Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
تفسير آيات من سورة الفجر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فنكمل ما ابتدأناه من تفسير سورة الفجر، وقد انتهينا من الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٦-٩] .
стр. 1892
تفسير قوله تعالى: (وفرعون ذي الأوتاد)
قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر:١٠] فرعون هو: الذي أرسل الله إليه موسى ﵊، وكان قد استذل بني إسرائيل في مصر يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يُقتل الأبناء ويبقي النساء؟ قال بعض العلماء: إن كهنته قالوا له: إنه سيولد في بني إسرائيل مولود يكون هلاكك على يده، فصار يقتل الأبناء ويستبقي النساء.
ومن العلماء من قال: إنه فعل ذلك من أجل أن يُضْعِفَ بني إسرائيل؛ لأن الأمة إذا قتلت رجالها واستبقيت نساؤها ذلت بلا شك، فالأول تعليل أهل الأثر والثاني تعليل أهل النظر -أهل العقل- ولا يبعد أن يكون الأمران جميعاً قد صارا علةً لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله أن هذا الرجل الذي كان هلاك فرعون على يده تربى في نفس بيت فرعون، فإن امرأة فرعون التقطته وربته في بيت فرعون، الذي استكبر في الأرض وعلا فيها وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥٢] أي: موسى ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] فأنكر الألوهية وأنكر الرسالة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] وتعلمون أنه قال لقومه مقرراً لهم عظمته وسلطانه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] افتخر بالأنهار التي تجري من تحته وهي مياه، فأهلكه الله تعالى بجنسها حيث أغرقه وقومه في البحر الأحمر.
فقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: ذي القوة؛ لأن جنوده كانوا له بمثابة الوتد، والوتد كما نعلم تربط به حبال الخيمة فتستقر وتثبت، فافتخر فرعون بجنوده وملكه.
стр. 1893
تفسير قوله تعالى: (الذين طغوا في البلاد)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:١١] الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] أي: لما زاد الماء حملناكم في الجارية يعني: بتلك السفينة التي صنعها نوح ﵊، فمعنى (طغوا في البلاد) أي: زادوا عن حدهم، واعتدوا على عباد الله.
стр. 1894
تفسير قوله تعالى: (فأكثروا فيها الفساد)
قال تعالى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١٢] أي: بالمعاصي وقتل الضعفاء، والفساد هنا هو: الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي لقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] قالوا: لا تفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١٢] أي: الفساد المعنوي لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي.
وكان فيما سبق من الأمم أن الله تعالى يدمر هؤلاء المكذبين عن آخرهم، لكن هذه الأمة رفع الله عنها هذا النوع من العقوبة، وجعل عقوبتها أن يكون بأسهم بينهم حيث يدمر بعضهم بعضاً، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من اقتتال ومن تدمير بعضهم بعضاً إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، يسلط الله بعضهم على بعض، ويكون هذا عقوبة من الله .
стр. 1895
تفسير قوله تعالى: (فصب عليهم ربك سوط عذاب)
قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٣] صب عليهم: الصب معروف أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق من عند الله و (سوط عذاب) السوط: هو العصا الذي يضرب به، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع من العذاب، فهذا السوط الذي صبه الله تعالى على عاد وثمود وفرعون ليس كالعصا المعروفة لدينا، وإنما هو عصا عذاب أهلكهم الله تعالى به وأبادهم.
نسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم فيما سبق من الأمم عبرة نتعظ بها، وننتفع بها، ونكون طائعين لله غير طاغين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1896
الأسئلة
стр. 1897
حكم قول (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) بالنسبة للإمام والمأموم والمنفرد
فضيلة الشيخ! بالنسبة للذي يصلي منفرداً هل يقول: سمع الله لمن حمده، أو يقول: ربنا ولك الحمد؟
الإمام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد.
стр. 1898
نصيحة لمن يخوضون في أعراض العلماء وولاة الأمور
فضيلة الشيخ! في بعض المجالس يخوض بعض الناس في كثير من طلبة العلم والعلماء، يجرحون ويعدلون! فنريد نصيحة لهؤلاء لكي يشتغلوا بما ينفعهم؟
من المعلوم أن الغيبة من كبائر الذنوب، والغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، هكذا فسرها النبي ﷺ ، وقد حذر الله عنها في كتابه بأبلغ تحذير فقال جل وعلا: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] من الذي يقدم له لحم أخيه ميتاً فيأكله؟ لا أحد يأكله، كلٌ يكرهه، وهذا تمثيلٌ يستفاد منه غاية التحذير من الغيبة، وإذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من العلماء أو الأمراء كانت أشد وأشد؛ لأن غيبة العلماء يحصل بها انتقاصهم، وإذا انتقص الناس علماءهم لم ينتفعوا من علمهم بشيء فتضيع الشريعة، وإذا لم ينتفع الناس بعلم العلماء فبماذا ينتفعون؟ أبجهل الجهال؟ أم بضلالة الضلال؟ ولهذا نعتبر الذي يغتاب العلماء قد جنى على الشريعة أولاً، ثم على هؤلاء العلماء ثانياً، ووجه الجناية على الشريعة ما ذكرته أنه يستلزم عدم قبول ما تكلم به هؤلاء العلماء من شريعة الله؛ لأنهم قد نقص قدرهم وسقطوا من أعين الناس فلا يمكن أن ينتفعوا بعلمه، وأما كونه غيبةً للشخص فهذا واضح.
أما الأمراء فغيبتهم أيضاً أشد من غيبة غيرهم؛ لأنها تتضمن الغيبة الشخصية التي هي من كبائر الذنوب، وتتضمن التمرد على الأمراء وولاة الأمور؛ لأن الناس إذا كرهوا شخصاً لم يستجيبوا لتوجيهاته ولا لأوامره، بل يضادونه ويناوئونه، فيحصل بهذا شر عظيم؛ لأن قلوب الرعية إذا امتلأت حقداً وبغضاً لولاة الأمور انفلت الزمام، وحل الخوف بدل الأمان، وهذا شيء مشاهد ومجرب.
ولهذا نرى أن الواجب على عامة الناس وعلى طلبة العلم بالأخص إذا سمعوا عن عالمٍ ما لا يرونه حقاً أن يتثبتوا أولاً من صحة نسبته لهذا العالم، كم من أناس نسبوا إلى العلماء ما لم يقولوه! ثم إذا ثبت عنده أنه قاله يجب عليه من باب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين أن يتصل بهذا العالم يقول: بلغني عنك كذا وكذا، فهل هذا صحيح؟ فإما أن ينكر وحينئذٍ نطالب من نقل عنه هذا القول بالبينة، وإما أن يقر فإذا أقر أبين له وجهة نظري، أقول: هذا القول الذي قلته غير صحيح، فإما أن يقنعني وإما أن أقنعه، وإما أن يكون لكلٍ منا وجهٌ فيما قال، فيكون هو معذوراً باجتهاده وأنا معذورٌ باجتهادي وليس أن أتكلم في عرضه؛ لأنني لو استبحت لنفسي أن أتكلم في عرضه لكنت أبحت له أن يتكلم هو أيضاً في عرضي وحينئذٍ يحصل التنافر والعداوة والبغضاء.
أما الأمراء فهم الأمر الثاني أيضاً، فالكلام في الأمراء كثير وتعرفون ذلك، أضرب لكم مثلاً سهلاً: إذا أمر ولي الأمر بشخص أن يؤدب تأديباً شرعياً يستحقه شرعاً فهل هذا المؤدب مع ضعف الإيمان في عصرنا هل سيقبل هذا الأدب ويرى أنه حق؟ أم يرى أنه ظلم وأن هذا الأمير معتدٍ عليه؟ الثاني: هذا الواقع، يعني: لسنا في عصر كعصر الصحابة يأتي الرجل يقول: يا رسول الله! زنيت طهرني.
