Полный текст (6 569 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
أقسام الحج وترتيبها على الأفضلية
ذكرتُم أن الحج على ثلاثة أقسام، وذكرتم الإفراد، هل هناك خلاف بين العلماء في الإفراد؟
بعض العلماء يقول: إن التمتع واجب، ولا يجوز القران إلا مع سوق الهدي، ولا يجوز الإفراد إلا مع سوق الهدي؛ ولكن هذا القول ضعيف.
والصواب: أن الأنساك الثلاثة كلها جائزة، ولكنها تختلف في الأفضيلة فالتمتع أفضل، والقران أفضل لمن ساق الهدي، والإفراد هو آخرها.
стр. 3467
حكم الفدية على القارن
هل الفدية واجبة على القارن أم لا؟
بارك الله فيك لا تسمِّها فدية، سمِّها هدياً، وهو واجب على المتمتع بنص القرآن: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] .
أما القران فأكثر العلماء -جمهور العلماء- على أنه يجب فيه الهدي كما يجب في التمتع، وهذا القول أحوط وأولى، وإذا كان الإنسان لا يجد فالأمر واسع والحمد لله، يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
أما المفرد فلا هدي عليه، لماذا؟ لأن المتمتع والقارن حصلا على نسكين في سفر واحد، والمفرد لم يحصل على نسكين، ولهذا تعد العمرة التي بعد الحج للمفرد غير مشروعة وإن كان بعض العلماء ﵏ يقول: إنها مشروعة، لقصة عائشة ﵂؛ لكن الدليل صحيح والاستدلال غير صحيح، بمعنى: أن الحديث صحيح؛ لكن الاستدلال غير صحيح، لم يفعل أحد من الصحابة عمرة بعد الحج إلا عائشة لسبب وهي أنها كانت متمتعة ثم حاضت قبل أن تطوف، فقرنت ثم لم تطِب نفسها إلا أن تأتي بعمرة مستقلة كما فعلت صاحباتها، فأذن لها النبي ﷺ أن تفعل ولم يشرع لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الذي كان معها أن يأتي بعمرة، مما يدل على أن العمرة بعد الحج ليست معروفة عند الصحابة إطلاقاً.
стр. 3468
الإحرام من المطار
بالنسبة للإحرام، نرى كثيراً من بلدان إفريقيا يحرمون في المطار قبل المغادرة وإذا وصلوا مكة هل عليهم شيء؟ لأن الطائرات في بلداننا لا يعرفون شيئاً عن الميقات، فلذلك يرسلونها ولا يخبرونهم بشيء، فهم يحرمون في المطار في بلدانهم قبل المغادرة!
نعم.
هؤلاء الذين يأتون بالطائرة من بلادهم ولا يقوم أهل الطائرة بتبليغهم نقول: لا بأس أن تحرموا من المطار.
стр. 3469
حكم العمرة عن الغير والتفصيل فيها
هل تجوز العمرة من الحي عن الرجل الحي أو الميت؟
العمرة والحج عن الحي إن كان فريضة والحي لا يستطيع أن يأتي بنفسه إلى مكة فلا بأس؛ لحديث ابن عباس: (أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عبادهِ في الحج أدْرَكَت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم) .
وأما إذا كان نفلاً فإن كان عاجزاً أي: من حججت عنه فالظاهر إن شاء الله أنها تنفعه، وإن كان قادراً ففيها خلاف بين العلماء: فمن العلماء من يقول: لا يصح أن يحج عن القادر لا فريضة ولا نفلاً؛ لأن الفريضة يُلْزم الإنسان أن يحج بنفسه والنفل لا ينفع أن تقول لشخص: اعبد الله عني، لا يصلح، وهذا عندي أقرب من القول بالجواز؛ لكن عمل الناس الآن أن الإنسان يحج عن غيره ولو كان الغير قادراً في النافلة، نعم.
стр. 3470
حكم من أتاها الحيض قبل طواف الإفاضة
فضيلة الشيخ! امرأة جاءها العذر قبل طواف الإفاضة ومعها الرفقة، ومضطرة أن تسافر مع رفقتها، فكيف تفعل؟
هذه بارك الله فيك إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، فإن كان يمكن أن يبقى رفقتها حتى تطهُر وتطوف فهذا هو المطلوب؛ لأن النبي ﷺ لما أخبر أن صفية قد حاضت قال: (أحابِسَتُنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلتنفر) .
وإذا كان لا يمكن كما هو الحال في وقتنا هذا: نظَرْنا: إن كانت في المملكة فلتذهب معهم وتبقى على التحلل الأول حتى تطهُر، فإذا طهُرت رجعت؛ لأن الأمر ممكن.
