Полный текст (6 569 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
حكم مراجعة الزوجة المطلقة هزالاً
كتاب الطلاق هو كتاب المعاملات؛ لأننا وجدنا كلاماً للإمام النووي في المجموع أنه قال: إن الفقهاء يختلف اصطلاحهم عن الأصوليين، فإن الأصوليين مثلاً قالوا: الشك ما تراوح بين أمرين -معروف تقسيم الأصوليين- أما تقسيم الفقهاء فإنهم يرون كما تعلمون أن الشك ولو كان في غلبة الظن يعتبر شكاً عندهم، ولكن هل يعمل بهذا -مثلاً- في كتاب الطلاق، وهل من قال -مثلاً-: رجعت كاذباً فهل تعتبر هذه رجعة؟
أولاً: ما ثبت بيقين لا يرفع بالظن، هذه قاعدة: ولهذا لما شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في بطنه شيئاً ويخشى أنه أحدث قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فاليقين لا يزول بالظن، لا يزول اليقين إلا باليقين، وعلى هذا فمن علق طلاق امرأته على شيء، وشك هل حصل هذا الشيء أم لم يحصل فلا طلاق عليه حتى لو غلب على ظنه أنه حصل فلا طلاق عليه.
أما مسألة التفريق بين الظن والشك: فمعلوم أن الأصوليين يقسمون الإدراك إلى خمسة أقسام: علم وظن وشك وتردد وجهل.
وأما الفقهاء فهم يقولون: إما يقين فقط، واليقين والظن لا يزول به اليقين، وهذه قاعدة مهمة.
السائل: إذا قال: راجعت قالها الرجل كاذباً ليس بصادق فيها واعترف بهذا؟ الشيخ: ادعى بهذا أنه راجع زوجته وأنكرت الزوجة؟ السائل: بل أنكر هو نفسه قال: قلت ذلك كاذباً، فهل هذه تعتبر رجعة أو لا تعتبر؟ الشيخ: تعرف أن الإقرار الذي يتعلق به حق الغير أن الإنسان إذا رجع عنه لا يقبل في حق الغير، فلو أنه قال: إنه راجع زوجته ثم لما ادعت عليه أن ينفق عليها وغير ذلك قال: أما ما راجعتها وإني كنت راجعتها كاذباً، فهذا لا يسقط حقها من النفقة؛ لأن هذا يتعلق به حق الغير، أما إذا كان إقراراً لا يتعلق به حق الغير فهذا له أن يرجع فيه.
стр. 4062
حكم قضاء صلاة من كان في غيبوبة
رجل حدث له حادث وصار في غيبوبة لمدة شهر تقريباً وعافاه الله ويسأل: هل يقضي الصلوات؟ الشيخ: إذا حصل على الإنسان حادث وأغمي عليه مدة طويلة أو قصيرة فإنه لا يقضي الصلاة؛ وذلك لأنه غاب عقله بغير اختياره، بخلاف الإنسان إذا بنج، وغاب عقله لمدة يومين أو ثلاثة، فعليه أن يقضي، والفرق بينهما أن الذي بنج غاب عقله بسبب منه، وأما الذي أغمي عليه بسبب الحادث أو بشدة المرض فإنه لا يقضي؛ لأن هذا حصل بغير اختياره، هذا هو القول الراجح والصحيح، لكن لو صادف هذا في أيام رمضان، فعليه أن يقضي الصوم، والفرق بين الصوم والصلاة ظاهر، كالفرق بينهما في حال الحيض، فالمرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.
стр. 4063
سبب تأخر نشر كتب الشيخ ابن عثيمين
الكتب التي خرجت سمعنا أنها توقفت مثل شرح الزاد؟
ما توقفت لكن غالب الكتب التي خرجت لي أخيراً الأولى التي طبعت وكانت محررة من قبلي ما فيها إشكال لكن الأخيرة صار بعض الإخوة لحبهم نشر العلم والمبادرة فيه، صاروا يأخذونها من الأشرطة، والأشرطة كما تعلمون أشرطة درس، الدرس يكون فيه التقديم والتأخير واللحن وربما يسهو الإنسان مثلاً، ربما يسبق لسانه إلى شيء فصاروا يأخذونها من الأشرطة ثم يفرغونها ثم يأتون إلينا ويقولون: ائذن لنا بالطبع، ونثق ببعضهم لعلمه وخبرته لكن كما يقولون: (لا يحك ظهرك إلا ظفرك) مهما كان الإنسان لا بد أن يكون هناك خلل ولكن هذه الكتب مثلاً على رأسها الممتع شرح زاد المستقنع وهو من أفيدها فيما أعلم؛ لأن فيه أشياء قد لا تجدونها في كتب السابقين مما حدث أخيراً، هذا الآن نصححه؛ لأن فيه أشياء محذوفة مهمة لكن الذين قاموا على طبعه رأوا في رأيهم أنها لا تحتاج إلى ذكر فنحن نلحقها الآن، وكذلك القول المفيد شرح كتاب التوحيد فيه بعض النواقص وقد تم والحمد لله الآن تصحيحه حتى يطبع كما طبع شرح العقيدة الواسطية، هذه أهم الكتب، أما الأشياء الصغيرة مثل شرح الآجرومية أو شرح الورقات فهذه أمرها سهل، لكن المهم هذه الكتب العظيمة التي تتعلق بالعقائد أو تتعلق بالفقه، هذه مهمة.
السائل: الكتب هذه نحرقها بعدين وإلا كيف؟ الشيخ: لا تحرقها عليك أن تشتري الطبعة الجديدة، وانظر الناقص على الكتاب ويبقى كتابك عندك.
стр. 4064
علاج الوساوس التي تعرض للإنسان
هل الإنسان مؤاخذ على ما يجد في نفسه من وساوس الشيطان؟
الإنسان لا يؤاخذ على ما يجد في نفسه من وساوس الشيطان أبداً؛ لقول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وقد شكى الصحابة ﵃ ذلك إلى الرسول ﷺ فأمرهم أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وأن ينتهوا من هذه الوساوس، والإنسان إذا انقاد للوساوس فإنه على خطر، ولكن يجب أن يقول لنفسه: هل أنا أعتقد هذه الوساوس؟ الجواب: لا يعتقدها أبداً بل يحاربها غاية المحاربة، إذاً يجب أن تعرض عنها، مادامت غير مستقرة في نفسك، يعلم لو أن أحداً من الناس قالها لقاتله عليها، إذاً يعرض عنها ولا تضره ويمضي في حاله، لو شك في الطلاق أو شك في الوضوء أو في الصلاة، أو فيما هو أعظم من ذلك فلينته عن هذا ويعرض ولا تضره هذه الوساوس، وهذا من نعمة الله أن الله جعل لنا سعة ومخرجاً من هذه الوساوس.
ثم إني أقول لك: إن هذه الوساوس إنما تعرض لمن عنده يقين وإيمان راسخ، لأجل أن يتزحزح عن يقينه إلى الشك، والشيطان لا يأتي إلى الإنسان الذي قلبه خراب؛ لأنه منتهٍ، ولهذا قيل لـ ابن عباس: إن اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في صلاتنا والمسلمون يوسوسون فقال: [صدقوا لا يوسوسون في صلاتهم، وما يصنع الشيطان بقلب خرب] يقبلون على صلاتهم ولكنها غير مقبولة عند الله، ولا يمكن أن يفكر بغير الصلاة التي فيها ولا يوسوس ولكنه خرب، أما المؤمن راسخ الإيمان فهو الذي يتسلط عليه الشيطان.
