Полный текст (6 569 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
تفسير آيات من سورة الفاتحة
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث عشر بعد المائة من لقاء الباب المفتوح الذي يتم كل خميس, وهذا هو يوم الخميس ٢٩ من شهر رجب عام (١٤١٦هـ) .
ونفتتح هذا اللقاء بإكمال سورة الفاتحة حيث تكلمنا على ثلاث آيات منها وهي قوله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] .
стр. 3222
تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)
قال الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] الجملتان فيهما حصر, فمعنى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي: لا نعبد إلا إياك, و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي: لا نستعين إلا إياك, وطريق الحصر أنه قدم المعمول وحقه التأخير, وكلما قُدِّم ما حقه التأخير فإنه يفيد الحصر, هذا في اللغة العربية كما نص على ذلك أهل البلاغة وأهل النحو.
فما معنى العبادة التي قال الله عنها: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ؟ العبادة: هي التذلل لله والخضوع له, وامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, وتصديق أخباره, وتعظيمه, ومحبته, إلى غير ذلك من أنواع العبادة, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فالطهارة عبادة, والصلاة عبادة, والصدقة عبادة, والزكاة عبادة, والصوم عبادة, والحج عبادة, والنذر عبادة, والتوكل -وهو التفويض المطلق- عبادة, إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي ذكرها أهل العلم, والإنسان العابد يشعر بأنه عبد لسيده وإلهه, إذا أمره قال: سمعنا وأطعنا.
ومن تمام العبودية: الحب في الله والبغض في الله, فإن هذا أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وتبغض لله, وتوالي لله وتعادي لله, فمن كان من عباد الله الصالحين فهو حبيبك في أي مكان في الأرض, وفي أي زمن من الأزمنة, حتى الذين آمنوا بموسى من بني إسرائيل, والذين آمنوا بعيسى من بني إسرائيل هم أحبابنا وإخواننا.
لا تظنوا أن الحبيب أو الأخ هو من كان من هذه الأمة بل هو كل من كان مسلماً في أي زمان وفي أي مكان فإنه أخ لنا؛ لأن هذا مقتضى العبادة، فالحب في الله والبغض في الله, والولاء في الله والمعادة في الله , هذا من تمام العبادة.
من تمام العبادة: أن الله إذا أمر بأمر تقول: سمعنا وأطعنا, بعض الناس الآن إذا قلت: أمر الله بكذا أو أمر الرسول بكذا قال: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ سبحان الله! هل كان الصحابة يستفهمون مثل هذا الاستفهام إذا أمرهم الله بشيء أو أمرهم الرسول بشيء, يقولون: هل هذا للاستحباب أو للوجوب؟! لا.
بل يقولون: سمعنا وأطعنا, نعم إذا وقع الإنسان في المخالفة فحينئذٍ يتوجه هذا السؤال أن يقال: هل هذا للوجوب ويحتاج إلى فدية أو كفارة أو ما أشبه ذلك؟ إذا نهاه الله ورسوله عن شيء يقول: هل النهي للكراهة أم للتحريم؟ سبحان الله! إذا نهي عن شيء فقل: سمعنا وأطعنا, ونتجنبه.
ولهذا لا يستطيع أحد أن يأتي بحرف واحد عن الصحابة أنهم إذا أمرهم الرسول ﷺ قالوا: هل أنت تأمرنا على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟ وإذا نهاهم عن شيء قالوا: هل أنت تنهانا على سبيل التحريم أم على سبيل التنزيه؟ أبداً, نعم إذا حصل شيء يوجب الاستفهام استفهموا.
مثال: قضية بريرة ﵂، فإنها لما عتقت وكان زوجها رقيقاً, قال الرسول ﵊: (أنت بالخيار إن شئت أن تبقي معه، وإن شئت أن تفسخي النكاح فافسخي النكاح, فقالت: أختار نفسي وأفسخ النكاح, ففسخت النكاح) وكان زوجها مغيث يحبها حباً شديداً وهي تكرهه كراهة شديدة, فكان يمشي خلفها في أسواق المدينة يسألها أن ترجع وأن تعدل عن رأيها, ولكنها تأبى, فطلب مغيث من رسول الله أن يشفع له, فشفع له لعله يرجع إليها, قالت: (يا رسول الله أتأمرني؟ فسمعاً وطاعة, أم أمر تشير به عليَّ فلا حاجة لي فيه, قال: بل أمر أشير به عليكِ, قالت: لا حاجة لي فيه) .
وكذلك إذا دلت القرينة على أن الأمر ليس للوجوب مثل قول الرسول ﵊ لـ جابر بن عبد الله: (بعني الجمل بأوقية) فجعل يماكسه حتى اشتراه الرسول ﵊, المهم أن الأمر الشرعي لا يمكن للصحابة أن يقولوا: يا رسول الله هل الأمر للاستحباب أم للوجوب.
فمن تمام التعبد أنك إذا سمعت بأمر الله ورسوله فلا تتردد, ولا تقول: للوجوب أم للاستحباب، بل قل: سمعنا وأطعنا، وافعل وستؤجر, كذلك إذا سمعت النهي فلا تتردد ولا تقول: هل هو للتحريم فأجتنبه وجوباً, أو للكراهة فأجتنبه تنزهاً, بل قل: سمعنا وأطعنا, إلا إذا وقع الإنسان في المخالفة, فحينئذٍ يسأل: هل هو واجب أم محرم من أجل أن يستدرك ما فاته, المهم أن من تمام العبادة تمام الامتثال, بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) معنى نستعين, أي: نطلب العون من الله, والاستعانة تقع على وجهين: الوجه الأول: استعانة عبادة, بمعنى: أن الإنسان يفوض أمره إلى الله, ويعلم أنه لا قدرة له على شيء إلا بمعونة الله, هذه لا تكون إلا لله.
الوجه الثاني: استعانة بأمر يقدر عليه المعين, والإنسان لا يرى أنه يفوض أمره إلى هذا المستعان به، ولكنه يرى أنه من باب المساعدة, فهذا جائز، ولهذا قال النبي ﵊: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها, أو ترفع له عليها متاعه صدقة) تعينه, فأثبت الإعانة من المخلوق للمخلوق.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ما المراد بالاستعانة هنا؟ الاستعانة التي لا تصلح إلا لله أم التي تصلح لله وللمخلوق؟ المراد الأول، الاستعانة التي فيها التفويض المطلق وأنه لا قدرة للمستعين على أي شيء إلا بمعونة، هذه الاستعانة به وهذه لا تكون إلا لله .
стр. 3223
تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)
قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] الهداية تكون بمعنى الدلالة, وتكون بمعنى التوفيق, فأي المعنيين هناك يريد الداعي: هداية التوفيق أم هداية الدلالة، أو كلتيهما؟ كلتيهما, يريد هداية الدلالة أي: العلم, هداية التوفيق أي: التزام الصراط المستقيم, ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يلتزم الصراط المستقيم إلا بعلم, كيف يعبد الله على جهل؟ لا يمكن! لا بد أن يهديه الله, يدله أولاً ثم يوفقه ثانياً.
قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] يخاطب النبي ﷺ , ما المراد بالهداية هنا؟ هداية الدلالة والإرشاد والبيان, وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] هداية التوفيق, يعني: لا تستطيع أن توفق أحد للهدى أبداً, لا يستطيع ذلك إلا الله وحده, وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] هداية الدلالة, دلهم الله على الحق, وبين لهم رسولهم الحق ولكنهم: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت:١٧] .
المهم أن الهداية نوعان: هداية الدلالة, وهداية التوفيق.
هداية الدلالة تكون بالعلم, وهداية التوفيق تكون بالسير على الصراط المستقيم.
وقول المصلي أو الداعي بهذه الآية الكريمة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: هداية الدلالة والتوفيق, فيكون هذا الدعاء شاملاً للعلم بالحق, والعمل بالحق.
وقوله: (الصِّرَاطَ) يقول أهل اللغة: إن الصراط لا يطلق على الطريق إلا إذا كان واسعاً, أما الطريق الضيق فليس بصراط, ووجه ذلك في المعنى: أن الصراط والزراط والسراط كلها تدل على سعة وسهولة النفوذ, يقال: زرط الرجل اللقمة.
أي: ابتلعها بسرعة وسهولة, هنا الصراط أي: الطريق الواسع الذي يمضي به الإنسان من غير تعب ولا مشقة.
لكن الصراط قد يكون مائلاً, وقد تكون فيه مرتفعات ومنخفضات, ولهذا قال: (الْمُسْتَقِيمَ) أي: الذي لا اعوجاج فيه وليس فيه منخفض ولا مرتفع, لأن الطريق المعوج يعوق.
