Полный текст (6 569 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
صلاة المسافر
إذا كنت في سفر ومررت بقرية أو بلدة صغيرة ورأيت جماعة يصلون وأنا لا أدري هل هم من المقيمين أو من المسافرين, وقد فاتتني ركعتين, فأدركت معهم التشهد مثلاً, فهل أتم أم أقصر؟
إذا كان المسجد الذي دخلته وأنت مسافر مسجد طريق كالذي في المحطات مثلاً فالأصل أنهم مسافرون, أو مثلاً في المطار أحياناً يكون الإنسان في المطار في انتظار ويأتي الوقت, ويدخل ويجد الناس يصلون فالقرينة تدل على أن هذه صلاة سفر, أما إذا كان المسجد مسجد بلد فالأصل أنهم مقيمون, فتقضي على أن الإمام مقيم وتكمل أربعاً.
стр. 3257
حكم حجز الأماكن في المساجد وحلق العلم
ماذا تقولون حول الذين يحجزون الأماكن في الدروس أو في الصلاة, علماً بأن أحد طلاب العلم وهو معروف كان يحجز للمكان طول الوقت؟ الشيخ: أما الحجر في المسجد للصلاة فهذا اختلف فيه العلماء على قولين: منهم من أجازه, ومنهم من منع.
فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: إنه حرام, وأن السبق لا يكون فيما يوضع في الصف, السبق يكون في بدن الإنسان.
ومن العلماء من يقول: إنه جائز، ولكن إذا أقيمت الصلاة بطل حقك, والذي يظهر: أنه لا يجوز في الصلاة.
أما في حلقات العلم فهو أهون, ولئلا يفضي إلى أن يتقدم الصغار الذين لا يفقهون من المدرس شيئاً على الكبار الذين يفهمون ويعلمون, على كل حال فهو أهون من الحجز في الصلاة.
ولا أظن أن الحجر يكون كل المسجد للطلبة, يمكن يحجز صف أو صفين.
وبالنسبة للصلاة هل ينكر عليهم، أو يرفع ما يحجز به؟ لا يرفع؛ لأن المسألة فيها خلاف, وإذا كان فيها خلاف ورفعت وصار فيها نزاعاً مفسدته أكبر من كونه يحجز, وكل شيء يؤدي إلى الخلاف والنزاع فتجنبه, الخلاف شر لا خير فيه.
стр. 3258
حكم أخذ الفرد الأموال على عمل لم يقم به
أنا موظف حكومي ويتطلب العمل مني أحياناً عمل إضافي, وقد قامت الدائرة التي أعمل فيها بتعميدي أنا وبعض وزملائي في العمل خارج وقت الدوام الرسمي ولمدة (٤٥) يوماً, وقد كنت حريصاً على أن أحضر مع زملائي في العمل, ولكنهم لم يعلموني بذلك, ولما سألت أحدهم قال لي: لم يأت دورك بعد, حتى انتهت المدة المحددة, وصرف المبلغ لذلك العمل لي ولزملائي, وإنني في حيرة من أمري في هذا المبلغ أهو حلال أم حرام, علماً أن رئيسي في العمل المباشر ورئيس الدائرة راضون عني في العمل, حيث إنني في نظرهم موظف نشيط وقد يكون هذا المبلغ مكافأة لي على حرصي وعلى حسن عملي, حيث إن راتبي قليل, وإذا لم يكن هذا المبلغ حلال فماذا أعمل به؟
هذا السؤال يقع كثيراً, وأنا أسألكم الآن: هل هذا حق أو باطل؟ بمعنى: هل هذه المكافأة التي حصلت للإنسان على عمل معين هل قام بهذا العمل أم لا؟ لم يقم بالعمل, إذا لم يقم بالعمل صار أخذ المال بغير حق, وأخذ المال بغير حق هو أكل المال بالباطل تماماً, مع ما في ذلك من خيانة للأمانة, حتى ولو وافق الرئيس المباشر على مثل هذا العمل فهو خائن, والمال ليس ماله -أعني الرئيس المباشر- حتى يتصرف به كيف يشاء, المال مال الدولة.
وهذا الرجل السائل أعتقد أنه قد تاب مما صنع, وأنه يريد الخلاص, والخلاص لا أقول يرده إلى الدائرة؛ لأنه ستكون هناك مشاكل, إلا إذا علم أنه إذا رده إلى الدائرة صارت المحاكمة على رئيسه, فهذا لا بأس, أنا أحب أن مثل هؤلاء الرؤساء الذين يعملون مثل هذه الأعمال أنه يبين أمرهم حتى يتخذ أمامهم الإجراءات اللازمة, أما التلاعب فلا يجوز فهذه أمانة.
فأقول لهذا الأخ: اجعل الدراهم هذه في مسجد؛ لأن المسجد مما يلزم الدولة بناؤه, أو ما أشبه ذلك من مصالح المسلمين, وتبرأ بذلك ذمته, وإنني بهذه المناسبة: أحذر الرؤساء والمدراء الذين يعملون مثل هذا العمل, وأقول: اتقوا الله فيما وليتم عليه, واتقوا الله أيضاً فيمن تحت أيديكم من الموظفين, لا تطعموهم ما لا يحل لهم, ولا تخونوا الدولة بأن تعطوا من لا يستحق.
стр. 3259
بداية مدة المسح على الشرّاب
المسح على الشراب هل يبدأ من أول ما يلبس أم من بعد الوضوء؟
المسح على الشراب من أول مرة مسح بعد الحدث, ليس هو من اللبس ولا من الحدث, مثلاً: لو فرضنا أن إنساناً لبس لصلاة الفجر ولم يمسح إلا لصلاة الفجر من الغد, أي: أنه بقي على طهارته كل اليوم, ثم مسح أول مرة لصلاة الفجر من اليوم الثاني فإنه يمسح يوم وليلة من مسحه؛ لأن ما قبل المسح لا يعد من المدة.
стр. 3260
جواز دعاء الله والصلاة على النبي في النافلة والفريضة
إذا ورد شيء من صفات الله أو أسمائه في القرآن أثناء الصلاة, أو ورد بعض أسماء النبي ﷺ أو بعض الأنبياء في الصلاة, فهل يصلى عليهم ويقال: سبحان الله! وهل هناك فرق بين الفريضة والنافلة في ذلك؟
أما النافلة فقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث حذيفة ﵁ أنه قام معه ذات ليلة, فكان النبي ﷺ لا يمر بآية رحمة إلا سأل, ولا بآية وعيد إلا تعوذ, ولا بآية تسبيح إلا سبح.
هذا ثابت.
أما في الفريضة فلم يرد عن النبي ﷺ شيء, لكن إذا قاله الإنسان فلا بأس, إذا سبح عند آية تسبيح أو سأل عند آية رحمة, أو تعوذ عند آية وعيد, أو صلى على النبي ﷺ إذا مر اسمه فلا بأس, إلا أنه إن كان مأموماً وكان هذا يشغله عن استماع قراءة الإمام فلا يفعل؛ لأن استماع قراءة الإمام أهم.
وإذا ورد اسم نبي غير محمد ﷺ فهذا لم يرد عن النبي ﷺ فيه أنه يصلى عليه، أما الرسول ﵊ فإنه يصلى عليه, حتى إن بعض العلماء قال: إذا ذكر اسمه وجب على السامع أن يصلي عليه لحديث أبي هريرة: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصلِ عليَّ) ﷺ .
