Полный текст (6 569 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض)
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم:٣١] هذه الآية تدل على أمرين: الأمر الأول: عموم ملك الله لما في السماوات والأرض، ويؤخذ هذا العموم من قوله: (ما في السماوات) لأن (ما) للعموم.
والأمر الثاني: اختصاص ملك السماوات والأرض لله ، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر: (ولله ما في السماوات) والعلماء يقولون: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد العموم، وهذه قاعدة بلاغية لغوية، ولها أمثلة كثيرة: منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] (إياك) هذه مفعول مقدم ذو جملتين: لنعبد ولنستعين، وحق المفعول أن يكون مؤخراً، لكنه قدم من أجل الاختصاص، ونضرب مثلاً لهذا بما يجري بيننا، فإذا قلت لشخص: إياك أردت، فهي ليس كقولك: أردتك؛ لأن إياك أردت يعني: ولم أرد غيرك، لكن أردتك قد تكون أردته وأردت غيره أيضاً.
المهم افهموا هذه القاعدة: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، يعني: اختصاص الشيء هذا لهذا الشيء.
إذاً: هل أحد يملك ما في السماوات والأرض؟ لا، إلا الله هو الذي يملك ما في السماوات والأرض، ولما ذكر عموم الربوبية ذكر ما يترتب على هذا العموم في قوله: ((لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)) [النجم:٣١] إذاً فمقتضى هذا الملك، أن يأمر وينهى، ثم يجازي بعد ذلك الذين أحسنوا بالحسنى، والذين أساءوا بما عملوا، ما معنى: الحسنى؟ الحسنى: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.
أساءوا بما عملوا يعني: السيئة بمثلها فقط ولا زيادة، قال الله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] وهذا في معاملات الخلق، وأما الخالق فقال : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠] .
стр. 4832
تفسير قوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] (إلا اللمم) لها معنيان: المعنى الأول: يعني الصغائر.
والمعنى الثاني: القليل من الكبائر والفواحش، (إلا اللمم) يعني: إلا القليل، ذكرنا بناء على اختلاف القولين الاختلاف في (إلا) هل هي متصلة أو منقطعة؟ (إلا اللمم) متى تكون منقطعة؟ إذا فسرنا (اللمم) بالصغائر صارت منقطعة، وعلامة (إلا) المنقطعة، أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، فمثلاً: ((كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)) [النجم:٣٢] إذا قلنا اللمم الصغائر، فهل الصغائر من الكبائر والفواحش؟ لا، إذا قلنا: المراد باللمم القليل من الكبائر والفواحش صارت (إلا) متصلة؛ لأن اللمم القليل مما سبق فهو من جنسه.
إذاً: الاستثناء عندنا يكون منقطعاً ويكون متصلاً فما هو المتصل؟ إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع، وإليك ما مثل به النحويون يقولون: إذا قلت: جاء القوم إلا أميرهم، فالاستثناء متصل؛ لأن الأمير من جنسهم.
وقالوا: إذا قلت: جاء القوم إلا حمارهم، فالاستثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس القوم.
стр. 4833
تفسير قوله تعالى: (إن ربك واسع المغفرة)
ثم قال : ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] إشارة إلى أن الصغائر تغفر، وقد ثبت في القرآن الكريم أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر، فقال جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] ، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ .
أما إذا قلنا: اللمم القليل من الفواحش والكبائر، فيكون قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ إشارة إلى أن الكبائر إذا تاب الإنسان منها غفر الله له، وكأنها لم تكن، وإن لم يتب منها فهو تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عاقبه بما تستحق هذه الكبيرة.
وهناك قومٌ من هذه الأمة يقولون: إن الكبيرة لا تغفر، وهم الخوارج والمعتزلة، فـ الخوارج والمعتزلة يقولون: إن الإنسان إذا زنى فهو من أهل النار وهو كافر، وإذا سرق كذلك، وإذا شرب الخمر كذلك، لكن قولهم باطل، والصواب: أن فاعل الكبيرة داخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
لو قال قائل: أنت إذا قلت هذا، فتحت الباب على مصراعيه لفعل الكبائر؛ لأن أي إنسان يفعل كبيرة يقول: أنا يمكن أن يغفر الله لي، وهذا فعلاً يحتج به العوام، يقول: إذا كان الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ما دون الشرك لمن يشاء، إذاً سيفعلون الكبائر ويقولون: سيغفر الله لي، فكيف تجيبه؟ نجيبه بأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ وما قال: لكل أحد، بل قال: (لمن يشاء) فهل أنت متيقن الآن أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ هل أحدٌ يتيقن هذا؟ لا أحد يتيقن.
إذاً: لا حجة في هذه لأهل المعاصي.
ثم إن قوله تعالى: (لمن يشاء) نعلم أن الله حكيم، لا يشاء أن يغفر للمذنب غير الشرك إلا إذا اقتضت الحكمة ذلك، ومن منا يستطيع أن يقول: إن حكمة الله تقتضي أن يغفر الله لي؟! لا أحد يقول هذا، بل لو قال هذا لقلنا: إن قولك هذا من أسباب المؤاخذة والمعاقبة؛ لأنك تأليت على الله.
стр. 4834
تفسير قوله تعالى: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض)
ثم قال : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم:٣٢] فهو أعلم بنا منذ ذلك الوقت الطويل البعيد، (إذ أنشأكم من الأرض) بماذا؟ بخلق أبينا آدم؛ لأن آدم خلق من التراب، ثم صار طيناً ثم صار صلصالاً، ثم خلقه الله بيده جسماً ونفخ فيه الروح فصار آدمياً إنساناً، إذاً نحن من الأرض، سبحان الله نحن من الأرض؟!! نعم نحن من الأرض، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] الإخراج الذي ليس بعده وفاة، وهو في يوم القيامة.
(إذ أنشأكم من الأرض) ولذلك الآن بنو آدم كالأرض تماماً فيهم الحزن الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، وفيهم الأحمر والأسود؛ لأن الأراضي تختلف هكذا، وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض سهلها وحزنها أسودها وأبيضها.
стр. 4835
تفسير قوله تعالى: (وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢] وهذه النشأة الثانية (أجنة) : جمع جنين وهو الحمل، وسمي الحمل جنيناً؛ لأنه مستتر (إذ أنتم أجنة) أي: مستترين في بطون أمهاتكم، من حين كان الإنسان نطفة ومن النطفة يخلق، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] فمن حين ما يكون نطفة يكون جنيناً، ثم يتطور أربعة أطوار.
