Полный текст (6 569 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
حكم تأخير إخراج الزكاة
يا شيخ! ما الحكم إذا أُخِّرت زكاة الذهب أكثر من ثلاثة أشهر؟ هذا أمر.
والأمر الآخر: ما الحكم إذا اشترى ذهباً جديداً وأضافه إلى الذهب القديم الذي وجبت عليه الزكاة؟
تأخير الزكاة سواءً كانت زكاة الذهب أو غيره لا يجوز، إلا إذا لم يجد الإنسان أهلاً للزكاة وأخَّرها ليتحرى مَن يرى أنه أهل فهذا لا بأس به؛ لكن يجب أن يقيد الحول؛ لكيلا يقول في السنة الثانية مثلاً: أنا ما زكيتُ إلا من مدة ستة أشهر، فأضيف ستة أشهر أخرى مثلاًَ: إذا كانت تحل في رمضان، ولم يجد أحداً يعطيه، وأخَّرها إلى ذي القعدة، فإذا جاء رمضان الثاني يؤدي الزكاة، فلا يقل: أنا لم أؤدِّ إلا في ذي القعدة، فلا أخرجها إلا في ذي القعدة؛ لأن الأول تأخير، فإذا كان لمصلحة فلا بأس.
أما إذا اشترى ذهباً في أثناء الحول، فإنه لا يُضَمُّ إلى الذهب الأول في الزكاة، بل يجعل له حولاً وحده، وإن شاء أن يضمه إلى الأول ويُخْرِج زكاتهما في آن واحد فلا بأس، ويكون هذا من باب تقديم الزكاة.
السائل: وإذا كان الجديد أقل من النصاب؟ الشيخ: إذا كان الذي اشتراه أقل من النصاب فيضاف إلى الأول في النصاب؛ لكن في الحول له حول وحده، ما لم يختر أن يجعل زكاتهما في شهر واحد.
стр. 912
حكم الخروج من مزدلفة ليلاً
فضيلة الشيخ! حاج خرج من مزدلفة بعد منتصف الليل ومعه أهله؛ ولكن لم يتجه إلى الجمار ليرمي جمرة العقبة، بل اتجه إلى المخيم ولم يرم جمرة العقبة إلا بعد الضحى، فهل يلزم من خرج من مزدلفة أن يتجه إلى الجمار؟
أولاً: السنة أن يبقى في مزدلفة حتى يصلي الفجر ويُسْفِر جداً، كما فعل النبي ﷺ ؛ لكن من خاف من زحام الناس في رمي العقبة فليخرج في آخر الليل وليرمِ الجمرة، وكونه يخرج من آخر الليل ولا يرمي الجمرة لا شك أنه مخالف للسنة من وجهين: الوجه الأول: خروجه قبل أن يصلي الفجر.
الوجه الثاني: أنه أخر الرمي إلى أن ارتفعت الشمس، والإنسان الذي يتقدم من أجل الرمي مأمور بأن يتقدم في الرمي.
السائل: هل يلزمه شيء في هذا؟ الشيخ: لا يلزمه شيء.
стр. 913
من نوى الحج يوم عرفة
يا شيخ! شخصٌ نوى الحج في يوم عرفة، فأيُّهما أفضل له: أن يقرن أم يُفرد؟
الذي يظهر لي أن القران أفضل؛ لأنه يحصل به نُسُكان: عمرةٌ وحج، فيقول: لبيك عمرة وحجاً ويُهدي.
стр. 914
حكم الاستمناء بيد الزوجة في نهار رمضان
فضيلة الشيخ! رجل غلبته شهوتُه في نهار رمضان، فاستمنى بيد زوجته فما الحكم؟
الحكم أن هذا حرام عليه إلا إذا كان مسافراً، فإن المسافر يجوز أن يفطر بالأكل والشرب والجماع وغيره؛ لكن إذا كان غير مسافر فإنه يحرم عليه؛ لأنه صومَه يَفْسُد بهذا العمل، وعليه أولاً: التوبة إلى الله تعالى -وهي أهم شيء- وأن يشعر بالخجل من الله والذل بين يديه.
ثانياً: يقضي هذا اليوم الذي أفطره، وزوجتُه لا شيء عليها إلا إذا أنزلت، وقد مَكَّنَتْه من هذا الفعل باختيارها، فعليها أن تقضي، ويحرم عليها هذا التمكين، فيكون عليها التوبة والقضاء.
стр. 915
حكم الملابس التي عليها الصليب
فضيلة الشيخ! كَثُرَت أنواعُ الصلبان في الملابس والبضائع، فلا أدري هل هناك صليبٌ محددٌ تجب إزالته؟ وإذا كان لا يمكن أن يزال هذا الصليب إلا بتلف جزء من هذه العين أو جميع هذه البضاعة، فهل تجب إزالته؟ وكذلك ما يتعلق بالنجمة السداسية، هل يجب أيضاً إزالتها أم ماذا؟
أقول -بارك الله فيك- أولاً: لابد أن نعلم أن هذا صليب؛ لأن بعض الأشياء يظنها بعض الناس صلباناً وليست كذلك.
ثانياً: أن نعلم أنه وُضِع لأنه صليب، لا لكونه نقشاً في الثوب مثلاً؛ لأن النصارى يعظمون الصليب، فلا يمكن أن يجعلوا وَشْياً في ثوب، إنما يضعونه موضع الاحترام.
فلابد من هذين الأمرين، فإذا تحققنا أنه صليب فإن الواجب تمزيقه، أو على الأقل السنة تمزيقه، ولنقاطع هذه الثياب؛ فإذا قاطعناها ولم يستفد التجار منها قاطعوها أيضاً.
وكذلك يقال في النجمة السداسية التي يقال: إنها شعار اليهود، فحكمها حكم الصليب، وإن كان اليهود لا يتخذونها على سبيل العبادة؛ لكنها مختصة بهم.
السائل: ولكن الصلبان -يا شيخ- على أنواع مختلفة، أعني: هل كل صليب لابد أن أتأكد أنه صليب؟ الشيخ: نحن سألنا عنها النصارى الذين أسلموا فقالوا: إن الصليب عندنا هو الصليب المعروف؛ أن يكون خطان، أحدهما يقع عرضاً والثاني طولاً، ويكون الطوليُّ مِن جانبٍ أطولَ من الثاني.
حتى أننا سألناهم عن ساعة الصليب هذه التي يسمونها ساعة الصليب فقالوا: هذه لا يراد بها الصليب، هذه علامة الشركة فقط؛ لأن الصليب عند النصارى يقولون عنه: إنه خط مرتفع طويل، ثم خط عرْضي، وأحد الجانبين في الخط الطولي أطول من الآخر؛ لأن هذا هو الواقع، فالإنسان المصلوب توضع له خشبةٌ عرضاً من أجل أن تربط بها يداه، فهل يمكن أن تكون الخشبةُ الموضوعةُ لليدين موضوعةً في النصف؟! لا.
بل تكون في الأعلى، لهذا نحن في شك من هذه التي نُشِرَت قبل سنتين بأشكال مختلفة، وقالوا: هذه صلبان! ثم إن علامة (+) هل هي صليب؟ ليست صليباً.