стр. 3261
معنى قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون)
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] ما تفسير الآية؟
يقول الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هؤلاء هم بأنفسهم يطلبون إلى الله الوسيلة ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يفعلون ما يقربهم إلى الله, فمثلاً: الأنبياء من الناس من أشرك بهم, فمثلاً عيسى ﵊ اتُخِذ إلهاً نقول هذا الذي اتخذتموه إلهاً وهو عيسى هو يبتغي إلى الله الوسيلة والقرب إلى الله, فهو محتاج إلى الله، فكيف تدعونه وهو نفسه محتاج إلى الله؟!! هذا معنى الآية.
стр. 3262
صلاة المسافر إذا أدرك التشهد الأخير خلف المقيم
إذا كان رجل مسافراً ودخل في الصلاة الرباعية والإمام مقيم, فكان في التشهد الأخير, فهل يكمل الصلاة الرباعية، أم يصلي ركعتين لحديث الرسول ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) ؟
أولاً: أنت والأخ سلَّمتما قبل السؤال وهذا ليس من السنة؛ لأن الصحابة إذا جلسوا مع الرسول في المجلس لا يسلمون عند السؤال, لكن من قدم سلّم, أكثر الناس الآن -كما تفضلتم- إذا أراد أن يسأل يسلم وهذا غير مشروع.
أما بالنسبة لمسافر أدرك إماماً مقيماً في التشهد الأخير فإننا نقول: قال النبي ﷺ : (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فهنا أدرك التشهد الأخير, نقول: صلى مع الإمام التشهد الأخير وفاته أربع ركعات, فأتم أربع ركعات, وأما الحديث الذي أشرت إليه: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فهذا في إدراك الجماعة, ليس في كون الإنسان يقضي ما فاته, وبينهما فرق, فعموم قول الرسول ﷺ : (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) يشمل هذه الصورة وهو ما إذا أدرك المسافر الإمام المقيم في التشهد الأخير, فنقول: صلِ التشهد الأخير وأتم ما فاتك.
стр. 3263
حكم الجمع بين الجمعة والعصر حال المطر
ما صحت صلاة من جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة في مطر؟
أنت الآن حكمت على نفسك, تقول: جمع الظهر والعصر، هل الجمعة تسمى ظهراً؟! لا.
انتهى الموضوع، لم يرد عن النبي ﵊ أنه جمع إلا بين الظهر والعصر؛ لأنهما صلاتان متشابهتان نهاريتان فجمع بينهما, أما الجمعة فلا تجمع مع شيء بعدها أبداً ولا قبلها, الفجر لا تجمع مع الجمعة, والعصر لا تجمع مع الجمعة.
السائل: وما حكم صلاته؟ الجواب: أنا أرى أنه يجب عليه الإعادة؛ لقول الرسول ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) والأصل أن الصلاة تفعل في وقتها, ولم يرد عن النبي ﵊ أنه قدم العصر جمعاً إلا مع الظهر, فتبقى صلاة الجمعة مستقلة, ولهذا الجمعة بينها وبين الظهر فروق كثيرة تزيد على عشرين فرقاً, لكن مع الأسف الناس صاروا يفعلون ما يريدون, حتى في الجمع الآن يجمعون بأدنى شيء, لو جاءت قطرات يسيرة من السماء قالوا: اجمع, مع أنه لا توجد مشقة.
وأما القدر الذي يجمع به في المطر قال العلماء: هو الذي يبل الثياب وتوجد معه مشقة, لا بد من شرطين: يبل الثياب بمعنى: أن الثياب تكون رطبة, والنقط اليسيرة لا تجعل الثياب رطبة, وأيضاً توجد معه مشقة إذا كان في الشتاء, لكن في أيام الصيف إذا كان المطر يبل الثياب تجد فيه مشقة أم راحة؟ تجد فيه راحة, يبردك وينشطك, ولا يجوز أن نتعدى حدود الله, أي إنسان يجمع بلا عذر فهو كبيرة من كبائر الذنوب, ولا تصح الصلاة إذا كان الجمع جمع تقديم, الصلاة الثانية لا تصح؛ لأنها صليت قبل وقتها.
стр. 3264
بعض أنواع بيوع الربا
وجدت في بلد ما إعلاناً بخصوص توفير قرض وتسديده بالأقساط وصورته كالتالي: شخص يريد شراء سيارة، فذهب إلى بيت التمويل، فيقوم هذا البيت بشراء السيارة التي يريدها الشخص، ومن ثم تحويلها باسمه، على أن يكون ثمن بيعها له أكثر من ثمن شرائها هو، ويقوم الشخص بدفع الأقساط إلى بيت التمويل.
يعني: مثلاً يذهب إلى بيت التمويل يقول: أنا أريد السيارة فيشتريها باسمه وينقد الثمن ثم يبيعها على هذا الطالب بأكثر من الثمن مقسطاً! هذه حيلة على الربا, يعني: بدل من أن يقول: خذ خمسين ألف ريال قيمة السيارة, وهي عليك بستين ألف إلى أجل, أتى بهذا البيع الصوري, بيت التمويل الآن لولا أن هذا الرجل جاء يطلب السيارة هل يشتري السيارة؟ لا, ولو أن طالب السيارة قال: اشتريها بقيمتها, بمعنى: تشتريها بخمسين ألف وآخذها منك بالتقسيط بخمسين ألف هل يقبل بيت التمويل؟ أقطع أنه لا يقبل, إذاً: ما الذي قصد بيت التمويل من هذه المعاملة؟ قصد الزيادة, فهذا -في الحقيقة- قرض بزيادة لكنه بحيلة (لفة) ومعلوم أن الله لا تنفع عنده الحيل, فهو ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾ [غافر:١٩] فلو قيل لبيت التمويل: ما قصدك بشراء هذه السيارة وبيعها على هذا الرجل؟ لقال بكل تأكيد: إن قصده الزيادة, ولا يمكن أن يدعي أن قصده الإحسان إلى هذا الرجل أبداً, يقول بعض الناس: -مثلاً- لو أن الرجل المشتري قال: لا أريد السيارة، قبلها بيت التمويل, فنقول: أولاً هذه حجة لا تنفع عند الله؛ لأن هذا الذي طلب السيارة هل سيتركها؟ لا يتركها وهو يريدها, ولهذا لو أحصيت ألف معاملة من هذا النوع ما وجدت واحداً منهم هَوَّن, فلا تغتر بعمل الناس.
والفائدة التي يأخذها هذا الرجل تعتبر ربا, والربا الصريح الذي تفعله البنوك أهون من هذا؛ لأن الربا الصريح ربا يدخل الإنسان فيه على أنه عاص لله ويحاول أن يتوب, أما هذا فيدخل فيه على أنه مباح, وهذا لا يجوز, اليهود تحيلوا على محارم الله بأدنى من هذا, حرم الله عليهم الشحوم قال: لا تأكلوا الشحوم, فماذا كانوا يصنعون؟ قالوا: نذوب الشحم ثم نبيع الشحم ونأخذ الثمن, الصورة الآن هل أكلوا الشحم؟ ما أكلوه ولا باعوا الشحم على طبيعته وأيضاً ذوبوه, حتى لا يقال: إنكم بعتم ما حرم عليكم وأكلتم ثمنه, فذوّبوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه, والرسول ﵊ قال: (قاتل الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم ثم جملوها فباعوها وأكلوا ثمنها) .
