Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
تفسير قوله تعالى: (فادخلي في عبادي)
قال تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٩] أي: ادخلي في عبادي الصالحين لتكوني مِن جملتهم؛ لأن عبادَ الله الصالحين هم خير طبقات البشر، والبشر طبقاتهم ثلاث: الطبقة الأولى: مُنْعَمٌ عليهم.
الطبقة الثانية: مغضوبٌ عليهم.
الطبقة الثالثة: ضالُّون.
كل هذه الطبقات مذكورةٌ في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] .
وأنا أسألكم: هل يشعر أحدكم عندما يقرأ هذه الآية بأن الذين أنعم الله عليهم هم: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، فيسأل الله أن يهديه صراط هؤلاء؟! أكثر الناس لا يشعر، بل أكثرهم يقرؤها هكذا؛ لكن لا يشعر أن هذه الآية تاريخ، أي أنها تشير إلى تاريخ الأمم، وأن الطبقة الثانية المغضوب عليهم هم اليهود وأشبهاه اليهود مِن كل مَن عَلِم الحق وخالفة؛ لأن كل مَن عَلِم الحق وخالفَه ففيه شَبَهٌ من اليهود، كما قال سفيان بن عيينة ﵀: [مَن فَسَدَ مِن علمائنا ففيه شَبَهٌ مِن اليهود] .
ومَن هُم الضالون؟ هُم النصارى، الذين جهلوا الحق، أرادوه لكن عُمُوا عنه -والعياذ بالله- وما اهتدوا إليه.
قال ابن عيينة: [ومَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ مِن النصارى] لأن العُبَّاد يريدون الخير ويريدون العبادة؛ لكن ليس عندهم علم، فهم ضالون.
فأقول يا إخواني! الناس طبقات ثلاث: المُنْعَمُ عليهم، والمغضوبُ عليهم، والضالُّون.
وهنا يقول: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٩] فالمراد بالعِباد أيّ الطبقات؟ المراد بهم الطبقة الأولى وهم: المُنْعَم عليهم.
стр. 1997
تفسير قوله تعالى: (وادخلي جنتي)
قال تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٣٠] : جنتُه التي أعدها الله لأوليائه -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها- أضافها الله إلى نفسه تشريفاً لها وتعظيماً، وإعلاماً للخلق بعنايته بها جلَّ وعَلا.
والله قد خلقها خلقاً غير خلق الدنيا، خَلَقَ لنا في الدنيا فاكهةً ونخلاً ورماناً، وخلق في الجنة أيضاً فاكهةً ونخلاً ورماناً؛ لكن هل تظنون أن ما في الجنة كالذي في الدنيا؟! لا يمكن أبداً؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكنا نعلم.
إذاً: هو مثله في الاسم؛ لكن ليس مثله في الحقيقة، ولا في الكيفية، ولهذا قال: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٣٠] حيث أضافها إلى نفسه للدلالة على شرفها وعناية الله بها، وهذا يوجب للإنسان أن يرغب فيها غاية الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله، التي هي المساجد؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها إلى نفسه أيضاً، والأمر يسير، قال رجلٌ للرسول ﷺ : (دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال: لقد سألت عن عظيم -وهو صحيحٌ عظيم، ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)) [آل عمران:١٨٥] ولكن- وإنه ليسير على مَن يسره الله عليه -اللهم يسرنا لليسرى- تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة) وذَكَرَ الحديث.
المهم أن الدين والحمد لله يسير وسهل؛ لكن النفس الأمارة بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا بالشهوات والشبهات.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] .
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] .
والآن إلى الأسئلة، ونبدأ باليمين، وكما هي عادتنا أن السؤال واحد لكل واحد، وأنه لا تعقيب على الجواب إلا إذا كان الجواب خطأً.
стр. 1998
الأسئلة
стр. 1999
حكم الصلاة على القاتل
يا شيخ! رجل قتل زوجته ثم قتل نفسه، فهل يُصَلَّى عليه؟
نعم، يُصَلَّى عليه؛ لأن قتل النفس لا يُخْرِج من الإسلام، والدليل على أنه لا يُخْرِج من الإسلام قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فجعل القاتل أخاً للمقتول، ولو كان يَخْرُج من الإسلام ما كان أخاً له؛ ولكن الأمر شديد، بمعنى أنه وإن لم يَخْرُج من الإسلام؛ لكن العقوبة شديدة، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] خمس عقوبات: جهنم.
والخلود فيها.
وغَضِبَ الله عليه.
ولَعَنَه.
وأعد له عذاباً عظيماً.
فالأمر ليس بالهين؛ لكن لا يَخْرُج من الإسلام، فيُصلى عليه، ويُدْعَى له بالمغفرة، وفضل الله واسع.
стр. 2000
حكم التحية العسكرية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كَثُر الكلام يا فضيلة الشيخ! حول التحية العسكرية وتحية العلم، ما بين مبدِّع ومكفِّر، وقبل شهرين أو عدة أشهر نشرت مجلة الحرس الوطني نشرة تبين التحية العسكرية؛ أنواعها، ونشأتها، وتطورها، ومن ضمن كلامها قالت: منذ العصور الأولى للتاريخ والناس يميزون بين رجل وآخر، وقد تجلى ذلك باستحداث طرائق خاصة للتحية التي ما لبثت أن أخذت طريقها في الذيوع والانتشار، وعلى رغم أن شعوب الدنيا اختلفت في طرائق هذه التحية إلا أنها اتفقت جميعها على وجوب أدائها.
إلى أن قالت: وفي أحيان أخرى مؤداها إظهار الأمن والسلام والتعظيم.
فما هو رأي فضيلتكم في هذه المسألة من حيث كونها بدعة أو كفراً، وإن كانت بدعة، فما حكم مَن فعلها وهو كاره، وجزاكم الله خيراً.
أقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وأخبركم بأن السلام عند إلقاء السؤال ليس من السنة؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يسألون الرسول في المجلس ولا يسلِّمون، إنما السلام عند اللقاء.
وأما ما يتعلق بالتحية العسكرية، فأقول لكم يا إخواني! نصيحةً لله: كل شيء يتعلق بجهة مسئولة فالسؤال عنه من الأفراد في غير محله.
لماذا؟! لأن ذلك لا يجدي شيئاً.
افرض أنني قلت: إنها بدعة، أو كفر، أو فسق أو ما أشبه ذلك، هل يفيد؟! هذا لا يفيد، إلا أن المستفتي يأخذ هذه الفتوى ويذهب ينازع فيها ولاة الأمور ولا يستفيد من هذا شيئاً.
فأرى أنه إذا حصل شيء منكرٌ في أي جهة مسئولة لا يجوز السكوت عليه؛ لأن السكوت عن المنكر معناه: تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكن تؤتى البيوت من أبوابها.
فهذا السؤال يورَد على مَن؟! يورَد على وزير الدفاع، أو على وزير الداخلية، أو على الجهة المسئولة، ويقال: إذا كنتم تعلمون أن هذا حرام فاتقوا الله فينا، لا تجعلونا نتجشَّم الحرام فنأثم نحن وتأثمون أنتم، وإذا كنتم لا ترون هذا حراماً فبيِّنوا لنا، وإذا كان الأمر أشكل عليكم: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] .
أما أن يَسأل هذا السؤالَ فردٌ من أفراد الجنود أو الجيش، ثم يأخذ الجواب ويجعله سيفاً مصلتاًَ، كلما شاء أشهره، فأنا أرى أن هذا ليس من الحكمة، وأنه لا يجدي شيئاً، ولا يفيد.
فهذا السؤال ينبغي للعقلاء منكم أن يوجهوه إلى الوزير في هذه الجهة المسئولة، ويقال له بصراحة: نحن وأنت عبيد لله ، وأنت ولاك الله علينا؛ فعليك أن ترعانا حقَّ الرعاية وأحسَنها.
ثم نسأله: هل أنت ترى أن هذا حرام؟! فاتقِ الله في نفسك، واتقِ الله فينا.
هل ترى أنه حلال؟! فبيِّن لنا؛ لأنه أُشْكِل علينا ولأن من الناس -وأنا سمعتُ بنفسي- من يقول: التحية العسكرية كفر والعياذ بالله، فيكفِّر مَن لا يكفِّره الله ورسوله، ألم يعلم هذا أنه سيُسأل يوم القيامة عمَّا قال؟! ألم يعلم أن مَن دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك فهو كافر؟! هكذا جاء الحديث عن الرسول ﵊.
فالمسألة ليست هينة، فكونه يصف الإنسانَ ويقول: هذا كافر، وهذا فاسق؛ فهذا غلط.
من الذي له الحكم؟! الله ، فإذا كفَّر الله أحداً فهو كافر، وإذا لم يكفِّره فلا يجوز أن نكفر بمجرد أذواقنا وأهوائنا.
فأقول: قُل مثلاً للوزير المسئول: إذا كنت ترى أن هذا حلال فبيِّن لنا؛ لأن من الناس من شوَّش علينا، وقال: هذا فسق، هذا بدعة، هذا كفر، فبيِّن لنا.
