Полный текст (6 569 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
حكم بيع الزائد من أثاث المسجد
فضيلة الشيخ! هل يجوز أن يباع الأثاث الزائد من المسجد ويشترى أثاث آخر مثل السماعات وغيرها؟
الأمر في أثاث المسجد وسماعاته ومكينة مكبر الصوت وما أشبه ذلك المرجع في هذا إلى الجهة المسئولة عن المساجد.
أما إذا كان المسجد خاصاً بشخص هو الذي يتولاه ويقوم عليه فهذا لا حرج عليه أن يبيع ما زاد عن فرشه ويجعله في مصلحة أخرى للمسجد.
والمساجد التي تحت رعاية الشئون الإسلامية ليس للإنسان أن يتصرف فيها بأي شيء، حتى لو فرضنا أن هذا المسجد فيه ألف مصحف، وعندنا مسجد آخر ما فيه إلا عشرة مصاحف ومحتاج إلى مائة مصحف؛ فإنه لا يمكن أن ننقل من المسجد الأول إلى الثاني إلا بإذن المسئولين عنه، أما المساجد الخاصة فهذه لها شأن آخر.
стр. 3502
حكم المسافر إذا مر ببلدة يوم الجمعة في الصباح بنية البقاء إلى العصر
فضيلة الشيخ! إذا مر مسلم مسافر ببلدة يوم جمعة بنية البقاء إلى العصر.
هل يصلي الجمعة معهم بنية الظهر؟ وهل يجوز لهذا المسافر أن يجمع العصر إلى الجمعة؟
نعم.
إذا مر المسافر في قرية أو مدينة وهم يصلون الجمعة وهو يريد أن يبقى فإنه يجب عليه أن يحضر إلى الجمعة لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فيقال لهذا المسافر: ألستَ من المؤمنين؟ سيقول: بلى.
فإذاً يشملك الخطاب، ولكنه يصلي بنية الجمعة كالمرأة إذا حضرت في صلاة الجمعة فإنها تصلي بنية الجمعة لا بنية الظهر، وإنما قلنا: يصلي بنية الجمعة اتباعاً للإمام من وجه؛ ولأن الجمعة أفضل من الظهر، فلا ينبغي أن ينصرف عن الأفضل إلى المفضول.
وأما قوله: هل يجوز لهذا المسافر أن يجمع العصر إلى الجمعة؟ نقول: لا يَجوز؛ لأن الصلاة إنَّما تُجمع إلى نظيرتِها، والعصر ليست نظيرة للجمعة، هذا من جهة التعليل العقلي، ولأنَّها لم تَرِدْ بِها السنة، أي: لم تَرِدْ السنة بجمع العصر إلى الجمعة، والجمع صفة شرعية، لا يجوز للإنسان أن يقوم بها إلا بدليل من الشرع.
стр. 3503
فناء المخلوقات كلها عدا الجنة والنار وما فيهما
يوم القيامة ينادي الله فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] بعد أن فَنَت كل الخلائق، فهل يهلك منها -مثلاً- الوِلْدان، والحور العين، والجنة، والنار، أم الخلائق فقط غير هذه الأشياء؟
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] يخاطب الله هؤلاء البارزين يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ أنتم في الدنيا عندكم مالِك ومَمْلُوك، فلِمَن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه : ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وهذا قبل أن يدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة، وذلك كله في عرصات يوم القيامة.
стр. 3504
الرد على من يقول: إن دعاء: (اللهم أعتق رقابنا من النار) لا ينبغي الدعاء به
فضيلة الشيخ! هناك دعاء يدعو به بعض الناس وهو: اللهم أعتق رقابنا من النار.
وقد قال أحد طلبة العلم: بأن هذا الدعاء لا ينبغي أن يقال أو شيء مثل هذا، ويقول: كأن الداعي يحكم على نفسه بأنه من أهل النار.
لا.
هذا غير صحيح، إذا قال الإنسان: اللهم أنجني من النار، فهل معناه أنه دخل فيها؟ طبعاً: لا؛ لكني ظننتُ أنه يقول: لماذا يسأل بالإعتاق بدل النجاة؟! أنا أقول: لا بأس أن يسأل بالإعتاق بدلاً من النجاة، كما جاء في الحديث في باب صيام رمضان: (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) وجاء فيمن أعتق عبداً (أن الله يعتقه بكل جزء منه أو بكل عضو منه عضواً من النار) .
стр. 3505
كبائر الذنوب تغفر بالحج
فضيلة الشيخ! قلنا على الحج: إن الله يغفر به الذنوب، ويعود الحاج كيوم ولدته أمه، فالحديث الذي قال النبي ﷺ فيه للصحابي الذي اشترط أن يُغْفَر له ما سبق قال: (ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله) أفي هذا دليل على أن كبائر الذنوب كذلك تُغْفَر في الحج؟ بينما بعضهم يقول وكأنه إجماع: إن كبائر الذنوب لا تغفر إلا بالتوبة!
هذا ظاهر الحديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق -إذا أتى بهذا القيد- رجع كيوم ولدته أمه) وكذلك حديث عمرو بن العاص الذي أشرتَ إليه: (وأن الحج يهدم ما قبله) ظاهره العموم، وأنه يهدم كل شيء ما عدا الكفر فلابد فيه من توبة.
وهذا الذي ذكرتَ ذكره بعض العلماء قال: إذا كانت الصلوات الخمس لا تكفِّر إلا إذا اجتُنِبَت الكبائر وهي أعظم من الحج وأفضل وأحب إلى الله فالحج من باب أولى، لكن نقول: هذا ظاهر الحديث، ولله تعالى في حكمه شئون، والثواب ليس فيه قياس، والحمد لله أنت احتسب على ربك هذا فلعل الله أن يؤتيك إياه.
стр. 3506
الشيخ ابن باز يرى إضافة الصلاة على النبي في التشهد الأول
الشيخ ابن باز يرى أن في التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية أنه يضيف إليه: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم إنك حميد مجيد، فما الفرق بين التشهد الأول والأخير في هذا؟ وهل الصلاة على النبي في التشهد الأول واجبة أم سنة؟
الفرق أنه لا يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ولا يزيد في الدعاء على الصلاة على النبي ﷺ .
وأما هل هو سنة أو واجب، فلا أعلم هل يرى الشيخ أنه واجب أو أنه من باب السنة؛ لكن القول الصحيح عندي: أنه لا يزيد، وأنه يقتصر على قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وقد ذكر ابن القيم ﵀: (أن النبي ﷺ كان يخفف هذا التشهد حتى كأنما هو جالس على الرَّضَف) أي: الحجارة المحماة، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكنه الظاهر؛ لأن الرسول ﷺ علَّم ابن مسعود وابن عباس التشهد، ولم يُذْكَر فيه الصلاة على الرسول، فمن زادها فلا حرج، ومن لم يزدها فلا حرج.
لكن الإمام لا يقول الصلاة على النبي، والذي وراءه يقول ذلك.
стр. 3507
الواجب على المسافر الذي صلى الجمعة في الطريق وجمع إليها العصر وحكم صلاته
فضيلة الشيخ! جماعة مسافرون صلوا الجمعة في طريقهم ثم جمعوا إليها العصر ثم نُبِّهوا إلى خطئهم في ذلك، فما الواجب عليهم؟ وما حكم صلاتهم؟
الواجب عليهم أن يعيدوا الجمعة ظهراً، وأن يصلوا عصراً؛ لأن الجمعة لا تصح للمسافر إلا إذا كان معه ناس يقيمون الجمعة يعني: بحيث أنهم مروا بمدينة وصلوا مع الناس فهذا لا بأس به، تجزئهم؛ لكن وهم في البر لو صلوا الجمعة فصلاتهم باطلة، أما إذا صلوها تبعاً، فليس عليهم إلا صلاة العصر التي جمعوها إلى الجمعة فيجب عليهم إعادتها، وتكون ركعتين وإن كانوا في البلد؛ لأنها وجبت عليهم كذلك، ويصلونها عندما يعلمون أن عملهم غير صحيح مثلاً: قيل لهم قبل الظهر بدقيقتين إن صلاتكم للعصر التي جمعتموها إلى الجمعة غير صحيحة، فيجب عليكم أن تعيدوا العصر، نقول: صلوها الآن.