السائل: ولكنهم يشكلون أشكالاًَ وصوراً على أشكال الصليب! الشيخ: لا.
هم يقولون: هذا ليس صليباً، فقد حدَّثني إنسان مسلم وكان نصرانياً، فقال: هذا هو الذي عندنا.
كذلك يوجد فيما سبق الدلاء التي يُرفع بها الماء من البئر، في أعلاها شيء يُسمى: (العَرْقات) ، عبارة عن خشبتين، إحداهما عَرْضِية والأخرى طولية، فمِن هذه الأشياء ليست صليباً.
فالشيء الصليب هو الذي وُضع على أنه صليب.
стр. 916
وجوب العدل بين طلاب أهل السنة والرافضة
من المعلوم -يا شيخ- لديكم أنه يوجد عندنا نحن في المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام الرافضة بكثرة، ويدرسون معنا في المدارس كلها، فيسأل بعضُ المدرسين فيقول: هل يجب علي أن أعدل بينهم وبين الطلاب الذين هم من أهل السنة أم أقصر في حقهم ولا أعطيهم حقهم؛ لأنهم -كما يقول هو- أعداء لله ولرسوله، وهم كما قال كثير من أهل العلم: كفار خارجون عن الملة.
أولاً: أعجبني قولك: المدينة النبوية؛ لأن المشهور عند الناس المدينة المنورة، والصواب: المدينة النبوية؛ لأن النور كان في مكة أيضاً قبل أن يكون في المدينة.
ثانياً: الواجب على المدرس أن يحكم بالعدل، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] أي: لا يحملكم بُغْض قوم على ألا تعدلوا ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] حتى إن العلماء قالوا: يجب على القاضي إذا تحاكم إليه خصمان أحدهما مسلم والثاني كافر أن يجلسهما منه مجلساً واحداً، فلا يقول للمسلم: تعال هنا وللكافر: اذهب هناك، لا.
بل يجعلهما جميعاً أمامه، وأن يعدل بينهما في الكلام، فلا يغلظ الكلام للكافر ويرققه للمسلم، فلا يقول للمسلم: صبحك الله بالخير ولا يقوله للكافر، بل يجعلهما سواء في باب المحاكمة؛ لأن هذا هو العدل.
فهؤلاء التلاميذ إذا قدموا أجوبتهم فليَغُضَّ النظر عن كونه فلاناً أو فلاناً، ليصحح على ما كان أمامه من قول، إن صواباً فهو صواب، وإن خطأً فهو خطأ، كما أنه لا يجوز أن ينظر -إذا كان يعرف صاحب الجواب- إلى حال الطالب من قبل، هل هو فاهم أو غير فاهم؛ لأن بعض الناس أو بعض المدرسين يقَدِّر درجات التلاميذ على حسب ما كان يعرفه منهم، وهذا غلط، بل يجب أن يقدر الدرجات أو الترتيب على حسب ما رُفِع إليه في الجواب النهائي؛ لقول النبي ﵌: (إنما أقضي بنحوِ ما أسمع) .
وكثيراً ما يكون الطالب جيداً، فيتوهم في الجواب أو في السؤال، فيفهم السؤال على أن السائل أراد به كذا، ويجيب بحسب هذا الفهم.
أو يتوهم في الجواب فيظن أن جواب هذا السؤال هو كذا وكذا، وهو غلط، مثل أن يكون في السؤال: كم أقسام الحديث؟ فيظن الطالب أن المراد: كم أقسامه من حيث العدد، فيقول: متواتر ومشهور وعزيز، وغريب وغيره.
ويتوهم آخر أن المراد: مراتب الحديث من حيث الصحة فيقول: صحيح، وحسن، وضعيف.
والصحيح إما لذاته أو لغيره، والحسن إما لذاته أو لغيره.
فالمهم: أن الواجب على المدرس إذا قدمت إليه أوراق الإجابة، أن يصحح حسب الجواب بقطع النظر عن المجيب.
وكذلك في أثناء التدريس يجب أن يعدل بين التلاميذ مهما كان الأمر، وهو بهذه الطريقة يفتح آفاقاً بعيدة قد لا يدركها؛ لأن الخصم يفهم أنه لم يتحدَّاه، فيرغب فيه ويقول: هذا مُنْصِف، وعادل، ويجره ذلك إلى أن يألَفَه ويقبل منه ما يقول.
ولهذا فنحن ننصح إخواننا المدرسين في البلاد التي ذكرتَ، والتي يختلط فيها أهل السنة وأهل البدعة أن يحاولوا بقدر المستطاع تأليف أهل البدعة وجذبهم إليهم؛ لأن الشباب لَيِّن العريكة، ولهذا قال الرسول ﵊: (اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شَرْخَهم) أي: شبابهم؛ لكي يجتذبهم لكن لو أن الأستاذ يعامل طلابه من أهل البدعة بالقسوة والآخرين باللين، أو يعاملهم بالتشديد في التصحيح والآخرين بالتخفيف، أو يعاملهم بإسقاطهم وهم مجيبون صواباً، فلا شك أن هذا يولِّد في قلوبهم البغضاء والكراهية، حتى للحق الذي كان عند هذا الأستاذ.
стр. 917
حكم ترتيب الصلاة
إذا نوى المسافر جمع المغرب والعشاء جمع تأخير إلى أن يصل إلى المنطقة الفلانية، فلما وصل دخل وقت العشاء، أو أنه أذن، أو أقيمت الصلاة، فكيف يعمل؟ الشيخ: وصل إلى بلده أم وصل إلى بلد آخر؟ السائل: لا.
هو مسافر من محل إقامته إلى محل آخر.
الشيخ: أي: وصل إلى المحل الآخر؟ السائل: نعم.
هو الآن يصلي المغرب، ثم يصلي مع الجماعة العشاء، فإن أقيمت الصلاة قبل أن يصلي المغرب، دخل معهم بنية المغرب، فإن أدرك العشاء من أول ركعة وقام الإمام إلى الرابعة جلس هو وتشهد وسلم، ثم قام مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، وإن دخل مع الإمام في صلاة العشاء في الركعة الثانية فما بعدها فالأمر واضح، إن دخل في الركعة الثانية سلم مع الإمام، وإن دخل في الركعة الثالثة أتى بركعة بعدها، وإن دخل في الرابعة أتى بركعتين بعدها.
стр. 918
حكم من جامع امرأته وهي تقضي صيامها
يا شيخ! الذي يجامع امرأته وهي تقضي صيامها، هل هو آثم؟
هل هي تقضي بإذنه أم بغير إذنه؟ السائل: بإذنه.
الشيخ: نعم.
هو آثم؛ لأنه أفسد عليها صومها؛ لكن ليس فيه كفارة عليها ولا عليه؛ لأنه مفطر.
السائل: لكن فعله هل هو من الكبائر أم لا يدخل في ذلك؟ الشيخ: لا أعلم فيه وعيداً خاصاً، والذنب إذا لم يكن عليه وعيد خاص فلا يكون من الكبائر.