وإذا كان أشكل عليك فالحمد لله باب الفتوى مفتوح، وعند الدولة والحمد لله ما يحصل بهم الهدى إن شاء الله تعالى، فاسأل.
فإذا قيل لك: هذا جائز، برئت ذمتك، وإذا قيل: هذا حرام، فامتنع.
هذا جوابي على هذه المسألة.
وأنا أنصح كل إنسان في هذه المسائل ألا يسأل فردٌ من أفراد جهةٍ مسئولة عن حكم شيء عام، وليسأل عن نفسه ويقول مثلاً إذا فعلتُ كذا، أو إذا صليت بلا وضوء إذا.
стр. 2001
مسألة المجاز في القرآن
أولاً يا شيخ! إني أحبك في الله، ولا أدري هل هذا من السنة أم لا! ولكن بعد أن قلتَ عن السلام أنه ليس من السنة يَجب أن أحذر.
الشيخ: لا.
جزاك الله خيراً، لا مانع من هذا، والحذر من الخطأ شيءٌ طيب؛ لكن هذا قد ورد عن الرسول حيث قال لـ معاذ بن جبل: (يا معاذ! إني أحبك، فلا تَدَعَنَّ أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) .
وأنا أجيبك فأقول: أحبك الله الذي أحببتنا فيه.
السائل: يا شيخ! المجاز في القرآن فيه خلاف بين أهل العلم، والمسألة كما هو معلوم أن هناك بعض الآيات تحتاج إلى تفسير فعلاً، فإذا كان لا مجاز في القرآن! فأريد توضيح المسألة!
الذين قالوا بالمجاز أو عدم المجاز يتفقون غالباً على المعنى، فمثلاً قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] فكلهم متفقون على أن الذل ليس طائراً له جناح، أليس كذلك؟! السائل: بلى.
الشيخ: إذاً: بقي لنا أن نعرف هل الجملة أو هذا التركيب مستعمل في اللغة العربية، وأن جَناح كل شيء بحسبه؟! فحينئذٍ يحصل الخلاف.
فالذين يقولون بالمجاز يقولون: ليس هناك جناح إلا للطير، فإذا استعمل الجناح لغير الطير فهو مجاز.
والذين يقولون: جناح كل شيء بحسبه يقولون: الترفع مثلاً على الناس والتعالِّي عليهم يعتبر أن صاحب الترفع والتعالي طار وارتفع، وهذا هو جناح العلو والاستكبار.
فالله يقول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:٢٤] يعني: تذلَّل لهما للغاية، حتى لو كنت تريد أن تتثقف، فتقول مثلاً: أنا عندي شهادة بكالوريوس، وأبي هذا لا يعرف الخاء من الطاء فلا تترفع عليه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] .
إذاً: اتفقا على المعنى؛ لكن اختلفا حول ما إذا كان هذا الأسلوب مُسْتَعْمَلاً حقيقةً في سياقِه أو لا! فالذين منعوا من المجاز في القرآن وأكدوا فيه كان منعُهم بناءً على أن هذا المجاز استُعمل على وجه غير صحيح، فقالوا مثلاً في الاستواء على العرش: لا يوجد استواءٌ على العرش أبداً، وإنما قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] يعني: استولى عليه، وإذا قلنا لهم: ولكن الله قال: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] قالوا: هذا مجاز عن الاستيلاء، انظر الآن! أنكروا صفةً حميدة لله وحوَّلوها إلى صفة لا يتميز بها الله سبحانه عن غيره؛ لأن الله مُسْتَولٍ على كل شيء.
ثم إن قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى﴾ [البقرة:٢٩] يدل على أن الاستيلاء قابلٌ لغير الله؛ إذْ معناه: ثم استولى عليه.
فقولُ الذين أنكروا المجاز في القرآن وأكَّدوه مبنيٌّ على أن أولئك الذين قالوا بالمجاز توصلوا به إلى إنكار شيء لا يجوز إنكاره.
أفهمت؟! وللعلماء في هذه المسألة عدة أقوال: منهم من قال: كل اللغة مجاز، حتى إذا قلتَ: أكلتُ فشبعتُ، قال: هذا مجاز.
ومنهم من قال: لا مجاز في اللغة مطلقاً، ومِمَّن قال بهذا القول: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وشرح أدلتهما على ذلك ليس هذا موضعه؛ لأن الناس ربما يحتاجون شيئاً أهم من هذا.
ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن، وأما اللغة ففيها مجاز.
والصواب: أنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة.
стр. 2002
احتساب الأجر من الله على العمل
هل يلزم حضور النية لحصول أجر العمل عند أدائه؟
هذا سؤال مهم، فمعلومٌ أن العمل لا يكون إلا بنية، فلا يوجد عملٌ إلا بنية، قال بعض العلماء: لو كَلَّفَنا الله أن نعمل عملاً بلا نية لكان من التكليف ما لا يُطاق.
فأنتم حينما جئتم إلى هذا المكان جئتم بنية أم بغير نية؟! جئتم بنية، وأي إنسان عاقل لا يعمل عملاً إلا بنية، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) .
لكن بقي سؤال الأخ: هل يُشْتَرط للثواب على العمل أن يحتسب الأجر على الله، أو يحصل له الأجر وإن لم يحتسب؟ نقول: إن الرسول ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً -ولم يقل: إيماناً فقط، بل قال: إيماناً واحتساباً- غُفِر له ما تقدم من ذنبه) واحتساب الأجر له أثر عظيم على إحسان العمل؛ لأنك إذا علمتَ أنك كما تدين تُدان، وكما تعمل تُجازى، وأن الجزاء على قدر العمل؛ فسوف تحسن العمل، أليس كذلك؟! أما إذا شعرت بأنك إذا أديت العمل برئت ذمتك فقط، وأنك لن تعاقب على تركه، فعملك ناقص.
لهذا أحث نفسي وإياكم على استحضار هذا المعنى؛ أنك إذا عملتَ العمل تحتسب أجره على الله، نقول مثالاً: قال النبي ﵊: (من أسبغ الوضوء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فُتِّحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل مِن أيها شاء) وزاد الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) أريد من نفسي وإياكم أن نستحضر أننا إذا فعلنا ذلك فتِّحت لنا أبواب الجنة حتى نحرص على إسباغ الوضوء، ونحرص على قول كلمة التوحيد بعد الفراغ من الوضوء.
فهذه مسألة ينبغي أن نتفطن لها، وهي: احتساب الأجر من الله على هذا العمل.
стр. 2003
كيفية التعامل مع أصحاب المنكرات من الأهل والأقارب
شيخنا المبارك! نفع الله بعلمكم وسدَّد خطاكم! بعض الشباب منذ نشأته يسير مع الشباب الخيِّر الصالح من أساتذة وإخوان، ثم يرى في بيته بعض المنكرات، فكيف يتعامل مع هذه المنكرات؛ مع كلٍّ مِن والدَيه، وأهل بيته؟
قال الله ﵎ لنبيه محمد ﵊: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] ومعنى ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء:٣] أي: مُهْلِكُها إذا لم يؤمنوا.
وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] .
وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢١-٢٦] .
فأقول لهذا الأخ الصالح: أسأل الله لك الثبات، وأقول لك: انصح أهلك بقدر ما تستطيع، فإن حَصَلَ المطلوب فذلك المطلوب، وإن لم يَحْصُل فهاهو إبراهيم قال لأبيه آزر: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤] .
وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] .
ولما أَيِس منه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧] حتى نهاه الله ، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤] .
فأقول لهذا الأخ: اجتهد في نصح أهلك، واجلب إليهم الأشرطة النافعة، والكتيبات، والرسائل، فإن اهتدوا فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ثم إن اضطررت إلى البقاء في البيت لكونك ليس لك دخل تستطيع به أن تنفرد عنهم فلا بأس أن تبقى، وتحرص على البُعد عن مشاهدة الأشياء المحرمة، أو سماع الأشياء المحرمة، وتنفرد في غرفتك، وإذا استطعتَ أن تخرج فاخرج.
وفي هذه الحال يُشْكِل على بعض الشباب أنه ربما يغضب عليه الوالد أو الوالدة! فنقول: غضب الوالد أو الوالدة يمكن إزالته بالترضِّي والمداراة؛ لكن غضب الرب لا يمكن النجاة منه إلا بأن تترك ما يُغْضِب الرب ، فاخرج ولا عليك، حتى ولو غضبوا فإنك ترضيهم إن شاء الله، إما بالمال أو بالمساعدة، أو بغير ذلك.
стр. 2004
عدم جواز المجاملة والمداراة
ما حكم المجاملة في بعض الكلمات التي تصدر أحياناً من بعض الزملاء في العمل أو غيره؟ الشيخ: مثل ماذا؟ السائل: مثل أن يوجد رجلٌ ذو لحية فيقول آخرُ لأخيه الحليق: اجلس معنا، فهذا ليس من المتشدِّدين، أو مثل هذا القول.
