← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

حكم الدم الذي يخرج من المرأة قبل تخلُّق أربعة أشهر وقبل تخلُّق الجنين فضيلة الشيخ! امرأة أسقطت من الشهر الأول من بداية حملها فهل تصلي، حيث أن الدم الذي يخرج منها قد يستمر خمسة عشر يوماً أو عشرين يوماً وأنا قرأت فتوى لكم في أحد الكتب تقول: إن هذا الدم الذي يخرج قبل إتمام أربعة شهور وقبل إتمام الجنين يعتبر دم فساد، وأن المرأة تصلي في هذا وأن لها حق الجمع في هذا فما رأي فضيلتكم؟ رأيي هو ما قرأت، يعني: إذا أسقطت المرأة الحامل لمدة شهر أو شهرين فإن هذا الدم دم فساد، لا يمنعها من صلاة ولا صيام ولا معاشرة زوج، ولها أن تجمع بين الصلاتين إذا شق عليها أن تتوضأ لكل صلاة، والقاعدة في ذلك عند أكثر العلماء: أن المرأة إذا أسقطت جنيناً فإن كان قد تبين فيه خلق إنسان فالدم دم نفاس، يعني: إن كان قد تبين رأسه ويداه ورجلاه فالدم دم نفاس، وإلا فليس دم نفاس بل هو دم فساد، وأقل ما يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان ثمانون يوماً، ودليل ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) الحديث. هذه المضغة بين الله تعالى في القرآن أنها تكون مخلقة وغير مخلقة، إذا كانت قبل ثمانين يوماً لا يمكن أن يكون الدم دم نفاس، لماذا؟ لأنه لم يكن مضغة حتى الآن، هو علقة، بعد ثمانين يوماً صار مضغة، وهذه المضغة قد تخلق وقد لا تخلق، لكن إذا بلغ تسعين يوماً فالغالب أنها تكون مخلقة.

стр. 1927

احتمال رؤية العبد لربه في المنام دون اليقظة فضيلة الشيخ! هل رؤية الله في المنام جائزة أم لا؟ رؤية الله تعالى في الدنيا يقظة غير ممكنة، والدليل على ذلك أن موسى ﵊ وهو من أفضل الرسل، وهو أحد أولي العزم الخمسة ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ اندك الجبل أمام موسى وهو يشاهد ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] غشي عليه؛ لأنه شاهد شيئاً لا تتحمله نفسه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فتاب إلى الله من هذا السؤال؛ لأنه سؤال ما لا يمكن، وسؤال الله ما لا يمكن اعتداء في الدعاء، والله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] فتاب إلى الله، فرؤية الله في الدنيا لا تمكن في اليقظة، حتى النبي ﵊ ليلة المعراج لم ير ربه، وقد سئل هل رأيت ربك؟ قال: (رأيت نوراً) وفي لفظ (نور أنّى أراه؟!) يعني: بيني وبينه حجب عظيمة من النور، وقد جاء في الحديث في الصحيح أن الله محتجب بالنور، فقال: (حاجبه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه) يعني: بهاؤه وعظمته، لو كشف هذا النور الذي بينه وبين الخلق لاحترق الخلق كلهم؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء، فيحترق كل شيء بهذا النور العظيم. وعلى هذا نقول: لا يمكن. أما في المنام فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه في المنام، لكن هل لغيره أن يراه؟ يُذكر أن الإمام أحمد ﵀ رأى ربه، وذكر بعض العلماء أن ذلك ممكن، فالله أعلم. لا أدري. وأخشى إن فتح الباب تدخل علينا شيوخ الصوفية وغيرهم ويقول: البارحة رأيت ربي، وجلست أنا وإياه، وتنادمنا وتناقشنا، ثم يجيء من أهل الخزعبلات التي لا أصل لها، فأرى أن سد هذا الباب هو الأولى.

стр. 1928

حكم وصف من قتل في المعركة بالشهيد فضيلة الشيخ! إذا قتل المسلم في أي معركة بين المسلمين والكفار هل نصفه بأنه شهيد؟ أولاً: بارك الله فيك، المقتول في الجهاد لا نقول: إنه شهيد، حتى ولو كان بين المسلمين والكفار؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك) فقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) يعني: أنه لا علم لنا؛ لكن نرجو أن يكون شهيداً، ولهذا بوب البخاري ﵀ على هذه المسألة بقوله: (لا يقال: فلان شهيد) وذكر هذا الحديث الذي ذكرته لكم. وذكر صاحب الفتح ابن حجر أثراً عن عمر ﵁ قال: [إنكم تقولون: فلان شهيد، وفلان شهيد، ولعله أن يكون قد غل، ولكن قولوا: فلان قتل أو مات في الجهاد أو كلمة نحوها] لكن مع هذا نرجو للإنسان أن يكون شهيداً إذا علمنا صلاح حاله، وأنه رجل صالح، ولم يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا، فنرجو أن يكون شهيداً. ثم إن قولنا شهيد بالنسبة لهذا المقتول لا يستفيد منه؛ لأنه إن كان شهيداً عند الله فهو شهيد، سواء قلنا أو لم نقل، وإن لم يكن شهيداً فإنه لا ينفعه قولنا إنه شهيد، ولكن من قتل من المسلمين في المعركة فإنه يعامل ظاهراً معاملة الشهداء كما هو معروف ظاهراً؛ لأننا في الدنيا نعامل الإنسان على ظاهره، لكن في الآخرة يعامل الإنسان بما في قلبه، ويعطى حكم الشهيد في الأحكام، ولكننا لا نشهد له، الآن ألسنا نصلي على الجنازة الآن نصلي عليه على أنه مسلم، ونعامله معاملة المسلم، والمسلم مآله الجنة، فهل نشهد لهذا الميت بأنه من أهل الجنة؟ لا. فالمعاملة غير مسألة الشهادة.

стр. 1929

حكم من ترك إمامة المسجد وإقامة الدروس والمواعظ من أجل السفر لطلب الرزق فضيلة الشيخ! رجل يقوم بإمامة المسجد وإقامة الدروس والمواعظ وأهل الحي في حاجة إليه، ولكنه ارتحل عنهم لظروف المعيشة، فهل عليه شيء؟ كأنك تقول: إن هذا الرجل في حيه لا يقوم أحد مقامه، والناس محتاجون إليه، فعلى هذا يكون تعليمه لهذه الطائفة فرض عين، فإذا ارتحل نظرنا إذا كان هناك ضرورة فإن كان في البلد فبإمكانه أن يأتي إلى المسجد الذي هو فيه وإن كان في طرف البلد، وإن انتقل إلى بلد آخر فإذا كان للضرورة فلا شيء عليه، -مثلاً- لو كان سافر لطلب الرزق وهو ليس عنده ما يقيته أهله فلا حرج.

стр. 1930

حكم أخذ أهل المقتول ثأرهم بأنفسهم فضيلة الشيخ! رجلٌ قتل رجلاً آخر ورفع الأمر للدولة، لكن الدولة أفرجت عن هذا القاتل، فهل لأهل المقتول أن يأخذوا بالثأر من ذلك القاتل؟ الأصل أن الرجل إذا قتل شخصاً عمداً وعدواناً لا شبهة فيه، فالأصل أن الذي يقتله أولياء المقتول؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] لكن العلماء يقولون: لا يتولى هذا إلا السلطان، يعني: رئيس الدولة أو من ينيبه، ومع هذا قالوا: إذا شاء أولياء المقتول أن يباشروا القتل بأنفسهم وقالوا للدولة: نحن نريد أن نقتله، نحن نشفي عليلنا ونروي غليلنا من هذا الرجل فلهم الحق في هذا، أما إذا برأته الدولة فليس لهم الحق أن يقتلوه؛ لأنه يحصل بذلك فوضى، والدولة لا تبرئه إلا بطريق شرعي. السائل: والدولة لم تبرئه بحق؟ الشيخ: أنا أخشى أننا لو قلنا أن لهم أن يقتلوه وهو في الحقيقة غير معصوم الدم الآن، دمه هدر، أخشى إذا قلنا بذلك أن تحصل فتنة، فالواجب أن ينظروا للمصلحة إذا كان يخشى الفتنة أن يكون من قبيلة ثم تثور القبيلة على هذه القبيلة ويحصل دماء، المهم أن ينظروا إلى ما هو أصلح.

