← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

حكم ضرب الأمثال بالقرآن بالنسبة لضرب الأمثال بالقرآن, مثلاً: يقول أحدهم لرجل احتال عليه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] أو يقول: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ؟ إذا صح أن تنطبق الآية على هذا المعنى فلا بأس, لأن الرسول ﷺ استشهد بالقرآن حينما خرج الحسن والحسين يعثران في ثيابهما ثم نزل من المنبر, وأخذهما وجعلهما بين يديه, ثم قال: (صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ) . لكن المهم أن تنطبق, أما أن تقول لرجل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] وهو مؤمن، فهذا لا يجوز, لأن هذه الآية في المنافقين.

стр. 3187

حكم جلسة الاستراحة بالنسبة لجلسة الاستراحة هل هناك تكبيرة من الانتقال من جلسة الاستراحة إلى القيام, أم تكفي تكبيرة القيام من السجود؟ أولاً: نسأل عن جلسة الاستراحة هل هي مشروعة أم غير مشروعة؟ جلسة الاستراحة الذي يظهر من النصوص وتجتمع بها الأدلة أنها مشروعة لمن كان عاجزاً عن النهوض من السجود إلى القيام, وأما إذا كان قادراً ونشيطاً فالأفضل ألا يجلس؛ لأن الرسول ﷺ لم يأمر بها, وأصح من تكلم فيها مالك بن الحويرث , ومالك بن الحويرث قدم عام الوفود في السنة التاسعة للهجرة، وكان الرسول ﵊ قد أخذه كبر السن فكان يجلس. ويدل على أنها غير مشروعة: أنه ليس فيها تكبير, لا في الجلوس, ولا في القيام من الجلوس, وأنه ليس فيها ذكر, ولو كان الأمر مقصوداً بذاته لكان لها تكبير عند الجلوس وعند الانتقال من الجلوس ولكان لها ذكر, لأنه ما من فعل من أفعال الصلاة إلا وله ذكر, الركوع له ذكر، والسجود له ذكر، والجلوس بين السجدتين له ذكر, والقيام بعد الركوع له ذكر. فالراجح من أقوال العلماء القول الوسط: أن من كان محتاجاً إليها فليجلس, ولكن ليس كجلسة الناس الآن، يجلس لحظة، لأن مالك بن الحويرث قال: (لم ينهض حتى يستوي قائماً) أي: يكمل قعوده, وأما إذا كان الإنسان محتاجاً فيجلس جلسة مستقرة ثم يقوم, وإذا قام فإنه يقوم بلا تكبير, يكبر عند النهوض من السجود فقط, وإذا كان الإنسان قوياً نشيطاً فلا يجلس, وإذا كان الإنسان مأموماً فليتبع إمامه إن جلس الإمام جلس وإن لم يجلس لم يجلس المأموم, لقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به به) ولهذا بعض الإخوان يفعل خلاف الأفضل في هذا, مثلاً: يرى أن جلسة الاستراحة مستحبة وهو خلف إمام لا يراها, ثم تجده جالساً والإمام قد شرع في الفاتحة, وهذا خلاف الأفضل، وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إن الأفضل متابعة الإمام ولا يجلس.

стр. 3188

حكم سماع وبيع الأناشيد الإسلامية السائل: أرجو التفصيل في مسألة الأناشيد وكذلك حكم بيعها؟ الشيخ: أي أناشيد؟ السائل: الأناشيد الإسلامية التي تباع في التسجيلات. الشيخ: لا أستطيع أن أحكم عليها لأنها مختلفة, لكن أعطيك قاعدة عامة: ١/ إذا كانت الأناشيد مصحوبة بدف فهي حرام, لأن الدف لا يجوز إلا في حالة معينة لا في كل وقت, ومن باب أولى إذا كانت مصحوبة بموسيقى أو طبل. ٢/ إذا كانت خالية من ذلك نظرنا: هل أنشدت كأنشودة الأغاني الماجنة، فهذه أيضاً لا تجوز, لأن النفس تعتاد هذا النوع من الغناء, وتطرب له، وربما تتجاوز إلى الأغاني المحرمة. ٣/ إذا كانت هذه الأناشيد من فتيان أصواتهم فاتنة, يعني: قد تحرك الشهوة, أو قد يستمتع الإنسان بالصوت دون مضمون القصيدة، فهذه أيضاً لا تجوز. أما إذا كانت أناشيد حماسية على غير الوجه الذي قلت لك فليس بها بأس, لكن خير من ذلك أن يستمع إلى القرآن, أو يستمع إلى محاضرة جيدة مفيدة, أو يستمع إلى درس من دروس العلماء، هذا أفضل, يستفيد فائدة دينية وفائدة أنه يسهل الطريق على الإنسان, لأن الإنسان ربما يضرب الطريق مثلاً من مكة إلى المدينة يحتاج إلى أشياء توقظه. السائل: لكن ما حكم بيعها؟ الشيخ: أعطيك قاعدة: كل ما حرم استعماله حرم بيعه, لقول الرسول ﵊: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) .

стр. 3189

حكم تعليق الآيات في المجالس السائل: ما حكم تعليق الآيات في المجالس؟ الشيخ: لماذا يعلقها في المجلس؟ السائل: للزينة. الشيخ: إذاً معناه: أنه لعب بالقرآن, اتخذه مجرد زينة, أي: كأنه نقوش عادية, ولهذا تجد بعض الآيات مكتوبة كأنها قصر, أو منارة, وما أشبه ذلك, فهذا حرام ولا شك في ذلك. لكن بعض الناس يعلقها تبركاً بها, وهذا أيضاً ليس بصحيح, لأن القرآن لا يتبرك به على هذا الوجه, ولهذا لم يسبقنا إليه الأولون, ولم يكن السلف يعلقون الآيات على جدرانهم ويتبركون بها. وبعض الناس يعلقها على أنها حماية ووقاية كالوِرد مثلاً يعلق آية الكرسي, لأن الرسول ﵊ قال: (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) يقول: اتركها هناك من أجل لا يقرب الشيطان، هذا أيضاً خطأ, لأن الرسول ﷺ علق الحكم على القراءة ليس على تعليقها. ثم إن الإنسان إذا علقها اعتمد عليها وصار لا يقرأ آية الكرسي, وهذا ضرر عليه. وبعض الناس يقول: أعلقها لأتذكر بها, ويعلق مثلاً: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] من أجل أن تنهاه عن الغيبة, هل هذا صحيح؟ تجد ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] وتحت هذه اللافتة المكتوبة يغتابون الناس, لا تنهاهم ولا يرفعون إليها رءوسهم, فيكون هذا شيء من الاستهزاء بآيات الله, أن يكون كلام الله فوقك يقول: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] وأنت تشرح الناس وتأكل لحومهم. فالمهم: أن تعليقها أدنى ما نقول فيه: إنه بدعة, ما كان السلف يفعلونه, أو مكروه، ولا سيما إذا علقت في المساجد أمام الناس؛ لأن بعض الناس يتلهى وهو يصلي إذا كانت في القبلة, ربما يرفع بصره ثم يقرأ الآية وهو في التشهد مثلاً. والحمد لله القرآن مصحف مكتوب، ومن أراد أن يقرأ فليقرأ من المصحف, ومن أراد أن يتعظ فليكن الواعظ في قلبه.

