Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
تفسير آيات من سورة الفجر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأخير في شهر صفر عام (١٤١٥هـ) من اللقاء المعروف بـ (لقاء الباب المفتوح) ، والذي يكون كل يوم خميس من كل أسبوع.
وهذا اليوم هو اليوم (السابع والعشرون) من شهر صفر.
وكان من عادتنا أن نتكلم عن تفسير شيء من آيات الله، وقد انتهينا إلى قوله ﵎: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر:٢١] * ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] * ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] .
стр. 1962
تفسير قوله تعالى: (كلاّ إذا دُكت الأرض دكاً دكاً)
يُذَكِّر اللهُ الناس َبيوم القيامة: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر:٢١] أي: دكاً بعد دك حتى لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، فتُدَكُّ الجبال، فلا بناء، ولا أشجار، وتُمَدُّ الأرض كَمَدِّ الأديم، فيسعى الناس عليها في مكان واحد، يُسْمِعُهُم الداعي، ويَنْفُذُهُم البصر، في هذا اليوم ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣-٢٤] ولكن قد فات الأوان، إلَاّ أننا اليوم لازلنا في مجال العمل، وفي زمن المهلة، يمكن للإنسان خلال ذلك أن يكتسب لمستقره كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] متاعٌ يتمتع به الإنسان كما يتمتع المسافر بمتاع السفر حتى ينتهي سفره، فهكذا الدنيا.
واعتبر -يا أخي- لما يُسْتَقْبَل بما مضى، كل ما مضى كأنه ساعة من نهار، كأننا خلقنا الآن، فكذلك ما يُسْتَقْبَل سوف يمر علينا سريعاً، وينتهي السفر إلى مكان آخر ليس مُسْتَقَرَّاً؛ إلى الأجداث إلى القبور، ومع هذا فإنها ليست محل استقرار؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] .
سمع أعرابي رجلاً يقرأ هذه الآية فقال: (والله ما الزائر بمقيم، ولا بد من مفارقةٍ لهذا المكان، وهذا استنباط قوي وفهم جيد، تؤيده الآيات الكثيرة الصريحة في ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥-١٦] .
стр. 1963
تفسير قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفاً صفاً)
ذكَّر الله ما يكون في هذا اليوم فقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] أي: صفاً بعد صف.
فالأمر الأول: مجيء الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وهذا المجيء هو مجيئُه ؛ لأن الفعل أُسنِد إلى الله، وكل فعل أسند إلى الله فهو قائم به لا بغيره، هذه هي القاعدة في اللغة العربية، والقاعدة في أسماء الله وصفاته: كل ما أسنده الله لنفسه فهو له لا لغيره.
وعلى هذا فالذي يأتي هو الله ، وليس كما حرفه أهل التعطيل، حيث قالوا: إنه جاء أمر الله، وهذا إخراجٌ للكلام عن ظاهره بلا دليل.
فنحن من عقيدتنا أن نجري كلام الله ورسوله على ظاهره، وأن لا نحرف فيه، ونقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة هو بنفسه؛ ولكن كيفية هذا المجيء؟ هذا هو الذي لا علم لنا به، فلا ندري كيف يجيء.
والسؤال عن مثل هذا بدعة، كما قال الإمام مالك ﵀ حين سأله سائل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟! فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضاء -أي: العرق- لشدة هذا السؤال على قلبه؛ لأنه سؤالٌ عظيم، سؤالُ متنطِّع، سؤالُ متعنِّتٍ أو مبتدعٍ يريد السوء، ثم رفع رأسه، وقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
والشاهد هو قوله: والسؤال عنه بدعة واعتَبِرْ هذا في جميع صفات الله.
فلو سألَنا سائل فقال: إن الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: آدم، كيف خلقه بيده؟! نقول: هذا السؤال بدعة.
فلو قال: أنا أريد العلم، ولا أحب أن يخفى علي شيء من صفات ربي، فأريد أن أعلم كيف خَلَقَه! نقول: نحن نسألك أسئلة سهلة.
السؤال الأول: هل أنت أحرص على العلم من الصحابة ﵃؟! فهو إما أن يقول: نعم.
وإما أن يقول: لا.
والمتوقع أن يقول: لا.
السؤال الثاني: هل الذي سألته أعلم بكيفية صفات الله أم الرسول ﵊؟! سيقول: الرسول ﷺ .
إذاً: الصحابة أحرص منك على العلم، والمسئول الذي وجَّهوا إليه السؤال أعلم من الذي تسأله أنت، ومع ذلك ما سألوه؛ لأنهم يلتزمون الأدب مع الله ، ويقولون بقلوبهم وربما بألسنتهم: إن الله أجل وأعظم من أن تحيط أفهامُنا وعقولُنا بكيفيات صفاته، وقال الله في كتابه في الأمور المعقولة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] وفي الأمور المحسوسة: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
فنقول: يا أخي! الزم الأدب، لا تسأل كيف خلق الله آدم بيده، فإن هذا بدعة.
وكذلك الحال في بقية الصفات، فلو سأل: كيف عين الله ؟! قلنا له: هذا بدعة.
ولو سأل: كيف يد الله ؟ قلنا له: هذا بدعة.
وعليك أن تلزم الأدب، وأن لا تسأل عن كيفية صفات الله وكل إنسان يسأل عن كيفية صفات الله فهو مبتدع، متنطِّع، سائلٌ عما لا يمكن الوصول إليه.
فموقفنا من مثل هذه الآية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أن نؤمن بأن الله يجيء؛ لكن على أي كيفية؟ الله أعلم.
ولو قال قائل: هل يحتمل أن يكون مجيئُه كمجيء الإنسان العادي، أو كمجيء الملِك إلى مكان الاحتفال؟!
نحن نعلم أنه لا يكون، والدليل: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنحن نعلم النفي، ولا نعلم الإثبات، أي: نعلم أنه لا يمكن أن يأتي على كيفية إتيان البشر؛ ولكننا لا نثبت الكيفية، وهذا هو الواجب علينا.
الأمر الثاني: صفوف الملائكة: قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ (أل) هنا: للعموم، أي: جميع الملائكة يأتون فينزلون ويحيطون بالخلق، تنزل ملائكة السماء الدنيا، ثم ملائكة السماء الثانية، وهلم جراً، يحيطون بالخلق إظهاراً للعظمة، وإلا فإن الخلق لا يمكن أن يفروا يميناً ولا شمالاً؛ لكن إظهاراً لعظمة الله وتهويلاً لهذا اليوم العظيم تنزل الملائكة فيحيطون بالخلق.
وهذا اليوم يوم مشهود، يشهده الملائكة والإنس والجن والحشرات وكل شيء، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] فهو يوم عظيم لا ندركه الآن ولا نتصوره؛ لأنه أعظم مِمَّا يُتَصَوَّر.
فبعد أن عرفنا الأمر الأول، وهو: مجيء الله تعالى.
ثم الأمر الثاني، وهو: صفوف الملائكة.
نعرف الأمر الثالث هذا اليوم، وهو: المجيء بجهنم:
стр. 1964
تفسير قوله تعالى: (وجيء يومئذٍ بجهنم)
قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] فقال: (جيء يومئذ) ولم يذكر (الجائي) ؛ لكن قد دلت السنة أنه يؤتى بالنار، تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام منها يقوده سبعون ألف مَلَك، وما أدراك ما قوة الملائكة! قوة ليست كقوة البشر، ولا كقوة الجن، بل هي أعظم وأعظم بكثير، ولهذا لما قال عفريت من الجن لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ [النمل:٣٩] أي: بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٣٩-٤٠] بعد ذلك رآه مستقراً عنده، قال العلماء: لأن هذا الرجل دعا الله فحَمَلَتْه الملائكة، فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن.
فقوة الملائكة عظيمة، وهذه النار يجرها سبعون ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك.
إذاً: هي عظيمة نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها.