وإذا كان لا يمكن أن ترجع مثل أن تكون من المقيمين في المملكة ولا يمكنها أن ترجع إلا بتعب ومشقة أو من الوافدين ولن يمكن أن ترجع -أيضاً- فهذه تلبس حفاظة على فرجها لئلا يسيل الدم على البيت -على المسجد الحرام- ثم تطوف للضرورة، ويصح طوافها، هذا أصح الأقوال في هذه المسألة للضرورة.
стр. 3471
حكم تناول العقاقير المانعة للحيض
فضيلة الشيخ! هناك بعض العقاقير لمنع الحيض، هل يجوز للمرأة أن تأخذها؟
نعم.
يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع الحيض في موسم الحج إذا كانت تريد أن تحج؛ لأن هذا إما حاجة أو ضرورة؛ لكننا لا نشير عليها أن تأخذ شيئاً من ذلك إلا بعد مراجعة الطبيب؛ لأنه قد يكون بدنُها لا يتحمل، أو ربما تأخذ حبوباً قوية تؤثر على رحمها وعلى مستقبل أمرها، فإذا استشارت الطبيب وقال: لا بأس، فإننا نأذن لها أن تأخذ هذه العقاقير من أجل منع الحيض؛ لأنها في حاجة لذلك.
стр. 3472
الأضحية للحاج
ما حكم الأضحية للحاج؟
نعم، الأضحية للحاج إن كان يريد أن يضحي في أهله بمعنى: أنه حج وأهله مقيمون في بلده وأراد أن يعطيهم دراهم يشترون بها أضحية يضحون بها، فهذا لا بأس به، وأما إذا كان يريد أن يضحي في منى فإنه لا يضحي في منى، ليس في الحج إلا الهدي، وأما حديث: (أن النبي ﷺ ضحى عن أزواجه بالبقر) فالمراد (ضحى) أي: ذبحها في الضحى، ذبحها عنهم في الضحى فأهدى لهم بقراً؛ لكن ذبحها في الضحى فأُطلق عليها أنها أضحية، وكل أضحية أطلقت في الحج فالمقصود بها الهدي.
стр. 3473
حكم استخدام الرداء كوسادة أو فراش
إن كان المعتمر هو يطوف ويكمل الطواف وبعدها يريد أن يذهب إلى الصفا والمروة ولكن في هذه الأثناء تعب جداً وأراد الاستراحة، بسبب البرد أو بسبب عادته هو لا يستطيع الاستراحة بلا إحرام، فيضع الإحرام تحت رأسه أو يستفيد منه كمثل السرير، هل عليه دم أم لا؟
أولاً: بارك الله فيك يجب أن نعلم جميعاً أنه لا تشترط الموالاة بين الطواف والسعي، بمعنى: أنه يجوز للإنسان أن يطوف ثم يستريح ثم يسعى، أو يطوف في أول النهار ويسعى في آخر النهار ما فيه مانع، هذه واحدة.
ثانياً: لا حرج أن الإنسان يضع رداءه وسادة له يتوسده، أو فراشاً، ليس فيه بأس.
стр. 3474
التفصيل في الحديث عن المبتدع
فضيلة الشيخ! إذا وقع الرجل في بدعة قد تكون خطيرة فناقشتُه فهل يلزمني ذكر محاسنِه، أو يجب عليَّ بيان تلك البدعة أو الخطأ فقط، أو يلزمني شيء آخر كذكر محاسنه؟ أثابكم الله.
هذا فيه تفصيل: أما من أراد أن يقوم الرجل ويذكُر حياته، فالواجب أن يذكر حسناته وسيئاته.
وأما من أراد النصح والتحذير من بدعته وخطره فلا يذكر الحسنات؛ لأنه إذا ذكر الحسنات فهذا يرغِّب الناس بالاتصال به.
فالمسألة فيها تفصيل، فمثلاً إذا إنسان ابتدع بدعة وأردنا أن نتكلم نحذر من البدعة فإنا نذكره ولا بأس، وإن كان قد يكون من المصلحة ألا يُذكر باسمه.
وأما إذا كنا نريد أن نتكلم عن حياته فالواجب أن يُذكر ما له وما عليه.
فالمسألة فيها تفصيل.
الرسول ﵊ ذكر أسماء معينة بأشخاصهم في مقام النصح كما في حديث فاطمة بنت قيس أنه خطبها أبو جهم ومعاوية وأسامة بن زيد فذكر النبي ﷺ عن أبي جهم وعن معاوية ما يقتضي ألا تتزوجهما وقال: (انكحي أسامة) ، ولم يذكر محاسنهما مع أن محاسنهما لا شك أنها كثيرة؛ لكنه سكت عن ذلك؛ لأن المقام يقتضي هذا، وأما الإنسان إذا كتب عن حياة شخص فيجب أن يقول العدل، ما له وما عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 3475
لقاء الباب المفتوح [١٢٢]
في هذا اللقاء حث الشيخ الناس على طاعة الله ، حيث أن الله قد جعل لنا أعمالاً تكون مكفرات لذنوبنا، ومن أعظم هذه الأعمال الحج الذي يكون صاحبه نقياً من الذنوب كيوم ولدته أمه إذا كان حجه مبروراً، وفي هذا اللقاء فسر الشيخ بعض الآيات من سورة الانشقاق وسورة المطففين وشرحهما شرحاً موجزاً.