стр. 1931

الرد على من يقول: إن الأصل في إقامة الجماعة الثانية المنع فضيلة الشيخ! ما رأيكم فيمن يقول في موضوع إقامة الجماعة الثانية في حديث: (ألا رجل يتصدق على هذا) : إن هذا الحديث فيه متصدق ومتصدق عليه، واللذان تأخرا عن الصلاة فأقاما جماعة ثانية ليس فيهما متصدق، وأيضاً لا تقام الجماعة الثانية؛ لأن الأصل في العبادة المنع؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. من قال إن الأصل في إقامة الجماعة المنع؟ أي حديث يدل على أن هذا ممنوع؟ أنا ما خالفت! هل جاء عن رسول الله حرف واحد يقول: لا تعيدوا الجماعة؟ ما جاء، ثم إذا كان الرسول أمر شخصاً قد صلى وأدى الواجب عليه أن يصلي مع هذا، كيف نؤدي الواجب؟ لأننا الآن نقول: إذا دخل اثنان فاتتهم الجماعة نقول: أنت الآن مطالب بالجماعة، وأنت الثاني مطالب بالجماعة، فإذا كان الرسول أقام من لم يطالب بالجماعة أن يصلي مع هذا، فكيف نقول لمن تلزمه الجماعة: لا تصل جماعة؟ هذا قياس منقلب. وأما تسميتها صدقة فنعم؛ لأن الرجل الذي يقوم معه قد أدى الواجب عليه، فصلاته الثانية تكون صدقة، فهي صدقة بالنسبة لأنه أدى ما وجب عليه، لكن لو كان إقامة الجماعة ممنوعاً ما أجاز النبي ﷺ الصدقة؛ لأن الصدقة التي تستلزم فعل المحرم هل هي صدقة أو حرام؟ لا يمكن أن نفعل مستحباً بانتهاك محرم لو كان محرماً. فالمهم أن هذا تعليل لا شك أنه عليل، بل أقول: إنه تعليل ميت ما له روح إطلاقاً، لكنهم استدلوا بأن ابن مسعود جاء مع أصحابه يوماً وقد فاتتهم الصلاة، فانصرف وصلى في بيته، هل فعل ابن مسعود حجة مع وجود السنة؟ لا. هذه واحدة. الثانية: هل ابن مسعود ﵁ رجع إلى بيته وصلى؛ لأن الصلاة الثانية لا تقام إلا في المسجد أو لسبب آخر؟ لا ندري، ربما يكون ابن مسعود ﵁ خاف أن يقيم الجماعة الثانية وهو من أصحاب الرسول أن يقتدي به الناس، وأن يتهاونوا ويقولون: هذا ابن مسعود ﵁ تفوته الجماعة، إذاً: نحن من باب أولى. ربما كان ابن مسعود ﵁ انصرف إلى بيته يخشى أن يكون في قلب إمام المسجد شيء فيقول الإمام: ابن مسعود تأخر ليصلي بأصحابه؛ لأنه يكرهني -مثلاً- فيقع في قلبه شيء. فالحاصل أنه لم يعرف السبب الذي من أجله ترك ابن مسعود ﵁ إقامة الجماعة الثانية، وإذا كنا لا ندري ما السبب دخل المسألة الاحتمال، والعلماء يقولون: إن الدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال، ولكن كما قلت أولاً: عندنا حديث عن الرسول ﵊ أمر بإقامة الجماعة الثانية فيمن فاتت وقال: (إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) وهذا عام، ما قال إن من دخل مع صاحبه بعد أن انتهت الصلاة، ولهذا أنا أود من طلبة العلم ألا يأخذوا العلم من رجل واحد، أو يعتقدوا أنه معصوم من الخطأ، لا أحد معصوم، لو كان أحداً معصوماً لكان أول من يُعصم الصحابة ﵃ وهم يقع منهم الخطأ. وعلى كل حال الذي نرى أن إقامة الجماعة الثانية أنها من السنة، وأما جعل ذلك أمراً راتباً فهذا هو الذي يكون من البدعة، كانوا فيما سبق في المسجد الحرام يصلي أربعة أئمة؛ إمام للحنابلة، وإمام للشافعية، وإمام للمالكية، وإمام للحنفية، لكن لما استولى الملك عبد العزيز ﵀ على مكة وعلى الحجاز ألغى هذا وقال: ما يمكن مسجد واحد يكون فيه أربعة أئمة. لا يمكن.

стр. 1932

التصحيح في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر أو عدم نقضه هل مس الذكر ينقض الوضوء؟ وهل يكون المس بظاهر الكف أم بالباطن؟ مس الذكر الصحيح أنه لا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، لحديث طلق بن علي ﵁ أن النبي ﷺ (سأل أو سأله طلق عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء؟ قال: لا) والمس لابد أن يكون من دون حائل؛ لأنه إذا كان بحائل لم يكن مساً، لكن مع ذلك نقول: الأفضل أن يتوضأ، والدليل على هذا حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ) وهذا هو الجمع بين حديثها وحديث طلق بن علي. السائل: إذا مس ذكره من غير قصد؟ الشيخ: لا بأس، -مثلاً- رجل توضأ ثم اغتسل وفي أثناء اغتساله مس ذكره، نقول: لا حرج عليه، ولا يجب عليه إعادة الوضوء، كذلك لو كان الرجل توضأ ثم لما أراد أن يربط سرواله مس ذكره أيضاً لا يضر ولا ينتقض الوضوء بذلك.

стр. 1933

الجمع بين قول السلف في المعية وقول ابن تيمية فضيلة الشيخ! المعهود عن السلف أنهم يفسرون المعية بالعلم، فيقولون في مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] قالوا: أي بعلمه، وتفسيرهم المعية بالعلم إنما لقرينة السياق والسباق، كما سئل علي بن المديني عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة:٧] السؤال: كيف نوفق بين ما قاله السلف وبين ما قاله شيخ الإسلام في أن المعية حقيقية؟ الواقع أنه لا منافاة بين القولين؛ لأن السلف فسروها بلازمها، فإن من لازم المعية أن يكون عالماً بالخلق، سامعاً لهم، مبصراً لهم، له السلطان عليهم، كل ما تتضمنه الربوبية داخل في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] وتفسير الكلام باللازم لا بأس به، لا سيما وأنه فيما سبق كان قد فشا مذهب الجهمية الحلولية، الذين يقولون: إن الله معنا بذاته فيما كان في الأرض، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (ولا نقول: إنه هاهنا في الأرض) . أي: كما تقول الجهمية، ومن المعلوم أن عامة الناس لا يتصورون معنى المعية حقيقة مع علو الله ، فكان أقرب ما يكون لأفهامهم أن يقال أنها هي العلم، وكذلك السمع والبصر وما أشبه ذلك، والتفسير باللازم لا بأس به. فالعامة لا يعرفون، وكما قلت لك أنه شاع مذهب الجهمية هناك، لو قلت -مثلاً- للعامة الذين شاع عندهم مذهب الجهمية: أن الله بذاته في الأرض، وقلت: معنا حقاً ماذا سيفهم؟ يفهم أنه في الأرض، لكن لو قلت معنا يعني: يعلمنا؛ والذي يعلمك كأنه معك، يسمعنا؛ والذي يسمعك كأنه معك، ويبصرنا؛ والذي يبصرك كأنه معك، فلهذا فسروها باللازم، وإلا فقد احتج الأشاعرة وغيرهم من المعطلة على أهل السنة قالوا: كيف تقولوا وهو معكم تقولوا وهو يعلمكم؟ بل هو معنا وهو في السماء ولا مانع؛ لأن الله تعالى محيط بكل شيء بالسماوات السبع والأرضين السبع، كلها في كف الرحمن كأنها خردلة في كف أحدنا، ولا مانع أن يكون الشيء معك وهو في السماء، وقد ضرب شيخ الإسلام ﵀ مثلاً لذلك في العقيدة الواسطية، وفي الفتوى الحموية بأن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو ما زلنا نسير والنجم الفلاني معنا، ومعلوم أن القمر في السماء وكذلك النجم، فهذه عبارة عربية معروفة.

стр. 1934

الضابط في البدعة ما هو تعريف البدعة؟ وهل ما خالف الكتاب والسنة يسمى بدعة حسنة؛ لأن شيخ الإسلام يقول: ما خالف الكتاب فهو بدعة، وما لم يعلم أنه خالف فقد لا يسمى بدعة؛ لأننا نجد بعض الجماعات يغلون مثلاً في الأذكار، يعني: في أذكار معينة -مثلاً- في الصباح أو في السماء فيزيدون في هذه الأذكار، فهل هذه تسمى بدعة؟ ضابط البدعة -بارك الله فيك-: أن يتعبد الإنسان لله بما لم يشرعه الله، هذا الضابط، لا أن يفعل ما لم يشرعه الله، أن يتعبد، فالبدعة تتعلق بالعبادة، وإنما غير العبادة فما لها تعلق بها، فإذا تعبد الإنسان لله بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل قلنا: هذه بدعة، أما إذا كان من الأمور غير التعبدية فابتدع ما شئت، ولا أحد يقول: هذه بدعة، ولهذا الآن عندنا ابتداعات كثيرة في الأمور العادية أليس كذلك؟ نكتب بالكمبيوتر الآن وبالآلات الكاتبة، ونسجل في المسجل، وهذا ليس معروفاً في عهد الصحابة، لكن هذا ليس تعبداً، ولكن من الأمور العادية والوسائل. أما التعبد لله مثل الذين يتعبدون لله تعالى بتنزيهه عن صفاته التي وصف الله بها نفسه هؤلاء مبتدعة، يتعبدون لله تعالى بإثبات المثيل له فيقولون: نحن نؤمن بالصفات على أنها مماثلة لصفاتنا هؤلاء مبتدعة أيضاً. فالضابط في البدعة إذاً ما هو؟ (التعبد لله بما لم يشرعه الله من عقيدة أو قول أو عمل، سواء كان في أصل العبادة أو في كيفيتها) فلو صلى أناس جماعة ثم قالوا: سنذكر الله بأذكار الصلوات جميعاً، نقول جميعاً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، قلنا: هذه بدعة، بدعة بماذا بأصل العبادة أو بكيفيتها؟ بكيفيتها.

стр. 1935

حكم من وجد مالاً وغلب على ظنه أنه مغصوب حكم من وجد مالاً وغلب على ظنه أنه مغصوب، ولم يعرف صاحبه حتى يعيده إليه؟ بأي شيء غلب على ظنه أنه مغصوب؟ السائل: قرائن علمها أن هذا المال مغصوب. الشيخ: ألا يمكن أن يكون صاحبه باعه؛ لأنه ربما يكون من القرائن عنده أنه عارف أن هذا المال لفلان، فيمكن يكون باعه. على كل حال، نجيب على هذا: إذا وجد الإنسان مالاً لقطة وغلب على ظنه أنه مغصوب نقول: ابحث عن صاحبه، ولا تجعل ظنك يغلب على أنه مغصوب، اجعل ظنك يغلب على أنه ضائع من صاحبه، لكن اللقطة لماذا تحملها أنها مغصوبة؟ احملها على أنها ضائعة من صاحبها وابحث عن صاحبها، المهم بارك الله فيك إذا وجدت لقطة فانشدها سنة كاملة، إن جاء صاحبها وإلا فهي لك.