فهذه النار ﴿إِذَا رَأَتْهُم﴾ [الفرقان:١٢] أي: إذا رأت أهلها ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] وزفيرها ليس كزفير الطائرات، أو المعدات، بل هو زفير تنخلع منه القلوب والعياذ بالله.
وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] .
وقال الله : ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨] تكاد تقطع من شدة الغيظ على أهلها والعياذ بالله، فلهذا أنذرنا الله تعالى منها.
فهذه ثلاثة أمور كلها إنذار: ١- مجيء الرب ﷻ .
٢- صفوف الملائكة.
٣- الإتيان بجهنم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] يتذكر ويتعظ؛ لكن أنَّى له الاتعاظ، فقد فات الأوان، وانقطع الاتعاظ بحضور الأجل في الدنيا قبل أن يصل الإنسان إلى الآخرة، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨] .
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتعظين بآياته، ونسأله تعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً واسعاً.
стр. 1965
الأسئلة
стр. 1966
حكم تقديم القربات للأموات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فضيلة الشيخ! وفقكم الله ورعاكم! ما حكمُ أخذِ السُّبُع؛ الطواف حول الكعبة عن الميت؟ وهل للسُّبُع ركعتين مثل الطواف؟ ثم الذين يذهبون ويأخذون عمرة وعمرتين مجتمعين، ما حكم فعلهم ذلك؟ أفيدونا وفقكم الله!
أنت جمعتَ ثلاثة أسئلة يا أخي! الأول: طواف الإنسان عن الميت، الصحيح: أنه جائز، وأن الميت ينتفع به، ويصل إليه ثوابه؛ لكن هناك شيء خير منه، وهو الدعاء للميت، فالدعاء للميت أفضل من الاعتمار له، ومن الحج، والطواف، ومن القراءة، ومن الصلاة، ومن الصيام، والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فَعَدَل النبي ﷺ عن العمل إلى الدعاء، مع أن الحديث في العمل، ولم يقل: أو ولد صالح يعمل له.
فنقول: إن فعل الإنسان وطاف حول الكعبة بنية أنه لفلان فلا بأس؛ لكن لو طاف لنفسه ودعا للميت كان أحسن.
وصلاة الركعتين خلف المقام تتبع الطواف، فكلما طاف الإنسان فإنه يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم.
стр. 1967
تقويم الأشخاص في ميزان الإسلام
فضيلة شيخنا! نتوجه إليكم بهذا السؤال وهو: أن من أهل العلم المشهود لهم بالخير والجهاد في الدعوة في هذا العصر فضيلة شيخنا عبد الرحمن بن عبد الخالق حفظه الله تعالى فنرجو من فضيلتكم إبداء ما تعلمونه عن هذا الشيخ؟ وهذا من الأمانة التي في أعناقنا لهذا الشيخ، وجزاك الله خيراً؟
ليس من شأننا في هذا اللقاء أن نتحدث عن شخص بعينه؛ لكننا نقول: أولاً: كل إنسان له قدم صدق في الأمة الإسلامية من أول الأمة إلى آخرها لا شك أنه يُحْمَد على ما قام به من الخير.
وثانياً: كل إنسان مهما بلغ من العلم والتقوى فإنه لا يخلو من زلل، سواءً كان سببه الجهل أو الغفلة، أو غير ذلك؛ لكن المنصف كما قال ابن رجب ﵀ في خطبة كتابه: القواعد: (المنصف من اغتفر قليلَ خطأِ المرء في كثير صوابه) ولا أحد يأخذ الزلات ويغفل عن الحسنات إلا كان شبيهاً بالنساء.
فإن المرأة إذا أحسنت إليها الدهر كله ثم رأت منك سيئة قالت: لَمْ أرَ خيراً قط، ولا أحد من الرجال يحب أن يكون بهذه المثابة -أي: بمثابة الأنثى- يأخذ الزلة الواحدة ويغفل عن الحسنات الكثيرة.
وهذه القاعدة، أي: أننا لا نتكلم عن الأشخاص بأعيانهم، لا في مجالسنا في مقام التدريس، ولا في اللقاءات، ولا فيما يورَد إلينا من الأسئلة، أقول: هذه القاعدة نحن ماشون عليها، ونرجو الله أن يثبتنا عليها؛ لأن الكلام عن الشخص بعينه قد يثير تحزبات وتعصبات، والواجب أن نعلق الأمور بالأوصاف لا بالأشخاص، فنقول: من عمل كذا فيستحق كذا، ومن عمل كذا فيستحق كذا، سواءً كان خيراً أو شراً، ولكن عندما نريد أن نقوِّم الشخص يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ؛ لأن هذا هو الميزان العدل، وعندما نحذر من خطأ شخص نذكر الخطأ فقط؛ لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة أن نذكر المحاسن؛ لأنك إذا ذكرت المحاسن فإن السامع سيبقى متذبذباً، فلكل مقام مقال.
فمن أراد أن يتكلم عن شخص على وجه التقويم فالواجب عليه أن يذكر محاسنه ومساوئه، هذا إذا اقتضت المصلحة ذلك، وإلا فالكف عن مساوئ المسلمين هو الخير.
وأما من أراد أن يُحذِّر من خطأ فهذا يذكر الخطأ، وإذا أمكن أن لا يذكر قائله فهو خير أيضاً؛ لأن المقصود هو هداية الخلق.
стр. 1968
إكرام الكبير وابتداؤه بالشراب في المجلس
فضيلة الشيخ حفظكم الله! إذا دخل الإنسان إلى المجلس وأراد صبَّ القهوة، فبمن يبدأ؟ هل يبدأ باليمين وإن كانوا صغاراً؟ أم بماذا؟
يبدأ بأكبر القوم، ثم يبدأ بمن على يمينه هو، لا بمن على يمين هذا الأكبر، مثلاً: إذا دخل إلى المجلس ووجد في صدر المجلس كبراء، يعمد إلى صدر المجلس فيعطي الأكبر، ثم يبدأ عن يمينه هو، والذي عن يمينه سيكون عن يسار هذا الأكبر؛ لأن التيامن هو الأفضل، فنحن أعطيناه لقول الرسول ﷺ : (كَبِّر كَبِّر) ثم نعطي الأيمن.
أما لو كان الإناء واحداً وأعطيناه للأكبر ففرغ منه، فإنه يعطيه مَن على يمينه ولو كان صغيراً، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 1969
الاستعاذة وموضعها في الصلاة
فضيلة الشيخ! هل الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة تكون في الركعة الأولى؟ أم في كل ركعة؟
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة سنة، واختلف العلماء ﵏: هل يستعيذ في كل ركعة أم في الركعة الأولى فقط؟ في ذلك قولان: والذي يظهر لي: أن قراءتها في الصلاة مرة واحدة، فتكون الاستعاذة في أول ركعة، إلا إن حدث ما يوجب الاستعاذة كما لو انفتح عليه باب الوساوس، فإن الرسول ﷺ أمر الإنسان إذا انفتح عليه باب الوساوس أن يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 1970
وقوف الأطفال في الصف أثناء الصلاة
فضيلة الشيخ! بالنسبة للأطفال الذين لا يحسنون الصلاة، ويتلفتون، أو يركعون ولا يسجدون مع الإمام، هل يجوز إخراجهم من الصف أو يُتركوا؟
الأطفال الصغار إن حصل منهم أذية فإنهم يُخْرَجون؛ لكن يكون إخراجهم ليس بالزجر والصياح عليهم.
إنما بأن يتصلوا بأولياء أمورهم، ويقال: يا فلان، إن ابنك أو أخاك يشوِّش علينا، حتى يكون كفُّه عن المسجد من قِبَل ولي أمره، وأنت تعلم بأنك لو صحت بهذا الصبي انزعج وكره المسجد، وكره الحضور إليه، وربما يكون في قلب وليه شيء عليك؛ لكن إذا أتيت الأمر من بابه صار أحسن، أما إذا كان الصبي لا يحصل منه أذية، لا بقوله ولا بفعله، فإنه لا يجوز إخراجه من المسجد، ولا تحويله من مكانه، ولو كان في مُقَدَّم الصف إلى مكان آخر، بل يبقى في مكانه، ولو كان خلف الإمام؛ لأن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، وقد (نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مكانه ويجلس فيه) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز تحويل الصغار من الصف الأول إلى الصف الثاني، فإن جاء رجال بالغون، حولوهم من الثاني إلى الثالث، وهكذا حتى يكونوا في آخر المسجد، بناءً على قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى) أولو الأحلام أي: البالغين.