стр. 3476
الحث على المحافظة على طاعة الله
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني والعشرون بعد المائة من اللقاءات التي يعبر عنها بـ (لقاء الباب المفتوح) والتي تتم كل يوم خميس من كل أسبوع.
وهذا هو الخميس الحادي والعشرون من شهر ذي الحجة، عام (١٤١٦هـ) ، نتحدث فيه عما منَّ الله به على الحجاج في هذا العام من الصحة والأمن، والاستقرار، والنظافة في جميع المشاعر، حتى أدى المسلمون نُسُكهم -ولله الحمد- على أتم وجه، ولكن لا يخلو مثل هذه التجمعات الكبيرة من بعض النواقص ولا سيما ممن ليس عندهم علم بالشريعة ومقاصدها ومواردها، عامةُ الحجاج جهالٌ عوامٌ لا يعرفون إلا أنهم أدوا النسك؛ وأنهم حجوا وأنهم اعتمروا، لا يشعرون بأن هذه عبادة عظيمة يتلبَّس بها الإنسان من حين الإحرام إلى أن يتحلل، ولذلك تجدهم في عنف عند التلاقي بإخوانهم في المشاعر، وفي الطواف، وفي السعي، وفي رمي الجمرات، وتجد كثيراً منهم لا يقبل النصح؛ لأنه إنما جاء ليؤدي أفعالاً فقط دون أن يُشعر قلبه بأنه في عبادة، وهذا أمر يجب على إخواننا المسلمين كلهم أن يشعروا بأنهم في عبادة من حين الإحرام إلى أن يتحللوا وينتهي نسكهم.
ثم إن النبي ﷺ أخبر بأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأخبر بأنه: (من حج، ولم يرفث، ولم يفسق رجع -يعني من ذنوبه- كيوم ولدته أمه) وهذا يؤدي إلى أن يكون المسلم بعد فراغه من الحج خيراً منه قبل فعل الحج؛ لأنه عاد نقياً من الذنوب، فلا ينبغي أن يلطِّخ صفحات أعماله بالذنوب بعد أن طهَّره الله تعالى منها، وذلك بالمحافظة على طاعة الله : وأعظمُها وأشدُّها: الصلاة، فإنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، ولا يُمكن أن يكون دين إلا بِها، ولهذا كان أصح الأقوال من أقوال أهل العلم أن تاركها كسلاً، أو تهاوناً كافر كفراً مُخرجاً عن الملة -والعياذ بالله-.
المحافظة كذلك على أداء الزكاة إلى مستحقيها الذين بيَّنهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] .
وكذلك الصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والضيافة، وغير ذلك من شرائع الدين، وشعائره.
نسأل الله لنا ولكم الاستقامة والثبات.
стр. 3477
تفسير آيات من سورة الانشقاق
стр. 3478
تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)
يقول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧-٨] :- لما ذكر أن العبد، بل الإنسان -كل الإنسان- كادح إلى ربه (كادح) أي: عامل بجد ونشاط (إلى ربه) أي: أن عمله هذا ينتهي إلى الله ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣] لما ذكر هذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق:٧] إشارة إلى أن هؤلاء العاملين منهم من يؤتى كتابَه بيمينه، ومنهم من يؤتى كتابَه من وراء ظهره.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ : و (أوتي) هنا: فعل مبني لما لم يسم فاعله، فما الذي يؤتيه؟ يحتمل من الملائكة أو غير ذلك لا نعلم، المهم أنه يُعطى كتابه بيمينه يستلمه باليمنى.
стр. 3479
تفسير قوله تعالى: (فسوف يحاسب حساباً يسيراً)
قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨] أي: يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه لكنه حساب يسير ليس فيه أي عسر كما جاءت بذلك السنة: (يدنو رب العزة من عبده فيقرره بذنوبه، فيقول: عملتَ كذا، عملتَ كذا، عملتَ كذا، ويقر بذلك ولا ينكر، فيقول الله تعالى: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) ولا شك أن هذا حساب يسير يظهر فيه منةُ الله على العبد وفرحُه بذلك واستبشارُه.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ : والمحاسب له هو: الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥] * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦] .
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ .
стр. 3480
تفسير قوله تعالى: (وينقلب إلى أهله مسروراً)
قال تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [الانشقاق:٩] :- ينقلب من الحساب إلى أهله في الجنة مسروراً -أي: مسرور القلب- وقد أخبر النبي ﵊ أن: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر) ثم هم بعد ذلك درجات، وهذا يدل على سرور القلب؛ لأن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه.