أولاً: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم أنشأناه خلقاً آخر، الطور الأخير الذي فيه تحل الروح.
إذاً هو عالمٌ بنا حين النشأة الأولى وحين النشأة الثانية في بطون أمهاتنا.
стр. 4836
تفسير قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم)
قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] لا تقل: عملت كذا وكذا، صليت زكيت صمت جاهدت حججت لا تقل هكذا، تدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز، فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] ؟ ف
بلى، لكن معنى: (من زكاها) أي: من عمل عملاً تزكو به نفسه، وليس المعنى: (من زكاها) من أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملاً تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين، ولهذا نقول: من زكى نفسه بذكر ما عمل من الصالحات فإنه لم يزك نفسه حقيقة؟ من زكى نفسه فإنه لم يزك نفسه، فرق بينهما.
التزكية التي يحمد عليها الإنسان: أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً تزكو به نفسه.
والتزكية التي يذم عليها: أن يدل بعمله على ربه ويمدحه، وكأنه يمن على الله، يقول: صليت تصدقت صمت حججت جاهدت بررت والدي وما أشبه ذلك، هذه لا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه، ويقول: أنا من أنا، وفي هذا رد على أولئك الصوفية الذين يدعون أنهم أئمة، ويزكون أنفسهم، ويقول: وصلنا إلى حدٍ لا تلزمنا الطاعات؛ لأن هناك من الناس من يقول: إنه وصل إلى عالم الملكوت ولا عليه صلاة، ولا عليه صدقة، ولا عليه صيام، ولا يحرم عليه شيء، وهؤلاء منسلخون من الدين انسلاخاً تاماً، لذلك نقول: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أبعد الناس عن الزكاة؛ لأنهم أعجبوا بأعمالهم وأدلوا بها على الله ، وجعلوا لأنفسهم منصباً لم يجعله الله تعالى لهم.
قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ كأنه يقول: لماذا تزكون أنفسكم؟!! أتريدون أن تعلموا الله بما أنتم عليه؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: إن كنت متقياً لله فالله أعلم بك، لا حاجة إلى أن تقول لله: إني فعلت وفعلت.
وفي هذا إشارة إلى أن النطق بالنية عند فعل العبادة قد يدخل فيه نوع من التزكية، يعني: إذا أردت أن تتوضأ هل تقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ؟ لا، هل تقولها سراً؟ لا، بعض العلماء يقول: قلها سراً بينك وبين نفسك، وعللوا هذا قالوا: من أجل أن يطابق اللسان القلب، القلب نوى لكن قل باللسان: اللهم إني نويت أن أتوضأ، أو نويت أن أصلي أيضاً، تريد تصلي قل: اللهم إني نويت أن أصلي، متى؟ الظهر أو العصر؟ الظهر، وهل تحتاج إلى عدد الركعات أو لا تحتاج؟ لا ما تحتاج، فما دام عينت يكفي، بعض العلماء يقول هكذا -يا إخوان- وهم علماء أجلاء من الفقهاء.
لماذا النطق باللسان؟ لتطابق القول القلبي واللساني.
فيقال: هذا غلط، هذا قياسٌ في مقابلة النص، هل الرسول ﵊ شرع لأمته أن ينطقوا بالنية؟ أبداً، لا في حديث صحيح ولا ضعيف: أن الإنسان إذا أراد العمل نطق النية، أبداً ما يوجد.
ومن الطرف الطريفة: أن رجلاً عامياً في المسجد الحرام سمع شخصاً يريد أن يصلي، فقال بعد أن أقيمت الصلاة: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات في المسجد الحرام، ولما أراد أن يكبر قال له: باقي عليك، قال: ما هو الباقي؟ قال: باقي التاريخ، قل في اليوم الفلاني، فأنت الآن ذكرت المكان وذكرت العمل وباقي التاريخ قل: في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية.
مداخلة: مأموماً؟ الشيخ: لا أعلم مأموم أو غير مأموم المهم أنه قال له الكلام هكذا، فانتبه الرجل وقال له: يا أخي! أنت تعلم ربك بنيتك، الله أعلم بنيتك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] .
كذلك عند الصيام مثلاً: إذا تسحر الإنسان وأراد أن يصوم يقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل؟ لا يقول هذا، ونحن عندما كنا صغاراً كانوا يلقوننا هذا، يقول: إذا تسحرت قل: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل، ونقوله؛ لأننا لا ندري، لكن في الواقع أن هذا من البدع.
بقي أن يقال في الحج هل تقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، أو نويت القران، أو التمتع؟ لا ما تقوله، حتى في الحج عندما تغتسل وتلبس الإحرام لا تقل: اللهم إني نويت العمرة أو نويت الحج، بل تكفي التلبية؛ لأنك سوف تقول لبيك عمرة إن كنت في عمرة، أو لبيك حجاً إن كنت في حج، أو لبيك عمرة وحجاً إن كنت قارناً، فلا حاجة، فكل العبادات لا ينطق فيها بالنية، ولهذا قال : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
стр. 4837
الأسئلة
стр. 4838
كيفية جعل المكتبات مفيدة
بارك الله فيكم، ونفع بكم المسلمين! هذا أولاً، وثانياً: حفظكم الله! تعلمون أنه دندن كثيرٌ من الناس حول المكتبات الخيرية، وهم لا يعلمون ما دورها أو ما نتاجها، وقد يخفى عليهم هذا الأمر، فلذلك نحن إخوانكم من مدينة حائل ننقل لكم تحيات الإخوة هناك وسلامهم لكم جميعاً؟ الشيخ: عليك وعليهم السلام، وأبلغهم سلامنا.