стр. 3190

جمع الصلاة في أثناء المطر هل يجوز جمع الصلاة في الليلة المطيرة, يعني: أن المطر ينزل ويقف, ومرات يكون كثيراً يبل الثياب, ومرات يكون رذاذاً, ولو لم يكن المطر موجوداً وقت الصلاة, وإذا كان رذاذاً؟ أولاً: لابد أن نعلم أن الصلاة كما قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] (كِتَاباً) أي: فرضاً, (مَوْقُوتاً) أي: موقتاً بوقت, لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها, فإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن نجمع بين صلاتين إلا إذا تحققنا من وجود العذر, وعند الشك هل هذا عذر يبيح الجمع أم لا؟ لا يجوز أن نجمع مع الشك, فالمطر -مثلاً- إذا كان ينزل ونرى أنه يبل الثياب, ومعنى يبل الثياب: أن الثوب يحتاج إلى عصر من هذا المطر, ليس مجرد أن تقع القطرة من الماء ثم يبتل الثوب, هذا ليس عذراً, لكن إذا كان يبلها بحيث يكون فيها ماء إذا عصر خرج, هذا يبل الثياب, أما مجرد الرذاذ فإنه لا يبيح الجمع, إلا إذا كان هناك وحل في الأرض أو مياه ومستنقعات تشق على الناس فلا بأس, فالجمع للمطر إما لعذر في الأرض وإما لعذر في السماء, والعذر في الأرض هو الوحل والمستنقعات التي تتعب الناس, والعذر في السماء هو المطر الغزير الذي يبل الثياب, أما مجرد النقط فلا. قد يقول بعض الناس: الآن هناك نقط صغيرة قليلة, والسماء مغيمة تماماً فيها سحاب ورعد وبرق، وهناك احتمال أن ينزل مطر كثير, نقول: نعم الاحتمال وارد, لكن شيء لم ينزل علمه عند الله , ربما ينزل وربما لا ينزل, فما دام العذر ليس موجوداً، فاحتمال أن يوجد العذر غير مسوغ للجمع, لكن لو فرضنا أنهم لم يجمعوا, ثم خرجوا لبيوتهم, ثم أمطرت السماء مطراً كثيراً فماذا يصنعون؟ نقول: يصلون في بيوتهم, فإن الرسول ﵊ كان يقول: (صلوا في رحالكم) في الليلة المطيرة أو الشاتية الباردة كثيراً. فالحاصل: أنه لا يجمع إلا إذا تحقق العذر, أما قبل تحقق العذر فلا يجوز الجمع, لكن إذا وجد ما يبيح الجمع بعد أن تفرق الناس فليصلوا في بيوتهم, وفي هذه الحال إذا كان البيت فيه جماعة فليصلوا جميعاً, لأن النبي ﷺ قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده, وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع الرجل, وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) .

стр. 3191

حكم استلام الراتب من البنك والتحاكم أثناء الخلاف بين الموظف والبنك إلى السجل التجاري السائل: إحدى الشركات ألزمت الموظفين بالتعاقد مع البنك الهولندي لاستلام رواتبهم عن طريق هذا البنك, وحيث أن أحد شروط العقد يقول: إن التحاكم بالخلاف بين البنك والموظف يكون إلى السجل التجاري أو القانون التجاري, فبعض الموظفين وقعوا على هذا العقد والبعض لم يوقعوا على هذا العقد بسبب وجود هذا الشرط؟ الشيخ: كما تفضلت يوجد بعض الجهات من شركات وغير شركات تلزم الموظفين أن يفتحوا حساباً في أي بنك من البنوك من أجل أن تحيل الرواتب إلى هذا البنك, فإذا كان لا يمكن للإنسان أن يستلم راتبه إلا عن هذا الطريق فلا بأس, يفتح حساباً لكن لا يدخل حساباً من عنده, يعني: لا يدخل دراهم من عنده, أما كونه يتلقى الراتب من هذا فلا بأس. السائل: طيب من ناحية الشرط الذي يحتكمون إليه؟ الشيخ: هذا الشرط لا يقبل. السائل: طيب إذا أمر بالتوقيع ومن ضمن الشروط هذا الشرط؟ الشيخ: لا يقبله، لأن التحاكم إلى غير الكتاب والسنة حرام. السائل: يخرج من هذا العمل؟ الشيخ: لا, لا يخرج, لكن لا يقبله, يوقع كالمكره على هذا, لكن إذا حصل نزاع لا يتحاكم إليه.

стр. 3192

حكم عدم حضور الجمعة لعدم سماع أذان الجمعة إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، فهل عدم سماعي للأذان يجوّز لي ألا أذهب إلى الصلاة؟ سماع النداء ليس شرطاً لوجوب الجمعة, بل يجب على كل من في البلد أن يأتوا إلى الجمعة سواء سمعوا النداء أم لم يسمعوا.

стр. 3193

حكم مواصلة قراءة الدعاء الذي يقال بعد الركوع حتى يمس الأرض السائل: نسمع بعض الناس عندما ينتقل من الركوع إلى السجود يواصل قراءة الدعاء الذي يقال بعد الركوع حتى يمس الأرض أو يقارب مسها, فما حكم هذا الفعل؟ الشيخ: إن الله قال في كتابه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] والصلاة محددة, كل ركن فيها له دعاء خاص, والإنسان إذا رفع من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده, ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما, وملء ما شئت من شيء بعد" ثم يسجد، وفي أثناء الهبوط من القيام إلى السجود يقول: الله أكبر, فهذا الهبوط ذكره: الله أكبر, وهذا الرجل الذي صار يكمل دعاء القيام وهو يهوي إلى السجود لا أدري متى يكبر، يكبر إذا سجد معناه: أنه كبر في غير محله, فأنت جزاك الله خيراً انصحه, وقل: أكمل دعاء القيام ثم اهبط إلى السجود مكبراً, هذا هو السنة. السائل: ما حكم ذلك؟ الشيخ: حكم ذلك أنه ينصح ويبلغ, بعض العلماء يقول: إذا لم يكبر فيما بين القيام والسجود بطلت صلاته, لكن نحن لا نقول بهذا: إنها تبطل, إنما نقول: انصحه وبين له الصواب.

стр. 3194

حكم القسم بآيات الله ما حكم القسم بآيات الله؟ القسم بآيات الله أن يقول: أقسم بآيات الله أن أفعل كذا إذا أراد بآيات الله القرآن فلا بأس, لأن القرآن كلام الله, وهو صفة من صفاته, والحلف بصفات الله جائز، مثل: وعزة الله وقدرة الله وقوة الله وإن أراد بالآيات الآيات الكونية التي هي: الشمس والقمر والليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت:٣٧] فإنه لا يجوز القسم بها؛ لأنها مخلوقة, والقسم بالمخلوق شرك, لقول النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) لكن في ظني أنا أن العامة أكثرهم يريدون بالآيات هنا الآيات القرآنية وعلى هذا فلا بأس.

стр. 3195

حكم دخل محل الحلاقة رجل عنده محل حلاقة, هل دخله محرم أم حلال؟ الحلاقة جائزة إلا حلق اللحى, ألسنا قلنا إن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) كل حرام فأخذ العوض عنه حرام, سواء ببيع، أو بإيجاره أو غير ذلك, حتى صاحب المحل الذي يؤجره لشخص يحلق اللحية حرام عليه.

стр. 3196

حكم الاستماع إلى الشريط داخل دورة المياه هذا سائل طلب مني أن أعرض هذا السؤال على فضيلتكم: ما حكم تشغيل الشريط داخل دورة المياه, سواء كان قرآن أو محاضرة؟ إن كان هذا الشريط خارج المكان فلا بأس به؛ لأن الإنسان لو سمع قارئاً يقرأ بنفسه خارج الحمام لكان الاستماع جائزاً, أما إذا كان داخل الحمام ففي نفسي من هذا شيء؛ لأن الصوت يخرج الآن من داخل الحمام, فالأحسن ألا يستمع إلى شيء فيه قرآن, أما إذا كان محاضرة فلا بأس, ثم إنه لا ينبغي أيضاً أن يفعل حتى ولو كانت محاضرة؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يطيل الجلوس على قضاء الحاجة، والإطالة على قضاء الحاجة محرمة؛ لأن كشف العورة الأصل فيه المنع إلا لحاجة، وإذا انتهت حاجته يقوم ولا يبقى كاشف العورة. خلاصة الجواب الآن أن نقول: لا ينبغي أن يستمع إلى شيء وهو على قضاء الحاجة؛ لأن ذلك يؤدي غالباً إلى تطويل الجلوس. أما إذا كان لا يؤدي إلى هذا وأن الرجل طالب علم ويعرف أنه لا يجوز أن يبقى فوق حاجته, فإن كان غير قرآن فلا بأس, ولو كان المسجل داخل الحمّام, وإن كان قرآناً فلا يجعل المسجل داخل الحمّام ولكن يجعله خارجاً فلا بأس.