مثلاً: إذا كان بينك وبين البلدة في خط مستقيم ٢٠ كيلو, يكون بينك وبينها في خط معوج ٣٠ كيلو أو أكثر حسب كثرة الاعوجاج, كذلك في المنخفضات والمرتفعات, إذا كانت الطريق سوياً فإنك تصل إلى ما تريد بسرعة, لكن إذا كان مرة في الأعلى ومرة في الأسفل زاد عليك الطريق, فالمستقيم إذاً هو المستوي المعتدل, فخرج المعوج وما فيه من انخفاض وارتفاع.
فما المراد بالصراط المستقيم هنا: هل المراد الصراط المستقيم الحسي أم المعنوي؟ المراد المعنوي ليس الحسي, أما في قول موسى ﵊: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢] فالمراد به الحسي، ولهذا هداه الله إلى سواء السبيل, لكن هنا الصراط المعنوي, والصراط المعنوي بينه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] .
стр. 3224
تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)
قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] أي: أنعمت عليهم النعمة التامة التي يكون فيها نعمة الدين والدنيا, فمن هؤلاء؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] أربعة أصناف هم الذين أنعم الله عليهم, وهم على مراتبهم هذه: المرتبة الأولى: قال: (مِنَ النَّبِيِّينَ) والنبيون هنا يشمل المرسلين؛ لأن الرسول نبي, والرسل أعلى طبقة من الأنبياء, وأولو العزم أعلى طبقة من غيرهم, ومحمد أعلى أولي العزم طبقة.
فإذاً: النبيون تشمل طبقاتهم المرسلون فهم أعلى من النبيين, وأولو العزم أعلى من بقية الرسل, ومحمد أعلى طبقة في أولي العزم.
هل أنت تستحضر وأنت تقرأ هذه الآية هؤلاء السادة؟ لا بد أن يكون في قلبك ذكر لهؤلاء السادة.
المرتبة الثانية: الصديقون, هم الذين بلغوا في الصدق غايته، في تصديق ما أنزل الله على رسله, وقاموا بذلك وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ﵁, كيف عرفنا أنه على رأس الصديقين؟ لأن هناك حواريين وأنصاراً من الرسل السابقين, فكيف عرفنا أن أبا بكر هو أفضلهم؟ عرفنا ذلك لأن هذه الأمة أفضل الأمم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وأن أفضل هذه الأمة هو أبو بكر باتفاق الصحابة, فقد كان الصحابة يقولون على عهد الرسول ﷺ : [خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر] حتى علي بن أبي طالب كان يعلن على منبر الكوفة بعد أن كان خليفة يقول: [خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر] وبذلك نعرف كذب الرافضة الذين يدعون أن أبا بكر ليس خليفة وأنه ظالم لـ علي؛ لأن علي عندهم هو الخليفة, فيقال: لماذا لم يعلن علي بن أبي طالب حين كان خليفة أنه مظلوم؟ بل أعلن أن ما جرى هو العدل؛ لأنه أقر واعترف بأن خير هذه الأمة أبو بكر , وهذا إقرار بفضله وبأحقيته للخلافة؛ لأنه لا يولى على القوم إلا أفضلهم وخيرهم.
على كل حال: نحن نقول: الطبقة الثانية من الخلق هم الصديقون.
المرتبة الثالثة: الشهداء, الشهداء يشمل شهداء المعركة, وهم الذين قتلوا في سبيل الله, ومن الذي قتل في سبيل الله؟ هو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا, فمن قاتل للقومية فهو خاسر, ومن قاتل للوطنية فهو خاسر, ومن قاتل ليرى مكانه فهو خاسر, ومن قاتل رياءً فهو خاسر, المقاتل الذي إذا قتل فهو شهيد هو الذي قاتل من أجل هذا الغرض لتكون كلمة الله هي العليا, هذا هو المقاتل في سبيل الله وهو الشهيد, وقد سئل النبي ﷺ : (عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياءً أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) أي: أن هؤلاء ليسوا في سبيل الله, ولهذا جاء في الحديث: (ما من مكلوم يكلم -أي: ما من مجروح يجرح- في الجهاد والله أعلم بمن يكلم في سبيله) هذه الجملة مهمة, ليس كل من قتل في الجهاد يكون عند الله شهيداً, قد يكون في رأينا شهيداً, ولكنه عند الله ليس بشهيد؛ لأنه قال: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة لون دمه لون الدم, وريحه ريح المسك) .
الشهداء يشمل أيضاً أهل العلم, فإن العلماء من الشهداء قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] لكن من هم أولي العلم الذين يكونون من الشهداء؟ هم أولي العلم الذين يطلبون العلم لله, والذين إذا بان لهم الحق تبعوه, والذين لا يخرجون عن طريقة النبي ﷺ وأصحابه, ليس العالم القارئ ولهذا قال عبد الله بن مسعود: [كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم] يعني: لو وجدنا شخصاً بحراً في العلم, إن جئته في التفسير فإذا هو بحر, في الحديث بحر, وفي الفقه بحر, في كل فن هو بحر، لكنه لا يعمل بعلمه, ولا يتبع طريق السلف فهذا ليس من أولي العلم, يقول الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] لماذا تسمع لقولهم؟ لأن لهم فصاحة وبيان, وهم في مظهر يعجبك, لكنهم لا خير فيهم: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] فالحاصل أن (الشهداء) تشمل طائفتين من الناس: الأولى: من قتل في سبيل الله.
الثانية: العلماء حقيقة.
المرتبة الرابعة: الصالحون وهم الطبقة الأخيرة، وهم عامة المسلمين والمؤمنين, فأنت تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهؤلاء يجمعهم معنى واحد: ألا وهو العلم بالحق والعمل به.
стр. 3225
تفسير قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] هذان صنفان مخالفان للذين أنعم الله عليهم.
قلنا: إن الذين أنعم الله عليهم يجمعهم شيء واحد وهو العلم بالحق والعمل به, وهذان الصنفان -أي: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) - على عكس من ذلك, فالمغضوب عليهم, علموا الحق ولم يعملوا به, وعلى رأسهم اليهود علموا الحق ولم يعملوا به, والضالون هم الذين لم يعلموا الحق, أي: عبدوا الله على جهل, وعلى رأسهم النصارى قبل بعثة الرسول ﵊, أما بعد بعثة الرسول ﵊ فالنصارى واليهود سواء؛ لأنهم علموا الحق ولم يعملوا به, فكما أن اليهود علموا بصحة نبوة عيسى ولكنهم لم يتبعوه, هكذا النصارى علموا بصحة رسالة محمد ﷺ ولم يتبعوه، إذاً لا فرق بينهم وبين اليهود فالجميع بعد بعثة الرسول مغضوب عليهم.
وهنا يقال: لماذا قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) مع أنه قال: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ؟ لأن النعمة من الله, والغضب يكون من الله ومن غيره, فإذا غضب الله على أحد فكل المؤمنين بالله يغضبون عليهم, ولهذا اليهود مغضوب عليهم من قبل الله ومن قبل الرسل ومن قبل الصديقين والشهداء والصالحين.
نسأل الله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
стр. 3226
الأسئلة
стр. 3227
نزول القرآن منجماً
أهل السنة والجماعة يعتقدون أن القرآن نزل على نزولين: نزول منجم ونزول مع الوحي, فالسؤال: هل جبريل ﵇ ينزل بالوحي من الله , أم من بيت العزة في السماء الدنيا؟
أولاً قولك: إن أهل السنة يعتقدون أن القرآن نزل على حالين: منجم ومفرق، فيه نظر؛ لأنه ليس أهل السنة كلهم على هذا, بل ظاهر القرآن: أنه نزل منجماً لم ينزل مرة واحدة إلى بيت العزة؛ لأن هذا إنما روي عن ابن عباس بسند يحتاج إلى تثبت, لكنه نزل من عند الله مباشرة قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٤] وأنت ترى القرآن تأتي فيه الآيات تتحدث عن شيء وقع، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران:١٢١] ، ومثل قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، ومثل قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] وما أشبه ذلك مما يدل على أن الله تعالى يتكلم بعد وقوع هذه الحوادث, وهذا يدل على أن الله يتكلم به حين إنزاله، وهو الذي نعتقده؛ لأن الله تعالى فعال لما يريد, متى شاء تكلم ومتى شاء لم يتكلم.