стр. 3508
حكم الالتفات في الحيعلتين في الأذان مع وجود مكبرات الصوت
فضيلة الشيخ! ما حكم الالتفات في الحيعلتين في الأذان خصوصاً بعد وجود مكبرات الصوت (الميكرفون) ؟
بعد مكبرات الصوت لا يُسَن الالتفات؛ لأن المراد بالالتفات هو أن يَعْلم أو أن يَسْمع مَن على اليمين وعلى الشمال، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنك تقول: حي على الصلاة على اليمين، حي على الصلاة على اليسار، حي على الفلاح على اليمين، حي على الفلاح على اليسار، أما مع وجود مكبر الصوت فإن الالتفات يؤثر على الصوت؛ لأنك إذا التفت لم تكن اللاقطة أمامك فيضعف الصوت؛ لكن وضع السبابة في الأذنين هذه سنة، حتى وإن كنت تؤذِّن في مكبر الصوت.
стр. 3509
جواز النظر إلى المخطوبة أكثر من مرة
فضيلة الشيخ! بالنسبة لشاب تقدم لخطبة فتاة، فكانت مدة الخطبة -مثلاً- شهراً أو شهرين، وأراد أن يراها بمحرم -بوجود محرم من أهلها- فهل يجوز له الرؤية مرة أخرى؟
نعم، إذا خطب المرأة ورآها أول مرة، ثم أراد أن يعيد النظر مرة أخرى فلا بأس إذا لم يكن قصده التمتع بالنظر إليها فلا بأس؛ لأن الإنسان قد يرى الشيء لأول مرة خلاف ما هو عليه، فيقول: أريد أن أكرر المرة لأجل أتأمل أكثر، فنقول: لا بأس بهذا؛ لأن المقصود من النظر إلى المخطوبة هو: أن يخطبها وهو على بصيرة منها حتى يكون ذلك أدعى إلى محبتها والالتئام بينهما.
стр. 3510
حكم المسافر إذا دخل مسجداً فوجدهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب
رجل مسافر لم يصلِّ المغرب ودخل مسجداً فوجد الناس يصلون العشاء، فماذا يفعل يا شيخ؟!
إذا كان الإنسان لم يصلِّ المغرب ودخل والناس يصلون صلاة العشاء فإنه يدخل معهم بنية المغرب، ثم إن أدرك الإمام في الركعة الأولى فإنه يجلس إذا قام الإمام إلى الرابعة، ويتشهد ويسلم ويدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، وإن أدرك الإمام في الركعة الثانية سلم مع الإمام؛ لأنه تم له ثلاث ركعات، وإن أدركه في الركعة الثالثة أدى بركعة بعد سلام الإمام.
والمخالفة للعذر لا بأس بها، وقد نص على هذا أهل العلم ﵏ في كتبهم ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من العلماء، نعم.
стр. 3511
جواز الخروج للمتمتع بعد العمرة خارج مكة
فضيلة الشيخ! رجل أدى الحج متمتعاً، ولما أدى العمرة وحل الإحرام ذهب خارج مكة إلى جدة والطائف.
فما الحكم؟
لا حرج على الإنسان إذا أتى بالعمرة وهو متمتع أن يخرج إلى بلد آخر فيما بين العمرة والحج، ويبقى على تمتعه إلا إذا رجع إلى بلده ثم عاد من بلده محرماً بالحج فحينئذٍ لا يكون متمتعاً؛ لأن السفر الذي كان للعمرة انقطع برجوعه إلى بلده، وعلى هذا فيكون مفرِداً لا متمتعاً، فمثلاً لو كان الرجل من أهل جدة وأتى بعمرة في أشهر الحج على أنه سيحج هذا العام، ثم رجع إلى جدة وفي اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج فإن هذا لا يكون متمتعاً؛ لأنه عاد إلى بلده، وقطع سفره الأول، والله يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فظاهر هذا أنه في سفر واحد؛ لأنه إذا قطع السفر وأنشأ سفراً جديداً للحج لم يكن متمتعاً بالعمرة إلى الحج؛ بل هو محرم بالحج رأساً، وهذا هو المروي عن عمر بن الخطاب ﵁ وأظنه أيضاً عن ابنه عبد الله، وهو مقتضى النظر والقياس.
وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح.
стр. 3512
لقاء الباب المفتوح [١٢٣]
إن العاقل يعتبر من تصرم الليالي والأيام وانقضائها سريعاً؛ وإن الزمن لا يمضي بالساعات ولا بالدقائق ولا باللحظات بل بالأنفاس أيضاً، والمؤمن الفطن هو من يجعل هذه الدار طريقاً له إلى الآخرة فيكثر فيها من الأعمال الصالحة المختلفة التي تكون له زاداً يوم القيامة، والمؤمن تراه دائماً يحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة وعلى كل وقت مضى من عمره في غير ما طاعة.
стр. 3513
الاعتبار بما مضى
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإننا نبتدئ لقاءنا هذا المعبَّر عنه بـ (اللقاء المفتوح) وهو آخر لقاء في هذا العام عام (١٤١٦هـ) وهو يوم الخميس التاسع والعشرون من شهر ذي الحجة عام (١٤١٦هـ) نختتم به هذا العام، ونسأل الله لنا وللمسلمين حسن العاقبة والختام.
إن الإنسان العاقل يعتبر من مرور الليالي والأيام وانقضائها سريعاً وذهابها جميعاً، يعتبر في هذه الليالي والأيام كيف تسير، ليس بالساعات ولا بالدقائق ولا باللحظات بل بالأنفاس -أيضاً- إلى أن يأتي الأجل المحتوم الذي ينتقل به الإنسان من دار العمل إلى دار الجزاء، والعاقل يعتبر ما يأتي بما مضى، يعتبر المستقبل بالماضي، إن الماضي مضى وكأنه يوم واحد، بل كأنه ساعة واحدة، بل كأنه دقيقة واحدة، بل إن الإنسان لا يشعر في مقامه بما سبق كلامَه الآن إلا وأنه شيء انقضى وتلِف وهلك، انقضى كأنه ساعة من نهار، وكأن ما جرى فيه من الأحوال أحلامٌ للنيام، فهكذا المستقبل أيضاً، سيأتي ويمضي حتى يَتِمَّ الأجل، وينتهي العمل وينقطع، كما قال النبي ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) والمؤمن الحازم الكيِّس الفطن هو الذي ينتهز فرص العمر قبل أن تمضي، ينتهزها في الخير قولاً وفعلاً، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .
إذاً: فالسكوت هو الخير إلا إذا كان الكلام هو الخير، وترك العمل هو الخير إلا إذا كان العمل هو الخير، ولهذا وَصَفَ الله عبادَه عبادَ الرحمن بقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] .
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] .
وفي آية أخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص:٥٥] .
стр. 3514
انتهاز الفرص واستغلال الأوقات في الأعمال الصالحة
عليك يا أخي المسلم أن تتقي الله وتنتهز الفرص، وألا تَدَعَ ساعةً تمضي إلا ولك فيها عمل صالح: - إما عبادة خاصة من: صلاة، وقراءة قرآن، وذكر، وغير ذلك.
- وإما في عبادة عامة: كعلم تنشره بين إخوانك من زملائك وعامة الناس.
- وإما بأمر بمعروف ونهي عن منكر.
- وإما ببر الوالدين، وصلة الأرحام.
- وإما بالإحسان إلى الجيران، والإحسان إلى الأيتام وغيرهم.
- وإما بسعي بالإصلاح بين الناس.
- إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي شرعها الله تعالى للعباد رحمة منه وفضلاً وإحساناً.
ولولا أن الله شرع هذه الأشياء لكانت مما لا يقربه إلى الله، ولكن الله شرعها لتكون مقرِّبة إليه وينتفع بها العباد، ومن ذلك: السير في طلب العلم:- فإن النبي ﷺ أخبر أن: (مَن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .
والطرق التي يُلْتَمَس فيها العلم نوعان: حسيه ومعنوية.
فأما الحسية فهي: الأسواق التي يمشي فيها الإنسان إلى دور العلم؛ المساجد وغير المساجد.