стр. 1936

حكم من دخل المسجد فوجدهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب تأخر أناس عن صلاة المغرب وأدركوا أن الإمام في صلاة العشاء فهل يصلون المغرب جماعة أم يدخلون مع الإمام؟ وكيف يكون وضع حالهم في الصلاة جزاك الله خيراً؟ الصحيح أن الإنسان إذا جاء والإمام في صلاة العشاء سواء كان معه جماعة أم لم يكن أنه يدخل مع الإمام بنية المغرب، ولا يضر أن تختلف نية الإمام والمأموم لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فإن دخلوا معه في الركعة الثانية سلموا معه؛ لأنهم يكونون قد صلوا ثلاثاً، ولا يضر أن يكونوا جلسوا في الركعة الأولى، وإن دخلوا معه في أول ركعة، فإذا قام إلى الرابعة جلسوا للتشهد وسلموا، ثم دخلوا معه فيما بقي من صلاة العشاء، هذا القول أحسن الأقوال. القول الثاني في المسألة: أن يدخلوا معه بنية العشاء، ثم يصلون المغرب. القول الثالث: أن يصلوا وحدهم صلاة المغرب، ثم يدخلوا معه فيما بقي من صلاة العشاء، القولان الأخيران فيهما محذور: أما الأول فمحذوره فوات الترتيب، حيث قدم صلاة العشاء على صلاة المغرب. وأما الثاني فمحذوره إقامة جماعتين في مسجد واحد في آن واحد، وهذا تفريق للأمة. القول الأول الذي ذكرنا أنه الصحيح فيه محذور وهو تسليم قبل أن تسليمهم إمامهم، هذا في الحقيقة ليس فيه محذور؛ لأنه ورد انفراد المأموم عن الإمام في مواضع من السنة، منها صلاة الخوف، فإن الإمام يصلي بهم ركعة ثم يتمون لأنفسهم وينصرفون، ومنها قصة الرجل الذي دخل مع معاذ بن جبل ﵁ فلما بدأ بسورة البقرة أو سورة نحوها انفصل عنه ولم يكمل معه، ومنها أن العلماء قالوا: لو أن الإنسان في أثناء الصلاة وهو مأموم ثارت عليه الريح -الغازات- أو احتاج إلى نقض الوضوء ببول أو غائط فإنه لا بأس أن ينوي الانفراد ويكمل صلاته وينصرف، فصارت الأقوال ثلاثة أحسنها أن يدخل الناس مع الإمام في صلاة العشاء وينوون هم صلاة المغرب، ثم إن دخلوا في الركعة الثانية سلموا معه وإن دخلوا في الركعة الأولى، فإذا قام إلى الرابعة جلسوا وتشهدوا وسلموا ثم دخلوا مع الإمام في بقية العشاء.

стр. 1937

حكم من ترك الإحرام من الميقات جهلاً بالحكم أحد الإخوة المقيمين في جدة بطبيعة العمل العسكري انتقل إلى الرياض ومكث ثلاث سنين، ويأتي إلى جدة ويعتمر، فله تقريباً عشرين عمرة وحجتين، فهو أحياناً ينوي أنه سيعتمر من الرياض ويأتي إلى جدة ثم لا يحرم من الميقات، وأحياناً لا يكون بالقصد أنه سيعتمر فيأتي إلى جدة ثم بعد ذلك ينوي العمرة، ثم بعد ذلك انتقل إلى الأحساء وأيضاً مكث فيها سنة وهو لا يدري أنه يحرم من الميقات ظناً منه أنه لا شيء فيه، فما حكم عمراته وحجتيه؟ وهل عليه شيء في ذلك؟ أما العمرات والحجتان فهي صحيحة، غاية ما هنالك أن العمرات التي أحرم فيها من غير الميقات وقد تجاوز الميقات وهو ينوي العمرة فعليه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء مع القدرة، وأما مع العجز فلا شيء عليه. وكذلك يقال في الحج إن كان لم يحرم إلا من جدة، أما لو كان تجاوز الميقات وهو لا ينوي العمرة أو متردد هل يعتمر أم لا؟ ثم لما وصل إلى جدة أنشأ النية، فهذا يحرم من جدة ولا شيء عليه. السائل: إذا كان لا يدري كم مرة ترك الإحرام؟ الشيخ: هذا يبني على اليقين وهو الأقل، فإذا قدر أنه ترك الإحرام من الميقات عشر مرات أو ثمان مرات جعله ثمان مرات.

стр. 1938

اختلاف العلماء في اعتبار زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب رجل رضع من زوجة أخيه رضاعاً كاملاً، هل يجوز للأخ من النسب -الأب من الرضاعة- أن يسلم على زوجة أخيه وابنه من الرضاعة؟ يعني: هل زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب؟ معلوم أن زوجة الابن من النسب محرم لأبيه، أما زوجة الابن من الرضاع ولو كان أبوه من الرضاع أخاً له هذه فيها خلاف بين العلماء، فأكثر العلماء على أن زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب، يعني: أنها محرم لأبيه من الرضاعة، وتكشف له؛ لأنه محرم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنها ليست بمحرم، وكل منهم استدل بالحديث نفسه، الذين قالوا: إن زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب قالوا: إن النبي ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وشيخ الإسلام ﵀ الذي قال: إن زوجة الابن من الرضاع ليست كزوجة الابن من النسب، وأنها ليست محرم لأبيه من الرضاع، وأنه يجب عليها أن تحتجب عنه، ولا يجوز أن يخلو بها، استدل بقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) واستدل بقوله الله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] أيهما في نظركم أقرب؟ السائل: النسب. الشيخ: كيف يكون أقرب وزوجة ابنه من النسب حرام؟ إذاً: زوجة الابن من الرضاع حرام (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) . نسأل: زوجة الابن هي حرام على أبيه من النسب أو حرام من الصهر؟ من الصهر، ليس بينه وبين أبيه نسب والرسول ﷺ يقول: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) وزوجة ابنك ليست حرام عليك من جهة النسب، لكن حرام عليك بالصهر؛ لأنه لا نسب بينك وبينها، ولهذا كان رأي شيخ الإسلام ﵀ عندي هو الراجح، وأن زوجة الابن من الرضاع ليست محرماً، وزوجة الابن من النسب ليست محرماً من جهة النسب، أما الآية التي استدل بها شيخ الإسلام ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فجمهور العلماء الذين يقولون: إن زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب يقولون: هذه الآية قيدت احترازاً من ابن التبني، فنقول: إن ابن التبني ليس ابناً حتى يحترز منه، فهو غير داخل بالبنوة إطلاقاً، حتى يأتي بقيد يخرجه، فالصحيح عندي ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 1939

لقاء الباب المفتوح [٦٦] يوصي الشيخ إخوانه المسلمين بوصايا منها: تقوى الله تعالى، وقد تضمنت الإخلاص في كل العبادات، وأن الإخلاص لا يكون إلا بالمتابعة للرسول ﷺ ، وتضمنت أيضاً الإشارة إلى الحرص على هداية الناس وإرشادهم إلى طلب العلم وترك ما لا ينفع، وأن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وأوصى كذلك بترك الغيبة لما لها من فساد كبير على الفرد والمجتمع، وأن أشد الغيبة هي غيبة العلماء وأولياء الأمور لما يلحقها من ضرر كبير وشر مستطير، وبعد الوصية توجه الشيخ للإجابة عن الأسئلة.

стр. 1940

التقوى بين التصور والتطبيق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو يوم الخميس، العشرون من شهر صفر لعام (١٤١٥هـ) . كان من المعتاد في لقائنا لهذا اليوم أن نسير في تفسير القرآن الكريم، وكان منتهى وقوفنا في أثناء سورة الفجر؛ ولكن نظراً إلى كثرة الإخوان هذا اليوم فإننا نحب أن نضع وصايا هامة تهم المسلمين عموماً. فنقول: أول ما نوصي أنفسنا وإياكم به هو: تقوى الله ؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ، فهذه وصية الله للأولين والآخرين، وتقوى الله هي أن يتخذ الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، هذا هو الذي يقيك من عذاب الله؛ لا يقيك من عذاب الله أبٌ، ولا ابنٌ، ولا قريبٌ، ولا مالٌ، ولا جاهٌ، ولا يقيك من عذاب الله إلا تقوى الله ، كما قال الله ﵎: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨-٨٩] . فتقوى الله : القيام بأوامره، واجتناب نواهيه.

стр. 1941

من تقوى الله: الإخلاص لله ومن أهم أوامره، بل هو أهم أوامره: الإخلاص لله ، فكل ما تعمله متقرباً به إلى ربك لا بد أن يكون خالصاً لله، فإذا أشركت مع الله غيره ردَّه الله عليك؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه) ، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] . فتخلص لله في طهارتك، وصلاتك، وزكاتك، وصومك، وحجك، وبرك لوالديك، وصِلَتك لأرحامك، وإحسانك إلى جيرانك. تخلص لله تعالى في طلب العلم؛ بألا تبتغي به جاهاً، ولا رئاسة، ولا تريد أن تجاري به العلماء، أو تماري به السفهاء، بل تريد بذلك إحياء شريعة الله ، ورفع الجهل عن عباد الله وعن نفسك، والدفاع عن شريعة الله؛ لأن شريعة الله تعالى مستهدفة؛ من حين خرجت في مكة إلى يومنا هذا وهي مستهدفة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١] ، فكل نبيٍّ له عدو، وكل أتباعِ نبيٍّ لهم أعداء، ولا بد. فهذه سنة الله ، وليس الدرب مفروشاً بالورود والزهور، بل الدرب صعب وشاق، ولا بد أن يجعل الله بحكمته للحق مضاداً من أجل أن يُعْرَف الحق ويظهر ناصعاً غالباً على الباطل، ومن أجل أن يعلم الله المجاهدين منا والصابرين. إذاً لا بد من الإخلاص في طلب العلم، فتخلص لله في امتثال أمر الله باتباع الرسول ﵊، والمعنى: أنك تخلص اتباعاً للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ بأن لا تزيد في شريعته ما ليس منها، ولا تُنْقِص من شريعته ما كان منها، فالناقص من الشريعة مُقَصِّر، وقد يكون فاسقاً، والزائد مبتدع؛ فالدين كامل لا يحتاج إلى ابتداع. فلا بد من إخلاص المتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبذلك نحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