وكذلك أصحاب السبت حرمت عليهم الحيتان يوم السبت فابتلاهم الله وجعل الحيتان تأتي يوم السبت شُرّعاً على وجه الماء من كثرتها, وغير يوم السبت لا يرونها, فقالوا: ماذا نعمل؟ لا يمكن أن تذهب هذه الحيتان بدون أكل, عملوا شبكة يضعونها يوم الجمعة, فتأتي الحيتان تدخل في الشبكة يوم السبت فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوها, وقالوا: نحن ما صدناها يوم السبت، صدنا يوم الأحد, فماذا عوقبوا؟ عوقبوا في الدنيا يداً بيد, قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] فكانوا قردة تتعاوى والعياذ بالله.
لا يجوز -أبداً- أن نستحل محارم الله بالحيل إطلاقاً, وإن أفتاك الناس وأفتوك, فكر أنت بنفسك, هل هذا إلا حيلة؟ أما لو كان هذا بيت التمويل عنده سيارات يأتي زيد ويبيع عليه نقداً بخمسين, ويأتي عمرو ويقول: أنا أريدها مقسطة فيقول: بستين فهذه لا بأس, لكن كونه لا يشتري إلا لأجل يأخذ الربا هذا لا يشك الإنسان أن هذا حيلة.
إذا كان يجب عليه الإنسان أن يتوب ولا يتعامل بهذا, فإن كان لم يعلم بأنه حرام فما أخذه فهو حلال, وإن كان قد علم وعاند فهذا محل نظر, قد نقول: إذا تاب فله ما سلف كما قال الله : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] وقد يقال: لا هذا الرجل معاند فيجب عليه أن يتصدق بكل ما أخذ من هذا.
بارك الله فيكم وزادنا وإياكم علماً نافعاً وإلى اللقاء إن شاء الله في الخميس القادم, نسأل الله لنا ولكم التوفيق.
стр. 3265
لقاء الباب المفتوح [١١٥]
كان حديث الشيخ ﵀ في هذا اللقاء عن الإصلاح بين المسلمين، وفسر فيه قول الله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ...)) من سورة الحجرات.
وأجاب بعد ذلك عن أسئلة في أبواب متفرقة من الشريعة، كالزكاة والصيام والإيمان.
стр. 3266
تفسير آيات من سورة الحجرات
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو يوم الخميس الثالث عشر من شهر شعبان عام (١٤١٦هـ) وفيه اللقاء الذي يتم كل خميس.
стр. 3267
تفسير قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)
في هذا اللقاء سوف نتكلم على قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] .
(طَائِفَتَانِ) مفردها طائفة: وهي جماعة من الناس.
وقوله: (اقْتَتَلُوا) جمع؛ وإنما جمع لأن الطائفة تشتمل على أفراد كثيرين؛ فلذلك صح أن يعود الضمير على المثنى بصيغة الجمع مراعاة للمعنى, وإلا لكان مقتضى التثنية أن يقول: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلنا, ليطابق الضمير مرجعه, لكنه عاد إليه المعنى.
والاقتتال بين المؤمنين له أسباب متعددة: إما دماء تقع بينهم، وإما نعرة قبلية ودعوة جاهلية، وإما خلاف بينهم في حدود، أو غير ذلك, المهم أن أسبابه متعددة, (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب , ولكنه رضي بالتحريش بينكم) يحرش بينهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضاً, فإذا حصل الاقتتال فالواجب على المؤمنين الآخرين الصلح بينهما, ولهذا قال: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) أي: اسعوا للصلح بكل وسيلة حتى ولو كان ببذل المال, والتنازل عن الحق لأحدهما عن الآخر, لأن الصلح لابد فيه من أن يتنازل أحد الطرفين عما يريد من كمال حقه, وإلا لما تم الصلح, ولهذا لما قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] كل إنسان يريد أن يتم قوله فلابد من التنازل.
فإذا أصلحنا بينهما قال: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) يعني: لو فرض أن بعد الصلح عادت إحدى الطائفتين تقاتل الأخرى, فهنا لا صلح, ماذا نصنع معهما؟ نقاتل التي تبغي (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) أي: ترجع إليه, وأمر الله أي: دينه وشرعه.
فانظر في أول الأمر الإصلاح, فإذا تم الصلح وبغت إحداهما على الأخرى وجب أن نساعد المبغي عليها فنقاتل معها من بغت (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فإذا فاءت فإنه يجب الكف عن قتالها, ولا يجوز أن نجهز على جريح ولا أن نتبع مدبراً, ولا أن نسبي ذرية, ولا أن نغنم مالاً؛ لأن هؤلاء مؤمنون.
(فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) إن فاءت إلى أمر الله بعد أن قاتلناها ورجعت ووضعت الحرب أوزارها وجب أن نصلح بينهما بالعدل.
وهذا غير الإصلاح الأول, الإصلاح الأول بوقف القتال, وهذا الإصلاح بالتضمين, أي: أن ننظر ماذا تلف على كل طائفة ثم نسوي بينهما بالعدل, فمثلاً: إذا كانت إحدى الطائفتين أتلفت على الأخرى ما قيمته مليون ريال, والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته مليون ريال, فحينئذٍ تتعادل الطائفتان وتتساقطا, فإن كانت إحداهما أتلفت على الأخرى ما قيمته ثمانمائة ألف ريال, والأخرى أتلفت ما قيمته مليون, فالفرق إذاً مائتا ألف ريال، فمائة ألف ريال نحملها على الأخرى التي أتلفت ما قيمته مليون, ولهذا قال: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) .
(وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (أقسطوا) هذا أمر بالقسط وهو العدل, وهذا تأكيد لقوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) .
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي: يحب العادلين, وقد ثبت عن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم: (أن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا من أمور المسلمين) .
стр. 3268
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)
ثم قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] هذا كالتعليل لقوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) أي: إنما أوجب الله علينا الإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين؛ لأن المؤمنين إخوة, الطائفتان المقتتلتان كلهم إخوة, ونحن أيضاً إخوة لهم, حتى مع الاقتتال, فإذا قال قائل: أليس النبي ﷺ قد قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) والكافر ليس أخاً للمؤمن؟ فالجواب أن يقال: إن الكفر الذي ذكره النبي ﵊ هو كفر دون كفر, فليس كل ما أطلق الشرع عليه أنه كفر يكون كفراً, فهنا صرح الله بأن هاتين الطائفتين المقتتلتين إخوة لنا, مع أن قتال المؤمن كفر, فيقال: هذا كفر دون كفر, وقال النبي ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب, والنياحة على الميت) ومعلوم أن الطاعن في النسب والنائحة على الميت لا يُكفران كفراً أكبر, فدل ذلك على أن الكفر في شريعة الله في الكتاب وفي السنة كفران: كفر مخرج عن الملة, وكفر لا يخرج عن الملة.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] وفي هذا من الحمل على العطف على هاتين الطائفتين المقتتلتين ما هو ظاهر لقوله: (إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) كما أنك تصلح بين أخويك الأشقاء من النسب فأصلح بين أخويك في الإيمان.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] أي: اتقوا الله تعالى بأن تفعلوا ما أمركم به, وتتركوا ما نهاكم عنه, لأنكم إذا قمتم بهذا فقد اتخذتم وقاية من عذاب الله وهذه هي التقوى, وعلى هذا فكلما سمعت كلمة تقوى في القرآن فالمعنى: أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه, (لعلكم ترحمون) أي: ليرحمكم الله إذا اتقيتموه.