والنُّهى أي: العقلاء، ولكن في الاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة نظر، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما قال: (لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى) يريد بذلك حث هؤلاء على التقدم حتى يَلُوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو كان المراد طرد الصغار من الصف الأول وما أشبه ذلك لقال: لا يَلِنِي منكم إلا أولو الأحلام والنهى، فلو كانت عبارة الحديث: لا يَلِنِي إلا أولو الأحلام، لقلنا: هذا نهي عن أن يَلِيه الصغار أو المجانين فيُحوَّلون إلى مكان آخر.
ثم إن تحويل الصغار من الصفوف المقدَّمة حتى يكونوا في آخر صف إن هذا مما يزيد كراهيتهم للمسجد وأهل المسجد، ومما يزيد تشويشهم أيضاً؛ وإذا كانوا صفاً واحداً كَثُر منهم التشويش واللغط، بخلاف ما إذا كانوا بين الناس.
نعم لو فرضنا أنه كان إلى جانبك صبيان، وخشيتَ أن يعبثا فلا بأس أن تفرق بينهما، درءاً لِمَا يُخشى من المفسدة.
стр. 1971
حكم قتل المؤذي من الحيوان
عفا الله عنك يا شيخ! ما حكم قَتْلِ ما آذى من الحيوان كالهر وغيره؟
الحيوانات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: طبيعته الإيذاء:- فهذا يُسَنُّ قتله، سواءً أكان مِمَّا نص عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كالعقرب، والفأرة، والكلب العقور، أو كان مِمَّا سواه ممن يشاركه في علة الحكم وهو الأذية، ولهذا قال العلماء: يُسَنُّ قتل كل مُؤذٍ، فهذا يُقْتَل إذا كان من عادته الأذى، حتى وإن لم يؤذِ؛ لأنه إن لم يؤذِ هذه المرة آذى في المرة الأخرى.
القسم الثاني: ما لا أذية فيه ولا مضرة: فهذا لا يُقَتَل؛ ولكن قتلَه ليس حراماً؛ إلا أن الأولى عدم قتله، فإن آذاك فلك أن تقتله دفعاً لأذاه.
وإنما قلنا: إن الأولى عدم قتله إذا لم يؤذِك؛ لأن الحيوانات والحشرات من حيث ورود الشرع في حقها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- قسم أُمِرَ بقتله.
٢- وقسم نُهِيَ عن قتله.
٣- وقسم سُكِتَ عن قتله.
- فالذي أُمِرَ بقتله، مثل: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والحيَّة، والوزغ، وما أشبه ذلك.
والذي نُهِىَ عن قتله، مثل: النملة، والنحلة، والهدهد.
والذي سُكِتَ عن قتله مثل: بقية الحيوانات والحشرات، فهذه مسكوت عنها، والأولى عدم قتلها؛ لأن قتلها أقل ما فيه أنه إزهاق روح بغير سبب.
ثم إن بعض العلماء قال: إنها ما دامت في حياة فهي تسبح الله ، وإذا ماتت انقطع التسبيح، فقتلك إياها يعني: إتلافها بحيث لا تسبح.
وعلى كل حال، فالحكم أن الأولى عدم قتلها ما لم تؤذِِك، فإن آذتْك فلا بأس أن تقتلها.
стр. 1972
الأسئلة الجانبية لطالب العلم
أحسن الله إليك يا شيخ! بعض طلبة العلم يكثر من الأسئلة بقصد الفائدة؛ ولكن بعضَها يكون فيها بدعة، وبعضَها يكون فيها تَنَطُّع، وكذلك لا فائدة فيها، فهل هناك قاعدة ينطلق منها طالب العلم في الأسئلة حتى يفيد نفسه ويفيد غيره؟
طالب العلم ينبغي أن يركز أسئلته على المقرر؛ لأنه الآن مكلف بفهمه، فلا تخرج الأسئلة عنه، وعليه أن يقتصر عليه.
وإذا كانت هناك مسألة في غير المقرر فليسأل عنها في وقت آخر؛ لأن خروج الأسئلة عن موضوع الدرس -مثلاً- توجِب تشتت الطلبة، وتعيقهم عَمَّا ينبغي أن يكونوا عليه.
هذا هو الضابط.
ولكن هناك أسئلة يطرحها بعض الطلبة وإن كانت في المقرر إلا أنها لا هدف لها، والسكوت عنها أولى؛ ولكن المجيب سيكون عنده حكمة ويبين أن هذا لا فائدة منه، وأنه لا ينبغي أن يُسأل عنه، ويحصل المقصود إن شاء الله.
стр. 1973
الضابط في تسمية الأولاد
فضيلة الشيخ! حفظك الله! في هذا الزمن حصل انفتاح عظيم على الأسماء، فأخذ الناس يسمون ذراريهم بأسماء كثيرة، بعضُها يؤخذ من القرآن الكريم، مثل أسماء السُّوَر، (كأنفال) وغيرها، وبعضُها أسماء قد يكون فيها تشبُّهٌ إلى آخره، فهل هناك ضابط للاسم الذي يكون فيه محظور؟ وما هو الأفضل؟
والله يبدو أن الناس قد انفتحوا على الأسماء، فعدلوا عن الأسماء القديمة، وعن الأسماء الحديثة القريبة إلى أسماء جديدة غريبة، كما قلتَ: بعضُهم صار يسمي بما يختص بالقرآن مثل: (بيان) أو (فرقان) وبعضُهم يسمي: (مَلَك) أو (ملاك) وبعضُهم يسمي (أبرار) إلى غير ذلك.
فما شابه ما نهى عنه الرسول ﵊ أو غَيَّره، فإنه يُنْهى عنه ويُغَيَّر، ومع ذلك فالأصل فيه الحِل؛ لأن القاعدة الشرعية التي ينبغي لطالب العلم أن يفهمها أن (الأصل فيما عدا العبادات الحل) سواء في العادات، أو في المنافع، أو في غيرها، الأصل فيها الحل، إلا ما جاء فيها الدليل على تحريمه، وأما (العبادات فالأصل فيها المنع إلا ما قام الدليل على مشروعيتها) .
لكن مثل: (بيان) نقول: لا تُسَمِّ به؛ لأن بيان من أسماء القرآن، وهذه المرأة ليست بياناً، قد لا تكون مبيِّنة فضلاً عن كونها بياناً.
وكذلك (أبرار) فإذا كان النبي ﷺ غيَّر اسم (برة) إلى (زينب) أو إلى (جويرية) فـ (أبرار) أولى بالتغيير؛ لأن (برة) مؤنث ومفرد، و (أبرار) مذكر وجمع.
وكذلك (إيمان) لا يُسمَّى به.
وكذلك أسماء الملائكة، فلو أراد الإنسان أن يسمي بأسماء الملائكة، قلنا: لا تُسَمِّ بها، مثل أن يسمي الإنسانُ: (جبريل) و (ميكائيل) و (إسرافيل) .
والأحسن أن ترجع إلى كتاب (تحفة الودود في أحكام المولود) لـ ابن القيم، فقد ذكر فيه شيئاً قيِّماً، وأظن أن الشيخ بكر أبو زيد قد ألف رسالة في هذا الموضوع.
السائل: فهل يلزم التغيير؟ الشيخ: الاسم الذي فيه محظور شرعي يلزم فيه التغيير؛ مثل (أبرار) ، كما غيَّر الرسول غيِّر.
