Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
زكاة الخليطين، وحكم زكاة أحدهما عن الآخر
فضيلة الشيخ! الخليطان في بهيمة الأنعام إذا أخذ المزكي زكاة من مال أحدهما فما موقف الآخر بالنسبة للأول؟
الخليطان إذا أخذ المزكي من مال أحدهما فإنه يرجع على الآخر بما يلزمه من هذه الزكاة، فمثلاً: من له أربعون والثاني له عشرون يرجع عليه بالثلث إذا كان صاحب الأربعين هو الذي بذلها، ويرجع عليه بالثلثين إن أخذت من مال صاحب العشرين؛ لأن المال الخليط كالمال الواحد.
السؤال: فضيلة الشيخ، إذا كان هناك خليطان وتبرع أحدهما بدفع الزكاة عن الآخر، فما حكم الآخر، هل يزكي، أم أنه لا يدفع زكاة؟ الجواب: إذا أجاز الثاني تصرف خليطه فلا بأس، لا سيما إذا كان الواجب في الزكاة عين واحدة، مثلاً: شاة واحدة لا يمكن أن تتجزأ، أما إذا كان الواجب شاتان وكان مالهما متساوياً فهذه ربما نقول: انتظر لأجل أن تؤدي زكاة نفسك وصاحبك يؤدي زكاة نفسه ومع هذا نقول: إذا أجازها صاحبها فلا بأس.
стр. 2557
حكم التعمق في البحار والأرواح وغيرها
فضيلة الشيخ! ما حكم التعمق في البحار وكذلك الأرواح وعلم السماوات وغيرها؟
أما التعمق بما يمكن إدراكه فلا بأس به إذا لم يشغل عما هو أهم منه، ومعلوم أن البحار يمكن إدراكها في العلوم لأنها أمر محسوس، وكذلك الأفلاك كالشمس والقمر وغيرها، وأما ما لا يمكن إدراكه فالتعمق فيه تنطع وإضاعة وقت، مثل أن يتعمق الإنسان فيما يتعلق بصفات الله ، أو فيما يتعلق باليوم الآخر، أو فيما يتعلق بمسائل القبر والبرزخ؛ لأن هذا لا يمكن إيضاحه، فهذا هو التفصيل في هذا الأمر.
стр. 2558
قصر الصلاة في السفر
فضيلة الشيخ، هناك مسافرون وفي أثناء السفر لا يجدون إماماً مقيماً، فتارة ينوي القصر فإذا هو متم، وتارة ينوي الإتمام فإذا به يقصر، وهذا إذا لم نلحق تكبيرة الإحرام، فما هو الحكم؟
الحكم في ذلك أن ننظر لظاهر الحال، فمثلاً: إذا كان هذا المسجد على الطريق فالغالب أن الذين يصلون فيه مسافرون فينوي القصر، وأما إذا كان المسجد في البلد فالغالب أن الذين يصلون مقيمون، فينوي الإتمام.
السائل: فضيلة الشيخ، لو نويت القصر ثم أتم الإمام؟ الشيخ: أتم معه.
السائل: إذا كانت الصلاة جماعة وما تدري هل يتم أو يقصر؟ الجواب: انظر للظاهر، ما هو الظاهر من هذا الإنسان، إذا كان المسجد على الطرق أو في المحطات محطة البنزين فهذا الظاهر أن الذين يصلون مسافرون، فتنوي القصر، فإذا أتم فأتم، فلو دخلت معهم في الركعة الثانية وبنيت على أنه مسافر وأنه يقصر ثم أتم فإنك تتم، إذا سلم تأتي بركعة.
стр. 2559
حكم تعليق القرآن في البيوت، ومعنى التولة
ما حكم من يعلق القرآن والآيات في البيت؟ وهل هذه التي تسمى التولة؟
أما تعليق الآيات في البيت فإن قصد بذلك التبرك فهو بدعة، وكذلك إن قصد التعبد لله فهو بدعة، وإن قصد التنبيه فلا وجه له، وذلك لأن الذين يجلسون في هذا المجلس ربما ينتبهون، وربما يكون مكتوباً فوق رءوسهم قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] ، ومجلسهم كله غيبة، وهذا إهانة للقرآن الكريم، وربما يقال: إنه من باب اتخاذ آيات الله هزواً، ثم إن السلف وهم أشد منا حرصاً على التنبيه والتذكير لم يكونوا يفعلون هذا.
ثم إن المسألة الآن تطورت فصاروا يكتبون هذه اللوحات وهذه الأوراق بكتابات كأنها نقوش، وكأنها زخارف، حتى ربما يكتبون الآية ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ:١٣] على صورة محراب، يكتبون: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] على صورة قلم، وربما: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء:٧٩] يكتبه على صورة طير، والجبال يكتبه على صورة جبل، والرمان يكتبه على صورة شجر الرمان، كل هذا غلط، وقد اختلف العلماء في: هل يجوز أن يكتب القرآن بغير الرسم العثماني؟ فكيف إذا كتب على هذه الأشكال والزخارف؟!! ولهذا أنا أنهى عنها، وأقول: لا تضع في مجلسك الخاص أو العام آيات معلقة، الآيات والحمد لله موجودة في المصحف، ومن أراد أن يتعظ بها فليأخذها من المصحف.
أما التولة فهي شيء يعلقونه يدعون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، ويشبه ذلك ما يسمونه عندنا بالدبلة، فإن بعضهم يكتب اسم امرأته في الخاتم الذي يلبسه وتكتب هي اسم الزوج في الخاتم الذي تلبسه، ويدعون أن هذا رابطة، حتى أن بعضهم إذا كان عليه دبلة من ذهب وقيل له: دعها اخلعها، قال: (الست تزعل) .
يعني بـ (الست) الزوجة، وكأنها تتشاءم لو أنه خلعها بأنه يفارقها، فالحاصل: أن التولة هي هذا الشيء الذي يحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وقد جاء في الحديث أنها من الشرك، فعلى الإنسان أن يتجنب من هذه الأمور، وأن يخلص لله في توكله وعبادته.
وإلى هنا ينتهي هذا المجلس، أعادنا الله وإياكم من أمثاله على خير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 2560
لقاء الباب المفتوح [٨٨]
هذا اللقاء يحتوي على موضوعين: الأول: تفسير قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
) فالله لم يأمر عباده بشيء يتعلق بأمور الدنيا، وإنما أمرهم أن يعبدوه سبحانه، وأن تكون عبادتهم خالصة.