стр. 3228
ما يلزم القارئ فعله عند انقطاع نفسه
صليت وراء أحد الأئمة فقرأ قول الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٠٢] فسكت ثم استأنف: ﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام:١٠٢] فصار في نفسي شيء من هذا, فقلت له: إن لفظ (هو) تابع للتي قبلها؛ لأنها إثبات للنفي لأنه قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ , وليست تابعة للتي بعدها, فأصر على كلامه وقال: هذه قراءة لأحد القراء المشهورين، فما القول الفصل في ذلك؟
القول الفصل: أن القراءات لا تأتي بمجرد أن يدافع الإنسان عن نفسه ولو بباطل, فلا يمكن أن يزيد أحد في القرآن شيئاً, وعلى كلامه تكون الآية: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو) (هو خالق كل شيء) فتكون (هو) مكررة مرتين, وهذا خطأ عظيم, لكن الظاهر لي أن هذا رجل جاهل, وأن القارئ الذي سمعه لما وصل إلى قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ انقطع نفسه, ثم أعاد فقال: ﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] وهذا خطأ، حتى وإن انقطع النفس فالذي ينبغي للإنسان إذا انقطع نفسه أن يبدأ من حيث وقف, وأما ما يفعله بعض الناس الآن إذا انقطع نفسه ذهب يقرأ آخر جملة ثم استمر, فيقال: آخر جملة قد تكون مرتبطة بما قبلها فاقرأ ما قبلها, ثم الذي قبلها يكون مرتبط بالذي قبلها, وحينئذٍ يلزمه أن يعيد الآية من جديد.
لهذا نرى: أن الإنسان إذا انقطع نفسه فقد انقطع نفسه عن ضرورة فيبدأ من حيث انقطع, ولا حاجة لإعادة الجملة التي قبل.
فالمهم: أن الآية ليس فيها (هو) مرتين, بل هي مرة واحدة و (هو) التي وقعت بعد (إلا) كما قلت إثبات لكون الله تعالى هو الخالق وحده.
стр. 3229
حكم الصلاة على النبي في خطبة الجمعة
في حديث: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصلِّ عليّ) والحديث الآخر: (من قال لأخيه: صه فقد لغى) كيف نوفق بين الحديثين في خطبة الجمعة؟
أما الأول: (رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصلِ عليّ) فقد أخذ منه بعض العلماء: أن الإنسان إذا سمع ذكر الرسول ﷺ وجب عليه أن يقول: ﷺ , وأما الثاني: فالرسول ﵊ يقول: (من قال لصاحبه: أنصت) وهذا خطاب للبشر, والدعاء خطاب لله وليس للبشر, فالفرق بينهما: أن الصلاة على النبي ﷺ دعاء وقولك لصاحبك: أنصت خطاب آدمي.
стр. 3230
حكم حذف كملة (ابن) من الأسماء وقول: العبد الله
ذكر بعض العلماء: أن وصف اسم الابن لاسم الأب مباشرة يعني: بدون ذكر (ابن) يكون في هذا تشبه بفعل النصارى في تسمية أبنائهم, أن يَصِلوا اسم الابن باسم الأب مباشرة دون ذكر (ابن) ولوحظت الأسماء التي تحمل لفظ الجلالة مثل: عبد الرحمن وعبد الله أن فيها أخطاء مثل أن يقال: فلان العبد الله أو فلان العبد الرحمن أو فيه نوع من التزكية مثل أن يقال: فلان العبد الجبار أو فلان العبد اللطيف فما رأيك؟
أما الأول: وهو أن الإنسان يحذف (ابن) عند النسبة, فيقول مثلاً: محمد عبد الله, محمد صالح, محمد سليمان فهذا لا شك أن هذا خلاف طريقة السلف , وما كنا نعرفها من قبل, لكن دخلت علينا من الأمم التي استعمرها الكفار, وراحت على الناس مع الأسف, والصواب أن يقال: ابن كما قال الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم:١٢] .
وأما محمد العبد الله فليس يريدون بقولهم: العبد الله يعني: أن الله عبد, أو العبد الجبار أن الجبار عبد, أبداً ولا يطرأ على بال أحد, لكن (ال) هنا بمعنى (آل) , وتحولت إلى "ال" للتخفيف لكونها دائماً على ألسن الناس, فقول: العبد الله أي: آل عبد الله وهذه العبارة جرت على ألسنة العلماء في هذه البلاد من زمان ولم ينكرونها, بل ولم يبحثوا فيها, لكن الناس مع توسع الأذان الآن صاروا يقولون: كيف يكون هذا؟ فنقول قول القائل: العبد الله السليمان معناه آل فلان.
стр. 3231
مفاسد غلاء المهور ورد الكفء من الرجال
س
لا يخفى عليكم قول النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير -وفي لفظ: وفساد عريض-) ونحن في هذا الزمن نسمع أن الرجل الصالح الكفء إذا تقدم للخطبة من عند بعض الناس يرده لا لشيء إلا أنه لا يوافق على بعض الشروط مثل: ارتفاع المهر, ووجود التلفاز، وغيره من الشروط التي ربما تكون شروطاً محرمة, وبعضهم يرد بحجة أنه متزوج, فما رأيكم في من خالف مضمون هذا الحديث, إن لم يكن بلسان مقاله فقد خالف بلسان حاله, ولمن يرضى دينه وخلقه علماً أن بعض الناس تكون ابنته صالحة فقد يزوجها على من لا يصلي أو من فاسق فما نصيحتكم وتوجيهكم لمثل هؤلاء, وجزاكم الله خيراً؟
النصيحة لهؤلاء حصلت منا ومن غيرنا في مناسبات كثيرة: وهو أن الذي ينبغي للإنسان أن يجعل أكبر همه دين الخاطب وخلقه, فإن هذا هو الذي فيه البركة, فكما أنه ينظر إلى دين الخاطب وخلقه, كذلك أيضاً ينظر إلى دين المرأة لقول النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها ودينها, فاظفر بذات الدين) وكون الناس الآن لا يزوجون إلا بمهور عالية مرتفعة جداً, هذا خطر على الأمة من عدة وجوه: الوجه الأول: نزع البركة من النكاح؛ لأن (أعظم النكاح بركة أيسره مئونة) .
الوجه الثاني: أن الناس يعزفون عن نكاح بنات البلد, ويذهبون إلى النكاح من خارج البلد, كما هو الواقع الآن؛ لأن خارج البلد يزوجون بالرخيص لأسباب ليس المراد هنا ذكرها, ومعلوم أن تزوج الإنسان من خارج البلد -ولا أعني بالبلد بلده الخاصة أعني البلد خارج المملكة - يترتب عليه مشاكل كثيرة؛ لأن النكاح يترتب عليه أحكام كثيرة: النسب, والإرث, والصلة, وغير ذلك, وهذا يولد مشاكل في المستقبل, ولهذا ندم كثير من الناس الذين تزوجوا من الخارج على ما فعلوا, لكن متى؟! بعد أن فات الأوان, وحصل الأولاد والذرية.
الوجه الثالث: أنه إذا تقلص النكاح من بنات البلد فالمرأة كالرجل, تحتاج إلى نكاح, ويكون هذا سبباً للزنا والعهر والعياذ بالله.
الوجه الرابع: أن هذه التي يأتي بها من الخارج ربما يكون لها عادات وأخلاق وديانة تفسد الزوج وأولادها, وفيهم من فيه الخير والصلاح لا شك.
فلهذا نحن ننهى عن المغالاة في المهور, ونقول: (أعظم النكاح بركة أيسره مئونة) .
الوجه الخامس: إذا رد ولي المرأة من هو كفء لها في الخلق والدين ولم يتقدم خاطب أولى منه؛ كان غاشاً لها وخائناً لأمانته, لأن ولي الأمر وهو محمد ﷺ الذي له الولاية العامة على أمته بالتوجيه والإرشاد يقول: (أنكحوا.
) وهذا يخالف.
وأما إذا اختار لموليته من بنت أو أخت أو غيرهما من لا يصلي فهذا -والعياذ بالله- أخطأ خطأً عظيماً؛ لأن الذي لا يصلي لا يجوز أن يزوج, مهما كان في الخلق, ومهما كان في المال, ومهما كان في الجمال, لا يجوز أن يزوج إطلاقاً، بل إذا كان معه زوجة يجب أن يفسخ النكاح إذا ترك الصلاة؛ لأنه إذا ترك الصلاة كان كافراً مرتداً عن دين الله, وقد الله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] كذلك إذا اختار الإنسان لموليته فاسقاً سيئ الخلق فإنه غاش لها, وما أكثر النساء اللاتي يشتكين من هذه المسألة, يزوجن بمن ليسوا بأكفاء فيحصل الشر والبلاء والنكد, فنسأل الله أن يهدي الجميع.