стр. 919
لقاء الباب المفتوح [٢٢]
في هذا اللقاء تفسير الآيات الأخيرة من سورة التكوير، والتي احتوت على قسم الله تعالى بالخنس، وعلى قسمه بالليل والنهار، وسبب قسمه تعالى بهذه المخلوقات هو بيان عظمة المقسم عليه وهو القرآن، ثم وصف الله تعالى رسوله جبريل بأنه كريم وأنه ذو قوة.
وهكذا استمر الشيخ في تفسير الآيات إلى آخر آية من سورة التكوير.
стр. 920
تفسير آيات من سورة التكوير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن هذا هو اللقاء الثاني من شهر ذي القعدة عام: (١٤١٣هـ) في يوم الخميس.
ونكمل فيه ما تكلمنا عنه فيما سبق من سورة التكوير، حيث قال الله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥-١٦] إلى أن قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] .
стр. 921
تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس)
قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] : قد يظن بعض الناس أن (لا) نافية، وهي ليست كذلك، بل هي مثُبِته للقسم، ويؤتى بها في مثل هذا التركيب للتأكيد.
فالمعنى: أُقْسِم بالخُنَّس، والخُنَّسُ: جمعُ خانسة، وهي: النجوم التي تَخْنِس أي: ترجع، فبينما تراها في أعلى الأفق، وإذا بها راجعة إلى آخر الأفق، وذلك -والله أعلم- لارتفاعها وبُعدها، فيكون ما تحتها من نجوم أسرع منها في الجري بحسب رؤية العين.
وقوله: ﴿الْجَوَارِ﴾ [التكوير:١٦] أصلها: الجواري بالياء؛ لكن حُذِفت الياء للتخفيف.
و ﴿الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٦] هي: التي تكنس أي: تدخل في مغيبها.
فأقسم الله بهذه النجوم، ثم أقسم بالليل والنهار، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٧-١٨] .
فمعنى قوله: ﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير:١٧] أي: أقبل، وقيل: أدبر، وذلك أن الكلمة (عَسْعَسَ) في اللغة العربية تصلح لهذا وهذا؛ لكن الذي يظهر أن معناها: أَقْبَل ليطابق ما بعده من القسم وهو: قوله ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٨] فيكون الله أقسم بالليل حال إقباله، وبالنهار حال إدباره.
وإنما أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات لعِظَمِها وكونها من آياته الكبرى، فمَن يستطيع أن يأتي بالنهار إذا كان الليل؟! ومن يستطيع أن يأتي بالليل إذا كان النهار؟! قال الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧١-٧٣] .
стр. 922
تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم)
فهذه المخلوقات العظيمة يقسم الله بها لعِظَمِ المُقْسَم عليه، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩] .
(إِنَّهُ) أي: القرآن.
﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هو: جبريل ﵊، فإنه رسول الله إلى الرسل بالوحي الذي ينزله عليهم، ووصفه الله بالكرم لحسن منظره، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٦] قال العلماء: (المِرَّة) : الخَلْق الحسن والهيئة الجميلة.
فكان جبريل ﵊ موصوفاً بهذا الوصف، فهو كريم.
стр. 923
تفسير قوله تعالى: (ذي قوة عند ذي العرش مكين)
قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠] وصفه الله تعالى بالقوة العظيمة، فإن الرسول ﷺ رآه على صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سَدَّ الأفقَ كلَّه، وذلك مِن عظمته ﵊.
وقوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند صاحب العرش، وهو الله جل وعلا، والعرش فوق كل شيء، وفوق العرش رب العالمين ، قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥] فذو العرش هو الله .
وقوله: (مَكِينٍ) أي: ذو مكانة، أي: أن جبريل عند الله ذو مكانة وشرف، ولهذا خَصَّه الله بأكبر النعم التي أنزلها الله على عباده، وهو الوحي، فإن النعم -يا إخواني- لو نظرنا إليها لوجدنا أنها قسمان: الأول: نِعَمٌ يستوي فيها البهائم والإنسان وهي: متعة البدن: الأكل، والشرب، والنكاح، والسكن، هذه النعم يستوي فيها الإنسان والحيوان، أليس كذلك؟! الإنسان يتمتع بما يأكل، وبما يشرب، وبما ينكح، وبما يسكن، والبهائم كذلك.
الثاني: نِعَمٌ أخرى يختص بها الإنسان وهي: الشرائع التي أنزلها الله على الرسل لتستقيم حياة الخلق؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم حياة الخلق أو تطيب حياتهم إلا بالشرائع، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] فالمؤمن العامل بالصالحات هو الذي له الحياة الطيبة في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، واللهِ لو فتشتَ حياةَ الملوكِ، وأبناءِ الملوك، والوزراءِ، وأبناءِ الوزراء، والأمراءِ، وأبناءِ الأمراء، والأغنياءِ، وأبناءِ الأغنياء، لو فتشت حياتهم، وفتشت حياة من آمن وعمل صالحاً لوجدت الثاني أطيب عيشة، وأنعم بالاً، وأشرح صدراً؛ لأن الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض تكفل بذلك، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] فتجد المؤمن العامل للصالحات مستور القلب، منشرح الصدر، راضياً بقضاء الله وقدره، إن أصابه خيرٌ شكر الله على ذلك، وإن أصابه ضدُّه صبر على ذلك، واعتذر إلى الله مما صنع، وعلم أنه إنما أصابه بذنوبه، فرجع إلى الله ، قال النبي ﵊: (عجباً للمؤمن! إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له) وصدق النبي ﵊.
إذاً: أكبر نعمة أنزلها الله على الخلق هي: نعمة الدين الذي به قوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة.
وأنا أسألكم الآن: ما هي الحياة؟ هل هي حياة الدنيا أو حياة الآخرة؟! حياة الآخرة، الدليل: قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] ، فالدنيا ليست شيئاً، إنما الحياة الحقيقية حياة الآخرة، والذي يعمل للآخرة يحيا حياةً طيبة في الدنيا، كما تلوتُ عليكم الآية.
فصار المؤمن العامل للصالحات هو الذي كسب الحياتين، حياة الدنيا، وحياة الآخرة.
والكافر هو الذي خسر الدنيا والآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] .
стр. 924
تفسير قوله تعالى: (مطاع ثم أمين)
يقول : ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١] (مُطاعٍ ثَمَّ) أي: هناك (أمينٌ) على ما كُلِّف به، فجبريل هو المُطاع، فمَن الذي يطيعه؟! قال العلماء: تطيعه الملائكة؛ لأنه ينزل بالأمر من الله، فيأمر الملائكة فتطيعه، فله إمرة، وله طاعة على الملائكة، ثم الرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين ينزل جبريل عليهم بالوحي، لهم إمرة وطاعة على المكلَّفين، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢] .
ولما أقسم الله على أن هذا القرآن قول هذا الرسول الكريم الملكي ففي آية أخرى بيَّن الله وأقسم أن هذا القرآن قول رسول كريم في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٣٨-٤١] فهل الرسول هناك هو الرسول هنا؟
لا.
الرسول هنا في سورة التكوير رسولٌ ملكي أي: من الملائكة، وهو جبريل.
والرسول هناك رسول بشري، وهو محمد ﵊.
والدليل على هذا واضح: هنا قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] وهذا الوصف لجبريل، هو الذي عند الله، أما محمد ﵊ فهو في الأرض.
