Полный текст (6 569 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
حكم استقدام العمال وأخذ المال على استقدامهم
فضيلة الشيخ! شخصٌ لديه مكتب استقدام أيدٍ عاملة، يقوم بإحضار العمال من الخارج؛ ولكنه يأخذ مبلغاً من المال مقابل إحضار هذا العامل، والمصلحة للعامل كبيرة جداً، فحتى لو دفع مبلغاً، وأتى إلى هنا واشتغل فستكون مصلحته لا تقارن مع المرتبة التي يكون قد سلَّم المبلغ فيها، فهل هذا جائز لصاحب المكتب أن يأخذ من العامل مبلغاً مقابل إحضاره إلى هنا؛ ليشتغل ويستلم الرواتب ويتحسن وضعُه؟
أولاً: ننصح مكاتب الاستقدام ألا تستقدم إلا مسلمين:- ألا يستقدم الكفار، لا من النصارى، ولا من غيرهم، لأن الرسول ﵌ قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) .
وقال في مرض موته: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) .
وقال: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً) .
كل هذه أحاديث صحيحة! وأين نحن إذا وقفنا بين يدي الله وكنا نستقدم هذه الجنود والجحافل العظيمة من غير المسلمين إلى بلاد نشأ فيها الإسلام، وهي مأوى الإسلام أولاً وآخراً؟! (الإيمان يأرِزْ إلى المدينة -أي: يرجع- كما تأرز الحية إلى جُحرها) .
إذاً: بلادنا منشأ الإسلام ومَرَدُّ الإسلام.
ثم إن الرسول ﵊ أخبر وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخَبَث) ومَن هم الخَبَث؟! أما تقرءون القرآن؟! ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] كل مَن سوى المسلم فهو نَجَس.
فإذا كثر الخَبَث سواء من العمال أو من العمل هَلَكَ الناسُ.
فنصيحتي لمكاتب الاستقدام: ألا يستقدموا إلا مسلماً.
قد يقولون: إن الاختصاص قد يكون في الكفار، ولا نجد من المسلمين رجلاً مختصاً بهذا العمل، أي: يُتْقِنُه! فنقول: إذا قدَّرنا هذا، فلماذا يأتي عاملٌ في زراعة؟! أو يأتي عاملٌ فيكون راعياً؟ أو يأتي عامل فيكون في كناسة البلدية؟! هل هذا لا يعرفه المسلمون؟! أنا أسألكم! هل المسلم لا يُحسن هذا أم أنه يُحسن؟ يُحسن.
فعلى كل حال هذه نصيحتي للمستقدمين، وليعلموا أن الله سيسألهم يوم القيامة عما خالفوا به شريعته.
ثانياً: ألا يستقدم إلا إذا كانت هناك حاجة بيِّنة لهذا العامل:- ولكن مع الأسف صار استقدام العمال الآن مُتَّجراًَ، صار الواحد يجلب من العمال ما يزيد على حاجته أضعافاً مضاعفة، ويَكُدُّهُم بالسوق، ويأخذ عليهم ضريبة؛ كل شهر كذا وكذا! وهذا حرام شرعاً، ومخالف للدولة نظاماً.
أما إذا توفر هذان الشرطان، وهما: أن يكون مسلماً.
وأن يكون بقدر الحاجة.
ثم أخذ منه شيئاً لاستقدامه، وإذا لم يصلح له وردَّه ردَّ عليه ما أخذ فلا بأس؛ لأنه مما هو معروف أنه يكون بين العامل والمستقدم ثلاثة شهور تجربة، فإذا لم يصلح العامل ردَّ عليه ما أخذ، فأرجو ألا يكون به بأس.
أما إذا كان لا يردُّه فهذا يعني أنه ربح والعامل المسكين خسر، وقد يكون باع ما وراءه وما دونَه -كما يقولون- لأجل أن يعطي هذا القدر الذي طلبه المستقدم، ثم بعد أن يقعد شهراً أو شهرين يقال له: ارجع، ليس لك شيء.
وأزيد على هذا: أن بعض الكفلاء يكُدُّون المكفولين، ويأخذون منهم العمل الذي بينهم وبينهم، أو ربما أكثر، ثم لا يعطونهم الأجور، وكثيراً ما يأتينا عمال يبكون؛ لأنهم لا يعطَون أجوراً، ويموتون من الجوع، ويُجْعَلون في دور قديمة، ويُحشر العشرات في دار لا تتحمل إلا نصفَهم، وهذا حرام على الكفلاء، قال الله في الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً وأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيراً، فاستوفى منه ولم يعطه أجره) .
فنصيحتي للكفلاء: أن يتقوا الله في هؤلاء الفقراء، وأن يعطوهم حقهم، وألا يكلفوهم أكثر مما تم عليه العقد، وليعلموا أن الدنيا دولٌ، فلعلهم في يوم من الأيام يكونون كهؤلاء العمال، يذهبون إلى بلادهم مِن فَقْرٍ كما جرى من قبل، حيث كان الناس من قبل يذهبون إلى الهند والشام والعراق من الفقر، أفلا يمكن أن ترجع هذه الحال؟! أجيبوا! بلى.
يمكنها أن ترجع، فالله على كل شيء قدير.
فإذا كان الله أنعم علينا بهذه النعمة الآن -ولله الحمد- إن لم نشكرها زالت، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] .
стр. 947
حكم الزكاة على الدين
أولاً: يا شيخ! نحن نحبك في الله.
ثانياً: أنا بعتُ لشخص سيارة، وبَقِيَت لي عنده (٥٠٠٠) ريال، وما زالت عنده من عدة سنين، ثم إن الشخص اختفى، وما أدري أين هو، فهل أزكي عنها أم لا؟
أولاً: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه.
ثانياً: لا.
فالدين الذي على معسر ليس فيه زكاة، إلا إذا قبضتَه فإنك تزكيه سنة واحدة، والآن ما دمتَ لا تعرف أين ذهب الرجل، فليس عليك زكاة.
ونختم هذه الجلسة بأن نسأل الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم ممن تحقق فيهم قول الرسول ﵊: (مَن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله به طريقاً إلى الجنة) .
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 948
لقاء الباب المفتوح [٢٣]
في هذا اللقاء تفسير ثلاث آيات من سورة التكوير، الأولى: قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين) والثانية: قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم) وقد توسع في شرح هذه الآية، فقد تحدث فيها عن مشيئة الإنسان وأنها باختياره، وأن ما نفعله هو باختيارنا وإرادتنا، وتحدث أيضاً عن معنى الاستقامة، أما الآية الثالثة والأخيرة فهي قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) ، ثم أجاب عن الأسئلة.
стр. 949
تفسير آيات من سورة التكوير
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث في هذا الشهر، شهر ذي القعدة، عام: (١٤١٣هـ) ، وهو اللقاء الأسبوعي الذي يكون في كل يوم خميس.
وكما نحن نمشي عليه فيما سبق، فإننا نمشي عليه الآن، وباستمرار إن شاء الله تعالى، ما لم يوجد منهج آخر أكمل منه، فإن الإنسان ينشد الكمال بقدر ما يستطيع.