стр. 3269
الأسئلة
стр. 3270
معنى قوله: دعوا الثلث لخراص الزكاة
قول الرسول ﷺ للخارص: (دع لهم الثلث) هل معنى هذا: أن هذا الجزء معفي من الزكاة, إذا لم يكن كذلك فما فائدة أمر النبي ﷺ ؟
يسأل عن زكاة الثمار والزهور فإن النبي ﷺ كان يبعث من يخرص الثمار على أهلها, ويقول: (إذا خرصتم فخذوا, ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) فهل المعنى: أن ثلث هذه الثمار ليس فيه زكاة؟ أو أن المعنى: فيه زكاة لكن اتركوا ثلث الزكاة لهم يتصرفون فيها؟ في هذا قولان للعلماء: القول الأول: أن المعنى: أنه تسقط عنهم زكاة ثلث الثمار أو الربع, فإذا قدرنا أن زكاته تبلغ تسعين صاعاً, فنحن نسقط عنه ثلاثين صاعاً, وإن لم نسقط الثلاثين أسقطنا الربع.
القول الثاني: أن مراد النبي ﷺ بقوله: (دعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) أننا نترك ثلث الزكاة لهم, وأن الزكاة تجب في المال كاملة, لكن نترك لهم الثلث أو الربع ليتصرفوا فيها فيعطوها من شاءوا من أقارب أو أناس يعرفونهم أو ما أشبه ذلك, ليكون حراً في توزيعها, وهذا القول هو الصحيح؛ لأن عموم الأدلة الأخرى التي قال فيها الرسول ﵊: (فيما سقت السماء العشر, وفيما سقي بالنضح نصف العشر) عام شامل, فتكون هذه الثمار يجب فيها الزكاة كاملة, لكن نترك ثلث الزكاة أو ربع الزكاة لصاحب الثمار من أجل أن يعطيه من أحب.
стр. 3271
حكم السائل الخارج بعد البول
إذا خرج بعد البول سائل أبيض سواء بعده بساعة أو بدقائق, فما الحكم أرجو التفصيل؟
هذا السائل الذي يخرج من الذكر بعد البول بدون شهوة حكمه حكم البول, يعني: أنه يجب غسله، وغسل ما أصاب من البدن أو الثياب, ويجب الوضوء بعده.
стр. 3272
جواز حمد الله في الصلاة لمن عطس
إذا عطس شخص في الصلاة هل يحمد الله؟
إذا عطس إنسان في أثناء الصلاة فليحمد الله؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم: (أنه دخل يصلي فعطس رجل من القوم فقال: الحمد لله, فقال له معاوية: يرحمك الله, فرماه الناس بأبصارهم -أي: جعلوا ينظرون إليه نظرة إنكار- فقال: واثكل أمياه! فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت, فلما انتهى من الصلاة دعاه النبي ﷺ وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس, إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال.
وهذا يدل على أن الإنسان إذا عطس في الصلاة يحمد الله, كما أمر النبي ﷺ الإنسان إذا فتح عليه الشيطان باب الوساوس والهواجيس في الصلاة أمره أن يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم, وعلى هذا فإذا وجد سبب الذكر والإنسان يصلي فإنه يذكر الله ولا حرج عليه.
لكن لو سمعت الأذان وأنت تصلي هل تجيب المؤذن ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه يجيب المؤذن, كما أنه يحمد الله إذا عطس ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إذا استولى عليه الشيطان بالهواجس, فيجيب المؤذن, لكن في النفس من هذا شيء, يعني: إجابة المؤذن؛ لأن إجابة المؤذن طويلة تشغل المصلي, أما ما لا يحتاج إلا لكلمة واحدة أو نحوها فإنه لا بأس أن يأتي به.
لكن لو رأى إنساناً يعمل منكراً هل يقول: يا فلان لا تفعل.
؟ لا؛ لأن هذا من كلام الناس.
стр. 3273
حكم الأكل من الذبيحة المنذور بها
يعتقد بعض الناس أنه إذا نذر أن يذبح شاةً أنه لا يحل له أن يأكل منها, فهل هذا صحيح؟
هذا على حسب النية, الإنسان ربما يقول: إن قدم فلان الغائب فلله عليّ نذر أن أذبح شاة, نسأله: هل قصدك بهذا أن تشكر الله على نعمته بقدوم الغائب، أو قصدك أن تظهر الفرح والسرور بقدومه؟ إن كان قصده الأول فإنه لا يأكل منها شيئاً؛ لأنه نواها صدقة, وإن كان قصده الثاني فله أن يأكل, دليل هذا قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) لكن في ظني أن غالب الناس يقصدون بذلك شكر الله على هذه النعمة، ولا سيما إذا كان في شفاء مريض من مرضه, كثير من الناس يمرض له مريض فينذر إن شفى الله مريضه أن يذبح شاة, هذا نقول: لا تأكل منها؛ لأن الظاهر أنه أراد بذلك شكر الله, وإذا كان أراد الشكر فهي صدقة.
ولكن بالمناسبة أقول: إن النذر مكروه نهى عنه النبي ﵊, وقال: (إنه لا يأتي بخير, ولا يرد قضاءً) وكم من إنسان نذر ثم تعب في الوفاء بنذره, والإنسان إذا نذر لله نذراً ثم لم يفِ به فإنه على خطر عظيم, لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:٧٥-٧٧] أعوذ بالله من ذلك، يعني: يُخشى أن الإنسان الذي لا يفِ بنذره أن يعقبه الله نفاقاً في قلبه إلى الممات, فعلى الإخوان المسلمين أن يتركوا النذر, إن الله أراد الشفاء شفاه بدون نذر, وإن أراد الله قدوم الغائب قدم بدون نذر.
السائل: وهل الأكمل -يا شيخ- إذا كان قصد الشكر أن يدعو الفقراء أم لا؟ الشيخ: إما أن يدعو الفقراء، وإما أن يذبحها ويوزعها على الفقراء.
стр. 3274
ما يترتب على إفطار المريض بالسُّكَّر
يتعرض مريض السكر في رمضان للانخفاض مما يوجب عليه الإفطار, فأحياناً يستمر معه هذا الانخفاض أسبوعاً أو أكثر, فهل في حقه القضاء، أم الإطعام؟
مرض السكر كغيره من الأمراض, إذا كان دائماً مستمراً مع الإنسان ولا يستطيع الصوم فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً, كالكبير الذي يعجز عن الصوم, وإن كان في فترات فمتى قدر على الصوم صام, ومتى لم يقدر أفطر في رمضان ثم قضاه بعد ذلك.
стр. 3275
وجوب الإنصات للخطيب
ما حكم الكلام في أثناء المسير إلى صلاة الجمعة والإمام يخطب؟
الكلام والإمام يخطب حرام لا يجوز, سواء كنت في المسجد أو مقبلاً إلى المسجد, إلا إذا كنت تريد أن تصلي عند شخص آخر ومررت بمسجد قد شرع خطيبه في الخطبة فلا يلزمك أن تنصت؛ لأنك لا تقصد هذا المسجد.
ويلزمك الإنصات للخطيب حتى وإن كان الصوت غير واضح, لكن إذا كان غير واضح لا شك أنه أهون, لأنك لو أنصت لا تستفيد شيئاً.
стр. 3276
حكم عدم الاستنزاه من البول
مما عمت به البلوى وفي هذا الزمان هو عدم التنزه عن البول, من الصغير والكبير, ومن الذكر والأنثى, والعالم والجاهل, وخاصة أثناء لبس الشراب في الشتاء, لأن دورة المياه قاسية أرضيتها؛ فلا بد أن يصل شيء من البول إذا لم يتحرز الإنسان, وكثير من الناس يتساهل في هذا الشيء, فما نصيحتكم وفقكم الله؟
لا شك أن التساهل في التطهر عند البول خطأ عظيم؛ لأنه من أسباب عذاب القبر كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان, وما يعذبان في كبير -أي: في أمر يشق عليهما- أما أحدهما فكان لا يستتر من البول, -أي: لا يستنزه ولا يستبرئ منه- وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) ، ويروى عنه ﷺ أنه قال: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) ، ثم إن الرسول ﷺ أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين, فغرز على كل قبر واحدة, قالوا: لم فعلت ذلك؟ قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) .