مسألة التعدد: إذا كانت البنت لا تختار هذا فمعلوم أن الأمر إليها, وأما إذا رضيت بإنسان عنده زوجة سابقة فلا يجوز لوليها أن يمنعها, بل إن العلماء قالوا: إذا منع الأب ابنته من خاطب كفء وتكرر ذلك منه صار فاسقاً لا تصلح له ولاية, وتنزع الولاية منه إلى من بعده.
стр. 3232
ذكر وجه العداوة بين الآباء وبعض أهليهم
س
يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] فنرجو تبيين العداوة وتوجيه الحذر؟
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ ولم يقل: إن أزواجكم وأولادكم, فمن الأزواج والأولاد من هو عدو, ومنهم من هو ولي صالح يعين أبويه على الخير, ويكفهم عن الشر, والمراد بالعداوة هنا من تكون زوجته وأولاده سبب لانحرافه عن دين الله, فهذه أكبر عداوة، وهذا يقع في بعض الناس الضعفاء في الدين والشخصية, تجده يكون زوجاً لامرأة وعبداً لها من جهة أخرى, يفعل ما تريد, وكذلك بالنسبة للأولاد, وقد تكون العداوة عداوة دنيوية, تكون الزوجة هذه سليطة اللسان, وتبتز ماله, وتؤذيه وتنكد عليه, وكذلك الأولاد, وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أي: خذوا حذركم باليقظة والمراقبة ودقة النظر, حتى لا يضروكم؛ لأن الغالب أن العدو يكون ضاراً لعدوه إلا إذا احترز منه بالمراقبة, ولكن الحمد لله؛ لم (يقل) الله في الآية: إن أزواجكم وأولادكم قال: (مِن) ، ومن للتبعيض, والبعض قد يكون الأكثر وقد يكون الأقل.
стр. 3233
السنة في الإزار والثوب
ذكر أحد أهل العلم: أن التقصير إلى نصف الساق خاص بالإزار فقط؛ لأن النصوص وردت في هذا, أما بالنسبة للثوب والبنطلون والعمامة فالسنة ما فوق الكعبين وتحت نصف الساق, فما قول فضيلتكم في هذا؟
الذي أرى أن تخصيصها بالإزار لا وجه له, وأن ما ثبت في الإزار ثبت في الثوب أي: في القميص, لكني أرى: أن السنة إلى نصف الساق, وإلى تحت النصف, وإلى الكعبين, كل هذا سنة, ودليل ذلك: أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبا بكر ﵁, كان إزاره إلى أسفل من ذلك, لكنه لم يتجاوز الكعبين, ولهذا لما حذر النبي ﵊ من جر الثوب خيلاء, قال: (يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي عليّ إلا أن أتعاهده, فقال: لست ممن يصنع ذلك خيلاء) , فكونه يسترخي عليه حتى يصل إلى الأرض إلا أن يتعاهده يدل على أنه أنزل من نصف الساق؛ لأنه لو كان إلى نصف الساق واسترخى حتى يصل إلى الأرض فسوف تنكشف عورته من فوق, فكلٌ سنة.
وأما من قصر السنة من نصف الساق أو فوقه فإنه لم يتدبر الأحاديث من كل وجه, ولو تدبرها لعلم أن السنة من نصف الساق إلى أسفل ما لم ينزل عن تحت الكعبين.
стр. 3234
أحكام الجمع في المطر
نعيش هذه الأيام بين أمطار وخيرات, السؤال: متى يجمع؟ وما هي الأوقات التي تجمع فيها الصلوات؟
هذا سؤال مهم, لولا أننا أحببنا أن نكمل سورة الفاتحة لكان صدر اللقاء هو الكلام عن هذا الموضوع.
أولاً: يجب أن نعلم أن أوقات الصلوات محددة من قبل الله ورسوله, أما من قبل الله فقد قال الله تعالى: ((إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)) [النساء:١٠٣] محدداً, وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، وأما الرسول ﵊ فقد بين ذلك بياناً واضحاً صريحاً, فوقت الظهر من كذا إلى كذا، ووقت العصر من كذا إلى كذا، ووقت المغرب من كذا إلى كذا، ووقت العشاء من كذا إلى كذا، ووقت الفجر من كذا إلى كذا، مفصلاً ومبيناً غاية البيان, والأصل وجوب الصلاة في وقتها, فمن صلّى قبل الوقت ولو بتكبيرة الإحرام فصلاته نفل إن كان جاهلاً يظن أن الوقت قد دخل, وإن كان متعمداً فهو متلاعب فصلاته باطلة مردودة عليه, ولو صلّى قبل الوقت بتكبيرة الإحرام فقط, كيف لو صلّى كل الصلاة قبل الوقت؟!! فمن صلّى قبل الوقت فإن كان عالماً أنه لم يدخل الوقت فهو متلاعب وصلاته باطلة مردودة, ومن جهل وظن أنه قد دخل فصلاته نافلة وعليه أن يعيدها بعد دخول الوقت, ومن صلّى بعد الوقت فكذلك, إن تعمد فصلاته باطلة ولا تقبل منه, لو صلّى ألف مرة, وإن كان لعذر كالنسيان والنوم والجهل أيضاً بالوقت؛ يظن أنه لم يخرج فصلاته صحيحة, هذا هو الأصل.
ولا يجوز للإنسان أن يجمع جمع تقديم أو جمع تأخير إلا بعذر شرعي, والعذر الشرعي مبين ضابطه ما أشار إليه عبد الله بن عباس ﵁ حين قال: (جمع النبي ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء, من غير خوف ولا مطر, قالوا: ما أراد من ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) أي: ألا يلحقها الحرج, وعلى هذا فالضابط في الجمع: أن يكون في تركه حرج على الناس, وأن يكون في تفريد الصلاة كل صلاة في وقتها حرج ومشقة, فهذا الضابط، إذا كان هناك حرج ومشقة فإنه يجمع, وإذا لم يكن هناك حرج ولا مشقة فإنه لا يجوز الجمع, ومن جمع تقديماً فعليه إعادة الصلاة التي صلاها قبل الوقت.
وفي بعض البلدان يكون المطر نازلاً بغزارة وفي هذا حرج أن يذهب الناس إلى المسجد, فتبتل ثيابهم, ويتأذون، فهذا حرج, أو يكون المطر واقفاً لكن الأسواق وحلة أي: زلق, أو نقع الماء كثيرة فتؤذي الناس فهذا أيضاً حرج، فيجمع, أما بدون ذلك فلا يجوز, ولهذا نأسف أن بعض الناس الذين يقولون: نتمسك بالسنة يغلطون في هذه المسألة, ويظنون أن الجمع جائز لأدنى سبب, وهذا خطأ, ثم يجب أن نقول: إذا علمنا أنه لا حرج في ترك الجمع صار الجمع حراماً, وإذا علمنا أن في تركه حرجاً صار الجمع جائزاً بل سنة, وإذا شككنا صار الجمع حراماً؛ لأن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها, فلا نعذر عن هذا الأصل إلا بأمر متيقن.
أما الصلاة التي تجمع فالمشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا جمع بين الظهر والعصر للمطر وشبهه, وإنما يجمع بين المغرب والعشاء, ولكن الصحيح: أنه يجمع بين المغرب والعشاء, وبين الظهر والعصر؛ لأن العلة هي المشقة متى وجدت في الظهر والعصر أو المغرب والعشاء جاز الجمع.
ثم إني أقول لكم يا إخواني: لا تظنوا أن الجمع رخصة عند كل العلماء, حتى الذين يقولون: إنه يجوز، يقولون: تركه أفضل, لكننا نحن نرى أنه إذا وجد السبب ففعله أفضل, وهناك مذهب يمثل ثلاثة أرباع الأمة الإسلامية لما كانت الخلافة في الأتراك وهم على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ وهو يرى أنه لا جمع مطلقاً إلا في موضعين: في عرفة ومزدلفة؛ لأجل النسك, وإلا فلا جمع في السفر أو المرض أو المطر ولا غير ذلك, فلا تظن أن المسألة سهلة, المسألة صعبة.
فخلاصة الجواب: إذا تحقق العذر فالجمع أفضل, وإذا علمنا أنه لا عذر فالجمع حرام, وإذا شككنا فالجمع حرام؛ لأن الأصل هو وجوب فعل الصلاة في أوقاتها.
وأما نية الجمع ليس بشرط, فمتى وجد السبب ولو بعد الصلاة الأولى، جَمَعَ.