стр. 1974
الإنكار على من أنكر المنكر
يا شيخ حفظك الله! ما رأيك في الذي يحتج على رجال الهيئة وهم يذكِّرون الناس بالصلاة فيقول مثلاً: ما لكم وما للناس، الرجلُ مؤتَمَنٌ على دينه؟
صحيحٌ أن المرء مؤتمن على دينه؛ لكن إذا كان يريد أن يخل بدينه فهل نوافقه على ذلك؟! فإذا رأينا أناساً قد فتحوا أبواب دكاكينهم والناس يصلون، فلا بد أن ننهاهم عن هذا، وإذا رأينا من يفعل منكراً لا بد أن ننهاه.
لكن لو أن إنساناً قال لنا: إنه قد صام رمضان، فنحن لا نقول: لا بد أن تصوم أمامنا! لأن الإنسان مؤتَمن على دينه، أو قال: إني أديتُ الزكاة، فإنه مؤتَمن على دينه، فلا نقول: لا بد أن تؤديها ونحن نشاهد! أما أن نشاهد رجلاً يفعل المنكر ويترك الواجب، فإنه لا بد أن نأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر.
стр. 1975
التعصب للآراء والأشخاص
جزاك الله خيراً يا شيخ! ما رأيك في الفتنة الموجودة بين بعض طلبة العلم والمشايخ بالنسبة للشباب، فبعضُهم يتعصب لقول، ويُنكر على الآخر، فما تقول في هذا؟
الذي أرى أن هذا مما يلقيه الشيطان بين الناس بالتحريش بينهم؛ لأن الشيطان لما رأى الفتح في عهد النبي ﵊، وقوة الإسلام، يَئِس من أن يُعْبَد في هذه الجزيرة؛ ولكن بالتحريش بينهم، وهذا هو الواقع.
والذي نرى هو أن الواجب على الشباب وغير الشباب أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، كما أمر الله بذلك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١] وأن لا يكون همهم القيل والقال وكثرة السؤال، بل على كل إنسان أن يرى مصلحته الدينية والدنيوية ويقوم بها، وأما التعرُّض لأناس بأشخاصهم بالقَدْح فيهم وهم ليسوا محلاً للقدح، فهذا خطأ عظيم.
وقد سئل النبي ﷺ عن الغيبة؟ فقال: (ذِكْرُك أخاك بما يَكْرَه، قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه) .
وغيبة العلماء والأمراء أشد من غيبة غيرهم؛ لأن غيبة العلماء يحصل بها انحطاط قدر العالِم بين الناس، وإذا انحط قدر العالِم بين الناس فلن يقبلوا ما يأتي به من شريعة الله، فتكون غيبة العالِم قدحاً فيه، ومنعاً لما ينتفع به الناس مِمَّا يُلْقِيه من شريعة الله .
وغيبة الأمراء -أيضاً- هي الأخرى مصيبتها عظيمة؛ لأن الناس إذا انحط قدر أمرائهم عندهم فإنهم لن ينصاعوا لأوامرهم، وسوف يحتقرونهم، فتحصل الفوضى، ويختل الأمن، ولهذا قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وهذا يشمل العلماء والأمراء، فإذا كان هؤلاء قد أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله فالواجب احترامهم واحترام أعراضهم، وإذا عَلِمنا عن أحد منهم خطئاً أو زللاً فالواجب النصيحة له حتى يزول الإشكال.
المهم أنِّي أنصح الشباب من هذا التفرُّق، وأقول: إياكم والتعصُّب لأحد، بل تعصبوا للحق أينما كان، ولا تكرهوا هذا لأنه ليس على رأي هذا، بل الواجب محبة أهل الخير، وتجنُّب نشر المساوئ.
стр. 1976
كفِّ الكُمِّ في الصلاة
فضيلة الشيخ! ما حكمُ كفِّ الكُمِّ في الصلاة؟
كفُّ الكُمِّ في الصلاة: إن كفَّهُ لأجل الصلاة فإنه يدخل في قوله ﷺ : (ولا أكف شعراً ولا ثوباً) وإن كان قد كَفَّه من قبل لعملٍ قبل أن يدخل في الصلاة، أو كَفَّه لكثرة العرق وما أشبه ذلك فليس بمكروه.
السائل: وإذا كان طويلاً؟ الشيخ: إذا كان طويلاً فلا بأس؛ لكن أشير عليه أن يقطعه إذا كان طويلاً حتى لا يؤذيه، أو يبقى طويلاً فيدخل في الخيلاء.
стр. 1977
صفات شياطين الإنس
حفظك الله يا شيخ! بيَّنت لنا شياطين الجن؛ ولكن شياطين الإنس كيف يتعرف الإنسان عليه، وكيف يميزه من بين الأشخاص؟؟ وكيف يحذر منه؟ وكيف يتعامل معه؟
كل من يأمرك بالسوء والفحشاء وينهاك عن الصلاح والاستقامة فهو شيطان، لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٩١] .
فكل إنسان يأمرك بالفحشاء والمنكر وينهاك عن ذكر الله وعن الصلاة فهذا هو الشيطان.
السائل: وإن كان أحدَ الوالِدَين؟ الشيخ: ولو كان أحدَ والِدَيك! لكن احرص على أن تبادره بالنصيحة، (فَلَأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُر النَّعَم) وعامة الناس قد يأمرون بما يظنونه خيراً وهم لا يعلمون.
стр. 1978
اشتراط البكارة في النكاح
يا شيخ! عفا الله عنك! إذا زالت بكارة المرأة بوطء مشروع أو غير مشروع، فما الحكم الشرعي إذا عَقَدَ رجلٌ عليها في حالتين: الحالة الأولى: إذا اشترط البكارة.
والحالة الثانية: إذا لم يشترط البكارة.
فهل له حق الفسخ أم لا؟
المعروف عند الفقهاء أن الإنسان إذا تزوج امرأة على أنها بكر، ولم يشترط أن تكون بكراً، فإنه لا خيار له، وذلك لأن البكارة قد تزول بعبثٍ المرأة بنفسها أو بقفزة قوية تُمَزِّق البكارة، أو بإكراه على زنا، فما دام هذا الاحتمال وارداً فإنه لا فسخ للرجل إذا وجدها غير بكر.
أما إذا اشترط أن تكون بكراً فإن وجدها غير بكر فله الخيار.
стр. 1979
مسألة النزول مع اختلاف ثلث الليل الآخر
فضيلة الشيخ! حفظكم الله! حديث نزول ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخِر، وذلك في كل ليلة؛ ولكن ثلث الليل يختلف من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، حتى قد يكون كل اليوم فيه فترة الثلث هذه، فهل ذلك يقتضي أن يكون دائماً في النزول؟
أظننا يا أخي لم نقم من مكاننا الذي نهيناكم فيه عن التحدث بمثل هذه الأمور.
فإذا كنتَ في بلد وأنت في ثلث الليل الآخر فآمن بأن الله نزل إلى السماء الدنيا، وإذا كنت في بلد في غير هذا الوقت فلا نزول.
مثلاً: بالنسبة لنا هنا فنحن في قبيل الظهر، وليس فيه نزول؛ لكن إذا جئنا إلى جهات أخرى وهم في ثلث الليل الآخر نقول: ثبت النزول، والله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] في جميع صفاته.
فالسؤال هذا سؤال متنطِّع، يجب على صاحبه أن يؤمن بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، وفي كل مكان، أما أن تقول: يبقى دائماً نازلاً فهذا ليس بصحيح.
فأرى أن تبقي هذه الإجابة في جيبك وألا تخرجها، فمتى كنتَ في ثلث الليل الآخِر فالرب نازل، ومتى كنتَ في غير هذا الوقت فالرب غير نازل وانتهى الموضوع؛ لأن صفات الله ليست كصفات المخلوق، فالآن نحن نؤمن بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ونؤمن بأنه فوق كل شيء، فهل يُتَصَوَّر هذا في المخلوق أن ينزل إلى مكانٍ نازلٍ، وهو فوق كل شيء؟! ومع ذلك نحن نؤمن بأن الله فوق كل شيء، وأنه نازلٌ، وأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا نقول أيضاً: كيف يكون العبد أقرب إلى ربه وهو ساجد، وهو فوق عرشه؟! فنقول: هذا إنما يورد إذا ما تصورنا أن صفات الخالق كصفات المخلوقين.