السائل: إن شاء الله تعالى، إخوانكم في مكتبة محمد بن عبد الوهاب الخيرية في مدينة حائل لما رأينا أن هناك أخطاء في المكاتب، فحرص إخوانكم في المكتبات هناك في مدينة حائل بالتعاون مع بعض طلاب العلم على تصحيح الأوضاع بدلاً من هدم هذا الكيان أو تحطيمه، إصلاح ما فيه من أخطاء وتعديل ما فيه من ملاحظات، ولكن ما زال هناك أناسٌ يحاولون هدم هذه المكاتب وتشويش أذهان كثيرٍ من الشباب وقد يدخلون مداخل أخرى كأن يصلون إلى العامة وإلى أولياء أمورهم وغيرهم، وهم الذين يقولون: يريدون -مثلاً- تغيير النظام أو أنهم يريدون تحريف عقول الشباب أو يريدون أشياءً كثيرة ما تقال لا يخفى عليكم حفظكم الله هذا الشيء، فنرغب منكم أولاً توجيه النصح لهؤلاء؛ لأن بعضهم قال: استفتوا الشيخ بهذا الأمر وكأنه لا يسمع أو لا يقرأ، توجيهكم لهم وتوجيهكم لنا أيضاً بما ينفعنا وينفعهم إن شاء الله تعالى؟
هذا سؤال مهم، والواقع أن المكتبات نفعها أو ضررها يعتمد على شيئين: الشيء الأول: الكتب الموضوعة فيها، ما هذه الكتب؟ هل هي كتب سلفية مبنية في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، أو كتبٌ فكرية منحرفة؟ إن كانت الأولى فنعم المكتبات، وإن كانت الثانية فلابد من التصحيح.
الثاني: القائمون على هذه المكاتب من هم؟ ما منهجهم؟ ما عبادتهم؟ ما أخلاقهم؟ لابد أيضاً أن يكون القائمون عليها ممن يوثق بهم علماً وديناً وخلقاً ومنهجاً؛ لأن هذه المكتبات مأوى الشباب، والشاب كالعجينة بيد العاجن يتكيف حسب ما يكيف، فإذا يسر له أهل الخير يدلونه على الحق ويرشدونه لما فيه مصلحته دنيا وأخرى، نفع الله بهذه المكتبات، وصارت في الحقيقة نواة خيرٍ للشباب، وإن كانت الأخرى يعني: إن كان القائمون عليها ذوي انحراف لاتجاه غير سليم، فهنا يكون الضرر، فإما أن يغير القائمون عليها وإما أن تغلق؛ لأن الدين الإسلامي مبني على تحصيل المصالح إما الخالصة أو الراجحة، وعلى درء المفاسد إما الخالصة وإما الراجحة، وإذا كان في الشيء مصلحة ومفسدة قدم الراجح منهما، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ولهذا حرمت، وإن كانت المصلحة أكبر أخذ به، واندرجت المفسدة في ضمن المصلحة، وهذا كما ينطبق على الأعمال ينطبق على العامل أيضاً، هل كل عاملٍ من أهل الخير عمله كله خيرٌ محض؟ لا، فيه خير وشر، لكن من الناس من خيره أكثر، ومن الناس من شره أكثر، ولهذا لا يجوز أن ننظر للمسلمين من منظار الشر فقط، بل من الأمرين جميعاً، ونوازن ونقارن، وعلى حسب ما يظهر يكون العمل.
فأرى أن المكتبات إذا قام عليها أهل الخير من ذوي العلم والأمانة والاتجاه السليم والخلق الكريم فهي من خير المنشآت بشرط أن يتحقق الأمر الثاني وهو سلامة الكتب.
ومن المعلوم أنه إذا كان القائمون على المكتبات أهل الخير، فإنهم سوف يبعدون عنها الكتب المنحرفة فكرياً أو عقدياً أو منهجياً.
هذا ما أريد وهو بصفة عامة، بقطع النظر عن المكتبة في البلد الفلاني أو في البلد الفلاني.
стр. 4839
حكم من صلى المغرب مع جماعة يصلون العشاء أو العكس
فضيلة الشيخ: صليت مع جماعة كانوا يصلون المغرب وأصلي العشاء، فلما جلسوا في الركعة الثالثة جلست معهم، فلما سلم الإمام قمت فأتيت برابعة فما حكمه؟
لا بأس، هذا عمل سليم، تصلي العشاء خلف من يصلي المغرب فإذا سلم الإمام قمت فأتيت بما فاتك، فلا بأس.
بقي مشكلة الثانية: لو صليت المغرب خلف من يصلي العشاء، فإن دخلت في الركعة الثانية فلا إشكال، لماذا؟ لأنك ستسلم مع الإمام، هو صلى أربعاً وأنت صليت ثلاثاً، وإن دخلت في الركعة الأولى فحينئذٍ سيقوم الإمام إلى الرابعة فماذا تصنع أنت؟ انو الانفراد وتشهد وسلم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء.
стр. 4840
معنى (وكلتا يديه يمين)
بالنسبة للدرس السابق تطرقنا إلى موضوع يد الله وقول أن النبي ﷺ : (وكلتا يديه يمين) فقلت: المراد باليمين البركة والخير، ثم ذكرت أن الله له يد يمنى ويد شمال، فهل ورد في ذلك أدلة؟
اقرأ بارك الله فيك آخر باب في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وانظر للحديث، وانظر للمسائل التي أخذت من الحديث.
стр. 4841
حكم قضاء السنن الرواتب لمن شغل عنها
بحكم عملنا كمدرسين عند الاصطفاف لصلاة الظهر نحتاج إلى تنظيم الطلاب في البداية والنهاية فلا نتمكن من أداء السنن الرواتب، فهل نقضيها أو؟
هل إنكم من حين يؤذن تصفون الطلاب أو هناك فرصة للصلاة؟ قبل أن يبدأ صف الطلاب صلِّ الراتبة؟ السائل: نحتاج إلى وقت.
الشيخ: على كل حال احرص، وإن لم يتيسر فقيامكم على هؤلاء لا شك أنه مصلحة كبيرة، وبإمكانك بعد الصلاة تأتي بالراتبة الأخيرة ثم تقضي الراتبة التي قبل الصلاة.
السائل: وهل ورد أن سنة راتبة الظهر القبلية ركعتان فقط؟ الجواب: نعم ورد ركعتان وورد أربع بسلامين، أما ركعتان ففي حديث ابن عمر: (حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات وذكر اثنتين قبل الظهر وركعتين بعدها) ، وأما اثنا عشر فكذلك أيضاً صح عن النبي ﵊ من حديث عائشة وغيرها.
стр. 4842
الصلاة على الجنازة بعد دفنها بعد العصر
رجل دخل المقبرة بعد صلاة العصر وقد صُلي على جنازة ودفنت، فهل يجوز له الصلاة على هذه الجنازة بعد الدفن؟ وهل هذا الوقت وقت نهي لا يدفن فيه الميت؟
إذا أتيت إلى المقبرة وقد دفن الميت بعد العصر فلا تصل عليه، لعموم قوم النبي ﷺ : (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) ولك أن تصلي عليه في الليل أو في النهار من الغد.