стр. 1942

من تقوى الله: الحرص على هداية عباد الله ومن تقوى الله أن تحرص غاية الحرص على هداية عباد الله: وذلك بنشر العلم الصحيح المأخوذ من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأن تبين لهم طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وأن ترشد الناس إلى ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من قوله: (مِن حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه) ، أي: ما لا يهمه. فإذا رأيت الإنسان كادحاً إلى الله ، مشتغلاً بما يهمه عما لا يهمه، وليس له هم إلا ما يقرب إلى الله، فاعلم أن ذلك من حسن الإسلام. وإذا رأيت إنساناً يهتم بأمور لا حاجة إليها، وليس معنياً بها، وأن أكثر أوقاته في القيل والقال، وكثرة السؤال، فاعلم أن ذلك من نقص إسلامه، ومِن ثَمَّ (نهى النبي ﵊ عن قيل وقال، وكثرة السؤال) ؛ لأن ذلك يضيع الوقت. وإذا مُرِضَ الإنسان بهذا المرض ضاع عليه وقته، فصار يجلس إلى هذا ويقول: ما الذي حدث؟! ماذا قال فلان؟! وماذا قال فلان؟! ثم إلى الثاني ويقول له كذلك، ثم إلى الثالث، والرابع، وهكذا يضيِّع أوقاتَه، وأوقاتَ غيره. ولكن ينبغي للإنسان أن يسير على ما يهمه ويعنيه، ولا بأس أن يسأل إذا دعت الحاجة إلى السؤال عما حدث، وعما يكون في المجتمع، من أجل مداواته، وإزالة المرض، لا من أجل أن يشمت بالغير، أو أن يجعل ذلك مثاراً للشقاق والنزاع، كما يوجد من بعض الناس الآن؛ حيث أن بعض الناس له نية طيبة، لا يُتَّهَم؛ لكنه مسكينٌ ابتُلي بهذا المرض وهو أن لا يكون له هَمٌّ إلا القيل، والقال، وماذا قال فلان؟! وماذا قال فلان؟! وماذا قالت الطائفة الفلانية؟! وماذا قالت الطائفة الفلانية؟! لا لأجل أن يداوي المرض ويزيل الشقاق؛ ولكن ليشمت، أو ليقول كما يقول الصبيان: أنت مع هؤلاء أم مع هؤلاء؟! فلم نعهد هذا التجمُّع والتحزُّب إلا عند الصبيان. لذلك أوصيكم بالتخلي نهائياً عن هذه الأمور؛ لأنه لا يخدم المصلحة، بل يضيع الأوقات، ورسول الله ﷺ نهى عن إضاعة المال، وعن إضاعة الوقت في القيل والقال، وكثرة السؤال.

стр. 1943

الغيبة وآثارها السيئة على الأمة

стр. 1944

تعريف الغيبة لو سألتكم: ما هي الغيبة؟ لكان (ذكرُك أخاك بما يكره) هكذا عرَّفها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أعرف الخلق بمعاني كتاب الله وسنة رسوله، والله تعالى قال في كتابه: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] ، (قيل: ما الغيبة يا رسول الله؟ قال: ذكرُك أخاك بما يكره -سواء كان ذلك في خُلُقه، أو معاملته، أو بدنه وخِلْقَته، أو أي شيء يكرهه أخوك؛ إذا ذكرتَه به في غَيْبَته فهذه هي الغيبة- قيل: يا رسول الله! أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه) أي: بَهَتَّه مع الغيبة، والرسول ﵊ -وانتبهوا لهذه القاعدة- يذكر أخص الوصف مع اشتمال الموصوف عليه وعلى غيره، فهنا عندما قال: (فقد بَهَتَّه) هل يعني: لَمْ تَغْتَبْه؟! لا. بل يعني: فقد بَهَتَّه مع الغيبة. ونظير ذلك أن النبي ﷺ قال يوماً لأصحابه: (وددتُ أنَّا رأينا إخوانَنا، قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي. وإخواني قومٌ يأتون مِن بعد يؤمنون بي ولم يروني) ، جعلني الله وإياكم من إخوانه. فهنا قال: (أنتم أصحابي) ، وقال عن الذين يأتون من بعده: إنهم إخوانه، فهل المعنى: أنتم أصحابي ولستم إخواني؟! لا. بل هم أصحابه وإخوانه؛ لكن الصحبة أخص من الأخوة. كذلك لما قال عن الغيبة: (ذكرُك أخاك بما يكره، فقيل: يا رسول الله! أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه) فإن معنى بَهَتَّه أي: بَهَتَّه مع الغيبة.

стр. 1945

خطورة انتشار الغيبة في أوساط الناس ونحن نرى بعض الناس الآن يشيعوا أقوالاً عن أشخاص معينين، بل يشيعوا أقوالاً أو أفعالاً عن علماء ما قالوها ولا فعلوها، بل يشيعوا أقوالاً وأفعالاً عن ذوي السلطة وذوي الأمر ما قالوها ولا فعلوها. وغيبة ولاة الأمور من العلماء والأمراء الحُكَّام من الملِك والوزير وغيرهما أشد من غيبة عامة الناس؛ لأن غيبة ولاة الأمور تحدث الكراهة لولي الأمر، وإذا كره الإنسان ولي أمره صار لا يخضع لقوله، وصار ولي الأمر لا يفعل شيئاً حسناًَ إلا كان غائباً عن بصر هذا الإنسان، ولا يفعل سيئة واحدة إلا كانت في بصره وقلبه، لماذا؟! لأنه يبغضه ويكرهه بما نُشر من الأشياء، وقد قال الشاعر الحكيم: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تُبْدِي المَساوِيا فالإنسان الساخط لا تظن أنه سينشر حسنة لمن هو ساخط عليه؛ لكن هذا الساخط المبغض ينشر كل السيئات، ويسكت عن الحسنات، وكأنها ما حصلت. فغيبة ولاة الأمور تُحْدِث كراهةَ ولي الأمر وبُغضَه وعدمَ الانصياع لأمره، وتجعل حسناته سيئات، وهذا خطير على المجتمع كله؛ لأن الأمور إذا أصبحت فوضى لا زمام لها فَسَدَ النظام، وتفرقت الأمة، وهل إذا نشرنا مثلاً مساوئ ولاة الأمور، هل هذا يُصْلِح من الحال شيئاً؟ لو كان يُصْلِح لكان طيباً؛ لكنه لا يُصْلِح، بل يزيد الأمر شدة، ويزيد ولي الأمر انتباهاً فيقع فيما لا يحق له أن يقع فيه من اتهام بعض البرآء بأمر هم منه بريئون، ويحصل بذلك شر على الناشر للمساوئ وعلى غيره. وهل الغيبة ذنب سهل، أو أنها من كبائر الذنوب؟! بل من كبائر الذنوب. يقول ابن عبد القوي في منظومته الدالية الفقهية: وقد قيل صُغْرى غيبةٌ ونميمةٌ وكلتاهما كُبْرى على نص أحمد أي: أحمد بن حنبل ﵀. فالغيبة من كبائر الذنوب، قال الله : ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] ، من يحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً، هل أحدٌ يحب هذا؟! لا أحد يحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً، وشبَّه الله الغيبة بأكل لحم الميت، لأن المغتاب ليس بحاضر ليدافع عن نفسه، كالميت إذا أكلتَه فهو ميت لا يدافع عن نفسه، وهذا تشبيهٌ بأقبحِ ما يكون، مما يدل على أن الغيبة مكروهة عند الله ، ويجب أن تكون مكروهة عند العاقل؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] .

стр. 1946

خطورة غيبة العلماء كذلك غيبة العلماء، والعلماء ليسوا معصومين بلا شك، ولا أحد يُعْصَم إلا واحدٌ وهو رسول الله ﷺ ، كما قال الإمام مالك ﵀: ما منا إلا ويؤخذ من قوله ويُتْرك إلا صاحب هذا القبر يشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصَدَقَ ﵀؛ كُلٌّ يُخْطِئ، حتى الإنسان نفسه يعرف خطأه أحياناً إذا قال قولاً ثم بَحَثَ أو نوقِش فيه، وتبيَّن أنه مخطئ. لكن هل من جزاء العلماء الذين أتْعَبوا أنفسهم في تحصيل العلم ولم يدَّخروا وُسْعاً في نشره بين الأمة أنهم إذا أخطئوا خطئاً واحداً أن يُنْشَر خطأهم ويُسْكَت عن محاسنهم؟! لا والله. ليس من جزائهم، وليس هذا من العدل، ولا من القسط، بل العدل أن توازن بين الحسنات والسيئات، فإذا رَجَحَت الحسنات على السيئات فالإنسان من المحسنين، هذا إذا تقاربت السيئات مع الحسنات، فكيف إذا كانت السيئة واحدة في مقابل آلاف الحسنات؟! لكن بعض الناس والعياذ بالله يتخذ من الخطأ الواحد ذريعة للسب، والقيل والقال، ويضيف إلى هذه السيئة سيئات أخرى. وهذا لا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال. واعلموا أن الناس إذا قلَّت ثقتهم بالعلماء فليس معنى هذا أنه إساءة إلى العالِم شخصياً فحسب، بل هو إساءة إلى العالِم وإلى ما يحمله من الشريعة؛ فإذا نزل العالِم من أعين الناس ما قبلوا قوله، وردوه ولو كان أوضح من الشمس؛ لأن الثقة نُزِعت منهم، ولولا ثقة الناس بعضِهم ببعض ما انتفع أحدٌ من أحد أبداً، حتى الإنسان الذي تريد أن تعامله معاملة فتبيع له وتشتري منه إذا لم تثق به هل تعامله؟! لا. لذلك أوصيكم بأن تحرصوا غاية الحرص على تجنُّب القيل والقال، وعلى أن يشتغل الإنسان بما يهمه عما لا يعنيه؛ لأن ذلك من حسن إسلام المرء، كما نطق به الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن كفى الناسَ شرَّه، وكفاه شرَّ الناس، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يتقبل منا ومنكم. وأبشركم بأن حضوركم إلى هذا المجلس داخلٌ في قول الرسول ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) . نسأل الله لنا ولكم الإخلاص.