وقد أخذ بعض العلماء ﵏ من هذا الحديث: أنه ينبغي إذا دفن الميت أن يغرز في قبره جريد من النخل الرطب أو غصن الشجرة أو ما أشبه ذلك, وهذا غلط عظيم, فإن النبي ﷺ لم يكن يضع هذا على كل قبر, إنما وضع هذا على قبرين يعذبان, فهل أنت تعلم أن هذا القبر يعذب حين وضعت هذه الجريدة؟ الجواب لا, إذاً: أنت الآن أسأت الظن بصاحب القبر حيث وضعت عليه الجريدة, يعني: كأنك تقول: هذا القبر يعذب وأنت لا تعلم, وإنما نبهت على ذلك لأن بعض العلماء قال: إنه ينبغي أن يوضع جريدة رطبة على القبر بعد الدفن أو غصن شجرة أو ما أشبه ذلك, وهذا لا شك أنه خطأ وليس من السنة.
ثم إن ما أشار إليه الأخ السائل من وضع المراحيض الآن وأنها صلبة فيقال: المراحيض صلبة لا شك, لكن المراحيض لها مكان خاص يكون فيها البول, وهو الحوض الذي يبول فيه الإنسان, وما كان خارج هذا الحوض فليس بنجس, والحوض إذا استعمل الإنسان الإبريق أو غيره فإنه في مأمن من أن يرش البول على جواربه أو على خفافه, ولا أرى في هذا بأساً.
نعم بعض الناس إذا أراد أن يستنجي يجعل عنده إناء يصب فيه الماء, ثم يغرف بيده من الإناء ويرش على فرجه, هذا هو الذي ربما يترشرش شيء من البول عليه, ولهذا لو استعمل -هذا الذي يضع الإناء- الإبريق لكان أحسن وأقرب إلى النظافة.
стр. 3277
التحذير من الأيمان وبيان كفارتها
بالنسبة لكفارة الأيمان, نريد أن تعلمنا ما مقدارها؟ والإنسان أحياناً يحلف بالله ثم لا يبر بأيمانه, فإذا كنت لا أعلم عددها بالضبط فما يجب عليّ؟
أولاً: يجب أن نعلم أنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الأيمان, فإن الله ذكر الإكثار من الأيمان بصيغة الذم قال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: لا تكثروا الأيمان.
ثانياً: وإذا قدر أنه حلف فليصل يمينه بقوله: إن شاء الله؛ لأنه إذا وصل يمينه بقوله إن شاء الله لم يحنث, حتى لو خالف ما حلف عليه، وهذا أمر سهل, إذا عود الإنسان لسانه قول إن شاء الله عند كل يمين سهل عليه ذلك.
ثالثاً: إذا حلف فالحلف نوعان: حلف لا يقصد وهو الذي يجري على الإنسان بلا قصد, مثل أن يقول: أتذهب معي إلى فلان؟ قال: لا، والله! لست بذاهب اجلس؟ قال: لا، والله! لست بجالس هذا ليس بيمين يؤاخذ به لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩] وأنت لم تعقد في قلبك لكن جرى على لسانك على العادة, هذا لا يضر.
رابعاً: الحلف على الماضي ليس فيه كفارة, لكن إن كان الإنسان صادقاً فهو صادق بار, وإن كان كاذباً فهو آثم, فإذا قلت: والله! ما فعلت كذا فهنا لا كفارة عليك حتى وإن كنت فاعلاً له؛ لأنه على شيء ماضي, الماضي ليس عليه كفارة إطلاقاً, لكن إما أن تكون صادقاً فأنت بار, وإما أن تكون كاذباً فأنت آثم.
فإذا كانت اليمين على مستقبل وقصدت عقدها بنية جازمة ولم تقل فيها إن شاء الله, ثم خالفت ما حلفت عليه فعليك الكفارة.
الكفارة أربعة أصناف: إطعام عشرة مساكين, أو كسوتهم, أو تحرير رقبة, أو صيام ثلاثة أيام, لكن الثلاثة الأولى على التخيير افعل ما تشاء منها, والرابعة وهي الصيام إذا لم تتمكن من الثلاثة الأولى فصم ثلاثة أيام.
إطعام العشرة مساكين له صفتان: الصفة الأولى: أن تصنع طعاماً، غداءً أو عشاءً ثم تدعو عشرة يتغدون أو يتعشون.
الصفة الثانية: أن تعطي العشرة طعاماً رزاً ومعه اللحم, ويكفي العشرة صاعين ونصف من الرز ومعه اللحم.
فإذا كنت حلفت على أيمان متعددة, إن كان المحلوف عليه شيئاً واحداً أجزأتك كفارة واحدة, وإن كان متعدداً فلكل يمين كفارة, مثال ذلك: لو قلت: والله! لا أدخل هذا البيت.
هذا يمين, ثم قابلك إنسان آخر وقال: هيا بنا إلى فلان.
قلت: والله! لا أدخل بيته.
هذا يمين, ثم ثالث وقال لك: هيا بنا إلى فلان.
فقلت: والله! لا أدخل بيته.
هذا أيضاً يمين ثالث, لكن المحلوف عليه شيء واحد، هذا يكفيك كفارة واحدة؛ لأن المحلوف عليه شيء واحد.
أما إذا تعدد المحلوف عليه نظرنا إن كانت اليمين واحدة كفت كفارة واحدة, مثل أن تقول: والله لا أدخل هذا البيت، ولا أكلم فلاناً، ولا أركب هذه السيارة.
المحلوف عليه الآن متعدد لكن الحلف واحد, هذا أيضاً يكفيه كفارة واحدة.
أما إذا تعددت اليمين والمحلوف عليه فعليك لكل واحد كفارة, وإذا شككت هل عليك عشر كفارات أو خمس فاجعلها خمساً؛ لأنه اليقين وما زاد فمشكوك فيه.
стр. 3278
زكاة ما أعد للتجارة
شخص اشترى أرضاً بقصد التجارة, ولكن بقت على ملكه مدة طويلة هل عليها زكاة؟
إذا اشترى الإنسان أرضاً للتجارة فعليه زكاة كل عام, سواء زادت قيمتها أو نقصت، وسواء نفقت أو كسدت، يقومها كل سنة بما تساوي, ثم إن كان لديه مال أخرج زكاتها من المال الذي عنده, وإن لم يكن لديه مال, قيد الزكاة في كل سنة بسنتها وإذا باعها أدى الزكاة لما مضى.
стр. 3279
كيفية صلاة المسافر لفترة طويلة
أنا أعيش في الكويت عندنا بيت في السعودية , وآتي كل سنة مرة تقريباً وأمكث فيه شهرين, فهل أقصر وأجمع, أو أجمع أو أقصر فقط؟ إذا كنت تعتبر الكويت وطناً لك؛ إذاً: أنت مسافر, في مجيئك إلى السعودية فتترخص برخص السفر, لكن ما دمت تسمع النداء يجب عليك أن تصلي في المسجد, ومعلوم أن من صلّى في المسجد فإنه لن يقصر؛ لأن الإمام يتم, ومن صلّى خلف إمام يتم وجب عليه الإتمام, لكن لو فاتتك الصلاة فلك أن تقصر, وأما الجمع فلا حاجة للجمع؛ لأنك مقيم, وكذلك أيضاً لك أن تمسح على الجوربين ثلاثة أيام؛ لأنك مسافر ولو شهر أو شهرين.