стр. 3235
خطأ مقولة: (كل مجتهد مصيب)
سس
هل يلزم أن كل مجتهد مصيب؟ وهل يلزم أن كل مصيب مخلص وكل مخلص مصيب أم لا يلزم هذا؟
لا, يقول بعض العلماء: كل مجتهد مصيب, وهذا على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأن النبي ﷺ قسم المجتهدين إلى قسمين فقال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران, وإن حكم فأخطأ فله أجر) وهذا واضح في التفصيل أن من المجتهدين من يصيب ومنهم من يخطئ, ولكن المخطئ قد يكون مصيباً من وجه آخر وهو إذا اجتهد وبذل الجهد, ووصل إلى نتيجة لكن هذه النتيجة خطأ في حكم الله, فهو مصيب في اجتهاده وتعبه وطلبه للحق, لكن في الحكم مخطئ, ثم إن إصابة الحكم توفيق من الله , وقد يوفق لإصابة الحكم من ليس من أهل الاجتهاد, أو من ليست نيته خالصة, لكن من كانت نيته خالصة فهو على خير سواء أصاب أم أخطأ.
стр. 3236
الربح والخسارة في المضاربة
فضيلة الشيخ إذا خسرت شركة المضاربة, كيف يقسم المال بين صاحب المال والذي عمل بجهده؟
المضاربة معناها: أن تعطي شخصاً مالاً وتقول: خذ هذا المال اتجر به والربح بيننا, إما أنصافاً أو أثلاثاً حسب ما يتفقان عليه: هذه المضاربة، فيكون من أحدهما المال ومن الآخر العمل, إن ربحت التجارة فالربح يقسم على حسب ما اتفقا عليه, لنقل أنهما اتفقا على أن يكون الربح أنصافاً, أعطاه مائة ألف قال: خذ اتجر بها مضاربة؛ لك نصف الربح ولي نصف الربح, فربحت المائة فصارت مائتين, كم للعامل؟ خمسون ألفاً, ولصاحب المال خمسون ألفاً, العامل ربح بتعبه, ورب المال ربح بالمال الذي استعمله هذا المضارب, ولو خسرت البضاعة, يعني: اشتغل بمائة ألف ولكنها خسرت لنزول الأسعار حتى صارت ثمانين, كم الخسارة؟ عشرون ألف, هل نقول: على العامل عشرة وعلى صاحب المال عشرة، أم كلها على صاحب المال؟ كلها على صاحب المال, صاحب المال خسر الدراهم, والعامل خسر العمل, يتعب بالليل والنهار ويسافر وينزل بعض الناس يقول للعامل: إن خسرت فالخسارة بيننا, وهذا الشرط لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى أن يغرم هذا العامل أكثر من عمله, وهذا لا يجوز.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء فنسأل الله أن يعيننا وإياكم.
стр. 3237
لقاء الباب المفتوح [١١٤]
من أراد أن يستن فعليه بمن قد سبق، فهم خير خلف في خير أمة، والصحابة هم خير القرون وأفضلها، وكان من أعظم خيريتهم تعظيمهم ومعرفتهم لحق نبيهم ﷺ حتى امتدح الله فعلهم هذا في كتابه، وقد تحدث الشيخ في مقدمة لقائه على هذه النقطة العظيمة.
وأجاب بعد ذلك عن أسئلة كثيرة منها ما له علاقة بالصلاة وغيرها من الأحكام، وكان أهمها سؤال يتعلق بالحيل على الربا في آخر هذا اللقاء المبارك.
стр. 3238
تفسير آيات من سورة الحجرات
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع عشر بعد المائة من اللقاء المسمى: لقاء الباب المفتوح، الذي يتم كل خميس في كل أسبوع, وهذا هو يوم الخميس السادس من شهر شعبان عام (١٤١٦هـ) .
стр. 3239
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم)
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر من تفسير قول الله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] , هذه الآية كما تعلمون جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] .
وسبب ما سبق: أن النبي ﷺ بلغه عن قوم ما ليس فيهم, فأمره الله تعالى بالتأكد من الأخبار إذا جاء بها من لا تعرف عدالته, وكأن بعض الصحابة ﵃ أرادوا من النبي ﷺ أن يعاقب هؤلاء الذين بلغه عنهم ما بلغه, ولكن النبي ﷺ لم يفعل بعد أن نزلت عليه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] .
ولكن العبرة بعموم اللفظ, وهو قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧] أي: لشق عليكم ما تطلبونه من الرسول ﷺ .
وهذا له أمثلة كثيرة: - منها: أن النبي ﷺ قام بأصحابه في رمضان يصلي بهم صلاة القيام, فانصرف وقد بقي من الليل ما بقي, قالوا: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: طلبوا منه أن يقيم بهم كل الليل- ولكنه ﷺ قال لهم: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ولم يوافقهم على طلبهم, لما في ذلك من العنت والمشقة.
ومنها: أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ بحثوا عن عمله في السر -أي: فيما لا يظهر للناس- وهو العمل الذي يفعله في بيته من العبادات فكأنهم تقالُّوها, فقالوا: إن رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يعني: وأما هم فلم يكن لهم ذلك- فقال أحدهم: (أنا أصوم ولا أفطر, وقال الثاني: وأنا أقوم ولا أنام, وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء, فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: فأما أنا فأصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني) فحذرهم أن يعملوا عملاً يشق عليهم.
ومن ذلك أيضاً: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه أنه بلغ النبي ﷺ : (أنه ليصومن النهار وليقومن الليل ما عاش, فدعاه النبي ﷺ قال: أنت قلت هذا؟ قال: نعم, قال: إنك لا تطيق ذلك) ثم أرشده إلى ما هو أفضل وأهون.
والحاصل: أنه يوجد من الصحابة ﵃ من له همة عالية, لكن الرسول ﵊ لا يطيعهم في كثير من الأمر, لأن ذلك يشق عليهم إذا أطاعهم.
стр. 3240
تفسير قوله تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم)
ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ﴾ قد يقول قائل: ما هو ارتباط قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ﴾ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ؟
أنكم تطيعونه -أي: الرسول ﵊ فيما يخالفكم فيه؛ لأن الله حبب إليكم الإيمان, فتقدمون طاعة النبي ﷺ فيما خالفكم فيه؛ لأن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم, وهذا استدراك من أبلغ ما يكون من الاستدراك, يعني: ولكن إذا خالفكم النبي ﷺ في كثير من الأمر الذي تريدونه فإنكم لن تكرهوا ذلك, ولن تخالفوه ولن تحملوا على الرسول ﷺ بسببه (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ) أي: جعله محبوباً في قلوبكم ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: جعلكم تحبونه, وزينه في قلوبكم بحيث لا تتركونه بعد أن تقوموا به, وذلك أن فعل الإنسان للشيء للمحبة قد تكون محبة عارضة لكن إذا زين له الشيء ثبتت في المحبة ودامت, ولهذا قال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ﴾ في القلب, ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] أيضاً في القلب, لكن إذا زين الشيء المحبوب للإنسان فإنه يستمر عليه ويثبت عليه.
стр. 3241
تفسير قوله تعالى: (وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان)
قال تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] كره إليكم الكفر الذي هو مقابل الإيمان, والفسوق الذي هو مقابل الاستقامة, والعصيان الذي هو مقابل الكمال, وهذا تدرج من الأعلى إلى ما دونه, الكفر أعظم من الفسق, والفسق أعظم من العصيان, فالكفر: هو الخروج من الإسلام بالكلية، وله أسباب معروفة في كتب أهل العلم ذكرها الفقهاء ﵏ في باب أحكام المرتد, وأما الفسق فهو دون الكفر ولكنه فعل كبيرة, أن يفعل الإنسان كبيرة من الكبائر ولم يتب منها كالزنا وشرب الخمر والسرقة والقذف وما أشبه ذلك, والعصيان دون هذا والعصيان هو الصغائر التي تكفر بالأعمال الصالحة, كما قال النبي ﷺ : (الصلوات الخمس, والجمعة إلى الجمعة, ورمضان إلى رمضان, مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فالمؤمنون الخلص حبب الله إليهم الإيمان, وزينه في قلوبهم, وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان, نسأل الله أن يجعلنا منهم.
(أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) أولئك: المشار إليه من حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان, (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) أي: الذين سلكوا طريق الرشد, والرشد في الأصل حسن التصرف, وهو في كل موضع بحسبه, فالرشد في المال أن يحسن الإنسان التصرف فيه, ولا يبذله في غير فائدة, والرشد في ولاية النكاح مثلاً: هو أن يكون الولي عارفاً بالكفء ومصالح النكاح, والرشد في الدين: هو الاستقامة على دين الله , فهؤلاء الذين حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان هم الراشدون.