فإذا أمر ولي الأمر أن يؤدب هذا الرجل صار يشيع -كما قال بعض العلماء عن شخصٍ أشاع عنه قضية معينة فيما سلف، قال: إنك شخصٌ تذيع الشكية وتكتم القضية- ويشكي الناس أنه مظلوم وأن هذا -أي: ولي الأمر- ظالم وما أشبه ذلك.
إذاً: غيبة ولاة الأمور تتضمن محذورين: المحذور الأول: أنها غيبة رجل مسلم.
والمحذور الثاني: أنها تستلزم إيغار الصدور على الأمراء وولاة أمورهم وكراهتهم وبغضهم وعدم الانصياع لأمرهم؛ وحينئذ ينفلت زمام الأمان، ولهذا ما نرى من المنشورات التي تنشر في سب ولاة الأمور أو الحكومة نرى أن هذا محرم وأنه لا يجوز للإنسان أن ينشرها؛ لأنه إذا نشرها معناه أنها غيبةٌ لإنسان لا نستفيد من نشرها بالنسبة إليه شيئاً، لا نستفيد إلا أن القلوب تبغضهم وتكرههم، لكن هل هذا سيحسن من الوضع إذا كان الوضع سيئاً؟ أبداً.
فلا يزيد الأمر إلا شدة، فنرى أن نشر مثل هذه المنشورات أن الإنسان آثمٌ بها؛ لأنه غيبة بلا شك، وأنه يوجب أن تكره الرعية رعاتها وتبغضهم ويحصل بهذا مفسدة عظيمة.
وحتى لو فرضنا صحة ما جاء في هذه المنشورات، مع أننا لا ندري هل هو صحيح أو أنه كما قال ﵊: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) .
لكن على تسليم أنه صحيح وأنه صدق هل يحل لنا نشره وهو غيبة؛ لأن الغيبة: (ذكرك أخاك بما يكره) ؟ ثم إننا لو نعلم أن هذا المنشور حق وأنه سيحل المشكلة لكنت أول من ينشر هذا وأول من يوزعه، لكن نعلم أنه يحتاج إلى إثبات من وجه، ويحتاج -أيضاً- إلى أن ننظر: هل نشره من المصلحة أم من المفسدة؟ ربما يترتب على نشره من المفسدة أعظم بكثير من نفس هذا الخطأ؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يتقي الله أولاً قبل كل شيء، وألا ينشر معايب الناس بدون تحقق، وألا ينشر معايب الناس إلا إذا رأى أن المصلحة في نشرها، أما إذا كان الأمر بالعكس فقد أضاف إلى مفسدة نشر معايب الناس مفسدة أخرى، والله حسيبه، وسوف يلقى جزاءه عند ربه، ونحن نتكلم بهذا عن أدلة فنقول: هل المنشورات في مساوئ الناس سواءً الأمراء أو العلماء هل هي من باب: (ذكرك أخاك بما يكره) أم لا؟ الجواب: نعم، من باب: (ذكرك أخاك بما يكره) وإذا كان من هذا الباب فهذه غيبة أم غير غيبة؟ غيبة، من قال أنها غيبة؟ قالها الرسول ﷺ أعلم الخلق وأنصح الخلق وأصدق الخلق.
فإذا كانت الغيبة حراماً فهل يترتب على هذه الغيبة إصلاح ما فسد؟ أبداً، لا يترتب عليها إصلاح ما فسد.
فتبين بهذا أن نشر المنشورات حرام وتوزيعها حرام، وأن الذي يفعل ذلك آثم وأنه سوف يحاسب على حسب نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وقال ﵊: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر) وهذا ينافي الصبر لا شك.
قد يقول قائل: إن الله تعالى قال في كتابه: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] فنقول: نعم.
لكن معنى الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن تجهر بالسوء إلا إذا ظلمت فتجهر في مظلمتك في الشكاية حتى تزال مظلمتك، فهذا معنى الآية، يعني: إذا ظلمني شخص فهو عاصٍ أذهب إلى أي شخص وأقول: فلان ظلمني واعتدى عليَّ فلا بأس بذلك؛ ﴿إِلَاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ولم يقل: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا للظالم حتى نقول إنه عام، إلا من ظلم فله أن يجهر بالسوء من القول فيمن ظلمه؛ لأنه من طبيعة الإنسان أنه يتكلم مع صديقه فيما جرى له من ظلم إنسانٍ عليه؛ لأن في هذا تفريجاً عنه وإزالة غم ولا حرج في هذا.
أما أن ننشر معايب الناس على وجهٍ نعلم أن مفسدته أكثر بكثير من مصلحته إن كان فيه مصلحة، ولا ندري هل يثبت أم لا؛ فإن هذا لا يشك إنسانٌ عاقل عرف مصادر الشريعة ومواردها أن ذلك حرام، فنسأل الله تعالى أن يقينا وإياكم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصلح ولاة أمورنا من العلماء والأمراء، وأن يصلح عامتنا إنه على كل شيءٍ قدير.
стр. 1899
المفهوم الخاطئ للمنافسة
فضيلة الشيخ! إذا أقيمت الصلاة وبدأ المصلون يعتدلون للصلاة فمثلاً يكون في الصف الأول من كان عن يمين الإمام تحركوا إلى اليسار للمكان الذي يوجد فيه بعض الفُرج، والذين كانوا يقفون عن يسار الإمام تحركوا إلى ميامنهم فيدخل بعض الذين في الصف الثاني لسد الفُرج، والتي كان يسعى لسدها أصحاب الصف الأول أنفسهم، وربما حجز هذا الداخل إلى الصف الأمامي بيده الناس في الصف الأمامي ليدخل بينهم فهل يتركه هذا الشخص المحجوز ليأخذ المكان الفاضل منه ويبقى هو في المكان المفضول والله يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ؟
هذا لا يجوز، وهذا عدوان على حق الغير، نعم لو فرضنا أنه وقف ولم يدنُ أو نظر إليك يريد أن تسد الفرجة فهذا لا بأس أسقط حقه، وأما أنه متهيئ لأن يدنو فتأتي أنت وتمنعه وتدخل في هذا المكان فهذا لا يجوز فإنه عدوانٌ على حق أخيك، ولأنه يورث العداوة والبغضاء.
وأما الآية الكريمة ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] فالمنافسة ليست هي العدوان على الغير، بل المنافسة أن تنافس غيرك في حقٍ لا تضره في ذلك.
стр. 1900
كلمة توجيهية للذين يقضون أيام الإجازة في التسكع في الشوارع أو السفر إلى البلاد الأوروبية
فضيلة الشيخ! نريد منكم توجيه كلمة للذين يقضون أيام الإجازة في التسكع في الشوارع والجلوس على الأرصفة ولا يذهبون إلى المراكز الصيفية أو حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وكذلك إلى الذين يذهبون إلى البلاد الأوروبية لقضاء الإجازة هناك جزاك الله خيراً.
هذا طلب طيب من هذا السائل جزاه الله خيراً، وهو يتضمن شيئين: أما الشيء الأول: فهو السفر إلى بلاد خارجية لقضاء هذه الإجازة فيها فنقول: إن السفر إلى بلاد كافرة أو بلاد منهمكة في المعاصي لا يجوز لأمور عدة: الأمر الأول: أن فيه إضاعةً للمال في قيمة التذاكر، وأجور الفنادق أو الشقق أو غير ذلك، ففيه إضاعة مال كثير، وهذا المال الذي تضيعه في هذه التنزهات اجعله نافعاً لك يوم القيامة في بناء مسجد، اجعله في إعانة إخوانك المجاهدين في البوسنة والهرسك، أو في الصومال، أو في كشمير، أو المجاهدين في الجمهوريات الإسلامية التي تحررت من الشيوعية، أو في غير ذلك من أوجه الخير والبر.
