإنسان أن ينوي صيامها ولو منتصف النهار؟ وهل يكون أجر الصيام منتصف النهار كأجر من تسحر وصام النهار إلى آخره؟
نعم.
صيام النفل يجوز بنية من أثناء النهار، بشرط: ألا يكون فعل مفطراً قبل ذلك، فمثلاً: لو أن الإنسان أكل بعد طلوع الفجر، وفي أثناء اليوم نوى الصوم نقول هنا: صومك غير صحيح؛ لأنه أكل، لكن لو لم يأكل منذ طلع الفجر ولم يفعل ما يفطر، ثم نوى في أثناء النهار الصوم وهو نافلة فنقول: هذا جائز؛ لأنه وردت به السنة عن النبي ﷺ : وذلك حين دخل على أهله فطلب منهم طعاماً فقالوا: ليس عندنا شيء.
فقال: (إني إذاً صائم) .
ولكن الأجر لا يكون إلا من وقت النية، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) فما قبل النية فلا يكتب له أجره، وما بعده يكتب له أجره، وإذا كان الأجر مرتباً على صوم اليوم فإن هذا لم يصم اليوم كاملاً، بل بعض اليوم بالنية، وبناءً على ذلك: لو أن أحداً قام من بعد طلوع الفجر ولم يأكل شيئاً وفي منتصف النهار نوى الصوم على أنه من أيام الست ثم صام بعد هذا اليوم خمسة أيام فيكون قد صام خمسة أيام ونصف، وإن كان نوى بعد مضي ربع النهار، فيكون قد صام خمسة أيام وثلاثة أرباع؛ لأن الأعمال بالنيات، والحديث: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال) .
وحينئذٍ نقول لهذا الأخ: لم تحصل على ثواب أجر صيام الأيام الستة؛ لأنك لم تصم ستة أيام، وهذا يقال: في يوم عرفة، أما لو كان الصوم نفلاً مطلقاً فإنه يصح ويثاب من وقت نيته فقط.
стр. 1673
حكم دفع الزكاة لأيتام أغنياء
هناك أيتام أنا وليهم، توفي والدهم منذ سنوات، دخلهم الشهري من التقاعد نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ريال، واجتمع لديَّ خلال هذه السنوات مبالغ كبيرة، منها نحو مائة وخمسون ألفاً زكوات، فهل أمتنع عن أخذ الزكاة لهم؟ وماذا أفعل بما معي من الزكاة؟ وإذا كان لهم منزل متصدع أخذوه من الصندوق العقاري بمبلغ (مائتان وأربعون ألفاً) فهل أدفع المبلغ تبرئة لذمة الميت من هذا المبلغ؟ وإذا كان لهم أراضٍ من البلدية فهل نسورها من هذه المبالغ، أم لا؟
أولاً: لا يحل لك أن تأخذ الزكاة لهم وعندهم ما يغنيهم؛ لأن الزكاة للفقراء والمساكين وليست للأيتام، وما أخذته مع وجود غناهم يجب عليك أن ترده إلى أصحابه إن كنت تعرفهم، وإن كنت لا تعرفهم فتصدق به عنهم بنية الزكاة عنهم؛ لأنك أخذته بنية الزكاة منهم.
وأما ما جمعت من الأموال من التقاعد فافعل ما ترى أنه أصلح؛ لقوله ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] .
وأما دين صندوق التنمية العقارية فأنت تعرف أنه مؤجل مقسط، فتدفعه على حساب أقساطه، والميت بريء منه، إلا ما كان من الأقساط التي حلَّت قبل موته ولم يسددها، فأما التي لم تحل إلا بعد وفاة الميت فالميت منها بريء؛ لأنها متعلقة بنفس العقار، والعقار انتقل منه إلى ملك الورثة، فهم المطالبون بذلك، ولا تسدد من الزكاة؛ لأن عندهم ما يمكن أن تسدد منه.
стр. 1674
حكم الأخ إذا رضع من زوجة أخيه
شخص رضع من زوجة أخيه، هل هذا الشخص الأصغر يكون محرماً لزوجات أخيه الأخريات؟ وهل يكون هذا الزوج الأكبر محرماً لزوجة أخيه الأصغر؟
إذا رضع من زوجة أخيه صار ابن أخيه، وصارت زوجة أخيه التي أرضعته أماً له، وأما زوجات أخيه الأخريات فهذا فيه خلاف بين العلماء، يعني: زوجة الأب من الرضاع التي لم ترضع الطفل، هل تكون محرماً للراضع، أم لا؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، يقول بعض العلماء وهم الجمهور: إنه يكون محرماً لزوجات أبيه من الرضاع.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه لا يكون محرماً لزوجات أبيه من الرضاع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣] وقال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] وقال النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) .