وأما المعنوية فهي: أن يسير الإنسان بفكره وتأمله وتفكره في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أو في المطالعة في كتب العلماء الذين بذلوا الجهد الكثير المشكور في نشر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بمعناهما الصحيح؛ سواء كان ذلك في القرآن مباشرة كالتفسير، وفي السنة مباشرة كشرح الأحاديث، أو كان على وجه منفصل ككتب الفقهاء وكتب العلماء في العقائد والتوحيد، وما أشبه ذلك، فإن كل ما تجدونه من كتب العقائد والتوحيد التي يستدل فيها مؤلفوها بكتاب الله وسنة رسوله هي في الحقيقة تفسير للقرآن لكنها تفسير غير مباشر، وكذلك ما تجدونه في كتب الفقهاء الذين يستدلون على الأحكام الشرعية بالقرآن والسنة هي في الحقيقة تفسير للقرآن، فالمُطالِع في كتب الفقه المبنية على الأدلة هو في الحقيقة يُطالع التفسير؛ لكنه غير مباشر، والمطالِع كذلك في العقائد وكتب التوحيد التي تستدل على ما تقول بالكتاب والسنة هو في الواقع يقرأ التفسير.
стр. 3515
محاسبة النفس
ثم إنني بهذه المناسبة أقول: لعل من المناسب جداً أن يختم الإنسان عامه بالتدبر والتأمل والتفكر فيما عمل وفيما يعمل: فإن كان قد أصاب وأجاد؛ فليحمد الله على ذلك، وليسأله المزيد من فضله، وإن كان قد فرط؛ فليستدرك، فإن كان في ترك واجب يمكن تلافيه فليفعل، وإذا كان في ترك واجب لا يمكن تلافيه فليستغفر الله تعالى مما حصل، وإن كان في فعل محرم فليستغفر الله وليتُب؛ لِيُفَكِّر! أقول قولي هذا وأنا أشدُّكم تفريطاً؛ لكني أسأل الله العافية والتوفيق.
إنه ينبغي للإنسان أن يفكر تفكيراً جِدِّياً، وإذا كان التجار الذين يسعون في الدنيا لكسب الربح يراجعون دفاترهم في كل عام ينظرون ما الداخل وما الخارج، فلماذا لا يعمل المتاجرون مع الله كما يعمل هؤلاء، فإن العمل في عبادة الله هو تجارة في الواقع يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف:١٠-١١] فجعل الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله جعلها تجارة وهي حقيقة تجارةٌ، هي التجارة الرابحة، أما الدنيا فتجارتها وإن زادت فقد تكون نقصاً.
أسأل الله تعالى أن يرزقني وإياكم اغتنام الأوقات بما يقرب إليه، وأن يعفو عنا ما فرطناه في واجبه، وأن يتجاوز عنا سيئاتنا إنه على كل شيء قدير.
стр. 3516
الأسئلة
стр. 3517
وسائل المباح مباحة ووسائل الواجب واجبة
وسائل الاتصالات يا شيخ! الآن كما تعلم عندما نرجع إلى حوالي عشرين سنة من الآن بدأ الراديو وحصل عليه ملاحظات بتحريمه وما إلى ذلك، ثم بدأ التلفاز الذي يُبَث من مناطق قريبة وحصلت ملاحظات تحريمه كذلك كما تعلم، والآن بدأ الدش الذي يُبَث من أماكن بعيدة، وهذا هو تطور العلم وقال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] أرجو تعليقك على هذا الموضوع؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور متشابهات، جزاك الله خيراً يا شيخ!
تعليقنا على هذا أني أخبرك ومَن سمع ويسمع: أن كل شيء يكون جديداً لابد أن يبحثه الناس، والغالب أنهم يختلفون فيه.
فحَدَثَ الدخان قبل مدة طويلة وبعد حدوثه اختلف الناس فيه هل هو حرام أو غير حرام، واضطربت الأقوال فيه وانتهى الأمر بعد تطور الطب ومعرفة النافع والضار من المأكول والمشروب انتهى الطب إلى أن يجزم الإنسان بتحريمه.
ثم حدث -كما تفضلتَ- الراديو واختلف الناس فيه.
بل قبله حدثت البرقية، واختلف الناس فيها، وكسَّرها أناس من الخلق وقالوا: هذه شياطين.
وكذلك جاء الراديو وقيل: هذا حرام وهذا لا يجوز، وهذه شياطين.
وكذلك جاء المسجل.
حتى اختلف الناس في مكبر الصوت في المساجد على الرغم من أنه يَبُثُّ الخطبة ويبث ما فيه الخير؛ لكن قالوا: هذا لا يجوز.
المهم أن الله جعل لنا ميزاناً نزن به كل شيء، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] .
وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] أليس كذلك؟ حسن جعل الله لنا موازين نرجع إليها، فمثلاً: في العبادات: الميزان في العبادات أن الأصل في العبادات المنع وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد لله بأي عمل من الأعمال قولي أو فعلي وبأي عقيدة من العقائد إثباتاً أو نفياً إلا بإذن من الله ورسوله، لا يمكن أن يتعبد الإنسان عبادة إلا إذا عَلِمْنا أنها مشروعة فالأصل في العبادات المنع، حتى يقوم دليل على أنها مشروعة، أي إنسان يتعبد عبادة لا نعرفها نقول: يا أخي! اصبر، هذا حرام، إذا قال: ما الدليل؟ نقول: الدليل عليك أنت، أنت الذي تثبت أن هذه مشروعة، وإلا فإنها مردودة بقول النبي ﷺ : (مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) نحن لا نقول لك: مردودة مِن أنفسنا نقول بقول الرسول ﵊.
أفهمتَ يا أخي؟! خذ هذه قاعدة.
غير العبادات الأصل فيها الحل؛ لأن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] كل ما خلق الله في الأرض من أعيان أو منافع، أو أي شيء آخر فإنه حلال، فإذا قال لنا إنسان: هذا حرام، قلنا: ما الدليل؟ ولهذا نقول: الراديو حلال.
المسجل حلال.
مكبر الصوت حلال.
يبقى إعادة النظر، هذا الذي نقول له: حلال؛ لأي شيء يكون وسيلة، إذا كان وسيلة للحرام أو كان ما يُبَث به حرام فإنه يكون حرام؛ لأن لدينا قاعدة شرعية: ووسائل الحرام حرام، وسائل الواجب واجبة.
فعلى هذا نقول: لا شك أن الراديو والتلفاز وما جاء بعده من التلفاز العام -البث العام- الذي يُتَوَصَّل إليه بالدشوش لا شك أنه يَبُثُّ أشياء تدمر العقيدة والأخلاق والمعاملات؛ ولكن هذا ليس على سبيل العموم، إنما بالتتبع والأخبار عن هذه الأشياء العامة التي تُبَثُّ من بلاد بعيدة بواسطة الدش، المسموع: أن ضررها أكثر بكثير من نفعها، والإنسان العاقل الذي يعرف موارد الشريعة ومصادر الشريعة لا يشك في أن اقتناءها حرام.
الآن بعدما عرفنا ما يبث فيها من أخلاق سافلة، لا يفعلها ولا الحمير، أخلاق مدمرة للشباب والشابات، فأنا من هذا المكان وفي كل مكان أقول: إنها حرام، وأنه لا يجوز اقتناؤها؛ لأن الذين يقتنونها الآن غالبهم لا يقتنونها إلا للشر والاطلاع على ما يكون فيها من البلاء وإثارة الشهوة، وربما يكون الإنسان ضعيف الجنس -جنس الشهوة- فيتوصل إلى تقويتها بما يشاهده من المشاهد الفاسدة لينال شهوته، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وقد قال الله تعالى عن الذين كفروا: إنهم ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] .
أقول: مع الأسف الشديد إن هذه الدشوش انتشرت انتشاراً فظيعاً، انتشار النار في الهشيم، وأصبح كثير من الناس يقتنيها الآن ولا يدرون ما عاقبتها، ولكني بما سمعتُ من أخبارها وما يُنْشَر فيها أقول: إنها حرام.
وإذا قدَّرنا أن فيها فائدة من مائة مضرة، فالله يقول في القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] إثم مفرد ومنافع للناس كثيرة، ومنافع صيغة منتهى الجموع، يعني: أكثر ما يكون من الجمع، ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ [البقرة:٢١٩] وهو واحد ﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] وحرمهما الله ؛ لأن الإثم أكبر مع أن المنافع كثيرة.