ثانياً: أن فيه إضاعة الوقت؛ لأن غالب الذين يذهبون لهذه النزهات لا يذهبون إلى الدعوة إلى الخير، أو إلى تعليم الناس الجاهلين، بل ربما يذهبون لأشياء محرمة لا إشكال في تحريمها، فيكون في ذلك إضاعةً للوقت والمال.
ثالثاً: أنه يخشى على عقيدة المرء، وعلى أخلاقه، وعلى عباداته، وعلى أهله إن كانوا معه.
يخشى عليه في عقيدته أن يقول: كيف أنعم الله على هؤلاء بهذا الترف وهذا النعيم وهم كفار وهو مؤمن؟ وقد قدر عليه رزقه، فيشك هل الإيمان خير أم الكفر خير؟ ولم يعلم المسكين أن هؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا وهذا الترف بالنسبة لهم جنة؛ لأنهم ينتقلون بعده إلى عذاب وجحيم -والعياذ بالله- والفقر بالنسبة إليه إذا كان من المؤمنين يعتبر ابتلاء من الله يؤجر عليه ويثاب عليه إذا صبر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] .
وأما كونه خطراً على عبادته: فإنه قد يصحب أناساً هناك لا يهتمون بالصلاة، ولا بالأذكار، ولا بالتقرب إلى الله، فيكتسب منهم صفاتهم ويصدونه عن ذكر الله وعن الصلاة.
وأما أنه خطر على أخلاقه فظاهر: لأنه هناك يجد المرأة المتبرجة غاية التبرج، وعلى جمال فاضح، وغالباً تكون متطيبة متبرجة فتفتن من لا يفتتن، وهناك لا حياء ولا دين فيسهل عليه الانزلاق وراء الشهوة.
وأما كونه خطر على أهله فذلك ظاهر أيضاً: فإن الصغار إذا ارتسم في أفكارهم شيء من الصغر لا يتحول عنهم إذا كبروا، فيحصل أن هؤلاء الصغار يتذكرون دائماً في هذه الحال الفظيعة التي كان عليها أهل هذه البلدة التي سافروا إليها.
أما بالنسبة لشبابنا في هذه البلاد فإنني أحثهم على أن يلتحقوا بواحدة من جهات ثلاث: أولاً: حِلَقْ تحفيظ القرآن، فهي -والحمد لله- متوفرة في المدن الكبيرة والقرى.
ثانياً: الالتحاق بالمساجد في حلق العلماء الذين يدرسون العلم كما يوجد -والحمد لله- منذ سنتين أو نحوها دورات في المدن يسمونها دورات مكثفة، يتكلم فيها علماء موثوقون ينتفع بهم الشباب.
ثالثاً: الالتحاق بالمراكز الصيفية التي يقوم عليها رجال موثوقون في علومهم وأفكارهم وأخلاقهم، والمراكز الصيفية متنوعة فيها علوم شرعية، وعلوم عربية، وفيها -أيضاً- فنون مباحة، كتعلم نجارة أو كتابة وما أشبه ذلك، وهي تكف الإنسان عن ضياع وقته.
فنحث أبناءنا على الالتحاق بإحدى هذه الجهات الثلاث حتى لا تضيع أوقاتهم وتتبلد أفكارهم فيقعوا في مهاوي الشهوات، وفي المثل السائر الذي قيل نظماً:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسده
стр. 1901
حكم من يدعي أن فوز الرجل أو فشله لحسن الطالع أو سوء الطالع
فضيلة الشيخ! نجد في تعليق بعض المعلقين الذين يعلقون على المباريات عندما ينهزم أحد الفريقين يقول: هذا الفريق هزم نتيجة سوء الطالع، فهذه الكلمة أشكلت عليَّ كثيراً، فما رأيكم في هذا التعليق؟
نعم.
هذه الكلمة يقولها من لا يعرف الشريعة، يقول للشخص إذا نجح: هذا من حسن الطالع، وإذا رسب: هذا من سوء الطالع، وهذا من التنجيم الذي هو نوع من الشرك؛ وذلك لأن الطالع والغارب ليس له تأثير في الحوادث الأرضية بل الأمر بيد الله، سواء ولد الإنسان في هذا الطالع أو في هذا الغارب أو في أي وقت، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ الذي رواه زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم صلاة الصبح، ونحن في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني: على أثر مطر- فقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) وهذا الذي يدعي أن فوز الرجل أو فشله لحسن الطالع أو سوء الطالع من هذا النوع الذي قال فيه الرسول ﷺ أنه كافر بالله؟ فالواجب على من قاله أن يتوب إلى الله من ذلك، وعلى من سمعه أن ينكر عليه وأن يبين ذلك في المجالس العامة والمجالس الخاصة بالشباب؛ لأن بعض الناس لا يعرف معنى هذه الكلمة ولا يعرف على أي شيء بنيت.
стр. 1902
حكم من ترك ركناً من أركان الصلاة
رجل صلى خلف الإمام فترك الرفع من السجود؛ لأنه لم يسمع صوت الإمام، ولم يأتِ بهذا الركن، فهل يأتي بركعة أم يجلس ويسلم مع الإمام؟
نقول: يأتي بركعة؛ لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة، ومن ترك ركناً من أركان الصلاة حتى سلم فإنه يجب عليه أن يأتي بركعة تامة ثم يسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
стр. 1903
من نسي التشهد الأول ونهض ولم يستتم قائماً ثم تذكر وجلس
إذا ترك رجل التشهد الأول فرفع، ولكن تراجع قبل أن يتم القيام، فهل يشرع له سجود السهو أم لا؟
إذا نسي التشهد الأول ونهض ولكن لم يستتم قائماً فإنه يجب عليه أن يرجع إذا ذكر؛ لأنه لم يصل إلى الركن الذي يليه، ولكن هل يجب عيه سجود السهو أم لا؟ من العلماء من قال: إنه لا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه لم يصل إلى الركن الذي يليه، ولحديث ورد في ذلك وفيه شيء من الضعف، ومنهم من قال: ينظر إن كان إلى القيام أقرب وجب عليه سجود السهو، وإن كان إلى الجلوس أقرب لم يجب عيه سجود السهو، فإن سجد فإننا لا ننكر عليه، وإن لم يسجد فإننا لا نأمره بذلك.
стр. 1904
أقسام الحركات في الصلاة
فضيلة الشيخ! هناك إمام لا أدري هل به مرض أم ماذا، فهو دائماً إذا كبر للصلاة وانتهى من التكبيرة يتقدم يمشي خطوتين أو ثلاث خطوات، وأصبحت عادة عنده أن جماعة المسجد الذي يصلي فيه لا ينكرون عليه ذلك، لكن لما يأتي إنسان غريب أو إنسان يصلي معه يلاحظ أنه يمشي ويتقدم ويرجع مع أنه الإمام، فما حكم ذلك؟
لو أن هذا شيء بغير اختياره فهو معذور؛ لأن بعض الناس قد يكون معه شيء من الدوخة فيحاول أن يتماسك فيتقدم عندئذ أو يتأخر.
وإن كان باختياره فإنه ينهى عنه؛ لأن هذه حركة في الصلاة بدون حاجة، وكل حركة في الصلاة بدون حاجة فإنها مكروهة، وهنا يحسن بنا أن نبين أقسام الحركات في الصلاة.