وأما الصلاة عليه قبل أن يدفن فلا بأس؛ وذلك لأن الصلاة عليه قبل أن يدفن صلاة لها سبب، وجميع الصلوات التي لها سبب ليس عنها نهي، كل صلاةٍ لها سبب صلها متى وجد سببها في أية ساعةٍ شئت من ليل أو نهار، فمثلاً: إذا دخلت المسجد بعد العصر صلِّ ركعتين، لو توضأت بعد العصر صلِّ ركعتين للوضوء، لو حدث لك أمر تريد أن تستخير الله فيه ويفوت قبل انتهاء وقت النهي، صل ركعتين واستخر.
стр. 4843
الصلاة خلف الإباضي
ما حكم الصلاة خلف الإباضي؟ عفا الله عنك
ليس هذا محل جوابها.
السائل: قد حصلت الصلاة؟ الشيخ: الحمد لله حصل قل: اللهم إني أسألك القبول.
стр. 4844
تقسيم الطلاب إلى حلقات في الدراسة الشرعية
تقوم بعض النساء المدرسات الفاضلات في المدارس أو الكليات بتقسيم البنات في فصول الكلية إلى أقسام أو حلقات حلقة عائشة، حلقة خديجة، وهكذا حتى لا تحصل الفوضى، فتقول بعض الأخوات: إنه وجد أن هناك بنات معنا في المصلى تركن المصلى بحجة أن هذا التقسيم ليس على المنهج وليس من طريقة السلف، وخرجن خارج المصلى وأقمن حلقة أخرى خارج المصلى، مما أدى إلى انقسام الصف وتشتت البنات وحدث بعض الخلافات، والسؤال يقول: ما توجيهكم؟ وهل هذه الطريقة خاطئة أو صحيحة؟
أقول بارك الله فيك، بلَّغهن أن كلتا الطريقتين غير صحيحة: لا تقسيم النساء عند الصلاة، ولا انفراد هؤلاء في مكانٍ آخر.
السائل: ليست الصلاة ولكن في حلقة المصلى.
الشيخ: ما هي حلقة المصلى؟ السائل: تبدأ الدراسة من سبع ونصف فتحضر البنات الساعة السابعة يقمن حلقة درس قرآن أو تفسير.
الشيخ: القصد أنها حلقات تحفيظ.
السائل: نعم، حلقات تعليم: تفسير، وقرآن، وحديث، وفقه.
الشيخ: المهم حلقات يسمونها تحفيظ القرآن؟ الجواب: هذه ليس فيها شيء هذا، فكوني أقول: الحلقة هذه حلقة عائشة، وهذه حلقة خديجة، وهذه حلقة فاطمة، ما في مانع.
السائل: والنساء اللاتي خرجن؟ الشيخ: اللاتي خرجن هذا خطأ منهن.
السائل: بحجة أن هذه الطريقة ليست من طريقة السلف؟ الشيخ: ما هي من طريقة السلف لكن هذا تنظيم، هل من طريقة السلف الدراسة الفصولية؟ السائل: لا.
الشيخ: ما هي من طريقة السلف، هل من طريقة السلف تبويب السنة: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج؟ ما هي من طريقة السلف، هذه ما حدثت إلا بعد الصحابة بعد ما ألفت الكتب.
فهذا خطأ، قل للاتي ينفصلن: هذا خطأ منهن؛ لأن هؤلاء الذي انفصلن بالمكان وبالتسمية.
السائل: حتى لا يخفى -يا شيخ- أنه بعدما انفصلت البنات حصل انفصالهن مع الطالبات، وحصل في الشيخ: قل لهن: لابد أن يرجعن إلى المكان الأول، وكل واحدة، مثلاً لها مستوى ولها اسم خاص.
стр. 4845
حكم استخدام بطاقة الفيزا
بعض البنوك لها بطاقة (الفيزا) تأخذ مبلغاً وتسدده بعد خمسين يوماً أو خمسة وأربعين يوماً نفس المبلغ، ما يأخذون عليه فوائد فما حكم ذلك؟ الشيخ: وإذا مضت المدة، ولم تسلم؟ السائل: لا أعلم يا شيخ! الشيخ: إنهم يجعلون عليك مبلغاً إضافياً، وهذا حرام لا يجوز، حتى لو وثق الإنسان أنه سيوفي في المدة، قد تختلف الأمور، وقد يحدث له حادث يحتاج إلى أموال يتداوى بها هو أو عائلته، وقد تكون الدراهم ما حصلت عنده، ثم لو قدر أن الرجل غني جداً سيجد يقيناً قبل أن تتم المدة ما يوفي به، فأصل دخوله على مبدأ الربا حرام؛ لأن المعروف عنهم أنه إذا تمت المدة أضافوا إليه ما يسمونه ربحاً، وهو في الحقيقة خسارة، فالدخول في هذا لا يجوز.
стр. 4846
كيفية الجمع بين قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) وقوله: (وأما بنعمة ربك فحدث)
كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] ؟
نعم أحسنت بارك الله فيك، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] معناه: أن يتحدث الإنسان بما أنعم الله عليه، لا أن يزكي نفسه على ربه، وبينهما فرق، إنسان يقول: صلى، زكى، صام، حج، يريد أن يدل بعمله على ربه، ويزكي نفسه على الله هذا هو الممنوع.
لكن: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] فيقول: الحمد لله هداني بعد أن كنت كذا وكذا، هذا لا بأس به، هذا عمرو بن العاص ﵁، كان قبل أن يسلم أشد الناس بغضاً للرسول ﵊، ويقول: وددت لو تمكنت منه فقتلته.
ولما أسلم قال بعد أن أسلم متحدثاً بنعمة الله: [كنت لا أستطيع النظر إليه تعظيماً له] أو كما قال، هذا ما فيه بأس.
الشيخ: الأخ سلم وأنت سلمت أيضاً وأنتم معنا، كيف تسلمون علينا وأنتم معنا؟! السلام المعروف من الصحابة أنهم إذا جعلوا يسألون الرسول ما يسلمون، إلا من قدم على الحلقة.
стр. 4847
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فضيلة الشيخ! نظراً لعملنا في جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكثرة من يخوضون في هذا الجهاز ويتكلمون في أخطائه ويتداعون عليه، نريد منكم كلمة تشجيعية يا فضيلة الشيخ؟!
الكلمة التي أريد أن أقولها هي: أن مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم المقامات في الدين، حتى كان من وصف الرسول ﵊ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فذكر أربعة أوصاف، بدأها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فهي وظيفة الرسول عليهم الصلاة والسلام، وهي خصيصة هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] وبنو إسرائيل كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه.
فمقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعلى المقامات في الدين، والذي يدخل فيه بقصد إصلاح عباد الله كالمجاهد في سبيل الله، والذي يوجه الذم والقدح فيه، إن قصد المقام مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو على خطرٍ عظيم؛ لأنه إذا قصد هذا فقد قدح في الدين، والشريعة، وإن قصد القدح والذم في بعض رجال الحسبة الذين قد لا يكون عندهم الحكمة في الأمر والنهي، فهذا لا يكون خطره كالأول، لكن مع ذلك الواجب على المسلمين إذا رأوا من بعض القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا رأى من بعضهم شيئاً منافياً للحكمة، أن ينصحهم، إما بطريقٍ مباشر، وإما عن طريق رئيسه، يعني: إما أن يقول لرجل الحسبة نفسه: يا فلان أنت قلت كذا وكذا وهذا لا ينبغي، أو عن طريق الرئيس المباشر له.
ثم إني أقول لهؤلاء الإخوة: لا بد أن ينالكم أذى، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] لابد من أذى؛ لأن الناس كلهم ليسوا على الصراط المستقيم، ولابد أن يكون لهم أعداء، لكن عليهم الصبر والاحتساب وأن يعلموا أن كل ما ينالهم من الهم والغم والحزن فإنه مكتوبٌ لهم، فيكتب للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أجران: الأجر الأول: قيامه بالعمل.
والأجر الثاني: الأذى الذي يصيبه من الناس.
كما جاء عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أنه ما من همٍ ولا غم ولا أذى يصيب المؤمن إلا كفر الله به عنه) فعليهم بالصبر والاحتساب، واستعمال الحكمة إذا اشتد قبيلهم، فليلينوا حتى يلتئم هذا وهذا، أما إذا اشتد قبيلك واشتددت أنت فإنه لا وفاق بينكما، وكم جرى من الأشياء التي تؤيد ما قلت بأن اللين من أحسن ما يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الآداب الشرعية في الجزء الأول لـ ابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام فصول جيدة جيدة جيدة، ينبغي للهيئات أن تطلع عليها، وتنظر كيف يعامل السلف الصالح، أو كيف يتعاملون مع أهل المنكر والتاركين للمعروف.
стр. 4848
حكم نقل الأعضاء من شخص إلى شخص آخر
فضيلة الشيخ! بالنسبة لنقل الأعضاء من شخص إلى شخص آخر قبل الموت أو بعده هل في ذلك إشكال؟
نرى أنه لا يجوز، لا قبل الموت ولا بعد الموت، حتى لو أوصى به الميت وقال: إذا مت فأعطوا قرنية عيني فلاناً، أو كليتي فلاناً، أو كبدي فلاناً أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن تنفذ هذه الوصية؛ لأنها وصية بمحرم، والوصية بمحرم لا تنفذ، وقد ذكر ذلك أهل العلم، وارجع إلى كتاب: الإقناع في فقه الحنابلة في كتاب الجنائز في فصل: تغسيل الميت تجده تماماً نصوا: على أنه لا يجوز أخذ شيءٍ من أعضاء الميت ولو أوصى به، واستدلوا بقول الرسول ﷺ : (كسر عظم الميت ككسره حياً) وكيف يجوز هذا؟ أنت لست حراً في نفسك، لقد قال الله لك: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] وقتل النفس ليس معناه: الواحد يأخذ سكين ويذبح نفسه، لا، حتى كل شيء يؤدي إلى الضرر فهو من قتل النفس.
الدليل: أن عمرو بن العاص بعثه النبي ﵊ في سرية وأجنب ذات ليلة، وكانت الليلة باردة، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ قال: (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله! ذكرت قول الله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)) [النساء:٢٩] وكانت الليلة باردة فتيممت وصليت، فضحك النبي ﷺ مقراً أو منكراً؟ مقراً، لو كان منكراً نبهه.
فأقول: إن نقل الأعضاء محرم في الحياة وفي الممات.
فإن قال قائل: أليس إنقاذ الإنسان من الهلاك واجباً؟ فالجواب: بلى واجب، لكن هل هو الآن جائع ومعي طعام يجب أن أطعمه إياه، عطشان من الماء يجب أن أعطيه إياه، لكن أن أقطع شيئاً من أعضائي له هذا لا يجوز.
شبه بعض الناس في هذه المسألة الذين يفتون بالجواز شبهوا بأن الله ذكر أن الخضر قتل غلاماً وكان كافراً وكان أبواه مؤمنين الآية: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠] قالوا: هذا قتل لأجل مصلحة الوالدين، فنقول: الله المستعان!! أين الاستدلال بهذا؟!! هذا الغلام كافر، والكافر دمه حرام أو حلال؟ دمه حلال، ثم هو كافر مفسد أيضاً؛ لأنه يقول: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠] فإذا كان كافراً مباح الدم فلا دلالة فيه؛ لأن كلامنا في من كان معصوماً.
فالحاصل أن هذا هو رأيي، وكذلك هو رأي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كما سألته في مجلس هيئة كبار العلماء وقال هكذا: إنه حرام.
كل من تأمل النصوص وجد أنه حرام، ثم فيه مفسدة الآن: في بلادٍ أخرى يسطون على الصغار في الأسواق، يأخذ الصغير ويذبحه ويأخذ كبده ويبيعها بملايين الدراهم؛ لأنهم لا يخافون الله ولا يرحمون عباد الله.
стр. 4849
حكم استعمال العطور التي فيها كحول
هل العطور التي فيها كحول يجوز استعمالها؟
هي ليست نجسة، أهم شيء أنها ليست بنجسة، لو أصابت الثوب أو البدن لم يجب غسله، لكن استعمالها إن كان لحاجة فلا بأس؛ لأن بعضها تعقم بها الجروح، وإن كان لغير حاجة فتركها أحسن، وفي الأطياب التي لا شبهة فيها غنىً عنها، لكنها ليست حراماً.
السائل: يا شيخ! لكن الخمر، أي مادة الكحول هي مسكرة، فلو أتينا بالخمر نفسه المسكر فيه هو الكحول، فالكحول هو النجس؟ الشيخ: لكن من قال لك أن الخمر نجس؟! الخمر ليس بنجس، يعني: ليس كالبول أو الغائط؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] رجس عملي، الميسر هو نجس ولا غير نجس؟ المغالبة ما هي نجسة، الأنصاب التي تعبد من دون الله ما هي نجسة، يمسها الإنسان ولا نقول: يجب تطهر يدك، الأزلام كذلك، لكنها نجسة نجاسة معنوية، هذا دليل.