стр. 3481
تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق:١٠-١٢] :- هؤلاء هم الأشقياء -والعياذ بالله- يؤتَى كتابَه وراء ظهره وليس عن يمينه، وفي الآية الأخرى في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] فقيل: إن من لا يؤتى كتابَه بيمينه ينقسم إلى قسمين: ١/ منهم من يؤتى كتابه بالشمال.
٢/ ومنهم من يؤتى كتابه وراء ظهره.
والأقرب والله أعلم: أنه يؤتى كتابه بالشمال، ولكن يده تُعْكَس حتى تكون من وراء ظهره إشارة إلى أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره، فيكون الأخذ بالشمال، ثم تلوى يده إلى الخلف، إشارة إلى أنه قد ولى ظهره كتابَ الله ، ولم يبالِ به، ولم يرفع به رأساً، ولم يرَ بمخالفته بأساً.
стр. 3482
تفسير قوله تعالى: (فسوف يدعو ثبوراً * ويصلى سعيراً)
قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ [الانشقاق:١١] يدعو على ويله، أي: يدعو على نفسه بالثبور، يقول: واثبوراه! يا ويلاه! وما أشبه ذلك من كلمات الندم والحسرة؛ ولكن هذا لا ينفع في ذلك اليوم؛ لأنه انتهى وقت العمل، فوقت العمل هو في الدنيا أما في الآخرة فلا عمل، وإنما هو الجزاء.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق:١١-١٢] أي: يصلى النار التي تسعَّر به -والعياذ بالله- ويكون مخلداً فيها أبداً؛ لأنه كافر.
стр. 3483
تفسير قوله تعالى: (إنه كان في أهله مسروراً)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [الانشقاق:١٣] :-إنه كان في الدنيا في أهله مسروراً؛ ولكن هذا السرور أعقبه الندم والحزن الدائم المستمر، وارْبُطْ بين قوله تعالى فيمن أوتي كتابه بيمينه: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ وهذا -والعياذ بالله- ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ تجد الفرق بين السرورين: فالسرور الأول: سرور دائم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
والسرور الثاني: سرور زائل، قد ذَهَبَ، ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أما الآن فلا سرور عنده.
стр. 3484
تفسير قوله تعالى: (إنه ظن أن لن يحور)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٤] :- أي: لن يرجع بعد الموت، ولهذا كانوا ينكرون البعث ويقولون: لا بعث، ويقول: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] .
стр. 3485
تفسير قوله تعالى: (بلى إن ربه كان به بصيراً)
قال تعالى: ﴿بَلَى﴾ [الانشقاق:١٥] : أي: سيحور ويرجع، ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ [الانشقاق:١٥] :- أي: إنه سيرجع إلى الله الذي هو بصير بأعماله، وسوف يحاسبه عليها على ما تقتضيه حكمته وعدله.
стр. 3486
تفسير آيات من سورة المطففين
стр. 3487
تفسير قوله تعالى: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)
لما ذكر الله أنه لا يكذِّب بيوم الدين إلا كلُّ معتد أثيم، بيَّن حال هذا الرجل إذا دُعِي إلى الحق وإلى التصديق بخبر الله أنه لا يَقْبَل ذلك.
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:١٣] :- أي: أن هذه الأساطير ليست إلا لإشغال المجالس والتلهي بها فقط، وذلك لأنه -والعياذ بالله- لم يكن مؤمناً، فلا يصل نور آيات الله إلى قلبه، ويراها مثل أساطير الأولين التي يتكلم بها العجائز والشيوخ، وليس لها أي حقيقة وليس فيها أي جِد.
стр. 3488
تفسير قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)
قال الله : ﴿كَلَّا﴾ [المطففين:١٤] : أي: ليست أساطير الأولين.
ولكن هؤلاء ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ : أي: اجتمع عليها وحجبها عن الحق.
﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ : أي: من الأعمال السيئات؛ لأن الأعمال السيئات تحول بين المرء وبين الهدى، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] فمن اهتدى بهدى الله، واتبع ما أمر الله به، وترك ما نَهى الله عنه، وصدَّق بما أخبر الله به وفاءً منه، وذلك فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أن قلبه يستنير، وأنه يرى الحق حقاً، ويرى الباطل باطلاً، ويعظِّم آيات الله ، ويرى أنها فوق كل كلام، وأن هدي محمد ﷺ فوق كل هدي، هذا من أنار الله قلبه بالإيمان، أما -والعياذ بالله- من تلطخ قلبه بأرجاس المعاصي وأنجاسها فإنه لا يرى هذه الآيات حقاً بل لا يراها إلا أساطير الأولين كما في هذه الآية.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، وفي (بَلْ) سكتة لطيفة عند بعض القراء، وعند آخرين لا سكتة، فيجوز على هذا أن تقول: ﴿كَلَّا بَلْ﴾ ، ويجوز أن تقول: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وهذه لا تغير المعنى، أي: سواء سكت أم لم تسكت فالمعنى لا يتغير.