فالذي نرى أن ما قاله شيخ الإسلام ﵀ أقرب إلى الصواب، وأن زوجات الآباء من الرضاع لسن محارم لأبنائهن من الرضاع، وكذلك بالعكس ابنك من الرضاع لا تكون أنت محرماً لزوجته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، هذا ما نراه في المسألة، وقد علمت رأي الجمهور أن الرضاع يؤثر في المصاهرة كما يؤثر في النسب.
стр. 1675
لقاء الباب المفتوح [٥٦]
في هذه المادة تكلم الشيخ عن محظورات الإحرام التي يجب على المحرم أن يجتنبها حتى تكون أنساكه مقبولة بإذن الله تعالى، ثم بعد ذلك أجاب عن الأسئلة الواردة إليه في هذا اللقاء.
стр. 1676
محظورات الإحرام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس والخمسون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل أسبوع في يوم الخميس، وهذا الخميس هو اليوم السابع عشر من شهر ذي القعدة (١٤١٤هـ) وحيث أن موسم الحج قد اقترب فإن من الجدير أن يكون كلامنا فيما يتعلق بالحج والعمرة.
وقد مضى في الدرس السابق بيان من يجب عليه الحج والعمرة، أما الآن فإننا سنتكلم عما يترتب على الإحرام بالحج والعمرة، وهو الذي يسمى عند العلماء بمحظورات الإحرام؛ وذلك لأن من حكمة الله أن جعل للعبادات شروطاً للصحة وموانع للصحة، فشروط الصحة: الشروط والأركان والواجبات، وموانع الصحة: هي المفسدات.
стр. 1677
الجماع
فمثلاً: الصلاة فيها موانع للصحة كالكلام في الصلاة فإنه يبطلها، والصيام له مبطلات وهي المفطرات، والحج له محظورات وهي الممنوعات حال الإحرام، وقد أشار الله إليها في القرآن الكريم، وجاءت السنة ببيانها كلها، ففي القرآن يقول الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] الرفث: قال العلماء هو: الجماع ومقدماته من المباشرة والتقبيل وما أشبه ذلك، والسنة جاءت بتكميل هذا المحظور، وهو أن المحرم لا يحل له أن يتزوج ويُزوج ولا يخطب امرأة وهو محرم، وعلى هذا فالجماع والمباشرة لشهوة والنظر لشهوة وعقد النكاح والخِطبة كلها محرمة في الإحرام.
أولاً: الجماع؛ قال العلماء: إذا جامع الرجل في الحج قبل التحلل الأول ترتب عليه عدة أمور: الأول: الإثم لوقوعه فيما حرم الله.
الثاني: فساد نسكه هذا، فلا يجزئ عن الحج ولو كان نافلة؛ لأنه فسد.
والثالث: وجوب المضي فيه، وهذا من خصائص الحج أنه يمضي في فاسده، أما غير الحج إذا فعل الإنسان مفسداته فسد ووجب عليه أن يخرج منه، أما الحج فلو فعل الإنسان محظوراته فإنه لا يخرج منه، فنقول لهذا الرجل الذي فسد نسكه: استمر في النسك.
الرابع: قضاؤه؛ يعني قضاء هذا الحج الذي أفسده سواء كان فريضة أم نافلة.
الخامس: وجوب بدنة يذبحها ويفرقها على الفقراء؛ بدنة بالغة السن مثل التي تجزئ في الأضحية، وسالمة من العيوب التي تمنع من الإجزاء.
أما ما دون الجماع كالمباشرة ولو أنزل فيها فإنه لا يفسد بها النسك لكنها حرام، وتجب فيها الفدية، وسيأتي إن شاء الله ذكر الفدية فيما بعد.
стр. 1678
ما ينهى عن لبسه في الإحرام
ومن المحرمات في الإحرام ما بينه النبي ﷺ حين سئل ما يلبس المحرم، قال: (لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف) خمسة أشياء لا يلبسها المحرم هي: القميص: وهو الثوب الذي يسمى الدرع، وهو كثيابنا التي نلبسها اليوم.