دليل آخر: لما حرمت الخمر وهي في أواني المسلمين لم يقل الرسول اغسلوها، ولما حرمت الخمر قال: اغسلوا الأواني.
ثالثاً: لما حرمت الخمر أراقها المسلمون في الأسواق، ولو كانت نجسة لحرم أن تراق في الأسواق كما يحرم أن يراق البول في السوق.
رابعاً: أتى رجل إلى الرسول ﵊ ومعه راوية من الخمر؛ -أي: قدر كبير- أهداها للرسول ﷺ قال: (أما علمت أنها حرمت؟ فتكلم رجلٌ من الصحابة مع صاحب الراوية سراً، قال له الرسول ﷺ : بم ساررته؟ قال: قلت: بعه، فقال: لا، إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، فما كان من صاحب الراوية إلا أن فتح فمها وأراقها بحضرة النبي ﷺ ولم يقل له: اغسل الراوية، ما قال: اغسلها، هذا يدل على ماذا؟ على أنه طاهر؛ لأنه لو كان نجساً لوجب تطهير الراوية.
دليل خامس: ما هو الأصل في الأشياء؟ الحل والطهارة، ولهذا لو ادعى عليك إنسان قال: هذا حرام، قل: هات الدليل، لو قال: هذا نجس، قل: هات الدليل، لو قال: الدليل على أن الخمر نجس لأنه حرام، يصح هذا أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأن هناك أشياء حرام وهي طاهرة، السم حرام وهو طاهر، الدخان حرام وهو طاهر، فلا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجساً، هل يلزم من نجاسة الشيء أن يكون حراماً؟ نعم، ولهذا نقول: كل نجس حرام وليس كل حرامٍ نجساً، فأنا أقول: هذه الأطياب ليست نجسة ما فيها إشكال عندي، أم هي حرام أو ليست حراماً؟ نقول: إن احتاج الإنسان إليها فلا بأس، وإن لم يحتج إليها فاجتنابها أولى، وإلى هنا ينتهي هذا المجلس.
وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وبارك الله فيكم.
стр. 4850
لقاء الباب المفتوح [١٧٤]
تحدث الشيخ ﵀ في هذه المادة عن صيام رمضان، مبيناً فرضية صيام رمضان ومكانته في دين الإسلام، ثم ذكر شروط وجوب صيام رمضان، والمفطرات التي يفطر بها العبد إذا فعلها، ثم ختم ذلك بإجابات موضحة لما أشكل عليهم في صيام رمضان.
стр. 4851
مكانة صيام رمضان في الدين الإسلامي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع والسبعون بعد المائة من اللقاءات التي يعبر عنها بلقاء الباب المفتوح التي تتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الحادي عشر من شهر شعبان عام (١٤١٨هـ) .
وبما أننا مقبلون على الاختبار عند كثيرٍ من الإخوة الذين يحضرون، وأننا في استقبال شهر رمضان المبارك فإنه يعتبر هذا اللقاء آخر اللقاء في هذا الشهر، ويستأنف اللقاء إن شاء الله تعالى بعد عيد الفطر، حتى لا يفوت الإخوة الذين يحبون أن يستمعوا إلى هذا اللقاء شيءٌ من اللقاءات، وحتى يقبلوا على دروسهم وامتحاناتهم بطمأنينة.
وبما أننا في استقبال شهر رمضان فإننا نفضل أن نتكلم الآن على ما يتعلق بالصيام والقيام.
стр. 4852
صيام رمضان وحكم إنكار فرضيته
أما صيام رمضان فلا يخفى علينا جميعاً أنه أحد أركان الإسلام التي بني عليها هذا الدين الذي بعث به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام) وسأله جبريل عن الإسلام فأجابه بهذا فقال: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) .
فمرتبة صيام رمضان في الدين الإسلامي مرتبة عالية؛ لأنه أحد أركانه، وصيامه فرض بإجماع المسلمين المبني على دلالة الكتاب والسنة، ولهذا قال العلماء: من أنكر فرضيته فإنه مرتدٌ كافر؛ لأن هذا مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، إلا إذا كان حديث عهدٍ بالإسلام، ولم يعرف عن الإسلام شيئاً فحينئذٍ يعرّف، فإن أصر على إنكار الفرضية بعد التعريف حكم عليه بأنه مرتد وقتل، إلا أن يتوب ويقر بالفرضية.
وأما من تركه متهاوناً دون أن يجحد فرضيته فقد اختلف العلماء ﵏ هل يكفر ويرتد؛ لأنه ترك ركناً من أركان الإسلام؟ فمنهم من قال بذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀: أن تارك الصيام كسلاً وتهاوناً كافر كتارك الصلاة.
لكن جمهور العلماء: على أنه لا يكفر؛ لأن عبد الله بن شقيق ﵀ أحد كبار التابعين قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.
فالصواب: أنه لا أحد يكفر بترك ركن من أركان الإسلام إلا في الشهادتين والصلاة فقط.
стр. 4853
متى فُرض صيام رمضان ؟
شهر رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأول ما فرض كان الناس يخيرون بين أن يصوم الرجل أو يفتدي، دليل ذلك قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٣-١٨٤] .
وهذه واضحة في التخيير، ثم تعين الصوم وصار الإطعام لمن لا يستطيع الصوم على وجه دائم، وهكذا عادة الله ﵎ في الشرائع التي تشق على الناس أن يجعلها بالتدريج كما جعل الخمر تحريمه بالتدريج، وكذلك كان الناس في أول الأمر إذا نام الإنسان أو تعشى فإنه يجب عليه أن يبقى إلى أن يصوم من اليوم الثاني ثم نسخ هذا والحمد لله.
стр. 4854
شروط صيام رمضان
لكن صيام رمضان له شروط: الشرط الأول: البلوغ.
الثاني: العقل.
الثالث: الإسلام.
الرابع: القدرة.
الخامس: الإقامة.
السادس: الخلو من الموانع.
стр. 4855
البلوغ والعقل
فأما البلوغ: فضده الصغر، والصغير لا يجب عليه الصوم ولا يلزم به، لكن يؤمر به أمراً إذا أطاقه فإن فعل فالأجر له، وإن لم يفعل فلا شيء عليه.
المجنون لا يؤمر به ولو صام لن يقبل منه ولا يصح منه؛ لأنه مجنون ليس له قصد.