الإثم الذي يحصل بهذا الدش، ولو قدرنا أنه يحصل فيه مشاهد عظيمة كثيرة من منافع، لو قدرنا أنه -مثلاً- نُشاهد فيه معارك المسلمين مع الكفار، نشاهد فيه الحج، ونُشاهد فيه الجمعة، ونستمع إلى خطبة الجمعة، ونشاهد فيه محاضرات قيمة نافعة.
إلى آخره، هذه منافع كثيرة؛ لكنَّ ضرراً واحداً كبيراً يدمر الخلق، هو نظير الخمر والميسر، ما دام أن هذه المضرة والمفسدة الواحدة تدمر أخلاقاً كثيرةً كما في القول بالتحريم.
لذلك أنا أنصح كل إنسان عنده من هذا الدش شيئاً أن يكسِّره ابتغاء رضوان الله حتى يقطع عن نفسه الرجوع إليه مرة أخرى.
ولنا في سليمان بن داود أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أسوة لَمَّا ألْهَتْه الخيل عن ذكر الله ماذا صنع؟ قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣] بعضُها يعقرها وبعضها يقطع عنقها؛ لئلا تدعوه نفسه إلى الاشتغال بها مرة أخرى.
وكعب بن مالك ﵁ لما جاءته الورقة؛ وثيقة من ملك غسان يقول -لما بلغه أن الرسول ﵊ هجره لتخلفه عن غزوة تبوك جاءه كتاب من ملك غسان - يقول: [الحق بنا نواسِك، قد بلغنا أن صاحبَك قلاك -إثارة- بلغنا أن صاحبَك قلاك -يعني: يثيره ثم يرغِّبه- الحق بنا نواسك] يعني: نجعلك مثلنا ملكاً، ماذا صنع ﵁؟ أخذ الورقة وذهب يوقدها في التنور؛ حتى لا تحدثه نفسه بعد أن يأخذ هذه الوثيقة ويذهب بها إلى هذا الرجل ويقول: أنت قلت: الحق بنا نواسك، اجعل لي من ملكك نصيباً.
فالحاصل -يا أخي- أني أقول لك، ولِمَن يسمع، ولِمَن سمع، أقول: إن الإنسان يجب عليه أن يتقي الفتنة ما استطاع، ويدعها.
стр. 3518
حكم من يقول: إنه لا يرد على الإمام إذا نسي آية إلا بعد إذنه وإنه إذا نسي آية دون أن يغير المعنى فهو جائز
رجل صلى خلف إمام في صلاة جهرية فنسي الإمام آية من القرآن الذي قرأه في تلك الصلاة ففتح عليه هذا الرجل مرتين، ولم يمتثل الإمام لهذا الفتح، ثم بعد الصلاة ذكر هذا الإمام أن صلاة الرجل الذي فتح عليه باطلة؛ لأنه تكلم في الصلاة من غير إذن الإمام، وأنه إذا نسي آية من القرآن دون أن يغير المعنى فذلك جائز! نرجو من فضيلتكم تبيين الأحكام المتعلقة في مثل هذا الموقف!
أولاً: هذا الموقف -موقف الإمام- موقف خطير.
أما الذي فتح عليه فجزاه الله خيراً؛ لأن النبي ﷺ نسي آية وهو يصلي ثم ذُكِّر بها فقال للرجل: (هلا ذكرتنيها) وهو ﵊ أعلم الناس بالقرآن، وسيد الخلق، قال: (هلا ذكرتنيها) فحثه على أن يذكره بِها.
فنحن نشكر لهذا المأموم الذي فتح على الإمام.
أما الإمام فإن موقفه خطير جداً: أولاً: لأنه جعل مدار بطلان الصلاة وعدم بطلانها أن يأذن هو للناس أن يفتحوا عليه أو لا يفتحوا؛ لأنه قال: صلاتك باطلة؛ لأنك فتحت علي بدون إذني، فكأنه جعل نفسه مشرعاً.
ثانياً: قوله: إنه يجوز للإنسان أن يحذف آية من القرآن إذا كان لا يتغير به المعنى، هذا خطير، وهذا ينافي قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
ولذلك أنا أرى أن من الواجب أن تنصحوا هذا الإمام إذا كنتم تعرفونه، وتذكرونه بالله ، وتقولون: كلامك هذا خطأ، وإن أصر على ذلك فلابد أن يُرفع إلى الجهات المسئولة.
стр. 3519
الأمر بمتابعة الإمام ونبذ الوساوس والشكوك
فضيلة الشيخ! إذا كان الإمام قام للركعة الخامسة في الصلاة، وسبب قيامه لها أنه ترك ركناً من أركان الصلاة سواء نسي قراءة الفاتحة في أحد الركعات أو نسي إحدى السجدات فما موقف المأموم الآن: هل يجب عليه متابعته، أو بعد أن يسلم الإمام من الخامسة يكمل المأموم ركعة خامسة؟
أقول: بارك الله فيك! تمثيلك لترك الركن بترك السجود أو الركوع هذا لا يستقيم؛ لأنه إذا تركه سوف يُنَبَّه؛ لكن الذي يَرِدْ هو أن الإمام ربما ينسى قراءة الفاتحة، ثم يأتي بركعة بعد تمام الركعات الأربع بدلاً عن الركعة التي تركها؛ لأن الإنسان إذا ترك الفاتحة في الركعة الأولى صارت الركعة الثانية في حقه هي الأولى، والثالثة هي الثانية، والرابعة هي الثالثة، يحتاج أن يأتي بالرابعة، والمأموم لا يعلم، فإذا قام الإمام إلى الخامسة ونُبِّه ولم يرجع لا تقل: إن الرجل معاند وأنه يجب عليك مفارقته إذاً: ربما يكون نسي الفاتحة وأنت لا تعلم فنقول: اجلس أنت وانتظر حتى تسلم مع الإمام.
ولكن بالمناسبة أود أن أقول: إن الشيطان يعتري ابن آدم كثيراً ويشككه في صلاته فمَن كثُرت معه الشكوك فلا يلتفت إليها، يعني: مثلاً لو كان هذا الرجل كلما صلى شك نقول: لا تذهب إلى الشكوك، الشكوك إذا كثُرت صارت وسواساً ولا يجوز الالتفات إليها.
стр. 3520
رفع التكاليف عمن فقد عقله
فضيلة الشيخ! رجل أوصاني بسؤال ونصُّه: أن أمه تبلغ من العمر (٨٥) عاماً، وأصابها شلل، وانعقد لسانها وهي لا تصلي ولا تصوم فما حكم ذلك؟ وماذا يعمل لها؟ ولها ما يقارب ست سنوات على هذه الحال!
إذا كانت الأم قد فقدت عقلها لا تأخذ شيئاً ولا تعطي؛ فليس عليها صيام ولا صلاة ولا يتصدق عنها؛ لأنها سقط عنها التكليف بزوال العقل.
стр. 3521
حكم التجسس على من ظاهره الصلاح
فضيلة الشيخ! رجل تولى توزيع أموال الصدقات، وقد شاع أمره بين الناس بشرب الخمر، هل لأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تتبعه وتتجسس عليه، حتى يُبَيَّنُ أمرُه ويُبْعَدُ عن الأعمال الخيِّرة؟
لا أرى التجسس فيمن ظاهر حاله الصلاح، ولكن يُتَحَرَّى من جهة الصدقات ألا توكل إليه لاسيما إذا كان أو عُرِف منه أنه لا يصرفها في مصارفها؛ لأن شارب الخمر ليس عدلاً في دينه؛ لكنه قد يكون عدلاً في معاملته، أما في دينه فليس بعدل، هذا بالنسبة للحكم من حيث هو.
ولكن أرى أنه -يجب مثل هذا الرجل الذي يتولى الصدقات وربما لا يُوْكَل إليه أمرها إلا وظاهره الصلاح- أن نتصل بهذا الرجل بعد أن نتأكد من كونه يشرب الخمر وننصحه ونقول له: إما أن تتوب إلى الله، وإما أن ننتزع منك هذه المهمة.
والاشتهار أمر نسبي، قد يشتهر الأمر بالسوء عند طائفة من الناس؛ لكونهم -مثلاً- عندهم غيرة كبيرة في نفوسهم، فيأخذون بالتهمة ويشتهر أمره، ولا يكون صحيحاً؛ لكن على كلٍّ لابد من التثبت.