في الأسبوع الماضي تكلمنا عن سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ، حتى وصلنا إلى قول الله ﵎: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٤-٢٦] .
стр. 950
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين)
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] : (إِنْ) هنا بمعنى: (ما) ، وهذه قاعدة؛ أنه إذا جاءت (إلَاّ) بعد (إنْ) فهي بمعنى (ما) أي: أنها تكون نافية؛ لأن (إنْ) تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مخفَّفة من الثقيلة، والذي يبيِّن هذه المعاني هو السياق، فإذا جاءت (إنْ) وبعدها (إلَاّ) فهي نافية، أي: ما هو، وهو القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ، ونزل به جبريل على قلبه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] ، فـ (ذِكْر) يشمل التذكير، والتذكُّر؛ فهو تذكير للعالَمين، وتذكُّر لهم، أي: أنهم يتذكرون به ويتعظون به، والمراد بالعالَمين: مَن بُعِث إليهم رسول الله ﵌ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] .
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] .
فالمراد بالعالمين هنا: مَن أرسل إليهم محمد ﵌.
стр. 951
تفسير قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم)
قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] جملة (لِمَنْ شَاءَ) بدل مما قبلها؛ لكنها بإعادة العامل وهو (إلَاّ) يصير: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧-٢٨] ، وأما من لا يشاء الاستقامة فإنه لا يتذكر بهذا القرآن، ولا ينتفع به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] .
فالإنسان الذي لا يريد الاستقامة لا يمكن أن ينتفع بهذا القرآن.
إذا قال قائل: هل مشيئة الإنسان باختياره؟ نقول: نعم.
مشيئة الإِنسان باختياره، فالله جعل للإنسان اختياراً وإرادة، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل؛ لأنه لو لم يكن ذلك لَمَا قامت الحجة على الخلق الذين أُرْسِلَت إليهم الرسل بإرسال الرسل.
أفهمتم الموضوع؟! إذاً: هل ما نفعله نحن يكون باختيارنا وإرادتنا؟
نعم.
هو باختيارنا وإرادتنا، ولولا ذلك لَمَا كان لإرسال الرسل حجة علينا، إذْ أننا نستطيع أن نقول: نحن لا نقدر على الاختيار، فالإنسان لا شك فاعل باختياره، وكل إنسان يعرف أنه إذا أراد أن يذهب إلى مكة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى المدينة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى بيت المقدس فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى الرياض فهو باختياره، أو إلى أي مكان أراد فهو باختياره، لا يرى أن أحداً أجبره عليه، ولا يشعر أن أحداً أجبره على ذلك.
كذلك أيضاً من أراد أن يقوم بطاعة الله فهو باختياره، ومن أراد أن يعصي الله فهو باختياره.
فالمشيئة للإنسان هو حر فيها؛ ولكن نعلم علم اليقين أنه ما شاء شيئاً إلا وقد شاءه الله من قبل، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] ، ما نشاء شيئاً إلا بعد أن يكون الله قد شاءه، فإذا شئنا الشيء علمنا أن الله قد شاءه، ولولا أن الله شاءه ما شئناه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣] .
فنحن إذا عملنا الشيء نعمله بمشيئتنا واختيارنا؛ ولكن نعلم أن هذه المشيئة والاختيار كانت بعد مشيئة الله ، ولو شاء الله ما فعلنا.
فإن قال قائل: إذاً لنا حجة في المعصية؛ لأننا ما شئناها إلا بعد أن شاءها الله! فالجواب: أنه لا حجة لنا؛ لأننا لم نعلم أن الله شاءها إلا بعد أن فعلناها، وفِعْلُنا إياها باختيارنا، ولهذا لا يمكن أن نقول: إن الله شاء كذا أو شاء كذا إلا بعد أن يقع، فإذا وقع فبأي شيء وقع؟! وقع بإرادتنا ومشيئتنا.
لهذا لا يَتَّجِه أن يكون للعاصي حُجَّةٌ على الله وقد أبطل الله هذه الحجة في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، فلولا أنه لا حجة لهم ما ذاقوا بأس الله، ولَسَلِموا من بأس الله؛ ولكن لا حجة لهم، فلهذا ذاقوا بأس الله.
وكلنا نعلم أن الإنسان لو ذُكِر له أن بلداً آمناً مطمئناً يأتيه رزقه رغداً من كل مكان، فيه من المتاجر والمكاسب ما لا يوجد في البلاد الأخرى، وأن بلداً آخر خائف غير مستقر، مضطرب في الاقتصاد، مضطرب في الخوف والأمن، فإلى أيِّهما يذهب؟! بالتأكيد سيذهب إلى الأول ولا شك، ولا يرى أن أحداً أجبره أن يذهب إلى الأول، بل يرى أنه ذهب إلى الأول بمحض إرادته.
هكذا الآن طريق الخير وطريق الشر، قال الله لنا: هذه طريق جهنم، وهذه طريق الجنة، وبيَّن لنا ما في الجنة من النعيم، وما في النار من العذاب، فأيَّهما نسلك؟! بالقياس الواضح الجلي سنسلك طريق الجنة لا شك، كما أننا في المثال الآنف سنسلك طريق البلد الذي يأتيه رزقه رغداً من كل مكان.
فلو أننا سلكنا طريق النار فإنه سيكون علينا العَتب والتوبيخ واللوم، وينُادَى علينا بالسَّفَه، كما لو سلكنا في المثال الأول طريق البلد المَخُوْف المتزعزع الذي ليس فيه استقرار، فإنَّ كل أحدٍ يلومنا ويوبخنا.
إذاً: ففي قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] تقرير لكون الإنسان يفعل الشيء بمشيئته واختياره؛ ولكن بعد أن يفعلَ الشيءَ ويشاؤه نعلم أن الله قد شاءه من قبل، ولو شاء الله ما فعل، وكثيراً ما يعزم الإنسان على شيء، يتجه بعد العزيمة على هذا الشيء، وفي لحظة ما يجد نفسه منصرفاً عنه، أو يجد نفسه مصروفاً عنه؛ لأن الله لم يشأْه.
فكثيراً ما نريد أن نذهب -مثلاً- إلى مسجدٍ ما لنستمع إلى محاضرة، وإذا بنا ننصرف بسبب أو بغير سبب، أحياناً بسبب بحيث نتذكر أن لنا شغلاًَ أو يُقال لنا: إن المحاضرة أُلغيت، فنرجع، وأحياناً نرجع بدون سبب، لا ندري إلا وقد صرف الله تعالى همتنا عن ذلك فرجعنا، ولهذا قيل لأعرابي: بِمَ عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهِمَم.
بنقض العزائم يعني: أن الإنسان يعزم على الشيء عزماً مؤكداً، وإذا به ينتقض.
من نقض عزيمته؟ لا يشعر أن هناك مرجحاً أوجب أن يعدل عن عزيمته الأولى، بل بمحض إرادة الله.