стр. 3280
حكم تجويد القرآن
حكم التجويد هل هو واجب؟
التجويد في القرآن ليس بواجب, وإنما هو من باب تحسين الصوت بالقرآن, فإذا أمكن أن تؤدي القرآن بالتجويد بدون تكلف ولا تنطع فهذا خير, وأما أولئك القوم الذين يتكلفون وتجده يكاد ينجرح حلقه إذا أراد أن ينطق بالحاء أو الهاء أو غيرها من الحروف الحلقية فلا شك أن هذا خلاف السنة, لكن المراد بالتجويد المعتدل.
والصواب: أنه ليس بواجب وإنما هو سنة, وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الذين يعتنون بالتجويد ويتكلفونه يكون هذا سبباً لعدم تدبرهم القرآن؛ لأن الإنسان حينئذٍ ليس له هم إلا إصلاح اللفظ فقط, وصدق ﵀, ذكر هذا في الفتاوي وقال: إنه لا ينبغي التكلف في التجويد.
وبعض الإخوة يقولون: قرأنا للإمام الذهبي ﵀ يقول: إن التجويد مضيعة للوقت, لا أدري عن هذا والله! لكن إن صح عنه فمراده أن الإنسان لا ينشغل به كثيراً ويدع الاهتمام بالمعاني.
стр. 3281
توجيه ما نقل عن الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن
ذكر الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة , قولاً للإمام أحمد بن حنبل ﵁ وهو قوله: لا يجوز أن نقول أن القرآن مخلوق, ولا يجوز أن نقول أن القرآن ليس بمخلوق.
فما معنى قول الإمام أحمد؟
الإمام أحمد ﵀ ما قال: (القرآن) المشهور أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.
ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع.
هذا الذي نقل عنه, وقد نقل عنه بلفظ آخر: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن فهو جهمي.
ومراده ﵀: أنك إذا قرأت القرآن فهنا شيء مقروء وهنا قراءة, القراءة هي لفظك وحركة لسانك وشفتيك، هذا مخلوق لا شك, المسموع الذي هو القرآن أو المنطوق به غير مخلوق, هذا التفصيل هو الحق, أما الإطلاق أن تقول: لفظي مخلوق أو غير مخلوق، فهذا لا ينبغي.
والحاصل: أن الإنسان إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق نسأله نقول: هل أنت أردت فعلك الذي هو فعلك من حركة اللسان والشفتين والصوت المسموع فهو مخلوق, أو أردت ما نطقت به وهو القرآن فهذا غير مخلوق.
стр. 3282
جواز الإجازة الاضطرارية لرؤية الوالدين
أنا أعمل موظفاً في منطقة القصيم وأنا من أهالي حائل , وقد أضطر إلى أخذ إجازة اضطرارية لكن لرؤية الوالدين والأهل فقط, والعمل لا يشترط أن أذهب إلا أن آتي بمن يقوم مقامي في العمل، فهل يجوز لي أن آخذ هذه الإجازة يومين في السنة؟
لا بأس؛ لأن هذا عذر شرعي وقصير في السنة مرة.
ورؤية الوالدين مع المدة الطويلة شبه ضرورية.
стр. 3283
حكم ما يفعل ليلة النصف من شعبان
هل هناك سنة مشروعة في ليلة النصف من شعبان, فقد رأينا نشرة مضمنة ببعض الأحاديث في فضل هذه الليلة, قد صحح بعض هذه الأحاديث بعض المحدثين؟
الصحيح أن جميع ما ورد فضل ليلة النصف من شعبان ضعيف لا تقوم به حجة, ومنها أشياء موضوعة, ولم يعرف عن الصحابة أنهم كانوا يعظمونها, ولا أنهم كانوا يخصونها بعمل, ولا يخصون يوم النصف بصيام, وأكثر من كانوا يعظمونها أهل الشام -التابعون ليس الصحابة- والتابعون في الحجاز أنكروا عليهم أيضاً, قالوا: لا يمكن أن نعظم شيئاً بدون دليل صحيح.
فالصواب: أن ليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي، لا تخص بقيام, ولا يوم النصف بصيام, لكن من كان يقوم كل ليلة, فلا نقول: لا تقم ليلة النصف, ومن كان يصوم أيام البيض لا نقول: لا تصم أيام النصف, إنما نقول: لا تخص ليلها بقيام ولا نهارها بصيام.
стр. 3284
حكم من شك في انتقاض وضوئه
إذا ذهب شخص للصلاة ثم شك في نفسه هل انتقض وضوءه أم لم ينتقض، ماذا يعمل؟
إذا كان الإنسان متوضأً وشك هل انتقض وضوءه أم لا فإنه يبقى على وضوئه؛ لأن النبي ﷺ شكي إليه ذلك فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) وهذه -ولله الحمد- راحة للإنسان, حتى لو قوي ظنك بأنك أحدثت لا تلتفت لهذا إلا إذا تيقنت.
لكن لو فرض: إنسان نقض الوضوء, ثم لما أذن وأراد أن يذهب إلى المسجد شك هل هو توضأ بعد نقض الوضوء أم لا؟ يجب عليه أن يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء الحدث حتى يتيقن زواله.
стр. 3285
حكم الولائم الرمضانية
رجل متوفي وقد خصص في رمضان عمل وليمة كصدقة, فما حكمها؟
الصواب أن تقول: متوفى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] ، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢] .
أما إذا قصد بهذا أن يطعم المساكين فلا بأس, أما إذا قصد أن يقيم فرحاً يدعو إليه الجيران والأغنياء فهذا بدعة, وهناك شيء آخر يفعله بعض الناس: وهو أن يذبح ذبيحة كالأضحية، وهذا أشد بدعة من الأول؛ لأن ذبائح الأضاحي إنما تكون في عيد الأضحى فقط, ثم إنه ينبغي لطلبة العلم أن ينشروا بين العامة أن عشاء الوالدين الذي يكون في رمضان ليس هو كل شيء! دعاءك لوالدك في صلاة التراويح أو صلاة التهجد أفضل بكثير من أن تذبح له عشر نوق.
стр. 3286
حكم شراء الكتب المشتملة على صور
في بعض الكتب العلمية بعض الصور, ما حكم بيع هذه الكتب؟
الكتب التي بها صورة تنقسم إلى قسمين: قسم موضوع للصور, مثل ما يسمى الآن بمجلة البردة هذه، هذا فلا يجوز شراؤها ولا اقتناؤها؛ لأنه المقصود بها أولاً وآخراً الصور, وقسم آخر لا يقصد به الصور إنما يقصد به الفائدة لكن قد يشتمل على صورة الذي كتب المقال, فهذا لا بأس من اقتنائها؛ لأن التحرز منها شاق, وكونه يمشي عليها كلها ويطمس الوجوه أيضاً شاق, وبيعها جائز؛ لأنه متى جاز استعمالها جاز بيعها.
أما لو كانت صور نساء فالأمر كما قلت: لك هل تشترى من أجل الصورة؟! حسب القصد.
