← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

معنى قول الرسول ﵊ في قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) أنها هي الآية الجامعة ما معنى قول الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] أنها هي الآية الجامعة ال. ؟ الجامعة، أي: أنها جمعت كل شيء، وأن الإنسان إذا عمل خيراً قل أو كثر فإنه مثاب عليه؛ لأنهم لما سألوه عن الحمر، هل فيها من أجر قال: (أنه أنزل عليّ هذه الآية الجامعة) معناه: أي خير تعملوه في أي شيء، فإنكم مأجورون عليه، حتى الإنسان إذا أطعم أهله بنية صار له أجر، لقول النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك) .

стр. 4097

جواز الفتيا في الأشياء الظاهرة نحن مدرسون يوجه إلينا بعض الأسئلة، فنجيب الطلاب بما نعلم فهل هذا من الفتيا والجرأة على الله ؟ إذا كان بما تعلم أنه الحق، فليس فيه جرأة. السائل: كأننا صرنا في مقام المفتي نجيبهم؟ الشيخ: الرسول ﵊ قال: (بلغوا عني ولو آية) الكلام على أنك هل أنت متيقن وإلا لا. السائل: إذا كان الحكم ظاهراً وبيناً؟ الشيخ: مثلاً لو سألك طالب وقال: ما تقول في الزنا؟ تقول حرام، هذا ما فيه إشكال، لكن يسألك عن مسألة لا يعرفها إلا طالب العلم، وتظن أنت أو يخيل لك أنها جائزة، وأنها حرام، وتفتي بهذا، فهذا لا يجوز، لكن الشيء الظاهر ظاهر. السائل: الإشكال أن يخفى الحكم في الوقت الحاضر، قد يكون يعلم الحكم ولا يتقين منه لنسيان الدليل مثلاً؟ الشيخ: لا. ينتظر يقول للطالب: انتظر حتى أبحث أو حتى أسأل؛ لأنه مادام الكلمة في نفسك ما عليك شيء، لكن إذا خرجت ما عدت تملكها.

стр. 4098

حكم قول القائل: سلام عليكم دون الإتيان بالألف واللام في كلمة سلام مر علينا الكلام عن السلام وهناك بعض الألفاظ تؤخذ من السلام، بدلاً من أن يقول السلام عليكم، يحذف الألف واللام، يقول: سلام عليكم، أو يكون الجواب أيضاً: سلام ورحمة الله، دون أن يقول: وعليكم السلام؟ لا بأس إذا قال: سلام عليكم أتى بها منكرة، فلا بأس، لكن التعريف أفضل السلام عليكم، وكذلك سلام ورحمة الله وبركاته، يريد وعليكم السلام لا بأس، يجوز حذف الخبر ويجوز حذف المبتدأ، إبراهيم ﵊ قال: سلام حذف ماذا؟ حذف الخبر، أي: عليكم سلام.

стр. 4099

حكم قول القائل إذا دخل بيتاً وليس فيه أحد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين إذا دخل أحد بيتاً وليس فيه أحد هل يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وهل في هذا دليل صحيح؟ لا أعلم عن هذا، الله تعالى يقول: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] أما إذا لم يكن فيها أحد فلا أعلم في ذلك شيء.

стр. 4100

السلام بالإشارة هل الإشارة تكون مقام العبارة في السلام كالاقتصار على رفع اليد؟ لا يجوز أن يقتصر الإنسان على الإشارة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولكن إذا كان الإنسان بعيداً أو كان أصم فاجمع بين الإشارة والعبارة، وأما أن تقتصر على الإشارة فلا، فهنا ثلاث حالات: الأولى: أن تقتصر على الإشارة فقط، فهذا لا يجوز. الثانية: العبارة فقط، وهذا جائز وهو الأصل. الثالث: أن تجمع بين الإشارة والعبارة وهذا إذا كان هناك سبب، ككون الإنسان بعيداً أو كونه لا يسمع اجمع بين الإشارة والعبارة، وأما إبلاغ السلام لمن أوصاك به، فإن تحملت ذلك وقلت حين قال: سلم لي على فلان قلت: نعم إن شاء الله، فإنه يجب عليك أن تبلغ، ولكن في مثل هذه الحال، إذا قال لك سلم لي على فلان، تقول: إن شاء الله، ما لم أنس، قيد، من أجل ألا تخرج بإثم، وإلا قال العلماء: إذا التزم الإبلاغ وجب عليه الإبلاغ. السائل: عندنا كثير من الناس يقولون: نبلغك السلام وننسى أحياناً الشيخ: عليهم جميعاً السلام.

стр. 4101

السلام على المبتدع المبتدع هل نسلم عليه؟ المبتدع إن كان داعياً لبدعته وكان في هجره مصلحة لا تسلم عليه، وأما إذا لم يكن في هجره مصلحة فسلم، صاحب البدعة إذا هجرته اتخذك عدواً وأثار الناس عليك، ولا فائدة من هجره، ولكن إذا كان في هجره فائدة بأن كان الرجل كبيراً في قومه وله منزلته، وصار هذا المبتدع إذا هجره هذا الرجل سوف يهتم بهذا؛ فلا بأس، وهذه قاعدة عامة، كل من كان على معصية ليست بكفر فلا يجوز هجره إلا إذا كان في ذلك مصلحة.

стр. 4102

الرد على من يقول: تفرق المسلمين أمر لابد منه بعض الناس يقولون: تفرق المسلمين أمر لابد منه، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨-١١٩] أن يكون لام التعليل، الله خلقهم على هذه، هل هذا صحيح؟ هذا غلط عظيم، الأصل في المسلمين الاجتماع وعدم التفرق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] هذا هو الأصل، أما استدلاله بالآية، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] الناس عموماً، لو شاء الله لجمعهم على الهدى فكانوا أمة واحدة ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] فإنهم لا يختلفون، وهل المسلمون ممن رحم الله؟ الجواب: نعم. إذاً فلن يكون بينهم اختلاف، وأما قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٩] فهو تعليل للناس عموماً، أي: ومن أجل هذا الاختلاف خلقهم، لولا هذا الاختلاف لم تجد النار أحداً، ولكان خلق النار ما منه فائدة، والله قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] . هذه المقالة غلط، لكن لا شك أن الناس يختلفون في العلم، يختلفون في الفهم ويختلفون في التقوى، فإذا اختلفوا في هذا لابد أن يختلف رأيهم، لكن هل اختلاف الرأي بأن يقول هذا الرجل: الوضوء من لحم الإبل واجب، وهذا يقول: ليس بواجب، هل هذا يؤدي إلى اختلاف القلوب؟ يجب ألا يؤدي إلى اختلاف القلوب، لكن مشكلتنا الآن أن كثيراً من الناس إذا خالفته في مثل هذه الأمور خالفك بقلبه، حتى في الأمور التي دون ذلك، تجده -مثلاً- يكرهك إذا كنت تقدم ركبتيك قبل يديك في السجود؛ لأنه يرى أنك تقدم اليدين، مع أن القول الراجح هو تقديم الركبتين، كذلك -أيضاً- يكرهك إذا جعلت يديك على صدرك في حال القيام بعد الركوع؛ لأنه يرى أنها لا تجعل، مع أن الصحيح أنها تجعل، مع أن المسألة كلها اجتهادية وفيها مساغ للاجتهاد، والواجب أنك إذا خالفك إنسان لمقتضى الدليل عنده، الواجب أن تزداد محبتك له، أي: كونه خالفك وهو يعلم أنك تكره أن يخالفك من أجل قيام الدليل عنده، يدل على تمسكه بما يراه دليلاً، وهذا مما يوجب زيادة المحبة لهذا الرجل، هكذا الحق، أما أن أتخذ من مثل هذا الخلاف عداوة وبغضاء فهذا لا شك أنه منهي عنه.