ولذلك اضبط نفسك الآن عندما يأتيك الشيطان في الصلاة ثم تذكرت وأقبلت على صلاتك، يفتح لك باباً ثانياً، وإذا ضبطت نفسك وانتبهت فتح عليك باباً ثالثاً، وهو معك دائماً في صلاتك إذا كفيت نفسك عن هذه الوساوس فتح لك باباً آخر، إلى أن تخرج من الصلاة، لكن احرص على أن يكون أول الصلاة وآخر الصلاة مضبوطاً، فلعل الله أن يغفر لك ما بينهما كما جاء في الحديث: (من استغفر الله في أول النهار وآخره غفر الله له ما بينهما) نسأل الله أن يعيننا وإياكم.
стр. 4065
حكم الجلوس على جلود السباع من النمور وغيرها
بالنسبة لجلود السباع من النمور وغيرها من الحيوانات، هل يجوز الجلوس عليها أو وضعها في السيارة على مقعدة السيارة أو على طبلونها أمام السائق؟ الشيخ: أما إذا كان على وجه لا يتعدى فلا بأس مثل طبلون السيارة لا يتعدى، أما الجلوس فلا؛ لأن الجلوس لا يخلو الإنسان من عرق أو ماء أو ما أشبه ذلك، والقول الراجح أنه لا يطهر بالدبغ إلا جلد ما كان مأكولاً في الحياة، هذا يطهر بالدبغ، فلو ماتت شاة وأخذنا جلدها ودبغناه وجعلناه قربة فهو طاهر لا يؤثر على الماء، وكذلك لو دبغناه وجعلناه في مكان يجلسون عليه لا بأس، لكن ما يحرم أكله لا يطهر جلده بالدبغ، هذا هو القول الراجح، والمسألة فيها خلاف طويل عريض.
стр. 4066
أمور تساعد على الاتزان وسرعة الفهم
ما الأمور التي تساعد طالب العلم خاصة والمسلم عامة على الثقل والاتزان، أي: ترك الأمور العملية تساعد على ذلك، وما الأمور التي تساعده على فهم النصوص وما أشبه ذلك؟
أما مسألة الفهم فهو يؤتيه الله من يشاء، ولهذا لما سئل علي بن أبي طالب ﵁: [هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: ما عهد إلينا بشيء إلا فهماً يؤتيه الله تعالى عبداً في كتابه وإلا ما في هذه الصحيفة] فقوله: (فهماً) يدل على أن الفهم يختلف الناس فيه اختلافاً كبيراً وهو كذلك، من الناس من يقرأ آية من كتاب الله يستخرج منها أحكاماً كثيرة، ومنهم من يقرأها ولا يستخرج منها شيئاً، وانظر إلى عمر بن الخطاب ﵁ حين قال الأنصار له: يا أمير المؤمنين! كيف تحضر عبد الله بن عباس وهو من صغار الناس وتدع أبناءنا؟ فسكت وجمعهم يوماً من الأيام، وقال لهم: [ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١-٣] .
ما تقولون فيها أنتم؟ فسروها بظاهرها قالوا: أمر الله نبيه أنه إذا جاءه النصر والفتح أن يستغفر الله وأن يسبح بحمده، فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: أقول: إنه أجل رسول الله، أي: أن الله قال له: إذا حصل هذا فما بقي عليك شيء، ما بقي إلا أن تختم عمرك بالاستغفار والتسبيح، قال عمر: والله ما فهمت منها إلا هذا] .
فالفهم لا يمكن أن يضبط، لكن لا شك أن الإنسان إذا مارس التدبر والتفهم فإن فهمه يزيد؛ لأن هذه غريزة، والغريزة تزاد بالكسب، كل الغرائز تزداد بالكسب.
أما مسألة التأني وانضباط العمل والقول، فهذه -أيضاً- تحصل بالمرونة وهي أيضاً طبيعة ومكتسبة، بعض الناس بطبيعته تجده مطمئناً حتى كأنه يدلع الكلام تدليعاً، حتى إذا جاء يخاطبك، تقول: لماذا لا يتكلم هذا بسرعة؟ وبعض الناس بالعكس فيهم خفة في مقاله وفعاله وعقله، فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن كل هذه الأمور تحصل بالممارسة والاكتساب، يمرن الإنسان نفسه إذا استعجل يوماً من الأيام يفكر ويقول: كيف ما أتأنى؟ لماذا أتكلم؟ ثم إذا دار الأمر في فعل من الأفعال بين تركه وفعله فغلب جانب الترك؛ لأنك إذا تركت فأنت.
فما تقتضي الحاجة التعجل فيه فهذا شيء آخر.
السؤال: لباس الشهرة المنهي عنه هل هو مختص بالنوعية أو يشمل الكيفية؟ وإذا كان يشمل الكيفية فما رأيكم فيمن يقصر ثوبه أو يطيله فيخرج عن العادة؟ الشيخ: الشهرة عام في النوعية والكيفية، والعلو والسفول، حتى إن الغني إذا لبس ما يلبسه الفقير صار شهرة، لو أن إنساناً غنياً خرج إلينا بعباءة مرقعة وثوب مرقع، ثوب وسخ وليس له أزرة، هذا شهرة، أليس كذلك؟ أليس الناس ينظرون إليه ويقولون: انظروا؟ وكذلك بالعكس، ولهذا جاء في الحديث: (أنه نهى عن لباس الشهرتين) أي: نزولاً وعلواً.
وكذلك -أيضاً- في الكيفية، لكن إذا قدرنا أن الكيفية من السنة، وكان هذا الرجل ممن يقتدى به، أي: إمام من بين الناس، لا ينكر فعله بل يقتدى به، فهنا نقول: طبق السنة، وأما إذا كان فعله سيكون شهرة وربما يكون سبباً في الاشمئزاز منه والنفور عنه ففي الأمر سعة والحمد لله، والرسول ﵊ جعل المنتهى الكعبين، فكله فيه سعة، والصحابة كانوا يفعلون هذا أيضاً، ينزلونها عن نصف الساق فالأمر واسع والحمد لله، ولا يخفى علينا جميعاً أن أبا بكر لما حدث الرسول ﷺ : (من جر ثوبه أو إزاره خيلاء فلا ينظر الله إليه، قال: يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يستطيل عليّ إلا أني أتعاهده قال: إنك لست مما يصنع ذلك خيلاء) .
ونحن إذا تأملنا وجدنا أن إزار أبي بكر إذا استرخى عليه نزل علمنا أنه نزل عن نصف الساق؛ لأنه لو كان إلى نصف الساق ثم نزل إلى الأرض انكشفت العورة وهذا مما يجعل الإنسان أن يكون في سعة من هذا الأمر.
فالمهم أن الشهرة تختلف باختلاف الشخص إذا كان إماماً يقتدى به، وأن الناس إذا رأوه -مثلاً- لبس هذا الشيء من اللباس قالوا: هذا هو السنة وافعلوه، هذا حسن، ولكل مقام مقال.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، ونسأل الله أن يعيدنا وإياكم معاد الخير، ويرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً واسعاً.
стр. 4067
لقاء الباب المفتوح [١٤٤]
هذا اللقاء تفسير لقوله تعالى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً.
) إلى قوله تعالى: (قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) وفيه بيان سبب خوف إبراهيم من ضيوفه، وذكر أيضاً أن الغلام الحليم غير الغلام العليم، وبين أن الحكيم له معنيان: حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم.