والعمامة: وهي التي تلف على الرأس ومثلها الغترة، والطاقية، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف بـ عرفة فمات ﵁، قال النبي ﷺ : (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإنه يأتي يوم القيامة ملبياً) .
ومعنى (لا تخمروا رأسه) أي: لا تغطوه، وانتبه لقوله ﷺ : (وكفنوه في ثوبيه) فلو مات المحرم فلا نذهب إلى السوق ونأتي بخرقة نكفنه فيها، بل نكفنه في لباس الإحرام الذي مات وهي عليه، فغير المحرم معروف أنه يلف إذا مات بثلاث لفائف، لكن المحرم يكفن في إزاره وردائه ولا يغطى رأسه؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، يعني: يقوم من قبره يقول: لبيك اللهم لبيك.
ونظيره في الجهاد: الرجل الذي يستشهد فيموت، يدفن في ثيابه، ويبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً -أي: يسيل- قال النبي ﷺ : (اللون لون الدم، والريح ريح المسك) .
والسراويلات: معروفة.
والبرانس: ثياب واسعة يكون لها شيء يغطي الرأس متصلاً بها، وأظن بعضكم قد رأى هذا النوع من اللباس، وأكثر من يلبسه أهل المغرب.
ولا الخفاف: يعني: (الكنادر) وكذلك الجوارب مثلها لا يلبسها المحرم.
ثم قال النبي ﷺ : (من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) فرخص النبي ﷺ لمن لا يجد إزاراً أن يلبس السراويل، ولمن لا يجد نعلين أن يلبس الخفاف.
ولو أن إنساناً لبس فنيلة ليس فيها خياطة بأن تكون كلها منسوجة نسجاً فهذا حرام أيضاً؛ لأن النبي ﷺ منع السراويل، وهي تستر أسفل البدن، كذلك الفنيلة تحرم؛ لأنها تستر أعلى البدن، ولو لبس إزاراً مرقعاً مخيطاً فإنه لا يحرم، وكذلك لو لبس نعالاً مخروزة فلا تحرم أيضاً.
إذاً: أريد أن أخرج من أذهانكم فكرة بعض الناس حيث يظن أن كل شيء فيه خياطة فهو حرام، وهذا ليس بصحيح، فالحرام ما حرمه الله ورسوله، وعلمتم الآن أن النبي ﷺ حرم في اللباس خمسة أشياء، فالرسول ﷺ لم ينص على المخيط أبداً.
ولهذا نقول: لو أننا عبرنا بما عبر به الرسول ﷺ لكان أحسن؛ لأننا إذا قلنا: يحرم على المحرم لبس المخيط ساء فهم بعض الناس معناها، ولهذا كثيراً ما يسأل الناس إذا لبس أحدهم إزاراً مخيطاً: هل هو محرم؟ نقول: ليس بحرام فالرسول ﷺ حدد خمسة أشياء فلا يحرم غير هذه الخمسة، إلا ما كان في معناها، فلو أن الإنسان لبس ساعة يد لم يكن ذلك حراماً عليه؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا يلبس) وعد الأشياء التي لا تلبس، وما سوى ذلك فإنه يلبس، ولو أن رجلاً تلفلف بالقميص، أي: جعله لفافة على صدره فهذا جائز وليس بحرام؛ لأنه لم ينه عن لبسه.
إذاً: يحرم على المحرم أن يلبس هذه الأصناف من اللباس، وما كان بمعناها فهو مثلها، فعليه لو أن إنساناً لبس مثلها على أكتافه لقلنا: هذا حرام؛ لأنه يشبه البرانس مثلاً أو قريب من البرانس جداً فيكون حراماً، لكن لو جعله لفافة تلفلف به، فجعل أعلاه أسفله، وجعله مثل الرداء لكان جائزاً، وتحريم هذه الأشياء الخمسة خاص بالرجال.