هذه بارك الله فيك تسمى: مداراة، فمداراة أهل الفسق لعل الله يهديهم هذا لا بأس به.
أما المداهنة بأن تقول: أنا أُعْفِي لحيتي، وأنت احلق لحيتك، وكلٌّ على سبيله، فهذا لا يجوز، بمعنى: كأنك تقول: لا تقل لي ولا أقول لك، فهذه مداهنة لا تجوز.
أما المداراة فتعني: أنك تجامله رجاء أن يهديه الله؛ لأن بعض الناس إذا عاملته بالعنف من أجل معصية؛ أصرَّ عليها، وإذا عاملته باللطف ربما يستجيب.
حدثني عدة أناس عن قضية وقعت، قالوا: إن هناك عاملاً -ليس عاملاً على طين، إنما هو عامل على سَوانٍ لِسَوقِ الإبل والحمير والبقر- عند غروب الشمس مر به أحد الإخوان، ومعلومٌ أن العامل يكون متعباً من الرائحة الكريهة، ومن سَوق الإبل أو الحمير، وكان في يد العامل عصا يضرب بها هذه السواني، فهذا العامل كان متعباً آخر النهار، وكان يغني، ومعلومٌ أن الغناء يشد الإنسان، ويشد أيضاً البهائم، حتى الإبل في الحداء ما شاء الله تُحَمْلِج، فعندما مرَّ عليه هذا الرجل الذي يملك غيرة شديدة تكلم على العامل، وقال له: يا الذي فيك ما فيك، وسَبَّه بما لا أحب أن أذكره الآن، وقال: صوت الرحمن مع صوت الشيطان؟! ما هو صوت الرحمن؟ الأذان، مع صوت هذا العامل.
فالعامل كاد ينفجر، فقال: إما أن تنصرف عني وإلا فهذه العصا أكسِّر بها رأسك.
وأبى الرجل أن ينصرف.
فالعامل عاند وقال: اذهب وصلِّ ولا دخل لك بي.
فجاء هذا الرجل الذي يعتبر من أهل الخير إلى الشيخ -وسُمِّي لي الشيخ؛ ولكن لا حاجة للاسم- فقال للشيخ: أنا مررتُ بالمكان الفلاني، ووجدت العامل ونصحتُه وقال لي: كذا وكذا.
فقال الشيخ: اتركه، وأنا إن شاء الله أنظرُ أمرَه.
فذهب إليه الشيخ في اليوم الثاني عند غروب الشمس، ووجده يغني، يروِّح على نفسه قليلاًَ، وينشد السواني، فركز الشيخ عصاه، ووضع المشلح عليها، ومعلومٌ أن الناس كانوا يفعلون هذا في الأول، وجاء الشيخ وسلم عليه سلاماً عادياً ومُطْمَئِناً، وقال: السلام عليكم.
فرد العامل: وعليكم السلام.
فقال الشيخ: يا ألله قَوّ! لا يقصد الشيخ قَوَّى على الغناء، بل قَوّ على الصلاة.
فلما قال الشيخ هذا الكلام انشرح صدر العامل، فذهب الشيخ وتوضأ، وجاء إلى العامل، فقال: أما تذهب معنا لتصلي؟ قد أذَّن المؤذن، وسيقيم الآن.
قال: ماذا قلتَ؟! قال: قلتُ هذا الكلام.
قال: جزاك الله خيراً، والله لقد مرَّ عليَّ شخص بالأمس وبدأ يشتم، وقال، وفعل، وترك، فقلت له: يا شيخ، طوَّل الله عمرك، والله إذا لم تنصرف من هذا المكان لأكسرنَّ بهذه العصا رأسك.
قال: يا بن الحلال! ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] .
فذهب الشيخ ليصلي، وإذا العامل ترك العمل وتوضأ ولحق بالشيخ، فالتفت الشيخ بعدما سلم، وإذا به يجد العامل يتم ركعةً ولم يقل له شيئاً.
وفي الليلة الثانية لم يذهب الشيخ إليه؛ ولكنه وجد هذا العامل لم يفته شيء من الصلاة.
سبحان الله! لماذا؟ لأنه أتاه بالرفق واللين.
وهذا مهم جداً في جانب الدعوة، ألا تعنِّف، قال الله للنبي ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] سبحان الله! يقول الله هذا لأفضل الخلق.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] .
стр. 2005
صلاة النبي ﷺ بعد الوتر
في كتاب زاد المعاد لـ ابن القيم أورد الشيخ ابن القيم في معرِض كلامه عن صلاة القيام أن الرسول ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس، فهل هذه من السنة التي وردت عن رسول الله ﷺ ؟ وما هي صفة صلاة الوتر؟
كان النبي ﵊ أحياناً يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً، فاختلف العلماء في تخريج هذا، إذْ كيف يقول: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ثم يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً؟! فقال بعض العلماء: نأخذ بقول الرسول، وأما فعلُه فهو خاصٌّ به؛ لأننا إذا واجهنا الله يوم القيامة وقلنا: إنَّا نصلي ركعتين بعد الوتر؛ لأن نبيك صلاها، سيقول الله : ألم يقل لكم نبيي: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ؟! وهل قال: صلُّوا ركعتين بعد الوتر وأنتم جالسون؟! إذاً: فاتْبَعِ القولَ، وعلى هذا التقييم لا إشكال إذا قالوا: هاتان الركعتان صلاهما الرسول ﵊، ولا نعلم هل هي تشريع للأمة، أم هي من خصائصه ﷺ .
وقال بعض العلماء: إن هاتين الركعتين لا تنافيان قول النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) لأن هاتين الركعتين بمنزلة الراتبة للفريضة، فهما دون الوتر مرتبةً، ولهذا يصليهما جالساً لا قائماً، فهما للوتر بمنزلة الراتبة للفريضة.
وعلى هذا فلا يكون في الحديث مخالفة لقوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) .
وهذا هو الذي ذهب إليه ابن القيم وجماعة من أهل العلم.
السائل: يا شيخ! وهل نعمل بهذه السنة؟ الشيخ: اعمل بها أحياناً.
стр. 2006
مسألة: أطراف الحرم ليس له حكم المسجد في أجر الصلاة
بالنسبة للصلاة داخل الحرم المكي، هل للإنسان نفس الأجر الذي يحصل عليه داخل الحرم إذا صلى في أطراف مكة؟
الصحيح في هذه المسألة أن الإنسان لا يأخذ الأجر، إذا صلى في مساجد مكة غير المسجد الحرام؛ لأن قول النبي ﷺ : (صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه) يراد به مسجد الكعبة، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) ، وهذا نص.
وقال الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقد أُسْرِي به من الحِجْر، حِجْر الكعبة، الذي هو الجدار القصير الشمالي.
فإذاً: المسجد الحرام هو: مسجد الحرام هو: مسجد الكعبة، وقال ﵊: (لا تُشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام.
) الحديث، فما رأيك لو شدَدْتَ الرَّحْلَ إلى مسجد في (العزيزية) في مكة؟! هل يجوز أو لا؟! لا يجوز.
إذاً: المسجد الحرام الذي الصلاة فيه بمائة ألف صلاة؛ هو المسجد الحرام الذي تُشَدُّ إليه الرحال.
لكننا نقول: لا شك أن الصلاة في الحرم وليس في مكة فقط، بل في الحرم الدائر، الذي هو كل حدود الحرم لا شك أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في الحِل، لا شك في هذا، فمثلاً: الآن مزدلفة حرم، ومنى حرم، فكذلك ما حول مكة يعتبر كله حرم، فالصلاة في هذا الحرم أفضل من الصلاة في الحِل، والدليل على ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان نازلاً في الحديبية، وكانت الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، فكان نازلاً في الحل؛ لكنه كان يصلي داخل الحرم، أي: ينتقل من الحل إلى الحرم فيصلي فيه، فهو نزل في الحل؛ لأنه أوسع للإنسان، وأما الحرم فلا يستطيع الإنسان أن يقطع فيه شجرة، أو يحش حشيشاً، فالرسول نزل في الحل ليكون أوسع له، فيقطع الشجرة، ويحش الحشيش، ثم إن المعاصي في الحل أهون من المعاصي في الحرم.
فالمهم أن الذي نراه هو هذا.
وقد يقول قائل: لماذا كان الرسول ﷺ في الحديبية يجلس في الحل، ويصلي في الحرم؟! فهذا يدل على أن الحرم أفضل.
فنقول: نعم، هو أفضل؛ لكن كلامنا على مائة ألف، لا على أن هذا أفضل، أو أن هذا غير أفضل.
стр. 2007
فتنة الإنسان عند الاحتضار
شيخي الفاضل، إني أحبك في الله، نفع الله بعلمك وبارك فيك! ذكرتَ في شرحك لهذه الآيات المباركة أن المُحْتَضَر يُفتن، فهل هذا خاص بالكافر، أم بجميع المُحْتَضَرِين؟
أحبك الله الذي أحببتني فيه.