وهناك قال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٣٨-٤١] رداً على قول الكفار الذين قالوا: إن محمداً شاعر ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة:٤٢] .
أيهما أعظم قسماً: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير:١٥-٢٠] أو ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٣٨-٤٠] ؟ أيُّ القسَمين أعظم؟ الثاني أعظم، لأنه لا يوجد شيءٌ أعمُّ منه؛ ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨-٣٩] ، كل الأشياء إما نبصرها أو لا نبصرها، إذاً: أقسم الله بكل شيء، ولكن هنا أقسم بالآيات العُلْوية فقط؛ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥-١٦] والليل، والنهار، هذه آيات عُلْوية أُفُقية، لاحظوا! سبحان الله! تناسب الرسول الذي أُقْسِم على أنه قوله، وهو: جبريل؛ لأن جبريل من عند الله.
إذا قال قائل: كيف يصف الله القرآن بأنه قول الرسول البشري، والرسول الملكي؟! نقول: الرسول الملكي بلَّغه إلى الرسول البشري، والرسول البشري بلغه إلى الأمة، فصار قول جبريل بالنيابة، وقول محمد بالنيابة، فمن القائل الأصلي الأول؟! القائل الأول هو: الله .
فالقرآن قول الله حقيقةً، وقول جبريل باعتبار أنه بلَّغه إلى محمد، وقول محمد باعتبار أنه بلغه إلى الأمة.
стр. 925
تفسير قوله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون)
حَسَنٌ! قال الله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] مَن المراد بقوله: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ ؟! المراد به: محمد رسول الله.
وتأمل أنه قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ ، ولم يقل: وما محمد! فكأنه قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ الذي تعرفونه، وأنتم وإياه دائماً، فهو صاحب، فقد بقي فيهم أربعين سنة في مكة قبل النبوة، يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته، حتى كانوا يطلقون عليه اسم: (الأمين) .
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ أي: ليس مجنوناً، بل هو أعقل العقلاء ﵊، أكمل الناس عقلاً بلا شك، وأسَدُّهم رأياً.
стр. 926
تفسير قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [التكوير:٢٣] أي: رأى جبريل ﴿بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] أي: البيِّن الظاهر العالي، فإن الرسول ﵊ رأى جبريل على صورته التي خُلِق عليها مرتين: مرة في غار حراء.
ومرة في السماء السابعة، لما عُرِجَ به ﵊.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ : أيُّ رؤية هذه؟ هل هي الرؤية التي في غار حراء، أم الرؤية التي فوق السماء؟ في غار حراء؛ لأنه يقول: ﴿رَآهُ بِالأُفُقِ﴾ [التكوير:٢٣] ، إذاً: محمد في الأرض.
стр. 927
تفسير قوله تعالى: (وما هو على الغيب بظنين)
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] أي: وما محمد ﷺ على الغيب -أي: على الوحي الذي جاءه من عند الله- بِمُتَّهم، ظنين: بالظاء المُشالَة أي: بِمُتَّهم، من الظن وهو: التهمة، وفيها قراءة ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد، أي: ببخيل، فهو ﵊ ليس بمتهم في الوحي، ولا باخلٍ به، بل هو أشد الناس بذلاً لما أوحي إليه، يُعَلِّم الناس في كل مناسبة، وهو أبعد الناس عن التهمة، لكمال صدقه ﵊.
стр. 928
تفسير قوله تعالى: (وما هو بقول شيطان رجيم)
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٥] أي: ليس بقول أحدٍ من الشياطين، وهم الكهنة الذين توحي إليهم الشياطين الوحيَ، ويكذبون معه، ويخبرون الناس، فيظنونهم صادقين.
ثم قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٦-٢٧] .
وندع الكلام على بقية السورة إلى جلسة أخرى؛ لئلا ينتهي بنا الوقت عن الأسئلة.
стр. 929
الأسئلة
стр. 930
بم تدرك الجماعة مع الإمام
فضيلة الشيخ! بعض الناس يقول: إنه يتأخر في البيت حتى تقام الصلاة، فيظل في البيت حتى يجلس الإمام للتشهد الأخير ثم يأتي فيقول: أدرك الجماعة وفضل الجماعة بإدراكي للتشهد، فما رأيك؟
رأينا أن هذا محروم غاية الحرمان، والإنسان إذا لم يدرك من صلاة الجماعة إلا التشهد فليس مدركاً لصلاة الجماعة؛ لقول النبي ﵌: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فمفهومه: أن من أدرك دون ذلك فليس مدركاً لها، فيجب أن يُنصح هذا الرجل ويُبَيَّن له الحق، لعل الله يهديه بذلك.
стр. 931
سقوط الصدقة عمن أفطر رمضان لمرض
فضيلة الشيخ! لي بنتٌ مَرِضَت في رمضانِ الماضي، وطَرَحَها المرضُ على الفراش، وبعد أن تعافت صامت، فهل عليها الصدقة أم لا؟
ليس عليها صدقة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ولم يذكر الله الصدقة، فليس عليها الصيام.
السائل: وإذا كانت مصابة بمرض في القلب يمنعها من الحج، هل لي أن أحج عنها أم لا؟ الشيخ: فريضة؟ السائل: نعم.
الشيخ: إذاً: يصح.
السائل: عندي حِجَّة! أتعرف أحداً يأخذها؟ الشيخ: والله الآن لا أعرف أحداً؛ لكن مُرَّ عليَّ فيما بعد إن شاء الله، وإن وجدتَ أحداً فأعطِه إياها.
السائل: وهل يصح أن أحج عنها إذا صارت لا تقدر؟ الشيخ: نعم.
стр. 932
لزوم المفطر لرمضان قضاء ما أفطره من أيام
فضيلة الشيخ! ما حكم كفارة فطر شهر رمضان كاملاً من قبل امرأة حامل كانت تتوقع عدم قدرتها على الصيام؛ ولكنها صامت الشيء اليسير منه، ولا تحصي عدد الأيام التي لم تصمها؟
الواجب عليها أن تتحرى الأيام التي أفطرتها وتصومها.
стр. 933
حكم الذهاب إلى امرأة بقصد معالجة الأَخَيَّة
فضيلة الشيخ! ما حكم الذهاب إلى امرأة بقصد معالجة الولد الصغير مِمَّا يسمى بـ (الأَخَيَّة) ، علماً بأن هذه المرأة تعلم ما إذا كان فيه أَخَيَّتُه أو لا، وذلك بمص أصبعه الإبهام بفمه، فما حكم الذهاب إلى هذه المرأة؟
إذا كانت هذه المرأة تعالِج بأشياء حسية معلومة فلا حرج؛ لأنه قد يكون عندها -مع التجارب والممارسة- علم بآثار هذا المرض وطبيعته، فإذا كانت تعطيكم أدوية معروفة محسوسة، فهذا لا بأس به.
стр. 934
معنى قوله ﷺ : (ولا يكتوون ولا يسترقون)
قول النبي ﷺ : (ولا يَكْتَوُون) هل المراد به كقوله: (ولا يَسْتَرْقُون) ، أم أنه غير ذلك؟
المراد بقوله: (ولا يكتوون) أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم، وكذلك (ولا يسترقون) أي: لا يطلبون من أحد أن يَرْقِيَهم.