فنصيحتي لكم -يا إخواننا- أن لا تتعرضوا لمثل هذه الأشياء؛ لأن الله أعظم وأجل من أن تدركه العقول أو الأبصار، (قل: آمنتُ بالله) وقل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وانتهى الموضوع.
فإذا عُرَضَت عليك مثل هذه المسائل؛ لأن هذا يَعْرِض على بعض الناس، فيظن بعقله أن نزول الخالق كنزول المخلوق، فنقول: آمِن بما جاء به النص ولا تتعداه، ولا تورد أسئلة حوله.
стр. 1980
وقت صلاة الضحى
بالنسبة لصلاة الضحى متى ينتهي وقتها، فبعضُهم قد حدَّدها بنصف ساعة قبل أذان الظهر وبعضهم يزيد، فما هو الضابط؟
وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قدر رمح، أي: نحو ربع ساعة أو ثلث ساعة بعد طلوعها إلى قبيل الزوال، وقبيل الزوال نحو ما بين عشر دقائق إلى خمس دقائق فقط، وذلك لأن أقصر أوقات النهي هذا الوقت، هذا على القول الراجح، وإن كان بعض العلماء يقول: إن معنى قوله: (حين تَغِيْبُ الشمس للغروب) أي: إذا شرعت في الغروب، إذا بدأ قرصها يغيب إلى أن ينتهي، ولكن الصحيح أن قوله: (حين تَغِيْبُ الشمس للغروب) معناه: إذا بقي على غروبها مقدار رمح، كما في الشروق.
السائل: أذكر يا شيخ أنك ذكرتَ بالنسبة للشروق أنه بعد ارتفاع الشمس قدر رمح يُحدَّد ما بين سبع دقائق إلى عشر دقائق في السابق.
الشيخ: لعلَّك نسيتَ.
السائل: لعلِّي نسيتُ.
الشيخ: عشر دقائق ممكنة؛ لكن الأحسن أن نزيد.
стр. 1981
كيفية وضوء المصاب بسلس البول
فضيلة الشيخ! كيف يتوضأ المصاب بسلس البول؟
المصاب بسلس البول نسأل: هل ينقطع عنه أو هو مستمر؟ لأن بعض الناس يكون فيه السلس إذا بال قريباً، وبعد عشر دقائق أو ربع ساعة يتوقف، فهذا له حكم.
وإنسان آخر لا يتوقف بوله، فمتى حصل في المثانة نزل.
أما الأول: فنقول: انتظر حتى يقف ثم صلِّ، حتى ولو فاتتك صلاة الجماعة.
وأما الثاني: فنقول: توضأ إذا دخل الوقت وتحفظ، ثم صلِّ، ولا يضرك ما خرج.
стр. 1982
خطورة موالاة الكفار
فضيلة الشيخ! كيف يُعرَف أمرٌ صَدَرَ من شخص أنه موالاة للكفار؟ وإذا عُرِف ذلك فهل يُجزم عليه بحكم ما، أم يُوقَف ويُستفصل عن الدافع له على ذلك التصرف؟ جزاك الله خيراًَ!
الموالاة في الواقع هي: المناصرة والمعاضدة، بحيث تناصر الكافرين وتعاضدهم على المسلمين، فإن عاضدتهم وناصرتهم على كفار أشد منهم فهذا خير؛ لأن هؤلاء الأعداء الذين يريدون المسلمين أشر من هؤلاء، فهذا يعني: أنك دفعتَ أعلى المفسدتين بأدناهما، إذا لم تخف خيانة من الذين ناصرتَهم على العدو.
وأما إذا ناصرتهم على مسلمين فهذا خطر عظيم، وهذا هو الذي يُخشى أن يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] .
وأما معاملتهم في البيع والشراء، وأن يدخلوا في عهدنا فهذا جائز، فقد كان الرسول ﵊ يبيع ويشتري من اليهود، فقد اشترى طعاماً لأهله، ومات ودرعه مرهونة عندهم، وكان يقبل هديتهم، وكانت خزاعة دخلت في عهده حين عاهد قريشاً في صلح الحديبية وهم كفار؛ لكنهم كانوا أهل نصح للمسلمين.
وهذه المسألة من أدق المسائل وأخطرها، ولا سيما عند الشباب؛ لأن بعض الشباب يظن أن أي شيء يكون فيه اتصال مع الكفار فهو موالاة، والأمرُ ليس كذلك، فالموالاة لها معانٍ كثيرة؛ ولكن الشيء الذي يكون خطراً وربما يُخْرِج من الإسلام هو مناصرتهم ومعاضدتهم على المسلمين.
стр. 1983
توجيه ما نسب إلى الإمام أحمد في تأويل الصفات
رُوِي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وجاء أمر ربك، فبعضهم أورد هذا في أحد كتبه، وقال: مذهب الإمام أحمد هو: التفويض، وقد لجأ الإمام أحمد -وهو إمام أهل السنة-إلى التأويل في هذه الآية، فهل صحت الرواية عن الإمام أحمد؟
أولاً: لا بد أن يثبت هذا عن الإمام أحمد.
ثانياً: إذا قُدِّر أنه ﵀ أخطأ في هذه المسألة التي لا يقرها هو بعموم كلامه، فلا يعني ذلك أنه معصوم، ويُقْبَل رأيُه.
ثالثاً: ذكرتَ أنه يُفَوِّض، وهذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأن التفويض نوعان: تفويض المعنى.
وتفويض الكيفية.
فـ أهل السنة والجماعة يفوضون الكيفية، ولا يفوضون المعنى، بل يقرُّون به، ويثبتونه، ويشرحونه، ويقسمونه، فمن ادعى أن أهل السنة هم الذين يقولون بالتفويض (ويعني به تفويض المعنى) فقد كذب عليهم.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) أن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.
هذا هو الذي يقوله بعض الناس، أنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهو التفويض، ولذلك يقولون: أهل السنة قسمان: مُفَوِّضة.
ومُؤوِّلة.
وهذا خطأ عظيم، فـ أهل السنة مُؤوِّلة، وأهل السنة مُفَوِّضة؛ لكنهم يؤولون إذا دل الدليل على التأويل، ويفوضون الكيفية، وأما المعنى فلا يفوضونه.
وخلاصة الجواب على سؤالك: أن نقول: إن صح هذا عن الإمام أحمد فالإمام أحمد ليس بمعصوم، ولكنني لا أظنه يصح.
стр. 1984
الاضطجاع بعد سنة الفجر
جزاك الله خيراً يا شيخ! بالنسبة للاضطجاع بعد سنة صلاة الفجر، هل هي خاصة بالنبي ﷺ ، أم بالإمام، أم هي عامة للمسلمين؟
الذي يظهر: أنها سنة في حق من يحتاج إليها، مثل أن يكون الإنسان متعباً، فيحب أن يستريح بالاضطجاع من أجل أن يقوى على صلاة الفجر.
وأما من لا حاجة له إليها فلا، وكذلك من يخشى أنه إذا اضطجع نام ولن يقوم إلا بعد طلوع الشمس، فهذا أيضاً لا يضطجع.
стр. 1985
حكم أخذ المال لمن يعمل بدون راتب
أنا مأذون أنكحة أعمل بدون راتب، فيأتيني -أحياناً- بعض الناس لأعقد لهم وهم خارج المدينة بـ (٢٠كم) أو (١٥كم) تقريباً، فأذهب إليهم، ثم يدفعون لي مبلغاً من المال بدون طلب مني! فما حكم ذلك؟
نقول: لا بأس، إذا كان بدون طلب منك فلا حرج عليك أن تأخذ ما يعطونك، أما إذا كنتَ موظفاً فلا تأخذ شيئاً.