أقسام الحركات في الصلاة خمسة: حركة واجبة، وحركة محرمة، وحركة جائزة، وحركة مكروهة، وحركة مستحبة.
فالحركة الواجبة: هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا ضابط الحركة الواجبة ونذكر لذلك مثالين: المثال الأول: إنسان تذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي، فيجب عليه أن يتحرك لخلع الغترة ويستمر في صلاته، والغترة نوع مما يلبس على الرأس.
المثال الثاني: رجل يصلي إلى غير قبلة، فجاءه عالم بالقبلة فقال له: القبلة على يمينك.
فهنا يجب عليه أن ينحرف إلى القبلة، ولكل واحدة من هاتين المسألتين دليل.
أما المسألة الأولى: فدليلها أن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه وفيهما قذر لم يعلم به، فجاءه جبريل فأخبره بذلك، فخلع نعليه واستمر في صلاته.
وأما الثانية: فإن أهل قباء كانوا يصلون صلاة الفجر إلى جهة بيت المقدس، وكانت مكة وراءهم وأتاهم آت فقال لهم: إن النبي ﷺ أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فانحرفوا إلى جهة الكعبة وهم يصلون.
والحركة المستحبة: هي التي يتوقف عليها فعل مستحب هذا ضابطها.
مثال ذلك: انفتحت فرجة أمامك في الصف، وسد الفرجة سنة، فتقدمت لهذه الفرجة، فهذه حركة مستحبة، وكذلك تقارب الصف، فإذا صار بينك وبين جارك فرجة فقربت منه فهذه أيضاً حركة مستحبة.
والحركة المحرمة: هي الحركة التي تنافي الصلاة، يعني: أنها كثيرة بحيث يقول من رآك تتحرك: إنك لست في صلاة، فهذه محرمة، وضابطها أن تكون كثيرة متوالية.
الحركة المكروهة: هي الحركة القليلة بلا حاجة، مثل ما يحصل من بعض الناس حيث يعبث في صلاته بقلمه أو ساعته أو عقاله أو مشلحه بدون حاجة، فهذه حركة مكروهة.
الحركة الجائزة: هي الحركة اليسيرة إذا كانت لحاجة، أو الحركة الكثيرة إذا كانت لضرورة.
مثال الحركة اليسيرة للحاجة: إنسان يشق عليه أن يصلي على الأرض مباشرة؛ لأنها حارة، أو لأن فيها شوكاً، أو فيها حصىً يؤلم جبهته، فصار يتحرك، يضع المنديل ليسجد عليه، فهذه حركة جائزة؛ لأنها لحاجة، لكنها يسيرة، والمنديل ينبغي أن يكون واسعاً بحيث يتسع لكفيه وجبهته، هذا هو الأحسن؛ لأنه لو كان لا يسع إلا الجبهة فقط لكان فيه نوع مشابه للرافضة الذين يسجدون على حصىً معين، أو على حجر معين، فالعلماء قالوا: يكره أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه، لأن هذا فعل الرافضة، لكن إذا لم يكن معه إلا منديل صغير لا يتسع إلا للجبهة وهو محتاج إلى أن يسجد عليه فلا بأس فهذه حركة يسيرة لحاجة.
وهناك الحركة الكثيرة للضرورة: إن كنت تصلي فهاجمك سبع ففي هذه الحال تحتاج إلى حركات كثيرة وسريعة، فلا بأس بأن تدفع عن نفسك هذا الخطر ولو كنت في صلاتك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:٢٣٩] يعني: إن خفتم على أنفسكم فصلوا رجالاً يعني: على أرجلكم، ولو كنت تهرب، أو ركباناً: على الرواحل.
هذه أقسام الحركات في الصلاة، فاحرص على أن يخشع قلبك وجوارحك حتى تكون صلاتك تامة، فقد امتدح الله الذين هم في صلاتهم بأنهم خاشعون.
стр. 1905
صلاة الموظفين في مكاتبهم إذا كان المسجد بعيداً
فضيلة الشيخ! يبعد المسجد من مقر العمل قرابة أربعمائة متر، فبعض الإخوان في العمل قالوا: نضع مصلى في أحد المكاتب نصلي فيه؛ لأن المسجد بعيد وهم يتأذون من حرارة الشمس عند الذهاب إليه، فهل هذا العمل صحيح؟
الذي نرى أنه لا بأس به أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم إذا كان خروجهم إلى المسجد يؤدي إلى تعطل العمل، أو يؤدي إلى تلاعب بعض الموظفين الذين يخرجون للصلاة ويتأخرون، وإذا كان المسجد بعيداً أيضاً جاز لهم الصلاة في مكان عملهم، فالمهم إذا كان هناك مصلحة أو حاجة إلى أن يصلوا في مكاتبهم فلا حرج.
стр. 1906
حكم وضوء مَن خرج من دورة المياه وهو ساهٍ فذهب وتوضأ
فضيلة الشيخ! رجل خرج من دورة المياه وهو ساه فذهب وتوضأ، فهل وضوءه هذا صحيح علماً بأنه قد لا يكون له نية فيه؟
الوضوء صحيح ولو كان ساهياً؛ لأنه ما الذي جعله يذهب إلى الميضأة ويغسل كفيه ويتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه إلى نهاية الوضوء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؟ فهذا لم يذهب إلى مكان الوضوء إلا وهو ناوٍ له، ولو كان يفكر في شيء آخر فإن ذلك لا يضره ولا يبطل وضوءه.
يقول بعض العلماء ﵏: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، وجاء رجل إلى ابن عقيل -عالم من علماء الحنابلة المتقدمين- قال له: يا سيدي.
إنني أذهب أغتسل من الجنابة في نهر دجلة، ثم أخرج ولا زلت أعتقد أني على الجنابة!! قال له ابن عقيل ﵀: لا تصل! فقال الرجل: تأمرني بترك الصلاة؟! فقال ابن عقيل: لأن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق.
) ورجل يذهب إلى دجلة يغتسل ثم يقول: أعتقد أنني لا زلت على الجنابة فهذا جنون!!
стр. 1907
تعريف العالم
فضيلة الشيخ! حصل لبس وخلط عند بعض الشباب في تحديد من هو العالم، فنتج عن ذلك أن وضع من ليس بعالم مثل زاهد أو عابد أو واعظ في مصافِّ العلماء، فجعلوه مصدراً للتلقي والتوجيه والتعليم وما إلى ذلك، فنريد من فضيلتكم تحديد من هو العالم وصفته وجزاكم الله خيراً؟
العالم عرفه ابن القيم ﵀ في تعريف جامع فقال:
العلم معرفة الهدى بدليله ما ذاك والتقليد يستويان
فالعالم هو الذي يعرف العلم الحق بالدليل، والعلم قد يكون علماً واسعاً يعرف الإنسان غالب المسائل، وما لا يعرفه منها فعنده قدرة على معرفتها، وقد يكون الإنسان عالماً في مسألة واحدة، يأخذ الكتب ويبحث فيها وينظر أدلة العلماء، فيصير عالماً بها فقط، ومن هذا ما جاء به الحديث (بلغوا عني ولو آية) لكن غالب الوعاظ يأتون بأدلة لا زمام لها، أدلة ضعيفة يريدون بذلك تقوية الناس في الأمور المطلوبة، وتحذيرهم من الأمور المرهوبة، ويتساهلون في باب الترغيب والترهيب، وهؤلاء فيهم نفع لا شك، لكن ليسوا أهلاً لأن يتلقى عنهم العلم الشرعي، بحيث يعتمد على ما يقولون، إلا إذا قالوا: نحن نقول كذا لقوله تعالى كذا وكذا، ونقول كذا لقول النبي ﷺ كذا، ويأتون بحديث صحيح فمعلوم أن من أتى بعلم وحجة فهو مقبول، لكن ابن مسعود ﵁ حذر من القرَّاء بلا فقه.