стр. 3197

عدم مشروعية جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة هل يجوز جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة, وما الحكم من ذلك؟ لا يجوز جمع العصر مع الجمعة؛ لأن السنة ما وردت بجمع الظهر مع العصر, والجمعة لا تسمى ظهراً, الجمعة صلاة مستقلة لها كيانها, ولهذا لا تصلى إلا في مسجد واحد, وهي ركعتان, ويجهر فيها بالقراءة, ويتقدمها خطبتان, ولا تصح إلا في وقت, لها خصائص كثيرة, فلا يمكن أن تلحق بالظهر ويقاس على ذلك أن تجمع العصر إليها, فالمسافر أو المريض إذا حضر الجمعة نقول له: لا تجمع, الجمعة صلاة مستقلة ليس لها نظير في الصلوات الخمس, فلا يجمع إليها العصر, ومن جمع إليها العصر فليعد صلاة العصر.

стр. 3198

لقاء الباب المفتوح [١١٢] سورة الفاتحة من أعظم سور القرآن، تتجلى فيها جميع مقاصد الشريعة من توحيد وتاريخ ومنهج، وفي ظلال آياتها كان للشيخ هذه الجلسة المباركة، ففسر كثيراً من معانيها وأزاح الستار عن كثير من كنوزها وأسرارها.

стр. 3199

تفسير آيات من سورة الفاتحة الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني عشر بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل خميس, وهذا هو يوم الخميس الثاني والعشرون من شهر رجب عام (١٤١٦هـ) . نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على سورة الفاتحة, سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتتح بها القرآن الكريم كتابة, وليست هي أول ما نزل, بل إن أول ما نزل من القرآن قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] . وتسمى هذه السورة بأم القرآن, وتسمى السبع المثاني, ولها أسماء متعددة, تسمى أم القرآن لأن معاني ومقاصد القرآن كلها موجودة في هذه السورة, على أنها سبع آيات فقط وآيات قصار لكن جميع مقاصد القرآن موجودة فيها, من التوحيد والعقائد والتاريخ ومناهج الناس وغير هذا, لكنها مذكورة إجمالاً. البسملة ليست للفاتحة, بل هي آية مستقلة تفتح بها السورة, ما عدا سورة البراءة, فإنها لا تفتتح بها اتباعاً لما فعله الصحابة الكرام ﵃, ويدل على أن الفاتحة ليست منها, ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن الله تعالى قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله تعالى: حمدني عبدي, وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى عليّ عبدي, وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي, وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل, فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) فهي سبع آيات, الثلاث الآيات الأولى لله, والآيات الثلاث الأخيرة للعبد, والآية الرابعة وهي الوسط من السبع بين الله وبين العبد, وهذا أيضاً ترجيح معنوي, لكون الفاتحة بداءتها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] وليست البسملة منها, الترجيح اللفظي: أننا لو جعلنا البسملة من الفاتحة, لكانت الآية الأخيرة طويلة لا تتناسب مع الآيات التي قبلها, لأنها ستكون: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وهذه تساوي آيتين, ولهذا كان الصواب: أن آخر الآية السادسة قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ . وينبغي للإنسان إذا قرأها -ولا سيما في الصلاة- أن يقف على كل آية؛ لأن الله يناجي العبد في الصلاة: (إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال: حمدني عبدي) كما سمعتم الحديث.

стр. 3200

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) ابتدأ الله تعالى هذه السورة بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] والحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم, وذلك أن وصف الغير بالكمال قد يكون خوفاً منه, أو هيبة له, أو استجداءً له، وهذا لا يلزم منه المحبة والتعظيم, بدليل: أن الشعراء يأتون إلى الملوك والوزراء يصفونهم بالحمد لكن قد لا يكون في قلوبهم محبة لهم أو تعظيماً لهم, لكن استجداءً أو خوفاً أو ما أشبه ذلك, ولهذا يسمى مثل ذلك مدحاً ولا يسمى حمداً, أما الحمد فلا بد أن يكون مقروناً بالمحبة والتعظيم, وعلى هذا فالحمد -أعني حمد الله- وصفه ﵎ بالكمال الذي لا فوقه كمال, وقول: (الحمد) هذه "ال" فيها للاستغراق, أي: جميع المحامد من كل وجه لله , وقوله: (لله) اللام هنا للاختصاص والاستحقاق, أما كونها للاختصاص فلأنه لا أحد يحمد بجميع المحامد إلا الله , وأما كونها للاستحقاق فلأنه لا أحد يحمد حمداً يستحقه على وجه الكمال إلا الله , ولهذا جعل العلماء اللام في قوله: (لله) للاختصاص والاستحقاق, أما الله فهو علم على رب العالمين جل وعلا, لا يسمى به غيره. و (رَبِّ الْعَالَمِينَ) (رب) معناه: الخالق المالك المدبر, أي: أنها تتضمن ثلاث معاني: المعنى الأول: الخالق, ولا خالق إلا الله, وقد قال الله تعالى مندداً بالأصنام: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧] , وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:٣] . المعنى الثاني: المالك, لا ملك لأحد سوى الله , هو الذي يملك الملك التام المطلق العام, وأملاك غيره محدودة من حيث الشمول, فلا أحد يملك كل ما في السماوات والأرض, محدودة من حيث التصرف فلا أحد يملك أن يتصرف فيما يملكه ملكاً خاصاً إلا حسب ما شرع الله , لكن الملك المطلق التام العام هو لله وحده. المعنى الثالث: المدبر, فالتدبير التام لله , لا أحد يدبر سواه, حتى المشركون يقرون بأن الذي يدبر الأمر هو الله , ولكن اعلم أن الله تعالى لا يدبر شيئاً عبثاً أو بغير حكمة, كل ما قضاه الله وقدره ودبره فهو لحكمة عظيمة, لكن من الحكم ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه, وذلك لأن عقولنا أقصر وأحقر من أن تحيط بحكمة الله . يرد على الإنسان أشياء من الشريعة ويقول: كيف يحكم هذا؟ مثال ذلك: يقول مثلاً: كيف يحرم على الإنسان أن يستبدل صاعاً من البر طيباً بصاعين من البر رديئة والقيمة واحدة؟ هذا قد يشكل على الإنسان, وهذا حرام أن تعطي صاعاً من البر بصاعين، هذا حرام على كل حال, فقد يقول قائل: لماذا حرام؟! فنقول: إنك لست أحكم من الله, ولولا أن هذا يترتب عليه مفاسد عظيمة ما حرمها الله على العباد, لأن الله يريد بالعباد اليسر ولا يريد بهم العسر, ولا يمكن أن يمنعهم أي معاملة إلا وفيها ضرر، إما منظور وإما منتظر, يشكل على الإنسان أن الله يقدر الحروب, والفقر, وجدب الأرض, وقحط السماء لا تنزل ماءً, فيقول: ما هذا؟ ما الفائدة؟ هذه مضرة على العباد, فنقول: لست أحكم من الله, إن الله تعالى لا يقدرها إلا لحكمة عظيمة, قد تعلمها وقد لا تعلمها, ولهذا يجب أن نستسلم للقضاء الشرعي كما نستسلم للقضاء القدري, القضاء القدري كل مستسلم له: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران:٨٣] حتى الكفار مستسلمون بالقضاء القدري, لكن القضاء الشرعي لا يستسلم له إلا المؤمنون, فنحن يجب علينا أن نستسلم للقضائين: الكوني والقدري, وإن شئت فقل: أن نستسلم للقضاء الشرعي كما نحن مستسلمون للقضاء القدري, المهم أن الذي يدبر الأمر هو الله . وقوله: (الْعَالَمِينَ) المراد بهم كل من سوى الله فهم عالم, وهذا اللفظ (العالمين) مشتق من العلامة, لأن كل الكون آية من آيات الله , وفي كل جنس منه ونوع منه وفرد منه آية من آيات الله, كل شيء تتأمله تجد أنه دال على الرب وعلى حكمته ورحمته, وما أصدق قول الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد إذاً العالمون كل من سوى الله, وسموا عالماً من العلامة؛ لأن وجود هذا الكون وما يحدث فيه كله آية وعلامة على الله , ويجب أن تعرف الفرق بين العالمَين بفتح اللام, والعالِمين بكسر اللام, العالَمين قلنا: كل ما سوى الله, والعالِمين هم ذوي العلم, كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] .