стр. 3287
ما يعطى مجاناً على السلع
بعض الورش تغير الزيت, فإذا غيرت أربع مرات تعطى منهم تغييراً مجاناً مرة؟
ما فيها بأس, ما دام هذا الذي يقول: (إذا اشتريت مني بنزين) وقدره كذا وكذا أو أخذت مني جوالين زيت قدرها كذا وكذا فأنا أملأ لك مجاناً, هذا لا بأس به, إذا كان هذا الرجل لا يزيد في الثمن, يعني: سعره مثل الناس فلا حرج.
وسأعطيك قاعدة: وهو أنه إذا كان الإنسان إما سالم وإما غانم فلا بأس.
وهذا الرجل إما سالم أم غانم؟ بل إنه غانم يعرف أنه سيغنم في المرة الخامسة: فالزائد يكون مجاناً.
стр. 3288
حكم حج من عليه دين
إنسان عليه دين, وجاء شهر الحج, وأعطيت صاحب الدين القسط, وحجيت وأنا ما فرطت؟
ما هناك بأس, يعني: لا حرج للإنسان أن يحج وعليه دين, إذا كان لم يحل, ولكننا نقول: الحج لا يجب عليك حتى تقضي الدين, تيسيراً من الله أن نقول للإنسان: اقضِ دينك أولاً ثم حج ثانياً, والإنسان لو مات في هذه الحال فإنه لا إثم عليه, والإنسان الذي عليه دين مثل الفقير, عليه زكاة؟ لا, لأنه ليس لديه مال, هذا الرجل الذي عليه الدين أيضاً ما عليه حج؛ لأنه لا يستطيع.
стр. 3289
معنى قوله: (لا تبع ما ليس عندك)
في بعض المحلات التجارية الآن يذهب المشتري لشراء سلعة ما من البائع فيقول له البائع: انتظر قليلاً ويذهب ويأتي بالسلعة من محل آخر, فما حكم هذا؟ وهل يدخل في السلم الحال، أم لا؟
أما إذا تعاقدا فهذا لا يجوز لقول النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك) وأما إذا تواعدا وقال: ائتني بعد العصر مثلاً وهو طلبها منه الصباح على نية أنه سيشتري هذه السلعة ويبيعها عليه بعد العصر, فهذا بلا بأس به؛ لأنه لم يحصل عقد.
والجواب: المهم ألا يكون بينهما عقد قبل أن تحضر السلعة, ووعد كل واحد منهما لم يلزم الآخر, لكن قال: إن شاء الله أحضرها لك في آخر النهار, لو ذهب الرجل طلب الشراء واشترى من آخر, ما قال له الآخر: لماذا تشتري؟ نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعلم الصالح, وأبشروا بالخير فإن: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
стр. 3290
لقاء الباب المفتوح [١١٦]
هذا اللقاء هو آخر لقاء ف يشهر شعبان، لذا كان حديث الشيخ عن مسائل في صيام رمضان حسياً ومعنوياً، وكذا عن قيامه وما يحدث في قيامه من مخالفات الأئمة.
وأجاب عقب ذلك عن أسئلة منها ما يتعلق بما يحدث في رمضان من مسابقات تجارية ورياضية وغير ذلك من الأسئلة.
стр. 3291
كلمات يسيرة في شهر رمضان
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن هذا اللقاء سيكون اللقاء الأخير في شهر شعبان, وهو اللقاء السادس عشر بعد المائة, يتم في يوم الخميس العشرين من شهر شعبان عام (١٤١٦هـ) وبما أن شهر رمضان على الأبواب فإنه يحسن أن نتكلم بكلمات يسيرة عما يتعلق بالشهر المبارك.
стр. 3292
مزايا شهر رمضان
شهر رمضان له مزايا على غيره: منها: أن الله أنزل فيه القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] .
ومنها: أن الله جعل فيه ليلة القدر التي أنزل الله في شأنها سورة كاملة, فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١-٣] وقال فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان:٣] فوصفها الله تعالى بالبركة.
ومنها: أن الله رتب مغفرة الذنوب والآثام لمن صامه إيماناً واحتساباً, فقال النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) .
ومعنى قوله: (إيماناً) أي: إيماناً بفرضيته, وإيماناً بما رتب الله عليه من الأجر, (واحتساباً) لهذا الأجر, أي: أنك تحتسب صومك على الله بأن يثيبك على صيامك, فمن صامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
ومنها: أن من قامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
ومنها: أن من قام ليله إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
ومنها: أنه شهر الجود والكرم, والعفو والإحسان, (كان النبي ﷺ أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) وقد سألت عائشة النبي ﷺ قالت: (أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) .
فينبغي للإنسان أن يغتنم هذه الفرصة في الشهر المبارك, وأن يكثر من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، والصدقة والإحسان إلى الناس بالمعاونة والشفاعة الحسنة, وغير ذلك من أنواع البر والخيرات, لعل الله تعالى أن يعامله بالخير والبركة.
стр. 3293
فرضية صيام رمضان وشروطه
الصيام لا شك أنه مفروض على الأمة الإسلامية, وأنه ركن من أركان الإسلام, وفرضه الله في السنة الثانية من الهجرة, فبقي النبي ﵊ أربع عشرة سنة بعد البعثة ولم يفرض الصيام, حتى تروضت النفوس على الإسلام واطمأنت واستقرت وفرض في السنة الثانية من الهجرة, وكان أول ما فرض: أن الإنسان مخير بين أن يصوم أو أن يطعم عن كل يوم مسكيناً, ولكن الله ندب إلى الصوم فقال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] فصار من شاء صام ومن شاء أفطر, ثم أوجب الله تعالى صومه عيناً فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] .
ولا يجب صوم رمضان إلا على كل مسلم, بالغ, عاقل, قادر, مقيم, خال من الموانع, يعني: بستة شروط, فالكافر لا نلزمه بالصوم, ولا نقل: صم، لو وجدنا كافراً يأكل ويشرب في بيته في نهار رمضان لا نقول: أمسك, لأنه ليس من أهل الصيام, بل لو صام وهو لم يسلم لم يقبل الله منه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] فهو لا يؤمر بالصوم ولو صام لا يصح منه, ولا يؤدب على الفطر, لكنه يمنع من إظهار الفطر بين المسلمين.
والصغير لا يجب عليه الصوم, لكن قال العلماء: يجب على وليه أن يأمره بالصوم إذا أطاقه, ليعتاده ويتمرن عليه, ويستقبله بنشاط وعزم إذا بلغ.
والمجنون لا يجب عليه الصوم؛ لأنه ليس أهلاً للتكليف, قد رفع عنه القلم, ولا يجب على المجنون شيء من العبادات إلا الزكاة, فإن الزكاة تجب في مال المجنون؛ لأن الزكاة حق المال.
والعاجز لا يلزمه الصوم, لكن إن كان عجزاً مستمراً لا يرجى زواله، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً, كالعجز من أجل الكبر، أو من أجل مرض لا يرجى برؤه, فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمه الصوم, والعجز الذي يرجى زواله كالمريض مرضاً طارئاً يرجى برؤه نقول له: انتظر حتى يزول المرض ثم صم لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
والمسافر لا يلزمه الصوم, له أن يأكل ويشرب سواء كان في البر لم يصل إلى المدينة التي قصدها أو كان في نفس المدينة, ولو كان يقيم أو يريد الإقامة الشهر كله, فإنه مسافر فله أن يأكل ويشرب لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولا فرق بين أن يكون سفره لطاعة, كالذي يسافر لعمرة مثلاً، أو لصلة رحم، أو لعيادة مريض، أو لغير طاعة كما لو سافر ليتجر, وأما السفر المحرم فهذا محل خلاف بين العلماء فمنهم من يقول: إن المسافر سفراً محرماً يترخص برخص السفر, ومنهم من يقول: إنه لا يترخص.