стр. 4103

حكم السلام على من يجلسون وقت الصلاة على الأرصفة نجد أناساً من البلد لا ندري هل هم مسلمون أم كفار، مع أن القرينة أن الناس يتجهون إلى المساجد، وهم جالسون على الشوارع والأرصفة، هل نسلم عليهم؟ هؤلاء لا تسلم عليهم ماداموا جالسين والناس يصلون، الغالب أن هؤلاء كفار، لكن مرهم أن يصلوا وإذا قالوا: إنهم غير مسلمين، تقول لهم: ابتعد عن المسجد لا يمكن أن يرخص للكافر أن يبقى أمام المساجد، والمسلمون يدخلون يصلون وهو باقٍ؛ لأن هذا تحدٍ لشعور المسلمين، فيقال: اذهب إلى غرفتك أو تجول في الأسواق لا تأتِ هنا وتجلس عند المسجد.

стр. 4104

حكم دعوة النساء كاشفات الوجه في أمر الدعوة إلى الله في دولة مسلمة، الداعين يقومون بأمر الدعوة للنساء من دون أن يكون هنالك حجاب، لكن النساء كن لابسات زياً إسلامياً، أو أقرب إلى الزي الإسلامي تماماً، فينكر عليهم؛ ونحن نقوم بهذا الأمر لمتطلبات منها: ربما القوم لم يأتهم داعية من قبل فيكون إذا ضرب الحجاب أو يكون الآن ليس له وقت، أو لا يستوعبون الكلام كما ينبغي، وهل الأمر بالحجاب في الآية أن يكون الحجاب الذي يكون بينك وبين النساء أم أن المرأة نفسها إذا لبست الحجاب، يكون كافياً وفقكم الله؟ الواجب على الداعية أن يدعو إلى الله وأن يجعل الحسنات الصافية غامرة للسيئات التي هي أقل منها، فكونه يأتي إلى النساء ويدعوهن إلى الله ، ويبين ما يجب من أركان الإسلام، والإخلاص، والمتابعة، والصلاة، خير من كونه يدعهن؛ لأنهن كاشفات الوجوه، نقول: اذهب وادعهن ولو كن كاشفات الوجوه، وغض البصر ما استطعت، ثم بعد أن يتقرر الإيمان في قلوبهن، وتتبين منزلتك عندهن، مرهن بتغطية الوجه، والحجاب ليس معناه أن يكون بينك وبين المرأة ساتر، الحجاب إذا غطت وجهها كفى.

стр. 4105

صلاة الراتبة في السفر السؤال قلنا بالأمس: إن راتبة الجمعة لا تلزم المسافر. لأن الراتبة أصلاً غير لازمة لا جمعة ولا غير جمعة، قلنا: يمكن أن يقال لمن صلى الجمعة من المسافرين: صل الراتبة، ويمكن أن نقول: لا تصل الراتبة، أي: إن صلى فلا بأس، وإن ترك فلا بأس.

стр. 4106

الواجب على المسافر إذا سمع نداء الجمعة هل إذا سمع المسافر النداء تلزمه الجمعة؟ هذا أمر وجوب، هذا أمر واجب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] . السائل: والراتبة يا شيخ؟! الشيخ: لا. ليس هناك علاقة بين الراتبة وحضور الجماعة، يعني: يقول مثلاً: لازم على من حضر الجماعة أن يصلي راتبة، ومن لم يحضر لا يصل راتبة؟! لا. انتهى هذا اللقاء وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4107

لقاء الباب المفتوح [١٤٦] في هذا اللقاء فسر الشيخ بعض الآيات من سورة الذاريات ومنها قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ والمرسلين الذين أرسلهم الله إليه: (قال فما خطبكم أيها المرسلون، قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) فتكلم عن اللواط وأنه جريمة كبيرة يستحق فاعلها والمفعول به القتل، وفي نهاية الآيات ذكر الفرق بين الإسلام والإيمان ثم أجاب عن الأسئلة.

стр. 4108

تفسير آيات من سورة الذاريات الحمد رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس والأربعون بعد المائة من لقاء الباب المفتوح، الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا اليوم الخميس التاسع من شهر شعبان عام ١٤١٧هـ، نتكلم فيه بما يسر الله من التفسير في سورة الذاريات.