السائل: وإذا كان داخل المدينة يا شيخ؟ الشيخ: داخل المدينة أو خارجها كلاهما سواء.
стр. 1986
حكم شهادة الزوجين والأقارب
فضيلة الشيخ! ما حكم شهادة الزوج على إقرار زوجته بالبيع والشراء والتوكيل، وكذلك الوالد على ولده، والعكس؟ حفظكم الله!
يقول العلماء: مَن اتُّهِم بقرابة أو زوجية فإن شهادتَه لا تُقْبَل ممن اتهم فيه، وتُقْبَل شهادتُه على مَن اتُّهِم فيه، وهذا صحيح، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] .
فإن شهد الرجل على زوجته أنها فعلت شيئاً وكانت الشهادة عليها، فإن شهادتَه تُقبَل ولا شك.
لكن إن شهد لها فأكثر العلماء يقولون: لا تُقبَل لأنه مُتَّهم بالانحياز.
وقال بعض العلماء: إذا كان مُبَرِّزاً بالعدالة، ونعلم أنه لن يشهد بشهادةِ زورٍ ولو لزوجته، فإن شهادتَه تُقبَل، وحينئذ أقول: يُرْجَع إلى رأي القاضي في هذه المسألة.
وخلاصة القول: أن الشهادة للوالد أو للولد أو للزوجة، الأصل فيها أنها لا تُقبَل.
أما الشهادة عليهم فمقبولة.
والله أعلم.
стр. 1987
خطورة كراهية الملتزمين
ما حكم من يبغض الشباب الملتزمين ويعاديهم ويقول: هم شر البلد؟ هل يدخل تحت: (من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ولو عَمِل به.
) ؟
الذي يبغض الملتزمين ودعاةَ الحق من أجل قيامهم بشريعة الله أو دعائهم إلى الحق فهذا يُخشى أن يكون كالذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] ويكون كارهاً لشريعة الله.
وأما الذي يكره الشخص لنفسه، لا لأنه ملتزم، فهذا لا يدخل في الآية.
فإن قال قائل: ما الفرق؟! قلنا: الفرق عظيم؛ لأن مَن كَرِهَه لالتزامه فقد كَرِهَه لدينه، ومَن كَرِهَه كراهةً شخصية فليس لدينه.
وأنا أضرب لكم مثالاً: بعض الناس إذا رأى الشاب قد رفع ثوبه إلى نصف الساق كَرِهَه؛ لكن لو رأى أحد مشايخنا الكبار قد رفع ثوبه إلى منتصف الساق هل يكره الشيخَ؟! لا.
إذاً كراهتُه للشاب لا لأنه ملتزم! فبعض الناس يكره هذا الشخص إذا رآه ملتزماً ولا يكره مثله إذا كان له قيمته في المجتمع.
وهذه المسألة دقيقة جداً جداً.
فيجب أن نقول لهذا الرجل: هل كرهتَه لكراهتِكَ ما قام به من السنة، أو أنها كراهة شخصية؟ إذا قال الأولى.
قلنا: هذه كراهةٌ لما أنزل الله، والله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] .
وإذا قال: سواء فعل هذا أو لم يفعل هذا فأنا أكره هذا الرجل، أو أظن أنه متزمِّت فأكرهُه لتزمُّتِه.
قلنا: هذه الكراهة لا يكفُر صاحبها، ولا يكون كالأول.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1988
لقاء الباب المفتوح [٦٨]
في هذه المادة فسر الشيخ آخر الآيات من سورة الفجر، وذكر ما فيها من المعاني والأحكام، ثم أجاب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.
стр. 1989
تفسير أواخر سورة الفجر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثامن والستون من اللقاء الأسبوعي الذي يتم في كل يوم خميس، وهذا اليوم هو: الخميس الرابع من شهر ربيع الأول عام (١٤١٥هـ) .
وكان من عادتنا أن نتكلم على ما يسر الله من تفسير القرآن الكريم، وقد انتهينا إلى قول الله ﵎: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٤-٢٦] وهذا هو آخر سورة الفجر.
стр. 1990
تفسير قوله تعالى: (يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى)
يقول الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] أي: إذا جاء الله يوم القيامة وجاءت الملائكة صفوفاً صفوفاً وأحاطوا بالخلق، وحصلت الأهوال والأفزاع حينئذ يتذكر الإنسان يتذكر أنه وُعِد بهذا اليوم، وأنه أُعْلِم به مِن قِبَل الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أنذروا وخوَّفوا؛ ولكن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن ولو جاءته كل آية والعياذ بالله.
حينئذٍ يتذكر؛ لكن يقول الله : ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] أنى تكون له الذكرى في هذا اليوم الذي رأى فيه ما أُخْبِر عنه يقيناً؟ الإيمان عند المشاهدةٍ لا ينفع؛ لأن كل إنسان يؤمن بما شاهد؛ لكن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] ويصدق بما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر، في ذلك اليوم يتذكر الإنسان، ولكن قال الله : ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] أي: بعيدٌ أن ينتفع بهذه الذكرى التي حصلت منه حين شاهد الحق.
стр. 1991
تفسير قوله تعالى: (يقول يا ليتني قدمت لحياتي)
قال تعالى: ﴿يَقُولُ﴾ أي الإنسان.
﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يتمنى أنه قدم لحياته.
وما هي حياته؟! أتظنون أنه يريد حياة الدنيا؟! لا والله، فإن الحياة الدنيا انتهت وانقضت، وليست الحياة الدنيا حياةً في الواقع، بل الواقع أنها هموم وأكدار، كل صَفْوٍ يعقبه كَدَر، كل عافية يتبعها مرض، كل اجتماع يعقبه تفرُّق، انظروا ما حصل! أين الآباء؟! أين الإخوان؟! أين الأبناء؟! أين الأزواج؟! هل هذه حياة؟! أبداً! ولهذا قال بعض الشعراء الحكماء:
لا طيب للعيش ما دامت مُنَغَّصَةً لَذَّاتُه بادِّكارِ الموتِ والهرمِ
كل إنسان يتذكر أن مآله أحد أمرين: إما الموت، وإما الهرم.
ونحن نعرف أناساً كانوا شباباً في عنفوان الشباب، عُمِّروا؛ لكن رجعوا إلى أرذل العمر، يَرِقُّ لهم الإنسان إذا رآهم في حالة بؤس، حتى وإن كان عندهم من الأموال ما عندهم، وعندهم من الأهل ما عندهم؛ لكنهم في حالة بؤس.
هكذا كل إنسان، إما أن يموت مبكراً، وإما أن يُعَمَّر فيُرَد إلى أرذل العمر، فهل هذه حياة؟! الحياة هي ما بيَّنه الله : ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] يعني: لَهِيَ الحياة التامة.
فيقول الإنسان هذا: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] يتمنى؛ لكن مع الأسف أنَّى له الذكرى.
стр. 1992
تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد)
قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥] * ﴿وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٦] لأنهم والعياذ بالله يوثقون: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] أي: أدخلوه في هذه السلسلة، فتُغَلُّ أيديهم نسأل الله العافية، ولا أحد يتصور الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، والله إن الإنسان أحياناً يتمنى أنه لَمْ يُخْلَق خوفاً من النار، كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [ليت أمي لم تلدني، ليتني شجرة تُعْضَد] لأن الإنسان لا يدري أولاً ما هو عليه الآن! هل هو على صواب أم على خطأ؟! هل في عباداته رياء؟! هل في عباداته بدعة؟! ثم لا يدري أيضا -وهذا أخطر- لا يدري ماذا يُخْتَم له به: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل هل النار، فيدخلها) مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ ويُضَلَّ، ويأتيه الشيطان فيقول: أنا أبوك، اترك يا بُنَيَّ الإسلام، وكن نصرانياً أو يهودياً؟! لأن بعض الناس والعياذ بالله عند الموت يُفْتَن، فتُعْرَض عليه الأديان، ويقال له: اختر النصرانية، أو اختر اليهودية، وأعرض عن الإسلام.