стр. 4068
تفسير آيات من سورة الذاريات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو المجلس الرابع والأربعون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع إلا ما شاء الله، وهذا الخميس هو الرابع والعشرون من شهر رجب من عام (١٤١٧هـ) .
نبتدئ هذا اللقاء كما هي العادة بتفسير آيات من كتاب الله ، وقد انتهينا إلى قول الله ﵎: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٤-٢٨] .
стр. 4069
تفسير قوله تعالى: (فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف)
من هنا نبدأ من قوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] أي: أحس في نفسه بخيفة منهم، وسبب تلك الخيفة أنه ﵊ لما قدم إليهم الطعام لم يأكلوا منه ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأن العادة أن الضيف يأكل مما قدم له المضيف، لكن هؤلاء الملائكة لم يأكلوا؛ لأن الملائكة صم أي ليس لهم أجواف كما جاء ذلك مأثوراً عن السلف، ولهذا لا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ﴾ [الذاريات:٢٨] طمأنوه قالوا: لا تخف لما رأوا على وجهه من علامة الإنكار والخوف، وكل إنسان يعرف ذلك ويعرف هل هو في سرور؟ هل هو في انشراح؟ هل هو خائف؟ هل هو مطمئن؟ لأن هذا أمر معلوم بالفطرة، ولا يحتاج إلى كبير فراسة.
قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] (البشارة) هي الإخبار بما يسُر، أي: أخبروه بما يسره وهو الغلام العليم، وكان إبراهيم ﵊ قد بلغ من الكبر عتياً قبل أن يولد له، لا هو ولا امرأته، بشروه بهذا الغلام وبشروه بأنه عليم، أي: سيكون داعٍ؛ لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم؛ لأن في القرآن أن إبراهيم بشر بغلام عليم في آيتين من كتاب الله، وبشر بغلام حليم في آية واحدة، وهما غلامان، أما الغلام الحليم فإنه إسماعيل أبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجد قصتهما مختلفة.
ولقد أبعد عن الصواب من قال: إن الغلام الحليم هو الغلام العليم، بل هو نص صريح في سورة الصافات أنهما غلامان مختلفان؛ لأن الله تعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢] فكيف يبشر بمن أمر بذبحه وكان عنده وبلغ معه السعي؟ كل هذا مما يدل على أن القول بأن الغلام الحليم غير الغلام العليم، بشروه بغلام عليم وهذه بشارة كما ترون، بشارة تضمنت شيئين وإن شئتم فقولوا: ثلاثة أشياء: أولاً: بأنه سيأتيه مولود يصل إلى أن يكون غلاماً.
ثانياً: أن هذا المولود ذَكَرٌ لقوله: غلام.
ثالثاً: أنه عليم، أي ذو علم، وكل هذه البشارات عظيمة، كل واحدة تكفي أن تكون بشارة.
стр. 4070
تفسير قوله تعالى: (فأقبلت امرأته في صرة)
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات:٢٩] من امرأته هذه؟ هي: سارة، أم إسحاق، أقبلت لما سمعت البشرى في صرة، أي: في صيحة! سروراًً؛ أو ندماً وحزناً؟
أنها أتت بصرة سروراً؛ لأنها جاءتها هذه البشرى بعد أن تقدمت بها السن، تصيح وكأنها -والله أعلم- تقول: غلام! غلام! أي: ضربت وجهها بيدها كالمتعجبة كما يصنع الناس إلى اليوم، إذا أتاهم خبر فلان مات، الله أكبر وضرب على وجهه.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات:٢٩] (عجوز) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنا عجوز عقيم، فكأنها تعجبت أن تحصل لها البشرى بهذا الغلام العليم بعد أن تقدمت بها السن، وعقمت من الولد ولكنهم بينوا لها السبب الوحيد الذي به وجد هذا الولد، فقالوا: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات:٣٠] أي: مثلما قلنا وبشرنا به، قال الله .
وانظر إلى قوله: ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات:٣٠] حيث أضاف الربوبية هنا إلى هذه المرأة العجوزة الكبيرة إشارة إلى أن هذا من عناية الله بها؛ لأن إضافة الربوبية إلى الشخص المعين، تكون ربوبية خاصة، وانتبهوا إلى الفرق: الربوبية العامة لكل أحد، الله رب كل شيء، الخاصة ليست لأحد إلا لمن كان خاصاً بالله، وأتلو عليكم هذه الآية ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:٤٧-٤٨] .
الربوبية العامة، (رب العالمين) ، والربوبية الخاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:٤٨] هنا قالوا لها: (قال ربك) ، من باب الربوبية الخاصة، التي تقتضي عناية خاصة، ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٣٠] ، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ، أنت تجعل (هو) هنا: مبتدأ.
و (الحكيم) : خبر.
أو تجعل (هو) ضمير فصل.
و (الحكيم) خبر؟ لك الخيار، إن شئت فقل: (الحكيم) : خبر.
و (هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وإن شئت فقل: (هو) مبتدأ و (الحكيم) خبر (هو) ، والجملة خبر إن، وهنا قدَّم (الحكيم) على (العليم) لأن المقام يقتضي هنا تقديم الحكمة على العلم.
الحكمة هنا في شيئين: أولاً تأخير الولادة بالنسبة لهذه المرأة، إن الله لم يؤخر ولادتها إلى أن تبلغ العجز إلا لحكمة، وهي كونها ولدت بعد أن أيست واعتقدت أنها عقيم، فها هنا حكمتان حكمة سابقة، وحكمة لاحقة ومن ثم قدَّم اسم (الحكيم) على اسم (العليم) وأنتم تشاهدون أن القرآن الكريم إذا جمع الله بين هذين الاسمين الكريمين: (العليم والحكيم) يقدم غالباً العليم، لكن هنا قدم الحكيم؛ لأن المقام يقتضي ذلك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ .
وهنا أسأل: ما معنى الحكيم؟ أكثر الناس يظنون أن معنى الحكيم أنه المتصف بالحكمة، والحكمة هي: وضع الشيء في مواضعه، ولكن الواقع أن الحكيم له معنيان: حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم، فالله حكيم من الحكمة؛ لأن الله تعالى هو الحكم بين العباد والحاكم في العباد، هو حاكمٌ فيهم وهو الحكم بينهم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] وهذا الاستفهام للتقرير، أي: أن الله تعالى أحكم الحاكمين، وأرجو الانتباه هنا قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً﴾ [المائدة:٥٠] في سورة المائدة، وفي سورة التين: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] .
كلاهما في محله المناسب، ففي سورة المائدة ذكر الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿.
الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿.
الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] وتتابعت الآيات حتى قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فكأن المقام مقام مفاضلة بين الأحكام، وبين أن حكم الله أحسن الأحكام، لكن في سورة التين المقام مقام سلطة وقوة والله أحكم الحاكمين، أي: أن حكمه نافذ وسلطته تامة، ولا أحد يعارض حكمه أبداً مهما قويت شوكته.
وانظر إلى قول الله تعالى عن عاد: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] أي: لا أحد أشد منا قوة، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وعذبهم بألطف الأشياء، عذبهم بالريح، الهواء اللطيف التي لا تحس به ملمساً وإن كان قوياً، يدفع كل شيء وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيف أهلك فيه هؤلاء القوم الذين يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] أهلكم به.
الحاصل أن الله أحكم الحاكمين حكمه نافذ صادر عن قوة وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمين تتضمن -أيضاً- حسن الحكم.
إذاً الحكيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٣٠] يتضمن معنين معنىً من الحكم، ومعنىً من الحكمة، انتهينا من الحكمة صار حكم الله يتضمن أنه الحاكم في العباد وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكم الحاكمين.