стр. 4109

تفسير قوله تعالى: (قال فما خطبكم أيها المرسلون) انتهينا إلى قوله الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات:٣١-٣٢] . القائل: ما خطبكم؟ هو إبراهيم ﵊، أي: ما شأنكم أيها المرسلون؟ ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات:٣٢-٣٣] . (أرسلنا) أي: أرسلنا الله ؛ لأنه من المعلوم أنه لا يرسل أحداً من الملائكة إلا خالقهم ﵎، إلى قوم مجرمين، أي: ذوي جرم عظيم، ألا وهو اللواط -والعياذ بالله- فإنهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فيأتون ما لم يخلق لهم، ويدعون ما خلق لهم، كما قال لهم نبيهم لوط ﵊: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء:١٦٦] . وهذه الفاحشة، فاحشة نكراء لا يقرها عقل، ولا فطرة، ولا دين، ولهذا كانت عقوبتها الإعدام للفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كانا محصنين أم غير محصنين، بخلاف الزنا، فهو أهون عقوبة؛ لأن الزنا من لم يكن محصناً فعقوبته أن يجلد مائة جلدة ويغرب عن البلد سنة كاملة، وإن كان محصناً -وهو: الذي قد تزوج وجامع- عقوبته أن يرجم بالحجارة حتى يموت، أما هذا فعقوبته القتل بكل حال، كما جاء في الحديث: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) . ووقعت هذه الفاحشة في عهد أبي بكر ﵁، فأمر أن يحرق كل من الفاعل والمفعول به؛ لأن الإحراق أعظم عقوبة يعاقب بها بنو آدم، وكذلك جاء عن بعض الخلفاء أنهم أمروا بإحراق اللوطي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة على قتل اللوطي فاعلاً كان أو مفعولاً به، لكنهم اختلفوا كيف يقتل، منهم من أحرق ومنهم من قال: يرمى بالحجارة حتى يموت كالزاني المحصن، ومنهم من قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد، يعني: من مكان مرتفع أعلى ما يكون في البلد، ثم يتبع بالحجارة حتى يموت. فالمهم أنهم متفقون على قتله، ولا شك أن قتله هو الحكمة؛ لأن هذه الفاحشة متى دبت في الرجال، صار الرجال كالنساء، وبدأ الذل والعار والخزي على وجه المفعول به لا ينساه حتى يموت. ثم استغنى الرجال بالرجال وبقيت النساء؛ لأن هذه الفاحشة -والعياذ بالله- إذا ابتلي بها الإنسان لا يلتفت إلى غيرها؛ لأنه مرض فتاك سارٍ، فإذا أعدم هؤلاء وهم في الحقيقة جرثومة فاسدة مفسدة للإنسان؛ كان ذلك عين الإصلاح، ثم اللواط، -والعياذ بالله- لا يمكن التحرز منه؛ لأنه بين ذكرين، لا يمكن لأي إنسان أن يجد ذكرين يمشيان في السوق أن ينكر عليهما اجتماعهما؛ لكن الزنا يمكن، رجل مع امرأة تستنكره أو تتهمه وتتكلم معه، ولذلك كان عقوبة الإعدام في حق اللوطي أوثق ما يكون للحكمة، بل الرحمة أيضاً، هي رحمة بالفاعلين، باللائط والملوط به، حتى لا يبقيا في حياتهما يكتسبان الإثم وتزداد العقوبة عليهما، ورحمة للمجتمع، تكون عقوبتهما نكالاً، حتى لا يفسد المجتمع، لهذا قالت الملائكة لإبراهيم: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ . وجرمهم -والعياذ بالله- ما سبقوا إليه، كما قال لهم نبيهم: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] أرسلوا ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات:٣٣-٣٤] حجارة من طين، لكنه ليس الطين الذي يتفتت، بل الطين الصلب العظيم، الذي إذا أصابت هذه الحجارة أحداً من الناس وضربته على رأسه خرجت من دبره، لا يردها عظم ولا لحم، لقوتها وشدتها وصلابتها والعياذ بالله، وهي معلمة.

стр. 4110

تفسير قوله تعالى: (مسومة عند ربك للمسرفين) قال تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات:٣٤] المتجاوزين حدودهم، ومعنى (مسومة) أي: معلمة عند الله، أي: عليها علامة؛ لأن كل شيء عند الله بمقدار، لا تظن أن الأمور التي يقدرها الله تأتي هكذا صدفة، بل هي بمقدار حتى تباعد ما بين النجوم الآن وتفاوت ما بينها من الكبر والإضاءة بمقدار، لم يكن هكذا فلتة أو جاء صدفة، كل شيء مقدر بالشعرة أو أدق، كل شيء عند الله بمقدار، لابد أن هذه الحجارة معلمة عند الله، وهي معلمة بمعنى أن هذه مكتوب عليها مثلاً: حجارة عقوبة، أو مسومة حتى بالنسبة لمن تقع عليه؟ الجواب الثاني أدق، أي: هذه الحجارة لفلان، وهذه الحجارة لفلان ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ . أي: للمتجاوزين حدودهم، ولا شك أن اللواط مجاوزة للحد وإسراف والعياذ بالله.

стр. 4111

تفسير قوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] أخرجناهم، أي: أمرناهم أمراً قدرياً فخرجوا، قال الله للوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود:٨١] أخرج الله من كان فيها من المؤمنين، من هم؟ لوط وأهله إلا امرأته، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] . بيت واحد! قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله، وإلى ترك هذه الفاحشة فلم يتبعه أحد حتى أهل بيته، فيهم من لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخي الداعية! لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المائة إلا عشرة، هذه نعمة، الرسل عليهم الصلاة والسلام، يبقون في أممهم دهوراً كثيرة، ولا يتبعهم إلا القليل، لوط ﵊ من اتبعه من القرية؟ لا أحد، من اتبعه من أهله؟ اتبعه من أهله من اتبعه وتخلف عن دعوته من تخلف ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . وهنا يتساءل الإنسان في نفسه! كيف قال: (أخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين بالآية التي قبلها؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك وقالوا: إن في هذا دليل على أن الإيمان والإسلام شيئ واحد. وذهب آخرون إلى الفرق وقالوا: أما المؤمنون فقد نجوا، وأما البيت فهو بيت إسلام؛ لأن المظهر في هذا البيت بيت لوط أنه بيت إسلامي، حتى امرأته لا تتظاهر بالكفر، تتظاهر بأنها مسلمة، ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠] ليس معنى خانتاهما بالفاحشة؛ بل خانتاهما بالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنس النفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: إنه مجتمع مسلم، وإن كان فيه المنافقون؛ لأن المظهر مظهر إسلامي، إذاً نقول ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، إنما قال: من المسلمين؛ لأن امرأته ليست مؤمنة ولكنها مسلمة.

стр. 4112

تفسير قوله تعالى: (وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات:٣٧] ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ أي: علامة، فما العلامة؟ أهي علامة حسية أم علامة معنوية؟ أم علامتان معنوية وحسية، أقول لكم قاعدة مفيدة في التفسير: إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مرجح لأحدهما للآخر ولا منافاة بينهما وجب حملها على المعنيين جميعاً، هذه الآية نقول: آية، الآية هذه حسية ومعنوية، أما الحسية فما يشاهد من مكان قريتهم، التي تسمى بحيرة لوط، فإن هذا كان موضع القرية، كلٌ يمر به ويراه ويشاهده، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧-١٣٨] . آية معنوية: كل من قرأ قصتهم في جميع ما ورد فيه من السور الكريمة اعتبر واتعظ وخاف، هذه آية معنوية، لكن من الذي ينتبه لهذه الآيات، من يخافون العذاب الأليم ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أما المنكرون الذين قست قلوبهم، فإنهم لم ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المنتفعين بالآيات، انتهى الكلام على قصة إبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام، ويأتي بقية الكلام على آخر السورة.