وصرف الهمم أي: أن الإنسان يهمُّ بالشيء ويتجه إليه تماماً، وإذا به يجد نفسه منصرفاً عنه، سواء كان الصارف مانعاً حسياً، أو كان الصارف مجرد اختيار من الإنسان أن ينصرف، وكل هذا من الله .
فالحاصل: أن الله يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] .
ما معنى الاستقامة؟ الاستقامة هي: الاعتدال، ولا عَدْلَ أَقْوَمُ من عدل الله في شريعته.
ففي الشرائع السابقة كانت كل شريعة تناسب حال الأمم زماناً ومكاناً وحالاً، وبعد بعثة الرسول ﵊ أصبحت شريعته تناسب الأمة التي بُعِثَ النبي ﷺ إليها مِن أول بعثته إلى نهاية الدنيا.
ولِهذا كان من العبارات المعروفة: أن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان وحال، ولو تمسك الناس به لأصلح الله الخلق.
انظر مثلاً الإنسان! يصلي أولاً قائماً، فإن عجز فقاعداً، فإن عجز فعلى جنب، إذاً: الشريعة تتطور بحسب الشخص؛ لأن الدين صالح لكل زمان ومكان.
ويجب على المحدث أن يتطهر بالماء، فإن تعذر استعمال الماء لِعَجْزٍ أو عَدَمٍ عَدَل إلى التيمم، فإن لم يجد ماءً ولا تراباً، أو كان عاجزاً عن استعمال التراب فإنه يصلي بلا شيء، لا بطهارة ماء ولا بطهارة تيمم.
كل هذا لأن شريعة الله كلها مبنية على العدل، فليس فيها جور، وليس فيها ظلم، وليس فيها حرج، وليس فيها مشقة، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] .
وضد الاستقامة انحرافان: انحرافٌ إلى جانب الإفراط والغُلُو.
وانحرافٌ إلى جانب التفريط والتقصير.
ولهذا كان الناس في دين الله ثلاثة أصناف: طَرَفان، ووسط.
طرفٌ مُغالٍ مُبالغٌ مُتَنَطِّعٌ مُتَعَنِّتٌ.
وطرفٌ آخرُ مُفَرِّطٌ مُقَصِّرٌ مُهْمِلٌ.
والثالثُ وَسَطٌ بين الإفراط والتفريط، مستقيمٌ على دين الله.
وهذا الأخير هو الذي يُحْمَد.
أما الأول المغالي، والثاني المجافي فكلاهما هالك، بحسب ما عند كليهما من الغلو أو من التقصير.
وقد نهى النبي ﵊ عن الغلو والإفراط والتعنت والتنطع، حتى إنه قال: (هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون) ؛ لأن التنطُّع فيه إشقاق على النفس، وفيه خروجٌ عن دين الله .
كما أن الله ذَمَّ المفرِّطين والمهملين، وقال في وصف المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] .
فدينُ الله وسط بين المغالي فيه والمجافي عنه، ولهذا قال هنا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] ، لا يميل يميناً ولا شمالاً، بل يكون سيرُه سيرَ استقامة على دين الله .
والاستقامة كما تكون في معاملة الخالق وهي: العبادة، تكون -أيضاً- في معاملة المخلوق، فكن مع الناس بين طرفين، بين طرفِ الشدة والغلظة والعبوس، وطرفِ التراخي والتهاون وبذل النفس، وانحطاط الرتبة، كن حازماً من وجهٍ، وليناً من وجه.
ولهذا قال الفقهاء ﵏ في القاضي: ينبغي أن يكون ليِّناً من غير ضعف، قوياً من غير عنف، فلا يكون لينُه يشطح به إلى الضعف، ولا قوته إلى العنف، بل يكون بين ذلك، ليناً من غير ضعف، قوياً من غير عنف، حتى تستقيم الأمور.
فبعض الناس -مثلاً- يعامل الناس دائماً بالعبوس، والشدة، وإشعارِ نفسه بأنه فوق الناس، وأن الناس تحته، وهذا خطأ.
ومن الناس من يحط قدْر نفسه، ويتواضع إلى حد التهاون، وعدم المبالاة، بحيث يبقى بين الناس لا حرمة له، وهذا أيضاً خطأ.
فالواجب أن يكون الإنسان بين هذا وهذا، كما هو هدي النبي ﵌ فإنه ﵊ يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين.
فيجمع الإنسان هنا بين الحزم والعزم، واللين والعطف والرحمة.
стр. 952
تفسير قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)
قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] أي: لا يمكن أن تشاءوا شيئاً إلا وقد شاءه الله من قبل.
فأنا مشيئتي الآن أن أحدثكم وأتحدث إليكم، فهذه مشيئةٌ مني أنا؛ لكنها ما كانت إلا بعد مشيئة الله ، لو شاءَ اللهُ أشاءُ أنا، ولو شاء الله ألا يكون الشيء ما كان ولو شئتُ، فحتى لو شئتُ والله تعالى لم يشأ فإنه لن يكون، بل يقيِّض الله تعالى أسباباً تحول بيني وبين هذا حتى لا يقع، وهذه مسألة يجب على الإنسان أن ينتبه لها؛ أن يعلم أن فعلَه بمشيئته، مشيئةٌ تامةٌ بلا إكراه؛ لكن ليعلم أن هذه المشيئةَ مقترنةٌ بمشيئة الله، وأنه ما شاء الشيء إلا بعد أن شاء الله، وأن الله لو شاء ألا يكون لما شاءه الإنسان، أو أن الإنسان شاءه؛ ولكن يحول الله بينه وبينه بأسباب وموانع.
وهنا قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] ولم يقل ربكم؛ إشارة إلى عموم ربوبية الله، وأن ربوبية الله تعالى عامة؛ ولكن يجب أن تعلموا أن (العالَمِين) هنا ليست كـ (العالَمِين) في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] .
قلتُ في (العالَمِين) الأولى: إن المراد بها مَن أُرْسِل إليهم الرسول.
أما هنا في (العالَمِين) الثانية: فالمراد بها: كلُّ مَن سوى الله؛ لأنه ما ثَمَّ إلا رب ومربوب، فإذا قيل: ربُّ العالَمِين، تعيَّن أن يكون المراد بـ (العالَمِين) كلُّ مَن سوى الله، كما قال الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: وكلُّ مَن سوى الله فهو عالَم، وأنا واحدٌ من ذلك العالَم.
الحاصل: أن هذه السورة سورة عظيمة، فيها تذكرة وموعظة، ينبغي للمؤمن أن يقرأها بتدبر وتمهل، وأن يتعظ بما فيها، كما أن الواجب عليه في جميع سور القرآن وآياته أن يكون كذلك، حتى يكون ممن اتعظ بكتاب الله، وانتفع به.