أما الكافر فكافر، يموت على الكفر؛ لكن المؤمن الذي على خطر هو الذي يُفتن.
السائل: قلتَ أنه يُفتن، فيقال له: كن نصرانياً، أو كن يهودياً.
الشيخ: هذا يُسمى عرض الأديان، وعرض الأديان هل هو على كل ميت؟! لا.
ليس على كل ميت؛ لكن من الناس من يُفتن، يقال إن الإمام أحمد ﵀ في سياق الموت كان يُغمى عليه فيسمعه مَن حولَه يقول: بَعْدُ! بَعْدُ! فإذا أفاق قالوا: ما بَعْدُ! بَعْدُ! يا أبا عبد الله؟! قال: رأيتُ الشيطان يعض أنامله يقول: فُتَّنِي يا أحمد، فقلتُ: بَعْدُ! بَعْدُ! كيف هذا؟! لأن الإنسان ما دام لم تخرج روحُه فهو عرضة للفتنة.
стр. 2008
حكم السلام عند الدخول على مجالس العلم والذكر
إذا دخل الإنسان على حلقة، هل يسلم أو يجلس فيستمع؟!
إذا دخل الإنسان على حلقة ذكر، أو قرآن، أو علم، أو أي شيء فمن العلماء من يقول: لا تسلِّم؛ لأن المشغول لا يُشْغَل، فهؤلاء مشتغلون بعلمهم، أو قراءتهم، أو ذكرهم.
ومنهم من يقول: سَلِّم.
والصواب: أنه إذا كان المجلسُ مجلسَ علم عام فلا بأس أن تسلم فتقول: السلام عليكم، فمَن سَمِع يَرُدُّ، ومَن لم يسمع ليس عليه شيء.
لكن إذا كان المجلسُ مجلسَ تحقيق علم وبحث، فالأولى ألا تسلم؛ لأنك تشغل الناس، وكذلك القرآن، فبعض الناس إذا صار يقرأ عن ظهر قلب، إذا سَلَّم عليه شخص ضيَّعَ عليه موقفه، فيضطر القارئ إلى أن يعيد من أول السورة، أو من أول الآية، فالإنسان ينظر للمصلحة.
стр. 2009
حكم فرش المسجد باللبّاد
سمعنا لك فتوى عن اللَّبَّاد أنه لا يجوز فرشُه في المسجد.
الشيخ: اللَّبَّاس؟! السائل: اللَّبَّاد: إسفنج يوضع تحت سِجَّاد المسجد.
الشيخ: أقول: بارك الله فيك، وفي الإخوان، وفينا إن شاء الله جميعاً: ما أكثر ما يُنسب إلي من الأقوال! وهذه بلوى، أنا لا أدري هل الرجل الذي إذا أحب شيئاً قال: لا يكون مقبولاًَ مني إلا إذا قلتُ: قال به فلان، أو قال به فلان؟ أم ماذا؟! هذا لا يجوز أبداً.
وأنا أقول لكم في هذا المكان، ولكل مَن سمع قولي هذا: إذا سمعتم عني ما تستنكرونه فراجعوني، قد أكون مخطئاً فيهديني الله على أيديكم، وربما نُقِل عني خطأً فأبيِّن أنه خطأ، وقد يكون صواباً فأبيِّن أنه صواب.
فأقول: الإسفنج لا أقول: إنه حرام؛ لكن أقول: لا ينبغي أن يصل بنا الحد إلى هذا الترف، ثم إذا كان الإسفنج ليناً فإن وضعتَ عليه جبهتك وضعاً فقط دون أن تكبس عليه فهذا لا يجزئك في السجود، وقد ذكر ذلك أهل العلم في كتبهم، قالوا: إذا سجد الإنسان على عِهْنٍ منفوشٍ أو على قطن، واقتصر على مُمَاسَّة الجبهة لهذا فقط دون أن يكبس عليها فإن سجوده لا يصح، وهذا حق، والدليل على ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) .
وفي قوله: (يُمَكِّن جبهته) دليلٌ على أنه لابد من التمكين.
هذا هو الجواب؛ أنني لا أحبِّذ أن يصل بنا الترف إلى هذا الحد، وإذا كان الصحابة في عهد الرسول ﵊ يصلون على الحصباء -أي: الحصى-، وكما سمعتَ حديث أنس، إذا لم يستطع تمكين جبهته في الأرض بسط ثوبه فسجد عليه، فكيف يصل بنا الترف إلى أن نجعل مساجدنا كأنها فُرُش نوم؟! أما إنه حرام فلا أستطيع أن أقول: أنه حرام، وذلك لأنه لا يحل لأحد أن يقول في شيء أنه حرام إلا بنص، واعلموا أن أئمتنا ﵏ كالإمام أحمد وغيره لا يقول بالحُرْمة إلا في الشيء الذي ورد فيه نص أنه حرام، حتى لو كانت هناك أدلة دلت على تحريمه، فإنه لا يستطيع، بل كان في إجاباته كثيراً ما يقول: لا أحب ذلك، أو أكره ذلك، أو هذا لا ينبغي، أو اترك هذا، أو تجنب هذا، وأحياناً يراجَع فيقال له: هل هو حرام، فيقول: لا أدري، افعل كذا، فالتحريم شيء صعب جداً.
الآن نحن تَرِدُ إلينا أسئلة، فنقول: لا تفعل هذا، ثم يجيئك السائل فيقول: هل هذا حرام؟ فنقول: لا تفعل، وهل لا يتجنب الإنسانُ الشيءَ إلا إذا كان حراماً؟! فالمهم: أني ما قلتُ إن الإسفنج في المسجد حرام، وهذا الذي يُقال عني كذب؛ لكن ستسمعون أشياء عجيبة، إنما الواجب عليكم إذا سمعتم مثل ذلك أن تتصلوا بي وتسألوني، فالحمد لله التليفونات موجودة، والسيارات موجودة، وكل شيء بحمد الله موجود.
السائل: وهذه يا شيخ؟! الشيخ: هذه ليست بشيء، ولكن الذي يسمع لا يرى! حدِّد.
السائل: إشارة إلى السجاد.
الشيخ: السجاد ليس فيه شيء.
стр. 2010
مدة بقاء الميت في قبره
يا شيخ! إني أحبك في الله، ولقد قال أحد أئمة المساجد: إن رسول الله ﷺ قال: إن مدة بقاء الميت المؤمن في قبره يجعلها الله له كصلاة عصرٍ أو ظهر، فهل هذا صحيح؟
أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً متحابين في الله.
اعلم أن الزمن بالنسبة للميت يذهب سريعاً كأنه ليس بشيء.
وقد أمات الله رجلاً مائة عام فلما بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ، فماذا قال؟! ﴿لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] وهي مائة سنة! يوماً أو بعض اليوم؛ لأن الله قال: إن الله أماته في أول النهار وأحياه في آخر النهار.
وأهل الكهف لبثوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً، وهو نوم، والنوم ليس كالموت، بل الموت أسرع في ذهاب الوقت فيه، وهؤلاء الذين ماتوا ولهم ملايين السنين تجدهم كأنهم ما مرَّ عليهم شيء، كأنهم ماتوا الآن؛ فمن كان في نعيم تجده يمضي عليه الوقت سريعاً وأسرع بكثير؛ لكن الذي في جحيم يتباطأ الوقت عنده، ويكون الوقت عليه طويلاً، نسأل الله العافية، وهذا شيء مُشاهَد، حتى إن ابن خلدون وهو يعتبر من حكماء أهل الأخبار يقول: إن أيام الأمن وأيام الرغد تمضي سريعاً، وأيام الجوع وأيام الحروب والفتن تكون طويلة.
وهذا صحيح.
فأقول يا أخي: كل المدفونين إذا جاء يوم القيامة فكأنهم: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٦] ، ولهذا يقول المجرمون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] كأنه مرقد.
فالحاصل بارك الله فيك! أنا لا أعرف عن هذا الحديث هل هو صحيح أم لا؛ لكن أقول لك: إن المدة تزول سريعاً، أسرع من لمح البصر، والله أعلم.
стр. 2011
التأمين في الصلاة السرية
هل يُشرَع التأمين في الركعات السرية؟
في الصلاة السرية يقال: آمين؛ لكن لا يُجهَر بها.
السائل: أعني: هل يقول المصلي: آمين أو لا يقول؟ الشيخ: إذا انتهى من الفاتحة يقول: آمين في الصلاة السرية والجهرية؛ لكن لا يجهر بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية.
стр. 2012
المعاشرة بالمعروف لأقارب الزوج
هل لأم الزوج حق على الزوجة؟
لا.
أم الزوج ليس لها حق على الزوجة؛ لكن يكون مِن المعروف والإحسان، ويكون هذا مِمَّا ايوجب مودة الزوج لزوجته، فتراعيها في مصالحها، أو تخدمها في الأمر اليسير، وإذا أصبحت في الصباح تقول: صبَّحكِ الله بالخير يا فلانة! إما يا أم فلان! أو يا خالتي! لا فرق، وهذا حسن.