стр. 3522
نصيحة لطلاب العلم فيما يتعلق بالكتب
فضيلة الشيخ! ما هي الكتب المتعلقة بالعقيدة والفقه التي تنصحون بها طلاب العلم لكي يقرءونها ويتفقهوا عليها؟
والله طلاب العلم بارك الله فيك: - إما أن يكونوا مبتدئين: فهؤلاء ننصحهم بالكتب المختصرة.
- وإما يكونوا متوسطين: فبالكتب التي أعلى.
- أو منتهين: فبالكتب الكبيرة.
لا يمكن أن ننصح نصيحة عامة، فمثلاً: إذا كان مبتدئاً: نقول في العقيدة: عليك بـ العقيدة الواسطية، لـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنها من أوفى العقائد وأحسنها وأوثقها.
في علم التوحيد وما يتصل به: كتاب التوحيد، لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
وإن كان لا يتحمله: فبما دونه، مثل: الأصول الثلاثة، كشف الشبهات؛ لكن كتاب التوحيد أحسنها إذا أمكنه.
وفيما يتعلق بالحديث: عمدة الأحكام.
فيما يتعلق بالفقه: زاد المستقنع؛ لأننا لا نريد أن نقول: عليك بما دون زاد المستقنع، ثم بعد ذلك في زاد المستقنع تتراكم عليه كتب الفقه، لا، نقول من الآن ابدأ بـ زاد المستقنع حفظاً وشرحاً.
وفي النحو: الآجرومية، ثم الألفية.
стр. 3523
الواجب على من سلم قبل أن يتم صلاته
فضيلة الشيخ! رجل يصلي في الناس وشك في صلاته هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وترجح عنده أنه صلى أربعاً، وسجد للسهو وسلم، ثم قال له المأمومون: أنه صلى ثلاثاً وقام يأتي برابعة! فهل يسجد سجود سهو ثانٍ؟ أم يكتفي بسجود السهو الأول؟
نقول: يجب عليه أن يسجد للسهو بعد السلام من الرابعة؛ لأنه سَلَّم قبل أن يتم صلاته، والسلام قبل إتمام الصلاة لا بد فيه من سهو، ويكون السجود بعد السلام.
стр. 3524
حكم من دفن منفرداً بعيداً عن مقابر المسلمين
أقول: أحد أقاربنا توفي قبل ثلاثين سنة أو أربعين سنة تقريباً ودُفِن وحده في البر، وقال لنا بعض العلماء: إنه لابد أن يُنْبَش ويدفن في مقابر المسلمين.
ما رأيك يا شيخ؟
رأيي: أنه ليس بلازم، اللهم إلا إذا وصله العمران.
стр. 3525
ضابط العقد المحرم
فضيلة الشيخ! بعض محطات البنزين يضعون جوائز وهي عبارة عن -مثلاً- خمسمائة لتر أو ألف لتر، دونما زيادة في السعر، إذا عبَّأ صاحب السيارة يعطونه ورقة، بعد نهاية كل شهر يجرى السحب فربما يفوز بألف لتر أو خمسمائة لتر.
ما هو كلام فضيلتكم حول هذا الموضوع؟
والله نرى -سلمك الله- أن هذه الجوائز إذا كان الإنسان المشتري يشتري لحاجته، لا من أجل أن يفوز بالجائزة.
وكانت سبباً لربحه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأن هذا المشتري إما غانم وإما سالم، يعني: ما عليه خسارة، وهو سيشتري البنزين على كل حال، فإما أن يحصل على هذه الجائزة وإما أن يسلم، والعقد المحرم هو: الذي يكون فيه العاقد بين غانم أو غارم، أما إذا كان بين غانم أو سالم فهذا لا بأس به.
стр. 3526
العالم الذي يحق له الاجتهاد في المسائل النازلة
فضيلة الشيخ! ما هو ضابط العالم الذي يحق له الاجتهاد في المسائل النازلة؟
أولاً بارك الله فيك الاجتهاد نوعان: اجتهاد خاص في مسألة من المسائل.
واجتهاد عام.
فأما الاجتهاد الخاص فكل طالب علم يمكنه أن يبحث في المسألة ويتعمق فيها، وحينئذ يلوح له وجه الصواب في أحد القولين.
ومع ذلك لا ننصح طالب العلم المبتدئ حتى لو اجتهد في مسألة وحرضها وبحث فيها ورأى فيها أقوال العلماء لا ننصحه بأن يتسرع في الإفتاء؛ لأنك تخاف، خطر عظيم، إذ إنه قيادة للأمة على أمر مجتَهَد فيه، وقد يكون صواباً وقد يكون خطأً، ولهذا نجد بعض الإخوة الذين عندهم شيء من مبادئ العلم إذا اجتهدوا فأفتوا أنهم يندمون؛ لأنهم بعد أن يتقدم بهم السن ويعرفون العلم تماماً يجدون أنهم أخطئوا في هذا.
ولذلك فمن أخطر ما يكون على طالب العلم التعجل في الفتوى، وما دام الأمر والحمد لله واسعاً، وهناك من هو أكبر منك سناً وقدراً في العلم، وأكثر منك وأغزر فالأمر موكول إليهم، أما أنت انتظر، الأمر آت إليك.
وأما الاجتهاد العام المطلق فهذا يحتاج إلى علم واسع، وقد ذكر العلماء في باب أصول الفقه أن له شروطاً عشرة بعضُها مُسَلَّم وبعضها غير مُسَلَّم؛ لكن لا يمكن لإنسان أن يكون عنده اجتهاد مطلق عام إلا إذا كان متبحراً في العلوم؛ في علم العربية، وعلم التفسير، وعلم الحديث، وعلم المصطلح، وعلم أصول الفقه، يعني: في كل ما يحتاج إليه ما المقصود بالاجتهاد الخاص الذي ذكرناه سابقاً؟ افرض -مثلاً- أنك تريد أن تبحث هل الجد حكمه حكم الأب فيُسقِط الإخوة أو لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء، خلاف مشهور، إنسان -مثلاً- اجتهد في هذا، فأخذ يطالع كتب العلماء ومناقشاتهم والأدلة لهؤلاء وهؤلاء، فلاح له بعد البحث والمناقشة أن الصواب أن الجد حكمه حكم الأب يُسقِط الإخوة، هذا له أن يفعل؛ لكن -كما قلت لكم قبل ذلك- إذا كان صغيراً يعني لِتَوِّه بادئاً يطلب العلم فلا يُقْدِم على الفتوى، إذا بان له -مثلاً- أن الصواب في كذا فليسأل العالم الآخر الذي هو أكبر منه قدراً ويستشيره.
стр. 3527
حكم صلاة ركعتي تحية المسجد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم ركعتي تحية المسجد، مع ذكر الدليل؟ وما هو دليل المخالف للرد عليه؟ وهل يلزم القائلين بوجوب ركعتي تحية المسجد عند دخولهم المسجد في وقت النهي ركعتين أم لا؟ أفيدونا مأجورين!
نعم! بارك الله فيك! أولاً: السلام عند إلقاء السؤال ليس من السنة، ونبَّهنا على هذا كثيراً، لأن الصحابة كانوا مع الرسول ﵊ يجلسون ولا يسلمون إذا أرادوا السؤال، لو قدم الإنسان على الحلقة وسلم فهذا لا بأس.
أما تحية المسجد فالقول بأنها واجبة وأن الإنسان إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين وجوباً، هذا قول قوي لا شك فيه، ومن ذهب إليه فلا يُنْكَر عليه، دليل هذا: أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والأصل في النهي التحريم، وهذه عبادة ليست من أمور الأدب؛ لأن أمور الأدب إذا جاء فيها الأمر فهو للاستحباب إلا بدليل، لكن أمور العبادة الأصل فيها أنها واجبة، فهذا يدل على وجوب تحية المسجد، ويؤيِّد هذا: (أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس، فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين وتجوَّزْ فيهما) وجه الدلالة على الوجوب: أن رسول الله قطع الخطبة وسأل هذا الرجل.
ثانياً: أنه أمره أن يقوم ويصلي، ومعلوم أنه إذا قام يصلي سوف يشتغل بصلاته عن استماع الخطبة، واستماع الخطبة واجب ولا يُشْتَغل بشيء عن واجب إلا وذلك الشيء واجب.