نسأل الله تعالى أن يعَظِنا وإياكم بكتابه، وسنةِ رسوله ﵌، وآياتِه الكونية، إنه على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 953
الأسئلة
стр. 954
حكم تعليق الآيات القرآنية والأحاديث في المجالس أو في السيارة
ما حكم تعليق الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في مجلس -مثلاً- أو في سيارة، أو في غيرهما؟
تعليق الآيات القرآنية في المجالس أمر مُبْتَدَع أحدثه الناس، ولم يكن ذلك معروفاً في عهد السلف الصالح، وذلك لأن القرآن الكريم ليس وَشْياً تُوَشَّى به الجدران، وتُزَيَّن به، كما رأينا بعض الناس يعلِّق لوحةً تُكْتَبُ فيها آية، وتجعل هذه الآية كأنها قصر، بحيث تُهَنْدَس على صفة البناء الذي في الشرفات، وبعضُهم علَّق سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] على هذا الوجه، إذا رأيتَه تقول: هذا قصر، والقرآن أشرفُ مِن أن يكون زينةً ووَشْياً في الجدران.
وإن قُصِدَ بذلك التبرك: فليس التبرك بأن يكتب كتاب الله ويعلق في الجدران، التبرك بالقرآن حقيقةً هو: التبرك بتلاوته، فإن كل حرف منه بعشر حسنات.
كذلك إن أُرِيْدَ بذلك الاتعاظ والتذكر: فإننا لم نجد أن المجلس الذي يكتب فيه شيء من آيات الله يزداد فيه تقوى الناس، واتعاظهم، وتذكُّرهم، بل إننا نرى بعض هذه المجالس يُفْعَل فيها المنكر؛ ويُشْرَب الدخان فيها، ويُغْتاب فيها الناس، وتُؤْكَل لحومُهم، وما هذا إلا نوعٌ استهزاء؛ كتاب الله فوق رأسه وهو يسهر به في معصية الله! وإن أُرِيْدَ بذلك التحصُّن والوِرْد، كما تعلق الآيات على الصدور: فهذا أيضاً بدعة، فما كان السلف الصالح يتحصنون بمثل هذا؛ ويكتبوا الآيات على جدرانهم.
وهذا الأخير -أعني: أن يُقْصَدَ به التحصُّن- يوجب أن الإنسان يعتمد على ذلك، ولا يَقْرَأُه هو بنفسه، أي: الآيات التي فيها التحصين، مثل آية الكرسي؛ مَن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، ومثل الآيتين الأخيرتين في سورة البقرة؛ مَن قرأهما في ليلة كَفَتاه، فتجد الإنسان يعتمد على ما كتبه في هذا المجلس أو في مُقَدَّمِ البيت ومَدْخَلِه، ويقول: الآن احتمى البيت بِما كتب فيه من الآيات، ويُعْرِض عن التحصين الحقيقي الذي هو في التلاوة.
لذلك نرى ألا تُعَلَّق هذه الآيات على الجُدُر.
أما الأحاديث فإذا عُلِّق ما يناسب المقام، مثل أن يُعَلَّق كفارةُ المجلس، فهذا لا بأس به؛ لأن هذا تذكير، وينتفع به الناس، فالإنسان إذا رأى مكتوباً عند باب المجلس: كفارة المجلس: أن تقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، فإنه يتذكر هذا ويقوله.
كذلك التعليق في السيارات، إذا كان التعليق في السيارات أذكاراً واردةً مناسبة، مثل أن يعلق الإنسان في السيارة دعاءَ الركوب، فإن هذا حسن، وتذكير، ولا بأس به، وكل إنسان يشعر بأنه يستفيد من ذلك، ويا حبذا لو كانت الكتابة بحرف مُكَبَّر، بحيث يقرَأُه مَن في الخلف؛ لأن هذه الكتابة الصغيرة لا يقرَأُها إلا مَن كان إلى جانبها، أو الذي يقرَأُها، أما مَن كان في الخلف فلا يستطيع قراءتها، فلو جُعِلت بخط كبير إذا أمكن حتى يقرأها مَن في الخلف لكان هذا طيباً.
стр. 955
حكم المداومة على الوعظ عند القبور أثناء الدفن
فضيلة الشيخ! ما مشروعية الموعظة عند القبر؟ فقد سمعنا مَن يقول: إنها ما وردت عن الرسول، وسمعنا مَن يقول: إنها سنة!
القولُ بأنها (ما وَرَدَتْ) على إطلاقه غيرُ صحيح، والقولُ بأنها (سنة) غيرُ صحيح، ووجه ذلك أنه لم يرد أن الرسول ﵊ كان يقف عند القبر أو في المقبرة إذا حضرت الجنازة، ثم يعظ الناس ويذكرهم، هذا ما سمعنا به، وهو بدعة، وربما يؤدي في المستقبل إلى شيءٍ أعظم؛ ربما يؤدي إلى أن يتطرق المتكلم إلى الكلام عن الرجل الميت الحاضر، مثل أن يكون هذا الرجل فاسقاً مثلاً، ثم يقول: انظروا إلى هذا الرجل! بالأمس كان يلعب، بالأمس كان يستهزئ، بالأمس كان كذا وكذا، والآن هو في قبره مُرْتَهَن، أو يتكلم في تاجر مثلاً، فيقول: انظروا إلى فلان، بالأمس كان في القصور والسيارات والخدم والحشم والآن انظروا حالَه.
فلهذا نرى ألا تُفْعَل هذه؛ لأن هذه ليست من السنة، فلم يكن الرسول ﷺ يقف إذا فرغ من دفن الميت أو إذا كان في انتظار دفن الميت، فيقوم ويخطب الناس، أبداً، ولا عهدنا هذا أيضاً في مشايخنا السابقين، وهم أقرب إلى السنة مِنَّا، ولا عهدنا هذا أيضاً فيمَن قبلهم من الأصحاب، فما كان الناس في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي -فيما نعلم- يفعلون هذا، وخير الهَدْي هَدْيُ مَن سَلَفَ إذا وافَقَ الحق.
وأما الموعظةُ التي تعتبرُ كلامَ مجلس، فهذه لا بأس بها، فإنه قد ثبت في السنن أن الرسول ﵊ أتى إلى بقيع الغرقد وفيه أناس يدفنون ميتاً لهم؛ لكنَّ الميتَ لَمْ يُلْحَدْ بعد، أي: معناه أنهم يَحفرون القبر، فجلس وجلس حوله أصحابُه، وجعل يحدثهم بحال الإنسان عند موته، وحالِ الإنسان بعد دفنه حديثاً هادئاً ليس على سبيل الخطبة.
وكذلك ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه جلس على شفير قبر ابنته وهي تُدفَن فقال ﵊: (ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِبَ مقعدُه من الجنة ومقعدُه من النار! فقالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟! قال: اعملوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له) .
فالحاصل: أن الموعظة عند القبر التي هي قيام الإنسان ليخطب هذه لا شك أنها ليست من السنة، ولا تنبغي، لِمَا عرفتَ مِمَّا سيحدُث في المستقبل، وأما الموعظة مثل أن يكون الإنسان جالساً ويدعو حوله أصحابَه، ثم يتكلم بما يناسب فهذا طيب، اقتداءً برسول الله ﷺ .