стр. 3201

تفسير قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] هذه صفة للفظ الجلالة, وهو ما يسمى عند النحويين بالنعت, (الرَّحْمَنِ) أي: ذو الرحمة الواسعة الشاملة لكل شيء, كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] وهذه الرحمة العامة تشمل حتى الكافر, فإنه يعيش برحمة الله, ولولا أن الله يرحمه ما وجد غذاءً ولا شراباً ولا كسوة ولا سكناً ولكنه يعيش برحمة الله في هذه الأشياء, إلا أنها رحمة لا تفيده في الآخرة؛ لأنها رحمة قاصرة في الدنيا فقط. (الرَّحِيمِ) أي: ذو الرحمة الخاصة التي تصل إلى المرحوم, وهذا لا يكون إلا للمؤمنين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] ولهذا قال بعض العلماء: الرحمن عامة والرحيم خاصة, وفي الإتيان بـ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بعد قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) دليل على أن هذه الربوبية ربوبية رحمة, ليست ربوبية انتقام أو غضب؛ بل هي ربوبية رحمة وأن كل ما صدر من الله فإنه رحمة, حتى النقم التي تصيب الناس هي في الحقيقة رحمة, كيف هي رحمة، المرض رحمة؟! نعم هو رحمة, لكن لا يعرف أنه رحمة إلا من تدبر وتأمل: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] المرض بالنسبة للمؤمن يكفر الله به سيئاته, (ما يصيب المؤمن من همٍ ولا غمٍ ولا أذى إلا كفر الله بها عنه) وهذه رحمة، لأن ما يصيبك في الدنيا زائل ولا يبقى، ولا بد أن يزول, ودوام الحال من المحال, ويذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في إصبعها وأنها لم تتأثر, وقالت: (حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها) كلمة عظيمة, إذاً هذا المرض الذي أصابك رحمة, ثم إن المرض قد يكون سبباً لرجوع الإنسان إلى ربه إذا كان فاراً من الله, وقد يكون سبباً لاهتداء العاصي ورجوعه إلى ربه. ولقد حدثت قريباً عن شخص كان مسرفاً على نفسه فاسقاً بعيداً من الله, فمات أبوه وبمجرد موت أبيه أصيب بهذه المصيبة عاد إلى الله واستقام, وصار من خيار الشباب, فانظر إلى هذه المصيبة كيف أصلحت هذا. إذاً نقول: كل ما في الكون وما يقدره الله فيه فهو ناتج عن رحمة, وقرينة ذلك أن الله لما قال: (َبِّ الْعَالَمِينَ) قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فليست بغيته مبنية على جبروت وإحراج وإعسار على العباد ولكنها مبنية على الرحمة.

стр. 3202

تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين) قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وفي قراءة: (مَلِكِ يوم الدين) فمالك اسم فاعل, وملك صفة مشبهه, ويقال في الأول: مِلْك, ويقال في الثاني: مُلْك, أي: المُلْك للمَلِك, والمِلْك للمَالِك, فتقول مثلاً: هذه الساعة مِلك فلان, وتقول في مملكة تحت مَلك, تقول: هذه مملكة مُلْك فلان, المَلِك والمالِك قراءتان سبعيتان صحيحتان, يجوز للإنسان أن يقرأ بهما, يقرأ بهذه مرة وهذه مرة في الصلاة وخارج الصلاة, إلا أنه لا ينبغي أن نقرأ بقراءة تخرج عن المصحف أمام العوام؛ لأن ذلك يحدث فتنة, فإن ذلك قد يقلل من هيبة القرآن في نفس العامي, أو قد ينكر العامي بقلبه أو لسانه على هذا الذي قرأ بقراءة لا يعرفها, ولهذا ينبغي لطلبة العلم ألا يقرءوا بالقراءة الخارجة عن المصحف الذي بين أيدي الناس؛ لما ذكرنا من أنه قد يكون سبباً لاستهانة العامة بالقرآن, أو سبباً للطعن في هذا القارئ وأنه لا يستطيع أن يقرأ. المهم: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي: أن الله هو المتصرف في ذلك اليوم, لا أحد يتصرف في ذلك اليوم أبداً, لو كان يستطيع أن يتصرف لأوجد له ظلاً من حر الشمس, ولكن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) فهو الذي يخلق ظلاً في ذلك الوقت على من استحقه, كالسبعة الذين يظلهم الله في ظله, وقد جاء في الحديث: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة) . كذلك هو مَلِك يوم الدين, لا مُلك لأحد معه, كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] أي: ملوك الدنيا مهما عظم ملكهم واتسع وقوي سلطانهم فإنه يتلاشى من حين يموت السلطان سواء كان باسم السلطان أو باسم الملك أو باسم الرئيس فإنه يزول ذلك بمجرد موته, وما يفعل من بعده من تعظيم قبره أو زرع الأزهار عليه أو ما أشبه ذلك فإنه لا ينتفع به إطلاقاً, لماذا؟ لأنه مات وزال ملكه, في يوم القيامة أيضاً لا ملك إلا لله وحده جل وعلا, فلهذا قال: (مَلك) أو (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) . فإن قال قائل: ما معنى: (يَوْمِ الدِّينِ) ؟ قلنا: (يوم الدين) أي: يوم القيامة؛ لأنه الذي يدان فيه العباد أي: يجازون على أعمالهم, والدين يكون بمعنى الجزاء كما في هذه الآية, ويكون بمعنى العمل كما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] . فهذه ثلاث آيات كلها لله .

стр. 3203

الأسئلة

стр. 3204

حكم التهنئة برأس العام الجديد ما حكم التهنئة لبداية السنة, بما يفعله الناس كأن يقول أحدهم للآخر: كل عام وأنتم بخير ونحو ذلك؟ التهنئة برأس العام الجديد ليست معروفة عند السلف , ولهذا تركها أولى, لكن لو أن الإنسان هنأ الإنسان بناءً على أنه في العام الذي مضى أفناه في طاعة الله فيهنئه لطول عمره في طاعة الله فهذا لا بأس به, لأن خير الناس من طال عمره وحسن عمله, لكن هذه التهنئة إنما تكون على رأس العام الهجري, أما رأس العام الميلادي فإنه لا يجوز التهنئة به؛ لأنه ليس عاماً شرعياً بل إن هنئ به الكفار على أعيادهم، فهذا يكون الإنسان فيه على خطر عظيم أن يهنئهم بأعياد الكفر, لأن التهنئة بأعياد الكفر رضا بها وزيادة, والرضا بالأعياد الكفرية ربما يخرج الإنسان من دائرة الإسلام, كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه أحكام أهل الذمة. وخلاصة القول: أن التهنئة برأس العام الهجري تركها أولى بلا شك؛ لأنها ليست من عهد السلف , وإن فعلها الإنسان فلا يؤثم, وأما التهنئة برأس العام الميلادي فلا.

стр. 3205

شرح تعريف الواجب: ما يثاب فاعله امتثالاً ويعاقب تاركه اختياراً ما المراد بتعريف الواجب: ما يثاب فاعله امتثالاً, ويعاقب تاركه اختياراً؟ أي: ما يفعله امتثالاً لأن الإنسان قد يفعل الواجب بغير امتثال لله, لأنه عادة فهذا لا يثاب عليه وإن كان قد تبرأ به الذمة, وكذلك إنسان قد يعمل واجباً ولم يطرأ على باله التعبد لله, مثل: أن يجد غريقاً في الماء فينقذه من الغرق ولا يخطر بباله أنه أراد بذلك امتثال الأمر بإنقاذ المعسور, وأما تركه امتثالاً فلا بد منه. ويعاقب تاركه أي: يستحق العقاب على تركه, وقوله: (اختياراً) أي: إذا كان أجبر على تركه وأكره فإنه لا يعاقب على ذلك, لأنه مكره على الترك.

стр. 3206

المراد بعصمة الرسول ﷺ ما المراد بعصمة الرسول ﷺ ؟ عصمة الرسول ﵊ من كل ما ينافي الرسالة, فهو معصوم من الكذب, ومعصوم من سوء الأخلاق, ومعصوم من الخيانة, ومعصوم من الشرك, وغير ذلك مما ينافي الرسالة, أما ما يقع منه من الذنوب فإنه معصوم من الإقرار عليه بخلاف غيره, فإن الإنسان قد يذنب الذنب ويستمر فيه.