أما كونه واجباً فلا؛ لأن المعاشرة بالمعروف تكون بين الزوج والزوجة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2013
لقاء الباب المفتوح [٦٩]
في هذا اللقاء ألقى الشيخ الضوء على تفسير أوائل سورة البلد وما تضمنته هذه الآيات من معانٍ عظيمة، وذكر معاناة ومكابدة الإنسان في هذه الدار، وأن السعيد فيها من سعد بطاعة الرحمن ومخالفة الشيطان، والخاسر من طلب الدنيا فخسر الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
стр. 2014
تفسير آيات من سورة البلد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء التاسع والستون من اللقاءات الأسبوعية التي لُقِّبت بـ (لقاء الباب المفتوح) ، والتي تتم في كل يوم خميس، وهذا هو الخميس العاشر من شهر ربيع الأول عام: (١٤٥١هـ) .
نبتدئ هذا اللقاء بتفسير سورة البلد؛ لأننا قد بدأنا تفسير جزء عم من سورة النبأ.
يقول الله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ﴾ [الفاتحة:١] : البسملة آية مستقلة، وهي من كلام الله؛ لكنها ليست من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، بل هي آية مستقلة تُفْتَتَح بها السور إلا سورة براءة، فإن افتتاح سورة براءة بالبسملة من البدعِ، والخروجِ عن منهج الصحابة ﵃، بل ونحن نعلم أن البسملة لم تنزل بين سورة الأنفال وسورة التوبة؛ لأنها لو نزلت لحُفِظت، لقول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ؛ لكنها لم تنزل؛ إلا أن الصحابة عند جمع القرآن وكتابته الكتابة الأخيرة أشكلت عليهم سورة براءة، هل هي من سورة الأنفال، أم أنها مستقلة، فوضعوا فاصلاً دون البسملة.
ولي تعريجةٌ يسيرةٌ على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥-٢٦] فإني قرأتهما هكذا بفتحِ كلٍّ مِن (يُعَذَّبُ) و (يُوْثَقُ) ، وفسَّرتُهما على هذه القراءة؛ لأن في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى: بالكسر، وهي التي في المصحف، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥-٢٦] ، أي: لا يعذِّب عذابَ الله أحدٌ، بل عذابُ الله أشد، ولا يوثِق وثاقَ الله أحدٌ، بل وَثاقُ الله أشد.
القراءة الثانية: بالفتح، وهي: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥-٢٦] ، أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجل أحدٌ، ولا يوثَق وثاقَ هذا الرجل أحدٌ، وهذا هو الذي قرأنا الآيتين عليه، وفسرناهما به.
فلأجل هذا جَرَى التنبيه.
стр. 2015
تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد)
يقول الله : ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] .
(لا) هذه: لاستفتاح الكلام وتوكيده، وليست نافية؛ لأن المراد إثبات القسم، يعني: أنا أقسم بهذا البلد؛ و (لا) هذه أتت هنا للتنبيه والتأكيد.
و ﴿أُقْسِمُ﴾ القَسَم: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم على وجه مخصوص.
إذاً: كلُّ شيء مَحْلُوفٍ به فإنه لابد أن يكون معظماً لدى الحالف، وقد لا يكون معظماً في حد ذاته، مثل الذين يحلفون باللات والعزى، فهي مُعَظَّمة عندهم؛ لكنها في الواقع ليست عظيمة ولا مُعَظَّمة.
إذاً: فالحلف أو القَسَم أو اليمين -والمعنى واحد- هي: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم عند الحالف، على صفة مخصوصة.
وحروف القسم هي: الباء، والواو، والتاء.
والذي في الآية الكريمة هنا: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ هو حرف الباء.
﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ البلد هنا: مكة، وأقسَمَ الله بها لشرفها وعِظَمها، فهي أعظم بقاع الأرض حرمة، وأحب بقاع الأرض إلى الله ، ولهذا بُعِث منها رسول الله صلىالله عليه وعلى آله وسلم الذي هو سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه.
فجدير بهذا البلد الأمين أن يُقْسَم به؛ ولكن نحن لا نقسم به؛ لأنه مخلوق، وليس لنا الحق أن نقسم بالمخلوق، كما قال النبي ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، أما الله فإنه يُقْسم بما يشاء؛ ولهذا أقسم هنا بـ مكة في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] .
стр. 2016
تفسير قوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد)
قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢] قيل: المعنى: أقسم بهذا البلد حال كونك حالاًّ فيه؛ لأن حلول النبي صلىالله عليه وعلى آله وسلم في مكة يزيدها شرفاً إلى شرفها.
وقيل: المعنى: وأنت تستحل هذا البلد.
فيكون إقسام الله تعالى بـ مكة حال كونها حِلاًّ للرسول ﷺ ، وذلك عام الفتح؛ لأن مكة عام الفتح أُحِلَّت للرسول ﵊، ولم تُحَلَّ لأحد قبله، ولا تَحِلُّ بعد ذلك لأحد، كما قال ﵊، (وقد عادت حرمتُها اليوم كحرمتِها بالأمس) .
فيكون إقسام الله تعالى بهذا البلد مقيَّداً بما إذا كانت حِلاًّ للرسول، وذلك عام الفتح؛ لأنها في ذلك اليوم ازدادت شرفاً إلى شرفها، حيث طُهِّرت من الأصنام، وهُزِم المشركون، وفُتِحَت عليهم بلادهم عنوة، وصارت هذه البلد بعد أن كانت بلاد كفر؛ صارت بلاد إيمان، وبعد أن كانت بلاد شرك؛ صارت بلاد توحيد، وبعد أن كانت بلاد عناد صارت بلاد إسلام، فأشرف حالٍ لـ مكة كان عند الفتح.
إذاً: في قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢] معنيان، أرجو أن يكونا على بالكم.
стр. 2017
تفسير قوله تعالى: (ووالد وما ولد)
قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] : أي: وأقسم بالوالد وما ولد، فمَن المراد بالوالد؟ ومَن المراد بالولد؟ قيل: المراد بالوالد: آدم.
وبالولد: بنو آدم.
وعلى هذا تكون (ما) بمعنى (مَن) أي: ووالد ومَن وَلَد؛ لأن (مَن) للعقلاء، و (ما) لغير العقلاء.
وقيل: المراد بالوالد وما ولد: كلُّ والد وما ولد؛ الإنسان، والبهائم، وكل شيء؛ لأن الوالد والمولود كلاهما من آيات الله ، كيف يخرج -مثلاً- هذا المولود حياً سوياً، سميعاً بصيراً، من نطفة ومن ماء؟! وهذا دليل على كمال قدرة الله ، حيث أن هذا الولد السوي يخرج من نطفة، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] ، كذلك الْحشرات، وغيرها؛ تَخرج ضعيفة هزيلة، ثُمَّ تكبر إلى ما شاء الله تعالى مِن حَدٍّ.
إذاً: الصحيح أن هذه عامة، تشمل كل والد وكل مولود.
стр. 2018
تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] .
(اللام) هنا: واقعة في جواب القسم؛ لتزيد الجملة تأكيداً، وقد تزيد الجملة تأكيداً -أيضاً- فتكون جملةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ مؤكَّدةً بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، وقد.
﴿الْإِنْسَانَ﴾ اسم جنس يشمل كل فرد من بني آدم.
﴿فِي كَبَدٍ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: في استقامة، يعني: أنه خُلِق على أكمل وجه في الخِلْقة؛ مستقيماً، يمشي على قدميه، ويرفع رأسَه، وبدنُه معتدلٌ.
والبهائم بالعكس منه؛ الرأس على حذاء الدبر.
أليس كذلك؟! أما بنو آدم فلا، الرأس مرتفع أعلى البدن، فهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] .
المعنى الثاني: قيل: المراد بالكبد: مكابدة الأشياء، ومعاناتها، وأن الإنسان يعاني المشقة في أمور الدنيا، في طلب الرزق، وفي إصلاح الحرث، وفي غير ذلك، ويعاني -أيضاً- معاناة أشد مع نفسه، ومجاهدتها على طاعة الله، واجتناب معاصي الله، وهذا هو الجهاد الذي يُعتبر أشد من معاناة طلب الرزق، ولاسيما إذا ابتُلي الإنسان ببيئة منحرفة، وصار بينهم غريباً، فإنه سيجد المشقة في معاناة نفسه، وفي معاناة الناس أيضاً.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تكون الآية شاملةً للمعنيين؟
بلى.
وهكذا ينبغي إذا وجدتَ في الكتاب العزيز آية تحتمل معنيين، وليس بينهما مناقضة، فاحملها على المعنيين؛ لأن القرآن أشمل وأوسع.
فإن كان بينهما مناقضة فانظر الراجح، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فـ (قُرُوء) : جمع قَرْء، بفتح القاف، فما هو القَرْء؟ قيل: هو الحيض.
وقيل: هو الطهر.