стр. 956
مسألة دفع القدر بالدعاء
فضيلة الشيخ! كيف يجمع بين أن الدعاء يردُّ القدر، وأن الأمور جميعَها مقدرةٌ قبل خلق السماوات والأرض؟
نجيب بأن الله مقدِّرٌ للأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقدَّر أن هذا الشيء الذي كان بصدد أن يحدث من البلاء قد قُدِّر ما يمنعُه وهو الدعاء، فيكون الدعاء مُقَدَّراً، وكذلك ما كان بصدد النزول من البلاء مقدراً.
فيكون هذا الشيء الذي امتنع أو ارتفع من البلاء بعد نزوله بسبب الدعاء يكون قد قُدِّر من الأصل أنه سيرتفع بهذا الدعاء، أو أنه سيمتنع بهذا الدعاء.
فالدعاء مكتوب من الأول، والبلاء مكتوب من الأول.
فإذا دعا الإنسان أن يرفع الله البلاء بعد نزوله، فارتفع بدعائه -كما هو مشاهَدٌ الآن؛ يدعو الإنسان فيرتفع البلاء- فهذا معناه أن الله قد كتب في اللوح المحفوظ أن هذا البلاء سينزل ويرفعه الدعاء.
إذاً: كلٌّ منهما مكتوب، البلاء المتوقَّع نزوله يمتنع بالدعاء، فيكون هذا البلاء الذي كان بصدد النزول قد قدر الله له دعاءً يمنعه، ولهذا أمر النبي ﵊ إذا كسفت الشمس أو القمر أن نفزع للصلاة والدعاء؛ لأن الله ينذرنا ببلاء سينزل، ولهذا قال: (يخوف الله بهما عباده) ولم يقل: ينتقم الله بهما من عباده؛ لكنه تخويف وإنذار من الله ، فإذا صلينا ودعونا الله فإن هذا الذي أُنذرنا به بهذا الكسوف يمنعه الله .
كما أن الدعاء نفسه عبادة سواء أُجيب أم لَمْ يُجَب، وما من إنسان يدعو الله بصدق إلا أعطاه الله تعالى واحدة من ثلاث: إما أن يعطيَه ما سأل.
أو يكفَّ عنه من الشر ما هو أعظم.
أو يدخرَ ذلك له عنده يوم القيامة ثواباً.
стр. 957
حكم الحج على من لا يستطيع دفع بعض تكاليفه
فضيلة الشيخ! بالنسبة للحج هذا العام أصبح عن طريق حملة، فهل يجوز لي إن لم أستطع دفع تكاليف الحملة، -وخاصة إذا كان معي أهلي- أن أذهب إلى مكة وأحرم من هناك؟ وما الأمور التي تترتب على ذلك؟
هل الحج فريضة؟ السائل: نعم.
فريضة.
الشيخ: إذا كان فريضة، وكان يمكنك أن تذهب إلى مكة فلا بد أن تحرم من الميقات؛ لأنك تريد الحج والعمرة.
السائل: لا أستطيع دفع تكاليف الحملة، فهي ثقيلةٌ عليَّ! الشيخ: إذا كنت لا تستطيع فليس عليك حج؛ ومن الممكن أن تخبر أحداً من الإخوان الذين يعرفونك، والناس يُحبون الخير.
стр. 958
حكم ذبح العقيقة خارج البلاد لعدم حاجة أهلها للحم
ما حكمُ توزيعِ العقيقة وإخراجِها خارجَ البلاد، مع العلم بعدم حاجة أهلها لِلَحم هذه العقيقة، وباستطاعتهم أن يقيموا بدلاً عنها واحدةً أخرى في نفس البلد؟
بالمناسبة لهذا السؤال أود أن أبين للإخوة الحاضرين والسامعين أنه ليس المقصودُ من ذبح النسك سواءً كان عقيقةً أو هدياً أو أضحيةً اللحمُ أو الانتفاعُ باللحم، فالانتفاع باللحم يأتي أمراً ثانوياً.
المقصود بذلك هو: أن يتقرب الإنسان إلى الله بالذبح، هذا أهم شيء، أما اللحم فقد قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] .
وإذا علمنا ذلك تبين لنا خطأ من يدفعون مالاً ليُضَحَّى عنهم في مكان آخر، أو يُعَقَّ عن أولادهم في مكانٍ آخر؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك فاتهم المهم، بل فاتهم الأهم من هذه النسيكة وهو التقرب إلى الله بالذبح، وأنت لا تدري من يتولى ذبح هذه، قد يتولاه مَن لا يصلي، فلا تحل، أو قد يتولاه مَن لا يسمي عليها، فلا تحل، أو قد يُعبث بالذبيحة ولا يُشترى إلا شيئاً لا يُجزئ.
فمن الخطأ جداً أن تصرف الدراهم لشراء الأضاحي أو العقائق من مكان آخر، نقول: اذبحها أنت، بيدك إن استطعت، أو بوكيلك، واشهَدْ ذبحها حتى تشعر بالتقرب إلى الله بذبحها، وحتى تأكل منها؛ لأنك مأمورٌ بالأكل منها، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] .
وقد أوجب كثير من العلماء على الإنسان أن يأكل من كل نسيكةٍ ذبحها تقرباً إلى الله، كالهدايا، والعقائق وغيرها، فهل ستأكل منها وهي في محل بعيد؟! لا.
وإذا كنت تريد أن تنفع إخوانك في مكان بعيد فابعث بالدراهم إليهم، ابعث بالثياب إليهم، ابعث بالطعام إليهم، أما أن تنقل شعيرة من شعائر الإسلام إلى بلاد أخرى فهذا لا شك أنه من الجهل.
أنا أعتقد أن الذين يفعلون ذلك لا يريدون إلا الخير؛ لكن ليس كل من أراد الخير يوفَّق له، ألَمْ تعلم أن الرسول ﵊ أرسل رجلين في حاجة، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء، فأحدهما توضأ وأعاد الصلاة، والثاني لم يعد الصلاة، فقال للذي لم يعد الصلاة: (أصبت السنة) ، والذي أعاد الصلاة كان يريد الخير، فشفَعَت له نيته هذه، وأُعْطِي أجراً على عمله الذي كرَّرَه؛ لكنه خلاف السنة، ولهذا لو أن الإنسان أعاد الصلاة بعد أن سمع بأن السنة عدم الإعادة لم يكن له أجر؛ لكن هذا كان له أجر؛ لأنه كان لا يعلم أن السنة عدم الإعادة.
فالحاصل أنه ليس كل من أراد الخير يوفَّق له، وأنا أخبرك، وأرجو أن تخبر من يبلُغُه خبرُك بأن هذا عمل خاطئ ليس بصواب.
نعم.
لو فُرِضَ أنه دار الأمر بين أن تَعُقَّ أو تُنْجِي أناساً من المجاعة المهلكة وهم مسلمون، وأردت أن تأخذ دراهم العقيقة وترسلها لقلنا: لعل هذا أفضل؛ لأن إنقاذ المسلمين من الهلاك أوجب من العقيقة؛ لكن لا ترسل دراهم على أن تكون عقيقة.