أما الموضوع الثاني: فهو الحج والذي ذكر فيه الشيخ بعض المسائل والأحكام التي تتعلق به.
стр. 2561
تفسير آية من سورة البينة
الحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثامن والثمانون من لقاءات الباب المفتوح التي تتم في كل خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس السادس من شهر ذي القعدة عام (١٤١٥هـ) ، وأرى أن نتكلم عما يتعلق بالمناسك لقرب وقته، ولكن ذكر لي الأخ موسى أنه قد سقط تفسير آية من سورة البينة هي قوله ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
стр. 2562
تفسير قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله)
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة:٥] أي: أن الناس لم يؤمروا بشيء يتعلق بأمور الدنيا، أو بشيء يكلفهم، بل هو بشيء سهل عليهم وهو: عبادة الله ، ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] فما هي العبادة؟ العبادة تطلق على معنيين: المعنى الأول: التعبد، ويقال: هذا الرجل تعبد لله عبادة.
والمعنى الثاني: المتعبد به، فيقال: الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، وهكذا.
فعلى المعنى الأول: يكون معنى العبادة: تذلل العبد لربه محبة وتعظيماً بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وعلى المعنى الثاني تكون العبادة هي: المتعبد به، يكون معناها كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، فالصلاة عبادة، والطهارة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وكل عمل يقرب إلى الله تعالى فإنه عبادة، ولكن الله تعالى ذكر أن هذا الأمر مقرون بشيئين: الأول: الإخلاص لله تعالى، أي: أن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد دنيا يصيبها، ولا امرأة يتزوجها، ولا جاهاً يشهره به عند الناس، ولا غير هذا من الأمور الدنيوية، فمن قصد سوى الله بعبادته فهو مشرك، حابط عمله، ودليل هذا قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] وفي الحديث القدسي الصحيح (أن الله تعالى قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) وفي الحديث النبوي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) هذه أدلة وجوب الإخلاص للعبادة.
وأما الثاني: فهو الاتباع، يعني: اتباع شريعة الله، ودليله قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] والحنيف: هو المائل عما سوى شريعة الله ، مأخوذ من الحنف وهو ميل الإصبع.
فلابد من اتباع الشريعة والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فلابد في العبادة من الإخلاص والمتابعة.
стр. 2563
تفسير قوله تعالى: (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)
وقوله : ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة:٥] هذه معطوفة على قوله: (يعبدوا) أي: ما أمروا إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ونص عليهما؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والصلاة أوكد من الزكاة، ولهذا كان ترك الصلاة كفراً ولم يكن البخل بالزكاة كفراً.
стр. 2564
تفسير قوله تعالى: (وذلك دين القيمة)
قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ذلك المشار إليه مما ذكر من عبادة الله على الوجه المذكور الإخلاص والمتابعة، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، هو دين القيمة أي: دين الملة القيمة؛ لأنها شريعة الله التي جاء بها رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هذا هو تفسير الآية الكريمة ونرجو من الأخ موسى أن يلحقها في التفسير الذي سبق.
стр. 2565
مسائل تتعلق بالحج
стр. 2566
منزلة الحج في الدين الإسلامي
مسألة: ما منزلة الحج في الدين الإسلامي؟
منزلته أنه أحد أركان الإسلام، لقول النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام) .
وهو فرض بإجماع المسلمين المستند على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] ، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) .
فمن تركه مع وجوبه عليه، فإن كان جاحداً لوجوبه فهو كافرٌ لجحده وجوبه، إلا إذا كان حديث عهدٍ بإسلام ولم يعرف أحكام الإسلام فهذا يعذر بجهله ويعلم، فإن أصر على الجحد بعد أن علم فهو كافر، وأما إذا تركه تهاوناً وتكاسلاً فإن القول الراجح: أنه لا يكفر؛ لأنه لا كفر بترك الأعمال إلا الصلاة فقط، قال عبد الله بن شقيق ﵀ وهو من التابعين [كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة] فمن تهاون في الحج حتى مات فإنه لا يكفر على القول الراجح، وإنما قلت على القول الراجح؛ لأن بعض العلماء يقول: إنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] أي: من كفر فلم يحج، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ﵀، لكن القول الراجح هو ما فسرت لكم: أنه لا يكفر.
стр. 2567
الزمن الذي فرض فيه الحج
مسألة: متى فرض الحج؟ نقول: فرض الحج في السنة التاسعة من الهجرة، أما قبل ذلك فلم يفرض، والحكمة -والله أعلم- أن ما قبل السنة التاسعة كان البيت تحت ولاية المشركين؛ لأن مكة فتحت في السنة الثامنة من الهجرة وبقي النبي ﷺ بعد الفتح هناك آخر رمضان وأول شوال ثم قاتل ثقيفاً ولم ينته من قتاله إلا في أثناء ذي القعدة، ثم فرض الحج في السنة التاسعة، هذا هو القول الراجح من أقوال العلماء، وإن كان بعضهم يقول: إنه فرض في السنة السادسة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الآية أمر بالإتمام ليست بالابتداء، والكلام على الفرض ابتداءً.
стр. 2568
حكم الحج على من تمت شروط الوجوب عليه
مسألة: هل يجب على الإنسان إذا تمت شروط الوجوب عليه أن يبادر بالحج، أو له أن يؤخر؟
في هذا خلاف بين العلماء: منهم من يقول: إن له أن يؤخر.
والصحيح: أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب أن يبادر؛ لأن جميع الواجبات تجب على المبادرة إلا بالدليل، فإن قيل: كيف يصح أن نقول: إنه على الفور، وأنه يجب المبادرة به ونقول: أنه فرض في السنة التاسعة ولم يحج النبي ﷺ ؟ قلنا الجواب عن ذلك: إن النبي ﷺ لم يحج في السنة التاسعة؛ لأن وفود المسلمين كثرت في تلك السنة، ولهذا تسمى هذه السنة: عام الوفود، ومعلوم أن النبي ﵊ إذا بقي بـ المدينة يتلقى الوفود ويعلمهم الإسلام كان خيراً من أن يذهب إلى مكة ويحج.
ومن ناحية أخرى: في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين قبل أن يحرم عليهم قربان المسجد الحرام، وحجوا عراة، فأذن مؤذن المسلمين وأعلم الناس: ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فاختار الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تكون حجته مع المسلمين خاصة، ليس فيها مشرك، ولا من يطوف بالبيت عريان.