فهنا لا يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعاً، لماذا؟! للتناقض.
لكن اطلب المرجِّح لأحد القولَين، وخُذْ به.
فهنا نقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] يصح أن تكون الآية شاملةً للمعنيين: أي: في حسن قامة واستقامة، وفي كبد بمعاناة لمشاق الأمور.
ولنقتصر على هذا القدر من آيات الله البينات، لنتفرغ للأسئلة.
ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يتلون كتابه حق تلاوته، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
стр. 2019
الأسئلة
стр. 2020
نصيحة للشباب في التحذير من الفرقة
فضيلة الشيخ! معلومٌ أنه قد تم إيقاف بعض الدعاة مِن قبل هيئة كبار العلماء، بموجب خطاب لسماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، وهذا الخطاب موجود بين أيدي الشباب، وقد ذُكِر في آخره أن ذلك الإيقاف للدعاة حمايةً للمجتمع من أخطائهم هداهم الله، فإذا جاء شخص يحذر من هذه الأخطاء وينبِّه عليها كتلميع أسماء بعض أهل البدع، ثار الناسُ على من يحذر من هذه الأخطاء، واتهموه بالطعن في الدعاة، وأصبحوا يتعصبون لأشخاص هؤلاء الدعاة، ويعادون ويوالون فيهم، فسبَّب ذلك فتنة وفرقة بين شباب الصحوة! فما توجيه سماحتكم جزاكم الله خيراً؟
توجيهنا لإخواننا وأبنائنا: أولاً: ألا يكون همهم القيل والقال؛ لأن النبي ﷺ (كان ينهى عن قيل وقال) .
ثانياً: ألا يكون همهم كثرة السؤال؛ ماذا حدث لفلان؟ وماذا صار على فلان؟ لأن النبي ﷺ (نهى عن كثرة السؤال) .
ثالثاً: وألا يكون همُّهم إضاعة الأوقات، وإفناء الأعمار؛ لأن النبي ﷺ (نهى عن إضاعة المال) وإضاعةُ الأعمار أعظم مصيبة من إضاعة الأموال، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] ، لم يقل: لعلي أبني البناء، أو أبني القصور، أو أركب المراكب الفخمة، أو أتزوج النساء الجميلات، أو ما أشبه ذلك، لم يقل هذا، بل قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] ، فدل ذلك على أن العمر أثمن من كل ما في الدنيا، وإضاعة أوقات الشباب في مثل هذه الأمور خسارة.
فالذي أرى إذا كان الناس يثقون في هيئة كبار العلماء، وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز فليجعلوا الأمر في ذمتهم وتحت مسئوليتهم.
وإذا كانوا لا يثقون؛ فهذا بلاء عظيم! ألا يثق الناس بولاة أمورهم من علماء وأمراء؛ لأن ولاة الأمور هم العلماء والأمراء، كما نص على ذلك أهل العلم.
فأقول: ينبغي لنا أن نبحث عن دور ينفع الناس، ويبنون به ما كان منهدماً، وألا يرجعوا إلى الوراء في الكلام الذي لا يستفيدون منه ولا يفيدون، وربما يحمل بعضَهم على الكذب والغيبة والطعن في الآخرين، فتحصل الفرقة بعد الاجتماع، والعداوة بعد الائتلاف، ويحصل الشر.
علينا أن نبحث الآن عن كيف نعمل؟! وكيف ندعو إلى الله؟! وهل الدعوة إلى الله مقيدة بشروط يحترز الإنسان منها، ويأخذ بالشيء على ما هو عليه، دون أن يُحدِث أمراً يؤدي إلى إيقافه؟! نحن نأمر بأن يُدعَى إلى الله على بصيرة؛ لكن نأمر أيضاً بأن يكون في الدعوة حكمة يُقْصَد بها البناء، ويُقْصَد بها إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم.
أما تناقل ما ذكره السائل من كتاب الشيخ عبد العزيز بن باز وفقه الله الموجه إلى وزير الداخلية، فلا أرى ذلك؛ لا أرى أن يتناقله الناس، ما الفائدة من ذلك؟! هذا مما يثير الناس على إحدى طريقين: طريقِ أناسٍ يتعصبون لـ هيئة كبار العلماء فيقولون: هؤلاء عندهم أخطاء يجب حماية المجتمع منها.
طريقِ أناسٍ يتعصبون لهؤلاء فيقولون: أخطأ العلماء وضلوا.
فيحصل تحزب إما إلى هؤلاء وإما إلى هؤلاء، والواجب إخماد الفتنة، وإزالة ما بها من فُرْقة، فلا أرى أن يتناقل الناس هذا الكتاب، وأرى أن مَن عنده شيء منه إن كان هناك مصلحة في حفظه فليحتفظ به، وإلا فليمزقه.
كما أرى -أيضاً- أن أشد من ذلك وأخطر ما يتناقله الناس مِمَّا يُرْسَل إلى هذه البلاد من الخارج في نشر ما يُدَّعَى أنه تقصير من الحكومة، أو إخلال بواجب عليها، أو انتهاك لِمُحَرَّم، فإن هذا أدنى ما يقال فيه: إنه غيبة؛ لأنه ينطبق عليه تماماً حد الرسول ﵊ للغيبة، ماذا قال لَمَّا سئل عن الغيبة؟! قال: (ذِكرُك أخاك بما يكره) ، ولا شك أن الدولة تكره أن تُنْشَر هذه الأشياء التي تنسب إليها، تكرهها قطعاً، إذاً: فهو غيبة، والغيبة من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلاة، ولا الصيام، ولا العمرة، ولا الحج، والتي يكون الإنسان فيها على خطر، أن يعاقَب، هذا إذا كان ما يُنْشَر صحيحاً ثابتاً، أما إذا كان غير صحيح بمشاهدة العيان، وسماع الآذان فإنه ينضاف إلى كونه غيبة أن يكون بهتاناً؛ لأن النبي ﷺ سئل فقيل له: (أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) .
وحسبما نسمع عن بعض هذه المنشورات أن في بعضها كذباً لا حقيقة له، وإنما المقصود التشويه.
فنحن نحذر من تناقل هذه المنشورات، ونرى أن في تناقلها إثماً؛ لأنه لا يزيد الطين إلا بلة، ولا يكسب الإنسان إلا إثماً؛ لأن مقام العلماء ومقام الأمراء والسلاطين مقام حساس، غيبة العالم ليست كغيبة رجل الشارع، وغيبة ولي الأمر ليست كغيبة الكناس ونحوه، غيبة العالم قَدْحٌ فيه بعينه، ثم تقليل للثقة فيما ينشره من شريعة الله، وهذه هي النقطة الخطيرة؛ إذا قلّت ثقة الناس بما يقوله العالم؛ فقد ضاع كل علمه أو أكثره، وعلمُه هو مِن الشريعة، وإذا قلَّت هيبة ولاة الأمور من الأمراء والسلاطين قَلَّ انقياد الناس لهم، واتباع أوامرهم التي لا تخرج عن شريعة الله، وإذا قلَّ ذلك حصلت الفوضى، وصار كل إنسان يعبث على ما يريد، فالمسألة يا إخواني خطيرة! الآن لو أن أحداً من الناس كتب منشوراً فالذي عن يمينه أو عن يساره من عامة الناس -وإن شاء الله فيهم خير- يريد أن ينشره في الناس، أفلا يعتبر هذا عدواناً عليهم؟! هذا عدوان لا شك، وغيبة.
هذا مع أنهم لو قلَّت ثقة الناس بهم، أو انحط قدرهم عند الناس، لم يؤثر شيئاً لا في الأمن، ولا في الشريعة، فكيف إذا كانت الغيبة تخل الأمن، أو تخل بالشريعة؟! وأنا بسطتُ هذا لأني رأيتُ أناساً يحبون الخير، فيظنون أن في نشر هذه المنشورات فائدة، وإني أشهد الله، ثم أشهدكم أن اعتقادي في نشر هذه المنشورات التي ليس فيها إلا الغيبة والسب من كبائر الذنوب، وأن الإنسان لا يزداد بها إلا إثماً، وأن أي فساد يحصل في المجتمع من جراء هذه المنشورات فإن الإنسان سيبوء بإثمه.
كيف نهدم هذا الأمن بأيدينا؟! أمن، ورخاء، وطمأنينة، كيف نهدمها بأيدينا؟! ألم تعلموا أن من الناس من قاموا بالدعوة المسلحة ضد الحكومات التي ليست كحكومتنا، والتي تصرِّح بأنها تحكم بغير ما أنزل الله، وتضع القوانين الفرنسية، أو الإنجليزية، أو الأمريكية، أو الروسية؛ لتحكم بين عباد الله المسلمين بهذه القوانين؟! فما الذي يحصل؟! وماذا تكون النتيجة؟! تكون النتيجة: الأذى، وازدياد هذه الحكومات عنفاً، وسلطة، ولا استقرار ولا أمن! ثم إننا نرى أن الحكومات إذا ذهبت مَن يخلفها؟! هل يخلفها رجل كـ عمر بن الخطاب؟! أجيبوا! يخلفها شر منها، وهذا شيء مُجَرَّب.