أيضاً لله تعالى الحكمة البالغة، ولا شيء من الأفعال القائمة في الوجود أحكم من حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن! سهل عليك أمور كثيرة تشكل على كثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية لا يدرك الناس حكمتها، فهل نقول: إذا لم يجد الحكمة أنه لا حكمة لها، أو نقول: إن لها حكمة لكن عقولنا قاصرة؟ الثاني، وإذا آمنا هذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها، هل نحن ندرك الحكمة في كون الصلوات خمساً؟ لا.
أو أنها سبعة عشر ركعة؟ لا.
وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية، لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أن الله حكيم، آمنت بأن لهذه الأشياء حكمة تقتضيه.
كذلك في الأمور القدرية: قد يرسل الله عذاباً يشمل الصالح والطالح، وقد يرسل الله عذاباً على قوم لا تتوقع أن يرسل لهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أو تقول: إن الله لابد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة، ولذلك أقول لكم: إن الواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع وفيما قضاه من الأقدار أن نستسلم غاية التسليم، وألا نعترض هذا بعقولنا.
واستمعوا إلى قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] هذه واحدة ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] الثانية، والثالثة: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] .
أقسم الله أنه لا يمكن أحد يؤمن إلا بهذه الشروط الثلاثة، هي: الأول: أن يحكموك فيما شجر بينهم.
والثاني: ألا يجدوا في صدورهم حرجاً بمعنى: ألا تضيق صدورهم بحكم الله.
الثالث: أن يسلموا تسليماً، أكد هذا المصدر أي: تسليماً تاماً، لا يتهاون الإنسان ويتباطأ في تنفيذ حكم الله، فإذا وجدت من نفسك عيباً يتعلق بهذه الأمور الثلاثة فصحح إيمانك، إذا رأيت أنك تود أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله صحح إيمانك، وإذا رأيت من قلبك أنك لا تريد إلا حكم الله ورسوله لكن يضيق صدرك لحكم الله ورسوله، وأنت تحدث نفسك أنك لا يمكن أن تتحاكم إلى غير الله ورسوله، لكن يضيق صدرك، إذا كان لا يضيق صدرك لا تحاكم إلى غير الله ورسوله وأنت منشرح الصدر بحكم الله ورسوله، لكن تتباطأ وتتهاون فأنت ناقص الإيمان، اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] .
لما لم يؤمنوا به أول مرة ولم يقبلوه من أول مرة صارت -والعياذ بالله- قلوبهم متقلبة، وتركهم الله في طغيانهم يعمهون، ولهذا يجب عليك أيها المؤمن! أن تبادر بانقياد تام لحكم الله تعالى القدري.
نرجو الله للجميع التوفيق والسداد إنه على كل شيء قدير.
стр. 4071
الأسئلة
стр. 4072
الأخلاق من مضمون الرسالة وأساسياتها
ما رأي فضيلتكم في مقالة: الأخلاق الإسلامية ليست من مسائل الاعتقاد؟
الأخلاق الإسلامية لاشك أن النبي ﷺ بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وإذا كان بعث لذلك صارت الأخلاق من مضمون الرسالة، ومن أساسياتها، بل قد قال النبي ﵊: (البر حسن الخلق) وليعلم أن كل حكم شرعي يفعله الإنسان امتثالاً لأمر الله واتباعاً لرسول الله ﷺ فإنه عقيدة، بمعنى: بأنك لا تفعله إلا معتقداً أنه قربة وأنك ممتثل فيه لأمر الله، متبع فيه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولولا هذه العقيدة ما كان العمل شيئاً إطلاقاً، والقول بأن الدين عقائد وأحكام إذا أريد أنها أحكام مجردة عن العقيدة فهذا خطأ، أليس من شرط كل عبادة أن تكون خالصة لله، موافقة لشريعة الله؟ بلى.
إذاً: هذه حقيقة، لكن العقيدة قد تكون عقيدة إيمانية بحتة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وقد تكون عملاً بالشريعة وهي لابد أن تكون مصحوبة بعقيدة، ولا شك أن الأخلاق ومكارم الأخلاق من الدين الإسلامي، وأن الإنسان كلما تخلق بها متبعاً بذلك رسول الله ﷺ كانت عبادة عظيمة.
стр. 4073
من تزوج امرأة ودخل بها حرم عليه أصلها وفرعها وإن نزل
رجل تزوج امرأة ولها أولاد فتزوج الأولاد وأنجبوا بنات، فهل يكون زوج أمهم محرماً لبناتهم؟
نعم.
يكون محرماً لهن؛ لأن القاعدة -بارك الله فيكم- أن الإنسان إذا تزوج امرأة ودخل بها صار جميع ذريتها داخلين في قوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣] والقاعدة: أن الإنسان إذا تزوج امرأة ودخل بها، حرم عليه أصلها وفرعها وإن نزل، سواء كانوا بنات أبناء، أم بنات بنات، التزموا بهذه القاعدة، كذلك أصلها أي: أمها وجداتها من قبل الأم، أو من قبل الأب، وهي كذلك مثله إذا تزوجت رجلاً صار أبناؤه وأبناء أبناء أبنائه وأبناء بناته وأجداده من قبل الأم أو الأب وأبوه -أيضاً- من محارمها.
فلدينا أربع شعب، أصول الزوج وفروع الزوج، وأصول الزوجة وفروع الزوجة، هؤلاء الشعب بمجرد العقد يثبت التحريم، كيف التحريم؟ يحرم على الزوجة أصول زوجها وفروع زوجها، ويحرم على الزوج أصول زوجته وفروع زوجته إلا أنه يشترط في فروع الزوجة أن يكون قد دخل بها، أي: قد جامعها، خذوا هذه القاعدة من أجل أن تستريحوا؛ لأن بعض الناس قد يخطئوا فيها حتى من طلبة العلم، لكن هذه هي القاعدة، وإذا قيل: أصول وفروع في هذا المقام في تحريم النكاح فإنه يشمل الأصول من جهة الأب والأصول من جهة الأم، والفروع من جهة الأبناء، والفروع من جهة البنات، ولو طلقها أو مات عنها.
стр. 4074
حكم هجر الوالدين إذا كان في مصلحة شرعية
هل يجوز الهجر للوالدين المسلمين إذا كان في مصلحة شرعية؟
نعم، إذا كان في هجر الوالدين مصلحة شرعية لهما فلا بأس من هجرهما، لكن لا يقتضي ذلك منع صلتهما، صلهما بما يجب عليك أن تصلهما به، كالإنفاق عليهما، في الطعام والشراب والسكن وغير ذلك، ولماذا لا تنصحهما أولاً؟ السائل: لأنهما تركا الصلاة؟ الجواب: ترك الصلاة كفر، لكن على كل حال ألح عليهما.
стр. 4075
حكم من ترك ركعة من الصلاة ثم تذكر بعد خروج الوقت
جماعة صلوا العصر ثلاث ركعات فقط ولم يعلموا ولم يتيقنوا إلا في صلاة العشاء، لكن هناك شخص دخل معهم وظن أنه فاتته ركعة، فلما سلم الإمام قام وأكمل الرابعة فما حكم صلاته وصلاتهم؟
أما الذي أتم أربعاً فصلاته صحيحة، وأما الجماعة الذين سلموا عن ثلاث فيجب عليهم قضاء الصلاة جماعة، الذي يمكنه، والذي لا يمكنه جماعة ليس بواجب عليه الصلاة جماعة وإنما تجزئ انفراداً؛ لأن هذه مقضية وليست مؤداة، ويبلغون إما أن يكتب إعلان عند باب المسجد بأن من صلى معنا العصر الفلاني فعليه إعادة الصلاة.