أما إذا كواك إنسانٌ بدون طلب منك فإنك لا تخرج عن هؤلاء السبعين ألفاً.
стр. 935
حكم من عزم على السفر في نهار رمضان وجامع أهله قبل السفر
رجل أراد السفر في نهار رمضان مع جماعته، فوَاقَعَ امرأتَه في نفس النهار الذي سيسافر فيه، وسافر، فهل عليه شيء يا شيخ؟
المواقعة في بلده؟ السائل: نعم.
في بلده.
الشيخ: أولاً: عليه الإثم.
ثانياً: عليه أن يقضي هذا اليوم.
ثالثاً: عليه أن يكفر كفارة الجماع في نهار رمضان؛ لأن الرجل لا يجوز له أن يترخص برخص السفر إلا إذا غادر البلد، أما قبل مغادرة البلد فهو مقيم، فبلِّغه بهذا.
السائل: الإشكال أن هناك بعض الصحابة ورد عنهم أنهم أفطروا في نفس هذا الظرف؟ الشيخ: ورد عن أنس ﵁ في الفسطاط أنه لما أراد أن يسافر والسفينة على الشاطئ أتى بسفرته وأفطر؛ لكن هذا خلاف ما عليه عامة الصحابة، والله يقول: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] .
وهذا الرجل إن كان طالبَ عِلْمٍ وفَهِمَ مِن هذا الحديث أنه جائز له فليس عليه شيء، مع أني أنا أرى أن الواجب على طلبة العلم الصغار ألا يتسرعوا في إفتاء أنفسهم؛ لأنهم ليس عندهم إدراك حتى يبحثوا مع العلماء.
السائل: يا شيخ! لو أنه ما كان لديه علم.
الشيخ: أرأيت لو اشتهى وهو لا يريد السفر، هل يُمَكَّن من ذلك؟! لا يُمَكَّن.
стр. 936
صورة إخراج الزكاة من الرواتب الشهرية
فضيلة الشيخ! كيف يتم إخراج زكاة الرواتب الشهرية؟
إخراج الزكاة في الرواتب الشهرية إن كان الإنسان كلما أتاه الراتب أنفقه بحيث لا يبقى إلى الشهر الثاني فهذا ليس عليه زكاة؛ لأن من شروط وجوب الزكاة: تمام الحول.
وإن كان يدَّخر أعني مثلاً: ينفق نصف الراتب، ونصف الراتب يدخره فعليه الزكاة، كلما تم الحول يؤدي زكاة ما عنده؛ لكن هذا فيه مشقة؛ أن الإنسان يحصي كل شهر بشهره، ودرءاً لهذه المشقة: يجعل الزكاة في شهر واحد لجميع ما عنده من المال، فمثلاً إذا كان يتم حول أول راتب في شهر محرم، فإذا جاء شهر محرم الذي يتم به حول أول راتب يُحصي كل الذي عنده، ويخرج زكاته، وتكون الزكاة لأول شهر واقعةً عند تمام الحول، وتكون لما بعده معجلة، والتعجيل جائز.
стр. 937
مقدار نصاب الفضة
كم نصاب الفضة؟
النصاب بالنسبة للفضة (٥٦) ريالاً من الفضة، أو ما يعادلها من الورق، ويُسألُ عن هذا الصيارفةُ، فيقال مثلاً: كم قيمة (٥٦) ريالاً من الفضة من الورق، فإذا قالوا مثلاً: قيمتها (٥٠٠) كان النصاب (٥٠٠) ، وإذا قالوا: أقلَّ أو أكثرَ فعلى حَسَبِه.
стр. 938
حكم الزكاة على من باع مزرعته بالتقسيط
رجلٌ عنده مزرعةٌ لم يطرأ في باله بيعُها، ولا عَرَضَها؛ إنما عَرَضَ له مَن أغراهُ، فباعها بأقساط تمتد إلى عشر سنوات؛ في كل سنة قسط، فكيف يزكي هذا؟
قبل أن يبيعها ليس عليه فيها زكاة؛ لأنها ليست عروضاً.
وبعد بيعها تكون زكاتُه زكاةَ دَين، بمعنى: أنه إذا استوفى شيئاً أدَّى زكاتَه لِسَنَتِه، وإذا استوفى في السنة الثانية يؤدي زكاتَه لِسَنَتَين، وإذا انقضت السنة الثالثة يؤديه لثلاث سنوات، وهكذا.
стр. 939
حكم وضع السواك بين الأصابع في الصلاة
يا شيخ! هل ورد شيءٌ في وضع السواك بين الأصابع في الصلاة؟ وإذا كان لم يرد فما حكم مَن عَمِل هذا؟
لا أعلم أنه ورد عن الرسول أنه يجعل سواكه لا في أذنه ولا بين أصابعه.
أما الحكم في هذه المسألة: فلا ينبغي أن يضعه بين أصابعه؛ لأنه يشغله، إذْ أنه يحتاج إلى مراقبة.
стр. 940
عدم سنية ما يقال من ذكر بعد التجشؤ والتثاؤب
فضيلة الشيخ! إذا تجشأ الإنسان أو تثاءب فهل هناك ذكر معين يقوله؟
لا.
إذا تجشأ الإنسان أو تثاءب فليس له ذكر، خلافاً للعامة، فالعامة إذا تجشئوا يقولون: الحمد لله! والحمد لله على كل حال؛ لكن لم يرد أن التجشؤ سبب للحمد، كذلك إذا تثاءبوا قالوا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا لا أصل له، ولم يرد عن النبي ﵊ أنه كان يفعل ذلك.
لكن قد يقول قائل: أليس التجشؤ نعمة، والنعمة يستحق الله عليها الحمد؟ قلنا: بلى.
هو نعمة؛ لكن لم يرد عن النبي ﵊ أنه كان يحمد الله إذا تجشأ، وإذا لم يرد فإنه ليس مشروعاً بناء على قاعدة معروفة عند العلماء، وهي: أن كلَّ شيء وُجِد سببه في عهد الرسول ﵊ فلم يفعله ففعلُه ليس بسنة؛ لأن فعل الرسول سنة وتركه سنة، فالتجشؤ موجود، ولم يكن الرسول ﷺ يحمد الله عليه، إذاً: ترك الحمد هو السنة.
كذلك الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند التثاؤب قد يقول قائل: إن الرسول ﷺ قال: (التثاؤب من الشيطان) ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ! قلنا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] أنك إذا هممتَ بمعصية أو بترك واجب فاستعذ بالله؛ لأن الأمر بالفحشاء من الشيطان، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] فإذا حصل هذا النزغ فاستعذ بالله.
أما التثاؤب فإن الرسول ﵊ قال: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدُكم فليَكْظِم ما استطاع، فإن عجز فليضع يده على فيه) ولم يقل: إذا تثاءب أحدكم فليستعذ بالله، مع أنه قال: (التثاؤب من الشيطان) ، فدل هذا على أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند التثاؤب ليست بسُنَّة.