والمراد بالفقه أن يكون عند الإنسان حكمة فيضع الأشياء مواضعها، وأن يكون عند الإنسان دليل يكون حجة له عند الله وأظن أنه لا يخفى على عامة الناس العالم من طالب العلم.
стр. 1908
حكم شرب المشروبات اليهودية
فضيلة الشيخ! يوجد مشروب يسمى (الكولا) تنتجه شركة يهودية، فما حكم شراب هذا المشروب؟ وما حكم بيعه؟ وهل هو من التعاون على الإثم والعدوان أم لا؟
ألم يبلغك أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاماً لأهله، ومات ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي؟ ألم يبلغك أن الرسول ﷺ قبل الهدية من اليهود؟ ولو أننا قلنا: لا نستعمل ما صنعه اليهود أو لا نأكل ما صنعه اليهود مما لا يشترط فيه الذكاة لفات علينا شيء كثير من استعمال سيارات ما يصنعها إلا اليهود، وأشياء نافعة أخرى لا يصنعها إلا اليهود.
صحيح أن هذا المشروب قد يكون فيه بلاء يضعه اليهود؛ لأن اليهود غير مؤتمنين؛ ولهذا وضعوا للرسول ﷺ السم في الشاة التي أهدوها إليه ومات ﷺ وهو يقول: (ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بـ خيبر، وهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم) يعني: موتي، ولهذا قال الزهري ﵀: إن النبي ﷺ مات بقتل اليهود له، لعنة الله عليهم، ولعنة الله على النصارى، فهم لا يؤتمنون لا اليهود ولا النصارى، لكن في ظني أن هذا الذي يرد إلينا لا بد أن يكون قد اختبر ومُحِّص، وعرف هل فيه خطر أو ضرر أم لا.
стр. 1909
حكم من سب الدين في حالة الغضب
شيخنا: ما حكم من سب الدين والرب وذلك إذا نشأ بين قوم قد اعتادوا هذا الأمر في ساعة غضب، وكذلك كيف تكون معاملته إذا كان يعتقد نفسه مسلماً؟
قال أهل العلم: من سب الله أو رسوله أو كتابه أو دينه فهو كافر جاداً أو لاعباً، واستدلوا بقول الله تعالى عن المنافقين الذين كانوا يسبون النبي ﷺ وأصحابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] وجاء رجل منهم إلى الرسول ﷺ يقول: إنما كنا نتحدث حديث الركب، لنقطع به عنا الطريق، فكان النبي ﷺ لا يزيد على أن يقول له: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] .
أما إذا قالها عند غضب شديد بحيث لا يملك نفسه ولا يدري ما يقول فإنه لا يكفر بذلك؛ لأنه غير مريد للقول، ولهذا لو طلق الإنسان زوجته في غضب شديد لا يملك نفسه عنده فإن زوجته لا تطلق؛ لأنه لم يرد طلاقها، وتعلمون أن الرسول ﷺ حدث عن فرح الله بتوبة العبد، وأنه أشد فرحاً بذلك من رجل كان في السفر ومع بعيره عليها طعامه وشرابه، فضلت عنه، فطلبها ولم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، ما بقي عليه إلا أن يموت، فإذا بخطام الناقة متعلقاً بالشجرة، فأخذه وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) يريد أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فقال النبي ﷺ : (أخطأ من شدة الفرح) ولم يقل: هذا كافر فالمهم أن من سب الله أو رسوله أو دينه أو كتابه جاداً كان أو هازلاً فهو كافر.
أما من فعل ذلك غاضباً وهو لم يملك نفسه ولا يدري ما يقول فإنه لا يكفر؛ لأنه لا اعتداد بقوله بل هو حكم المجنون، ولكن ينبغي عليه إذا أفاق وذهب عنه الغضب أن يراجع نفسه ويستغفر الله تعالى ويطهر لسانه من هذا الشيء القبيح.
ويتعود ذكر الله تعالى والثناء عليه، فإذا تعود لسانه ذلك فإنه لن ينطق بالسباب ولو عند الغضب.
стр. 1910
حكم من سب الله تعالى وحكم توبته
كيف يعامل من كان يعتقد نفسه مسلماً وهو ساب لله؟
هذا ليس بمسلم ما دام قصد القول، فإن ساب الله تعالى كافر ولو كان ذلك على وجه اللعب والمزاح، بل إن فقهاء الحنابلة ﵏ يقولون: من سب الله لا تقبل توبته، يعني: لو جاء وقال: أشهد أني مخطئ وأنا تائب، وأن الرب له كمال الصفات يقولون: ما نقبل توبتك وحكمك القتل وتوبتك بينك وبين ربك.
لكن الصحيح أنه تقبل إذا علمنا أنه صادق التوبة، وذلك من سيرته واستقامته فيما بعد.
стр. 1911
حكم سب الأطفال للدين
فضيلة الشيخ! ما حكم سب الأطفال للدين؟
تعلمون أن الأطفال مرفوع عنهم القلم، ولكنهم ينهون عن سب الدين ويؤدبون.
стр. 1912
حكم من يأخذ من بعض الناس مالاً ليحج عنه ولا يحج وكيفية التوبة من ذلك
فضيلة الشيخ! حفظك الله، قرية كاملة في جنوب المملكة كانوا ينتظرون موسم الحج بفارغ الصبر؛ لأنهم كانوا يعتبرون أن قوتهم طوال العام لا يكون إلا في هذا الموسم، فكان كل فرد من أفراد هذه القبيلة يبحث عن رجل يحج عنه نظير مبلغ من المال، ويزعمون أن لديهم طلبة علم يعرفون المناسك، فإذا أخذوا تلك المبالغ لا يؤدون الفريضة عن هذا الذي أخذوا منه المال، وكثير منهم تاب من هذا العمل ويسأل ماذا عليه أن يفعل الآن؟ وجزاكم الله خيراً.
هذا في الواقع عمل محرم مشين، أما كونه محرماً فلأنهم أخذوا المال ولم يؤدوا الأعمال التي أخذوا المال من أجلها، فهذا أكل للمال بالباطل.
وأما كونه مشيناً فإن أخاهم المسلم ائتمنهم ووثق بهم على أداء فريضة من فرائض الإسلام فخانوه بذلك، فالواجب على هؤلاء بعد التوبة أن يحصوا جميع الحجج التي أخذوها، وأن يؤدوها في السنوات التالية، وإذا لم يستطيعوا بأنفسهم فلينيبوا غيرهم ممن يرون أنه أهل للإنابة؛ لأنهم أخذوا أموال الناس بشرط أن يحجوا عنهم، فلا تبرأ ذمتهم إلا بالوفاء بهذا الشرط، فليحجوا بأنفسهم أو لينيبوا غيرهم.
стр. 1913
حكم من يصلي الفجر منفرداً في المسجد لعدم وجود المصلين مع وجود مسجد بعيد تقام فيه الجماعة
فضيلة الشيخ! جماعة استهموا في بناء مسجد صغير في الحي؛ لأن المسجد الكبير بعيد منهم، وهم يصلون فيه جميع الصلوات إلا صلاة الفجر فلا يصلي في هذا المسجد صلاة الفجر إلا رجل واحد، علماً بأنه هو الذي يؤذن ويصلي، فهل يستمر على هذا الوضع فيصلي صلاة الفجر وحده أم يذهب إلى المسجد البعيد بسيارته؟
عليه أولاً أن ينصح جماعة الحي بأن يأتوا لصلاة الفجر، ويرغبهم في ذلك، فقد ييسر الله له من يشاركه في صلاة الجماعة، أما إذا لم يأت أحد وتأكد من ذلك فالأفضل أن يذهب للمسجد الثاني.