стр. 4076
نصيحة لمن انتشر عندهم التنصير وحكم مشاركتهم في أعيادهم والتشبه بهم
لقد تزايد المد التنصيري عندنا في الكويت حتى أصبحت كثيراً من الأسر المسلمة تحتفل بأعياد النصارى، وقام بعض الشباب بتقليد النصارى بلباسهم وزيهم وتعليق بعضهم للصليب على صدورهم، فما هو توجيهكم لنا علماً بأننا في بلد يسمح أحياناً بحرية الأديان؟
النصيحة في آية من كتاب الله وهي قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] هذه الآية تكفي لكل مؤمن، ثم إني أحذرهم من تقليد هؤلاء النصارى بقول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] فعليهم ألا يقتفوا بهذا، وليعلم أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) ولتضرب لهم الأمثال بما فعل النصارى بالمسلمين سواء في العصر الحاضر أو العصور السابقة، وكيف يتولونهم وهم يفعلون بالمسلمين ما يفعلون، بل كيف يتولونهم وهم أعداء الله ورسوله؟! فالإنسان المؤمن حقيقة لا يمكن أن يقلد هؤلاء.
أما احتفالهم بأعيادهم فقد قال ابن القيم ﵀: إن هذا إن سلم من الكفر ففعله من أكبر المعاصي، وأشد من إقرارهم على شرب الخمر؛ لأنهم يحتفلون بهذه الأعياد على أنها أعياد شرعية عندهم، وهي أعياد كفرية لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا بها، ولا أن يرفعوا بها رأساً.
قد يقولون مثلاً: ألسنا نهنئكم على عيدكم في الفطر والأضحى؟ فنقول: بلى.
لكن عيدنا عيد شرعي مرضي عند الله، وعيدكم عيد كفري مسخوط عند الله، ونحن وأنتم بشر متعبدون بشريعة الله، وكان الواجب عليكم أن تحتفلوا بعيدنا وأن تدخلوا في ديننا، فضلاً عن أن تحتفلوا بعيدكم، أما نحن فمحرم علينا أن ندخل في دينكم ومحرم علينا أن نحتفل بشرائعكم وشعائركم، وعليكم -أيها الإخوة- أنتم في بلادكم أن تكافحوا هذه الفكرة السيئة وأن تتصدوا للرد عليها، ولكن ليس بعنف؛ لأن العنف لا يولد إلا العنف، فعليكم بالرفق وبيان الحكم الشرعي على وجه هادئ يحصل به المقصود.
بارك الله فيكم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4077
لقاء الباب المفتوح [١٤٥]
كان من المفترض أن يكون في هذا اللقاء تفسير لبعض الآيات كما هي عادة الشيخ في جميع اللقاءات ولكن بسبب مروره على قوله تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) فرأى أن يتكلم على آداب السلام، فذكر منها: وجوب رد التحية على من ألقي ﵇، وأن يكون مع السلام شيء من انبساط الوجه وانشراح الصدر، وغيرها من الآداب التي يستحب أن تكون مصاحبة للسلام.
стр. 4078
آداب السلام في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس والأربعون بعد المائة من اللقاءات التي تسمى: (لقاء الباب المفتوح) والتي تتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الثاني من شهر شعبان عام (١٤١٧هـ) .
نستفتح هذا اللقاء في الكلام على ما تيسر من تفسير سورة الذاريات، انتهينا إلى قول الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات:٣١] لكني رأيت أن أتكلم على آداب السلام حيث أن الملائكة قالوا: سلاماً، فقال إبراهيم: سلامٌ، وذكرنا فيما سبق أن رد إبراهيم أحسن من ابتداء الملائكة؛ لأن رد إبراهيم جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، بخلاف سلام الملائكة.
стр. 4079
رد التحية
واعلم أن رد التحية واجب؛ لقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] فقال: إذا حييتم ولم يذكر من يحيينا، فيشمل أي إنسان يحيينا فإننا نحييه، نرد عليه أحسن من تحيته أو مثلها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] فبدأ بالأحسن؛ لأنه هو الأفضل (أو ردوها) أي: ردوا مثلها، ويشمل هذا ما إذا سلم علينا أحد من اليهود، أو النصارى، أو البوذيين أو غيرهم نرد عليهم، لكننا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك.
ثم إن السلام يقال هكذا: السلام عليكم، هذا هو المشروع، وأما أهلاً وسهلاً ومرحباً وكيف حالك؛ وما أشبهها فهذا ليس بمشروع، المشروع أن تبدأ أولاً بالسلام، ولهذا كان في حديث المعراج حين كان النبي ﷺ يمر بالأنبياء فيسلم عليهم قال: فرد ﵇ وقال: مرحباً بالنبي الصالح، فابدأ أولاً بقولك: السلام عليكم،
يكون مثل ذلك وأحسن، يقول: عليكم السلام، أو وعليكم السلام ورحمة الله، أو عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل هذا من المشروع.
نرى كثيراً من الناس إذا سلم عليه، يقول: أهلاً وسهلاً، أو يقول مرحباً بأبي فلان، وهذا لا يجزئ، يعني لو قال: أهلاً وسهلاً مدى الدهر فإنه لا يجزئ؛ لأن الله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] ومعلوم أن الذي يقول: السلام عليك يدعو لك بالسلام من كل نقص ومن كل عاهة، ومن كل مرض في القلب أو البدن، ولا يكفي أن يقول: مرحباً وأهلاً، بل لابد أن تقول: عليك السلام، أو وعليكم السلام، وإن زدت ورحمة الله وبركاته كان أحسن.
стр. 4080
تسليم الصغير على الكبير
ثانياً: من المطلوب منه أن يسلم؟ جاءت السنة ببيان ذلك: يسلم الصغير على الكبير؛ لأن حق الكبير على الصغير أعظم من حق الصغير على الكبير، فيبدأ الصغير بالسلام على الكبير، ولكن إذا قدر أنه لم يسلم، فهل الكبير يدع السلام لأن الحق له، أو يسلم لئلا تفوت السنة؟
و
يسلم، لئلا تفوت السنة، فكون الإنسان يقول: أنا صاحب الحق لماذا لم يسلم عليّ؟ هذا خطأ، صحيح أنك صاحب الحق، وأن المشروع أن يسلم هو عليك، لكن إذا لم يفعل فسلم أنت.
стр. 4081
تسليم الماشي على القاعد
يسلم أيضاً الماشي على القاعد، فإذا مر شخص بإنسان قاعد فليسلم عليه، ولو كان أصغر منه سناً أو قدراً، وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه يسلم على الصبيان إذا مر بهم وفي ذلك فائدة عظيمة، منها التواضع، أن الإنسان يضع نفسه إذا سلم على من هو دونه، ومنها الرحمة؛ لأن سلامك على الصغار، نوع من الرحمة، وقد أخبر النبي ﵊ أن (الراحمين يرحمهم الله ومنها: تعويد السلام لهؤلاء الصبيان، يعني: أن الصبي يعرف أن شعار المسلمين أن يسلم بعضهم على بعض فيأخذ من هذا أدباً وخلقاً، ينتفع به في شبابه وبعد هرمه.