стр. 959
تنظيم دروس خاصة بالمرأة
فضيلة الشيخ! ما رأيكم في جَعْل دروس خاصة بالمرأة، وذلك لتوجيهها وإعانتها على طلب العلم، لتكون مربية لنفسها ولأولادها ولمن هي مسئولة عنهم؟
من يدرِّسها؟ السائل: طالبات علم مثلها، أو نساء فاضلات عندهن علم.
الشيخ: المهم أن تدرِّسها أنثى.
فأقول: لا بأس بهذا، لا بأس أن يُجْعَل -مثلاً- مكانٌ تدرَّسُ فيه النساء؛ تقوم امرأة ذاتُ علم ودين لتدريس هؤلاء النساء؛ لكن بشرط ألا يترتب عليه محظور من وجه آخر، مثل أن يكون تجمُّعُ النساء في هذا البيت سبباً لِحَوْمِ السفهاء حولهن، وعدم التنظيم؛ لأن مدارس البنات منظَّمة الآن؛ كلٌّ يأتي وينادَي بمكبر الصوت على ابنته أو مَن هو ولِيٌّ عليها، فإذا حصل هذا منظَّماً سالماً من المحظور فلا بأس.
стр. 960
أقسام المصائب وأقسام الناس تجاهها
بالنسبة للمصيبة التي تصيب المسلم، كيف يفرق المسلم بين كونها مكفِّرة للذنوب ورافعة للدرجات، وبين أن تكون نذيراً من الله للإنسان؟
أولاً: يجب أن نعلم أن الله قال في الكتاب: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] .
لأول: إما أنها بما كسبت يده، فيُعاقب على المعصية في الدنيا، وعقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة.
الثاني: وإما أن تكون من أجل امتحانه حتى يصل إلى درجة الكمال في الصبر؛ لأن الإنسان بين حالين: إما سراء، فوظيفتها الشكر.
أو ضراء، فوظيفتها الصبر.
فلا يصل الإنسان إلى درجة الصبر إلا بشيء يُصْبَر عليه، ولهذا كان الرسول ﷺ يبتلى أكثر مما يبتلى غيره، حتى إنه يوعَك بالمرض كما يوعَك الرجلان منا، وشدِّد عليه ﵊ عند الموت من أجل رفعة درجته بمقام الصبر.
فالإنسان يُبْتَلى بلاءً خاصاً، إما بسبب ذنوب ارتكبها، فيكفر الله عنه بهذه المصيبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ولهذا بعض الناس إذا فعل ذنوباً ثم حصلت عليه مصائب وبلايا يشكر الله على هذا؛ لأنه يقول: علم الله بذنبي فعاقبني في الدنيا قبل الآخرة، وعقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة، فيَجْعل ذلك نعمة يشكر الله عليها.
والإنسان إذا أصيب ببلاء فله أربع حالات: الأولى: إما أن يتسخط بقلبه أو جوارحه، فيشق الجيب، وينتف الشعر، ويلطم الخد، ويَرَى في قلبه أنه ساخط على ربه -والعياذ بالله- فهذا في أدنى الدرجات، وهو آثم، وقد تبرأ منه الرسول ﵊ فقال: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) .
الثانية: وإما أن يصبر ويحتسب مع كراهته لما حصل، فهذا قام بالواجب، وله أجر الصابرين، وإذا احتسب الأجر على الله فـ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] .
الثالثة: حالة أكمل من الصبر وهي الرضا؛ الرضا أكمل من الصبر، فالصابر ساخط للبلاء؛ لكنه صابر، والراضي متساوٍ عنده الأمران بالنسبة لقضاء الله ويقول في نفسه: ما قضى الله هذا لي إلا خيراً، فيرضى تماماً، ويكون حاله غير متأثر إطلاقاً، لا بقلبه ولا بجوارحه.
الرابعة: أن يكون في مقام الشكر.
كيف يشكر الله على المصيبة؟! نقول: وجهه ما ذكرتُ لكم قبل قليل: أنه يعلم -إذا كان قد فعل ذنوباً- أن هذه عقوبة لذنوبه، فيشكر الله أن عجل له العقوبة لتكون في الدنيا، وذلك أهون من كونها في الآخرة، ثم يشكر الله على أنه إذا رضي وصبر كانت خيراً له، فيشكر الله على ذلك.
стр. 961
حكم العامل إذا نوى وعلق النية بإذن الكفيل له
فضيلة الشيخ! هناك رجل قَدِم من مصر إلى بلادنا هنا، ونوى أن يأخذ العمرة؛ ولكنه يقول: إن كفيله سوف يكون في المطار، وهو يعرف أن هذا الكفيل شديد، فخشي ألا يأذن له، فلم ينوِ بالعمرة إلا بعد أن يأذن له، فلما نزل المطار أذن له، وقد كان نَوَى أن يأخذ العمرة؛ لكن ما أحرم من المطار، وشبيهٌ بذلك: أن بعض الناس يذهب إلى جدة لعمل، ويقول: إن بقي وقتٌ فإنه ينوي من جدة، ويأخذ العمرة، فما حكم هاتين المسألتين؟
حكم هاتين المسألتين واحد.
فالعامل الذي قَدِم إلى جدة وقال: إن أذن لي كفيلي أتيتُ بعمرة وإلا فلا، نقول: إذا وصل إلى جدة وأذن له كفيله فليحرم من جدة ولا شيء عليه.
وكذلك الآخر الذي قدم إلى جدة لعمل، وقال: إن تيسر لي أتيتُ بعمرة وإلا فلا، نقول: إن تيسر له فليحرم من جدة ولا شيء عليه؛ لعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (ومن كان دون ذلك -أي: دون المواقيت- فمن حيث أنشأ) .
стр. 962
اشتراط الوضوء في مس المصحف للمكلفين
فضيلة الشيخ! بالنسبة لِمَسِّ المصحف والقراءة فيه، هل يلزم له الوضوء؟ والطلاب في المدارس هل يؤمرون بالوضوء؟ أحسن الله إليك.
أما القراءة في المصحف فلا يشترط لها الوضوء، وأما مَسُّ المصحف فلا بد فيه من وضوء! وعلى هذا فبإمكان الإنسان أن يأخذ المصحف بين يديه، ويكون عليهما قفازان، أو يكون معه منديل يتصفح به المصحف ويقرأ.
أما بالنسبة للصبيان فقد رخص في ذلك كثير من العلماء أن يمسوا القرآن بلا وضوء، وقالوا: لأنهم غير مكلفين، فقد رُفِع القلم عن ثلاثة.
وقال بعض العلماء: إن الصبيان لا يمسون المصحف إلا بوضوء؛ لأن هذا احترام للمصحف، واحترام المصحف واجب على كل أحد.
ولكن نحن نقول: إن أمكن أن يتوضئوا فهو أفضل بلا شك وأسلم، وإن لم يمكن فلا بأس.
стр. 963
حكم بيع الوقف المحصور إذا تعطلت منافعة
فضيلة الشيخ! رجلٌ أوقف منزلَهُ على أربعٍِ من بناته، وهذا المنزل بعد فترة من الزمن أصبح خرباً، ولا يمكن الاستفادة منه، وهؤلاء البنات لا يستطعن إصلاحه والاستفادة منه، فهل يجوز لهن بيعه؟
أولاً: لنسأل: هل وقَّفَ هذا البيت على أربعٍ من بناته دون الآخرين والأخريات؟ السائل: أعطى الآخرين شيئاً آخر.