стр. 1947

الأسئلة

стр. 1948

حكم الاحتفال بمولد النبي أو بغيره من الموالد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا فضيلة الشيخ! ما حكم الإسلام في إقامة الموالد سواء كانت لموالد لمشايخ أو مولد النبي ﷺ ؟ أقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ لكن أنبهكم أنه لا سلام من جالس ليسأل، إنما السلام للقادم، وأما إذا كان جالساً ويسلم فما السبب؟! كان الصحابة يسأل الواحد منهم الرسول ﵊ ولا يسلِّم، ولا يقول له الرسول: لماذا لم تسلِّم؟ فالسلام للقادم يا أخي. أما قولك: ما حكم الإسلام فأنا أريد أن تصحح هذه العبارة أيضاً، فلا توجه سؤالاً لشخص يخطئ ويصيب فتقول: ما حكم الإسلام لأنه إذا أخطأ صار الخطأ من الإسلام؛ ولكن قل: ما ترى في كذا؟ أو ما حكم الإسلام في نظرك في كذا؟ فأنا أقول: أرى أن إقامة الموالد تعظيماً للمولود من البدع التي لم تَرِد عن النبي ﷺ سواء كانت تتعلق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو بغيره من العلماء أو من العُبَّاد. وهناك دليلٌ سهل جداً يدل على أن إقامة الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وهو: أن نسأل: هل أنتم أيها المقيمون للاحتفال أشد حباً لرسول الله من صحابة رسول الله؟! إن قالوا: نعم. قلنا: كذبتم! وإن قالوا: لا. الصحابة أشد حباً. سألنا أولاًَ: هل أقمتم هذا حباً للرسول أم لا؟! إن قالوا: حباً للرسول، قلنا: لماذا لم يُقِمْه مَن هو أشد حباً منكم للرسول؟! أهم في غفلة من هذا، أم في تساهل، أم في جهل؟! الجواب: كل هذا لم يكن. فإن قالوا: نقيم ذلك لذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قلنا: سبحان الله! هل أنتم تستدركون على الإسلام؟! إن قالوا: نعم. فالمسألة خطيرة وكبيرة، ومعنى ذلك: أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] ليس بصحيح؛ لأنهم بهذا استدركوا على الإسلام. وإن قالوا: لم نستدرك على الإسلام، قلنا: إذاًَ في ذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما شرعه الإسلام كفاية. رسول الله ﷺ يُذكر في كل عبادة بلسان الحال أو بلسان المقال، فأنت تذكر الرسول بلسان الحال أم بلسان المقال. الأول: بلسان الحال: كل عابد لله يعبد الله إخلاصاً له واتباعاً لرسوله، إذاًَ: أنا أشعر حينما أفعل العبادة أنني متبع للرسول، هذه ذكرى أم غير ذكرى؟! الجواب: ذكرى. الثاني: أو بلسان المقال: ننظر إلى الوضوء: إذا فرغ الإنسان من وضوئه ماذا يقول؟! الجواب: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وفي الصلاة: فرض علينا أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أين هذا الفرض؟! الجواب: في التشهُّد. وفي النداء للصلاة: مفروضٌ علينا أن نقول: أشهد أن محمداً رسول الله. إذاً: ما شرعه الله ورسوله مما يكون فيه ذكرى رسول الله ﷺ خير مما ابتدعه هؤلاء، وبهذا نعرف أن الاحتفال بمولد الرسول ﷺ بدعة، وكل بدعة ضلالة، لا سيما وأن هذا الاحتفال لا يخلو من طوام؛ إذْ يقال لنا: إنه يكون فيه اجتماع واختلاط بين الرجال والنساء. هذه واحدة، وهي فتنة. ويقال أيضاً: إنهم يأتون بالقصائد التي فيها الغلو والمبالَغة، وأحسن ما عندهم من القصائد أشدها مبالغة، فمثلاً قصيدة البردة للبوصيري هي أحسن ما يتغنون به، وفيها من الكفر الصريح ما هو ظاهر، يقول البوصيري في هذه القصيدة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العَمِمِ أي: إذا حصل حادثٌ عام كزلزال وصواعق وما أشبه ذلك فما لي مَن ألوذ به إلا أنت، ماذا تقولون في هذا البيت؟! الجواب: شرك. من الذي يُلاذ به عند حلول الحوادث العامة؟! الرب ، فالحادث الخاص ربما ألوذ بشخص وأقول له: تعال يا فلان، أنقذني من الغرق، أو أخرج هذا الذي انقلبت به السيارة من تحت السيارة؛ لكن الحوادث العامة لا يُرجى فيها إلا الله. ثم قال أيضاً من جملة ما قال في هذه القصيدة: فإن مِن جودك الدنيا وضَرَّتَها.. .. . ما ضرة الدنيا؟ الآخرة. (مِن) للتبعيض، أي: أن هناك جوداً آخر غير الدنيا والآخرة. فإن مِن جودك الدنيا وضَرَّتَها ومِن علومك علمَ اللوحِ والقلمِ أيضاً من علومه: علم اللوح والقلم، وهناك علوم أخرى أيضاً فوق التي في اللوح والقلم يعلمها الرسول. ماذا تقولون في هذا؟! الجواب: إنكار لملك الله، -أي: إذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول فماذا بقي لله؟! لم يبق شيء. فهذا مما يحدث في الموالد. فلذلك يجب على طلبة العلم أن ينبهوا أهل بلادهم عن هذه الاحتفالات، وأنه ليس فيها إلا التعب البدني والمالي، والضلال، فكل بدعة ضلالة. أما الاحتفال بمولد الإنسان العادي فهذا ليس احتفالاً دينياً، وإنما هو احتفال عادي، ومع ذلك نرى أن لا يُفْعَل؛ لأنه قد يُتَّخَذ ذريعة إلى الاحتفال التعبدي وهو الاحتفال بمولد الرسول ﵊، فيقول: إذا كنتُ أحتفل بمولد ابني وهو مَن هو بالنسبة للرسول، فاحتفالي بمولد الرسول من باب أولى. لهذا نرى الكف عن الاحتفال بالموالد مطلقاًَ، سواءً كان ذلك للتعبُّد أو لغير التعبُّد.

стр. 1949

حكم دخول الرجل للصلاة خلف من يصلي بنية الانفراد أو مَن فاته من إمامه بعض الصلاة إذا صلى الإنسان منفرداً بنية أن يكون منفرداً، فجاءه شخص آخر فصلى معه، أو أن الإنسان صلى مع الإمام؛ لكنه لم يدرك إلا التسليم، فأدرك الصلاة بالتسليم، فأكمل الصلاة، فجاءه شخص آخر فأتم به، فهل يجوز هذا؟ إذا شرع الإنسان في الصلاة منفرداً، ثم جاء آخر وصلى معه فلا بأس سواء في الفريضة أو في النافلة. أما في النافلة: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله، وذلك حين بات عنده عبد الله بن عباس ﵄، فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي من الليل وحده، فقام ابن عباس وصلى معه فأقَرَّه، وما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة إلا بدليل. وأما المسألة الثانية: وهي ما إذا دخل إنسان مع الإمام وقد فاته بعض الصلاة، ثم قام ليأتي بما بقي فدخل معه آخر فهو أيضاً لا بأس به؛ لكن في هذه الثانية الأفضل تركه؛ لأن ذلك ليس من هدي الصحابة أن الواحد إذا قام يقضي صلى معه آخَرُ جَمَاعةً.

стр. 1950

التفصيل في القيام للجنازة ورفع اليدين عند التكبير ما هو القول الراجح في القيام للجنازة ورَفْع اليدين عند التكبير؟ الراجح في هاتين المسألتين أن الإنسان إذا مرت به الجنازة قام لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك وفعله أيضاًَ؛ لكنه بعد هذا لم يقم، بل قام ثم قعد. والجمع بين فعله وتركه: أن قعوده ليبين أن القيام ليس بواجب. وأما رفع اليدين في تكبيرة صلاة الجنازة فالصحيح أنه يكون في كل التكبيرات؛ لأنه صح عن ابن عمر موقوفاً، ورُوي عنه مرفوعاً، وقد صحح رفعه جماعةٌ من أهل العلم. فالصواب أن اليدين ترفعان في كل تكبيرة.

стр. 1951

تحريم الدخول بالمصحف إلى الحمام فضيلة الشيخ! حفظكم الله وجعلكم ذخراً للإسلام والمسلمين! ما حكم دخول المصحف إلى الحمام؟ وهل يقاس عليه الأشرطة الإسلامية المسجل عليها القرآن الكريم؟ دخول المصحف إلى المرحاض والأماكن القذرة صَرَّح العلماء بأنه حرام؛ لأن ذلك ينافي احترام كلام الله ، إلا إذا خاف أن يُسْرق لو وضعه خارج المرحاض، أو خاف أن ينساه فلا حرج. وأما الأشرطة فليست كالمصحف؛ لأن الأشرطة ليس فيها كتابة؛ لكن غاية ما هنالك أن نبرات في الشريط إذا مرت بالجهاز المعين ظهر الصوت، فهذه يدخل بها ولا إشكال في جوازه.

стр. 1952

نصاب الزكاة في العملة الورقية رجل عنده خمسمائة ريال سعودي، ومضى عليها الحول، فهل فيها زكاة؟ وما هو مقدار النصاب في هذه العملة؟ الشيخ: خمسمائة ريال مِن وَرَق، أو مِن فضة؟ السائل: مِن وَرَق. يُنْظَر هل تساوي خمسة وستين ريالاً فضةً أم لا. أي: إذا كانت تساوي هذا ففيها الزكاة. وإن كانت لا تساوي فهي دون النصاب، فليس فيها زكاة. فمثلاً لو قلنا: هناك خمسة وستون ريالاً فضة، والريال بعشر ورقات، فكم سيكون النصاب؟ سيكون خمسين أو ستين. إذاًَ: الخمسين ليس فيها زكاة. فأنت اسأل أهل المصارف وقل لهم: كم يساوي الريال الفضة؟ وعلى هذا الأساس ينبني هل بلغ النصاب أم لا. عرفتَ الآن؟ إذاً عليك أن تسأل الصيارفة عن خمسمائة ريال وَرَقاً: كم يساوي من الفضة؟ إذا قالوا: يساوي خمسة وستين ففيها الزكاة. وإذا قالوا: لا يساوي إلا خمسين فليس فيها زكاة.