стр. 4113

الأسئلة

стр. 4114

لا يجزئ الغسل المستحب عن الوضوء الواجب الأَغسال المستحبة إن لم تكن على صفة غسل الجنابة تجزئ عن الوضوء؟ بارك الله فيك! الأَغسال المستحبة على اسمها مستحبة، والوضوء واجب، ولا يغني المستحب عن الواجب، فالأغسال المستحبة لا تجزئ عن الوضوء، بل لابد أن يتوضأ ثم يغتسل، أو يغتسل ثم يتوضأ.

стр. 4115

الواجب على المأموم الذي لا يتيح له إمامه إكمال الفاتحة إذا كبر الإمام للركوع والإنسان لم يكمل الفاتحة، هل يكملها ولو أدى ذلك إلى عدم متابعة الركوع؟ إذا كان الإمام قد عُلم أنه لا يطمئن في صلاته ولا يقوم مقاماً يتمكن فيه المأموم من إتمام الفاتحة، فالواجب ألا تصلي معه أصلاً؛ لأن هذا لا تجوز الصلاة معه، لأنك بين أمرين: إما أن تتابعه وتترك الركن وإما أن تفعل الركن وتفوتك المتابعة، وإننا نحذر هؤلاء الأئمة من مثل هذا الأمر، وقد ذكر العلماء ﵏ أنه يحرم على الإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يجب، والطمأنينة واجبة، فهؤلاء الأئمة لا يصح أن يكونوا أئمة للمسلمين، ويجب عزلهم عن الإمامة إذا كانوا أئمة موظفين، ويجب على المسئولين عن الأئمة أن يطوفوا بالمساجد ومن وجدوه على هذه الحال ولم يقم بواجب الإمامة أزاحوه عنه؛ لأن هذه عادة سيئة فأقول: إذا كان من عادة هذا الإمام أن يسرع هذه السرعة التي لا يتمكن المأموم معها من قراءة الفاتحة، فالواجب على أهل المسجد أن يطالبوا بإزالته وإزاحته وإبعاده، ومن علم منه ذلك فلا يدخل معه أصلاً، يذهب إلى مسجد آخر، لكن قد يكون الإنسان ما يدري عن الإمام فدخل معه، وركع قبل أن تتم، فنقول: أتم الفاتحة ثم تابعه في الركوع، وإذا رأيت أنه سيبقى هكذا ففارقه ولو في أثناء الصلاة.

стр. 4116

حكم الملابس التي يصيبها المذي إذا كان الإنسان شديد الشهوة بحيث يكون كثير المذي، هل يلزمه أن يخلع كل ملابسة كلما أصابه مذي حيث أنه أحياناً لا يعلم المكان؟ المذي هو الذي يأتي عقب الشهوة، وقد أصيب به علي بن أبي طالب ﵁: (كان رجلاً مذاءً فأمر المقداد بن الأسود أن يسأل النبي ﷺ عن حكمه، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ) فلابد من أن تغسل ذكرك وتتوضأ، أما من جهة الملابس فنجاسته أخف من نجاسة البول، يكتفى فيها بالنضح، بمعنى أن تصب عليه الماء وإن لم يتقاطر وإن لم تغسله، كبول الغلام الصغير الذكر إذا لم يأكل الطعام وما زال يتغذى على اللبن، فهذا إذا بال على مكان يكفي أن يصب عليه الماء فقط، وإن لم يتقاطر.

стр. 4117

الأسئلة التي ليس فيها فائدة هل ملك الموت موكل بقبض أرواح الحيوانات؟ ما رأيك إذا قلت أن ملك الموت موكل بقبض أرواح الحيوانات أو غير موكل، ما الفائدة من هذا؟!! هل سأل الصحابة عنه الرسول ﷺ ، هم أحرص منا على العلم، والرسول أقدر منا على الإجابة، ومع ذلك ما سألوا، إنما قال الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] موكل بقبض أرواح بني آدم، أما غير أرواح بني آدم لم يثبت، الله أعلم. ولكننا أهم شيء في جواب هذا السؤال أن الإنسان لا يتنطع، قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون) فلا تسأل عن شيء ليس فيه فائدة، والله لو كانت فيه فائدة بعلمنا أن ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات الأخرى لبينها الله إما في القرآن أو السنة، أو أن الله يقيض من يسأل الرسول عن هذا، ولهذا كان الصحابة يفرحون أن يأتي أعرابي من البادية يسأل عن شيء ربما يستحون أن يسألوا الرسول عنه، الحاصل يا أخي أنت ومن يسمع أقول: إن التعمق في هذه الأمور خطأ؛ لأن الرسول قال: (هلك المتنطعون) ما قالها مرة: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ثلاث مرات، في مثل هذه الأمور الغيبية خذ ما ثبت ودع ما لم يذكر. وهذا كما يقول في مثل هذه الأمور يكون فيما يتعلق بصفات الله أو أعظم، وأولى ألا نتكلم فيها، خلافاً لبعض الطلبة الذين يقولون: إنا نريد أن نحرر مسائل العقيدة، فيسألون عن أشياء في العقيدة لم يسأل عنها الصحابة ولا بينت في الكتاب والسنة، وهذا أيضاً مما يجب الحذر منه، ولعلكم تعلمون ما جرى لـ مالك ﵁ حين سأله السائل، وقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ ماذا صنع مالك؟ مالك أطرق برأسه، عجز أن يقيم رأسه من شدة ما وقع عليه، وقام يتصبب عرقاً، ثم رفع رأسه، وقال: يا هذا! الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهو إمام من الأئمة، فعلينا يا إخواني! أن نأخذ من مسائل الغيب ما ثبت عندنا، والباقي نسكت عنه، لو كلفنا به أو كان لنا مصلحة في معرفته لبينه الله، قال الله تعالى للرسول ﵊: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] فالرسول ما ترك شيئاً نحتاجه إلا بينه.