стр. 1914
لقاء الباب المفتوح [٦٥]
في هذا اللقاء تفسير بعض الآيات من سورة الفجر، وفيها أن الله تعالى بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، وأنه سوف يعاقبه ويؤاخذه، وأن الله يبتلي الإنسان بالخير والشر كما هو واضح في الآيات التي تحدث عنها الشيخ في هذه السورة.
стр. 1915
تفسير آيات من سورة الفجر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس والستون من اللقاء الأسبوعي الذي يتم في كل يوم خميس، وهذا هو يوم الخميس الثالث عشر من شهر صفر عام (١٤١٥هـ) .
لقاؤنا هذا اليوم سيكون في تفسير آيات من سورة الفجر، حيث وقفنا على قول الله ﵎: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٣] .
стр. 1916
تفسير قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:١٤] الخطاب هنا للنبي ﷺ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يبين الله أنه بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، وأنه سوف يعاقبه ويؤاخذه، وهذا المعنى له نظائر في القرآن الكريم، منها قوله ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] وكقول شعيب لقومه: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) [هود:٨٩] فسنة الله سبحانه تعالى واحدة في المكذبين لرسله المستكبرين عن عبادته، هو لهم بالمرصاد، وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله أو كذب خبره.
стр. 1917
تفسير قوله تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه)
ثم قال الله : ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥-١٦] الابتلاء من الله يكون بالخير وبالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] فيبتلي الإنسان بالخير ليبلوه أيشكر أم يكفر؟ ويبتليه بالشر ليبلوه أيصبر أم يفجر؟ وأحوال الإنسان كما تعلمون جميعاً دائرة بين خير وشر، بين خير يلائمه ويسره، وبين شر لا يلائمه ولا يسره، وكله ابتلاء من الله.
الإنسان بطبيعته الإنسانية المبنية على الظلم والجهل إذا ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه يقول: ربي أكرمن؛ يعني: أني أهل للإكرام، ولا يعترف بفضل الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] لما ذُكر بنعمة الله عليه ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] ولم يعترف بفضل الله، وما أكثر الناس الذين هذه حالهم، إذا أكرمهم الله ونعمهم قالوا: هذا إكرام من الله لنا؛ لأننا أهل لذلك، ولو أن الإنسان قال: إن الله أكرمني بكذا اعترافاً بفضله، وتحدثاً بنعمته، لم يكن عليه في ذلك بأس، لكن إذا قال: أكرمني، يعني: أني أهل للإكرام، كما يقول -مثلاً- كبير القوم إذا نزل ضيفاً على أحدهم قال: أكرمني فلان؛ لأنني أهل لذلك.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦] يعني: ضيق عليه الرزق ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] يقول: إن الله تعالى ظلمني فأهانني ولم يرزقني كما رزق فلاناً، ولم يكرمني كما أكرم فلاناً، فصار عند الرخاء لا يشكر، يعجب بنفسه ويقول: هذا حق لي، وعند الشدة لا يصبر، بل يعترض على ربه ويقول: ربي أهانن، وهذا حال الإنسان باعتباره إنساناً، أما المؤمن فليس كذلك، أما المؤمن إذا أكرمه الله ونَعَّمَه شَكَرَ ربه على ذلك، ورأى أن هذا فضل من الله وإحسان، وليس من باب الإكرام الذي يقدم لصاحبه على أنه مستحق، وإذا ابتلاه الله وقدر عليه رزقه صبر واحتسب وقال: هذا بذنبي، والرب لم يهني ولم يظلمني، فيكون صابراً عند البلاء، شاكراً عند الرخاء.
وفي الآيتين إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يتبصر فيقول -مثلاً-: لماذا أعطاني الله المال؟ ماذا يريد مني؟ يريد مني أن أشكر، لماذا ابتلاني الله بالفقر أو بالمرض وما أشبه ذلك؟ يريد مني أن أصبر، فليكن محاسباً لنفسه حتى لا تكون حاله مثل حال الإنسان المبنية على الجهل والظلم.
стр. 1918
تفسير قوله تعالى: (كلا بل لا تكرمون اليتيم)
ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر:١٧] يعني: لم يعطك ما أعطاك إكراماً لك لأنك مستحق، ولكنه تفضل منه، ولم يهنك حين قدر عليك رزقك، بل هذا مقتضى رحمته وعدله.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:١٧] يعني: أنتم إذا أكرمكم الله تعالى بالنعم لا تعطفون على المستحقين للإكرام وهم اليتامى، فاليتيم هنا اسم جنس، وليس المراد يتيماً واحداً بل جنس اليتامى؛ واليتيم كما قال العلماء: هو الذي مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، وأما من ماتت أمه فليس بيتيم، وقوله: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:١٧] واليتيم يشمل الفقير من اليتامى والغني، يعني: حتى الغني من اليتامى ينبغي الإحسان إليه وإكرامه؛ لأنه انكسر قلبه بفقد أبيه ومن يقوم بمصالحه، فأوصى الله تعالى به حتى يزول هذا الكسر الذي أصابه.
стр. 1919
تفسير قوله تعالى: (ولا تحاضون على طعام المسكين)
ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر:١٨] يعني: لا يحض بعضكم بعضاً على أن يطعم المسكين، وإذا كان لا يحض غيره فهو أيضاً لا يفعله بنفسه، فهو لا يطعم المسكين، ولا يحض على طعام المسكين، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نكرم الأيتام، وأن نحض بعضنا بعضاً على إطعام المساكين؛ لأنهم في حاجة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
стр. 1920
تفسير قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لماً وتحبون المال حباً جماً)
قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:١٩-٢٠] (التراث) ما يورثه الله العبد من المال، سواء ورثه عن ميت أو باع واشترى وكسب، أو خرج إلى البر وأتى بما يأتي به من عشب وحطب وغير ذلك، المهم أن التراث ما يورثه الله الإنسان من المال، فإن بني آدم يأكلونه أكلاً لماً.
وأما المال فقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:٢٠] أي: عظيماً، وهذه هي طبيعة الإنسان، لكن الإيمان له مؤثراته، قد يكون الإنسان بإيمانه لا يهتم بالمال؛ إن جاءه شكر الله عليه وأدى ما يجب فيه، وإن ذهب لا يهتم به، لكن طبيعة الإنسان من حيث هو كما وصفه الله في هاتين الآيتين.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم إلى ما فيه الخير والصلاح، وأن يقينا شر أنفسنا إنه على كل شيء قدير.
стр. 1921
الأسئلة
стр. 1922
صفة الهوي إلى السجود والقيام منه
فضيلة الشيخ! لقد ظهر من بعض المصلين حركة جديدة في الصلاة ما كانت تفعل من قبل، فإن بعض كبار السن إذا هوى إلى السجود اعتمد على يديه أولاً ولكن بوضع ظاهر أصابعه كأنه يعجن -أي: على ظهر ثلاثة أصابع منها- وكذا إذا قام من السجدة الثانية، وأما البعض الآخر من هؤلاء المصلين فإنه إذا قام من جلوس الوسط أو من جلسة الاستراحة وضع كذلك ظاهر أصابع يديه يعتمد عليها ثم يرفع يديه ويضعهما على ركبتيه ويعتمد على ركبتيه في القيام، فما حكم هذه الحركات الزائدة في الصلاة؟
المشروع للإنسان أن يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقد ذكر مالك بن حويرث ﵁: [أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم يقم حتى يستوي قاعداً] يعني: يجلس في الركعة الأولى، ثم يقوم للثانية، ويجلس في الركعة الثالثة، ثم يقوم للرابعة، وهذه الجلسة سماها العلماء جلسة الاستراحة، ومالك بن حويرث -أيضاً- ذكر أن النبي ﷺ [كان إذا أراد أن يقوم اعتمد على يديه] ولكن هل هو على صفة العاجن أم لا؟ فهذا ينبني على صحة الحديث الوارد في ذلك، وقد أنكر النووي ﵀ في المجموع صحة هذا الحديث، أي: أنه يقوم كالعاجن، وبعض المتأخرين صححه.