стр. 4856
الإسلام
الإسلام: وضده الكفر، فالكافر لا نلزمه بالصيام، وإذا أسلم لا نلزمه بالصيام، وأما كوننا لا نلزمه بالإسلام فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا بعث الدعاة إلى الإسلام يقول: أول ما تدعونهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن أجابوا فإقام الصلاة، فإن أجابوا فإيتاء الزكاة، فدل هذا على أنه لا يؤمر الإنسان بشرائع الإسلام إلا بعد الشهادتين بعد أن يسلم، وأما كون الكافر لا يقضي ما فاته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] ونبينا ﷺ كان لا يأمر أحداً أسلم أن يقضي ما فاته من صلاةٍ أو صيامٍ أو زكاة.
стр. 4857
القدرة على الصيام
الرابع: القدرة على الصيام، فمن لم يكن قادراً فإنه إما أن يكون عجزه دائماً، وإما أن يكون عجزه مرجو الزوال، فإن كان عجزه دائماً فدى عن كل يومٍ مسكيناً، بمعنى: أن يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، كالكبير، والمريض بمرضٍ لا يرجى برؤه، فيطعم عن كل يومٍ مسكيناً، وكيفية الإطعام: إما أن يعطي كل واحدٍ مداً من الأرز ومعه لحمٌ يؤدمه، وإما أن يجمعهم جميعاً أو عشرة عشرة فيغديهم أو يعشيهم، كما كان أنس ﵁ يفعل ذلك لما كبر.
أما من يرجو زوال عجزه فإنه ينتظر حتى يزول عجزه ثم يقضي، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
стр. 4858
الإقامة
الخامس: الإقامة وضدها السفر، فالمسافر لا يلزمه الصوم، له أن يفطر وإن لم يجد مشقة، لكنه يقضي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] والأفضل له أن يصوم إلا إذا كان فيه شيءٌ من المشقة فالأفضل أن يفطر.
стр. 4859
الخلو من الموانع
السادس: الخلو من الموانع، ونعني بذلك: الحيض والنفاس، بمعنى: أنه لا يلزم الحائض أن تصوم ولا النفساء، بل لو صامتا كان حراماً عليهما وكان فاسداً، لقول النبي ﷺ في الحائض مقرراً حكمها: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قال النساء: بلى) .
فهذه شروط وجوب أداء الصيام.
стр. 4860
مفطرات الصيام
стр. 4861
الأكل والشرب والجماع
أما عن ماذا يصوم؛ لأن الصيام هو الإمساك فعن ماذا يمسك؟ يمسك عن المفطرات التي ثبت أنها مفطرة فمما ثبت أنه مفطر: الأكل، والشرب، والجماع، وهذه الثلاثة ذكرت في الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] الجماع في قوله: (فالآن باشروهن) الأكل: (كلوا) والشرب: (واشربوا) ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] هذه ثلاثة.
стр. 4862
ما كان بمعنى الأكل والشرب
الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب؛ كالإبر المغذية، ومعنى قولنا: المغذية أنه يستغنى بها عن الأكل والشرب، وأما الإبر التي للتداوي أو للتقوية أو لغير ذلك من الأمراض لكنها لا تغني عن الأكل والشرب فهذه لا تفطر، سواء أخذها الإنسان في العضلات أو في الوريد أو في أي محل.
стр. 4863
إنزال المني بشهوة
الخامس: إنزال المني بشهوة (بفعل) أن ينزل الإنسان المني بشهوة أي: بفعله، سواء كان بالمباشرة أو تقبيل أو غير ذلك، وهذا ليس محل اتفاق بين العلماء، بعض العلماء يقول: إنه لا يفطر؛ لأنه ليس فيه دليلٌ صريح، والأصل صحة الصوم وعدم نقضه إلا بدليلٍ صريح.
لكن يمكن أن يقال: إن الدليل هو قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه عن الله تعالى أن الله قال في الصائم: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فإن المني شهوة، ولهذا لا يسمى التلذذ بالجماع إلا بالإنزال، ويدل لهذا أن الرسول ﷺ قال: (وفي بضع أحدكم صدقة -يعني جماع امرأته فيه صدقة- قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم، أرأيتم إن وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) وهذا هو رأي جمهور العلماء: أنه يفطر بالإنزال بشهوة إذا كان بفعله، ولا شك أن هذا أحوط، وأنه لا يحل لإنسان وهو صائم صوماً واجباً أن يفعل ذلك، أي: أن ينزل بشهوة بفعله، وأنه إذا فعل فليقض.
وقولنا: نزول المني بشهوة احترازاً مما لو أصيب الإنسان بمرض وصار المني ينزل منه، أو سقط من جدار ومع السقطة نزل المني فهذا لا يفطر.
وقولنا: بفعله، احترازاً مما لو فكر الإنسان للجماع فأنزل؛ فإنه لا يفطر بذلك لقوله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) ، لكن لو كان عند التفكير حرك ذكره فأنزل بهذا التحريك فإنه يفطر أو لا يفطر؟ يفطر؛ لأن هذا بفعله فهو استنماء في الواقع.
стр. 4864
خروج الدم بالحجامة
السادس: خروج الدم بالحجامة، يعني: إذا حجم الإنسان فخرج منه دم فإنه يفطر ويفسد صومه؛ لقول النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) وقد صحح هذا الحديث الإمام أحمد وهو أحد أئمة الحديث والفقه، بل وإمام أهل السنة ﵀، فلورعه وعلمه بالحديث وفقهه يطمئن الإنسان إلى هذا القول، أي: إلى أن خروج الدم بالحجامة مفسد للصوم، لكن إذا قال قائل: إفساد صوم المحجوم ظاهر؛ لأنه أخرج الدم الذي يوجب ضعف البدن وانحلاله واحتياجه للأكل والشرب، لكن ما بال الحاجم؟
أن الرسول ﵊ إنما قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) لحاجمٍ معروف معتاد حجمه في ذلك الوقت، وكانوا في ذلك الوقت يحجمون بالقوارير التي فيها الأنابيب الصغيرة يمصها الحاجم حتى يصل الدم إلى هذا الأنبوب ويعلم أنه بدأ يلتقط الدم.
قال شيخ الإسلام ﵀: لأنه ربما مع جذبه الدم يصل إلى معدته شيءٌ منه وهو لا يشعر به، ولهذا قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) .
فعلى هذا: إذا حجم وظهر دم من الذي يفطر؟ الحاجم وحده أو المحجوم وحده؟ كلاهما يفطران الحاجم والمحجوم.