стр. 4118

إذا خلع الإنسان ما مسحه فلا يعيد المسح حتى يتوضأ ويغسل قدميه فضيلة الشيخ! إذا توضأ شخص ثم لبس الشراب ولبس الجزمات ومسح على الجزمات، ولما أتت الصلاة خلع الجزمات، فهل هذا ينقض الوضوء أم لا؟ لا. الوضوء لا ينتقض إذا خلع الإنسان ما مسح من الجوارب التي هي الشراب أو الجزمات فإن الوضوء لا ينتقض، لكن أعطيك قاعدة أرجو من الله أن أكون فيها موفقاً للصواب: إذا خلعت ما مسحته فلا تعد المسح بعد ذلك حتى تتوضأ وتغسل قدميك، الآن مسحت على الجزمات ثم خلعتها عند الصلاة، إذا أردت أن تتوضأ مرة ثانية، لازم تخلع الشراب؛ لأن القاعدة الآن اجعلوها أمامكم: إذا خلع الإنسان ما مسح من الجوارب، أو الجزمات، فالوضوء لا ينتقض لكن لا يمكن أن يلبسها إلا على طهارة، أي: لا يمكن أن يلبسها مرة ثانية، حتى يتوضأ.

стр. 4119

حكم تقبيل النساء المحارم ما حكم تقبيل النساء المحارم كالأم والأخت؟ تقبيل الزوجة معروف أنه من الأمور المطلوبة؛ لأن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وكان الرسول ﵊ يقبل نساءه وهو صائم، فتقبيل المرأة من الأمور المطلوبة التي هي الزوجة أما تقبيل المحارم فإن كانت الأم، أو الأخت الكبيرة أو الجدة، أو البنت، فهذا لا بأس به، وقد قبل أبو بكر ابنته عائشة ﵂ على خدها. وأما غيرهن من المحارم غير الأصول والفروع، فالأولى ألا يقبلها إلا إذا كانت أختاً كبيرة، فهنا يقبلها على جبهتها، أو على رأسها، أما يقبل أخته الشابة، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فليتجنب هذا لا يقبلها، وأبلغ من ذلك في التحذير منه أن يقبل محارمه من الرضاع؛ لأن المحارم من الرضاع أقل هيبة عند الإنسان من المحارم من النسب، ولهذا يجب الحذر من أختك من الرضاع أن تقبلها، لاسيما إن كانت شابة جميلة، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. الخلاصة: تقبيل الزوجة مطلوب، وتقبيل غيرها من المحارم إن كان من الأصول أو الفروع فلا بأس به، وإن كان من غيرهن فالحذر من ذلك أولى.

стр. 4120

الصف مع الصغار صف صحيح تنعقد به الصلاة الصلاة بين الطفلين الصغيرين كصلاة المنفرد؟ إذا قام مع الإنسان طفل أو طفلان خلف الصف فليس بمنفرد؛ لأنه ثبت من حديث أنس بن مالك (أنه قام وراء النبي ﷺ هو ويتيم معه) واليتيم لم يبلغ، فالصواب أن الصف مع الصغار صف صحيح تنعقد به الصلاة، كما أنه يجوز أن الصغير الذي لم يبلغ أن يكون إماماً لك، وهو أولى منك إذا كان أقرأ منك، يعني: إنسان له أربعون سنة وصبي له عشر سنوات، لكنه يحفظ القرآن، أو يحفظ أكثر القرآن حفظاً جيداً، والرجل الكبير لا يحفظ شيئاً، أيهما أولى بالإمامة؟ الصغير وإن لم يبلغ، لأن عمرو بن سلمة الجرمي ﵁ أمَّ قومه وله ست أو سبع سنين، أي: صار إماماً لهم وله ست أو سبع سنوات، في عهد النبي ﷺ ؛ لأنه كان أقرأ قومه؛ لأنه صغير ما عنده أشغال تلهيه فكان يتلقى الركبان الذين يركبون من المدينة فيتعلم منهم القرآن، فجعلوه إماماً، امتثالاً لأمر الرسول ﵊ حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ويقول: إنه كان عليه قميص أو إزار قصير، وكان إذا سجد ارتفع الثوب، حتى يقرب من السوءة -ينكشف- فخرجت امرأة من الحي ذات يوم وهو ساجد وثوبه مرتفع، لكنه ما ظهرت عورته، فقالت من المبالغة: غطوا عنا إست قارئكم، الإست: هو الدبر وليس فرج المرأة، فلما قالت هذا، كأن القوم فهموا أن المرأة تلمزهم، تقول: كيف يكون قارئكم وما تكسونه ثوباً؟ فاشتروا له ثوباً فكسوه إياه، قال: فما فرحت بعد الإسلام مثل فرحي بهذا الثوب، الله أكبر.

стр. 4121

سماع القرآن قبل النوم، أو وقت المذاكرة، أو وقت الانشغال بعض الناس يسمع القرآن قبل النوم، أو مثلاً وقت مذاكرة أو انشغال بالأشغال فهل هذا من الآداب وما حكمه؟ هذا ليس من الآداب، ليس من الآداب أن يتلى كتاب الله ولو بواسطة الشريط وأنت متغافل عنه، لقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠] فلذلك نقول: إن كنت متفرغاً لاستماعه فاستمع، وإن كنت مشغولاً فلا تفتحه، ولهذا نرى أن من الخطأ الذي يريد صاحبه به خيراً ما نسمعه عند الاتصال بالهاتف، فيقول: مثلاً انتظر، فتسمع القرآن، كأن القرآن جاء لمعنى في غيره، حرف جاء لمعنى، من أجل أن يجعل الناس ينتظرون، القرآن أكرم وأشرف من أن تجعله شيئاً ينتظر لغيره، ولولا أن نية هؤلاء نية طيبة، لقلنا: إنهم آثمون، على العكس من ذلك هناك أناس إذا اتصلت بهم وقلت أريد كذا، أريد فلاناً أسمعوك موسيقى، أستغفر الله! أي: كأنهم يريدون أن يوجهوا الناس إلى سماع المحرم، وليس لهم عذر إذا قالوا: هكذا صنعت، نعم. الكفار لا يرون بهذا بأساً؛ لأن الكفر في الحقيقة أعظم من هذا، والحمد لله، هذا لا يمكن أن يشتغل إلا باتصال الكهرباء به، أليس كذلك! ممكن تفصل، افتح الآلة واقطع الشريط الذي يتصل بالموسيقى وينتهي، إذاً ماذا أضع؟ أقول: ضع كلمة انتظر، كلمة مطابقة للواقع ومفيدة للسامع، بعد ثلاثين ثانية أو شبهها انتظر، وهكذا. الشيء الذي من غير القرآن قد يكون مفيداً لماذا؟ لأنه ربما يأتي حكم مسألة ثم يبدأ الاتصال قبل تمام الشروط، فيفهمها السامع على أنها ليس لها شروط، فيحصل ضرر، كذلك الحكم، الحكم ربما يحصل اتصال قبل تمام الحكمة، ويكون آخرها متعلقاً بأولها، كلمة انتظر ما لها أي إثم مفيدة. بعض الناس يقول لي: لا ينام إلا على سماع القرآن، إذا كان كذلك فلا بأس إذا كان مضطجعاً ينتظر النوم ما عنده شغل، فيستمع هذا لا بأس به، ومن استعان بسماع كلام الله، على ما يريد الإنسان من الأمور المباحة، لا بأس ليس هناك مانع.