وعلى كلٍ فالذي يظهر من حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يجلس؛ لأنه كبر وأخذه اللحم، فكان لا يستطيع النهوض تماماً من السجود إلى القيام، فكان يجلس ثم إذا أراد أن ينهض ويقوم اعتمد على يديه ليكون ذلك أسهل له، هذا هو الظاهر من حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا كان القول الراجح في هذه الجلسة -أعني: جلسة الاستراحة- أنه إن احتاج إليها لكبر أو ثقل أو مرض أو ألم في ركبتيه أو ما أشبه ذلك فليجلس، ثم إذا احتاج إلى أن يعتمد عند القيام على يديه فليعتمد على أي صفة كانت، سواء اعتمد على ظهور الأصابع، يعني: جمع أصابعه هكذا واعتمد عليها أو على راحته، أو غير ذلك، المهم إذا احتاج إلى الاعتماد فليعتمد، وإن لم يحتج فلا يعتمد.
أما الهوي للسجود فالصحيح أن الإنسان يبدأ بركبتيه قبل يديه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يضع الإنسان يديه قبل ركبتيه حيث قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) ونحن نشاهد البعير إذا برك يقدم يديه، وهذا شيء واضح، وقد فهم بعض العلماء أن المراد من ذلك أنه لا يقدم ركبتيه وقال: إن ركبتي البعير في يديه، فإذا قدم ركبتيه عند السجود فقد برك كما يبرك البعير، وهذا الفهم فيه نظر، وجه النظر أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، لو قال: على ما يبرك، قلنا لا تبرك على الركبتين، بل قال: (فلا يبرك كما يبرك البعير) فالنهي عن الكيفية والهيئة، وعليه فيكون الرجل إذا قدم يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير.
فإن قال قائل: يؤيد الفهم الأول أن في هذا الحديث (وليضع يديه قبل ركبتيه) .
فالجواب عن هذا أن هذه الجملة لا تصح؛ لأنها لا تتلاءم مع أول الحديث، بل هي منقلبة على الراوي كما حقق ذلك ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، وعلى هذا فالسجود يكون على الركبتين، فإن احتاج الإنسان إلى أن يضع يديه قبل ركبتيه كما لو كان يشق عليه فلا بأس يضع اليدين قبل الركبتين.
وكونه إذا أراد أن ينهض من التشهد الأول يضع يديه على الأرض يعتمد عليها ثم إذا وضع يديه رفع ثم اعتمد على ركبتيه هذه ليس لها أصل ولا أعلم لها وروداً في الحديث.
стр. 1923
حكم قول القائل: الله البادي
ما رأيكم في الشاعر الذي يقول في الأغنية التي تذاع:
الله البادي ثم أجد بلادي
لا أرى في هذا البيت شيئاً، إذا قال: الله البادي، يعني: الله قبل كل شيء، وهذا يشمل الدين؛ لأن الدين من حق الله، فإذا قال: الله البادي، يعني: الله وشريعته وما يجب الإيمان به وما يجب العمل به قبل كل شيء، ثم بعد ذلك البلاد، هذا ليس فيه شيء، لكني أقول إن الواجب أن الإنسان لا يتعصب لبلده لأنها بلده، فالمهاجرون هاجروا من بلادهم من مكة أفضل بقاع الأرض وتركوا أهلهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله ولم يتعصبوا للبلد، لكن من تعصب لبلده لأنها بلد إسلامي، لا لأنه ولد فيها وعاش فيها فهذا لا بأس به، وأما من تعصب للبلد؛ لأنها بلده فهذا فيه شيء من حمية الجاهلية.
стр. 1924
حكم منع الإمام من إقامة جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى
فضيلة الشيخ! هل للإمام منع الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى؟
ليس للإمام أن يمنع الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى، فإن فعل ذلك فإن هذا أخشى أن يكون معارضة لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقامة الجماعة الثانية بعد الأولى إذا كان لعذر، يعني: لم يتقصد المتخلفون أن يقيموا جماعة ثانية، لكن دخلوا ووجدوا الجماعة قد صلوا، فيصلون جماعة، هذا هو السنة، فإن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصحابه فقال: (ألا رجل يقوم فيتصدق على هذا) فقام رجل فصلى معه، وهذه إقامة جماعة بعد جماعة، ثم إنه ﵊ قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) فالذي قال فيه الرسول أزكى ننهى عنه أو نمنع منه، فعلى هذا الرجل أن يتقي الله ، وألا يمنع المسلمين مما أمر به الرسول ﵊ وندب إليه وحث عليه، أما لو اتخذ هذا عادة بأن كان هذا المسجد يصلي فيه هذا الإمام ثم إذا فرغ الإمام جاء إمام ثاني وصلى؛ فهذا بدعة لا شك فيه، ولا ينهى عنه الإمام الأول، وإنما يتولى النهي عنه المسئولون في إدارة الأوقاف أو في شئون المساجد.
стр. 1925
حكم الرسوم التي تؤخذ لتجديد الاستمارة أو الرخصة
فضيلة الشيخ! الرسوم التي تؤخذ لتجديد الاستمارة أو الرخصة هل تعتبر من الضرائب؟
إي نعم.
كل شيء يؤخذ بلا حق فهو من الضرائب، وهو محرم، ولا يحل للإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق، كما قال النبي ﵊: (إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأكل مال أخيك بغير حق؟) ولكن على المسلم السمع والطاعة، وأن يسمع لولاة الأمور ويطيع ولاة الأمور، وإذا طلبوا مالاً على هذه الأشياء سلمه لهم، ثم إن كان له حق فسيجده أمامه وإن كان ليس له حق فقد أخذ منه حق، أقول إذا كان له حق فسيجده أمامه، وإن لم يكن له حق بأن كان الذي أخذ منه على وجه العدل فليس له حق، والمهم أن الواجب علينا السمع والطاعة من ولاة الأمور، قال النبي ﵊: (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) ولا يجوز أن نتخذ من مثل هذه الأمور وسيلة إلى القدح في ولاة الأمور وسبهم في المجالس وما أشبه ذلك، ولنصبر، وما لا ندركه من الدنيا ندركه في الآخرة.
стр. 1926
حكم الدم الذي يخرج من المرأة قبل تخلُّق أربعة أشهر وقبل تخلُّق الجنين
فضيلة الشيخ! امرأة أسقطت من الشهر الأول من بداية حملها فهل تصلي، حيث أن الدم الذي يخرج منها قد يستمر خمسة عشر يوماً أو عشرين يوماً وأنا قرأت فتوى لكم في أحد الكتب تقول: إن هذا الدم الذي يخرج قبل إتمام أربعة شهور وقبل إتمام الجنين يعتبر دم فساد، وأن المرأة تصلي في هذا وأن لها حق الجمع في هذا فما رأي فضيلتكم؟
رأيي هو ما قرأت، يعني: إذا أسقطت المرأة الحامل لمدة شهر أو شهرين فإن هذا الدم دم فساد، لا يمنعها من صلاة ولا صيام ولا معاشرة زوج، ولها أن تجمع بين الصلاتين إذا شق عليها أن تتوضأ لكل صلاة، والقاعدة في ذلك عند أكثر العلماء: أن المرأة إذا أسقطت جنيناً فإن كان قد تبين فيه خلق إنسان فالدم دم نفاس، يعني: إن كان قد تبين رأسه ويداه ورجلاه فالدم دم نفاس، وإلا فليس دم نفاس بل هو دم فساد، وأقل ما يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان ثمانون يوماً، ودليل ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) الحديث.