стр. 941
وجوب إخراج زكاة الذهب المستعمل
فضيلة الشيخ! الذهب المستخدم هل يُزَكَّى أم لا يُزَكَّى؟
الذهب المستعمل، أو الذي يُستعمَل ويُعار، أو الذي باقٍ لا يستعمل إلا عند المناسبات، كله فيه زكاة، على القول الراجح الصحيح.
وبعض العلماء يقول: المستعمل ليس فيه زكاة.
لكن الصحيح: أن فيه الزكاة إذا بلغ النصاب وهو (٨٥) جراماً، وأما ما دون ذلك فليس فيه زكاة، والدليل على وجوب الزكاة فيه: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار وأُحْمِي عليها في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، كلما بَرَدَت أعيدت في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، ثم يَرَى سبيله؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار) .
ونسأل الآن: المرأة التي عندها حلي هل هي صاحبة ذهب أو لا؟ كلنا يقول: إنها صاحبة ذهب، ويدل على العموم: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﵌ وفي يد ابنتها مُسَكَتان غليظتان من ذهب -أي: سوارَين غليظين- فقال لها: (أتؤدين زكاة ذلك؟ قالت: لا.
قال: أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرَك الله بهما سوارَين من نار؟! فخَلَعَتهما وأعطتهما النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله) .
وهذا وعيد، ولا وعيد إلا على ترك واجب.
وكذلك سألت إحدى أمهاتِ المؤمنين رسولَ الله ﷺ عن حلي عندها: (أهو كنز؟ قال: إذا بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُه ثم زُكِّي فليس بكنز) .
وقد يقول قائل: ما مقدار الزكاة؟! نحن عرفنا الآن أن الحلي من الذهب إذا بلغ النصاب ففيه الزكاة، فما مقدار هذه الزكاة؟! نقول: مقدارها ربع العشر، أي: (٢.
٥%) ففي الألف ريال تكون (٢٥) ريالاً، وفي العشرة آلاف ريال تكون (٢٥٠) ريالاً، وفي المائة ألف ريال تكون (٢٥٠٠) ريالٍ، فهي جزء يسير والحمد لله، وربما يكون هذا من بركته، وهو من بركته بلا شك؛ لأن الزكاة فيها أجر عظيم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] ، وفيها أيضاً بركة للمال، فإنه ما خالطت الزكاةُ مالاً إلا بَرَّكَتْه، وربما يُبارَك في هذا الحلي ويُوْقَى الآفات بسبب إخراج الزكاة منه.
هذا فضلاً على الأجر الذي يكتسبه الإنسان، فإذا أعطيتَ الآن من الحلي زكاته [٢٥] ريالاً من الألف، أتظن أن هذه الخمسة والعشرين ريالاً غُرْماً وخسارة؟! لا.
بل هو ربح، فالخمسة والعشرون ريالاً تكون يوم القيامة الريال بسبعة ريالات، ومع كل ريال (١٠٠) ريال، فيصير الريالُ (٧٠٠) ريال، فتحصل يوم القيامة أجر سبعمائة ريال في كل ريال، بينما أنت في الدنيا توفِّر إن وفَّرت الخمسة والعشرين ريالاً في الألف ريال فربما يكون عدم إخراجك سبباً لضياع هذا الحلي، أو لتلفه، أو لتكسُّره، أو لسرقته، أو لاستعارة أحدٍ إياه ثم يجحده، أو ما أشبه ذلك.
فالذي أحب مِن إخواني المسلمين ألا يظنوا أن الصدقات أو الزكوات تذهب جفاءً، بل هي خير، فليس لك من مالك إلا ما أنفقته لله، والباقي سيكون لغيرك.
стр. 942
حكم ترك السنة خوفاً من أذية الناس
التورُّك في الصلاة بالنسبة للمأموم إذا كان يضايق مَن بجانبه، أيهما أفضل: أن يتورَّك، أو أن يتركها؟ لأن كثيراً من الناس لا يستطيع أن يتورَّك إلا إذا اتكأ على مَن بجانبه؟
التورُّك في الصلاة معروف؛ أن تنصب اليمنى وتخرج اليسرى من الجانب الأيمن وتتورَّك، أي: أنك تضع وَرِكَكَ على الأرض، وهذا يوجب من الإنسان أن يتجافى قليلاً، وربما يكون الصف متضايقاً والناس مزدحمين فيه فيؤذي مَن إلى جانبه.
فهنا اجتمع عندنا شيئان: فعل سنة.
ودفع أذى عن المسلم.
فأيهما أولى: فعل السنة، أو دفع الأذى؟ دفع الأذى؛ لأن أذية المؤمن ليست بالهينة، أذية المؤمن ولو بالقول فضلاً عن الفعل الذي يحصل في الصلاة ويشوِّش عليه صلاته، أذية المؤمن تكون بالقول أو بالفعل، يقول الله فيها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] .
ويقول ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جارَه) .
وخرج مرَّةً على أصحابه وهم في المسجد يصلون ويجهرون بالقراءة، فقال: (كلكم يناجي ربه، فلا يؤذِيَنَّ بعضُكم بعضاً في القراءة) ، أين هي الأذية؟! الأذية أنك إذا جهرت شوَّشتَ على الذين هم حولك فآذيتَهم.
ومِن ثَمَّ نعرف أن بعض الإخوة الذين يصلون بالمايكروفون الذي يُسْمَع من المنارة ويشوِّش على المساجد التي حوله أنهم ليسوا على صواب، وأنهم إن لم يكونوا آثمين فليسوا غانمين، إذْ لا فائدة من رفع الصوت على المنارة، ما الفائدة منه؟! هل فيه فائدة؟! أبداً، ما فيه فائدة، فيه مدعاة للكسل؛ لأن بعض الناس الذين في البيوت يقولون: لِتَوِّهِ صَلَّى، لِتَوِّهِ بَدَأ، أَصْبِرُ حتى إذا بقيت ركعة ذهبت.
ثم ربما يذهب إذا بقيت الركعة، ولا يدركها، ففيها مدعاة للكسل.
وفيها -أيضاً- أذية للجيران، فربما يكون بعض الناس مريضاً أو قلقاً كل الليل، فإذا أُذِّن للفجر صلى الفجر ثم رقد ليستريح، فيأتي هذا الصوت الكبير فيزعجه ولا ينام، فهذه أذية.
والمساجد الأخرى أيضاً تتأذى! بَلَغَنا أن بعض الناس لما كَبَّر المسجد الذي بجواره تابعه، وهذا إخلال بمتابعة إمامه، ما سببها؟! سببها هذا المايكروفون الذي يُسْمَع من المنارة.
وبلغني عن بعض الناس قال: إن لنا مسجداً قريباً منا، قراءة إمامه جيدة، أداءٌ طيب، وصوت جميل، وإمامنا من الناس الذي تَمْشي حالُه، فكان إذا قرأ الإمام الذي بجوارنا تابعتُه، وأنصتُ لقراءته، وتركت إمامنا يسرح.
فهذه أذية عظيمة.
وأنا دائماً أفكر وأقول: ما هي النتيجة التي نحصلها من وراء هذا؟! ثم لو فُرِض أن هناك مصلحة فإنها تقابلها الأذية، والرسول قال لأصحابه يخاطبهم؛ يخاطب أفضل القرون وخير القرون، قال: (لا يؤذِيَنَّ بعضُكم بعضاً) فجعل ذلك أذية، وصَدَق الرسول، إنها أذية.