стр. 4122

حرمة الاستعانة بالسحرة شخص كان في منطقة ثم استعان بساحر حتى ينتقل إلى منطقة أخرى ليقرب من والديه ليبرهما؛ لأنه لم يستطع أن ينقل إلى تلك المنطقة بطريقة نظامية وله ست سنوات منذ أن استعان بذلك الساحر، فما حكم رواتبه التي استلمها طوال هذه السنين؟ هذا حرام عليه والعياذ بالله، وقد يؤدي إلى الكفر؛ لأن الساحر سيستعين بالشياطين، والشياطين في الغالب لا تعين أحداً إلا بواسطة الشرك، فعليه أن يتوب إلى الله مما صنع، وإذا تاب إلى الله مما صنع فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] . وأحب أن يدع هذه الوظيفة إلى وظيفة أخرى؛ لأن هذه في الحقيقة وظيفة مترتبة على شيء غير مأذون فيه، لكن ليس فيها ظلم لأحد فيما نظن، فلا نقول: يجب عليه أن يتخلى عنها، لكن أنا أحب أن يتخلى عنها، وأرى أن ذلك إن شاء الله تعالى من تمام توبته، ولعل الله أن يثبته إذا علم منه صدق النية والتوبة إلى الله.

стр. 4123

حرمة سماع الموسيقى سواء كانت ترمز إلى شيء ديني أو غير ذلك هذه لفتة إلى إشارتكم السابقة وهي معلومة من فضيلتكم أن ما يسجل على مكينات التسجيل يأتي عادة مسجل من الخارج، والموسيقى أو الأشياء التي توضع غالبها -والعياذ بالله- يحوي موسيقى خاصة باحتفالات الكريسمس، الذي يسمونه عيد ميلاد عيسى ﵇ أو كما يقولون: فهذه مشهورة جداً في بلادهم، ويضعوها مسجلة جاهزة مجرد أنك فقط أنك تضع الزر وتأتي، وكثير من الناس يستعملون هذه الأشياء ولا يدرون حقيقة ما يدور؟ صحيح، نحن نقول: حتى وإن لم تكن رمزاً إلى شيء ديني، هي بذاتها محرمة، الموسيقى التي نسمعها عند انتظار المكالمة.

стр. 4124

حكم امرأة شكّت هل جاءها الحيض قبل الأذان أم بعده إذا دخل وقت الصلاة وذهبت المرأة دورة المياه للاستنجاء فرأت دم الحيض فلا تدري هل نزل هذا الدم قبل الأذان أو بعد الأذان فماذا يجب عليها؟ الأصل أنه لم ينزل، وعلى هذا فإذا طهرت تقضي الصلاة التي دخل وقتها، إلا إذا كانت من حين سمعت الأذان ذهبت بسرعة ورأت الدم فالغالب أنه يكون هذا قبل الوقت، وإذا كان قبل الوقت لم تجب عليها الصلاة.

стр. 4125

كل شخص مفارق لوطنه فحكمه حكم المسافر رجل له أعمال في مصر وله أعمال في السعودية وله أعمال في فرنسا، وبدلاً من أن ينزل في شقة في فندق مستأجر شقة ينزل فيها إذا أراد العمل، فيسأل: إذا ذهب إلى فرنسا ونزل في هذه الشقة يعتبر إقامة له، أو يجوز له الجمع والقصر؟ يا أخي! الإنسان مادام مفارقاً لوطنه فهو مسافر حتى لو بقي في البلاد الأخرى شهراً أو شهرين، لكن إن كان في بلاد إسلامية وجب عليه أن يحضر وأن يصلي مع المسلمين تماماً بدون قصر، لكن إذا فاتت يصلي ركعتين، وإن كان في بلد غير إسلامية ليس فيها جماعة يصلي ركعتين حتى يرجع.

стр. 4126

مسألة ضع وتعجل في بيع التقسيط شركة تعمل في بناء الشقق، وتبيعها بالقسط وبالنقد، يسأل: إذا اشترى رجل شقة من هذه الشقق بالقسط بالنسبة القسط لمدة عشر سنوات، ودفع ثلاثة أقساط وأراد أن يدفع باقي الأقساط جملة واحدة فهل له الحق في نسبة خصم؟ ليس له الحق، يعني: من اشترى سلعة بأقساط لمدة خمس سنوات، ثم يسر الله عليه وتمكن من الوفاء في خلال سنتين، فهل له الحق أن يطالب البائع بالتنزيل أم لا؟ نقول: ليس له الحق، لكن إذا وافق البائع وقال: أنا أقبل منك التعجيل مع الإسقاط فالصحيح أنه لا بأس به؛ لأن هذا فيه مصلحة للدائن والمدين وليس فيه ظلم ولا ربا.

стр. 4127

الرد على من يقول بجواز فوائد البنوك هناك فتوى من سماحة الشيخ سيد طنطاوي في مصر بجواز فوائد البنوك، فيقول: الشيخ استند على رأي فقهي يقول: إن هناك رأيان في مسألة البنوك رأي يحدد الفائدة مقدماً ورأي لا يحدد فائدته، فهو بنى فتواه على الرأي الذي يحدد الفائدة مقدماً فيسأل الإخوة هل هذا رأي معتبر له سند في الشرع أو أنه اجتهاد من الشيخ؟ الذي نرى أنه ليس له مستند من الشرع وأنه غلط؛ لأن الربا هو الزيادة، سواء كانت الزيادة فيها مصلحة للجميع أو لا، بعض إخواننا من العلماء المعاصرين، يقولون: إن الربا الاستثماري فيه مصلحة، للآخذ والمعطي، الآخذ مصلحته أنه يزيد ماله يعطي ألفاً ويأخذ ألفاً ومائتين، والمعطي للربا يستفيد أنه يأخذ هذا المال ويشتري به معدات، أو إنشاء مشروع أو ما أشبه ذلك، فيقولون: هذا فيه فائدة للطرفين والشريعة الإسلامية ما جاءت إلا لتكثير المصالح وتحصيلها، والربا أصله مبني على الظلم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] . هذه نظرية ما نقول فيها شيء، لكن إذا كانت تخالف النص، وجب إبطالها؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم النظريات مع مخالفة النص، وإلا لاستقام لإبليس دعواه أنه خلق من نار وآدم من طين، على أن الطين خير من النار، حتى أصل قياس إبليس خطأ، أقول: إن النبي ﵊ أُتي إليه بتمر جيد، فقال: (من أين هذا؟ قالوا: يا رسول الله! نأخذ الصاع من هذا بالصاعين من الردي والصاعين بالثلاثة) . أسألك أنت أيها السائل، هل فيها ظلم؟ أعطيتك صاعين رديئين قيمتهما عشرة دراهم، وأعطيتني صاعاً جيداً قيمته عشرة دراهم، فيها ظلم؟ الظاهر والباطن ما فيه ظلم، هذا لو بعته بالسوق أخذت عشرة، والاثنين لو بعتهم بالسوق أخذت عشرة ما في ظلم، ومع ذلك قال الرسول ﵊: (أوه عين الربا رده) ، فقال: هذا عين الربا، وقال: (رده) وقال: (أوه) أتوجع من هذا العمل، ومع ذلك ليس فيه ظلم وفيه مصلحة، فأبطله الرسول ﵊، وقال: (هو عين الربا) بهذا نعرف أن الفتوى التي أشرت إليها وما قاله بعض المعاصرين فتوى غلط، ليست بصحيحة، والربا الاستغلالي الظلمي، والاستثمار المصلحي؛ كلاهما حرام، نسأل الله أن يحمينا وإياكم ويدلنا على الحق، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4128