стр. 2569
شروط وجوب الحج
المبحث الرابع: من الذي يجب عليه الحج؟ هل كل إنسان يجب عليه الحج؟ لا.
بل قيد الله ذلك بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] فلا بد لوجوب الحج من شروط: الأول: الإسلام.
والثاني: البلوغ.
والثالث: العقل.
والرابع: الحرية.
والخامس: القدرة وهي: الاستطاعة.
خمسة شروط، فمن لم تتم في حقه هذه الشروط الخمسة فإن الحج لا يجب عليه.
أما شرط الإسلام: فالإسلام ضده الكفر، والكافر لا يجب عليه الحج، بل لو حج الكافر لم يقبل منه؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادات.
الثاني: البلوغ، فمن هو دون البلوغ لا يجب عليه الحج، فلو فرض أن شاباً مات قبل أن يبلغ فإنه لا يُحج عنه على سبيل الوجوب؛ لأنه لم يجب عليه الحج، ولكن هل يجزئ أن يحج قبل أن يبلغ؟ بمعنى: هل يصح حجه قبل أن يبلغ؟
نعم.
يصح حجه قبل أن يبلغ، لحديث ابن عباس ﵄: (أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم.
ولك أجره) فيصح حج الصغير، ولكنه لا يجزئ عنه، إذا بلغ وجب عليه أن يعيد الحج، بل وجب عليه أن يؤدي الفريضة.
فإن قال قائل: هل تشيرون على الناس في هذه الأوقات أن يحرم صغارهم بالحج أو بالعمرة، أم تشيرون بعدم ذلك؟ فالجواب: أننا نشير بعدم ذلك، وألا يكلفوا صبيانهم الحج؛ لما في ذلك من الزحام الشديد الذي يكاد يهلك به البالغ والكبير، ولأنه يشغل أهله، فالإنسان إذا ذهب -مثلاً- للطواف في الموسم في هذا الزحام فإنه لا يدري أيشتغل بحفظ ولده، أو يشتغل بطوافه، فيؤدي إلى الإخلال بالطواف، لكن لو بقي الولد بالخيمة أو في المقر لكان الأب يؤدي طوافه بطمأنينة، والابن لا يتكلف، وما دامت المسألة ليست واجبة فلنأخذ برخصة الله ، فهذا هو الذي نشير به في هذه الأزمان للمشقة الشديدة على الصبي وعلى ولي الصبي.
الشرط الثالث: العقل.
فمن ليس بعاقل لا يصح حجه، فلو أصيب الإنسان في عقله بحادث طرأ عليه، أو بجنون -نسأل الله العافية- أو بكبر وصل إلى حد الهذرات فإنه لا يصح حجه؛ لأنه ليس بعاقل.
والشرط الرابع: الحرية.
هي ألا يكون الإنسان رقيقاً أي: مملوكاً؛ لأن المملوك لا يستطيع أن يحج إذ هو مملوك لسيده، لكن لو حج الرقيق فهل يصح؟ الجواب: نعم.
يصح حجه، ويكتب له أجر، لكن إذا أعتق وجب عليه أن يؤدي الفريضة؛ لأن حجه قبل أن يتحرر لا يجزئ عن الفرض، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا حج بإذن سيده أجزأه عن الفريضة؛ لأن عدم وجوب الحج على الرقيق ليس بمعنى فيه ولكن لحق سيده، فإذا أذن سيده بذلك فلا بأس، ونظير هذا الفقير لا يجب عليه الحج، لكن لو حج أجزأه عن الفريضة، وهذا القول هو الراجح، أي: أن الرقيق إذا حج بإذن سيده أجزأه عن الفريضة ما دام عاقلاً.
الشرط الخامس: الاستطاعة بالمال والبدن.
فمن ليس عنده مال فلا حج عليه، كما أن الفقير الذي لا مال له ليس عليه زكاة، فالفقير الذي لا يستطيع الحج ليس عليه حج، ولو مات للقي الله غير آثم؛ لأنه لا يستطيع، وأما العاجز بالبدن الذي لا يستطيع ببدنه فينظر إن كان عجزه طارئاً يرجى زواله قلنا: انتظر حتى يعافيك الله وتحج بنفسك، وإن كان عجزه دائماً كالمريض بالمرض الذي لا يرجى برؤه، أو الكبير الذي لا يستطيع فهذا يجب عليه أن ينيب من يحج عنه ويعتمر عنه.
ومن الاستطاعة: أن يكون للمرأة محرم، فإن لم يكن لها محرم فلا حج عليها، فلو أنها ماتت وعندها أموال كثيرة ولم تحج لعدم وجود المحرم فإنها تلقى الله تعالى غير آثمة؛ لأن هذه المرأة لا تستطيع من الناحية الشرعية، فإن النبي ﷺ نهى أن تسافر المرأة بدون محرم، أعلن ذلك في خطبة له في المدينة، فقام رجل فقال: (يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: انطلق فحج مع امرأتك) فأمره أن يدع الغزوة وأن يذهب ويحج مع امرأته، وهذا دليل على أنه لا يمكن أن تحج المرأة بلا محرم، وما نراه اليوم من تهاون الناس في هذا فهو من الأمور التي نسأل الله ألا يصيبنا ببلاء بسببها، فإنه إذا كان النبي ﵊ نهى أن تسافر المرأة بلا محرم وسأله هذا الرجل: أنه اكتتب في الغزوة، فأمره النبي ﵊ أن يدع الغزوة ويذهب ويحج مع امرأته.
وهذا دليل على تأكد المحرم، ولا سيما في أزماننا هذه حيث غلبت الشهوات على النفوس إلا من عصم الله.
الأول: الإسلام.
الثاني: البلوغ.
والثالث: العقل.
والرابع: الحرية.
والخامس: الاستطاعة.
فمتى تمت هذه الشروط وجب على الإنسان أن يذهب إلى الحج فوراً بدون تأخير؛ لأنه لا يدري ماذا يحدث له، فقد يكون عاجزاً بعد القدرة، وقد يكون فقيراً بعد الغنى، وقد يموت، وقد وجب عليه الحج، ثم يفرط الورثة في قضائه عنه، فالواجب على الإنسان إذا تمت شروط الوجوب في حقه أن يبادر.