стр. 4082
تسليم القليل على الكثير
ثالثاً: يسلم الكثير على القليل، أو القليل على الكثير؟ القليل، كالصغير مع الكبير، يسلم القليل على الكثير، أي: إذا تقابل جماعة خمسة وستة، من يسلم؟ الخمسة يسلمون على الستة؛ لأن الستة فيهم زيادة له حق -الزائد له حق- فيسلم القليل على الكثير، وإذا لم يفعلوا فليسلم الكثير على القليل لئلا تفوت السنة بينهم.
كذلك أيضاً الراكب والماشي تقابل رجلان أحدهما يمشي والثاني راكب في سيارته أو على بعيره، من الذين يسلم؟ يسلم الراكب على الماشي؛ لأن الراكب له علو فيسلم على الماشي؛ لأن السنة جاءت بهذا، الصاعد على النازل؟ أو النازل على الصاعد؟ الصاعد على النازل، لو أن اثنين التقيا في درجة سلم فإن الصاعد هو الذي يسلم على النازل.
وإذا لم تأت السنة ممن عليه أن يبدأ بها، فليبدأ بها الثاني، قال النبي ﷺ : (لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) قال: خيرهما، فدل ذلك على أن من بدأ غيره بالسلام فهو خير، وهو كذلك؛ لأنك أنت إذا سلمت حصلت على عشر حسنات، ثم إذا رد صاحبك حصل على عشر حسنات، وما هو السبب الذي جعله يحصل العشر الحسنات؟ السبب البادئ، لولا أنك سلمت مارد فتكون أنت متسبباً لهذا الذي عمل عملاً صالحاً فلك أجره، ولهذا قال العلماء: ابتداء السلام سنة ورده واجب، ثم أوردوا على هذا إشكالاً، قالوا: أيهما أفضل: ابتداء السلام، أو رد السلام؟ ابتداء السلام، أفضل، ثم أوردوا إشكالاً قالوا: كيف تكون السنة أفضل من الواجب، والقاعدة الشرعية: أن الواجب أفضل كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه) .
أجابوا عن ذلك قالوا: هذا الإشكال جوابه أن هذا الواجب كان مبنياً على السنة، فصارت السنة التي بني عليها الواجب لمن أتى بها، ثواب أجره الخاص، وثواب أجر الراد الواجب.
стр. 4083
رفع السلام بصوت مسموع
كذلك -أيضاً- السلام ينبغي أن يكون بصوت مسموع، بعض الناس يلاقيك ويسلم، لكن تشك هل سلم أم لا؟ لأنه لم يرفع صوته وهذا غلط، ارفع الصوت على وجه يدل على أنك فرح بهذا الأخ الذي قابلك، أو الذي سلمت عليه لا بصوت مزعج، ولا بخافتٍ لا يسمع، على عكس ذلك بعض الناس يسلم بصوت مزعج، والدين وسط بين الغالي والجافي، فنقول: سلم سلاماً مسموعاً يسمعه أخوك، ويكون بأدب واحترام.
стр. 4084
انبساط الوجه وانشراح الصدر
ومن آداب السلام -أيضاً- أن يكون المسلِّم منبسط الوجه منشرح الصدر، فإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، فإن طلاقة الوجه، وانشراح الصدر، والابتسامة في وجه أخيك لا شك أنها من الأمور المطلوبة؛ لما فيها من إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك من الأمور المستحبة التي تؤجر عليها لقول النبي ﷺ : (كل معروف صدقة) كل معروف فإنه صدقة.
стр. 4085
أنواع السلام المحمول وكيفية الرد عليه
وإذا ورد عليك السلام محمولاً، فإن كان الحامل له شخصاً وقال: فلان يسلم عليك، فقل: عليك وعليه السلام، وإن شئت فقل: ﵇ أي: على الذي حمَّله، أما إذا كان محمولاً في كتابه، أي: إنسان كتب لك كتاباً وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن كنت تريد أن تجيبه بكتاب فرد عليه الجواب، مثلاً كتب إليك إنسان كتاباً، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عند الجواب تكتب ج/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قرأت كتابك وفهمت ما فيه والجواب كذا وكذا، أكثر الناس لا يهتمون الآن بهذا، تجده يكتب الجواب ويقول في ابتدائه السلام عليكم ورحمة الله، هذا حسن، لكن الذي سلم عليكم يريد جواباً، قل: ج/ جواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وصلني كتابك أو قرأت كتابك وفهمت ما فيه، وهذا جوابه، وتجيبه بما سألك، فهذا إذا كان السلام مكتوباً فجوابه بالكتابة.
حسن إذا كان لا يحتاج إلى جواب، مثل أن يكون شخص كتب إليك كتاباً يخبرك بخبر لا يحتاج إلى جواب، فهنا إذا قرأت الكتاب فقل: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، لا أقول وجوباً؛ لأن صاحبك لن يسمع، لكن على سبيل الاستحباب، رجل دعا لك بظهر الغيب فادع له أنت بظهر الغيب، وإلى هنا ينتهي الكلام على السلام وإن شاء الله تعالى نكمل تفسير ما تيسر من سورة الذاريات.
стр. 4086
الأسئلة
стр. 4087
حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر
ما حكم الصلاة في مسجد فيه قبر، ومن صلى في مسجد فيه قبر هل يعيد الصلاة؟
ينظر في هذا إذا كان المسجد مبنياً على القبر فالصلاة فيه لا تصح؛ لأن هذا المسجد محرم ويجب هدمه، وإذا كان المسجد سابق ودفن فيه ميت، فينظر إذا كان القبر في جهة القبلة، فإنه لا يُصلى في هذا المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور) وأما إذا كان على يمين مستقبل القبلة أو يساره أو خلف ظهره، فلا بأس، ولكن يجب على أهل الميت الذي دفن في هذا المسجد أن ينبشوه، وأن يدفنوه مع الناس.
стр. 4088
حكم رد السلام على الكافر
هل رد السلام على الكافر واجب ويأثم تاركه؟
رد السلام على الكافر واجب، لقوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٦] وهذا هو الحكمة والله أعلم، لأن الله قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ ولم يقل: إذا حيا بعضكم بعضاً، ولم يقل إذا حياكم إخوانكم، فقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ فيجب الرد، لكن هل إذا قال المسلِّم، مرحباً بفلان، أهلاً بفلان هل يجب الرد؟ ظاهر القرآن الكريم أنه يجب الرد؛ لأن هذا يسمى تحية عرفاً وإن كانت التحية الفضلى أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولكن مادام الناس قد تعارفوا بينهم أن قول أهلاً، مرحباً، حياكم الله؛ تحية، فإن ظاهر القرآن الكريم يقتضي أن ترد عليه.
стр. 4089
صوت المرأة ليس بعورة
سمعنا في برنامج الفتاوى الذي يذاع بالراديو أصوات نساء يسألن ولكنها المرة الأولى التي يظهر فيها صوت المرأة عبر إذاعة القرآن الكريم، ونعلم أن سماحتكم من الحريصين والحمد لله على الخير، فنريد أن توضحوا لنا ولمن قد يلتبس عليه الأمر في ذلك، هل صوت المرأة عورة، وما حكم إذاعته بعد تسجيله، وقد ترون أن من الأفضل أن يعود طرح الأسئلة كما كان سابقاً عن طريق مذيع البرنامج؟ الجواب على هذا بأن أقول: صوت المرأة ليس بعورة، بنص القرآن، قال الله تبارك تعالى لأمهات المؤمنين، زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] فقوله: فلا تخضعن بالقول؛ إذنٌ بالكلام مع الرجال، وأن المرأة لا بأس أن يسمع صوتها الرجل، لكن بدون خضوع، وكذلك كانت النساء في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تأتي إلى الرسول ﵊ في مجلسه، تأتي المرأة إلى الرسول ﷺ في مجلسه وتسأله، والرجال حاضرون، فلا بأس أن يسمع الرجل صوت المرأة.