стр. 3207

أحاديث لا تصح عن الرسول ﷺ هناك بعض الأحاديث يتناقلها العامة، مثل: (لعن الله قاطع سدرة) , والحديث الثاني: (من قطع سدرة سدد الله رأسه إلى النار) ، والحديث الثالث: (من أراد أن يلعن نفسه فليكذب) , ما صحة هذه الأحاديث؟ كل هذه لا تصح, لكن قد نهي عن قطع شجر السدر إذا كان الناس ينتفعون بها في الاستظلال, مثل: أن تكون منزلاً للمسافرين أو ما أشبه ذلك, فهذا قد نهي عن قطعها لما فيها من إزالة المنافع التي ينتفع بها المسلمون, أما الألفاظ التي ذكرت فلا تصح.

стр. 3208

حكم الازدحام على أيسر الصف في الصلاة وترك الأيمن إذا كنت إماماً ورأيت أكثر المأمومين في أيسر الصف وقد تركوا الأيمن, فهل أقول لهم: اعدلوا الصف الأيمن؟ نعم, إذا كنت إماماً ورأيت الناس منحازين إلى أحد الجانبين الأيمن أو الأيسر بفرق واضح, فقل لهم: تعالوا إلى هنا حتى يكون أيمن الصف وأيسر الصف متماثلاً أو متقارباً, سواء الأيسر أو الأيمن, فإذا كانوا عشرة نقول: يأتي منكم ثلاثة, لأن الأيمن أفضل إذا تساوى مع الأيسر. السائل: وإذا لم يفعلوا ذلك. ؟ الجواب: إذا أمرهم لا أظن أن يرفضوا أبداً, لأن الإمام مطاع, وإلا ما الفائدة إذا قال: استووا اعتدلوا.

стр. 3209

ألفاظ توجيه المصلين قبل التكبير في الميزان إذا قال الإمام: استووا يرحمني ويرحمكم الله، وسدوا الفُرَج, وسووا صفوفكم، إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، وسدوا الخلل, ولا تدعوا فرجات للشيطان, وأحضروا قلوبكم إلى الصلاة, وصلوا صلاة مودع, هل هذه الألفاظ كلها مأثورة عن الرسول ﷺ ، أم ما هو اللفظ الصحيح الذي يوصي به الإمام المأمومين؟ الشيخ: أعد من الأول, واحدة واحدة السائل: بعض الأئمة قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام, يقول للمأمومين: استووا اعتدلوا الشيخ: استووا واعتدلوا هذه لا بأس بها؛ لأنها وردت بها السنة. السائل: وأحضروا قلوبكم للصلاة؟ الشيخ: هذه لم ترد, ولا ينبغي أن يقولها، لأنه ليس أبلغ نصحاً للعباد من رسول الله ﷺ , وفي الصحابة من لا يحضر قلبه في الصلاة, ولذا شكى رجل إلى النبي ﷺ أنه لا يحضر قلبه في الصلاة, فقال له النبي ﷺ : (ذاك شيطان يقال له: خنزب -أي: الذي يأتي الناس في الصلاة يوسوس عليهم- فإذا أحسست به فاتفل عن يسارك ثلاث مرات واستعذ بالله منه, قال: ففعلت فأذهبه الله عني) . لو قال قائل: الرسول ﵊ خلفه صحابة لا تغيب قلوبهم وأنا خلفي أناس مشغولون بالدنيا تغيب قلوبهم فأقول لهم: احضروا قلوبكم لهذا السبب, نقول له: أولاً: أنت لم تفتش عن قلوبهم, ثانياً: أن الصحابة ﵃ فيهم من يغيب ويشتغل قلبه، ومع ذلك ما كان الرسول يقول: أحضروا قلوبكم. وكذلك أيضاً قوله: صلوا صلاة مودع, هذه أيضاً من التنطع في دين الله ولم ترد عن النبي ﵊. السائل: يرحمني ويرحمكم الله؟ الشيخ: يرحمني ويرحمكم الله لم ترد. السائل: وسدوا الفرج؟ الشيخ: سدوا الفرج صحيح. السائل: وأقيموا صفوفكم؟ الشيخ: أقيموا صفوفكم صحيح. السائل: إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج؟ الشيخ: هذا غير صحيح. السائل: لا تدعوا فرجات للشيطان؟ الشيخ: هذا صحيح.

стр. 3210

رجل دخل مع إمام يصلي العشاء بنية العصر ثم تذكر أنه صلى العصر مع جماعة أخرى إنسان دخل يصلي صلاة العصر فوجد المصلين قد انتهوا من الصلاة, فخرج من المسجد وذهب إلى البيت, فلم يصلِ صلاة العصر ناسياً, وصلّى المغرب والعشاء, وقبل أن يدخل لصلاة العشاء تذكر أنه لم يصلِ صلاة العصر, ودخل مع الإمام بنية العصر، فلما كبر تذكر أنه قد صلّى صلاة العصر مع جماعة قد فاتتهم الصلاة, فما حكم ذلك؟ حكم ذلك أنه إذا ذكر أنه قد صلّى صلاة العصر يقطع الصلاة, ويدخل من جديد بنية العشاء.

стр. 3211

حكم اشتراط الطهارة لمن لبس جورباً على جورب إذا لبست جورباً على جورب, فهل يشترط للأخير الطهارة؟ إذا لبست جورباً على جورب وكان لبس الثاني على طهارة فلا بأس على القول الراجح, وبعض العلماء: يرى أنك إذا مسحت على الجورب الأول فاستمر عليه, ولا تلبس عليه شيئاً, وإن لبست عليه شيئاً وأردت الوضوء فلا بد أن تخلع الذي لبست أخيراً وتمسح الأصل, ولكن الصحيح: أنك إذا لبست الأعلى على طهارة فلا بأس أن تستمر تمسح عليه, ولكن ابتداء المدة من المسح الأول, فمثلاً: لو أن إنساناً لبس يوم الأحد صباحاً, واستمر على هذا إلى أن مسحه لصلاة المغرب, ثم اشتد عليه البرد فلبس فوقه آخر وهو على طهارة, فيمسح عليه إلى طلوع الفجر من اليوم الثاني.

стр. 3212

حكم الحجامة في الشتاء يقولون: الحجامة لا تكون في الشتاء, هل هذا صحيح؟ لا أدري, لكن مرجع هذا إلى الأطباء الذين يمارسون هذا الشيء. السائل: أما ورد يا شيخ عن الرسول ﷺ أنه احتجم؟ الشيخ: ورد أن الحجامة من أفضل أنواع الطب. السائل: قصدي في الشتاء؟ الشيخ: لا أدري.

стр. 3213

حكم الإفطار لمن صام نفلاً ما حكم تغيير النية في عبادة النفل, كمن صام مثلاً يوم الإثنين، ثم في منتصف اليوم أفطر, ما حكم ذلك؟ وهل يأثم في فعل ذلك؟ الشيخ: قل: ما حكم إفطار الصائم نفلاً؟ هذا ليس تغيير نية، هذا إفطار. السائل: أو في عبادة النفل عموماً تغيير النية الشيخ: نأتي إلى الإفطار, إذا صام الإنسان نفلاً فلا حرج عليه أن يفطر, لكن الأفضل ألا يفطر إلا لغرض، إما أن يرى لنفسه التعب, أو أتاه ضيوف لا تطيب نفوسهم إلا إذا أكل معهم, أو ما أشبه ذلك, وإلا فليستمر. وكذلك أيضاً بقية النوافل كما لو شرع في صلاة النفل وحضر ضيوف وهو في أثناء الصلاة فليقطعها ولا بأس, ويستثنى من هذا الحج والعمرة, فإن الحج والعمرة إذا شرع فيهما الإنسان ولو كانا نفلاً وجب عليه إتمامهما؛ لقول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] وهذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن يفرض الحج, فدل هذا على أنه لا بد من إتمام الحج والعمرة. إذاً القاعدة الآن: أن كل من شرع في نفل جاز له أن يقطعه، لكن الأفضل ألا يقطعه إلا لعذر, إلا الحج والعمرة فإنه يجب عليه إتمامهما.