стр. 2570
الأسئلة
стр. 2571
حكم صلاة من ابتلي بخروج الريح أو غيره باستمرار
فضيلة الشيخ! بارك الله فيك، رجل قد ابتلي بخروج الريح باستمرار حتى في أثناء الصلاة، فماذا يفعل في الصلاة: هل تجزئه، أم يقطعها؟ وما الحكم لو صلى جالساً، أو في بيته بارك الله فيكم؟
الحمد لله رب العالمين.
إذا أصيب الإنسان بحدث دائم من بول أو غائط أو ريح فإن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج، يقال له: خروج هذا الحدث الدائم لا ينقض الوضوء، ولكن عليك أن تتوضأ بعد دخول الوقت؛ لأن النبي ﷺ أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، فإذا توضأ الإنسان بعد دخول الوقت وذهب وصلى مع الجماعة وخرج منه الريح فلا حرج عليه، وصلاته صحيحة.
ولكنك سألت: أيصلي قاعداً أم قائماً؟ فهل هو إذا صلى قاعداً انحبست الريح؟ إن كان الأمر كذلك فليصل قاعداً، وإن كانت لا تنحبس فلا فائدة من القعود.
ولكن يبقى في مسألة الريح إشكال: وهو أنه ربما يؤذي المصلين برائحته، فإذا ثبت هذا قلنا له: صل في بيتك؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى من أكل بصلاً أو ثوماً أن يقرب المسجد، وأخبر ﵊: (أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان) .
стр. 2572
حكم الحج بالمال الحرام
فضيلة الشيخ! من المعلوم أن الله لا يقبل إلا طيباً، بعض الناس يحج بالمال الحرام، هل حجه مقبول؟ الشيخ: كيف هذا؟ السائل نفسه: يعني: يأكل الربا ويسرق ويحج بالمال الحرام؟ الشيخ: القول الراجح: أن حجه صحيح؛ لأنه ليس من شرط الحج المال، فيستطيع الإنسان أن يحج ببدنه، بخلاف الصدقة إذا تصدق بالمال الحرام لا تقبل منه؛ لأن الحرام وقع في عين العبادة، أما هذه فأعمال الإنسان وحركاته وطوافه وسعيه ووقوفه ورميه هذه أفعال ما هي دراهم ولا نفقة، فالصحيح: أن حجه صحيح، ولكنه لا يحل له أن يستهلك الأموال المحرمة لا في العبادة ولا غيرها، والواجب عليه أن يتخلص منها.
стр. 2573
حكم رص الأرجل في الصلاة
فضيلة الشيخ! ما حكم الذي يرص رجليه في الصلاة؟
إذا قام الإنسان في الصلاة فإنه يفتح قدميه لكن فتحاً عادياً ليس كما يفعل بعض الناس، هذا ليس بسنة، وما ورد عن الصحابة: أن الواحد منهم يلصق كعبه بكعب صاحبه، فإنه يعني بذلك: أنهم يتراصون، حتى يلصق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب، ولم يقل الصحابة: أنهم يفتحون أرجلهم ويفرقونها، بل تبقى الرجل طبيعية لكن يتراص الناس حتى تلتصق أكعبهم بعضها ببعض، وكذلك المناكب، هذا في حال القيام.
أما في حال السجود فالأفضل أن يلصق إحدى الرجلين بالأخرى؛ لأن هذا هو كان سجود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2574
معنى قوله ﵊: (إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم) ومدى صحته
فضيلة الشيخ! ما المقصود من قوله ﷺ : (إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم) وهل هذا الأثر صحيح؟
هذا الظاهر أنه يصح موقوفاً ولا يصح مرفوعاً، ومعناه: أن الناس إذا اختلفوا في شيء فإن السواد الأعظم يعني: الأكثر أقرب إلى الصواب، ولا يعني ذلك: أن القول الأكثر هو الصواب على كل حال، بل هو أقرب، وقد يكون الصواب مع الأقل، ولهذا يتبين من هذا الحديث فيه شيء من النظر حتى من جهة المعنى.
стр. 2575
طهارة قيء الطفل
قيء الطفل إذا أصاب الثوب هل هو طاهر أم نجس؟
لا.
الصحيح أنه طاهر، قيء الصبي على الثوب الصحيح أنه طاهر؛ وذلك لأنه ليس فيه دليل على نجاسته، والأصل في الأشياء الطهارة والحل حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، فإذا تقيء الصبي على ثوب أمه لا يلزمها أن تغسله، لكن إن غسلته فهو أفضل احتياطاً.
стр. 2576
حكم من مات قبل أن يحرم
فضيلة الشيخ! من جاء من بلده طلباً للحج ثم تحطمت الطائرة هل يعتبر حاجاً؟
يعني: هلك قبل أن يحرم، إذا هلك من سافر إلى الحج قبل أن يحرم فليس بحاج، لكن الله يثيبه على أمره، أما إذا أحرم وهلك فهو حاج، لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقفٌ بـ عرفة قال: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ولم يأمرهم بقضاء حجه، وهذا يدل على أنه يكون حاجاً.
стр. 2577
حكم الكتابة على المصحف
فضيلة الشيخ! ظاهرة تظهر عند طلاب المدارس وعند طلاب جماعات تحفيظ القرآن، وهي الاستهانة في القرآن الكريم والكتابة عليه وكتابة أشياء لا تليق في هذا الكتاب العزيز، ما هي النصيحة للمسئولين عن هذه المدارس؟
الواجب على المسلمين أن يعظموا كلام الله وأن يحترموه، ولهذا وجب على من أراد أن يمس القرآن أن يتوضأ تكريماً لهذا القرآن وتعظيماً له، ولا يجوز أن يكتب على القرآن عبارات لا تليق، بل حتى العبارات التي تليق مثل أن تكون تفسيراً لكلمة أو ما أشبهها الأفضل ألا تكتب على القرآن حتى لا يختلط في القرآن غيره.
وإذا وقع هذا على الطلبة فواجب المسئولين على الطلبة من المراقبين والأساتذة أن يعاقبوا من فعل هذا بما يرونه رادعاً لهم ولأمثالهم.
стр. 2578
حكم الدفاع عن المسلم إذا أراد أحد قتله
فضيلة الشيخ! أي شخص يعتدي على أحد المسلمين ولم أستطع دفعه إلا باستخدام السلاح، هل يجوز لي هذا، أو لا يجوز؟
إذا كان هذا الذي يريد أن يعتدي على المسلم يريد قتله فالواجب عليك أن تدافعه ولو أدى إلى قتله، لوجوب إنقاذ النفس، وأما إذا كان دون ذلك فلا يجوز أن تقتله.