стр. 1953

كلمة توجيهية لترشيد مسيرة الصحوة الإسلامية يُلاحَظ ولله الحمد في الآونة الأخيرة ازدياد أهل الصحوة وانتشارها في هذا البلد ولله الحمد؛ ولكن نلاحظ أن كثيراً من الشباب الذي يلتزم يصل إلى حد معين من الالتزام ثم يثبت عليه، ويكون مقداراً ضعيفاً وهشاً من الالتزام، وبانتشار هذه الظاهرة أصبحت هناك غثائية في الالتزام، فكثرت الأعداد بدون نتائج، فما رأيكم في الأسباب التي أدت إلى ذلك، والعلاج؟ الواقع أن الصحوة ولله الحمد انتشرت في هذه البلاد وفي غيرها؛ لكن الصحوة يصحبها اندفاع قوي توجبه العاطفة الدينية، ثم يندفع الإنسان إلى أن يصل إلى القمة ثم يرجع، والأمور تحتاج إلى تَمَهُّل؛ لأن الاندفاع الشديد كجر الحبل بقوة، يوشك أن ينقطع؛ لكن بالتأني والتروِّي يستقيم الإنسان. فالصحوة هذه -في الحقيقة- تحتاج إلى قيادة رشيدة عندها علم بشريعة الله، وعندها حكمة في معالجة الأوضاع والتوجيه السليم. وبالإمكان أن يرجع الشباب في كل بلد إلى من تتوفر فيه هذه الشروط: الأول: العلم بالشرع. الثاني: الرشد في التصرف. الثالث: الحكمة. فإذا حصل هذا كان طيباً. ثم أيضاًَ ينبغي على رؤساء الشباب في كل بلد فيه الصحوة أن يكون لهم اجتماعٌ، وتَدارُسٌ في الأمور، إما في مكة، عن طريق أخذ العمرة، وإما في المدينة، وإما في أي بلد شاءوا؛ لكن أسهل شيء وأحسن شيء في مكة والمدينة؛ لأجل أن يتدارسوا أحوال الشباب، ويوجهوهم التوجيه السليم، حتى لا يتفرقوا هنا وهناك. ثم إن هذا الفتور الذي يعتري الإنسان بعض الأحيان أمرٌ معهود حتى في عهد الصحابة ﵃، فقد كان النبي ﷺ يعظهم ويتكلم معهم حتى يكونوا كأنهم يرون الآخرة رأي العين، فإذا ذهبوا إلى أهليهم وعافسوا النساء والأولاد حصلت منهم الغفلة، فشكوا ذلك إلى الرسول ﷺ فقال لهم: (ساعة وساعة) . فالإيمان في القلوب كأمواج البحر، أحياناً يهدأ وأحياناً يموج، والشيطان أيضاً عدوٌ مترصِّد، كما قال الله عنه أنه قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٦-١٧] ، وعجز أن يقول: ومِن فوقهم؛ لأن مِن فوقهم الله ، فهو يهاجم كلما وَجَدَ فرصةً للهجوم. والعجيب أنه يهجم على وَجْهٍ قد لا يشعر به الإنسان، فإذا رأى في الإنسان تمسكاً بالدين هَجَم عليه من جهة الغُلُو، أو من جهة الوسواس، حتى يحصل به هذا المرض ولا يفعل العبادات، فبعض الناس من شدة ما يرى من الوسواس يصير لا يصلي نسأل الله العافية ويعجز، ويكاد أن يغمى عليه ويموت إذا أراد الصلاة، وإذا رأى الشيطانُ في الإنسان تهاوناً خَذَّله زيادةً حتى ينسلخ من الدين وهو لا يشعر. وخلاصة القول: أني أرى في هذه الصحوة أن تكون مبنية على أساس من العلم بالشرع، ومن العلم بالتصرُّف، وكيف يتصرف الإنسان؛ لأن لكل مقامٍ مقال. انظر هذا المثال: لو أن ابنك فعل معصية، وشيخُك فعل معصية، هل تنكر على شيخك كما تنكر على ابنك؟! الجواب: لا. فابنُك تصيح به، وتوبِّخه، وتضربه، ولا تبالي. لكن هل شيخك مثلاً تصيح به أو توبخه؟! أبداً. بل تأتيه بلطف، وتقول: فعلتَ كذا وكذا، وكنتُ أحسب أنه حرام. هكذا تقول، فلن تقول: فعلتَ كذا وكذا، وعصيتَ الله، اتقِ الله، وإن كان هذا حقاً. ولا مانع من أن يقول الإنسان لأتقى الناس: اتقِ الله، فها هو الرب يقول للرسول ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] في أول سورة الأحزاب، وفي أثنائها يقول: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] ؛ لكن لكل مقام مقال. فإذا رأيت مثلاً من شيخك معصية فَعَلَها ابنُك الذي وبَّختَه وضربتَه فلا يمكن لك أن تعامل شيخَك بمثل هذه المعاملة، بل تعامله باللطف واللين الذي يحصل به المقصود. كذلك مما أشرتُ إليه: أنه ينبغي أن يتخذ الشباب في كل بلد شخصاً يقتدون به، ويَسْتَقون منهاجهم منه، ويكون هذا الشخص على جانب كبير من العلم ومن الرشد في التصرف. ثم إن هؤلاء الذين اختيروا لقيادة الشباب يكون لديهم اجتماعات للبحث والنظر في أمر الشباب حتى يُصلحوا ما اعوجَّ منهم؛ لأن بعض الشباب تكون عنده عاطفة قوية قوية جداًَ حتى لو كان أمامه باب لَكَسَره، وحتى أنه ربما يأتي إلى شخص يسأله عن مسألة، وإذا أفتاه بغير ما يشتهي قال: أنت مبتدع، أنت لا تعرف، ثم يهجره. فهذا ليس بصحيح، بل الواجب على الشاب أن يكون عنده أدب، وإذا أُفتي بغير ما يراه يُناقش. والواجب على العلماء الذين يفتون الشباب أن يقدروا ظرف الشاب، وأن يخاطبوه بما يجذب محبته إليهم، وأن يبينوا له بالهدوء، والشاب الذي عنده صحوة دينية يكفيه أن تقول له: قال الله، وقال رسوله، والشاب الذي دون ذلك يحتاج مع قول الله ورسوله إلى دليل آخر من العقل، وهو الدليل العقلي، حتى إن بعض الناس الآن من الشباب لا يستفيد بالقرآن والسنة، بل يستفيد بالعقل، وإن كان هذا خطأ لا شك فيه؛ لكني أقول: لا بد أن تُطَعَّم الأدلة الشرعية مع ناقص الإيمان بدليل من العقل ليقتنع، ولهذا تجدون القرآن مملوءاً بالأدلة العقلية؛ لأنه يخاطب قوماً ليس عندهم من الدين ما يحملهم على قبول الحق من الكتاب والسنة؛ ولكن إذا كان عند الإنسان دين كفاه ما في الكتاب والسنة، قالت امرأة لـ عائشة ﵂: [ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟] الحائض لا تصوم ولا تصلي؛ ولكن يجب عليها أن تقضي الصوم ولا يجب أن تقضي الصلاة، فتقول: ما بالها؟! لماذا؟! ما الفرق؟! كلها فريضة، كلها من أركان الإسلام، ماذا قالت عائشة؟! قالت: [كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة] فاستدلت لها بالشرع؛ نؤمر بهذا ولا نؤمر بهذا، وما دمنا لم نؤمر فالذمة بريئة. لكن هل هذا يكفي لمن كان ناقص الإيمان؟ الجواب: لا. فهذه تريد الدليل العقلي. قال العلماء في تعليل ذلك عقلياً: لأن الصوم لا يتكرر، فهو يأتي في السَّنَة مرة، أما الصلاة فتتكرر، فمن حين أن تطهُر المرأة تجدها شارعة في الصلاة، فهذا يعوِّض هذا، فلا تُقْضَى الصلاة، والصوم يُقضى، وهذا تعليل واضح.

стр. 1954

ضابط هجر الرجل لزوجته ما هو الضابط الشرعي في نظركم في هجر الرجل لزوجته أكثر من ستة أشهر، علماً بأنها مقيمة معه في البيت؟ الشيخ: الهجر في الكلام أو في الفراش؟ السائل: في الكلام والفراش. أما في الكلام فلا يجوز لأحد أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاثة أيام مهما كان، سواءً كان زوجةً أو قريباً، أو صاحباً، أو رجل شارع، لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، حتى وإن كان صاحب معصية، لا يجوز أن يُهْجَر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيُعْرِض هذا ويُعْرِض هذا، وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام) ؛ لكن إذا نصحت صاحب المعصية ولم ينتصح، وكان في هجره فائدة بحيث يتوب فإن هجره حينئذ واجباً. فالهجر إذاً دواء؛ متى كان مفيداً فليُتَقَدَّم إليه، وما لم يكن مفيداً فلا. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ هَجَرَ كعب بن مالك وصاحبَيه: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع؟ فالجواب: بلى. هَجَرَهم؛ لكن هل أفاد هَجْرُهُم؟ نعم. أفاد فائدة عظيمة، قال الله ﵎: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] ، كل هذا يدل على أن الرجال تأثروا، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨] . فالحاصل أن الهجر في الكلام لا يجوز. أما هجر المرأة في فراشها فقد بيَّنه الله في القرآن أكبر بيان، فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] ولم يقل اللهُ: واهجروهنَّ في الكلام ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٣٤] وقمنَ بما يجب، ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] ، وإذا كنتم أعلى منهن درجة فاذكروا عُلُوَّ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤] ، هذا هو الطريق. فلا يحل له أن يهجرها في الفراش ستة أشهر، ولا أربعة أشهر، ولا أقل من ذلك، إلا إذا بدر منها نشوزٌ لم تتُب إلا بذلك.