لكن يبقى هل الذين يستمعون إلى صوت المرأة يتمتعون بهذا الصوت أو يتلذذون به؟ يكون المسئول هو الرجل الذي يتمتع بأصوات النساء أو يتلذذ بها، أما صوت المرأة من حيث هو فليس فيه شيء إطلاقاً، ثم إن غالب النساء التي يسألن في هذا البرنامج يسألن مسائل فقهية، أو عن تفسير آية، أو ما أشبه ذلك، شيء لا يمت إلى الفتنة بصلة، وإلا فنحن إن شاء الله تعالى من أحرص الناس على تحاشي ما يكون فيه الفتنة.
وأما قول السائل: كما كان سابقاً ما أعرف أنه كان سابقاً، لعله يريد هو نور على الدرب، نور على الدرب يكتب بأوراق، رسائل تأتي إلى الإذاعة وتعرض على المشايخ ولا حاجة أن نقول: إن المرأة تُسمع المذيع ثم المذيع ينقل سؤالها إلينا؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يستغرق وقتاً أكثر فتقل الأسئلة في هذا البرنامج، البرنامج كانوا يريدونه عشر دقائق فقط، فطلبنا منهم أن يكون ثلث ساعة؛ لأنه أوسع للناس، واليوم اتصلوا بنا وقالوا أنهم جعلوه ثلث ساعة، وهو الإذاعة الساعة الخامسة إلا ثلثاً بعد العصر، من كل أحد وكل أربعاء، وستكون إذاعته في رمضان كل يوم عند الإفطار.
стр. 4090
الواجب على المرأة إذا حجت وهي حائض
السائل: امرأة حجت نيابة، وفي اليوم التاسع يوم عرفة نزل بها الحيض ولم تبلغ محرمها، وعملت جميع مناسك الحج وهي حائض بما فيه الطواف، ثم وادعت وهي حائض، وعندما وصلت لم تخبر محرمها ومر على ذلك أربع سنوات مع أنها أرملة، فما حكم هذا الحج؟
حكم هذه أن حجها لم يتم، وباقٍ عليها الآن طواف الإفاضة؛ لأنه ركن ولا يتم الحج إلا به، فعليها الآن أن تذهب إلى مكة، وتحرم بعمرة، وتطوف، وتسعى، وتقصر للعمرة، ثم تأتي بطواف الحج السابق، وإلا فإنها باقية على ما بقي من إحرامها وآثمة بالنسبة للنيابة التي أخذتها؛ لأنها إلى الآن لم تتمها، وهي متعلقة بذمتها، فبلغها أن تذهب إلى مكة فوراً قبل رمضان، يعني: من اليوم إذا أمكن ويذهب معها محرمها.
стр. 4091
حكم مناقشة الطالبات للأستاذ
بحكم أني مدرس في كلية البنات فأنا أدرسهن عن طريق إما المصورة -التلفزيون- أو الإذاعة، وطبعاً وفي أثناء الدرس يعقبه حوار بيني وبين الطالبات فما رأي الدين؟
والله رأي الدين صعب أنك توجه رأي الدين لي أنا؛ لأني أنا لست معصوماً ومثل هذا التعبير لا تلقيه على أي أحد من العلماء، أي أحد من العلماء لا يمكن أن يتكلم باسم الدين؛ لأنه ليس معصوماً، لكن قل في نظرك لا بأس، قيد.
أما الجواب: فرأيي أنه لا بأس به أن الطالبة تحاور الأستاذ لكن إذا علمت أنها تمادت في البحث على وجه لا فائدة منه فاقطع الحوار، وأما إذا كانت لغرض فالنساء كن يحاورن الرسول ﵊، خطب يوم العيد ثم ذهب إلى النساء ووعظهن وذكرهن وقال: (إنكن أكثر أهل النار، قلن: بم يا رسول الله؟) فحاورنه، وكذلك أيضاً لما أخبر: (ما من امرأة يموت لها ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا كان ستراً لها من النار، قلنا: يا رسول الله! واثنان؟ قال: واثنان، قلنا: يا رسول الله! وواحد) فهذا لا بأس به؛ لأنه كوننا نشدد في موضوع المرأة من جانب ويأتي الناس -والعياذ بالله- يتحللون في حق المرأة من جانب آخر، كما يبدر من السفهاء الموجودين في بلادنا وغير بلادنا ممن يريدون أن يلحقوا المرأة بالرجل، هذا لا شك أنه منكر وأنه لا يقره أحد.
لكن كوننا نشدد حتى نقول: لا يسمع صوتها، وهو صوت ولا محذور فيه إطلاقاً؛ فليس بصحيح، فأرى أنه لا بأس أن تحاورها، وأن تبين لها وتكشف لها؛ لكن إذا رأيت منها استدراجاً في كلام لا فائدة منه فاقطع الكلام.
стр. 4092
سبب تخصيص الله للبنين في قوله تعالى: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ)
في قوله تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠-١٢] .
قوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ في قوله: ﴿وَبَنِينَ﴾ هل هذه النعمة تستلزم صلاح الذرية؟
هو أن نوح ﵊ وعد قومه أنهم إن استغفروا الله أرسل عليهم السماء مدراراً، وأمدهم بأموال وبنين، وجعل لهم جنات وجعل لهم أنهاراً، وإنما خص هنا البنين دون البنات؛ لأن غالب ما يفتخر به الناس هم الأبناء، دون البنات، والنسل إذا جاء فإنما ينسب إلى الأجداد من جهة البنين لا من جهة البنات، فلهذا قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ ولا يلزم من هذا أن يكونوا كافرين أو مؤمنين، المهم أن ظاهر ما تريده نفوسهم المال والبنين والبساتين وغيرها ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ .
ولكن هنا سؤال، يقال: هل إذا أراد الإنسان بالعمل ثواب الدنيا والآخرة، بمعنى أنه عمل عملاً صالحاً واستغفر ربه ليمده الله بما ذكر نوح ﵊ مع رجاء ثواب الآخرة، هل ينقص هذا من أجره؟ الجواب: لا ينقص؛ لأنه لو كان ينقص من الأجر لكان الله تعالى لم يرغب عباده بذلك، لكن لا شك أن هذه الأشياء تحمل الإنسان على التقدم بالعمل الصالح، ومن ذلك التطبيق الفعلي للرسول ﵊ حيث كان يجعل للقاتل المجاهد في سبيل الله سلب القتيل أي: إذا قتل رجلاً من الكفار يكون له سلبه وهو: ما عليه من الثياب، وما أشبه ذلك، لكن لا شك أن الإنسان يجب عليه أن يغلب جانب الآخرة على جانب الدنيا، وجانب الدنيا ما هو إلا حافز فقط.