السائل نفسه: بدون قتل يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ السائل نفسه: ادفعه مثلاً أو أشير إليه.
الشيخ: لا مانع، إذا دافعته بما لا يقتله يعني: ولو لم يندفع إلا بذلك فادفعه؛ لأن الواجب على المسلم أن ينصر أخاه، قال النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) .
стр. 2579
حكم من دعا لنفسه في الحج وقد نوى به لغيره
شخص حج عن غيره ولكنه ظل يدعو لنفسه في الحج دون غيره؟
لا حرج في هذا، يعني: لو أن الإنسان حج عن غيره ولكنه عند الميقات قال: لبيك عن فلان، ونوى أن هذا النسك لفلان، وكان في طوافه وسعيه ووقوفه بـ عرفة يدعو لنفسه فحجه صحيح؛ لأن الدعاء ليس شرطاً في صحة الحج، ولكننا نرى أن الأولى: أن يدعو لنفسه ولأخيه؛ لأن أخاه هو الذي تكفل بمؤونة الحج فلا يحرمه من الدعاء، وأما النسك فقد تم بدون دعاء.
стр. 2580
حكم من وجد مالاً لا يعرف صاحبه
شخص وجد مبلغاً من المال في مكينة الصرافة، فلا يعلم أن يذهب بها؟ الشيخ: لكن موضوع من الخارج أم في جوف المكينة؟ السائل: شخص صرف ونسي النقود في المكينة.
الشيخ: لكن من خارج أم في جوف المكينة؟ السائل: لا.
من خارج.
الشيخ: الأحسن أنك تروح به للبنك.
السائل: لا.
هو من شخص صرف وأنا رأيت الشخص صرف وبقي له مال، بحثت عنه فما وجدته، وضع بطاقة وأخرجت له نقوداً ونسي منها.
الشيخ: البطاقة هذه تجدها مكتوبة في الرصيد.
السائل: لكن من يعرف الرصيد؟ الشيخ: مكينة الصرافة هذه لمن؟ باسم من؟ السائل: الراجحي.
الشيخ: إذاً اذهب للراجحي وقل له في اليوم الفلاني صرف إنسان ونسي هذه الدراهم، انظر ما يمكن أن يخرج من عند الصراف إلا مقيداً عنده، فمثلاً: إذا كان مقيداً عنده مثلاً عشرة، يسألونه: أنت يا فلان أخذت مائة هل فقدت منها شيئاً؟ ويعلمون بهذا.
السائل: إذا لم أجد الشخص؟ الشيخ: على كل حال أنت اذهب إليهم وأخبراهم بالواقع، إذا لم تحصل على نتيجة فانتظر لك كم يوم لعله يجيء، وإذا يئست منه تصدق بها عليه.
стр. 2581
حكم تقليد الطالب لشيخه
فضيلة الشيخ! بالنسبة لبعض طلبة العلم يتبع شيخه في جميع أقواله، فإن كان موافقاً للدليل أخذه، وإن كان غير موافق أو شيخه تنازل عن هذا القول تركه معه -يتبعه في جميع أقواله- يعني: الراجح يأخذ الراجح من شيخه وإن لم يكن مجتهداً؟
يقول الله في القرآن الكريم: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] والطالب إلى الآن لم يصل إلى حد العلم، ففرضه أن يقلد، ومعلوم أن الطالب يقلد شيخه، إذ لو لم يقلد شيخه ما انتفع به، لولا أن الطالب يعتقد أن شيخه محل ثقة في علمه وأمانته ما انتفع به، ولا حرج عليه في هذا، حتى إذا كبر واتسع علمه وأمكنه أن يجتهد في نفسه صار يختار ما يختار.
стр. 2582
حكم منع الكفلاء مكفوليهم من السفر لأداء فريضة الحج
فضيلة الشيخ! بعض الكفلاء يمنعون مكفوليهم من السفر لأداء فريضة الحج، فهل يأثمون بذلك؟ وما توجيهكم لهؤلاء الكفلاء؟ وأعقب تعقيباً خفيفاً على سؤال الطفل: ذكرتم بأن قيء الطفل طاهر، هل هناك قيد إذا كان يأكل الطعام أو لا يأكل الطعام؟
ليس هناك قيد، القيء على الصغير والكبير لا دليل على نجاسته.
بالنسبة للكفلاء الذين يمنعون مكفوليهم من الحج الفريضة، إن كان مشروطاً عليهم في العقد أن يمكنوا العامل من الفريضة وجب عليهم أن يأذنوا له، وإن لم يكن مشروطاً فلهم الحق في هذا؛ لأن الأجير لا يملك أن يذهب عمن استأجره أو غيره، ثم نقول لهذا الرجل المكفول: إنه ليس عليك حرج في هذه الحالة؛ لأنك لا تستطيع.
لكنني أنصح إخواننا الكفلاء: أن يحسنوا إلى هؤلاء المكفولين بأن يمكنوهم من الحج، وربما يكون هذا سبباً في بركة إنتاجهم؛ لأن هؤلاء العمال ربما لا يحصل لهم المجيء إلى هذه البلاد مرة أخرى، فنصيحتي: أن يحسن هؤلاء الكفلاء إلى مكفوليهم، ثم أبشرهم أنهم إذا أعانوا هذا على الحج صاروا مثل من حج في الأجر، لقول النبي ﷺ : (من جهز غازياً فقد غزا) وكذلك من جهز حاجاً فإن له مثل أجره.
стр. 2583
حكم التوكيل في الحج عن المستطيع
شخص أوصى شخصاً بأن يحج عنه وهو قادر، فهل يجوز ذلك؟ الشيخ: فريضة أو نافلة؟ السائل: فريضة.
الشيخ: إذا وكل شخص شخصاً آخر أن يحج عنه وهي فريضة والموكل قادر، فإنه لا يصح، ولا يجزئه عن فريضة الإسلام، والواجب على من كان قادراً أن يحج بنفسه، ومن كان عاجزاً فإن كان عجزه لا يرجى زواله كالكبير والمريض بمرض لا يرجى برؤه فحينئذ يوكل، وإن كان عجزاً طارئاً كمرضٍ طارئ فإنه ينتظر حتى يزول هذا المرض ويؤدي الحج بنفسه.