стр. 3242
تفسير قوله تعالى: (فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم)
وهنا تجدون هذه الأفعال كلها مضافة إلى الله: من حببه؟ الله.
من زينه؟ الله.
من كرهه؟ الله , ولهذا قال بعدها: ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٨] يعني: أن الله أفضل عليكم فضلاً أي: تفضلاً منه وليس بكسبكم ولكنه من الله , ولكن ليُعلم أن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته, وأعلم حيث يجعل الإيمان في الشخص, فمن علم الله منه حسن النية وحسن القصد والإخلاص حبب إليه الإيمان, وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان, ومن لم يعلم الله منه ذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، ويقول الله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة:٤٩] فالذنوب سبب للمخالفة والعصيان, فهؤلاء الذين تفضل الله عليهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وفقوا للحق قال الله : ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] أي: إنعاماً منه عليهم.
والنعمة نعمتان: نعمة في الدنيا, ونعمة في الآخر.
فأما الكفار فهم منعمون في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٥-٢٧] أي: تنعموا, فهؤلاء -أعني الكفار- عليهم نعمة في الدنيا, لكن في الآخر عليهم العذاب واللعنة والعياذ بالله.
أما المؤمن فإنه يحصل على النعمتين جميعاً على نعمة الدنيا ونعمة الآخرة, حتى وإن كان فقيراً أو مريضاً أو عقيماً أو لا نسب له, فإنه في نعمة لقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .
هنا قال: ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ المراد بالنعمة نعمة الدين التي تتصل بنعمة الآخرة, وخلاصة الكلام في النعمة: أن هناك نعمتين: نعمة عامة لجميع الخلق, الكافر والمؤمن, والفاسق والمطيع, ونعمة خاصة للمؤمن, وهذه النعمة الخاصة تتصل بنعمة الدين والدنيا, وأما الأولى فإنها خاصة بنعمة الدنيا فقط لتقوم على الكفار الحجة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٨] هذان اسمان من أسماء الله, يقرن الله بينهما دائماً العلم والحكمة, عليم بكل شيء قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥] فعلم الله تعالى محيط بكل شيء, والإنسان إذا علم أن علم الله محيط بكل شيء حتى ما يضمره في قلبه فإنه يخاف, ويرهب, ويهرب من الله إليه , ولا يقول قولاً يغضب الله, ولا يفعل فعلاً يغضب الله, ولا يضمر عقيدة تغضب الله؛ لأنه يعلم أن الله يعلم ذلك ولا يخفى عليه.
وأما الحكيم, فهو ذو الحكمة البالغة, والحكمة هي: أن جميع ما يحكم به جل وعلا موافق ومطابق للمصالح, ما من شيء يحكم الله به إلا وهو حكمة عظيمة, قال الله ﵎: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥] ، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] هذا معنى الحكيم, أي: ذو الحكمة البالغة.
وله معنى آخر وهو: ذو الحكم التام, فإن الله له الحكم, كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] ولا أحد يحكم بهواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١] .
نسأل الله تعالى أن يتولانا وإياكم برحمته وعفوه، وأن يجعلنا ممن علم وانتفع بعلمه إنه على كل شيء قدير.
стр. 3243
الأسئلة
стр. 3244
حكم زيارة القبور وشد الرحل إليها
هناك رجل يستدل بحديث رسول الله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) على جواز شد الرحال إلى القبور، وأنه من باب أولى شد الرحال إلى قبره ﷺ لعموم قوله: (ألا فزوروها) وأنه ليس هناك وجه للاستدلال بحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) على منع شد الرحال إلى القبور, فما قولكم جزاكم الله خيراً؟
قولنا في هذا: أن الواجب على المؤمن ألا يستدل ببعض النصوص ويهمل الأخرى, فالشريعة الإسلامية صدرت من واحد إلى واحد مبلغ، صدرت من الله إلى محمد ﷺ , فيجب علينا أن نجمع النصوص بعضها إلى بعض, فنقول: إن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الموت -وفي لفظ: تذكر الآخرة-) هذا ثبت، وهو عام (فزوروها) لم يخص النبي ﷺ مكان دون مكان, ولا ذكراً دون أنثى.
ولكن من المعلوم أن النصوص العامة أو المطلقة تحمل على الخاص أو المقيد, فمثلاً: المرأة لا تزور القبور وإن كان ظاهر هذا النص دخول المرأة في ذلك, لكنها لا تزور؛ لأن النبي ﷺ : (لعن زائرات القبور) فيستثنى من ذلك أن المرأة لا يحل لها أن تزور القبر أياً كان حتى لو كان قبر أبيها أو أمها أو أختها فإن ذلك حرام عليها, بل قد لعن النبي ﷺ زائرات القبور, وعلى هذا فتكون زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب, يستثنى من ذلك أيضاً ما يحتاجه من شد الرحل؛ وذلك لأن النبي ﷺ إنما خاطب أهل المدينة الذين يمكنهم أن يزوروا البقيع بدون شد الرحل, ويلحق بهم من ماثلهم, ممن تكون زيارته لا تحتاج إلى شد رحل, ولم يرد عن الصحابة أو التابعين أو الأئمة أنهم قاموا بشد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ , مع شدة محبتهم للرسول ﵊, وشدة محبتهم للخير والرغبة فيه, وتيسر لهم الأمور في بعض الأحوال, وحيث لم يكن ذلك من دأب السلف؛ فإننا لا نحيد عن طريقهم.
وأما قوله: إن هذا الحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فهو محل خلاف بين العلماء, هل يدل على منع شد الرحل لأي مكان كان إلا للمساجد الثلاثة كما اختاره بعض العلماء, وقالوا: إن المراد النهي عن شد الرحل لأي مكان كان, ومعلوم أن الذي يشد الرحل للمقبرة ليس يتصل بالمقبور ويتحدث إليه ويؤنسه, وإنما يزور المكان في أي مكان كان هذا المقبور، فهو يريد مكان القبر لا يريد أن يدخل القبر أو أن يخرج الميت إليه, ومن العلماء من قال: إن هذا نهي عن شد الرحل إلى المساجد سوى المساجد الثلاثة, وأنه لا علاقة له في شد الرحل لزيارة القبور.
ونحن نقول: هب أن مراد ﵊ هو هذا, لكن هل أحد من أصحابه أو من أئمة الأمة شد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﵊؟ لا يوجد هذا إطلاقاً, وإذا لم يوجد فلنا فيهم أسوة, فنقول: لا تشدوا الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ , ولكن شد الرحل إلى المدينة للصلاة في المسجد النبوي؛ لأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة مما سواه إلا المسجد الحرام.
стр. 3245
منهج جماعة التبليغ
كثير من الناس يكون مع جماعة الدعوة والتبليغ , هل تنصح عامة الناس أن يذهبوا معهم, وإذا كان هناك خطأ نرجو توضيحه للناس؟
جماعة الدعوة والتبليغ لا شك أن الناس اختلفوا فيهم, وكثر الكلام فيهم, وأنا ما رأيت من أحدهم شيئاً أستطيع أن أحذر منهم, ولكن من قدر على أن يبقى في بلده لطلب العلم فهو لا شك أفضل من الذهاب معهم؛ لأن طلب العلم أفضل من العبادات.
والذي أنتقد عليهم فيه هو أنهم قليلو العلم, بمعنى: أنهم لا يحرصون كثيراً على طلب العلم, ولكنهم عندهم عاطفة دينية جياشة، وعندهم محبة للخير والإيثار وغير ذلك, وكم من أناس اهتدوا على أيديهم, ففي سعيهم بركة, ولكن الإنسان المؤمن إذا رأى منهم شيئاً محذوراً نصحهم فإن امتثلوا فهذا المطلوب, وإن لم يمتثلوا تركهم.
стр. 3246
بمن يبدأ في توزيع الزكاة
عند توزيع الزكاة يكون مع الرجل مثلاً مائة ألف يريد أن يوزعها, ويكون أمامه محتاجون, منهم من يكون عليه دين نصف مليون أو مائة ألف أو مائتين, ومنهم من يكون دخله بسيطاً وعوائق كثيرة, فبماذا يبدأ؟
البداءة لمن احتاج, من يحتاج لأكله وشربه وكسائه وفراشه أشد إلحاحاً ممن يقضي دينه؛ لأن الذي يقضي الدين ربما يتيسر له في المستقبل, لكن الإنسان المحتاج إلى الطعام والشراب والكسوة والفراش أهم وأحوج, فيقدم هذا, ولذلك تجد الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] ويبدأ بالأهم فالأهم.