стр. 1955

ضابط العاطفة وكيفية توجيه الإنسان العاطفي فضيلة الشيخ! هل العاطفة عائقٌ من عوائق الاستقامة؟ ثم كيف نوجه الشخص العاطفي للاستفادة من عاطفته القوية فيما ينفعه؟ لا بد لكل شيء من عاطفة، فلو ماتت العاطفة ما صار الإنسان إنساناً، فالعاطفة تحمل الإنسان على التقدم، فلا بد منها؛ لكن تحتاج إلى ضبط وميزان، فمثلاً: إذا كان الإنسان -مثلاً- لم يرض عن المجتمع ولا على الحُكَّام، وعنده انفعالات كبيرة، نقول له: اصبر. أنت عندك هذه الغيرة، وعندك هذه العاطفة، فهل كان ذلك حباً للانتقام، أو حباً لإقامة الشريعة؟! الجواب: إن كان حباً للانتقام فهو هالك، وإن كان حباً لإقامة الشريعة قلنا: تعال. ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، انظر إلى هذه القرون الثلاثة المفضلة كيف كانت تعامل الحكام، مع أنه كان في حكامها في ذلك الوقت من بعد الخلفاء الراشدين ما يُنكر، ومع ذلك كانوا يعاملون الولاة بما يقتضي السمع والطاعة كما أمر بذلك النبي ﵊، حتى إن الرسول ﵊ أخبر بأن الولاة أو الخلفاء والأمراء إذا أخروا الصلاة عن وقتها فإنَّا نقوم نحن بما أوجب الله علينا، ونصلي الصلاة في وقتها، ونتركهم؛ لكن إذا أدركتنا الصلاة معهم صلينا، فنحن نصلي في الوقت، وهم إذا أخروا وأدركنا الصلاة معهم صلينا، وكانت لنا نافلة. وبيِّن له معاملة الإمام أحمد ﵀ للمأمون، وغير المأمون ممن ابتلوه وآذوه. ونقول له: انظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أوذي مِن قِبَل الحكام، وانظر إلى كتاباته إليهم، وتلطفه معهم. وبيِّن له أن هذا هو هدي السلف. وهنا في ظني إذا كانت عاطفته لله فسوف تهدأ هذه العاطفة، أما إذا كان لحب الانتقام، فهذا هالك بلا شك.

стр. 1956

حكم رفع السبابة بين السجدتين في الصلاة فضيلة الشيخ! غفر الله لك! ما رأيك في رفع السبابة حال الدعاء الذي يقال في الجلسة التي بين السجدتين في الصلاة؟ الذي أرى أنه سنة، ولي في ذلك سلف وهم الأدلة: منها: حديث وائل بن حُجْر في مسند الإمام أحمد، الذي قال عنه الساعاتي في الفتح الرباني: إن سنده جيد، وقال عنه الأرنؤوط في زاد المعاد: إنه صحيح، وفيه: التصريح بأن وضع اليد اليمنى بين السجدتين كوضعها في التشهد، سواءً بسواء. ولي سلف آخر -ومعلومٌ أن السلف الأول هم القدوة، وهو: الرسول ﵊ هذا السلف هو: ابن القيم في زاد المعاد، فقد صرَّح بذلك أيضاً؛ أن وضع اليدين بين السجدتين كوضعهما في التشهدين. والمستَنَد أيضاً: أن يقال: ائتوا بحديث، أو بحرف من حديث يدل على أن اليد اليمنى تُبسَط على الفخذ كما تُبسَط اليُسرى. لن تجدوا إلى ذلك سبيلاً، بمعنى: أنه لا يوجد حرفٌ واحد في الحديث يقول: وكان النبي ﷺ يبسط اليمنى على فخذه. أما اليُسرى فالسنة في هذا صريحة أنها تُبسط على الفخذ، أو تُلْقَم الركبة، كل ذلك جائز، وهما صفتان. لكن يبقى النظر: متى نشير بإصبع اليد اليمنى؟ هل نجعلها دائماً هكذا أم ماذا؟! الذي فهمتُ من السنة: أنه يُشار بها عند الدعاء، يحركها الإنسان إلى فوق كلما دعا، والمناسبة في ذلك أن الدعاء مُوَجَّه إلى الله ، والإشارة إلى العلو إشارة إلى الله . هذا ما تبين لي في هذه المسألة.

стр. 1957

معنى حديث: (خلق الله آدم على صورته) فضيلة الشيخ! جزاك الله خيراً! ما معنى حديثِ النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) ؟ وما معنى حديثٍ: (وما ترددتُ في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن) ؟ أما الأول بارك الله فيك (إن الله خلق آدم على صورته) فقد قيل فيه أقوال لا تُقْبَل، مثل: إن الله خلق آدم على صورة آدم، وجعل الضمير عائداًَ إلى آدم نفسه؛ فيبقى هذا الحديث لا فائدة منه، فإذا كان المعنى: إن الله خلق آدم على صورة آدم فما هي الفائدة؟ فنقول: وخلق غير آدم على صورته أيضاً. أليس كذلك؟ لكن الصحيح المتعين: أن الضمير في (صورته) يعود إلى الله ؛ ولكن هل يلزم من كون الله خلق آدم على صورته أن يكون مماثلاً له؟! الجواب: لا. أولاً: لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فنحن نؤمن بأن الله ليس كمثله شيء، ونؤمن بأن الله خلق آدم على صورته. لأن الأول قول الله، والثاني قول رسول الله ﷺ ، وكلاهما يجب علينا الإيمان بهما والتصديق. فإذا قال قائل: كيف يُتَصَوَّر أن يكون الشيء على صورة الشيء وليس مماثلاً له؟! وهذا هو الذي يَرِد على النفس! نقول: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن (أول زمرة تدخل الجنة تكون على صورة القمر ليلة البدر) ، وهل يلزم من كون هذه الزمرة على صورة القمر أن تكون مثل القمر؟! الجواب: لا. إذاً لا يلزم من كون الله خلق آدم على صورته أن يكون مماثلاً له . هذا قول، وهو قولٌ ظاهر، وليس فيه تأويل، ولا خروج عن ظاهر اللفظ. والقول الثاني: أن الضمير في (صورته) يعود على الله؛ لكن هذا من باب إضافة الشيء إلى الله على وجه التكريم والتشريف مثل: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس:١٣] في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس:١٣] ، فهل لله ناقة يركبها مثلاً؟! حاشا وكلا! لكن أضاف الرسولُ الناقةَ إلى الله من باب التشريف. كذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٤] المساجد هي للناس يصلون فيها! فهل الله يكون في هذه المساجد؟! لا. بل الله تعالى في السماء على عرشه؛ لكن أضاف الله المساجد إليه؛ لأنها محل عبادته، وأهل للتشريف والتكريم. نعود إلى روح آدم فنقول: الله قال للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] ، فهل روح آدم هي روح الله؟! لا. أبداً. بل روح آدم روحٌ مخلوقة خلقها الله؛ لكن أضافها الله إليه على سبيل التشريف. فقوله: (على صورته) يعني: على الصورة التي صورها الله ، وأضافها الله على سبيل التشريف. فإذا قال قائل: وصورة الرجل الآدمي، أليس الله هو الذي صوَّرها؟! قلنا: بلى. الله هو الذي صوَّرها؛ لكن لا تستحق أن تضاف إلى الله، فأشرف ما خلق الله هم بنو آدم، قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] ، لا يوجد أحدٌ أحسن خَلْقاً من الخَلْق الإنساني. إذاً: تكون صورة آدم ليست كصورة غيره من البشر، ولهذا استحقت أن تضاف إلى الرب تشريفاً وتكريماً. فصار الحديث له معنيان: المعنى الأول: إجراؤه على ظاهره، وأن نقول: لا يلزم من كون الله خلق آدم على صورته أن يكون مماثلاً لله. المعنى الثاني: أن يقال: (على صورته) بمعنى: أن الله خلق آدم على الصورة التي اختارها وأضافها إليه على سبيل التشريف، ولهذا قال: لا يُقبَّح الوجه ولا يُضرب فتتغير هذه الصورة التي خلقها الله . أما السؤال الثاني فهو قوله في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعلة ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره إساءته، ولا بد له منه) . إن الله لا يحب أن يفعل شيئاًَ يكرهه عبده المؤمن، بل قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنتُه بالحرب) ، أيْ: أنَّ أيَّ إنسان يعادي ولياً من أولياء الله -وأولياء الله هم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]- فإنه يكون معلناً الحرب على الله . فلا يحب الله أن يفعل ما يكرهه عبدُه المؤمن، فيتردد لا للشك في كون هذا مصلحة أو غير مصلحة؛ أي: ليس عن جهل؛ لكن يتردد من جهة ما يتعلق بالعبد، هل يفعله والعبد يكره ذلك، أم لا يفعله. وبهذا نعرف أن التردد نوعان: تردد للشك في النتيجة، وهذا مُنَزَّه عنه الله ؛ لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وهو يقع مني أنا ومن فلان وفلان، نتردد في فعل الشيء لأننا نجهل النتيجة، ولهذا نستخير الله. تردد بما يتعلق بالغيب مع العلم بالنتيجة، وهذا يوصف الله به، وليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه.

стр. 1958

حكم جماع المرأة بعد انقطاع الدم بفترة بسيطة فضيلة الشيخ! إذا جامع الرجل زوجته بعد انقطاع مدة الحيض بفترة بسيطة، مثل: أن ينقطع الحيض في الصباح، وجامعها في الظهر، وبعد انتهاء الجماع خرج مع الذكر نوعٌ من الدم، فما الحكم في ذلك؟ الشيخ: هل اغتسلت أم لا؟ السائل: اغتسلت. ليس عليه شيء، وهذا الذي خرج ليس بحيض.