стр. 2584
حكم التوكيل في الرمي لغير المستطيع
فضيلة الشيخ! هل يجوز للمرأة أن توكل من يرمي عنها في الجمرات خشية الزحام الشديد؟
إذا كانت المرأة أو الرجل لا يستطيع أن يرمي مع الزحام، ولا يتمكن أن يؤخر الرمي إلى وقت السعة، فله أن يوكل، وأما إذا كان يمكنه أن يؤخر الرمي إلى وقت السعة مثل: أن يؤخر رمي النهار إلى الليل، أو يقدم رمي يوم العيد في آخر ليلة العيد، فإنه لا يجوز أن يوكل، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] والرمي من أعمال الحج، فلا بد أن يقوم به الإنسان نفسه ولا يوكل أحداً.
وعلى هذا: فالمرأة والرجل سواءً في هذا، من قدر أن يرمي ولو في وقت آخر فإنه لا يجوز أن يوكل، ومن لا يستطيع فله أن يوكل.
стр. 2585
حكم طواف الوداع في العمرة
فضيلة الشيخ! ما حكم طواف الوداع في العمرة؟
الصحيح أن طواف الوداع في العمرة واجب كما هو في الحديث، لكن إن طاف وسعى ومشى، فهذا لا وداع عليه اكتفاءً بالطواف الأول.
стр. 2586
حكم التوكيل في ذبح الأضحية
فضيلة الشيخ! بالنسبة للأضاحي بعض الجهات كهيئة الإغاثة وغيرها، تقول: لدينا مثل القسائم تدفع مبلغاً من المال ونحن نؤدي الأضحية في أي جهة من دول العالم الفقيرة، فهل تنصح بذلك، أم لا؟
أنا أنصح بعدم ذلك، وأقول: إن هذا من الخطأ أن الإنسان يوكل أحداً يضحي عنه؛ لأن هذا فيه عدة محاظير: المحظور الأول: أن شعيرة النسك في هذا البلد لا تتم إذا أعطينا دراهم يضحى بها في مكان آخر.
وثانياً: أن المقصود بالأضحية التعبد لله بذبحها، وهذا -أيضاً- يفوت إذا ذبحت بمكان آخر، فهو لا يباشر الذبح ولا يحضره.
ثالثاً: أن فيها تركاً لما أمر الله به من الأكل منها، فقد قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] ، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] ومعلوم أنها إذا ذبحت في محل آخر فلا يستطيع الأكل منها.
الرابع: أننا لا ندري من الذي يتولى الذبح، قد يتولى الذبح من لا يحسن الذبح، أو من ليس من أهل الذبح، أو من يتهاون في الذبح بترك التسمية -مثلاً- أو ما أشبه ذلك.
الوجه الخامس: أننا لا ندري -أيضاً- هل تذبح في وقتها، أو قبل الوقت، أو يتهاونون في تأخير الذبح.
فيحصل في ذلك هذه المحاذير وربما يحصل غيرها أيضاً.
فالذي أنصح به إخواننا المسلمين ألا يفعلوا ذلك، أي: ألا يعطوا هيئة الإغاثة ولا غيرها شيئاً يشترون به ضحايا في محلات أخرى ويذبحونها.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد بعث بالهدي من المدينة إلى مكة؟ الجواب: بلى.
لكن الهدي خاص بـ مكة لا يمكن ذبحه في المدينة وهو هدي يهدى إلى الكعبة، فليس مثل الذي يبعث بدراهمه إلى البوسنة والهرسك والجهات الأخرى ليُضحى بها عنه.
فأنصح إخواننا المسلمين ألا يفعلوا ذلك، وأنصح طلبة العلم -أيضاً- أن يبينوا للعوام؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن الأضاحي ليس المقصود منها إلا اللحم، وهذا خطأ، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى﴾ [الحج:٣٧] .
السائل: هل له أن يتصدق يا شيخ! بعد أن يكمل الأضحية يعني: بعد أن يؤدي الأضحية يتصدق بمائة ريال، بمائة وخمسين، بمائتي ريال؟ الشيخ: هذا ليس فيه شيء، يعني: إذا كان يريد أن ينفع الجهة هذه يعطيهم دراهم ويجعل الأضحية عنده في بلده.
стр. 2587
حكم تغطية الوجه والكفين للمرأة
فضيلة الشيخ! ما رأيكم فيمن يأخذ بالاختلافات في الحجاب ويستشهد بالأحاديث الضعيفة ويرجع إلى التفاسير بالرأي مثل: تفسير الجلالين للسيوطي، وهل هذا الرد كافٍ له وجزاكم الله خيراً؟
جوابنا على هذا: أن نعلم أن العلماء ﵏ اختلفوا في وجوب تغطية الوجه والكفين، ولكن القول الراجح الذي تؤيده الأدلة والنظر: وجوب تغطية الوجه، ومن أراد الاستفادة من ذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء في هذا الموضوع، ومن أكثرها وأوسعها كتاب: عودة إلى الحجاب، فإنه توسع فيه وبين فيه ما فيه الحق، ويكفي الإنسان البصير أن يعلم ما يترتب على كشف الوجه في وقتنا الحاضر من الشر والبلاء، فالإيمان ضعيف والشهوة قوية؛ لأن الشباب عندهم صحة وفراغ فيحصل بذلك شر كبير.
وأما من رأى الجواز واستدل بالأحاديث الضعيفة أو بالعلل العليلة فحسابه على الله .
لكني رأيت كلاماً لبعض العلماء قال: إن الحجاب في هذا العصر واجب بالاتفاق؛ لأن الذين قالوا بعدم وجوبه استثنوا ما إذا خيفت الفتنة بكشف الوجوه والأكف، قال: وفي هذا العصر لا يمكن أن تؤمن الفتنة، اللهم إلا أن يكون الكشف من امرأة يجوز لها الكشف بنص القرآن مثل: القواعد اللاتي لا يرجين نكاحاً، فيقول: إن تعليل العلماء ﵏ بل اتفاقهم على أنه إذا كانت الفتنة فلا بد من تغطية الوجه يقتضي أن المرأة في هذه العصور يجب عليها أن تستر وجهها.