стр. 3214

حكم لبس الجوارب لئلا يغسل قدميه السائل: ما حكم لبس الجورب من أجل ألا يغسل قدميه, ليس من أجل البرد؟ الشيخ: يعني: أنه لبس الجورب ليمسح فقط؟ السائل: نعم. الشيخ: بعض العلماء يمنعه ويقول: لا يجوز هذا؛ لأنه نوى إسقاط الواجب عليه وهو غسل الرجل, فهو كالذي يسافر في رمضان من أجل أن يفطر في رمضان, ومعلوم أن من سافر في رمضان من أجل الفطر فإنه يحرم عليه السفر ويحرم عليه الفطر أيضاً, فعلى هذا: يحرم عليه اللبس ويحرم عليه المسح. وبعض العلماء يقول: لا بأس أن يلبس ليمسح, لأن أصل اللبس للخفين من أجل المسح عليه, سواء كان بسبب شدة البرد أو شدة الحر أو أثر في الرِجل أو غير ذلك, المهم أن أصل لبس الخفين أو الجوارب من أجل المسح, وليس أصل السفر من أجل الفطر, فبينهما فرق, ولا يصح لباس أحدهما على الآخر, وهذا هو القول الراجح، أن الإنسان لو لبس من أجل أن يمسح فلا بأس, لكننا لا نحبذ له هذا, لأن غسل الرجل إذا كانت مكشوفة أفضل من المسح عليها.

стр. 3215

حكم السفر لحضور صلاة الجنازة وتعزية أهل الميت ما حكم السفر لحضور الصلاة على الجنازة وتعزية أهل الميت؟ إذا كانت هذه الجنازة ممن له حق عام أو خاص فلا بأس أن يسافر الإنسان له, وليس هذا من باب شد الرحال إلى القبور, وكذلك في التعزية, لكن السفر إلى التعزية سوف يستلزم اجتماع أهل الميت في البيت, واستقبالهم للناس, وهذا من البدع, حتى إن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: [كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة] والناس الآن في بعض المناطق يفعلون أعظم من هذا, يجتمعون ويصفون الكراسي ويضيئون الأنوار, وإذا مررت ببيتهم كأنما مررت ببيت عرس, وهذا لا شك أنه من البدع, والميت لا ينتفع بذلك, وهم لا ينتفعون أيضاً؛ لأنهم يزدادون بذلك إضاعة للوقت, وإضاعة للمال, ومخالفة لهدي السلف , فلهذا نحن ننصح إخواننا المسلمين أن نقول لهم: دعوا هذه العادات, فإن شيئاً لم يفعله السلف لا خير فيه.

стр. 3216

جواز وضع المدفئة أمام المصلي نرى بعض الناس يجعل المدفئة أمامه وهو يصلي؟ لا إشكال في هذا, يجوز أن تصلي والمدفئة أمامك ولا حرج, وأما ما كرهه بعض العلماء ﵏ من استقبال النار, فهذا ليس فيه حديث صحيح عن الرسول ﵊, ولكنهم عللوا ذلك بأن هذا يكون مشابهة للمجوس الذين يعبدون النار, والمجوس الذين يعبدون النار لا يعبدون مثل هذا, إنما يعبدون ناراً يوقدونها ويكون لها لهب ومعظمة, وكما أننا نصلي الآن في الجدار القبلي هناك قناديل من الكهرباء, والقنديل من الكهرباء أقرب إلى النار التي يعبدها المجوس؛ لأن قناديل الكهرباء الأصغر -المدورة- تشبه النار الموقدة، ومع ذلك لم تكن محل إشكال, ثم إن هذه المدفئات أو الدفايات لا تكون أمام الإمام إنما تكون أمام المأمومين, ويفرق بين ما يكون أمام الإمام وأمام المأمومين, ولهذا لو مرت امرأة من بين أيدي المصلين لم تقطع صلاتهم, ولو مرت من بين يدي الإمام قطعت صلاة الإمام وصلاة من وراءه.

стр. 3217

حكم إقامة دروس القرآن والدروس العلمية يوم الجمعة ما حكم إقامة دروس للقرآن والدروس العلمية فجر يوم الجمعة؟ لا نرى في هذا بأساً, ما دام أنه لا يضيق على المصلين, وأما النهي عن التحليق يوم الجمعة فهذا إذا كان يضيق على الناس, لأنهم كانوا في عهد الرسول ﵊ يتقدمون, يأتون في الساعة الأولى، أما في مسجد لا يأتي الناس إليه إلا عند مجيء الإمام فلا فرق بين يوم الجمعة وغيرها.

стр. 3218

حكم سجود التلاوة للإمام في الصلاة السرية إذا مر بالإمام آية سجود في صلاة سرية هل يسجد بالمأمومين؟ ورد عن النبي ﵊ أنه قرأ في صلاة الظهر آية سجدة وسجد, ولكن الحديث في صحته نظر, فلو صح الحديث لكان العمل به واضحاً, ولكن في صحته نظر، ولهذا قال فقهاء الحنابلة: يكره للإمام أن يقرأ في صلاة السر آية سجدة, وإذا قرأها فيكره أن يسجد فيها, وعللوا ذلك: بأنه إذا قرأها ولم يسجد فقد خالف السنة؛ لأن السنة فيمن قرأ آية سجدة أن يسجد, وإن قرأها وسجد لبَّس على المؤمنين وشوش عليهم, فلهذا قالوا: يكره أن يقرأها أو أن يسجد فيها, والحمد لله القرآن كثير سوى الآيات التي فيها سجدة, فيقرأ ما تيسر.

стр. 3219

معنى قول الله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) ورد في مختصر الصواعق المرسلة للإمام ابن القيم ﵀ حين أتى إلى قوله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ذكر أنه ورد عن بعض السلف ومنهم الشافعي بأن المعنى في قوله: (وَجْهُ اللَّهِ) أي: قبلة الله, ثم نقض ذلك ترجيحاً من عدة وجوه, وقال من بينها: ما بالكم أخذتم هذه على قبلة الله, مع أنه في كل النصوص التي وردت فيها وجه الله هي إضافة الصفة إلى الموصوف, فرجح من عدة أوجه -كما قلت- قوله: إن تفسيرها نعني به إحاطة الله التامة والمطلقة, فكما تعلم الأشاعرة يؤولون قضية الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء بقولهم: إن هذه قبلة الدعاء, وأنكر السلف عليهم ذلك وقالوا: إن هناك قبلة واحدة للصلاة وللدعاء, فهل للأشاعرة أن يقولوا: إن القول في قبلة الله في هذا التفسير أيضاً يستلزم عدة قبلات لله , فأرجو من فضيلتكم إزالة مثل هذه الشبهة مأجورين وجزاكم الله خيراً؟ أولاً: أنا أرجو من الإخوان الحاضرين أن لا يوردوا مثل هذا السؤال المطول المعقد, وأكثر الإخوة الآن قد لا يفهمون هذا إطلاقاً ولا طرأ على بالهم إطلاقاً, فمثل هذا يكون بيني وبين السائل. لكن الآية الكريمة فيها قولان للسلف: القول الأول: أن المعنى: فأينما تولوا فثم وجهت الله، أي: قبلته, بمعنى: أنك إذا أشكل عليك القبلة, ثم صليت وأنت في البر, صليت إلى جهة ظننتها القبلة ثم تبين إنها ليست القبلة فصلاتك صحيحة, لأن هذه الآية ذكرت كمقدمة لقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢] فهذه الآية كقوله: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢] و ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: إن اتجهتم إلى الكعبة فأنتم مولون وجه الله, وإن اتجهتم إلى بيت المقدس كما انتقدكم اليهود فأنتم مولون إلى وجه الله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢] وهذا قول له قوته. القول الثاني: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فالله تعالى قبل وجوهكم, ويؤيد هذا القول قول النبي ﷺ في المصلي: إنه لا يبصق قبل وجهه, قال: (فإن الله قبل وجهه) . فالآية محتملة لهذا ولهذا, ومعناها صحيح على كلا القولين. أما الأشاعرة وقولهم: إن هذا قبلة الدعاء, فيقال لهم: أنتم هل تدعون السماء أم تدعون رب السماء؟ فإذا رفعتم أيديكم إلى السماء وقلتم: يا ألله، فإنما تنادون الله , فإذاً الله هناك, لستم تقولون: يا سماء، وكونهم يقولون: إن السماء قبلة الداعي، خطأ, لأن قبلة الداعي هي الكعبة, فإن العبادة التي يشرع فيها استقبال القبلة إنما يشرع إلى الكعبة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3220

لقاء الباب المفتوح [١١٣] استكمل الشيخ ﵀ ما كان قد بدأه من شرح آيات سورة الفاتحة، فتحدث عن العبادة ومعناها الحقيقي وما ترمي إليه، وكذا عن الصراط المستقيم وأوصافه وعن الهداية وأهلها. وأجاب عن الأسئلة عقب كلمته وكان من أهمها: سؤال يتعلق بغلاء المهور ورد الكفء من الرجال لشروط محرمة.