الشيخ: تعني: أنه أرضى أولئك! إذاً: الوقف صحيح.
فإذا تعطلت منافع هذا الوقف فلهنَّ بيعُه، وشراء ما هو خير منه؛ لأن الوقف لا يعدُوهنَّ.
стр. 964
حكم ذكر اسم الميت عند الصلاة عليه
فضيلة الشيخ! هناك بعض الناس إذا قدم الميت للصلاة عليه يذكر اسم هذا الشخص، هل هذا الأمر فيه شيء؟
تعني أنه يقول: هذا الذي مات فلان بن فلان؟ السائل: نعم.
يقول: الصلاة على فلان بن فلان.
الجواب: إخبار الناس بالميت إذا قُدِّم بأنه ذكر أو أنثى من أجل أن يكون الدعاء بضمير المذكر إذا كان ذكراً أو بضمير المؤنث إذا كانت أنثى، أو إذا كانت هناك جنازة كبيرة أو صغيرة لم تبلغ الحلم، فيخبر الناس من أجل أن يدعوا لكل ميت بما يناسبه، هذا لا بأس به لما فيه من المصلحة.
وأما الإخبار عنه باسمه فلا أدري، أتوقف في هذا! قد يكون فيه مصلحة، وقد لا يكون فيه مصلحة، قد يكون مثلاً مِن الحاضرين مَن بينه وبين هذا الميت المعين عداوةٌ سابقةٌ مثلاً، فينصرف عن الصلاة، ويقول: لستُ مصلياً على هذا الرجل، فيكون في هذا تشويش، أو ربما يصلي عليه وبدلاً من أن يدعو الله له يدعو الله عليه، فلو أنه تُرك التعيين بالاسم لكان أحسن.
стр. 965
حكم العمرة في أشهر الحج
ما رأيكم في العمرة في شهر ذي القعدة؟ وهل نقول: بأنها سنة مؤكدة لورودها عن الرسول ﷺ ؟
لا شك أن الرسول ﷺ اعتمر في ذي القعدة ثلاث عُمَرٍ منفردة؛ في عمرة الحديبية التي صُد عنها، وفي عمرة القضاء في السنة التي تلتها، وفي عمرة الجعرانة في السنة التي تلتها أيضاً، وفي عمرة حَجِّه، حيث كان قارناً في السنة العاشرة.
والعمرة في أشهر الحج في عهد الرسول ﵊ كانت مؤكدة؛ لأنه كانت عند العرب في الجاهلية عقيدة فاسدة؛ أنه لا اعتمار في أشهر الحج، وأن أشهر الحج للحج، حتى إن الرسول ﵌ لما أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوها عمرة استغربوا ذلك، وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ قال: (افعلوا ما أمرتكم به) .
وقد استحب بعض العلماء أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج اقتداءً برسول الله ﵌، حتى إن بعض العلماء تردد؛ هل العمرة في أشهر الحج أفضل أم العمرة في رمضان؟
стр. 966
حكم قول القائل: (أقامها الله وأدامها) عند إقامة الصلاة
قام شاب مجتهدٌ في أحد المساجد وتكلم عن بعض البدع في الصلاة، وقال: من البدع قول الشخص: (أقامها الله وأدامها) عندما يقيم المقيم، فلما انتهى قام شخص آخر وأنكر عليه في نفس المسجد، وقال: هذه ليست بدعة؛ لأنها وردت في حديث ضعيف، والحديث الضعيف يؤخذ به في باب الفضائل -على حد قول الرجل هذا- ويستند على فتوى وكلام أحد المشايخ؟
قول القائل إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة: (أقامها الله وأدامها) هو مبني على حديث ضعيف كما قال الأخ الأخير، فالحديث في هذا ضعيف؛ ولكن بعض الفقهاء أخذ به، وقال: إنه يقول كما يقول المقيم، إلا عند قد قامت الصلاة فيقول: أقامها الله وأدامها، وما دامت المسألة فيها خلاف بين علماء السنة، فلا ينبغي أن نقول لمن قالها: إنه مبتدع.
وأما قول الأخير: إنها من فضائل الأعمال، فالأحاديث الضعيفة لا تثبت بها الأحكام، ومن قال: إن الأحاديث الضعيفة يُحْتَج بها في الفضائل فمراده أنه إذا ورد الحديث الضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ثبت بالسنة؛ لكن فيه فضل، وهذا الفضل جاء في حديث آخر ضعيف، فيقول: إننا نأخذ بهذا الضعيف؛ لأنه إن كان الثابت مأموراً به كان هذا الحديث الضعيف الذي فيه الفضيلة دعماً لهذا الأمر، فيزيد الإنسان نشاطاً.
ثم إن كان الحديث صحيحاً فهذا ما يريده الإنسان، وإن لم يكن صحيحاً فإنه لم يزده إلا قوة في الطاعة.
وإذا كان الحديث نهياً، وورد فيه تحذير عن هذا الفعل في حديث ضعيف فهذا التحذير إن كان صحيحاً فالإنسان قد سلم من هذه العقوبة، وإن كان غير صحيح فهذا لا يزيده إلا بُعداً عن المعصية، وهو أمر مطلوب.
فالحاصل أن الحديث الضعيف لا يمكن أن يُثْبَت به حكم من الأحكام، حتى عبارة (قد قامت الصلاة) لا نثبتها بالحديث الضعيف.
فمن لم يصح عنده الحديث، فإنه لا يقوله، ومَن رأى أن الحديثَ حَسَنٌ وأنه حجةٌ قالَهُ.
ولذلك يقول العلماء: لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف إلا بشروطٍ ثلاثة: الأول: ألا يكون الضعف شديداً.
الثاني: أن يكون لهذا العمل الذي فيه الفضل، أو التحذير أصلٌ ثابت.
الثالث: ألا يعتقد أن الرسول ﵌ قالَهُ.
وليس الاحتجاج بالضعيف على إطلاقه، بل يُحْتَج بالضعيف في باب الترغيب وفي باب الترهيب بشرط: أن يكون لهذا المُرَغَّب فيه أو المُحَذَّر عنه أصلٌ ثابت.
وأظنكم سمعتم الآن الأذان، وهو الحد الفاصل لهذه الجلسة.
وإلى جلسة أخرى إن شاء الله تعالى، وسيكون إن شاء الله الكلام فيها عن الحج، وما يتعلق به؛ لقُرْبِ موسم الحج.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
стр. 967
لقاء الباب المفتوح [٢٤]
تحدث الشيخ في هذا اللقاء عن الحج؛ حكمه وفرضيته، وحكم من تركه تكاسلاً أو تركه إنكاراً، ثم تحدث عن شروطه، وتعمق في مسألة الاستطاعة، وأنه لا يجب الحج على من عليه دين أو امرأة لم تجد لها محرماً.