فهذه القاعدة انتبه لها: تركُ السنة لدفع الأذية خير من فعل السنة مع الأذية، فهذا المتورِّك إذا كان بتَوَرُّكِه يؤذي جاره فلا يتورَّك، وإذا علم الله من نيته أنه لولا هذا لَتَوَرَّكَ فإن الله تعالى يثيبه؛ لأنه يكون كمن قال فيهم الرسول ﷺ : (مَن مرض أو سافر كُتِب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) .
السائل: بعضهم يشغل المايكروفون ليُسْلِم مَن أراد أن يُسْلِم! الشيخ: يُسْلِم، هل نحن في دار كفر؟! السائل: أو أنه يهتدي.
الشيخ: هذا إذا كان يريد أن يهتدي، وما سمعنا أحداً اهتدى بهذا أبداً.
مداخلة: وربما اختلط بالرياء! الشيخ: والرياء الله أعلم! إذا كان الإمام قصده الرياء فهذا شيء آخر.
стр. 943
وقت قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية
فضيلة الشيخ! كيف يمكن للمأموم أن يقرأ بفاتحة الكتاب إذا لم يعطه الإمام فرصة له في الصلاة الجهرية؟
يمكن أن يقرأ والإمام يقرأ؛ لأن النبي ﷺ انصرف من صلاة الفجر ذات يوم وقد نوزِع القراءة، فسأل الصحابة، قال: (هل تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم.
قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) ، فأنت تقرأ ولو كان إمامك يقرأ، وإذا كان الإمام له سكتة ولو يسيرة فيمكنك أن تقرأ فيها آية من الفاتحة وتكْمِل.
стр. 944
حكم حج من توفي عنها زوجها وهي في زمن الإحداد
فضيلة الشيخ! امرأة توفي عنها زوجها، وأدركتها فريضة الحج وهي في الحداد، وهي مستطيعة وقادرة وعندها محرم، فهل تحج أم لا؟
لا تحج، بل تبقى في بيتها.
أعني: إذا مات عنها زوجها وجاء وقت الحج وهي في العدة -في الإحداد- فإنها تبقى، وفي هذه الحال لا يجب عليها الحج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] وهذه المرأة لا تستطيع شرعاً.
السائل: وإذا كان معها محرم يا شيخ؟ الشيخ: نعم.
تؤجل إلى السنة الثانية أو الثالثة.
стр. 945
الجمع بين قوله ﷺ : (لا يأتي زمان .
) وانتشار الصحوة
فضيلة الشيخ! كيف يكون الجمع بين قول النبي ﷺ : (لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه) وبين ما نراه في واقعنا من إقبال الناس على الله؟! فنحن نجزم ونقطع قطعاًَ أن هذا الوقت أحسن من أوقاتٍ قد مضت من قلة المنكرات، وإقبال الناس على الله، وهذا شيء مشاهَد، وهو ما يُسمى الآن بالصحوة، ومعلوم أن هذه الصحوة لا تكون إلا بعد غفلة، فكيف يكون الجمع بين هذا وهذا؟
يجب أن نعلم أن القرآن وصحيح السنة لا يخالفان الواقع أبداً، فإذا وقع شيء يخالف ظاهر القرآن والسنة فاعلم أنك أخطأت في فهم الكتاب والسنة، وأن المراد بذلك معنىً لا يخالف الواقع.
الواقع الآن -كما تفضل الأخ- أن هناك إقبالاً شديداً ولله الحمد من الشباب على دين الله، ونسأل الله لهم الثبات وأن يوفقهم إلى الصواب؛ لكن هناك شر مستطير بالنسبة لكثير من الناس! هناك إقبال والحمد لله؛ لكن يوجد شر عظيم أيضاً، فالمنكرات الموجودة الآن في المسلمين هل كانت توجد من قبل؟! ما كانت توجد، بل ما كنا نصدق أن إنساناً يشرب الخمر! والآن الخمر في بعض بلاد الإسلام يُباع علناً، ويوضع في الثلاجات كما يوضع الشراب الحلال! وما كنا نظن أن شخصاً يلوط بمثله! والآن في بعض البلاد الإسلامية يُعْرَض الذكر على الإنسان كأنه امرأةٌ حلال! والمخدرات المهلكات للأمم هل كنا نعرفها؟! لا.
فالأمة الآن فيها خير كثير، وفيها شر، وإذا قارنت بين هذا وهذا فقد تقول: إن الخير أغلب إن شاء الله، وإذا لم يُرْدَع مِن قِبل أهل الشر فسَيَغلِب أهلُ الخير.
لكن المراد بالحديث: الوُلاة؛ لأن سبب ذكر أنس ﵁ لهذا الحديث أن الناس جاءوا إليه يشكون ما يجدون مِن الحجاج، والحجاج بن يوسف الثقفي معروف، فقال لهم: (اصبروا فإن النبي ﷺ قال: إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) ، وهذا واقع بالنسبة للولاة، فما يأتي على الناس زمانٌ إلا وما بعده شر منه.
انظر الآن إلى البلاد الإسلامية، ولا سيما العربية التي نحن نعرف! فـ مصر -مثلاً- لما كانت ملكية هل هي أحسن، أم بعد أن صارت جمهورية؟! الأول أحسن بكثير، ثم الجمهوريات التي توالت عليها، كل جمهورية شر من التي قبلها! وانظر إلى العراق! ستجده كذلك! وانظر إلى الشام! ستجده كذلك! فالناس بالنسبة للولاة لا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه، في الظلم، والبُعد عن الدين، وقمع أهل الحق، وغير ذلك.
أعرفتَ الآن؟! فصار المراد بذلك -فيما يظهر- هم الولاة؛ (لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه) .
قَدْ يَرِدْ على هذا خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀، فإن الخلفاء قبله كانوا شراً منه، وهو خير منهم بلا شك، خيرٌ ممن سبقه، لا سيما القريبين منه، فيقال: هذا لا يخالف الحديث؛ لأن نصوص الكتاب والسنة أحياناً تأتي على الأغلب، ليس على كل عين وكل فرد.
стр. 946
حكم استقدام العمال وأخذ المال على استقدامهم
فضيلة الشيخ! شخصٌ لديه مكتب استقدام أيدٍ عاملة، يقوم بإحضار العمال من الخارج؛ ولكنه يأخذ مبلغاً من المال مقابل إحضار هذا العامل، والمصلحة للعامل كبيرة جداً، فحتى لو دفع مبلغاً، وأتى إلى هنا واشتغل فستكون مصلحته لا تقارن مع المرتبة التي يكون قد سلَّم المبلغ فيها، فهل هذا جائز لصاحب المكتب أن يأخذ من العامل مبلغاً مقابل إحضاره إلى هنا؛ ليشتغل ويستلم الرواتب ويتحسن وضعُه؟
أولاً: ننصح مكاتب الاستقدام ألا تستقدم إلا مسلمين:- ألا يستقدم الكفار، لا من النصارى، ولا من غيرهم، لأن الرسول ﵌ قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) .
وقال في مرض موته: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) .