стр. 3221

تفسير آيات من سورة الفاتحة الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث عشر بعد المائة من لقاء الباب المفتوح الذي يتم كل خميس, وهذا هو يوم الخميس ٢٩ من شهر رجب عام (١٤١٦هـ) . ونفتتح هذا اللقاء بإكمال سورة الفاتحة حيث تكلمنا على ثلاث آيات منها وهي قوله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] .

стр. 3222

تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] الجملتان فيهما حصر, فمعنى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي: لا نعبد إلا إياك, و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي: لا نستعين إلا إياك, وطريق الحصر أنه قدم المعمول وحقه التأخير, وكلما قُدِّم ما حقه التأخير فإنه يفيد الحصر, هذا في اللغة العربية كما نص على ذلك أهل البلاغة وأهل النحو. فما معنى العبادة التي قال الله عنها: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ؟ العبادة: هي التذلل لله والخضوع له, وامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, وتصديق أخباره, وتعظيمه, ومحبته, إلى غير ذلك من أنواع العبادة, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالطهارة عبادة, والصلاة عبادة, والصدقة عبادة, والزكاة عبادة, والصوم عبادة, والحج عبادة, والنذر عبادة, والتوكل -وهو التفويض المطلق- عبادة, إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي ذكرها أهل العلم, والإنسان العابد يشعر بأنه عبد لسيده وإلهه, إذا أمره قال: سمعنا وأطعنا. ومن تمام العبودية: الحب في الله والبغض في الله, فإن هذا أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وتبغض لله, وتوالي لله وتعادي لله, فمن كان من عباد الله الصالحين فهو حبيبك في أي مكان في الأرض, وفي أي زمن من الأزمنة, حتى الذين آمنوا بموسى من بني إسرائيل, والذين آمنوا بعيسى من بني إسرائيل هم أحبابنا وإخواننا. لا تظنوا أن الحبيب أو الأخ هو من كان من هذه الأمة بل هو كل من كان مسلماً في أي زمان وفي أي مكان فإنه أخ لنا؛ لأن هذا مقتضى العبادة، فالحب في الله والبغض في الله, والولاء في الله والمعادة في الله , هذا من تمام العبادة. من تمام العبادة: أن الله إذا أمر بأمر تقول: سمعنا وأطعنا, بعض الناس الآن إذا قلت: أمر الله بكذا أو أمر الرسول بكذا قال: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ سبحان الله! هل كان الصحابة يستفهمون مثل هذا الاستفهام إذا أمرهم الله بشيء أو أمرهم الرسول بشيء, يقولون: هل هذا للاستحباب أو للوجوب؟! لا. بل يقولون: سمعنا وأطعنا, نعم إذا وقع الإنسان في المخالفة فحينئذٍ يتوجه هذا السؤال أن يقال: هل هذا للوجوب ويحتاج إلى فدية أو كفارة أو ما أشبه ذلك؟ إذا نهاه الله ورسوله عن شيء يقول: هل النهي للكراهة أم للتحريم؟ سبحان الله! إذا نهي عن شيء فقل: سمعنا وأطعنا, ونتجنبه. ولهذا لا يستطيع أحد أن يأتي بحرف واحد عن الصحابة أنهم إذا أمرهم الرسول ﷺ قالوا: هل أنت تأمرنا على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟ وإذا نهاهم عن شيء قالوا: هل أنت تنهانا على سبيل التحريم أم على سبيل التنزيه؟ أبداً, نعم إذا حصل شيء يوجب الاستفهام استفهموا. مثال: قضية بريرة ﵂، فإنها لما عتقت وكان زوجها رقيقاً, قال الرسول ﵊: (أنت بالخيار إن شئت أن تبقي معه، وإن شئت أن تفسخي النكاح فافسخي النكاح, فقالت: أختار نفسي وأفسخ النكاح, ففسخت النكاح) وكان زوجها مغيث يحبها حباً شديداً وهي تكرهه كراهة شديدة, فكان يمشي خلفها في أسواق المدينة يسألها أن ترجع وأن تعدل عن رأيها, ولكنها تأبى, فطلب مغيث من رسول الله أن يشفع له, فشفع له لعله يرجع إليها, قالت: (يا رسول الله أتأمرني؟ فسمعاً وطاعة, أم أمر تشير به عليَّ فلا حاجة لي فيه, قال: بل أمر أشير به عليكِ, قالت: لا حاجة لي فيه) . وكذلك إذا دلت القرينة على أن الأمر ليس للوجوب مثل قول الرسول ﵊ لـ جابر بن عبد الله: (بعني الجمل بأوقية) فجعل يماكسه حتى اشتراه الرسول ﵊, المهم أن الأمر الشرعي لا يمكن للصحابة أن يقولوا: يا رسول الله هل الأمر للاستحباب أم للوجوب. فمن تمام التعبد أنك إذا سمعت بأمر الله ورسوله فلا تتردد, ولا تقول: للوجوب أم للاستحباب، بل قل: سمعنا وأطعنا، وافعل وستؤجر, كذلك إذا سمعت النهي فلا تتردد ولا تقول: هل هو للتحريم فأجتنبه وجوباً, أو للكراهة فأجتنبه تنزهاً, بل قل: سمعنا وأطعنا, إلا إذا وقع الإنسان في المخالفة, فحينئذٍ يسأل: هل هو واجب أم محرم من أجل أن يستدرك ما فاته, المهم أن من تمام العبادة تمام الامتثال, بفعل الأوامر واجتناب النواهي. (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) معنى نستعين, أي: نطلب العون من الله, والاستعانة تقع على وجهين: الوجه الأول: استعانة عبادة, بمعنى: أن الإنسان يفوض أمره إلى الله, ويعلم أنه لا قدرة له على شيء إلا بمعونة الله, هذه لا تكون إلا لله. الوجه الثاني: استعانة بأمر يقدر عليه المعين, والإنسان لا يرى أنه يفوض أمره إلى هذا المستعان به، ولكنه يرى أنه من باب المساعدة, فهذا جائز، ولهذا قال النبي ﵊: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها, أو ترفع له عليها متاعه صدقة) تعينه, فأثبت الإعانة من المخلوق للمخلوق. (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ما المراد بالاستعانة هنا؟ الاستعانة التي لا تصلح إلا لله أم التي تصلح لله وللمخلوق؟ المراد الأول، الاستعانة التي فيها التفويض المطلق وأنه لا قدرة للمستعين على أي شيء إلا بمعونة، هذه الاستعانة به وهذه لا تكون إلا لله .