وكما قلنا: لا فرق بين أن يكون المسافر يمشي في البر أو مقيماً في بلد قصد إليها, ما دام عزمه أن يعود إلى بلده, فإنه لا زال مسافراً.
من به موانع لا يلزمه الصوم, وهذا إنما يكون للمرأة الحائض والنفساء, فإنه لا صيام عليهما، ولو صامتا لم يصح الصوم منهما, ولكن عليهما القضاء, هذه هي الشروط التي تشترط لوجوب الصوم وهي ستة: ١- الإسلام.
٢- البلوغ.
٣- العقل.
٤- القدرة.
٥- الإقامة.
٦- الخلو من الموانع.
стр. 3294
صيام الجوارح وأهميته
أما الذي يجب عنه الصوم, فلعلكم تستغربون إذا قلت: إن الذي يجب عنه الصوم هو: المعاصي, يجب أن يصوم الإنسان عن المعاصي, لأن هذا هو المقصود الأول في الصوم لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يقل: لعلكم تجوعون! أو لعلكم تعطشون! أو لعلكم تمسكون عن الأهل! لا قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) , هذا هو المقصود الأول من الصوم, وحقق النبي ﷺ ذلك وأكده بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إذاً أن يصوم الإنسان عن معاصي الله , هذا هو الصوم الحقيقي.
أما الصوم الظاهري فهو الصيام عن المفطرات, الإمساك عن المفطرات تعبداً لله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] هذا صوم نسميه الصوم الظاهري صوم البدن فقط, أما صوم القلب الذي هو المقصود الأول، فهو الصوم عن معاصي الله .
وعلى هذا: فمن صام صوماً ظاهرياً جسدياً، ولكنه لم يصم صوماً قلبياً فإن صومه ناقص جداً جداً, لا نقول: إنه باطل لكن نقول: إنه ناقص, كما نقول في الصلاة, المقصود من الصلاة الخشوع والتذلل لله , وصلاة القلب قبل صلاة الجوارح, لكن لو أن الإنسان صلّى بجوارحه ولم يصلِ بقلبه، كأن يكون قلبه في كل وادٍ فصلاته ناقصة جداً, لكنها مجزئة حسب الرسم الظاهر مجزئة لكنها ناقصة جداً, كذلك الصوم ناقص جداً إذا لم يصم الإنسان عن معصية الله, لكنه مجزئ حسب الرسم الظاهري؛ لأن العبادات في الدنيا إنما تكون على الظاهر.
فنقول: إذا تناول الإنسان شيئاً من المفطرات، ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن صومه يكون فاسداً وعليه القضاء, وأعظم المفطرات هو الجماع, فمن جامع زوجته في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم فسد صومه، ولزمه إمساك بقية اليوم، ولزمه القضاء, ولزمته الكفارة, ولزمه الإثم, يعني: يترتب على جماعه في نهار رمضان إذا كان ممن يجب عليه الصوم خمسة أشياء: الإثم, فساد الصوم, لزوم الإمساك, القضاء, الكفارة, هذا إذا كان ممن يجب عليه الصوم, أما إذا كان ممن لا يجب عليه الصوم كمسافر سافر مع أهله، وصام هو وأهله ولكنه بدا له أن يتمتع بأهله، فجامع فلا شيء عليه, إلا القضاء فقط, يعني: لا يترتب عليه لا إثم ولا إمساك ولا كفارة, ليس عليه إلا القضاء, لأنه لما جامع فسد صومه لكن أفسده بشيء مباح, إذ أن المسافر يجوز له أن يفطر ولو في أثناء النهار ولو بدون سبب, وعليه القضاء.
ثم الكفارة: وهي عتق رقبة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً, ولا فرق بين أن يقول: أنا والله لاس أعلم أن عليّ كفارة, لو علمت أن عليّ كفارة ما جامعت, أو أن يقول: أنا أعلم أن عليّ كفارة ولكنه عجز عن إمساك نفسه, فعلى كل حال الكفارة واجبة, إذا علم الإنسان أن الجماع حرام فالكفارة عليه واجبة بكل حال, دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله هلكت -وفي رواية: هلكت وأهلكت- فقال: ما الذي أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم, فسأله النبي ﵊ عن خصال الكفارة, أعتق رقبة, قال: لا أجد, قال: صم شهرين متتابعين, قال: لا أستطيع, قال: أطعم ستين مسكيناً, قال: لا أجد, كل خصال الكفارة لا يجدها ولا يستطيعها, فجلس الرجل فجيء بتمر إلى رسول الله ﷺ قال: خذ هذا وتصدق به, قال: أعلى أفقر مني؟ والله يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني, فضحك النبي ﷺ , حتى بدت نواجذه ثم قال: أطعمه أهلك) , ولم يقل له: إذا أغناك الله فكفر, فدل هذا على أن الكفارة تسقط في العجز عنه, وهذا هو مقتضى عموم قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وعموم قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
стр. 3295
رفع الخطأ والنسيان عن الأمة
ثم اعلم: أن من رحمة الله أن الله رفع عن هذه الأمة حكم الخطأ والنسيان.
بمعنى: أن الإنسان لو أخطأ وأكل وشرب وهو صائم فلا شيء عليه, فلو أن الإنسان أكل وشرب يظن أن الفجر لم يطلع, ثم تبين أنه قد طلع, مثل أن سمع تكبيراً فظنه الأذان الأول فأكل وشرب, فإذا هي إقامة الصلاة, نقول له: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تتعمد الإثم وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
ولو ظن أن الشمس قد غربت فأكل وشرب, فإذا بها لم تغرب, وهذا يقع كثيراً في أيام الشتاء تكون السماء ملبدة بالغيوم, فيظن الناس أن الشمس قد غربت, فأكل أو شرب, ثم طلعت الشمس لا شيء عليه؛ لأن هذا الرجل لم يتعمد الإثم ولم يتعمد الأكل في النهار, وقد الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ونحن متعبدون لله , قال لنا: العبادة فاسدة، قلنا: سمعاً وطاعة نعيدها, قال: العبادة صحيحة قلنا: الحمد لله, فلسنا نحكم على الله بشرعه, وإنما الله هو الحاكم علينا, فإذا كان يقول لنا بكلامه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] أنقول: لا، لا نقبل؟! خطأ, نقول: الحمد لله على نعمه, وعلى عافيته ليس علينا شيء.
بل إن الرسول ﷺ طبق هذا تماماً، ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ , ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء.
ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به, لأن عليه بلاغ الشريعة, ولو أخبرهم به لنقل إلينا, لأن حفظ الشريعة مما تكفل الله به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالله حافظ لذكره وشرعه.
إذاً نقول: لا شيء على الإنسان إذا وهم فأكل قبل أن تغرب الشمس, وهذا أيضاً يقع كثيراً حتى في غير أيام الشتاء, أحياناً يسمع الإنسان في المذياع أذاناً يظن أنه أذان بلده فيفطر, فإذا بالشمس لم تغرب نقول: لا شيء عليك, لأنك لم تتعمد الإثم, وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
بهذه النصوص يتبين بطلان جميع الأقيسة التي تقتضي خلاف النص, فلو قال قائل: الإمساك بالصوم شرط والشرط لا يسقط بالجهل ولا بالنسيان, قلنا له: من قال هذا؟ هذا كلام الله وكلام رسوله وسنته.
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه -أي: ما نقص صومه- فإنما أطعمه الله وسقاه) نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بالصيام.
следующие страницы →