ولهذا نقول: ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات.
فمن الذي يأمن؟! أسأل الله أن يحسن لي ولكم الخاتمة! إذاً: على الإنسان أن يستعد.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] * ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥] * ﴿وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٦] .
стр. 1993
تفسير قوله تعالى: (ولا يوثق وثاقه أحد)
قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥-٢٦] لأنهم والعياذ بالله يوثقون: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] أي: أدخلوه في هذه السلسلة، فتُغَلُّ أيديهم نسأل الله العافية، ولا أحد يتصور الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، والله إن الإنسان أحياناً يتمنى أنه لَمْ يُخْلَق خوفاً من النار، كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [ليت أمي لم تلدني، ليتني شجرة تُعْضَد] لأن الإنسان لا يدري أولاً ما هو عليه الآن! هل هو على صواب أم على خطأ؟! هل في عباداته رياء؟! هل في عباداته بدعة؟! ثم لا يدري أيضا -وهذا أخطر- لا يدري ماذا يُخْتَم له به: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل هل النار، فيدخلها) مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ ويُضَلَّ، ويأتيه الشيطان فيقول: أنا أبوك، اترك يا بُنَيَّ الإسلام، وكن نصرانياً أو يهودياً؟! لأن بعض الناس والعياذ بالله عند الموت يُفْتَن، فتُعْرَض عليه الأديان، ويقال له: اختر النصرانية، أو اختر اليهودية، وأعرض عن الإسلام.
ولهذا نقول: ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات.
فمن الذي يأمن؟! أسأل الله أن يحسن لي ولكم الخاتمة! إذاً: على الإنسان أن يستعد.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٤-٢٦] .
стр. 1994
تفسير قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة)
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب، ويشرح الصدر، فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧] اللهم اجعل نفوسنا مطمئنة.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧-٢٨] .
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر:٢٨] يقال هذا القول للإنسان عند النزع في آخر لحظة من الدنيا، يقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان، فتستبشر وتفرح، ويسهُل خروجُها من البدن؛ لأنها بُشِّرت بما هو أنعم مِمَّا في الدنيا كلها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لَمَوضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها) سوط الإنسان: العصا القصيرة، موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت بل الدنيا من أولها إلى آخرها، بما فيها من النعيم، والمُلْك، والرفاهية، وغيرها، فموضع سوط أحدكم خير من الدنيا وما فيها، فكيف بمن ينظر في مُلْك مسيرته ألفَي عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، نعيمٌ لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصورنا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] .
المطمئنة: أي المؤمنة الآمنة؛ لأنك لا تجد نفساً أكثر اطمئناناً مِن نفْس المؤمن أبداً، فالمؤمن -يا إخواني- نفسُه طيبة مطمئنة، ولهذا تعجب الرسول ﷺ من المؤمن فقال: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمرَه كلَّه خير، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له) فهو مطمئنٌ ماضٍِ مع الله بقضائه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يبطر عند النعم، بل هو شاكر عند النعم، صابر عند البلاء، فتجده مطمئناً.
لكن الكافر، أو ضعيف الإيمان كلاهما لا يطمئن، إذا أصابه البلاء جَزع وسخِط، ورأى أنه مظلوم مِن قِبَل الله والعياذ بالله، حتى إن بعضهم ينتحر؛ لأنه لا يصبر ولا يطمئن، بل يكون دائماً في قلق، فينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، وقليل العيال، وليس عنده زوجة، وليس له قوم يحمونه، فيقول: أنا لستُ في نعمة؛ لأن فلاناً عنده مال، وعنده زوجات، وعنده أولاد، وعنده قبيلة تحميه، أما أنا فليس عندي شيء من هذا، فلا يرى لله عليه نعمة؛ لأنه ضعيف الإيمان، وليس بمطمئن، بل هو دائماً في قلق.
ولهذا نجد الناس الآن يذهبون إلى كل مكان ليُرَفِّهوا عن أنفسهم، ويزيلوا عنها الألم والتعب؛ لكن لا يزيل ذلك عنهم إلا الإيمان الحقيقي، فهو الذي يؤدي إلى الطمأنينة.
فالنفس المطمئنة: هي المؤمنة الآمنة، مؤمنة في الدنيا، وآمنة من عذاب الله يوم القيامة، اللهم اجعل نفوسنا هكذا.
يا إخواني! قال بعض السلف كلمة عجيبة، قال: [لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لَجالَدُونا عليه بالسيوف] هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم؟ لا.
لا يوجد أحدٌ أنعم منهم في الظاهر في نعمة الجسد؛ لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، فالمؤمن الذي ليس عليه إلا ثوبٌ مُرَقَّع، وكوخٌ لا يحميه من المطر ولا من الحر؛ هذا المؤمن دنياهُ ونعيمُه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك؛ لأن قلبَه مستنير بنور الله ونور الإيمان.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حُبس وأوذي في الله ، فلما أُدْخِل الحبس وأُغْلِقَ عليه الباب.
قال ﵀: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] يقول هذا تَحَدُّثاً بنعمة الله لا افتخاراً، ثم قال: ما يصنع أعدائي بي؟! -أيَّ شيءٍ يصنعون؟! - إن جنتي في صدري -ما هي الجنة؟! الإيمان، والعلم، واليقين-، وإن حبسي خلوة، ونفيي -إن نفَوه من البلد- سياحة، وقتلي شهادة.
سبحان الله! هذا هو اليقين، وهذه هي الطمأنينة.
إن الإنسان عندنا لو أُدخل الحبس تجده يُخَمِّس ويُسَدِّس، ويقول: ما مستقبلي؟! ما مستقبل أولادي؟! وأهلي؟! وقومي؟! لكن ابن تيمية يقول: جنتي في صدري.
وصَدَقَ، ولعل هذا هو السر في قوله ﵎: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦] يعني: في الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وليس في الجنة موتة أولى ولا ثانية؛ لكن لَمَّا كان نعيم القلب ممتداً من الدنيا إلى دخول الجنة صارت الدنيا والآخرة كأنهما جنة واحدة، وليس فيها إلا موتة واحدة.
فنسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم في الجنة، وبإخوانَنا المسلمين الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ إنه على كل شيء قدير.
стр. 1995
تفسير قوله تعالى: (ارجعي إلى ربك راضية مرضية)
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧-٢٨] .
﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاك الله من النعيم.
﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله ، وذلك كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] .
стр. 1996
تفسير قوله تعالى: (فادخلي في عبادي)
قال تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين لتكوني مِن جملتهم؛ لأن عبادَ الله الصالحين هم خير طبقات البشر، والبشر طبقاتهم ثلاث: الطبقة الأولى: مُنْعَمٌ عليهم.
الطبقة الثانية: مغضوبٌ عليهم.
الطبقة الثالثة: ضالُّون.
كل هذه الطبقات مذكورةٌ في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] .
وأنا أسألكم: هل يشعر أحدكم عندما يقرأ هذه الآية بأن الذين أنعم الله عليهم هم: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، فيسأل الله أن يهديه صراط هؤلاء؟! أكثر الناس لا يشعر، بل أكثرهم يقرؤها هكذا؛ لكن لا يشعر أن هذه الآية تاريخ، أي أنها تشير إلى تاريخ الأمم، وأن الطبقة الثانية المغضوب عليهم هم اليهود وأشبهاه اليهود مِن كل مَن عَلِم الحق وخالفة؛ لأن كل مَن عَلِم الحق وخالفَه ففيه شَبَهٌ من اليهود، كما قال سفيان بن عيينة ﵀: [مَن فَسَدَ مِن علمائنا ففيه شَبَهٌ مِن اليهود] .
ومَن هُم الضالون؟ هُم النصارى، الذين جهلوا الحق، أرادوه لكن عُمُوا عنه -والعياذ بالله- وما اهتدوا إليه.
قال ابن عيينة: [ومَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ مِن النصارى] لأن العُبَّاد يريدون الخير ويريدون العبادة؛ لكن ليس عندهم علم، فهم ضالون.