стр. 1679
الطيب
يحرم على المحرم الطيب: فلا يجوز للمحرم أن يتطيب لا في ثوبه ولا بدنه ولا بطعامه ولا بشرابه رجلاً كان أم امرأة، متى عقد الإحرام حرم عليه الطيب؛ والدليل على هذا قوله ﷺ في الذي وقصته راحلته، قال: (لا تحنطوه) والتحنيط: تطييب الميت؛ لأن الميت إذا مات يجعل له حنوط، يعني: أخلاطاً من الطيب، تجعل في قطن ثم توضع على عينه أو على أنفه أو مغابنه، حتى ينقل إلى قبره وهو على أحسن ما يكون من طهارة ونظافة وتطييب، حتى إن الرسول ﷺ قال للاتي يغسلن ابنته: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، واجعلن في الآخرة كافوراً) .
فهذا يدل على أننا ننظف الميت تنظيفاً تاماً، ثم نضع فيه الحنوط، ثم نلف عليه أكفانه، لكن قوله ﷺ : (لا تحنطوه) أي: لا تطيبوه، يدل على أن المحرم لا يطيب وهو كذلك، ودليل آخر وهو قوله ﷺ : (ولا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس) فإن تطيب المحرم قبل أن يحرم وبقي أثر الطيب عليه بعد الإحرام فلا يضره، بل يسن للمحرم إذا اغتسل قبل أن يلبس ثوب الإحرام وقبل أن يعقد النية أن يطيب رأسه ويكثر فيه الطيب وكذلك لحيته، لقول عائشة ﵂: (كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) .
فالرسول ﷺ كان له شعر يصل إلى كتفيه وإلى شحمة أذنيه أحياناً، وكان يفرقه فرقاً على الناصية، وفرقاً على الجانبين، ويضع فيه الطيب، وكان يكثر من الطيب، فيرى في مفارقه وبيص المسك، أي: بريقه ولمعانه وهو محرم، فإذا قال إنسان: إذا تطيبت في رأسي وتوضأت فماذا أفعل؟ لأني لو توضأت سوف أمس رأسي، وإذا مسحت رأسي سوف أمس الطيب، فهل هذا يضر؟ نقول: هذا لا يضر؛ لأنك لم تضع طيباً جديداً على بدنك بعد الإحرام، نعم لو فرضنا أن الإنسان يقصد أخذ شيء من الطيب الموجود على رأسه فيطيب به بقية بدنه فهذا حرام، أما شيء بغير قصد وإنما تتوضأ فتمس يدك الطيب، فإن هذا لا يضر.
стр. 1680
الزواج أو الخطبة
ومن المحرمات -أيضاً- في الإحرام: أن يتزوج المحرم النساء أو يخطب، فلو تزوج امرأة وهو محرم كان النكاح فاسداً؛ لأنه منهي عنه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا الذي يتزوج وهو محرم عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردوداً عليه.
стр. 1681
قتل الصيد
ومن المحرمات: قتل الصيد بعد الإحرام، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] والصيد: هو الحيوان الحلال البري المتوحش.
أولاً: الحيوان الحلال.
ثانياً: البري.
ثالثاً: المتوحش.
فالحيوان الحرام ليس من الصيد، فلو قتل المحرم ذئباً أو سبعاً أو حية أو ما أشبه ذلك فليس عليه شيء، والحيوان البحري لا يحرم على المحرم، فلو أحرم الإنسان بالسفينة في البحر كالذين يأتون من مصر أو يأتون من اليمن كلهم يأتون من طريق البحر، ويحرمون قبل أن يصلوا إلى جدة، فلو أنهم اصطادوا بالبحر سمكاً وهم محرمون كان هذا حلالاً.
والمتوحش هو الذي لا يألف الناس في بيوتهم، مثل: الظبا والحمام والنعام والإوز وأشياء كثيرة من أنواع الطيور والزواحف، وغير المتوحش وهو: الأهلي كالدجاج، فلا بأس أن يذبحه المحرم.
стр. 1682
أحوال الناس في محظورات الإحرام
إذا فعل الإنسان محظوراً في الإحرام وهو لا يدري أنه محظور يحسب أنه لا بأس به، مثل: أن يغطي رأسه؛ فيظن أنه إذا خاف من الحر جاز له أن يغطي رأسه فلا شيء عليه؛ فليس عليه إثم ولا فدية.
وكذلك لو نسي فغطى رأسه أو تطيب ناسياً فليس عليه إثم ولا فدية، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله: (قد فعلت) .
وإن فعل هذا متعمداً لكنه معذور؛ كرجل مريض يحتاج إلى لبس القميص فلبسه فليس عليه إثم، لكن عليه الفدية، كما قال أهل العلم، والدليل على هذا قول الله تعالى في الرأس: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] وبهذا نعرف أن فاعل المحظورات ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يفعلها لحاجته إليها، فهذا ليس عليه إثم ولكن عليه الفدية، أو الكفارة.