وبناءً على ذلك: إذا كان الصوم واجباً كرمضان، وقضائه، والكفارة، والفدية، وما أشبه ذلك هل يجوز أن يحتجم أو لا؟ الجواب: لا، لا يجوز أن يحتجم لأن إفساد الواجب حرام إلا إذا اضطر إلى ذلك وصار يأتيه غشية من هيجان الدم واحتاج إلى أن يحتجم فهنا نقول: احتجم وأفطر: كل واشرب.
стр. 4865
خروج القيء عمداً
السابع: خروج القيء إذا تعمده، لقول النبي ﷺ : (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض) فإذا استقاء الإنسان وأخرج ما في معدته من الطعام أفطر لهذا الحديث، وهو حديثٌ صحيح.
ولكن قد يقول قائل: هذا عكس الأكل والشرب؛ الأكل والشرب يوصل الطعام والشرب إلى المعدة وهذا أيش هو؟ يخرج الطعام والشراب من المعدة، فكيف يكون مفطراً؟ فجوابنا على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن هذا حكم رسول الله ﷺ ، وإذا حكم الرسول ﵊ بشيء فهو كحكم الله، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، وإذا كان هذا حكم الله ورسوله فشأن المؤمن أن يقول: سمعنا وأطعنا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١-٥٢] ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] هذا جواب، أن نقول: هذا حكم رسول الله، وحكم رسول الله كحكم الله وليس لنا أن نخرج عنه.
الجواب الثاني أن يقال: خروج الطعام من المعدة يوجب ضعف البدن وانحلاله فهو كخروج الدم بالحجامة وعلى هذا فالتفطير بالحجامة كالتفطير بالقيء، يساند بعضهما بعضاً، فنقول لمن كان صومه واجباً: لا تتقيأ حرامٌ عليك، فإن اضطررت إلى ذلك فتقيأ وأفطر وكل واشرب من أجل أن ترد إلى البدن قوته ونشاطه.
الثامن: خروج دم الحيض، فإذا خرج دم الحيض ولو قبل الغروب بدقيقة واحدة فسد الصوم، لقول النبي ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) وأجمع العلماء على أن الحائض لا يصح صومها.
أما لو خرج دم الحيض بعد الغروب ولو بدقيقة فالصيام صحيح؛ لأن الأحكام تتعلق بخروج الدم لا بالإحساس به بدون خروج.
стр. 4866
خروج دم الحيض والنفاس
التاسع: خروج دم النفاس، فإذا خرج دم النفاس من المرأة قبل الغروب ولو بدقيقة واحدة فصومها فاسد، وإن كان بعد الغروب ولو بدقيقة واحدة فصومها صحيح.
هذه هي المفطرات، فتبين الآن أن المفطرات منها ما هو اختياري ومنها ما هو بغير اختيار، فما هو الاختياري؟ السبعة الأولى التي ذكرناها هذه اختياري.
وأما ما ليس اختيارياً فهو: الحيض والنفاس.
стр. 4867
المفطرات التي تفسد الصوم
المفطرات الاختيارية لا تفسد الصوم إلا بشروط: الشرط الأول: العلم.
الشرط الثاني: الذكر.
الشرط الثالث: القصد.
الشرط الرابع: الاختيار.
стр. 4868
العلم
أما العلم فضده الجهل، فإذا تناول الإنسان شيئاً من هذه المفطرات جاهلاً فصيامه صحيح، فلو أكل يظن أن الفجر لم يظهر ثم تبين أنه قد طلع فالصيام صحيح، ولو كانت السماء غيماً فظن الشمس قد غربت فأكل ثم طلعت الشمس فالصوم صحيح، الدليل على هذا: قول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله: قد فعلت.
وهذا لا شك أنه مخطئ؛ لأننا نعلم أنه لو علم أن النهار باقٍ ما أكل ولا شرب.
ودليلٌ آخر في نفس الموضوع: ما أخرجه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في يوم غيمٍ على عهد النبي ﷺ ولم يؤمروا بقضاء، فإذا كان الصحابة في عهد النبي ﵊ أفطروا في يوم الغيم ظناً منهم أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب ولم يأمرهم بالقضاء، علم أنه لا قضاء على شخصٍ جاهل.
стр. 4869
الذكر
الثاني: الذكر وضده النسيان، فلو أكل الإنسان أو شرب ناسياً فلا شيء عليه، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله تعالى: قد فعلت.
ولقول النبي ﷺ في خصوص هذه المسألة: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) ، ولكن يجب إذا زال العذر أن يتوقف، فإذا علم وجب عليه الإمساك، وإذا ذكر وجب عليه الإمساك، حتى لو كانت اللقمة في فمه أو جرعة ماء في فمه وجب عليه أن يلفظها، فمثلاً: إذا أكل يظن الشمس قد غربت وإذا هو يشاهدها، نقول: أمسك حتى لو كانت اللقمة في فمك أو التمرة في فمك أخرجها؛ لأنه زال العذر.
стр. 4870
القصد
الثالث من الشروط: القصد، يعني: أنه لو حصل شيء مفطر بغير قصد فإنه لا يضر، فلو تمضمض الإنسان في الوضوء ثم نزل شيءٌ من الماء إلى بطنه، فهذا لا يفطر؛ لأننا لو سألنا هذا المتوضئ: أتمضمضت لينزل الماء إلى بطنك؟ لقال: لا.
إذاً: هو لم يقصد فصيامه صحيح.
ولو فرض أنه في مكانٍ فيه دخان أو غبار وثار الغبار أو الدخان حتى استنشقه وصل المعدة فإنه لا يفطر، ولهذا نقول: يجوز للصائم أن يتبخر، العامة يقولون: الصائم ما يتبخر، هذا ما هو صحيح، له أن يتبخر لكن لا يستنشق البخور، حتى لو فرض أنه أخذ المبخرة ووضعها تحت ذقنه ثم ضم إليها الغترة فلا بأس؛ لأن هذا لم يقصد إدخال الدخان إلى بطنه، لكن لا يستنشقه، هذا القصد.
إنسان أيضاً جذب البنزين بخرطوم الماء وكان من قبل لا توجد محطات كثيرة فيأخذون البنزين في البراميل، ثم يضعون الخرطوم في البرميل ثم يجذبه السائق من أجل أن يعبئه في السيارة، أحياناً بل كثيراً ما ينزل شيء من البنزين إلى بطنه، فإذا كان صائماً هل يفسد صومه؟ لا يفسد صومه؛ لأنه بغير قصد.
следующие страницы →