لقاء الباب المفتوح [١٤٧] صيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويثبت بدخول الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، والصيام هو التعبد لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بترك المفطرات من الأكل والشرب والجماع وغير ذلك، والمقصود من الصيام حقيقة هو: تقوى الله ، ومما يدخل في صيام رمضان القيام والاعتكاف، فالقيام مندوب شرعاً والاعتكاف سنة وكلاهما فيهما الأجر العظيم من الله سبحانه.

стр. 4129

مسائل تتعلق بشهر رمضان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع والأربعون بعد المائة الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو اليوم السادس عشر من شهر شعبان عام (١٤١٧هـ) . ونظراً لأنه لم يبق علينا إلا لقاء واحد بعد هذا اللقاء فإننا نرى أن يكون كلامنا في هذا اللقاء فيما يتعلق بشهر رمضان، ونتممه إن شاء الله في اللقاء القادم.

стр. 4130

فرضية الصيام نقول: إن شهر رمضان فيه ثلاث عبادات مشروعات: الأولى: الصيام، وهي أعظمها، والثانية: القيام، والثالثة: الاعتكاف. فأما الصيام فإنه فرضٌ بإجماع المسلمين؛ لأنه أحد أركان الإسلام التي عبر عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) وهذه الخمس كما يتراءى لبعض الناس أنها ست، ولكنها خمس؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله واحدة؛ لأنهما ركنا كل عبادة، وشرطا كل عبادة، فلا عبادة صحيحة إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالإخلاص لله، تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة للرسول، تتضمنه شهادة أن محمداً رسول الله.

стр. 4131

حكم من أنكر صيام رمضان فصيام رمضان أحد أركان الإسلام، فمرتبته في الإسلام عظيمة وهو فرض بإجماع المسلمين، ولهذا قال العلماء: من كان عائشاً بين المسلمين وأنكر فريضة صوم رمضان كان كافراً مرتداً ولو صام؛ لأنه أنكر فرضاً مجمعاً عليه معلوم بالضرورة من دين الإسلام.

стр. 4132

متى يثبت دخول رمضان صيام رمضان يثبت برؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو أعني الصيام: التعبد لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بترك المفطرات من الأكل والشرب والجماع وغيره.

стр. 4133

المقصود من الصيام والمقصود من الصيام حقيقة هو تقوى الله ، بدلالة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يقل: لعلكم تجبرون، أو لعلكم تتمرنون على تحمل الجوع والعطش وكف النفس عن الشهوات، قال: لعلكم تتقون. والتقوى: فعل أوامر الله وترك نواهيه، وقال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل؛ فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه) هذا هو المقصود حقيقةً بالصوم، لكنه الآن في مفهوم كثير من المسلمين هو الإمساك عن المفطرات، ولذلك تجد بعضهم لا يهمه في نهار رمضان إلا أن يقطع أوقاته في النوم تارة، وباللهو تارة أخرى، ولا تجد عليه علامات الصوم، وليس يوم صومه مخالفاً ليوم فطره، بل هما سواء عند كثير من الناس. وهذا هو الذي أفقد الأمة الإسلامية روح عباداتها وشعائرها حتى أصبح المسلمون الآن في كثير من الأحيان وفي كثير من شعوبهم وأفرادهم يأتون هذه العبادات وكأنها شعار قومي، لا كأنها عبادة دينية، كأنها عادة مشوا عليها، وكان عليها آباؤهم وأجدادهم، ولذلك فقدت المعاني العظيمة التي تترتب على هذه العبادات الجليلة. فمثلاً الصلاة تنهى عن الفحشاء يومياً، أكثر الناس ينصرف من صلاته ولم يتأثر إطلاقاً، لم يتأثر بكراهة الفحشاء والمنكر، مع أن صلاته لو كانت على الحق وعلى ما ينبغي لوجد من نفسه أنه إذا خرج منها كان كارهاً للفحشاء والمنكر؛ لأنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر، كذلك الصيام، الناس يصومون الآن شهراً كاملاً، لو كانوا كما أراد الله منهم أن يتقوا الله ويدعو قول الزور والعمل به والجهل، لكان شهراً كاملاً يعني: نصف سدس السنة لا يمكن أن يخرج إلا وقد تربوا تربية تامة على طاعة الله وتقوى الله، لكن من منا إذا خرج رمضان وجد من نفسه استقامة وحسن عمل أكثر مما كان في شعبان، أكثر الناس إذا انتهى رمضان فرحوا فرح شهوة بانتهاء الصوم، فكأنهم فرحوا بخروجه ولم يفرحوا من خروجهم من ذنوبهم. ولذلك يجب علينا أن نعرف الحكمة العظيمة من الصوم، وأن نصوم كما أراد الله منا، وكما بين لنا رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نصوم عن معاصي الله، إلى طاعة الله ، الصوم كما ذكرنا لكم هو: التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا هو الصوم، لابد أن تلاحظ أنك في عبادة.