القسم الثاني: أن يفعلها ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فهذا ليس عليه شيء، لا إثم ولا فدية، ولكن متى زال عذره وجب عليه التخلي، فإذا كان ناسياً فإنه متى ذكر يجب عليه أن يتخلى عن المحظور، وإذا كان جاهلاً فمتى علم وجب عليه أن يتخلى عن المحظور.
القسم الثالث: أن يفعلها لا لحاجة ولا لعذر من جهل أو نسيان أو إكراه، فهذا آثم وعليه الفدية فيما تجب فيه الفدية.
ونقتصر على هذا في محظورات الإحرام.
стр. 1683
الأسئلة
стр. 1684
نصيحة للشباب الذين يتهاونون بالطاعات
فضيلة شيخنا! ما نصيحتكم لكثير من الشباب الذين قصروا في طاعة الله، وكثيراً ما نرى في أوقات الصلوات بعض الشباب -هداهم الله- يلعبون الكرة ويفحطون بالسيارات، فيعرضون أنفسهم وغيرهم للهلاك، نرجو توجيه كلمة نافعة لمثل هؤلاء الشباب، نفع الله بكم وأمتع بكم؟
نصيحتي لإخواني المسلمين عموماً وللشباب الذين وصفت حالهم خصوصاً أن يتقوا الله ، وأن يعلموا أن هذا الدنيا دار عمل وليست دار مستقر، ومع هذا لا يدري الإنسان متى ينقل عن هذه الدنيا، فقد يصبح ولا يمسي، أو يمسي ولا يصبح، فالواجب أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الله وليبشر التائب أنه إذا تاب محا الله عنه ما سبق من الإثم مهما عظم.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] وهذه أمهات المعاصي والعظائم: الشرك، وقتل النفس المحرمة بغير الحق، والزنا.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] .
فنصيحتي لنفسي أولاً ولإخواني المسلمين ثانياً المبادرة بالتوبة قبل أن يحل الأجل؛ لأنه إذا حل الأجل لم تنفع التوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] هذا ليس له توبة.
وهذا كلام الله والشاهد من الواقع قصة فرعون، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس:٩١] يعني: أتتوب الآن: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] فالحاصل أني أنصح نفسي أولاً وأتوب إلى الله مما صنعت، ثم أنصح إخواني ثانياً أن يبادروا بالتوبة قبل أن يحل الأجل ثم لا تنفع التوبة، وما أعظم الندم في تلك اللحظة! ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان مسيئاً ندم ألا يكون استغفر، وإن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، كل ميت يندم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] .
فالشباب الذين أنعم الله عليهم بقوة شبابية أنصحهم أن يستغلوا هذه القوة وهذا الشباب فيما يرضي الله وهم إذا عودوا أنفسهم على الطاعة سهلت عليهم، بل شق عليهم تركها، والكرة يمكن أن يلعبوها في وقت آخر، نحن لا نحرم عليهم الكرة إذا كانوا يلعبون من غير ترك الواجب، ومن غير الكلام المحرم، ومن غير كشف العورة، لما فيها من الراحة بعض الشيء وتقوية للبدن، والإنسان لا يمكن أن يكون دائماً في جد، فالنفس تمل، وقد قال النبي ﷺ : (إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً) .
стр. 1685
حكم الانصراف من مزدلفة بعد منتصف الليل
هل لي أن أنصرف من المزدلفة بعد منتصف الليل إذا كانت الحملة ستنصرف ومعها عدد من العجزة؟
نعم.
لا بأس أن تنصرف، لكن الأولى أن تنتظر قليلاً حتى يغيب القمر؛ لأن السنة لم تقيد الانصراف بنصف الليل، لكنْ كثير من العلماء ﵏ قيدوه بنصف الليل؛ لأنه إذا مضى نصف الليل ثم دفع فقد بقي أكثر الليل في مزدلفة، لكن الوارد عن السلف كـ أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنه إذا غاب القمر دفعوا من مزدلفة، ومغيب القمر في ليلة العاشر تكون عند مضي ثلثي الليل تقريباً، فلو انتظرتم إلى آخر الليل لكان أحسن من الدفع في منتصف الليل.
следующие страницы →