стр. 3489
تفسير قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] :- أي: حقاً إنهم عن ربهم لمحجوبون، وذلك في يوم القيامة، فإنهم يُحجَبون عن رؤية الله ، كما حُجِبوا عن رؤية شريعته وآياته، فرأوا أنها أساطير الأولين، وبهذه الآية استدل أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله ، ووجه الدلالة ظاهر، فإنه لما حَجَب هؤلاء في حال السخط إلا وقد مكَّن للأبرار من رؤيته تعالى في حال الرضا، فإذا كان هؤلاء المحجوبون فإن الأبرار غير محجوبين، ولو كان الحجب لكل منهم لم يكن لتخصيصه بالفجار فائدة إطلاقاً، ورؤية الله ثابتة في الكتاب، ومتواترة في السنة، وإجماع الصحابة والأئمة، لا إشكال في هذا أنه تعالى يُرَى حقاً بالعين كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، وقد فسر النبي ﷺ الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله تعالى، وكما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] والمزيد هنا هو بمعنى: الزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، وكما قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فإن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية، ولهذا كانت هذه الآية مما استدل به السلف على رؤية الله، واستدل به الخلف على عدم رؤية الله، ولا شك أن الآية دليل عليهم بأن الله لم ينفِ بها الرؤية، وإنما نفى الإدراك، ونفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية.
فالحاصل: أن القرآن دل على ثبوت رؤية الله حقاً بالعين، وكذلك جاءت السنة بذلك صريحة، حيث قال النبي ﵊: (إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب) ، (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضامون في رؤيته) وقد آمن بذلك الصحابة ﵃، والتابعون لهم بإحسان من سلف هذه الأمة وأئمتها، وأنْكَر ذلك من حُجِبَت عقولهم وقلوبهم عن الحق فقالوا: إن الله لا يمكن أن يُرَى بالعين، وأن المراد بالرؤية في الآيات هي رؤية القلب، أي: اليقين، ولا شك أن هذا قول باطل مخالف للقرآن والسنة وإجماع السلف، ثم إن اليقين ثابت لغيرهم -أيضاً- حتى الفجار يوم القيامة سوف يرون ما وعدوا به حقاً ويتيقنونه.
وليس هذا موضع الإطالة في إثبات رؤية الله ، والمناقشة في أدلة الفريقين؛ لأن الأمر ولله الحمد من الوضوح أوضح من أن يطال الكلامُ فيه.
стр. 3490
تفسير قوله تعالى: (ثم إنهم لصالوا الجحيم)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٦] :- إن هؤلاء الفجار لصالو الجحيم أي: يصلونها؛ يصلون حرارتها وعذابها، نسأل الله العافية.
﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ [المطففين:١٧] تقريعاً لهم وتوبيخاً: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين:١٧] :- فيجتمع عليهم العذاب البدني والألم البدني بصَلْي النار، وكذلك العذاب القلبي بالتوبيخ والتنديم حيث ﴿يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين:١٧] ولهذا يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧] قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] .
стр. 3491
الأسئلة
стр. 3492
أقسام الأحكام الشرعية
بعض العلماء عند مناقشته لبعض المسائل الفقهية بعض الأحيان يشترطون أن يكون في المسألة دليل مباشر وإلا لم يقولوا بها، وبعض الأحيان يقولون بالمسألة ويستدلون لها بالأدلة العامة من الشريعة.
فما هو الفرق بينهما؟
الفرق بينهما: أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: قسم نص عليه الشارع بعينه: مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخره، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] يعني: من النساء، والأمثلة على هذا كثيرة.
وقسم آخر لا ينص عليه بعينه ولكن يذكره في القواعد العامة من الشريعة والأدلة العامة من الشريعة، وذلك لأن الشريعة شاملة عامة لكل شيء، ولا يمكن أن يُنَصَّ على كل مسألة بعينها؛ لأن هذا يستدعي أسفاراً كثيرة لا تحملها الجمال ولا السيارات؛ ولكن هناك قواعد عامة يُنْعِم الله على من يشاء من عباده فيستطيعون أن يُلْحِقوا الجزئيات بأحكام هذه القواعد العامة، مثل: (لا ضرر ولا ضرار) مثلاً، هذا حديث وإن كان في صحته نظر لكن قواعد الشريعة تشهد له، فيمكن أن تدخل في هذا آلاف المسائل التي فيها الضرر، وآلاف المسائل التي فيها المضارة دون أن يُنَصَّ عليه، فمثلاً: في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان بين رجلين خصومة، وكان أحدهما له أرضان، وبينهما أرض الآخر، فأراد صاحب الأرضَين أن يجري الماء على أرض الآخر إلى أرضه الأخرى، فأبى صاحب الأرض وقال: [لا يمكن أن تجري الماء على أرضي] ، فرُفِع الأمرُ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فأمر أن يُجْرَى الماء على أرضه قهراً عليه وقال: [لأجرينه ولو على بطنك، أو قال: على ظهرك] ؛ لأن هذا الجار الذي أبى أن يمر الماء من أرضه إنما أراد المضارة بصاحبه، وإلا فالمصلحة له، يعني: يتمكن من أن يغرس على هذا الماء الذي يجري، أو يزرع عليه فهو مصلحة للطرفين.