стр. 2588
حكم تقسيم الأضاحي إلى قسمين: للفقراء وللحجاج
في بعض المخيمات في الحج تجمع من الحجاج الأموال لكي تذبح عنهم دم التمتع والقران، فمثلاً: لو أخذت مائة قيمة عن مائة حاج مثلاً للذبح وتذهب وتذبح المائة وتوزع حوالي خمسين من الشياه توزيعاً كاملاً، يعني: دون أن يكون هناك منه أكل، والباقي تذهب به إلى المخيم الخمسين وتذبح ويأكلونها هناك، فما ندري ما الحكم من هذا؟
هذا غلط، ولا يحل لهم هذا الفعل؛ لأن الخمسين التي أتوا بها للمخيم لن يؤدوا ما يجب فيها من الإطعام؛ إطعام الفقير، وهذه نقطة ينبغي أن ينبه لها؛ لأن الأمر كما ذكرت، يقول: نحن الآن نتصدق بخمسين أفضل، ونذبح خمسين كاملة إلى المخيم لتأكل، لكن يقال: الواجب خذوا ولو يدان أو رجلان فتصدقوا بها واذهبوا بالباقي إلى رحالكم، وأما أن يتصدق بنصفها كاملاً والنصف الآخر لا يتصدق بشيء منه، فهذا لا يجوز، فيجب تنبيه الحملات على هذا.
السائل نفسه: يا شيخ! هناك كفارة لمن فعل بهذا؟ الجواب: لا.
إلا أنه على كلام الفقهاء ﵏ يقولون: يضمن أقل ما يقع عليه اللحم لكل شاة، يعني: يشتري خمسين كيلو ويتصدق بها على الفقراء هناك في مكة من جنس الغنم إذا كانت غنمه.
стр. 2589
الحدث الأصغر يرتفع بنية ارتفاع الحدث الأكبر
الاغتسال ثلاثة: غسل واجب، وغسل سنة، وغسل مستحب، هل الحدث الأصغر يرتفع بارتفاع الحدث الأكبر، أو تجب النية؟
الصحيح أن الحدث الأصغر يرتفع بنية ارتفاع الحدث الأكبر، يعني: لو كان عليه جنابة ونوى الاغتسال من الجنابة ارتفع حدثه الأصغر؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] لكن لا بد أن يتمضمض ويستنشق؛ لأنه داخل فيما يجب غسله وهو الوجه.
ولكنك أنت ذكرت السؤال غسل مسنون وغسل مستحب، أو قلت: الغسل عن الحدث وغسل واجب وغسل مستحب؟ السائل نفسه: سنة ومستحب؟ الشيخ: وما الفرق بين السنة والمستحب؟ السائل: السنة غسل الجمعة وغسل المستحب غسل للنظافة والتبرد.
الشيخ: لا.
التبرد والنظافة ليس بمستحب وليس بسنة الغسل فيه، لكن عموماً نحن نراه مستحب بلا شك، أما غسل الجمعة فالراجح أنه واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يدعه إلا لعذر لقول النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) .
فالغسل إذاً ثلاثة أقسام: واجب عن حدث، وواجب للجمعة، وسنة، فالواجب عن الحدث معروف الذي يكون بالجنابة أو بالحيض أو بالنفاس، والواجب للجمعة -أيضاً- واجب على من أتى الجمعة أن يغتسل، وأما المسنون فهو إذا أغمي على الإنسان وأفاق فإن من السنة أن يغتسل، وكذلك غسل الجمعة على رأي أكثر أهل العلم أنه سنة وليس بواجب.
стр. 2590
حكم تعدد الجماعات الإسلامية
ما رأيكم في تعدد الجماعات الإسلامية؟
والله تكلمنا على هذا كثيراً، وبينا أن هذا مما ابتلي به شباب الصحوة، هذا التفرق الذي حصل به تفرق القلوب، ولو كانت المسألة تفرق منهج أو رأي من الآراء التي يسوغ القول فيها لكان أهون، لكن من البلاء أن هذه الجماعات صار بعضها يضلل بعضاً ويبدع بعضاً وربما يكفر بعضاً، يعني: بدلاً من أن يأتينا البلاء من أهل الفسق والإلحاد صار البلاء يأتي من بعضنا البعض، وهذه محنة.
وأرى أنه يجب على الجماعات أن تتفق على كلمة سواء على دين الله ، وأن يجتمعوا ويدرسوا ما هم عليه من المنهج والعقيدة، وإذا كانوا صادقين في قصد الحق رجعوا إلى الحق، ولا أوافق على هذا التفرق بل أرى أنه منكر وأنه مما نهى الله عنه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] ولا شك أن كل جماعة لها محاسنها ولها مساوئها، وإذا اجتمعنا جميعاً ونظرنا المساوئ والمحاسن واتفقنا على المحاسن وتركنا المساوئ فحصل الخير، لكن كون كل أحد منا يتكلم في الآخر من وراء الجدر ويغتابه ويقدح فيه فهذا هو البلاء.
السائل: الاجتماع على الكتاب والسنة؟ الشيخ: الكتاب والسنة بعد البحث والمناظرة في شأن المخالف؛ لأن أحدهما يقول: أنا على الكتاب والسنة، فيقال: تفضل إذا كنا على الكتاب والسنة يجب أن يكون العمل واحد كما كان الهدف واحد.
стр. 2591
حكم من تحلل التحلل الأول ولم يعد إلى الإحرام ثانية
من تحلل التحلل الأول يوم النحر ولم يطف قبل غروب الشمس هل يلزمه العودة إلى الإحرام؟
لا، الصحيح أنه لا يلزمه العودة، والحديث الوارد في هذا ضعيف شاذ وإن كان سنده لا بأس به لكنه مخالف لأحاديث كثيرة صحيحة، ثم ترك الأمة العمل به يدل على أنه ضعيف وليس بحجة، ثم إن كثيراً من الناس اليوم يتمنى أن يطوف يوم العيد لكنه لا يحصل له ذلك يخشى على نفسه من الهلاك والموت فيؤخر الطواف للضرورة، فعلى تقدير أن الحديث صحيح: فمن أخر الطواف عن يوم العيد خوفاً على نفسه فليس عليه شيء، بمعنى: أنه يحلل التحلل الأول ولا يعود إلى الإحرام ثانية.