стр. 3247
حكم قول القائل: ذهبت سنين الجدب وأقبلت سنين الخصب
سمعنا من يقول: إن الفلك استدار فذهبت سنين الجدب, وأقبلت سنين الخصب, فما حكم مثل هذا الكلام؟ وما صفة سب الدهر؟
هذا الكلام ليس بصحيح: أولاً: هل عنده علم أن الدهر أول ما كان, كان دهر خصب ورخاء؟ فهو قول بلا علم.
ثانياً: أنه لم يحدث مثل هذا الكلام, يعني: السنة هذه مثل التي قبلها, وقد أتى على الناس زمان أدركناه أكثر من هذا أمطاراً وأكثر نباتاً, ولا داعي لهذا.
أما سب الدهر: فهو أن يسب الوقت والزمن, بأن يقول -والعياذ بالله-: لعن الله الوقت أو لعن الله هذا اليوم أو لعن الله هذه السنة أو ما أشبهها.
وهل يكون مؤمناً بالكوكب وكافراً بالله؟ الجواب: لا, لأنه ما زعم أنه مطر بسبب الكوكب, لكن قال: إن الله أعاد على الناس ما زعم أنه كان في أول الأمر.
стр. 3248
حكم تقديم العشاء على المغرب جهلاً
رجل صلّى المغرب, ثم تذكر وقت إقامة صلاة العشاء أن المسح انتهى في صلاة المغرب, وأنه صلى المغرب على غير طهارة, فتوضأ وصلّى العشاء, وبعد صلاة العشاء صلّى المغرب, هل عمله صحيح؟ الشيخ: أما ما مضى فلا بأس, وليس عليه إعادة؛ لأن غاية ما فيه أنه بدأ بالعشاء قبل المغرب ظناً منه أن ذلك جائز وهذا لا بأس به, لكن في المستقبل إذا دخلت وأنت لم تصلِ المغرب والناس يصلون العشاء فانو المغرب, ثم إن كنت دخلت في أول ركعة, فإذا قام إلى الرابعة اجلس وتشهد وسلّم ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء, وأما إذا كان دخلت معه في الثانية فسلم معه؛ لأنك صليت ثلاثاً, وإن دخلت معه في الثالثة فاقض ركعة.
إذاً: صلاته صحيحة، لأن غاية ما فيه أنه قدم العشاء على المغرب جهلاً منه وهذا لا يضر، لكن كلامنا في المستقبل: هل إذا أتيت والناس يصلون العشاء: هل أدخل بنية العشاء أو أصلي المغرب وحدي ثم أدخل معهم بنية العشاء، أو أدخل معهم بنية المغرب؟ نقول: أدخل معهم بنية المغرب، إن دخل في الركعة الأولى إذا قام الإمام للرابعة يجلس هو ويقرأ التحيات ويسلم ثم يقوم ويصلي مع الإمام ما بقي من صلاة العشاء، وإن دخل في الثانية يسلم مع الإمام؛ لأنه أتم ثلاثاً، وإن دخل في الثالثة قضى ركعة، وإن دخل في الرابعة قضى ركعتين.
стр. 3249
حكم من تجاوز الميقات وأحرم من بعده
انطلق أناس من الرياض إلى جدة وجلسوا فيها ثلاثة أيام, وكانت نيتهم الذهاب إلى جدة والمكوث فيها ثلاثة أيام ثم يتجهون إلى مكة , فلما انقضت الثلاثة أيام وهم في جدة أحرموا من البيت, ثم ذهبوا إلى مكة واعتمروا, فما الحكم؟
هؤلاء أخطئوا، والواجب عليهم أن يحرموا من الميقات, ويؤدون العمرة ثم يذهبون إلى جدة , أو إذا انتهوا من جدة رجعوا إلى أول ميقات مروا من عنده وأحرموا منه, فإذا كانوا أتوا من الرياض فالواجب عليهم أنهم لما أرادوا الدخول في النسك أنهم ذهبوا إلى السيل وهو قرن المنازل وأحرموا من هناك، أما والأمر كما قلت: أحرموا من جدة فإن العلماء يقولون: إن من أحرم من غير الميقات يلزمه دم أي: أنه يذبح فدية في مكة يوزعها على الفقراء, هذا إن كان غنياً, وإن كان فقيراً فعليه أن يتوب إلى الله ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وأما الصغير الذي لم يبلغ فليس عليه شيء.
стр. 3250
حكم اختلاف المأموم مع نية الإمام
إذا دخل المؤتم مع الإمام بنية المغرب وهو يصلي العشاء, أو دخل العصر بنية الظهر, هل يكون في ذلك شيء؟
اختلاف نية الإمام والمأموم لا تضر؛ لأن معاذ بن جبل كان يصلي بقومه صلاة نافلة وهم فريضة, وهذا من أعظم ما يكون من اختلاف, ومع هذا لم ينكر عليه النبي ﷺ .
стр. 3251
حكم بيع الشهادة الزراعية
كان عندي شهادة زراعية فيها استيراد نحو خمسين طناً، فأتاني واحد وقال: أعطيك على الكيلو ريالاً, أي: سوف يشتري الشهادة بخمسين ألف ريال, وكان تسعيرة القمح آنذاك ريالين ونصف, فأعطاني المبلغ خمسين ألف ريال مقدماً, فبعد مدة اكتشفت أنه حرام, علماً أني تزوجت بهذا المبلغ فماذا يجب عليّ؟ الشيخ: أرى أن الواجب عليك أن تتصدق بهذا المبلغ, وأما الزواج فالزواج صحيح وليس فيه إشكال.
وليس عليك إثم إن شاء الله فيما سبق؛ لأنك جاهل، لكن هذه الدراهم التي دخلت عليك دخلت عليك حراماً: بالكذب، وخيانة الدولة، وأظن صاحبك هذا أنت ظلمته الآن وأدخلت عليه ما هو حرام عليه، والرسول ﷺ يقول: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وذكر أن نصر المظلوم أن يمنع من الظلم، فإن تيسر لك فتصدق، وإن كنت فقيراً وبقيت حتى أراد الله أن تنتقل من الدنيا فإن شاء الله ما عليك شيء؛ لأن هذا حق لله، والله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ولو كان موافقاً، وهو الذي عرض عليك أليس المترابيون يوافقون؟ والذين يتعاملون بالربا الآن هل هم مجبورون أم مختارونهم مختارون, ولهذا لا تردها عليه هو, تصدق بها.
стр. 3252
المسح على الكندرة
إذا لبست الشراب على طهارة, ثم لبست الكنادر القصيرة التي نستعملها الآن, هل أمسح عليهما جميعاً؟
إذا لبس الإنسان الشراب ولبس عليها الكندرة التي لا تستر إلى الكعب فيمسح عليهما جميعاً, لكن في هذه الحال لا يخلع الكندرة, إن خلعها بعد مسحها لزم أن يخلع الجورب.
وإن اقتصر على الشراب لابد أن يخلعها عند الوضوء فهو يخلعه عند الوضوء ويمسح الشراب لكن يستريح, يبقى حراً بالنسبة لخلع الكنادر أو عدمه.
стр. 3253
دعاء حفظ القرآن
فضيلة الشيخ: ما صحة حديث دعاء حفظ القرآن؟
حديث علي بن أبي طالب هذا ضعيف, وحفظ القرآن كما قال الرسول ﵊ (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها) .
стр. 3254
حكم الاعتكاف في مكتبة المسجد
فضيلة الشيخ: عند عرف الناس أن مكتبة المسجد من المسجد -الملاصقة للمسجد- فهل هذا يجوز الاعتكاف فيها؟
إذا كان سور المسجد قد أحاط بها, وهي مقتطعة منه فهي منه, أما إذا كان لم يحط بها السور فليست من المسجد, وينبني على ذلك إذا قلنا: إنه من المسجد أنه يجوز الاعتكاف فيها, وأنه إذا دخلها فلا يجلس حتى يصلي ركعتين, وأنه لا يجلس فيها وهو جنب إلا بوضوء, وإن الحائض لا تمكث فيها.
ويمكنك أن تدخل إليها لأخذ كتاب للاستفادة منه في طلب العلم ولو كنت جنباً؛ لأنك مار والله يقول: ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] .