ثالثاً: أن الرسول قال: تجوَّز فيها؛ إشارة إلى أنه إنما يأتي بقدر الضرورة وأن فعلهما ضرورة.
هذا أعظم دليل يدل على الوجوب وهو قول قوي.
أما الذين قالوا أنه ليس للوجوب، فاستدلوا بأحاديث: منها: أن الرسول ﵊ يدخل يوم الجمعة ولا يصلي ركعتين، يشتغل بالخطبة ولا يصلي ركعتين إلى أن مات ﵊.
ومنها: قصة الثلاثة الذين دخلوا والنبي ﵊ في أصحابه فمنهم من جلس خلف الحلقة، ومنهم من دخل في الحلقة، ومنهم من انصرف، ولم يُنقل في الحديث أنهم صلوا تحية المسجد.
لكن الاستدلال بهذا الحديث ضعيف، لماذا؟ لأنه أعلم في هذا الحديث أنه لم يُنْقل أنهم صلوا وعدم النقل ماذا؟ ليس نقلاً للعدم، يعني: لم يأتِ في الحديث أنهم لم يصلوا؛ لكن الظاهر أنهم لم يصلوا، فالاستدلال بهذا ضعيف.
كذلك أيضاً: قصة كعب بن مالك ﵁ حين جاء وسلم على النبي ﵊ وكان في أصحابه بعد أن تاب الله عليه فقام إليه طلحة بن عبيد الله ﵁ يهنئه، وتقدم وسلم على النبي ﵊، وليس في الحديث ما يدل على أنه صلى.
لكن الاستدلال بهذا الحديث -أيضاً- فيه شيء من الضعف؛ لأن كعب بن مالك يحتمل أنه ليس على وضوء، ومن دخل المسجد على غير وضوء فإنه لا يصلي إذ (لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ) كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ .
كنت أقول بوجوب تحية المسجد؛ لكني بعد ذلك ترجح عندي عدم الوجوب، ومع هذا لو أن أحداً قال بالوجوب فإننا لا نعنفه، ولا ننكر عليه.
أما صلاتها في وقت النهي فالصحيح أنها تصلَّى في وقت النهي ولو قلنا بأنها سنة؛ لأنها صلاة لها سبب، وكل صلاة لها سبب فإنها تُفْعَل حتى في وقت النهي، وعلى هذا فإذا دخلت المسجد بعد صلاتك صلاة العصر فلا تجلس حتى تصلي ركعتين، أو بعد صلاتك صلاة الفجر فلا تجلس حتى تصلي ركعتين سواء دخلت لقراءة القرآن أو لاستماع علم أو لغير ذلك، لا تجلس حتى تصلي ركعتين.
стр. 3528
الواجب على الحاج المتمتع إذا أراد السفر بعد أداء العمرة
أسرة من الرياض ذهبوا إلى مكة وكان رب الأسرة يريد الحج متمتعاً، فلما اعتمروا وأنهوا عمرتهم وحلوا جميعاً ذهب بهم جميعاً إلى الجنوب، وبعد ذلك عاد إلى مكة فهل يجب عليه أن يحرم إذا مر بالميقات؟ هذه واحدة، والأمر الثاني: ولو سافر دون الميقات هل عليه -أيضاً- أن يحرم؟
هذا الرجل قَدِمَ من الرياض بأهله واعتمروا، ثم ذهب بأهله إلى الجنوب ولعل الجنوب هو مقرهم، ثم رجع، هو محرم بالحج وكان حين اعتماره يريد الحج، فهذا متمتع، إذا رجع فإن كان في غير وقت الحج فلابد أن يحرم يعني: -مثلاً- إذا بقيت أيام على الحج فإنه يحرم بعمرة ثانية؛ لئلا يتجاوز الميقات بلا إحرام.
стр. 3529
كيفية تقسيم أرباح المقصف المدرسي إذا كان الطلاب والمدرسة مشاركون فيه
فضيلة الشيخ! يوجد هناك مَقْصَف مدرسي يكون فيه مساهمِين من الطلبة والمدرسة إلا أن الأرباح تصل في الريال تقريباً إلى خمسة ريالات؛ لكن يُجْبَر المسئول على المََقْصَف بشراء بعض مستلزمات المدرسة من أوراق تصوير وما أشبه ذلك، والأرباح لا تقسَّم بالتساوي بين الطلبة والمدرسة، يعطَى الطالب في الريال ريالين والبقية للمدرسة.
ما الحكم في ذلك؟
يعني خلاصة السؤال الآن: يقول: مَقْصَف المدرسة يُقْسَم الربح فيه بين الطلاب الذين ساهموا وبين مصالح المدرسة.
إذا كان هذا برضاً من الطلاب فلا بأس، إذا كانوا بالغين عاقلين، أما إذا كانوا دون البلوغ فالمرجع إلى أوليائهم، فإذا قال الأولياء: يكفينا بعض الربح والباقي لمصلحة المدرسة فلا بأس، فلابد من إذن، ثم إذا كان الأمر مشتهراً بين الناس أن المَقْصَف يُقْسَم ربحه بين المساهمِين وبين مصالح المدرسة يعني: فلا يحتاج إلى إذن خاص، يُكتَفَى بما اشتهر.
стр. 3530
النهي عن اتخاذ القبر عيداً
فضيلة الشيخ! لي جد أبوه متوفىً، أبو جدي يعني، توفي بالبر، له (خبت) لوحده وسؤالي هنا يقول: ما حكم كون كل سنة، أو كل رأس سنة، يعزم جدي العائلة ويذبح هناك، ويصنع وليمة؟
هذا منكر؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (لا تتخذوا قبري عيداً) وهذا اتخذ قبر أبيه عيداً.
وهذا حرام عليه، بلغهم يا أخي! عنا أن هذا حرام، وأنه لا يجوز، ولو ذهبنا بعيداً لقلنا: إن العلماء يقولون: إن الميت إذا فُعِلَ المنكر عنده تأذى به؛ لكن هذا يحتاج إلى دليل وليس عندي دليل الآن، إنما أصل العمل منكر، فيجب عليهم أن يكفوا عن هذا الأمر، وأن يستغفروا الله مما جرى.
стр. 3531
شروط المَحْرم
فضيلة الشيخ! الولد متى يكون محرماًَ لأمه؟ هل هو بالبلوغ أو بالتمييز؟
المحرم بارك الله فيك! يكون مَحْرَماً إذا كان بالغاً عاقلاً، فمن لم يبلغ فليس بمحرم، ومن كان في عقله خلل فليس بمحرم.
стр. 3532
التفصيل في مسألة من لم يقرأ الفاتحة خلف الإمام
فضيلة الشيخ! إذا لم يقرأ المأموم خلف الإمام الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الظهر أو العشاء، هل في ذلك شيء؟
أما الذين يرون أن المأموم لا قراءة عليه فلا شيء عليه، وأما الذين يرون أن المأموم تجب عليه قراءة الفاتحة فالقواعد تقتضي أنه يجب عليه أن يأتي بركعتين بدل الركعتين اللتين ترك فيهما القراءة، وإن كان متعمداً وهو يعلم أن القراءة ركن لابد منها بطلت صلاته، وإذا كان المأموم يعلم من إمامه أنه سريع القراءة فليسرع هو أيضاً.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وإلى الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.
نسأل الله أن يختم لنا ولكم عامنا بالخير والبركة والعفو والتجاوز.
стр. 3533
لقاء الباب المفتوح [١٢٤]
في هذا اللقاء تكلم الشيخ عن تفسير الآية الثانية عشرة من سورة الحجرات التي يقول الله فيها: ((وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) [الحجرات:١٢] ^ احتوت على أكثر من موضوع، وهذا يدل على عظمة كتاب الله ، وقد فسرها تفسيراً جميلاً ومميزاً، وتحدث عن كل موضوع فيها، مثل: الغيبة والتقوى.
стр. 3534
تفسير قوله تعالى: (واتقوا الله إن الله تواب رحيم)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإننا نفتتح هذا العام عام (١٤١٧هـ) في هذا اللقاء المسمَّى (لقاء الباب المفتوح) ، الذي يتم كل خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو اليوم الخامس من شهر محرم (١٤١٧هـ) .