стр. 2592
حكم القصر والجمع في السفر
يا شيخنا! حفظك الله هل من السنة القصر والجمع في السفر التقديم أو التأخير؟
أما القصر فهو سنة مؤكدة، بل قال بعض العلماء بوجوبه، وأما الجمع فهو سنة إن احتاج إليه، بأن كان قد جد به السير فنقول: السنة أن تجمع، وافعل الأيسر لك، إن أردت أن تنطلق بعد زوال الشمس وتستمر في السير فاجمع العصر إلى الظهر، وإن مر بك الزوال وأنت جاد في السير ولا تنزل إلا بعد العصر فاجمع الظهر إلى العصر، يعني: افعل الأيسر لك، أما إذا كنت نازلاً في مكان فالأفضل ألا تجمع، وإن جمعت فلا بأس.
فصار الجمع فيه تفصيل: إن كنت جاداً في السير فاجمع، فهذا هو السنة، وإن كنت نازلاً فالأفضل ألا تجمع، وإن جمعت فلا بأس، أما القصر فإنه سنة مؤكدة من حين أن تخرج من بيتك إلى أن ترجع إليه.
السائل نفسه: يجمع داخل البلد -يا شيخ- وهو يسمع الأذان؟ الجواب: لا.
الذي داخل البلد لا بد أن يصلي مع الجماعة، وإذا صلى مع الجماعة سيتم ويصلي كل صلاة بوقتها.
стр. 2593
ضابط الإسراف
نسمع أن الإسراف يختلف من شخص إلى آخر، وذلك على حسب المال الذي عنده سواء كان تاجراً أو غنياً؟
هذا صحيح، الإسراف أمر نسبي، لا يتعلق بنفس العمل وإنما يتعلق بالعامل، فمثلاً: هذه امرأة فقيرة اتخذت من الحلي ما يساوي حلي المرأة الغنية تكون مسرفة؟ لو اتخذ هذا الحلي امرأة غنية قلنا: إنه لا إسراف فيه، ولو اتخذته امرأة فقيرة قلنا: فيه إسراف، بل حتى الأكل والشرب يختلف الناس في الإسراف فيه: قد يكون الإنسان فقيراً، يعني: من الناس من تكفيه المائدة القليلة، وآخر لا يكفيه، ثم إنه -أيضاً- تختلف باعتبار أن الإنسان قد ينزل به ضيف فيكرمه بما لا يعتاد أكله هو في بيته فلا يكون هذا إسرافاً.
فالمهم أن الإسراف يتعلق بالفاعل لا بنفس الفعل لاختلاف الناس فيه.
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى.
стр. 2594
لقاء الباب المفتوح [٨٩]
في هذا اللقاء تجد عرضاً للأنساك التي يفعلها الحاج والمعتمر، بالإضافة إلى المواقيت المكانية، ثم انتقل الشيخ للإجابة عن الأسئلة.
стр. 2595
الأنساك التي يفعلها الحاج والمعتمر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء التاسع والثمانون من لقاء الباب المفتوح الذي يتم كل خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الثالث عشر من شهر ذي القعدة عام (١٤١٥هـ) .
في اللقاء الماضي تكلمنا عن الحج بمناسبة قرب أيام الحج، وذكرنا عدة مباحث تتعلق به، وها نحن نكمل الشوط إن شاء الله في اللقاءات القادمة وفي هذا اللقاء، وقد سبق في المباحث السابقة خمسة أشياء، أما هذا اللقاء فسنتكلم فيه عن الأنساك التي يفعلها من أراد الحج أو العمرة.
إذا سافر الإنسان إلى الحج بعد دخول أشهر الحج فلديه ثلاثة أنساك: النسك الأول: التمتع.
الثاني: القران.
الثالث: الإفراد.
أما التمتع: فهو أن يحرم بعمرة مستقلة من الميقات، ثم إذا وصل إلى مكة طاف وسعى وقصر وبقي محلاً إلى يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن.
وسمي تمتعاً؛ لأن الإنسان يتمتع فيه بين العمرة والحج بما أحل الله له، إذ أنكم ستعلمون إن شاء الله محظورات الإحرام، فالمتمتع تحل له هذه المحظورات بحله من العمرة.
أما القران فله صورتان: الصورة الأولى: أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً من الميقات، ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد.
والصورة الثانية: أن يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافه.
لكن هذه الصورة لا ينبغي للإنسان أن يفعلها إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مثل: أن تحيض المرأة في أثناء العمرة وتخشى ألا تطهر قبل يوم التروية، أو قبل يوم عرفة، فحينئذٍ نقول: تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة، وكذلك لو أن الإنسان قدم مكة متأخراً وخاف أن لا يتمكن من العمرة، قبل الحج وقد أحرم بالعمرة فحينئذٍ نقول: أدخل الحج على العمرة.
النوع الثالث من أنواع النسك: الإفراد، وهو أن يحرم بالحج مفرداً من الميقات، فيقول: لبيك اللهم حجاً.
وهذه الأنساك يخير فيها الإنسان، ولكن الأفضل التمتع؛ لأن هذا هو الذي أمر به النبي ﷺ ، ولأنه يتمتع به فيما بين العمرة إلى الحج فيما أحل الله له فيكون له شيء من الحرية، ولأنه يؤدي العمرة كاملة بأفعالها والحج كاملاً بأفعاله، فهذه ثلاثة مرجحات.
أما القران فهو الذي يلي التمتع، لأن القران يحصل للناسك فيه عمرة وحج، لكنه يختلف عن التمتع بأنه لا حل فيه، يعني: لا يحل فيما بين العمرة والحج، بل يبقى على إحرامه من الميقات إلى يوم العيد، ويرجحه على الإفراد، يعني: هو أفضل من الإفراد لوجوه: الأول: أنه يحصل له عمرة وحج، والإفراد لا يحصل له إلا حج.
الثاني: أنه فيه الهدي كالتمتع، والإفراد ليس فيه هدي إلا على سبيل التطوع، فهذا الباب مفتوح.
وعليه فنقول الترتيب: أولاً: التمتع.
ثانياً: القران.
ثالثاً: الإفراد.
إلا أنه إذا ساق الهدي معه فالقران أفضل من التمتع؛ لأن النبي ﷺ قرن حين ساق الهدي، وقال: (لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم) فالقران أفضل لمن ساق الهدي، اقتداءً برسول الله ﷺ .
هذه هي الأنساك الثلاثة التي يخير الإنسان فيها إذا أراد أن يحج أو يعتمر، فيقال له: أمامك ثلاثة أشياء اختر ما شئت، ولكن الأفضل: التمتع، ثم القران، ثم الإفراد.
следующие страницы →