стр. 3223

تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] الهداية تكون بمعنى الدلالة, وتكون بمعنى التوفيق, فأي المعنيين هناك يريد الداعي: هداية التوفيق أم هداية الدلالة، أو كلتيهما؟ كلتيهما, يريد هداية الدلالة أي: العلم, هداية التوفيق أي: التزام الصراط المستقيم, ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يلتزم الصراط المستقيم إلا بعلم, كيف يعبد الله على جهل؟ لا يمكن! لا بد أن يهديه الله, يدله أولاً ثم يوفقه ثانياً. قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] يخاطب النبي ﷺ , ما المراد بالهداية هنا؟ هداية الدلالة والإرشاد والبيان, وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] هداية التوفيق, يعني: لا تستطيع أن توفق أحد للهدى أبداً, لا يستطيع ذلك إلا الله وحده, وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] هداية الدلالة, دلهم الله على الحق, وبين لهم رسولهم الحق ولكنهم: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت:١٧] . المهم أن الهداية نوعان: هداية الدلالة, وهداية التوفيق. هداية الدلالة تكون بالعلم, وهداية التوفيق تكون بالسير على الصراط المستقيم. وقول المصلي أو الداعي بهذه الآية الكريمة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: هداية الدلالة والتوفيق, فيكون هذا الدعاء شاملاً للعلم بالحق, والعمل بالحق. وقوله: (الصِّرَاطَ) يقول أهل اللغة: إن الصراط لا يطلق على الطريق إلا إذا كان واسعاً, أما الطريق الضيق فليس بصراط, ووجه ذلك في المعنى: أن الصراط والزراط والسراط كلها تدل على سعة وسهولة النفوذ, يقال: زرط الرجل اللقمة. أي: ابتلعها بسرعة وسهولة, هنا الصراط أي: الطريق الواسع الذي يمضي به الإنسان من غير تعب ولا مشقة. لكن الصراط قد يكون مائلاً, وقد تكون فيه مرتفعات ومنخفضات, ولهذا قال: (الْمُسْتَقِيمَ) أي: الذي لا اعوجاج فيه وليس فيه منخفض ولا مرتفع, لأن الطريق المعوج يعوق. مثلاً: إذا كان بينك وبين البلدة في خط مستقيم ٢٠ كيلو, يكون بينك وبينها في خط معوج ٣٠ كيلو أو أكثر حسب كثرة الاعوجاج, كذلك في المنخفضات والمرتفعات, إذا كانت الطريق سوياً فإنك تصل إلى ما تريد بسرعة, لكن إذا كان مرة في الأعلى ومرة في الأسفل زاد عليك الطريق, فالمستقيم إذاً هو المستوي المعتدل, فخرج المعوج وما فيه من انخفاض وارتفاع. فما المراد بالصراط المستقيم هنا: هل المراد الصراط المستقيم الحسي أم المعنوي؟ المراد المعنوي ليس الحسي, أما في قول موسى ﵊: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢] فالمراد به الحسي، ولهذا هداه الله إلى سواء السبيل, لكن هنا الصراط المعنوي, والصراط المعنوي بينه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] .

стр. 3224

تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] أي: أنعمت عليهم النعمة التامة التي يكون فيها نعمة الدين والدنيا, فمن هؤلاء؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] أربعة أصناف هم الذين أنعم الله عليهم, وهم على مراتبهم هذه: المرتبة الأولى: قال: (مِنَ النَّبِيِّينَ) والنبيون هنا يشمل المرسلين؛ لأن الرسول نبي, والرسل أعلى طبقة من الأنبياء, وأولو العزم أعلى طبقة من غيرهم, ومحمد أعلى أولي العزم طبقة. فإذاً: النبيون تشمل طبقاتهم المرسلون فهم أعلى من النبيين, وأولو العزم أعلى من بقية الرسل, ومحمد أعلى طبقة في أولي العزم. هل أنت تستحضر وأنت تقرأ هذه الآية هؤلاء السادة؟ لا بد أن يكون في قلبك ذكر لهؤلاء السادة. المرتبة الثانية: الصديقون, هم الذين بلغوا في الصدق غايته، في تصديق ما أنزل الله على رسله, وقاموا بذلك وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ﵁, كيف عرفنا أنه على رأس الصديقين؟ لأن هناك حواريين وأنصاراً من الرسل السابقين, فكيف عرفنا أن أبا بكر هو أفضلهم؟ عرفنا ذلك لأن هذه الأمة أفضل الأمم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وأن أفضل هذه الأمة هو أبو بكر باتفاق الصحابة, فقد كان الصحابة يقولون على عهد الرسول ﷺ : [خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر] حتى علي بن أبي طالب كان يعلن على منبر الكوفة بعد أن كان خليفة يقول: [خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر] وبذلك نعرف كذب الرافضة الذين يدعون أن أبا بكر ليس خليفة وأنه ظالم لـ علي؛ لأن علي عندهم هو الخليفة, فيقال: لماذا لم يعلن علي بن أبي طالب حين كان خليفة أنه مظلوم؟ بل أعلن أن ما جرى هو العدل؛ لأنه أقر واعترف بأن خير هذه الأمة أبو بكر , وهذا إقرار بفضله وبأحقيته للخلافة؛ لأنه لا يولى على القوم إلا أفضلهم وخيرهم. على كل حال: نحن نقول: الطبقة الثانية من الخلق هم الصديقون. المرتبة الثالثة: الشهداء, الشهداء يشمل شهداء المعركة, وهم الذين قتلوا في سبيل الله, ومن الذي قتل في سبيل الله؟ هو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا, فمن قاتل للقومية فهو خاسر, ومن قاتل للوطنية فهو خاسر, ومن قاتل ليرى مكانه فهو خاسر, ومن قاتل رياءً فهو خاسر, المقاتل الذي إذا قتل فهو شهيد هو الذي قاتل من أجل هذا الغرض لتكون كلمة الله هي العليا, هذا هو المقاتل في سبيل الله وهو الشهيد, وقد سئل النبي ﷺ : (عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياءً أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) أي: أن هؤلاء ليسوا في سبيل الله, ولهذا جاء في الحديث: (ما من مكلوم يكلم -أي: ما من مجروح يجرح- في الجهاد والله أعلم بمن يكلم في سبيله) هذه الجملة مهمة, ليس كل من قتل في الجهاد يكون عند الله شهيداً, قد يكون في رأينا شهيداً, ولكنه عند الله ليس بشهيد؛ لأنه قال: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة لون دمه لون الدم, وريحه ريح المسك) . الشهداء يشمل أيضاً أهل العلم, فإن العلماء من الشهداء قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] لكن من هم أولي العلم الذين يكونون من الشهداء؟ هم أولي العلم الذين يطلبون العلم لله, والذين إذا بان لهم الحق تبعوه, والذين لا يخرجون عن طريقة النبي ﷺ وأصحابه, ليس العالم القارئ ولهذا قال عبد الله بن مسعود: [كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم] يعني: لو وجدنا شخصاً بحراً في العلم, إن جئته في التفسير فإذا هو بحر, في الحديث بحر, وفي الفقه بحر, في كل فن هو بحر، لكنه لا يعمل بعلمه, ولا يتبع طريق السلف فهذا ليس من أولي العلم, يقول الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] لماذا تسمع لقولهم؟ لأن لهم فصاحة وبيان, وهم في مظهر يعجبك, لكنهم لا خير فيهم: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] فالحاصل أن (الشهداء) تشمل طائفتين من الناس: الأولى: من قتل في سبيل الله. الثانية: العلماء حقيقة. المرتبة الرابعة: الصالحون وهم الطبقة الأخيرة، وهم عامة المسلمين والمؤمنين, فأنت تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهؤلاء يجمعهم معنى واحد: ألا وهو العلم بالحق والعمل به.

стр. 3225

تفسير قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] هذان صنفان مخالفان للذين أنعم الله عليهم. قلنا: إن الذين أنعم الله عليهم يجمعهم شيء واحد وهو العلم بالحق والعمل به, وهذان الصنفان -أي: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) - على عكس من ذلك, فالمغضوب عليهم, علموا الحق ولم يعملوا به, وعلى رأسهم اليهود علموا الحق ولم يعملوا به, والضالون هم الذين لم يعلموا الحق, أي: عبدوا الله على جهل, وعلى رأسهم النصارى قبل بعثة الرسول ﵊, أما بعد بعثة الرسول ﵊ فالنصارى واليهود سواء؛ لأنهم علموا الحق ولم يعملوا به, فكما أن اليهود علموا بصحة نبوة عيسى ولكنهم لم يتبعوه, هكذا النصارى علموا بصحة رسالة محمد ﷺ ولم يتبعوه، إذاً لا فرق بينهم وبين اليهود فالجميع بعد بعثة الرسول مغضوب عليهم. وهنا يقال: لماذا قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) مع أنه قال: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ؟ لأن النعمة من الله, والغضب يكون من الله ومن غيره, فإذا غضب الله على أحد فكل المؤمنين بالله يغضبون عليهم, ولهذا اليهود مغضوب عليهم من قبل الله ومن قبل الرسل ومن قبل الصديقين والشهداء والصالحين. نسأل الله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
следующие страницы →