стр. 3255
حكم تبادل السلع غير الربوية
إذا أراد الإنسان أن يشتري له سيارة جديدة فإنه يثمن سيارته القديمة بسعر معين ثم يزيدها بسعر الآخر حتى يكمل قيمة السيارة الجديدة, علماً أن السيارة القديمة ترتفع سعرها باختلاف سعر السيارة الجديدة, كلما كانت السيارة الجديدة قيمتها عالية كلما ارتفعت قيمة السيارة القديمة, فهل هذا يوقع في بيعتين في بيعة وما حكمها؟
يعني: تبادل السيارات قديمة وجديدة مع دفع الفرق, هذا لا بأس به, يعني: يجوز للإنسان أن يبدل سيارة قديمة بسيارة جديدة ويدفع الفرق؛ لأن السيارات فيما بينها ليست ربا, والذي يمنع فيه الزيادة هو الأموال الربوية, يجوز أيضاً أن تشتري ثوباً يعطيك إياه الآن بثوبين إلى أجل, ويجوز أيضاً أن تشتري ساعة أو قلماً بقلم آخر ولو بعد مضي مدة, الأموال التي ليست ربوية لا بأس أن يتفرد بها ولا بأس ما دام أنه يعين الثمن.
وبعضهم يقول: لعلة جهالة الثمن السيارة القديمة يمنع هذا البيع.
والصحيح أنه لا جهل؛ لأنه لا يتم البيع إلا بعد معرفة الثمن، فإذا علم مثلاً أن قيمة الجديدة خمسون ألفاً وقال: أعطني عشرين ألفاً عرف أن سيارته كم قومت؟ بثلاثين، ليس هناك جهالة.
стр. 3256
صلاة المسافر
إذا كنت في سفر ومررت بقرية أو بلدة صغيرة ورأيت جماعة يصلون وأنا لا أدري هل هم من المقيمين أو من المسافرين, وقد فاتتني ركعتين, فأدركت معهم التشهد مثلاً, فهل أتم أم أقصر؟
إذا كان المسجد الذي دخلته وأنت مسافر مسجد طريق كالذي في المحطات مثلاً فالأصل أنهم مسافرون, أو مثلاً في المطار أحياناً يكون الإنسان في المطار في انتظار ويأتي الوقت, ويدخل ويجد الناس يصلون فالقرينة تدل على أن هذه صلاة سفر, أما إذا كان المسجد مسجد بلد فالأصل أنهم مقيمون, فتقضي على أن الإمام مقيم وتكمل أربعاً.
стр. 3257
حكم حجز الأماكن في المساجد وحلق العلم
ماذا تقولون حول الذين يحجزون الأماكن في الدروس أو في الصلاة, علماً بأن أحد طلاب العلم وهو معروف كان يحجز للمكان طول الوقت؟ الشيخ: أما الحجر في المسجد للصلاة فهذا اختلف فيه العلماء على قولين: منهم من أجازه, ومنهم من منع.
فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: إنه حرام, وأن السبق لا يكون فيما يوضع في الصف, السبق يكون في بدن الإنسان.
ومن العلماء من يقول: إنه جائز، ولكن إذا أقيمت الصلاة بطل حقك, والذي يظهر: أنه لا يجوز في الصلاة.
أما في حلقات العلم فهو أهون, ولئلا يفضي إلى أن يتقدم الصغار الذين لا يفقهون من المدرس شيئاً على الكبار الذين يفهمون ويعلمون, على كل حال فهو أهون من الحجز في الصلاة.
ولا أظن أن الحجر يكون كل المسجد للطلبة, يمكن يحجز صف أو صفين.
وبالنسبة للصلاة هل ينكر عليهم، أو يرفع ما يحجز به؟ لا يرفع؛ لأن المسألة فيها خلاف, وإذا كان فيها خلاف ورفعت وصار فيها نزاعاً مفسدته أكبر من كونه يحجز, وكل شيء يؤدي إلى الخلاف والنزاع فتجنبه, الخلاف شر لا خير فيه.
стр. 3258
حكم أخذ الفرد الأموال على عمل لم يقم به
أنا موظف حكومي ويتطلب العمل مني أحياناً عمل إضافي, وقد قامت الدائرة التي أعمل فيها بتعميدي أنا وبعض وزملائي في العمل خارج وقت الدوام الرسمي ولمدة (٤٥) يوماً, وقد كنت حريصاً على أن أحضر مع زملائي في العمل, ولكنهم لم يعلموني بذلك, ولما سألت أحدهم قال لي: لم يأت دورك بعد, حتى انتهت المدة المحددة, وصرف المبلغ لذلك العمل لي ولزملائي, وإنني في حيرة من أمري في هذا المبلغ أهو حلال أم حرام, علماً أن رئيسي في العمل المباشر ورئيس الدائرة راضون عني في العمل, حيث إنني في نظرهم موظف نشيط وقد يكون هذا المبلغ مكافأة لي على حرصي وعلى حسن عملي, حيث إن راتبي قليل, وإذا لم يكن هذا المبلغ حلال فماذا أعمل به؟
هذا السؤال يقع كثيراً, وأنا أسألكم الآن: هل هذا حق أو باطل؟ بمعنى: هل هذه المكافأة التي حصلت للإنسان على عمل معين هل قام بهذا العمل أم لا؟ لم يقم بالعمل, إذا لم يقم بالعمل صار أخذ المال بغير حق, وأخذ المال بغير حق هو أكل المال بالباطل تماماً, مع ما في ذلك من خيانة للأمانة, حتى ولو وافق الرئيس المباشر على مثل هذا العمل فهو خائن, والمال ليس ماله -أعني الرئيس المباشر- حتى يتصرف به كيف يشاء, المال مال الدولة.
وهذا الرجل السائل أعتقد أنه قد تاب مما صنع, وأنه يريد الخلاص, والخلاص لا أقول يرده إلى الدائرة؛ لأنه ستكون هناك مشاكل, إلا إذا علم أنه إذا رده إلى الدائرة صارت المحاكمة على رئيسه, فهذا لا بأس, أنا أحب أن مثل هؤلاء الرؤساء الذين يعملون مثل هذه الأعمال أنه يبين أمرهم حتى يتخذ أمامهم الإجراءات اللازمة, أما التلاعب فلا يجوز فهذه أمانة.
فأقول لهذا الأخ: اجعل الدراهم هذه في مسجد؛ لأن المسجد مما يلزم الدولة بناؤه, أو ما أشبه ذلك من مصالح المسلمين, وتبرأ بذلك ذمته, وإنني بهذه المناسبة: أحذر الرؤساء والمدراء الذين يعملون مثل هذا العمل, وأقول: اتقوا الله فيما وليتم عليه, واتقوا الله أيضاً فيمن تحت أيديكم من الموظفين, لا تطعموهم ما لا يحل لهم, ولا تخونوا الدولة بأن تعطوا من لا يستحق.
стр. 3259
بداية مدة المسح على الشرّاب
المسح على الشراب هل يبدأ من أول ما يلبس أم من بعد الوضوء؟
المسح على الشراب من أول مرة مسح بعد الحدث, ليس هو من اللبس ولا من الحدث, مثلاً: لو فرضنا أن إنساناً لبس لصلاة الفجر ولم يمسح إلا لصلاة الفجر من الغد, أي: أنه بقي على طهارته كل اليوم, ثم مسح أول مرة لصلاة الفجر من اليوم الثاني فإنه يمسح يوم وليلة من مسحه؛ لأن ما قبل المسح لا يعد من المدة.
стр. 3260
جواز دعاء الله والصلاة على النبي في النافلة والفريضة
إذا ورد شيء من صفات الله أو أسمائه في القرآن أثناء الصلاة, أو ورد بعض أسماء النبي ﷺ أو بعض الأنبياء في الصلاة, فهل يصلى عليهم ويقال: سبحان الله! وهل هناك فرق بين الفريضة والنافلة في ذلك؟
أما النافلة فقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث حذيفة ﵁ أنه قام معه ذات ليلة, فكان النبي ﷺ لا يمر بآية رحمة إلا سأل, ولا بآية وعيد إلا تعوذ, ولا بآية تسبيح إلا سبح.
هذا ثابت.
أما في الفريضة فلم يرد عن النبي ﷺ شيء, لكن إذا قاله الإنسان فلا بأس, إذا سبح عند آية تسبيح أو سأل عند آية رحمة, أو تعوذ عند آية وعيد, أو صلى على النبي ﷺ إذا مر اسمه فلا بأس, إلا أنه إن كان مأموماً وكان هذا يشغله عن استماع قراءة الإمام فلا يفعل؛ لأن استماع قراءة الإمام أهم.
وإذا ورد اسم نبي غير محمد ﷺ فهذا لم يرد عن النبي ﷺ فيه أنه يصلى عليه، أما الرسول ﵊ فإنه يصلى عليه, حتى إن بعض العلماء قال: إذا ذكر اسمه وجب على السامع أن يصلي عليه لحديث أبي هريرة: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصلِ عليَّ) ﷺ .
следующие страницы →