стр. 3493
الهيئة التي يستلم بها المرء كتابه وراء ظهره
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠] بعض الناس يقول: تُخْرَج يده من صدره إلى ظهره.
فهل لهذا وجه؟
هذا الذي ذُكِر ليس فيه دليل، ويمكن أن يُعْطَى الكتاب من وراء ظهره بدون أن تخرق صدره، يمكن أن تلوى من الخلف ويحصل بهذا.
стр. 3494
صلاة النبي ﷺ على صاحب الدين
فضيلة الشيخ! كان الرسول ﵊ لا يصلي على المديون الذي عليه الدين؛ ولكن ذكر لي أحد الإخوة أنه في آخر عمره صلى على المديون.
فهل هذا صحيح؟
هذا صحيح؛ لأنه كان في الأول ﵊ قليل ذات اليد، ولا يفتدي مَن عنده الأموال، لكن لما كَثُرَت الأموال التي أشار الله إليها بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح:٢٠] لما كثرت الأموال عنده صار إذا قُدِّم عليه الميت وعليه دَين التزم هو ﷺ بالقضاء وصلى عليه، فيؤخذ من هذا أن الميت إذا خلَّف رهناً يكفي دينَه أو ضَمِنَه ضامن فإنه لا أثر لهذا الدين في ذمته، ومن ذلك ما هو الآن شائع كثيراً في مجتمعنا من الدين الذي يثبت على الإنسان من صندوق التنمية العقارية وهو مؤجل لسنوات عدة، فهؤلاء إذا ماتوا وقد أدوا ما حل في حياتهم فليس عليهم تَبِعَة لما بقي من الدين؛ لأن هذا الدَّين فيه رهن، وهذا الرهن يكفي لأداء ما بقي من الدين.
стр. 3495
أقسام موالاة الكافرين
فضيلة الشيخ! البعض يقول في كتاب منتشر مؤخراً: إن الموالاة لحزب الشيطان بالاختيار دون الإكراه، ومهما كانت الدوافع، تخرج المسلم من حزب الله بالكلية، وأن كل صور الموالاة العملية مخرجة من الملة؛ لأنها مرتبطة بالقلب.
بارك الله فيك! هل من تفصيل؟
هذا لأن الموالاة أقسام، الموالاة التي هي المناصرة بحيث يناصر الكفار على ما كانوا عليه فهذا مخرج عن الملة، وأما الموالاة التي تكون بسبب الأحلاف والأيمان فلا بأس بها فإن النبي ﷺ عقد الحلف بينه وبين خزاعة، ولما اعتدت قريش على خزاعة جاء النبي ﵊ -هذا نقضاً للعهد- وألغى الصلح الذي بينه وبين قريش؛ لأنهم اعتدوا على خزاعة الذين هم حلفاء الرسول ﵊، فالموالاة التي تخرج هي أن يوالي الكفار على ما كانوا عليه بحيث يناصرهم ويساعدهم على أي حال كانوا حتى وإن قاتلوا المسلمين فهذا هو الذي يقول الله فيهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] .
ولم يتطرق مثلاً إلى قصة حاطب بن أبي بلتعة، ألم تكن تلك صورة عملية ولم تكن قلبية؟ حاطب ﵁ بيَّن السبب في أنه كتب لقريش بأن الرسول ﵊ يغزوهم بأن عندهم -أي: قريش- له من الأموال والبيوت ما يخشى عليه فعذره النبي ﵊، ثم إنه أيضاً لم يعذره بذلك العذر التام إلا أنه كان من أهل بدر، وقد قال الله لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .
стр. 3496
أمور تجعل الحج واجباً
فضيلة الشيخ! ما هي الأمور التي تجعل المسلم ملزماً بالحج وجوباً من غير الفريضة؟
النذر، لو نذر الإنسان نَذْرَ تَبَرُّعٍ أن يحج وجب عليه أن يحج؛ لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) والحج طاعة لله ورسوله، فإذا نذر أن يحج وجب عليه أن يحج، وقولنا: نَذْرَ تَبَرُّعٍ احترازاً مما لو كان نذر احتجاجٍ أو غضب وهو الذي يقصد به المنع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب، ويظهر ذلك بالمثال إذا قال رجل: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أحج هذا العام أو أن أحج، ويُطْلِق، هنا النذر نَذْرُ تَبَرُّعٍ؛ لأنه نذر في مقابلة نعمة فيكون شكراً، وأما لو قال: إن كلمت فلاناً فلله عليَّ نَذْرٌ أن أحج كل عام، فهذا لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه لم يقصد بذلك التقرب إلى الله بالحج، وإنما قصد بذلك أن يثقل على نفسه حتى يمتنع مما نذر عليه.
فالمهم أن الحج يكون واجباً بالنذر، كذلك -أيضاً- يكون واجباً إذا شرع فيه، ولو كان حج نافلة، لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأنها نزلت في الحديبية عام (٦) للهجرة وفَرْضُ الحج إنما كان في السنة التاسعة، وعلى هذا فيجب الحج لأمرين: بالشروع فيه.
وبالنذر.
وأما الفريضة فهي واجبة.
стр. 3497
ليس لأولياء المقتول أن يعفوا إذا كان المقتول عليه دين
هل لأولياء المقتول أن يعفوا والمقتول عليه دين؟
ليس لهم أن يعفوا، وذلك لأن حق أولياء المقتول لا يَرِد إلا بعد الدين؛ لقول الله تعالى في آية المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] ، فليس لهم حق في إسقاط الدية؛ لأن الدية تَرْكٌ في التركة، ولهذا تضاف إليها فإذا قدرنا أنه قتل وعنده خمسون ألفاً والدية مائة ألف صار ماله مائة وخمسين ألفاً.
стр. 3498
معنى قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى)
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] ما معنى: (لمن اتقى) ؟
أي أن هذا الحكم إنما هو لمن اتقى الله بحيث أتى بالحج كاملاً وقبل التعجل، وتأخر للتقرب إلى الله لا لغرض دنيوي، أو حيلة، أو ما أشبه ذلك، فيكون هذا القيد راجعاً لمسألتين: للتعجل.
والتأخر.
وقيل: إن القيد للأخير فقط ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] يعني: أن التأخر أَتْقَى لله ؛ لأنه خير من التعجل؛ حيث إن الرسول ﵊ تأخر، وحيث إن المتأخر يحصل له عبادتان: الرمي.
والمبيت.
لكن الأظهر والله أعلم أن هذا القيد للتعجل والتأخر.
стр. 3499
تحريم قول القائل: عليك وجه الله
فضيلة الشيخ! بالنسبة لبعض الناس يقولون: عليك وجه الله أن يكون الغداء عندنا، أو العشاء عندنا، فهل هذا يجوز؟
هذا حرام ولا يجوز للإنسان أن يقول: عليك وجه الله أن تتغدى عندي أو تتعشى؛ وذلك لأنه استشفع بالله على الخلق، والله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الناس، فهذا القول حرام ويجب النهي عنه.
والمخاطَب له أن يخالف؛ لأن هذه الصيغة محرَّمة، والمحرمة لا يُلزَم بها شيء.
стр. 3500
حكم من سعى شوطاً ثم شق عليه الزحام وانتقل إلى السطح
رجل سعى فأكمل الشوط الأول، ومن شدة الزحام انتقل إلى السطح، هل يلغي الشوط الأول أو يبني عليه؟
لا بأس أن يبني على الأول، إذا كان سعى شوطاً ثم شق عليه الزحام وانتقل إلى فوق فلا حرج، ويكمِّل على الشوط الأول؛ لأنه كله مسعى، وليس هناك مدة طويلة بين انتقاله إلى السطح الأعلى من السطح الأسفل.
стр. 3501
حكم بيع الزائد من أثاث المسجد
فضيلة الشيخ! هل يجوز أن يباع الأثاث الزائد من المسجد ويشترى أثاث آخر مثل السماعات وغيرها؟
الأمر في أثاث المسجد وسماعاته ومكينة مكبر الصوت وما أشبه ذلك المرجع في هذا إلى الجهة المسئولة عن المساجد.
أما إذا كان المسجد خاصاً بشخص هو الذي يتولاه ويقوم عليه فهذا لا حرج عليه أن يبيع ما زاد عن فرشه ويجعله في مصلحة أخرى للمسجد.
والمساجد التي تحت رعاية الشئون الإسلامية ليس للإنسان أن يتصرف فيها بأي شيء، حتى لو فرضنا أن هذا المسجد فيه ألف مصحف، وعندنا مسجد آخر ما فيه إلا عشرة مصاحف ومحتاج إلى مائة مصحف؛ فإنه لا يمكن أن ننقل من المسجد الأول إلى الثاني إلا بإذن المسئولين عنه، أما المساجد الخاصة فهذه لها شأن آخر.