стр. 4093
امرأة نامت بالقرب من طفلتها فاستيقظت وقد ماتت الطفلة
والدتي تزوجت قبل ثلاثين عاماً أو يزيد، كان عمرها بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة، ولدت لها طفلة -بنت- فلما بلغت أربعة عشر يوماً تقريباً كانت نائمة فلما أصبحت وجدتها ميتة قد تلونت، أو انقلب لونها إلى الأزرق وكأنها ماتت مخنوقة وهي تشك وتقول: هي السبب -الوالدة- علماً بأن الطفلة ولدت على ثمانية أشهر ويقال: أن ابن الثمان الأشهر قد لا يعيش كثيراً والله أعلم، نريد الحكم جزاكم الله خيراً؟
الحكم لا شيء على الوالدة؛ لأنها لم تتيقن أنها ماتت بسببها، فإذا لم تتيقن فالأصل براءة ذمتها، حتى في الشك، حتى لو غلب على ظنها أنها هي التي قتلتها ما عليها شيء، لابد من اليقين؛ لأن الأصل براءة الذمة، ومادامت أيضاً ولدت في هذه الأشهر الثمانية، وفيه كما ذكرت الغالب أنها لا تعيش، لكن هذا لا يهمنا، ولكن الذي يهمنا الأصل براءة الوالدة، وأن الطفلة ماتت بقضاء الله وقدره.
стр. 4094
كيفية قراءة الفاتحة بخشوع ويقين في الصلاة الجهرية
في الصلاة الجهرية كيف نقرأ الفاتحة بخشوع ويقين؟
أولاً انصت للإمام بخشوع ويقين، وأمِّن إذا انتهى من قوله ولا الضالين، ثانياً: إذا انتهى من قراءة الفاتحة اقرأها أنت، فما دام ساكتاً فيمكن أن يكون لديك خشوع، وإن قرأ فأنت مأمور بقراءتها سواء بخشوع أو بغير خشوع، افعل ما أمرت به واقرأها ولو كان الإمام يقرأ، ثم إن حصل لك خشوع فهذا المطلوب، وإن لم يحصل كما هو الغالب الآن؛ لأن أكثر المساجد تصلي بالميكرفون ولا يحصل خشوع، فأنت اقرأها امتثالاً لأمر النبي ﷺ حيث قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقال ﵊: (حين انفتل من صلاة الفجر وأخبره الصحابة أنهم كانوا يقرءون قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) .
стр. 4095
حكم العمل مع رجل يكسب المال بالتحيل
هناك عامل يعمل مع رجل وهذا الرجل يكسب المال بالتحيل فما حكم راتب العامل؟
العامل يعمل عند رجل يكسب المال على وجه محرم، لكنه يوفي عمله ليس عليه شيء، إلا إذا كان يعمل في أمر يساعد ذاك على المحرم فلا يجوز.
السائل: يعمل ويعينه على ذلك العمل؟ الشيخ: إذاً يسفره، لا يعمل إطلاقاً؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان، لكن لو فرض أن الكفيل له مزرعة وهو يكسب مالاً بغير حق، وهذا يعمل في المزرعة ما له دخل في كسبه، فلا بأس، أما إذا كان يساعده على اكتساب المال على وجه محرم؛ فإنه لا يجوز إطلاقاً أن يبقى عنده، من الآن بلغه الراتب الذي سبق معفو عنه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] لكن في المستقبل بعد أن يعلم الحكم الشرعي لا يجوز أن يبقى.
стр. 4096
معنى قول الرسول ﵊ في قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) أنها هي الآية الجامعة
ما معنى قول الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] أنها هي الآية الجامعة ال.
؟
الجامعة، أي: أنها جمعت كل شيء، وأن الإنسان إذا عمل خيراً قل أو كثر فإنه مثاب عليه؛ لأنهم لما سألوه عن الحمر، هل فيها من أجر قال: (أنه أنزل عليّ هذه الآية الجامعة) معناه: أي خير تعملوه في أي شيء، فإنكم مأجورون عليه، حتى الإنسان إذا أطعم أهله بنية صار له أجر، لقول النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك) .
стр. 4097
جواز الفتيا في الأشياء الظاهرة
نحن مدرسون يوجه إلينا بعض الأسئلة، فنجيب الطلاب بما نعلم فهل هذا من الفتيا والجرأة على الله ؟
إذا كان بما تعلم أنه الحق، فليس فيه جرأة.
السائل: كأننا صرنا في مقام المفتي نجيبهم؟ الشيخ: الرسول ﵊ قال: (بلغوا عني ولو آية) الكلام على أنك هل أنت متيقن وإلا لا.
السائل: إذا كان الحكم ظاهراً وبيناً؟ الشيخ: مثلاً لو سألك طالب وقال: ما تقول في الزنا؟ تقول حرام، هذا ما فيه إشكال، لكن يسألك عن مسألة لا يعرفها إلا طالب العلم، وتظن أنت أو يخيل لك أنها جائزة، وأنها حرام، وتفتي بهذا، فهذا لا يجوز، لكن الشيء الظاهر ظاهر.
السائل: الإشكال أن يخفى الحكم في الوقت الحاضر، قد يكون يعلم الحكم ولا يتقين منه لنسيان الدليل مثلاً؟ الشيخ: لا.
ينتظر يقول للطالب: انتظر حتى أبحث أو حتى أسأل؛ لأنه مادام الكلمة في نفسك ما عليك شيء، لكن إذا خرجت ما عدت تملكها.
стр. 4098
حكم قول القائل: سلام عليكم دون الإتيان بالألف واللام في كلمة سلام
مر علينا الكلام عن السلام وهناك بعض الألفاظ تؤخذ من السلام، بدلاً من أن يقول السلام عليكم، يحذف الألف واللام، يقول: سلام عليكم، أو يكون الجواب أيضاً: سلام ورحمة الله، دون أن يقول: وعليكم السلام؟
لا بأس إذا قال: سلام عليكم أتى بها منكرة، فلا بأس، لكن التعريف أفضل السلام عليكم، وكذلك سلام ورحمة الله وبركاته، يريد وعليكم السلام لا بأس، يجوز حذف الخبر ويجوز حذف المبتدأ، إبراهيم ﵊ قال: سلام حذف ماذا؟ حذف الخبر، أي: عليكم سلام.
стр. 4099
حكم قول القائل إذا دخل بيتاً وليس فيه أحد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
إذا دخل أحد بيتاً وليس فيه أحد هل يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وهل في هذا دليل صحيح؟
لا أعلم عن هذا، الله تعالى يقول: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] أما إذا لم يكن فيها أحد فلا أعلم في ذلك شيء.
стр. 4100
السلام بالإشارة
هل الإشارة تكون مقام العبارة في السلام كالاقتصار على رفع اليد؟
لا يجوز أن يقتصر الإنسان على الإشارة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولكن إذا كان الإنسان بعيداً أو كان أصم فاجمع بين الإشارة والعبارة، وأما أن تقتصر على الإشارة فلا، فهنا ثلاث حالات: الأولى: أن تقتصر على الإشارة فقط، فهذا لا يجوز.
الثانية: العبارة فقط، وهذا جائز وهو الأصل.
الثالث: أن تجمع بين الإشارة والعبارة وهذا إذا كان هناك سبب، ككون الإنسان بعيداً أو كونه لا يسمع اجمع بين الإشارة والعبارة، وأما إبلاغ السلام لمن أوصاك به، فإن تحملت ذلك وقلت حين قال: سلم لي على فلان قلت: نعم إن شاء الله، فإنه يجب عليك أن تبلغ، ولكن في مثل هذه الحال، إذا قال لك سلم لي على فلان، تقول: إن شاء الله، ما لم أنس، قيد، من أجل ألا تخرج بإثم، وإلا قال العلماء: إذا التزم الإبلاغ وجب عليه الإبلاغ.
السائل: عندنا كثير من الناس يقولون: نبلغك السلام وننسى أحياناً الشيخ: عليهم جميعاً السلام.
следующие страницы →