فيجب على الإنسان أن ينظر إلى العواقب والنتائج، ثم ينظر إلى ما يلاقي به ربه يوم القيامة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ، ماذا يقول لله ؟! لماذا ينشر معائب العلماء، وتنشر معائب الأمراء؟! ما هي الفائدة؟! فنسأل الله تعالى أن يهدي إخواننا للبصيرة في دين الله، والحكمة في معاملة عباد الله.
стр. 2021
حكم تبيين الخطأ وكيفية تبيينه
فضيلة الشيخ! نريد ضابطاً في تحديد الغيبة! فإذا أخطأ عالِمٌ من العلماء في مسألة من المسائل مهما كان هذا العالم -مع احترامي وتقديري وكل ما يليق بمقامه- مثل قوله بأن الله غير مستوٍ على عرشه، هل تبييني بأن هذه المسألة خطأ، وتحذيري منها، وتبيين ما أخطأ فيه من مسائل الدين، وأنا لستُ في درجته من العلم يُعدُّ غيبة، أم أنه لا يجوز لي أن أبينها لأنني لستُ في درجته من العلم؟! أم أن الغيبة فقط هي القدح في شخص تكون نيته سيئة؟! فما الضابط في هذه المسألة؟
انظر بارك الله فيك! تبيين الخطأ واجب؛ لكن إذا قلتَ: مَن قال: إن الله استوى على العرش يعني: استولى عليه فقوله خطأ، وقوله منكر، ويلزم عليه لوازم باطلة، وأتيتَ بما عندك من الحجج فإنك ما عيَّنت أحداً.
فالتعميم خيرٌ من التعيين لسببين: السبب الأول: ألا يظن الظان أنك متعصب ضد هذا الشخص، ولاسيما إذا كان هذا الشخص مرموقاً بين الناس ومحترَماً، وله حسنات كثيرة.
السبب الثاني: أن يكون هذا الحكم عليه وعلى غيره ممن شاركه في هذه البدعة.
ولهذا انظر إلى مؤمن آل فرعون ماذا قال! ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] ولم يقل: أتقتلون موسى؛ لماذا؟ لأنه لو عيَّنه لقيل: بينه وبين موسى ارتباط شخصي يريد أن ينتصر له، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾ [غافر:٢٨] كأنه رجل نكرة، لا يعرفه، ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] .
كما فعل أبو بكر ﵁ مع قريش في معاملتهم النبي صلىالله عليه وعلى آله وسلم فقال: [أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟!] .
فالتعميم خير مِن التعيين مِن هذين الوجهين.
أما السكوت على الخطأ فهو خطأ، لاسيما إذا صدر الخطأ من شخص مرموق يؤخذ بقوله، ويُقْتَدى به؛ لكن قبل أن أبين خطأه أتصل به، وأناقشه، وأجعل مستواي في مستواه ما دام القصد الوصول إلى الحق، فإن تبين له الحق ورجع إليه؛ فهذا هو المطلوب، وإن لم يتبين وأنا أرى أنه خالف في أمرٍ لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإنه في الحال هذه يجب علي بيان الحق.
стр. 2022
تغيير الألفاظ غير العربية المستعملة بين المسلمين
لا يخفى عليكم كثرة الألفاظ الغير عربية المستعملة بين المسلمين مثل: (البيجر) و (الليموزين) ، والمشكلة عدم إيجاد المرادف لها من اللغة العربية إلا بعد انتشار الاسم الأعجمي، أو أن المرادف يكون طويلاً، أرجو التوجيه، وجزاكم الله خيراً!
جزاك الله خيراً للدفاع عن اللغة العربية التي نزل بها القرآن، والتي هي أشرف لغات العالم، حتى أنه رُوِي عن النبي ﵊ أن قال: (أنها لغة أهل الجنة الأولين والآخرين) .
والحقيقة كما تفضلتَ أنه ينبغي أن يُجعل بدل هذه الكلمات الأعجمية كلمات عربية، مثلاً: (البيجر) يُسمى بالعربية: (النداء الآلي) ، أو (المنادي الآلي) ، و (الليموزين) تسمى بالعربية: (سيارات الأجرة) ، وهي مكتوب عليها الآن (أجرة) ، فهذه إذا اعتادها الناس زال الاسم الأعجمي.
على أن هذه المسألة ليست ذات تغيير، وليست مهمة جداً؛ لأن هذه كلمات هي لأشياء معينة، وليست لمعانٍ تدور بين الناس وتنتقل المعاني العربية إلى معانٍ غير عربية، وقد ذُكِر في القرآن الكريم أشياء معربة وهي أعجمية مثل: (سندس) ، و (إستبرق) ، وما أشبههما.
فهذه الأعلام وإن جاءت باللغة الأعجمية إلا أنها عندي أمرها سهل؛ لكن لا شك أن الخير أن نوجد لها أسماءًَ عربية، وبشرط ألا تكون طويلة؛ لأن الاسم المطوَّل زاد الأمر بلاءً، فعندما تقول للعامي في السوق: أعطِ لي ساندويتشاً، فإنه يعطيك مباشرة.
стр. 2023
حكم تسمية الله بالمسعِّر
السؤل: فضيلة الشيخ! في عهد النبي ﷺ في المدينة غلت الأسعار، فقال الصحابة: (يا رسول الله! سَعرْ لنا، فقال النبي ﷺ : إن الله هو المسَعِّر، القابض، الباسط، الرازق) الحديث، فهل نسمي الله بالمسَعِّر؟
الذي يظهر لي أن هذه صفة من صفات الأفعال، يعني: أن الله هو الذي يُغَلِّي الأشياء ويرخِّصها، فليس من الأسماء، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم؛ لكنا نقول كما قال الرسول.
стр. 2024
مساواة الهبة للميراث في العطية بين الأولاد
فضيلة الشيخ! هل يقاس الميراث فيما إذا أراد أحد الأبوين إعطاء أولاده شيئاً من المال؟
نعم.
إذا أراد الأب أن يهب أولادَه مالاً، فهل يسوي بين الذكر والأنثى؟ أو يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؟ نقول: الصحيح أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأننا نعلم أنه لا قسمة أعدل من قسمة الله .
стр. 2025
حكم السهر بعد العشاء
هل النهي في الحديث عن السمر بعد العشاء للكراهة أم للتحريم؟ وما حكم لعب الكرة بعد العشاء ولو يوماً واحداً في الأسبوع؟
كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء، والحديثَ بعدها؛ لكنه ليس للتحريم، اللهم إلا أن يؤدي ذلك إلى ترك صلاة الفجر، فيكون حينئذ للتحريم، وتحريمُه من باب سد الذرائع.
وأما لعب الكرة بعد العشاء يوماً واحداً في الأسبوع أو كل يوم فإننا نسأل أولاً: كيف يلعب هؤلاء الكرة؟ أحياناً يلعبونها على وجه غير مَرْضِيٍّ، فتجد أفخاذهم عارية، أو بعض الفخذ أو أكثر الفخذ، وهم شباب، وظهور فخذ الشاب فتنة لا شك، ثم إنه قد يؤدي بهم الأمر إلى أن يَمْضِي بهم أكثر الليل في اللعب، ثم تفوتهم صلاة الجماعة، أو تفوتهم صلاة الفجر.
فلعب الكرة لا أرى فيه بأساً من حيث الأصل، ما لم يشغل عن واجب، أو يوقِع في محرم، فيكون حراماً لِهذا السبب.
стр. 2026
حكم رجل طلق زوجته طلقة رجعية ثم طلقها ثانية قبل أن يراجعها
فضيلة الشيخ! إذا طلق الزوج زوجته طلقة رجعية، ثم أردف لها طلقة ثانية أثناء العدة قبل أن يراجعها، فهل تقع هذه الطلقة الثانية؟
أكثر العلماء على ذلك، أي: على أنها تقع، فالطلقة المرادفة للطلقة تقع.
واختار شيخ الإسلام ﵀ أنها لا تقع، وأن الطلاق الثاني لا يقع إلا بعد نكاح أو رجعة، وقوله هو الصواب.
стр. 2027
سؤال عن التعقيب على تفسير الشيخ السعدي
فضيلة الشيخ! في التفسير للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي وجدنا في أحد الطبعات تعقبات من شخص يدعى محمد زاهر النجار، فما رأي فضيلتكم في هذا التعقيب؟
والله أنا ما راجعتُ الكتاب؛ لكن هناك أحد طلبة الشيخ عبد الرحمن ﵀ كتب تعقيباً على هذا التعقيب في كراسة أو كراستين، وهو أخونا محمد السليمان العبد العزيز البسام.
السائل: لكن هذه التعقيبات فيها ملاحظات.
الشيخ: هو عقَّب على التعقيب.