стр. 1959

مسألة من يشق عليه العدل بين زوجاته لعمل ونحوه فضيلة الشيخ! رجل له زوجتان، وكل واحدة منهما في مكان يبعد عن الأخرى، فلا يتسنى له العدل في المبيت، مع العلم أن مقر عمله وتجارته عند إحدى الزوجتين، مما يُحَتِّم عليه أن يقضي وقتاً أطول عندها دون الأخرى، فهل هذا الزوج آثمٌ في هذه الحالة أم لا؟ يُنْظَر هل الزوجتان راضيتان على هذا الوضع أم لا؟ إن كانتا راضيتين فالأمر واضح؛ لأن الحق لهما، فإذا رضيتا بما يفعل الزوج فلا إشكال. فإن طالبت كل واحدة بحقها فيجب عليه تصحيح الوضع، فإذا بات عند إحداهما ستة أيام فيجب أن يبيت عند الأخرى أيضاً ستة أيام إذا كان يشق عليه التردد كل يوم، أو بما يتفقان عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1960

لقاء الباب المفتوح [٦٧] ذكر الشيخ في لقائه هذا تفسيراً لآيات من سورة الفجر، وذكر فيها تغير الأرض يوم القيامة ومجيء الله للفصل بين العباد، ورد على المخالفين في ذلك، وبين ما ينبغي للإنسان تجاه صفات الله من أن يلزم ما لزمه السلف الصالح، ثم أجاب فضيلته على الأسئلة والتي كان من أهمها: نزول الله في الثلث الأخير من الليل، والتفويض في كيفية الصفات، وكذلك حكم موالاة الكافرين.

стр. 1961

تفسير آيات من سورة الفجر الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأخير في شهر صفر عام (١٤١٥هـ) من اللقاء المعروف بـ (لقاء الباب المفتوح) ، والذي يكون كل يوم خميس من كل أسبوع. وهذا اليوم هو اليوم (السابع والعشرون) من شهر صفر. وكان من عادتنا أن نتكلم عن تفسير شيء من آيات الله، وقد انتهينا إلى قوله ﵎: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر:٢١] * ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] * ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] .

стр. 1962

تفسير قوله تعالى: (كلاّ إذا دُكت الأرض دكاً دكاً) يُذَكِّر اللهُ الناس َبيوم القيامة: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر:٢١] أي: دكاً بعد دك حتى لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، فتُدَكُّ الجبال، فلا بناء، ولا أشجار، وتُمَدُّ الأرض كَمَدِّ الأديم، فيسعى الناس عليها في مكان واحد، يُسْمِعُهُم الداعي، ويَنْفُذُهُم البصر، في هذا اليوم ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣-٢٤] ولكن قد فات الأوان، إلَاّ أننا اليوم لازلنا في مجال العمل، وفي زمن المهلة، يمكن للإنسان خلال ذلك أن يكتسب لمستقره كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] متاعٌ يتمتع به الإنسان كما يتمتع المسافر بمتاع السفر حتى ينتهي سفره، فهكذا الدنيا. واعتبر -يا أخي- لما يُسْتَقْبَل بما مضى، كل ما مضى كأنه ساعة من نهار، كأننا خلقنا الآن، فكذلك ما يُسْتَقْبَل سوف يمر علينا سريعاً، وينتهي السفر إلى مكان آخر ليس مُسْتَقَرَّاً؛ إلى الأجداث إلى القبور، ومع هذا فإنها ليست محل استقرار؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] . سمع أعرابي رجلاً يقرأ هذه الآية فقال: (والله ما الزائر بمقيم، ولا بد من مفارقةٍ لهذا المكان، وهذا استنباط قوي وفهم جيد، تؤيده الآيات الكثيرة الصريحة في ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥-١٦] .

стр. 1963

تفسير قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفاً صفاً) ذكَّر الله ما يكون في هذا اليوم فقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] أي: صفاً بعد صف. فالأمر الأول: مجيء الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وهذا المجيء هو مجيئُه ؛ لأن الفعل أُسنِد إلى الله، وكل فعل أسند إلى الله فهو قائم به لا بغيره، هذه هي القاعدة في اللغة العربية، والقاعدة في أسماء الله وصفاته: كل ما أسنده الله لنفسه فهو له لا لغيره. وعلى هذا فالذي يأتي هو الله ، وليس كما حرفه أهل التعطيل، حيث قالوا: إنه جاء أمر الله، وهذا إخراجٌ للكلام عن ظاهره بلا دليل. فنحن من عقيدتنا أن نجري كلام الله ورسوله على ظاهره، وأن لا نحرف فيه، ونقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة هو بنفسه؛ ولكن كيفية هذا المجيء؟ هذا هو الذي لا علم لنا به، فلا ندري كيف يجيء. والسؤال عن مثل هذا بدعة، كما قال الإمام مالك ﵀ حين سأله سائل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟! فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضاء -أي: العرق- لشدة هذا السؤال على قلبه؛ لأنه سؤالٌ عظيم، سؤالُ متنطِّع، سؤالُ متعنِّتٍ أو مبتدعٍ يريد السوء، ثم رفع رأسه، وقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. والشاهد هو قوله: والسؤال عنه بدعة واعتَبِرْ هذا في جميع صفات الله. فلو سألَنا سائل فقال: إن الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: آدم، كيف خلقه بيده؟! نقول: هذا السؤال بدعة. فلو قال: أنا أريد العلم، ولا أحب أن يخفى علي شيء من صفات ربي، فأريد أن أعلم كيف خَلَقَه! نقول: نحن نسألك أسئلة سهلة. السؤال الأول: هل أنت أحرص على العلم من الصحابة ﵃؟! فهو إما أن يقول: نعم. وإما أن يقول: لا. والمتوقع أن يقول: لا. السؤال الثاني: هل الذي سألته أعلم بكيفية صفات الله أم الرسول ﵊؟! سيقول: الرسول ﷺ . إذاً: الصحابة أحرص منك على العلم، والمسئول الذي وجَّهوا إليه السؤال أعلم من الذي تسأله أنت، ومع ذلك ما سألوه؛ لأنهم يلتزمون الأدب مع الله ، ويقولون بقلوبهم وربما بألسنتهم: إن الله أجل وأعظم من أن تحيط أفهامُنا وعقولُنا بكيفيات صفاته، وقال الله في كتابه في الأمور المعقولة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] وفي الأمور المحسوسة: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] . فنقول: يا أخي! الزم الأدب، لا تسأل كيف خلق الله آدم بيده، فإن هذا بدعة. وكذلك الحال في بقية الصفات، فلو سأل: كيف عين الله ؟! قلنا له: هذا بدعة. ولو سأل: كيف يد الله ؟ قلنا له: هذا بدعة. وعليك أن تلزم الأدب، وأن لا تسأل عن كيفية صفات الله وكل إنسان يسأل عن كيفية صفات الله فهو مبتدع، متنطِّع، سائلٌ عما لا يمكن الوصول إليه. فموقفنا من مثل هذه الآية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أن نؤمن بأن الله يجيء؛ لكن على أي كيفية؟ الله أعلم. ولو قال قائل: هل يحتمل أن يكون مجيئُه كمجيء الإنسان العادي، أو كمجيء الملِك إلى مكان الاحتفال؟! نحن نعلم أنه لا يكون، والدليل: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنحن نعلم النفي، ولا نعلم الإثبات، أي: نعلم أنه لا يمكن أن يأتي على كيفية إتيان البشر؛ ولكننا لا نثبت الكيفية، وهذا هو الواجب علينا. الأمر الثاني: صفوف الملائكة: قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ (أل) هنا: للعموم، أي: جميع الملائكة يأتون فينزلون ويحيطون بالخلق، تنزل ملائكة السماء الدنيا، ثم ملائكة السماء الثانية، وهلم جراً، يحيطون بالخلق إظهاراً للعظمة، وإلا فإن الخلق لا يمكن أن يفروا يميناً ولا شمالاً؛ لكن إظهاراً لعظمة الله وتهويلاً لهذا اليوم العظيم تنزل الملائكة فيحيطون بالخلق. وهذا اليوم يوم مشهود، يشهده الملائكة والإنس والجن والحشرات وكل شيء، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] فهو يوم عظيم لا ندركه الآن ولا نتصوره؛ لأنه أعظم مِمَّا يُتَصَوَّر. فبعد أن عرفنا الأمر الأول، وهو: مجيء الله تعالى. ثم الأمر الثاني، وهو: صفوف الملائكة. نعرف الأمر الثالث هذا اليوم، وهو: المجيء بجهنم:

стр. 1964

تفسير قوله تعالى: (وجيء يومئذٍ بجهنم) قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] فقال: (جيء يومئذ) ولم يذكر (الجائي) ؛ لكن قد دلت السنة أنه يؤتى بالنار، تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام منها يقوده سبعون ألف مَلَك، وما أدراك ما قوة الملائكة! قوة ليست كقوة البشر، ولا كقوة الجن، بل هي أعظم وأعظم بكثير، ولهذا لما قال عفريت من الجن لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ [النمل:٣٩] أي: بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٣٩-٤٠] بعد ذلك رآه مستقراً عنده، قال العلماء: لأن هذا الرجل دعا الله فحَمَلَتْه الملائكة، فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن. فقوة الملائكة عظيمة، وهذه النار يجرها سبعون ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك. إذاً: هي عظيمة نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها. فهذه النار ﴿إِذَا رَأَتْهُم﴾ [الفرقان:١٢] أي: إذا رأت أهلها ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] وزفيرها ليس كزفير الطائرات، أو المعدات، بل هو زفير تنخلع منه القلوب والعياذ بالله. وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] . وقال الله : ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨] تكاد تقطع من شدة الغيظ على أهلها والعياذ بالله، فلهذا أنذرنا الله تعالى منها. فهذه ثلاثة أمور كلها إنذار: ١- مجيء الرب ﷻ . ٢- صفوف الملائكة. ٣- الإتيان بجهنم. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] يتذكر ويتعظ؛ لكن أنَّى له الاتعاظ، فقد فات الأوان، وانقطع الاتعاظ بحضور الأجل في الدنيا قبل أن يصل الإنسان إلى الآخرة، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨] . فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتعظين بآياته، ونسأله تعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً واسعاً.

стр. 1965

الأسئلة
следующие страницы →