نسأل الله أن يَجعله عام خير وبركة لنا وللمسلمين، وأن يكتب فيه العزة والكرامة والنصر والتأييد لعباده المؤمنين.
كنا وصلنا في التفسير إلى قول الله ﵎: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] .
стр. 3535
أمران تتحقق بهما التقوى
التقوى يكثر الأمر بها في القرآن الكريم وكذلك في السنة، فما هي التقوى التي يكثر ورودها في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله ﷺ ؟ إنها كلمة عظيمة، إنها تعني: الوقاية من عذاب الله، فبماذا تكون الوقاية من عذاب الله؟ تكون الوقاية من عذاب الله بأمرين: الأمر الأول: امتثال أوامر الله بأن يقول الإنسان إذا سمع أمر الله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ، فإن هذا هو قول المؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] ، فلا يكن في قلبك تردد.
لا تقل: لماذا أُمِرت بكذا؟ قل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] .
لا تقل: ما الفرق بين كذا وكذا؟ يعني لماذا يأمر الله بكذا ولا يأمر بكذا؟ مثلاً في لحوم الإبل أمر النبي ﷺ أن نتوضأ من لحومها، ولهذا كان أكل لحوم الإبل ناقضاً للوضوء على القول الراجح من أقوال العلماء، فلا تقل: لماذا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم الإبل، ولا يأمرنا بالوضوء من أكل لحم البقر، مع أن كلاً منهما يسمى بَدَنَة؟! لا تقل هكذا، تؤمر الحائض بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة، لا تقل: لماذا تؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة؟ على سبيل التشكيك، ولكن قل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] .
الأمر الثاني مما تتحقق به التقوى: اجتناب ما نهى الله عنه، إذا نهى الله عن شيء نقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] واجتنبنا.
لا تقل: لماذا؟ وتأمل قول الله في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] .
انظر كيف! ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] أي: فبعد هذا التفصيل والتبيين هل تنتهون أو لا؟ وهذا الاستفهام بمعنى الأمر أي: فانتهوا ولهذا قال الصحابة: انتهينا انتهينا.
فصارت التقوى تتحقق بماذا؟ بأمرين.
الأول: امتثال أمر الله دون تردد، والثاني: اجتناب نهي الله دون تردد.
قل: ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) [البقرة:٢٨٥] ، فهذا قول المؤمنين.
стр. 3536
التوبة وشروطها
يقول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] هذان اسمان من أسماء الله: الأول: التواب.
والثاني: الرحيم.
والتواب هنا: صيغة مبالغة، واسم الفاعل مِن تاب: تائب، والتواب تعني: كثرة التوبة، وأنه متصف بهذا الوصف، وإنما كان الرب كثير التوبة: لأن العباد كثيرون، هذه واحدة.
ولأن الذنوب التي يقترفها الإنسان كثيرة، ما أكثر ما يقترفه الإنسان من الذنب ويتوب الله عليه! فلهذا سَمَّى نفسه التواب، وما هي التوبة؟ التوبة من العبد: أن ينتقل من معصية الله إلى طاعته.
والتوبة من الله: أن يقبل الله من العبد فيبدِّل سيئاته حسنات.
إذاً: التوبة من العبد ما هي؟ الانتقال.
من ماذا؟ من المعصية إلى الطاعة.
الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والتوبة من الله: قبول هذه التوبة من العبد، وإبدال سيئاته بحسنات، كما قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ.
﴾ [الفرقان:٦٨] إلى أن قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] .
وقد تُطْلَق التوبة من الله على توفيقه العبد للتوبة.
فللعبد توبتان: توبة بمعنى: التوفيق للتوبة.
وتوبة بمعنى: قبول التوبة.
ما هو الدليل على هذا؟ الدليل: قول الله ﵎: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] ، كيف تاب ليتوبوا؟ أي: وفقهم للتوبة فتابوا.
أما التوبة الأخرى وهي: قبول توبة العبد: فمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] .
توبة العبد تحتاج إلى شروط؛ إذ ليس كل توبة مقبولة، لا بد يا إخواني! من شروط: الأول: إخلاص النية.
الثاني: الندم على الذنب، وانكسار القلب، وخجله من الله ، وأن يشعر الإنسان بأنه مذنب، يحتاج إلى توبة ونعمة من الله .
الثالث: الإقلاع عن المعصية، إما بفعل الواجب وتداركه إن أمكن، أو بالإقلاع عن المحرم.
والرابع: العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، فإن أقلع عنه وندم ولكن في نيته أنه متى سنحت له الفرصة عاد إلى الذنب فهذا لا تقبل توبته.
الشرط الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة؛ لأن التوبة لها وقت تُرَدُّ فيه مهما تاب العبد وهو -أي: الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة- نوعان: خاص.
وعام.
أما الخاص فهو: حلول الأجل: إذا حضر الموت فإنه لا قبول للتوبة مهما كان، دليل ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] ، هذا ليس له توبة بعد أن شاهد وعاين العذاب يقول: أتوب؟! لا ينفع، الحدود في الدنيا إذا قُدِر على العبد وتاب بعد القدرة عليه هل يرتفع عنه الحد؟ لا.
لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤] ، كذلك الإنسان إذا حضره الموت وشاهد وعاين لا تنفعه التوبة للآية الكريمة وهي في سورة النساء، وقد وقع ذلك فعلاً حين تاب فرعون بعد أن أدركه الغرق قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] ماذا قيل له؟ قيل له ﴿آلْآنَ﴾ [يونس:٩١] يعني: آلآن تؤمن بما آمنت به بنو إسرائيل؟! هذا لا ينفع، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] .
الثاني: العام: الوقت الذي يكون لعموم الناس، إذا حصل أو إذا جاء فإنها لا تقبل التوبة، وذلك إذا طلعت الشمس من مغربها، فالشمس الآن تدور منذ خلقها الله ، تأتي من ناحية المشرق وتغيب من ناحية المغرب، فإذا أراد الله تعالى انقضاء الدنيا انعكست القضية وصارت الشمس تأتي من المغرب، وإذا رآها الناس آمنوا كلهم؛ لأنهم يعلمون أن لهذا الكون مدبراً وإلا فمن يستطيع أن يأتي بالشمس من المغرب، هل من أحد يستطيع؟ لا.
ولهذا قال إبراهيم للذي ناظره قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ؛ لكن إذا رأى الناس كلهم الشمس بعد أن غابت رجعت من المغرب سيؤمنون؛ لكن هذا الإيمان هل هو قهري أم اختياري؟ قهري؛ لأنه شاهد.
ولهذا قال الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] والمراد ببعض الآيات هنا: طلوع الشمس من مغربها.
إذاً: لابد للتوبة من شروط خمسة: الأول: الندم على فعل المعصية.
الثاني: إخلاص النية لله ، بألا يقصد الإنسان بالتوبة أن ينال مرتبة، أو أن ينال جاهاً، أو أن يُمدح عند الناس، مثاله: إنسان معروف بالفسق والانحلال وأُعْلِن عن وظيفة إمام مسجد، ومعلوم أنه لن يُوَظَّف في إمامة المسجد إلا من كان مستقيماً، هو استقام من أجل ماذا؟ من أجل أن يكون إماماً في المسجد، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه لم يخلص النية لله.
الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب، وذلك بأن يأتي بالواجب إن أمكن تداركه، أو بدله إذا لم يمكن تداركه وكان له بدل، أو يقلع عن المحرم إذا كان الذنب فعلاً محرماً.
حسن! إذا كان الذنب في حق إنسان بأن يكون شخص سرق من إنسان مالاً، السرقة حرام، تاب الرجل وندم وعزم على ألا يعود، فبماذا يكون تحقيق التوبة؟ لابد أن يوصل هذا المال إلى صاحبه، ولا يمكن أن تتم التوبة إلا بهذا، فإذا قال: أخشى إن ذهبتُ إلى هذا الرجل وأعطيته المال أخشى أن يترتب على ذلك ضرر عليَّ؛ على سمعتي، وربما أُحْبَس وأنا قد تبت إلى الله قبل أن يُقْدَر عليَّ! فكيف تكون الحال؟ هل يجوز أن يتصدق به عن صاحبه؟
لا؛ لأن صاحبه معلوم، أما لو كان مجهولاً يقول: والله إنه سرق من أناس نسيهم أو جهلهم لا يدري أين هم، فهنا يتصدق بما سرق عنه؛ لكن إذا كان معلوماً لابد أن يوصله، إذاً: ماذا يصنع؟ نقول: ممكن أن تعطي شخصاً تثق به وتقول: يا فلان! إني سرقت هذا المال من فلان، وقد ندمتُ وتبتُ إلى الله فمِن فضلك أعطه إياه وقل له: هذه دراهم من إنسان تستحقها عليه وهو الآن يبذلها.