وقال: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً) .
كل هذه أحاديث صحيحة! وأين نحن إذا وقفنا بين يدي الله وكنا نستقدم هذه الجنود والجحافل العظيمة من غير المسلمين إلى بلاد نشأ فيها الإسلام، وهي مأوى الإسلام أولاً وآخراً؟! (الإيمان يأرِزْ إلى المدينة -أي: يرجع- كما تأرز الحية إلى جُحرها) .
إذاً: بلادنا منشأ الإسلام ومَرَدُّ الإسلام.
ثم إن الرسول ﵊ أخبر وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخَبَث) ومَن هم الخَبَث؟! أما تقرءون القرآن؟! ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] كل مَن سوى المسلم فهو نَجَس.
فإذا كثر الخَبَث سواء من العمال أو من العمل هَلَكَ الناسُ.
فنصيحتي لمكاتب الاستقدام: ألا يستقدموا إلا مسلماً.
قد يقولون: إن الاختصاص قد يكون في الكفار، ولا نجد من المسلمين رجلاً مختصاً بهذا العمل، أي: يُتْقِنُه! فنقول: إذا قدَّرنا هذا، فلماذا يأتي عاملٌ في زراعة؟! أو يأتي عاملٌ فيكون راعياً؟ أو يأتي عامل فيكون في كناسة البلدية؟! هل هذا لا يعرفه المسلمون؟! أنا أسألكم! هل المسلم لا يُحسن هذا أم أنه يُحسن؟ يُحسن.
فعلى كل حال هذه نصيحتي للمستقدمين، وليعلموا أن الله سيسألهم يوم القيامة عما خالفوا به شريعته.
ثانياً: ألا يستقدم إلا إذا كانت هناك حاجة بيِّنة لهذا العامل:- ولكن مع الأسف صار استقدام العمال الآن مُتَّجراًَ، صار الواحد يجلب من العمال ما يزيد على حاجته أضعافاً مضاعفة، ويَكُدُّهُم بالسوق، ويأخذ عليهم ضريبة؛ كل شهر كذا وكذا! وهذا حرام شرعاً، ومخالف للدولة نظاماً.
أما إذا توفر هذان الشرطان، وهما: أن يكون مسلماً.
وأن يكون بقدر الحاجة.
ثم أخذ منه شيئاً لاستقدامه، وإذا لم يصلح له وردَّه ردَّ عليه ما أخذ فلا بأس؛ لأنه مما هو معروف أنه يكون بين العامل والمستقدم ثلاثة شهور تجربة، فإذا لم يصلح العامل ردَّ عليه ما أخذ، فأرجو ألا يكون به بأس.
أما إذا كان لا يردُّه فهذا يعني أنه ربح والعامل المسكين خسر، وقد يكون باع ما وراءه وما دونَه -كما يقولون- لأجل أن يعطي هذا القدر الذي طلبه المستقدم، ثم بعد أن يقعد شهراً أو شهرين يقال له: ارجع، ليس لك شيء.
وأزيد على هذا: أن بعض الكفلاء يكُدُّون المكفولين، ويأخذون منهم العمل الذي بينهم وبينهم، أو ربما أكثر، ثم لا يعطونهم الأجور، وكثيراً ما يأتينا عمال يبكون؛ لأنهم لا يعطَون أجوراً، ويموتون من الجوع، ويُجْعَلون في دور قديمة، ويُحشر العشرات في دار لا تتحمل إلا نصفَهم، وهذا حرام على الكفلاء، قال الله في الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً وأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيراً، فاستوفى منه ولم يعطه أجره) .
فنصيحتي للكفلاء: أن يتقوا الله في هؤلاء الفقراء، وأن يعطوهم حقهم، وألا يكلفوهم أكثر مما تم عليه العقد، وليعلموا أن الدنيا دولٌ، فلعلهم في يوم من الأيام يكونون كهؤلاء العمال، يذهبون إلى بلادهم مِن فَقْرٍ كما جرى من قبل، حيث كان الناس من قبل يذهبون إلى الهند والشام والعراق من الفقر، أفلا يمكن أن ترجع هذه الحال؟! أجيبوا! بلى.
يمكنها أن ترجع، فالله على كل شيء قدير.
فإذا كان الله أنعم علينا بهذه النعمة الآن -ولله الحمد- إن لم نشكرها زالت، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] .
стр. 947
حكم الزكاة على الدين
أولاً: يا شيخ! نحن نحبك في الله.
ثانياً: أنا بعتُ لشخص سيارة، وبَقِيَت لي عنده (٥٠٠٠) ريال، وما زالت عنده من عدة سنين، ثم إن الشخص اختفى، وما أدري أين هو، فهل أزكي عنها أم لا؟
أولاً: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه.
ثانياً: لا.
فالدين الذي على معسر ليس فيه زكاة، إلا إذا قبضتَه فإنك تزكيه سنة واحدة، والآن ما دمتَ لا تعرف أين ذهب الرجل، فليس عليك زكاة.
ونختم هذه الجلسة بأن نسأل الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم ممن تحقق فيهم قول الرسول ﵊: (مَن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله به طريقاً إلى الجنة) .
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 948
لقاء الباب المفتوح [٢٣]
في هذا اللقاء تفسير ثلاث آيات من سورة التكوير، الأولى: قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين) والثانية: قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم) وقد توسع في شرح هذه الآية، فقد تحدث فيها عن مشيئة الإنسان وأنها باختياره، وأن ما نفعله هو باختيارنا وإرادتنا، وتحدث أيضاً عن معنى الاستقامة، أما الآية الثالثة والأخيرة فهي قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) ، ثم أجاب عن الأسئلة.
стр. 949
تفسير آيات من سورة التكوير
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث في هذا الشهر، شهر ذي القعدة، عام: (١٤١٣هـ) ، وهو اللقاء الأسبوعي الذي يكون في كل يوم خميس.
وكما نحن نمشي عليه فيما سبق، فإننا نمشي عليه الآن، وباستمرار إن شاء الله تعالى، ما لم يوجد منهج آخر أكمل منه، فإن الإنسان ينشد الكمال بقدر ما يستطيع.
في الأسبوع الماضي تكلمنا عن سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ، حتى وصلنا إلى قول الله ﵎: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٤-٢٦] .
стр. 950
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين)
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] : (إِنْ) هنا بمعنى: (ما) ، وهذه قاعدة؛ أنه إذا جاءت (إلَاّ) بعد (إنْ) فهي بمعنى (ما) أي: أنها تكون نافية؛ لأن (إنْ) تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مخفَّفة من الثقيلة، والذي يبيِّن هذه المعاني هو السياق، فإذا جاءت (إنْ) وبعدها (إلَاّ) فهي نافية، أي: ما هو، وهو القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ، ونزل به جبريل على قلبه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] ، فـ (ذِكْر) يشمل التذكير، والتذكُّر؛ فهو تذكير للعالَمين، وتذكُّر لهم، أي: أنهم يتذكرون به ويتعظون به، والمراد بالعالَمين: مَن بُعِث إليهم رسول الله ﵌ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] .
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] .
فالمراد بالعالمين هنا: مَن أرسل إليهم محمد ﵌.
следующие страницы →