فأقول يا إخواني! الناس طبقات ثلاث: المُنْعَمُ عليهم، والمغضوبُ عليهم، والضالُّون.
وهنا يقول: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٩] فالمراد بالعِباد أيّ الطبقات؟ المراد بهم الطبقة الأولى وهم: المُنْعَم عليهم.
стр. 1997
تفسير قوله تعالى: (وادخلي جنتي)
قال تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٣٠] : جنتُه التي أعدها الله لأوليائه -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها- أضافها الله إلى نفسه تشريفاً لها وتعظيماً، وإعلاماً للخلق بعنايته بها جلَّ وعَلا.
والله قد خلقها خلقاً غير خلق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلاً ورماناً، وخلق في الجنة أيضاً فاكهةً ونخلاً ورماناً؛ لكن هل تظنون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟! لا يمكن أبداً؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكنا نعلم.
إذاً: هو مثله في الاسم؛ لكن ليس مثله في الحقيقة، ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٣٠] حيث أضافها إلى نفسه للدلالة على شرفها وعناية الله بها، وهذا يوجب للإنسان أن يرغب فيها غاية الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله، التي هي المساجد؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها إلى نفسه أيضاً، والأمر يسير، قال رجلٌ للرسول ﷺ : (دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال: لقد سألت عن عظيم -وهو صحيحٌ عظيم، ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)) [آل عمران:١٨٥] ولكن- وإنه ليسير على مَن يسره الله عليه -اللهم يسرنا لليسرى- تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة) وذَكَرَ الحديث.
المهم أن الدين والحمد لله يسير وسهل؛ لكن النفس الأمارة بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا بالشهوات والشبهات.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] .
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] .
والآن إلى الأسئلة، ونبدأ باليمين، وكما هي عادتنا أن السؤال واحد لكل واحد، وأنه لا تعقيب على الجواب إلا إذا كان الجواب خطأً.
стр. 1998
الأسئلة
стр. 1999
حكم الصلاة على القاتل
يا شيخ! رجل قتل زوجته ثم قتل نفسه، فهل يُصَلَّى عليه؟
نعم، يُصَلَّى عليه؛ لأن قتل النفس لا يُخْرِج من الإسلام، والدليل على أنه لا يُخْرِج من الإسلام قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فجعل القاتل أخاً للمقتول، ولو كان يَخْرُج من الإسلام ما كان أخاً له؛ ولكن الأمر شديد، بمعنى أنه وإن لم يَخْرُج من الإسلام؛ لكن العقوبة شديدة، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] خمس عقوبات: جهنم.
والخلود فيها.
وغَضِبَ الله عليه.
ولَعَنَه.
وأعد له عذاباً عظيماً.
فالأمر ليس بالهين؛ لكن لا يَخْرُج من الإسلام، فيُصلى عليه، ويُدْعَى له بالمغفرة، وفضل الله واسع.
стр. 2000
حكم التحية العسكرية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كَثُر الكلام يا فضيلة الشيخ! حول التحية العسكرية وتحية العلم، ما بين مبدِّع ومكفِّر، وقبل شهرين أو عدة أشهر نشرت مجلة الحرس الوطني نشرة تبين التحية العسكرية؛ أنواعها، ونشأتها، وتطورها، ومن ضمن كلامها قالت: منذ العصور الأولى للتاريخ والناس يميزون بين رجل وآخر، وقد تجلى ذلك باستحداث طرائق خاصة للتحية التي ما لبثت أن أخذت طريقها في الذيوع والانتشار، وعلى رغم أن شعوب الدنيا اختلفت في طرائق هذه التحية إلا أنها اتفقت جميعها على وجوب أدائها.
إلى أن قالت: وفي أحيان أخرى مؤداها إظهار الأمن والسلام والتعظيم.
فما هو رأي فضيلتكم في هذه المسألة من حيث كونها بدعة أو كفراً، وإن كانت بدعة، فما حكم مَن فعلها وهو كاره، وجزاكم الله خيراً.
أقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وأخبركم بأن السلام عند إلقاء السؤال ليس من السنة؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يسألون الرسول في المجلس ولا يسلِّمون، إنما السلام عند اللقاء.
وأما ما يتعلق بالتحية العسكرية، فأقول لكم يا إخواني! نصيحةً لله: كل شيء يتعلق بجهة مسئولة فالسؤال عنه من الأفراد في غير محله.
لماذا؟! لأن ذلك لا يجدي شيئاً.
افرض أنني قلت: إنها بدعة، أو كفر، أو فسق أو ما أشبه ذلك، هل يفيد؟! هذا لا يفيد، إلا أن المستفتي يأخذ هذه الفتوى ويذهب ينازع فيها ولاة الأمور ولا يستفيد من هذا شيئاً.
فأرى أنه إذا حصل شيء منكرٌ في أي جهة مسئولة لا يجوز السكوت عليه؛ لأن السكوت عن المنكر معناه: تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكن تؤتى البيوت من أبوابها.
فهذا السؤال يورَد على مَن؟! يورَد على وزير الدفاع، أو على وزير الداخلية، أو على الجهة المسئولة، ويقال: إذا كنتم تعلمون أن هذا حرام فاتقوا الله فينا، لا تجعلونا نتجشَّم الحرام فنأثم نحن وتأثمون أنتم، وإذا كنتم لا ترون هذا حراماً فبيِّنوا لنا، وإذا كان الأمر أشكل عليكم: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] .
أما أن يَسأل هذا السؤالَ فردٌ من أفراد الجنود أو الجيش، ثم يأخذ الجواب ويجعله سيفاً مصلتاًَ، كلما شاء أشهره، فأنا أرى أن هذا ليس من الحكمة، وأنه لا يجدي شيئاً، ولا يفيد.
فهذا السؤال ينبغي للعقلاء منكم أن يوجهوه إلى الوزير في هذه الجهة المسئولة، ويقال له بصراحة: نحن وأنت عبيد لله ، وأنت ولاك الله علينا؛ فعليك أن ترعانا حقَّ الرعاية وأحسَنها.
ثم نسأله: هل أنت ترى أن هذا حرام؟! فاتقِ الله في نفسك، واتقِ الله فينا.
هل ترى أنه حلال؟! فبيِّن لنا؛ لأنه أُشْكِل علينا ولأن من الناس -وأنا سمعتُ بنفسي- من يقول: التحية العسكرية كفر والعياذ بالله، فيكفِّر مَن لا يكفِّره الله ورسوله، ألم يعلم هذا أنه سيُسأل يوم القيامة عمَّا قال؟! ألم يعلم أن مَن دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك فهو كافر؟! هكذا جاء الحديث عن الرسول ﵊.
فالمسألة ليست هينة، فكونه يصف الإنسانَ ويقول: هذا كافر، وهذا فاسق؛ فهذا غلط.
من الذي له الحكم؟! الله ، فإذا كفَّر الله أحداً فهو كافر، وإذا لم يكفِّره فلا يجوز أن نكفر بمجرد أذواقنا وأهوائنا.
فأقول: قُل مثلاً للوزير المسئول: إذا كنت ترى أن هذا حلال فبيِّن لنا؛ لأن من الناس من شوَّش علينا، وقال: هذا فسق، هذا بدعة، هذا كفر، فبيِّن لنا.
وإذا كان أشكل عليك فالحمد لله باب الفتوى مفتوح، وعند الدولة والحمد لله ما يحصل بهم الهدى إن شاء الله تعالى، فاسأل.
فإذا قيل لك: هذا جائز، برئت ذمتك، وإذا قيل: هذا حرام، فامتنع.
هذا جوابي على هذه المسألة.
وأنا أنصح كل إنسان في هذه المسائل ألا يسأل فردٌ من أفراد جهةٍ مسئولة عن حكم شيء عام، وليسأل عن نفسه ويقول مثلاً إذا فعلتُ كذا، أو إذا صليت بلا وضوء إذا.
следующие страницы →