стр. 2028
حكم الاتكاء على اليدين من الخلف
مسألة إلقاء اليدين خلف الظهر والاتكاء عليهما، ما حكم هذا الفعل؟
الاتكاء على اليدين من الخلف لا بأس به إذا كانت اليدان كلتاهما.
أما إذا كانت اليمنى فلا بأس أيضاً.
أما الاتكاء على اليسرى على بطنها، فقد ورد أن هذه جلسة المغضوب عليهم.
стр. 2029
الحكم على جماعة التبليغ
انتشرت في الرياض عندنا جماعة الدعوة والتبليغ، وقد وجدنا عندهم أخطاء عظيمة، ومنها: في التوحيد، فما رأيكم؟ الشيخ: ما الذي وجدتم؟ السائل: أحدهم تكلم معي فقال: يزعم بعض الناس أن مشركي قريش اعترفوا بتوحيد الربوبية، وهذا خطأ.
الشيخ: هذه فقط؟ السائل: هناك بعض الأشياء؛ فمنهم من يقول، بل نفس هذا الشخص يقول بجواز الصلاة في مسجد فيه قبر، واستدل بالمسجد النبوي.
جماعة التبليغ رأيي فيهم أنهم جماعة لهم تأثير عظيم، ونَفَع الله بهم، فكم اهتدى على أيديهم من كافر أو فاسق! وهذه حسنة لا يجوز إنكارها أبداً، ثم هم هادئون لا يتكلمون في أحد، بل إنهم من شدة ورعهم -الذي قد نَحْمَدهم عليه وقد لا نَحْمَدهم- أنهم لا يتكلمون في مسائل العلم والفقه خوفاً من الزلل، وإذا استفتاهم أحد قالوا: اسأل العلماء.
لكن فيهم جهل عظيم، وفيهم جهل كثير؛ لأن عامتهم عوام، فلو أن طلبة العلم خرجوا معهم ونظروا إلى ما عندهم من البدع أو ما يُظَنُّ أنه بدعة وأرشدوهم؛ لكان في هذا خير كثير! وكم من أناس فسقةٌ فسقةٌ فسقة اتصل بهم هؤلاء التبليغيون، فصاروا من أفضل عباد الله.
لكن الذي أنصح به ألا يذهبوا إلى خارج البلاد السعودية؛ لأن المَجْمَع الذي يجتمع فيه التبليغيون خارج البلاد يقال لي: إن رؤساءه أهل بدع كبيرة.
وأما قولُ مَن وافقتَ منهم: إن المشركين لا يقرون بتوحيد الربوبية، فيكفي في هذا نداءً على جهله، وأنه يقرأ القرآن ولا يعرف معناه، فإن قريشاً يقرون بالربوبية، يقول الله : ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٥] .
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٦-٨٧] .
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٨-٨٩] ، فهم مُقِرُّون.
ويقول الله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] .
وهذا واضح صريح.
وأما استدلاله بجواز الصلاة في مسجدٍ بُنِي على قبر بالمسجد النبوي؛ لأن فيه قبر النبي ﷺ فهذا أيضاً من جهله؛ لأن قبر النبي صلىالله عليه وعلى آله وسلم لم يُحْدَث في مسجد، ولم يُبْنَ عليه مسجد! وإنما دفن في بيت عائشة ﵂، لكن لَمَّا احتاج الناس إلى توسعته ورأوا أن أنسب مكان يُوَسَّع منه هي الجهة الشرقية وَسَّعُوهُ، وبقي القبر في مقصورته في مكانه في بيت مستقل، فليس هو في المسجد، ولم يُبْنَ المسجد عليه.
وهذا واضح.
стр. 2030
تعيين صاحب البدعة قبل إقامة الحجة عليه
أحسن الله إليك يا شيخ! رجل وقع في بدع متنوعة في كتبه وأقواله، فهل يشترط لتسمية هذا الرجل أو غيره من الناس مبتدعاً أن تقام عليه الحجة؟
والله -بارك الله فيك- إن كان هذا الرجل موجوداً والناس يأخذون منه وهو داعية؛ فلا بد من ذكر اسمه، وإلا فلا حاجة إلى ذلك، وإنما اذكر القول الذي ضل فيه وبين أنه ضلال، وكما قلتُ قبل قليل: إن التعميم أحسن من التعيين، أما إذا كان موجوداً -كما أسلفتَ- وترى الناس يرتادونه، ويأخذون من بدعه، فهنا قد نقول: إن تعيينه متعين.
стр. 2031
وجوب صلاة الجماعة على المسافر
إنسان يسافر إلى الرياض للدراسة في الجامعة، فيذهب مساء الجمعة ويرجع إلى أهله وإلى بلده عصر الإثنين، فهل يطبق حكم المسافر من ناحية قصر الصلوات وجمعها؟
هو مسافر لا شك؛ لأنه لم يتخذ بلد الدراسة وطناً، ولم ينوِ فيه الإقامة المطلقة، بل إقامته لغرض؛ لكنه إذا كان في بلد تقام فيه الجماعة فيجب عليه أن يحضر الجماعة، وأما ما اشتهر عند بعض العوام أن المسافر لا جماعة عليه ولا جمعة فهذا لا أصل له، بل إن الجماعة واجبة على المسافر ولو كان في القتال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] ، والجمعة واجبة على كل مَن سمع النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ؛ لكن إذا فاتتك الصلاة وأنت هناك، أو كنت في مكان بعيد عن المساجد؛ فإنك تصلي الرباعية ركعتين.
стр. 2032
صحة صلاة أكثر من فرد خلف صف لم يُكمل
قوله ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) ، لو جاء أكثر من رجل وأدركوا الإمام وهو راكع، ووقفوا في الصف الثاني مع وجود فجوات من اليمين والشمال، هل نقول إن صلاتهم لا تصح أو عليهم الإعادة؟
إذا وقف اثنان خلف الصف الذي لم يتم، سواء خافوا فوات الركعة أم لم يخافوا، فصلاتهم صحيحة؛ لكنهم تركوا الأفضل، وهو إكمال الأول فالأول.
السائل: هذا على قول من قال بصحة صلاة المنفرد.
الشيخ: نعم.
على قوله؛ لأنه ليس منفرداً، فالرسول ﵊ رأى رجلاً يصلي وحده خلف الصف.
على أن القول الراجح أنك إذا وجدتَ الصف تاماً فلا حرج عليك أن تقف منفرداًَ.
стр. 2033
سبب التنوين في قوله تعالى: (يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئاً)
فضيلة الشيخ! قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلَىً عَنْ مَوْلَىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١] ما سبب التنوين في قوله: ﴿مَوْلَىً عَنْ مَوْلَىً﴾ [الدخان:٤١] ؟
هذا مثل ﴿هُدَىً﴾ [البقرة:٢] فالألف هنا ليست ألف تأنيث، فالذي يمتنع من التنوين إذا كانت الألف فيه ألف تأنيث، أما هذه فهي من الاسم من بُنية الكلمة، مثل: (هدىً) ، ورِضَاً، وما أشبههما.
стр. 2034
حكم نكاح الشغار
يا شيخ! انتشر في القرى المجاورة نكاح الشغار، وهناك رجل عمره (٥٠) سنة تقريباً خطب فتاة صغيرة في السن، فزوَّجه والدها على أساس أن يزوج هذا الرجلُ الخاطبُ ابنتَه لوالد هذه الفتاة، وكان بينهما صداق، فما هو موقف الداعية القريب منهما في هذا الأمر؟ ونصيحتك يا شيخ لمثل هؤلاء!
إذا كان بينهما صداق فالأمر سهل، بشرط أن يكون صداق المثل، فيكون النكاح صحيحاً؛ لأن الفقهاء ﵏ مختلفون في هذه المسألة: إذا سُمِّي صداقٌ صداقَ مثل، وبدون إكراه من الزوجة هل يصح أو لا! والراجح أنه يصح.
لكن ليس قولي: إنَّ الراجح أنَّه يصح أنِّي أفتح الباب للناس، لا؛ لكن في مثل هذه المسألة التي وقعت وانتهت ولها خمسٌ وعشرون سنة، وقد أتاهم الأولاد، فإننا لا نفرق بينهم.
السائل: حصل قريباً يا شيخ! الشيخ: حتى ولو كان قريباً، ما دام المهر كاملاً.
وأنا أرى أن نكاح الشغار صحيح إذا تمت فيه شروط ثلاث: الأول: أن يكون كلٌ من الزوجين كفؤاً للمرأة.
الثاني: أن يُسمى مهرُ المثل.
الثالث: ألا تُكرَه واحدةٌ منهما على النكاح.
أنا أرى أن هذا صحيح؛ ولكن لا يجوز للإنسان أن يمنع ابنته حتى يأتيه رجل يتفق معه على هذه الشروط، هذا حرام ولا يجوز.
стр. 2035
الشعر الذي على الخد من اللحية
فضيلة الشيخ! هل الشعر الذي على الخد يعتبر من اللحية؟
الشعر الذي على الخد من اللحية، كما جاء ذلك في القاموس المحيط للفيروز آبادي.
следующие страницы →