стр. 4134

مقدمات الصوم ومؤخراته من العبادات مقدمات الصوم ومؤخراته من العبادات، فالسحور -مثلاً- من العبادات؛ لأن النبي ﷺ أمر به، فقال: (تسحروا) وبيّن أن في تسحرنا مخالفة لليهود والنصارى، حيث قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور) . ثم إن نبينا وإمامنا محمداً ﷺ كان يتسحر ويتسحر معه الصحابة، كما قال زيد بن ثابت: (تسحرنا مع الرسول ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة) . فإذاً نقصد بسحورنا أولاً: امتثال أمر الرسول ﵊، هذه واحدة. ثانياً: مخالفة اليهود والنصارى. ثالثاً: الاقتداء برسول الله ﷺ ؛ لأنه قلت لكم: إن الرسول كان يتسحر ويتسحر المسلمون معه، فهذه ثلاثة أشياء كلها عبادة، ثم إننا نقول أيضاً: الرسول ﵊ قال: (إن في السحور بركة) أين البركة؟ كله بركة: عبادة، واقتداء بالرسول، ومخالفة لأصحاب الجحيم، وعون على الصوم، وإعطاء للنفوس حقها، حيث أنها ستقبل على وقت تمسك فيه، فتنال حضها من الأكل والشرب لتتقوى به على طاعة الله ، هذه مقدمة الصوم. المؤخر الذي يلحق الصوم: الفطر، أمر النبي ﷺ بل حث النبي ﷺ على التعجل بالإفطار فقال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) لكن بعد تيقن غروب الشمس أو غلبة الظن في غروبها إذا لم يمكن اليقين. إذاً السحور: عبادة، والفطور: عبادة، وليكن على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، أولاً: التمر الأفضل منه الرطب، ثم التمر غير الرطب، ثم الماء إذا لم يجد. فضلاً عما يقع في الصيام من الصبر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] . الصيام فيه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. صبر على طاعة الله؛ لأن الإنسان يتحمل الصوم ويصبر عليه، ويكف نفسه وبذلك يكون صابراً عن معصية الله، الصوم يلحق الإنسان فيه: جوع، وعطش، وهبوط نفس، وكسل ولاسيما في الأيام الطويلة الحارة، فتجتمع فيه أنواع الصبر، ولهذا جاءت تسمية شهر رمضان بشهر الصبر؛ لأن فيه أنواع الصبر الثلاثة، فهو خير. ثم إن الواجب علينا، أن نفكر إذا كان الله تعالى نهانا عن شهواتنا، الجسدية -البدنية- من أكل وشرب وجماع، فلننهى أنفسنا عن الشهوات المعنوية، كثير من الناس نسأل الله العافية، يشتهي المعاصي، يشتهي الكذب، الغيبة، السب، الشتم، فهل من المعقول أن الله ينهانا عن الشهوات الجسدية ثم نبيح لأنفسنا الشهوات المعنوية؟ لا. أبداً ليس من الحكمة، ولهذا نقول: إن المعاصي كترك صلاة الجماعة -مثلاً- ممن تجب عليه وكالغش، وكالكذب، والغيبة وما أشبهها؛ إنها تنقص صومه، حتى لو فرضنا أن الإنسان من حين صام إلى أن أفطر وهو في المسجد يقرأ ويصلي ويسبح ويهلل ولكنه يفعل هذه المعاصي فإنها سوف تنقص الصوم لا شك في هذا؛ لأنه لم يأت بالحكمة التي من أجلها شرع الصوم. إن الرسول ﵊، قال: (الصوم جنة) يعني: وقاية يتقي به الإنسان معصية الله ، (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب) يعني: لا يفعل الإثم ولا يصخب بالكلام (وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم) أرشده النبي ﵊ إلى ألا ينتصر لنفسه بل يقول: إني امرؤ صائم، فلو أن أحداً سبك وقال لك: يا حمار! يا كلب! أنت بليد! أنت فيك كذا! وأنت صائم لا ترد عليه، مع أنك لو رددت عليه لكان جائزاً وجزاء السيئة سيئة مثلها لكن في الصيام لا. لا ترد عليه ولكن لا تظهر بمظهر العاجز عن مقابلته وقل: إني صائم، وفي قولك: إني صائم فائدتان: الفائدة الأولى: توبيخه. الفائدة الثانية: أن بك قدرة على الرد عليه ومقابلته لكن يمنعك الصيام. كل هذا يدل على أن الصوم ليس حبس النفس عن الشهوات الجسدية بل هو بمعنى أعمق، وأبلغ، وأتم.

стр. 4135

حكم من أكل أو شرب في نهار رمضان ناسياً أو جاهلاً نتعرض في هذه المسألة لمسائل منها مثلاً: لو أن الإنسان أكل حين سمع صوت مؤذن، والمؤذن عادة يؤذن إذا غابت الشمس، ثم تبين أن المؤذن أخطأ وأن الشمس لم تغرب فهل يلزمه القضاء؟ لا يلزم، ليس عليه قضاء، لكن إذا رأى الشمس يجب أن يمسك، حتى الذي في فمه يجب أن يلفظها لكن ما كان قبل أن يعلم فإنه لا شيء عليه، الدليل قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وهذا خطأ لكن بغير قصد، فقال الله تعالى في الآيات الكريمة: قد فعلت، ثم إن الصحابة ﵃ في عهد نبيهم ﵊ أفطروا في يوم غيم، ظناً منهم أن الشمس قد غربت ثم طلعت الشمس ولم يقل لهم الرسول ﵊ اقضوا يوماً مكانه، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلينا؛ لأنه إذا أمر به كان من الشريعة، والشريعة لا يمكن أن يترك منها شيء، لابد أن تنقل. رجل آخر نسي أنه صائم فأكل أو شرب ماذا نقول له؟! أعليه قضاء؟! ليس عليه قضاء، لكن إذا ذكر توقف وجوباً، الدليل على أنه لا قضاء عليه هو: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وهذه يا إخواني آية من كتاب الله لم يقلها فلان الفلاني، ثم آية أقرها الله هي دعاء من المؤمنين لكن أقرها الله وأعطاهم دعاءهم، قال: قد فعلت، وفيه حديث في نفس المسألة، قال النبي ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) فلم ينسبها إليه بل نسبها إلى الله؛ لأنه بغير قصد. إذاً كل من أكل أو شرب وهو صائم ناسياً أو جاهلاً ليس عليه شيء للآية، ولقوله ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) هذا النسيان، الجهل: تقول أسماء بنت أبي بكر والحديث في صحيح البخاري: (أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس) وهذا نص صريح. فإذاً نأخذ قاعدة: من فعل شيئاً من المفطرات ناسياً أو جاهلاً فصيامه صحيح أياً كان، حتى لو أن الرجل -مثلاً- كان معه أهله وظن أن الفجر لم يطلع فجامع أهله ثم تبين أنه قد طلع فليس عليه شيء لا قضاء، ولا كفارة، ولا إثم، هذا ما يتعلق بالصوم.
следующие страницы →