إذا لم يكن هذا ممكناً فيمكن أن ترسل بالبريد، ويقال: هذه دراهم من شخص تستحقها عليه، وفي هذه الحال من المعلوم أنك لن تكتب اسمك أليس كذلك؟ وأيضاً لا يحسن أن تكتبها بقلمك؛ لأنه ربما يمر عليه يوم من الدهر، اكتبها بالآلة التي تطبع طباعة بالكمبيوتر أو غيره وأرسلها إليه، هذا إذا كان الحق مالياً، حق إنسان.
стр. 3537
الغيبة وأقوال العلماء في كيفية التوبة منها
إذا كان الحق غير مالي مثل أن يكون شخص اغتبتَه في مجلس أو مجالس فكيف التوبة من هذا؟ قال كثير من العلماء: لابد أن تذهب إليه وتستحله، وإلا فسيأخذ من حسناتك يوم القيامة، اذهب إليه وقل له: يا فلان! سامحني.
وقال بعض العلماء: لا يجب أن تستحله، وإنما تستغفر له، وتثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يذهبن السيئات، وقد جاء في الحديث: (كفارة من اغتبته أن تستغفر له) .
ولكن فيه قول ثالث وسط ولعله الصواب، يقول: إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلابد من أن تذهب إليه وتستحله؛ لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحله، أما إذا كان لم يعلم فيكفي أن تستغفر له، وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم.
وينبغي لمن جاء إليه أخوه يعتذر منه أن يسامحه ولكن هل يناقشه ويقول: أنت الآن تطلب مني أن أحللك لكن ما الذي فعلت معي؟ يعني: هل ينبغي أن يناقشه ويرى ما الذي حصل، أو يقول: أنت في حل ويكفي؟ الأولى ألا يناقشه؛ لأنه ربما يذكر شيئاً كبيراً فتعجز نفسُ صاحبه عن أن يحلله، أليس كذلك؟ ربما إذا قال: والله حلني، قال: ماذا أنت فاعل معي، قال: فعلت كذا وكذا وكذا ويكون الشيء كبيراً وتأبى نفسه أن يحلِّل؛ لأن النفس أمارة بالسوء، فالأَولى ألا يسأل، ألا يقول: ما الذي فعلت؟ وأن يحتسب الأجر من الله ويقول: هذا جاء معتذراً، ومن عفا وأصلح فأجره على الله، ولولا أنه نادم وتائب وأنه يرجى في المستقبل أن تعود هذه الغيبة ثناءً حسناً، ويقول: أنت مني في حِل، وأجره على من؟ على الله.
فصار عندنا الآن بالنسبة لمن كانت مظلمته غير مال هل يذهب ويستحله أو لا يذهب؟ كم قولاً في المسألة؟ ثلاثة أقوال.
الأول: أنه لابد أن يذهب إليه ويستحله.
والثاني: لا حاجة للذهاب إليه، بل يستغفر له ويثني عليه في الأماكن التي كان يغتابه فيها.
والثالث: التفصيل، وهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحق؟ وهو أنه إن كان عالماً فلابد أن تستحله حتى يزول ما في قلبه، وإن كان غير عالم فلا حاجة إلى استحلاله.
هذا بالنسبة للذي اغتاب غيره.
أما الذي اغتَيْبَ وطُلِبَ منه السماح فالذي نراه أن الأفضل والأكمل أن يحلِّله؛ لأنه أخوه جاءه معتذراً نادماً فليحلِلْه، وثقوا بأنه إذا حلله ستكون كبيرة عظيمة على الشخص الذي استحله، سيرى أنه أهدى إليه أكبر هديه فتنقلب الكراهة التي كانت من قبل تنقلب إلى محبة وألفة؟ وهذا هو المطلوب من المسلمين، أن يكون بعضهم لبعض آلفاً محباً وادَّاً، يقول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] هو رحيم وهو رحمان، وقد اجتمع الاسمان في أعظم سورة في كتاب الله، فما هي؟ الفاتحة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢] .
قال العلماء: إذا ذُكِر الرحمن وحده كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم:٩٢] .
وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٦٠] .
أو صار الرحيم وحده كما في هذه الآية: ﴿تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] فمعناهما واحد، يعني: أن الرحيم وذو الرحمة الواسعة الشاملة، والرحمن إذا ذكر وحده هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة، أما إذا اجتمعا جميعاً فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، انتبه! الرحمن باعتبار الوصف والرحيم باعتبار الفعل يعني: أنه ذو رحمة واسعة وهو -أيضاً- راحم يوصل الرحمة إلى من يشاء من عباده، كما قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] .
أسأل الله تعالى أن يعمني وإياكم برحمته وجميع إخواننا المسلمين، وأن يجعلنا من دعاة الخير والإصلاح، إنه على كل شيء قدير.
стр. 3538
الأسئلة
стр. 3539
حكم شرب الدم من أجل الشفاء
فضيلة الشيخ! هناك عائلة في منطقة حائل وثبت بالتجربة أن دمهم يشفي من الغَلْث، المسمى: داء الكلب، فما حكم شرب الدم؟ أرجو الإجابة!
أنا أظن أن هذا ليس بصحيح؛ لأن الله لا يجعل شفاء هذه الأمة بما حَرَّم عليها، والدم محرم؛ لكن لعل هذا من باب الوهم؛ لأن الإنسان إذا توهم شيئاً انتفع به، فلعل هذا الذي يصاب يكون قد استقر في مخيلته أنه إذا شرب من هذا الدم استفاد فيستفيد، لكن لو فرض على أبعد تقدير أنه أمر محقق أن الإنسان إذا شرب من هذا الدم فإنه ينجو من الموت، فهنا نقول بالجواز استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.
﴾ [الأنعام:١١٩] أتموا إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] .
ولقوله تعالى حين ذكر تحريم الميتة والخنزير: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ.
﴾ [المائدة:٣] إلى آخره، قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] .
وفي آية أخرى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣] .
أفهمتَ؟ الجواب الأول: أستبعِدُ استبعاداً تاماً أن يكون هذا صحيحاً، وأظن أن ذلك من باب قبول النفس لهذا الدم وانفعالها بناءً على ما يتوهمه الإنسان.
ثانياً: لو فرض على أبعد تقدير أن هذا أمر محقَّق فهو جائز؛ لأن في ذلك إنقاذ نفسه من الهلاك.
стр. 3540
الاعتقاد بأن جلد جبهة الذئب تخرج الجن وحكم تعليقها في المنزل كحرز
فضيلة الشيخ! بعض الناس يقصون جلدة جبهة الذئب ويحضرونها عند الذي أصابه مس ثم يَخرج هذا الجني بقولهم، وبعض الناس يضع هذه الجلدة في البيت حرزاًَ من الجن حتى لا يدخل بيته.
فما الحكم في المسألتين؟
الحكم في المسألتين: أن هذا لا أصل له، ولا صحة له، ولو كان هذا كذلك لكانت الذئاب بأغلى الأثمان، هذا لا صحة له.
السائل: هل هذا من جنس لبس الحلقة لدفع البلاء؟ الشيخ: إي نعم، يكون هذا من جنس لبس الحلقة ونحوها لدفع البلاء أو رفعه، أوهام لا صحة لها.
السائل: وإذا ثبت يا شيخ؟ الشيخ: لا يثبت، أوهام! افعل لك ذئباً وضعه حول الجن وانظر ماذا يحصل.
السائل: عند شخص في حائل عنده ذئب.
الشيخ: أنا أعرب إنساناً ممن كان يقرأ على المصابين بالمس، وأخذ معه ذئباً، والذئب لا يأكل إلا من أطيب اللحم، وصار يشتري له اللحم دائماً، ولكن لا فائدة.
الجني يرقص إذا رأى الذئب.
следующие страницы →