стр. 3502
حكم المسافر إذا مر ببلدة يوم الجمعة في الصباح بنية البقاء إلى العصر
فضيلة الشيخ! إذا مر مسلم مسافر ببلدة يوم جمعة بنية البقاء إلى العصر.
هل يصلي الجمعة معهم بنية الظهر؟ وهل يجوز لهذا المسافر أن يجمع العصر إلى الجمعة؟
نعم.
إذا مر المسافر في قرية أو مدينة وهم يصلون الجمعة وهو يريد أن يبقى فإنه يجب عليه أن يحضر إلى الجمعة لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فيقال لهذا المسافر: ألستَ من المؤمنين؟ سيقول: بلى.
فإذاً يشملك الخطاب، ولكنه يصلي بنية الجمعة كالمرأة إذا حضرت في صلاة الجمعة فإنها تصلي بنية الجمعة لا بنية الظهر، وإنما قلنا: يصلي بنية الجمعة اتباعاً للإمام من وجه؛ ولأن الجمعة أفضل من الظهر، فلا ينبغي أن ينصرف عن الأفضل إلى المفضول.
وأما قوله: هل يجوز لهذا المسافر أن يجمع العصر إلى الجمعة؟ نقول: لا يَجوز؛ لأن الصلاة إنَّما تُجمع إلى نظيرتِها، والعصر ليست نظيرة للجمعة، هذا من جهة التعليل العقلي، ولأنَّها لم تَرِدْ بِها السنة، أي: لم تَرِدْ السنة بجمع العصر إلى الجمعة، والجمع صفة شرعية، لا يجوز للإنسان أن يقوم بها إلا بدليل من الشرع.
стр. 3503
فناء المخلوقات كلها عدا الجنة والنار وما فيهما
يوم القيامة ينادي الله فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] بعد أن فَنَت كل الخلائق، فهل يهلك منها -مثلاً- الوِلْدان، والحور العين، والجنة، والنار، أم الخلائق فقط غير هذه الأشياء؟
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] يخاطب الله هؤلاء البارزين يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ أنتم في الدنيا عندكم مالِك ومَمْلُوك، فلِمَن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه : ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وهذا قبل أن يدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة، وذلك كله في عرصات يوم القيامة.
стр. 3504
الرد على من يقول: إن دعاء: (اللهم أعتق رقابنا من النار) لا ينبغي الدعاء به
فضيلة الشيخ! هناك دعاء يدعو به بعض الناس وهو: اللهم أعتق رقابنا من النار.
وقد قال أحد طلبة العلم: بأن هذا الدعاء لا ينبغي أن يقال أو شيء مثل هذا، ويقول: كأن الداعي يحكم على نفسه بأنه من أهل النار.
لا.
هذا غير صحيح، إذا قال الإنسان: اللهم أنجني من النار، فهل معناه أنه دخل فيها؟ طبعاً: لا؛ لكني ظننتُ أنه يقول: لماذا يسأل بالإعتاق بدل النجاة؟! أنا أقول: لا بأس أن يسأل بالإعتاق بدلاً من النجاة، كما جاء في الحديث في باب صيام رمضان: (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) وجاء فيمن أعتق عبداً (أن الله يعتقه بكل جزء منه أو بكل عضو منه عضواً من النار) .
стр. 3505
كبائر الذنوب تغفر بالحج
فضيلة الشيخ! قلنا على الحج: إن الله يغفر به الذنوب، ويعود الحاج كيوم ولدته أمه، فالحديث الذي قال النبي ﷺ فيه للصحابي الذي اشترط أن يُغْفَر له ما سبق قال: (ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله) أفي هذا دليل على أن كبائر الذنوب كذلك تُغْفَر في الحج؟ بينما بعضهم يقول وكأنه إجماع: إن كبائر الذنوب لا تغفر إلا بالتوبة!
هذا ظاهر الحديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق -إذا أتى بهذا القيد- رجع كيوم ولدته أمه) وكذلك حديث عمرو بن العاص الذي أشرتَ إليه: (وأن الحج يهدم ما قبله) ظاهره العموم، وأنه يهدم كل شيء ما عدا الكفر فلابد فيه من توبة.
وهذا الذي ذكرتَ ذكره بعض العلماء قال: إذا كانت الصلوات الخمس لا تكفِّر إلا إذا اجتُنِبَت الكبائر وهي أعظم من الحج وأفضل وأحب إلى الله فالحج من باب أولى، لكن نقول: هذا ظاهر الحديث، ولله تعالى في حكمه شئون، والثواب ليس فيه قياس، والحمد لله أنت احتسب على ربك هذا فلعل الله أن يؤتيك إياه.
следующие страницы →