هذه المضغة بين الله تعالى في القرآن أنها تكون مخلقة وغير مخلقة، إذا كانت قبل ثمانين يوماً لا يمكن أن يكون الدم دم نفاس، لماذا؟ لأنه لم يكن مضغة حتى الآن، هو علقة، بعد ثمانين يوماً صار مضغة، وهذه المضغة قد تخلق وقد لا تخلق، لكن إذا بلغ تسعين يوماً فالغالب أنها تكون مخلقة.
стр. 1927
احتمال رؤية العبد لربه في المنام دون اليقظة
فضيلة الشيخ! هل رؤية الله في المنام جائزة أم لا؟
رؤية الله تعالى في الدنيا يقظة غير ممكنة، والدليل على ذلك أن موسى ﵊ وهو من أفضل الرسل، وهو أحد أولي العزم الخمسة ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ اندك الجبل أمام موسى وهو يشاهد ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] غشي عليه؛ لأنه شاهد شيئاً لا تتحمله نفسه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فتاب إلى الله من هذا السؤال؛ لأنه سؤال ما لا يمكن، وسؤال الله ما لا يمكن اعتداء في الدعاء، والله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] فتاب إلى الله، فرؤية الله في الدنيا لا تمكن في اليقظة، حتى النبي ﵊ ليلة المعراج لم ير ربه، وقد سئل هل رأيت ربك؟ قال: (رأيت نوراً) وفي لفظ (نور أنّى أراه؟!) يعني: بيني وبينه حجب عظيمة من النور، وقد جاء في الحديث في الصحيح أن الله محتجب بالنور، فقال: (حاجبه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه) يعني: بهاؤه وعظمته، لو كشف هذا النور الذي بينه وبين الخلق لاحترق الخلق كلهم؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء، فيحترق كل شيء بهذا النور العظيم.
وعلى هذا نقول: لا يمكن.
أما في المنام فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه في المنام، لكن هل لغيره أن يراه؟ يُذكر أن الإمام أحمد ﵀ رأى ربه، وذكر بعض العلماء أن ذلك ممكن، فالله أعلم.
لا أدري.
وأخشى إن فتح الباب تدخل علينا شيوخ الصوفية وغيرهم ويقول: البارحة رأيت ربي، وجلست أنا وإياه، وتنادمنا وتناقشنا، ثم يجيء من أهل الخزعبلات التي لا أصل لها، فأرى أن سد هذا الباب هو الأولى.
стр. 1928
حكم وصف من قتل في المعركة بالشهيد
فضيلة الشيخ! إذا قتل المسلم في أي معركة بين المسلمين والكفار هل نصفه بأنه شهيد؟
أولاً: بارك الله فيك، المقتول في الجهاد لا نقول: إنه شهيد، حتى ولو كان بين المسلمين والكفار؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك) فقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) يعني: أنه لا علم لنا؛ لكن نرجو أن يكون شهيداً، ولهذا بوب البخاري ﵀ على هذه المسألة بقوله: (لا يقال: فلان شهيد) وذكر هذا الحديث الذي ذكرته لكم.
وذكر صاحب الفتح ابن حجر أثراً عن عمر ﵁ قال: [إنكم تقولون: فلان شهيد، وفلان شهيد، ولعله أن يكون قد غل، ولكن قولوا: فلان قتل أو مات في الجهاد أو كلمة نحوها] لكن مع هذا نرجو للإنسان أن يكون شهيداً إذا علمنا صلاح حاله، وأنه رجل صالح، ولم يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا، فنرجو أن يكون شهيداً.
ثم إن قولنا شهيد بالنسبة لهذا المقتول لا يستفيد منه؛ لأنه إن كان شهيداً عند الله فهو شهيد، سواء قلنا أو لم نقل، وإن لم يكن شهيداً فإنه لا ينفعه قولنا إنه شهيد، ولكن من قتل من المسلمين في المعركة فإنه يعامل ظاهراً معاملة الشهداء كما هو معروف ظاهراً؛ لأننا في الدنيا نعامل الإنسان على ظاهره، لكن في الآخرة يعامل الإنسان بما في قلبه، ويعطى حكم الشهيد في الأحكام، ولكننا لا نشهد له، الآن ألسنا نصلي على الجنازة الآن نصلي عليه على أنه مسلم، ونعامله معاملة المسلم، والمسلم مآله الجنة، فهل نشهد لهذا الميت بأنه من أهل الجنة؟ لا.
فالمعاملة غير مسألة الشهادة.
стр. 1929
حكم من ترك إمامة المسجد وإقامة الدروس والمواعظ من أجل السفر لطلب الرزق
فضيلة الشيخ! رجل يقوم بإمامة المسجد وإقامة الدروس والمواعظ وأهل الحي في حاجة إليه، ولكنه ارتحل عنهم لظروف المعيشة، فهل عليه شيء؟
كأنك تقول: إن هذا الرجل في حيه لا يقوم أحد مقامه، والناس محتاجون إليه، فعلى هذا يكون تعليمه لهذه الطائفة فرض عين، فإذا ارتحل نظرنا إذا كان هناك ضرورة فإن كان في البلد فبإمكانه أن يأتي إلى المسجد الذي هو فيه وإن كان في طرف البلد، وإن انتقل إلى بلد آخر فإذا كان للضرورة فلا شيء عليه، -مثلاً- لو كان سافر لطلب الرزق وهو ليس عنده ما يقيته أهله فلا حرج.
стр. 1930
حكم أخذ أهل المقتول ثأرهم بأنفسهم
فضيلة الشيخ! رجلٌ قتل رجلاً آخر ورفع الأمر للدولة، لكن الدولة أفرجت عن هذا القاتل، فهل لأهل المقتول أن يأخذوا بالثأر من ذلك القاتل؟
الأصل أن الرجل إذا قتل شخصاً عمداً وعدواناً لا شبهة فيه، فالأصل أن الذي يقتله أولياء المقتول؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] لكن العلماء يقولون: لا يتولى هذا إلا السلطان، يعني: رئيس الدولة أو من ينيبه، ومع هذا قالوا: إذا شاء أولياء المقتول أن يباشروا القتل بأنفسهم وقالوا للدولة: نحن نريد أن نقتله، نحن نشفي عليلنا ونروي غليلنا من هذا الرجل فلهم الحق في هذا، أما إذا برأته الدولة فليس لهم الحق أن يقتلوه؛ لأنه يحصل بذلك فوضى، والدولة لا تبرئه إلا بطريق شرعي.
السائل: والدولة لم تبرئه بحق؟ الشيخ: أنا أخشى أننا لو قلنا أن لهم أن يقتلوه وهو في الحقيقة غير معصوم الدم الآن، دمه هدر، أخشى إذا قلنا بذلك أن تحصل فتنة، فالواجب أن ينظروا للمصلحة إذا كان يخشى الفتنة أن يكون من قبيلة ثم تثور القبيلة على هذه القبيلة ويحصل دماء، المهم أن ينظروا إلى ما هو أصلح.
следующие страницы →