ثم بعد ذلك أجاب عن الأسئلة.
стр. 968
الحج .
حكمه وفرضيته
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا يوم الخميس الثاني والعشرون من شهر ذي القعدة من عام (١٤١٣هـ) هو يوم اللقاء الرابع لهذا الشهر.
وقد تكلمنا فيما سبق عن سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ، وما قبلها من سُوَر عبس، والنازعات، والنبأ، وأكملنا ولله الحمد هذه السور الأربع.
أما اليوم فسنجعل افتتاح لقائنا هذا بالكلام عن الحج.
فالحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة التي بُنِي عليها الإسلام، كما قال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام) .
وقد فرضه الله على عباده في السنة التاسعة من الهجرة، وحج النبي ﵌ في السنة العاشرة، وهو فرضٌ بإجماع المسلمين؛ مَن أنكر فرضيته وقد عاش بين المسلمين فهو كافر؛ لأنه أنكر فرضاً ثابتاً بالكتاب والسنة معلوماً بالضرورة من دين الإسلام، ومن أقر بفرضيته ولكنه تركه تهاوناً مع وجوبه عليه، فمن العلماء مَن قال: إنه كافر، كما هي إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀، ومنهم مَن قال: إنه ليس بكافر، وهو القول الراجح؛ لكنه آثم وفاعلٌ كبيرةً مِن كبائر الذنوب، ويدلُّ على كونه غير كافر: أن أصحاب رسول الله ﵌ كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
ولكنه لا يجب إلا بشروط:
стр. 969
شروط وجوب الحج
الشرط الأول: الإسلام: وضده الكفر، فالكافر لا يجب عليه الحج، ولا يؤمر به، ولا يجوز له أن يدخل مكة - أي: حَرَمَ مكة -؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] .
ومِن ذلك: مَن لا يصلي، فإننا لا نأمره بالحج، ولا نُمَكِّنه من دخول مكة - أعني: حرم مكة - لأنه مرتد كافر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] .
والثاني: البلوغ: وضده الصِّغَر، فالصغير لا يجب عليه الحج؛ ولكن لو حج صحَّ حجه، ووجب عليه إذا بلغ أن يحج حج الفريضة.
والثالث: العقل: وضده الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولا يصح منه الحج؛ لعدم صحة النية منه.
والرابع: الحرية: وضده الرِّق، فالرقيق لا يجب عليه الحج؛ لأنه مملوكٌ مشغولٌ بخدمة سيده؛ ولكنه لو حج بإذنه وهو بالغٌ عاقل فمِن العلماء مَن قال: إن حجه صحيح ومجزئ.
ومنهم مَن قال: إنه غير مجزئ.
ولكنهم متفقون على أنه صحيح.
والخامس: الاستطاعة، أي: القدرة على الوصول إلى البيت الحرام بالمال والبدن، وضده العجز، فمن كان عاجزاً بماله فلا حج عليه، كالفقير الذي ليس عنده من المال ما يمكنه أن يحج به، إما لكونه قليل ذات اليد، أو لكونه مديناً بدين يستغرق ما في يده.
ولهذا نقول: إن من عليه دين فإنه لا يحج حتى يقضي الدين، فإن كان الدين مؤجلاً -أعني: مُقَسَّطاً- فإن كان يَثِق من الوفاء كلما حلَّ القسط، وبيده الآن ما يحج به وَجَبَ عليه الحج، وإن كان لا يثق فإنه لا يجب عليه الحج، ولا ينبغي أن يحج أيضاً؛ لأن وفاء الدين أهم من الحج، لماذا نقول: أهم من الحج؟
لأن الحج مع وجود الدين ليس بواجب، فحتى الآن لم يصبح عليه فريضة، وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يحج وعليه دين حتى لو أذن له الدائن بأن يحج؛ لأن إذن الدائن لا يوجب أن يَسْقُط عنه شيءٌ من دينه.
وقد ظن بعض الناس أن الدائن إذا أذن فإن المدين يحج، والأمر ليس كذلك؛ لأن الدائن لا يتعلق حقه ببدن المدين حتى نقول: إذا أذن له فليحج، وإنما يتعلق الحق بمال المدين، فهل إذا أذن الدائن لمدينه أن يحج يَسْقُط عنه شيءٌ من دَينه؟ الجواب: لا، إذاً لا فائدة من الإذن.
وحينئذٍ نقول: مَن كان عليه دَين فإن كان حالاً فلْيُوْفِه قبل أن يحج، وإن كان مؤجلاً -أي: مُقَسَّطاً- وكان الرجل يثق من نفسه أنه إذا حل القسط أوفاه، وبيده الآن ما يمكن أن يحج به فليحج، وإن كان لا يثق من نفسه فلا، وإنما يجعل ما بيده الآن مدخراً لقضاء الدين إذا حل القسط.
ومن الاستطاعة: أن يكون للمرأة محرم، فإن لم يكن لها محرم فإن الحج ليس بواجب عليها، بل يحرم عليها أن تحج بلا محرم؛ لقول النبي ﵌: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) قال ذلك ﵊ وهو يخطب الناس معلناً ذلك، حتى لا يخفى على أحد، فلا يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم، سواء كانت كبيرة أو شابة، وسواء كان معها نساءٌ أم لم يكن، وتهاوُن بعضِ الناس اليوم خطأ؛ لكونهم يطلقون نساءهم أو خَدَمهم فيحجون بلا محرم، فإن هذا لا يحل -أي: لا يحل للمرأة ولو كانت خادمة- أن تحج بلا محرم، ولو كانت مع نساء؛ لعموم قول النبي ﷺ : (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) .
فمتى وجب الحج وَجَبَ على الإنسان أن يبادر به، ولا يجوز أن يتأخر؛ لأن جميع أوامر الله تعالى على الفورية ما لم يوجد دليل على جواز التأخير؛ لقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران:١٣٣] .
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] .
ولأن الإنسان لا يدري ما يعرِض له، فقد يموت قبل أن يحج، ويبقى الحج ديناً في ذمته.
وعلى هذا فالواجب على مَن وجب عليه الحج لتمام شروطه أن يبادر به، فإن لم يفعل كان آثماً، وإذا مات قبل أن يحج مع التأخير فمِن العلماء مَن يقول: إنه يُحَجُّ عنه ويُجْزِئُه.
ومنهم من يقول: إنه لا يُحَجُّ عنه؛ لأنه لا يُجْزِئُه؛ لكونه أخَّر الحج مع قدرته عليه، فلا ينفعه حج غيره عنه.
стр. 970
الأسئلة
стр. 971
بعض أحكام المعتدة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين! وفقكم الله! أرجو من فضيلتكم بيان ما يجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أن تفعله فترة العدة، وما يجب عليها أن تتجنبه؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المرأة التي مات عنها زوجها تتجنب في مدة العدة الآتي: أولاً: كل ثياب جميلة تُعَدُّ تَزَيُّناً.
ثانياً: التحلِّي بجميع أنواعه، سواء كان في الأذن، أو الذراع، أو على الرأس، أو قلادة، أو ما أشبه ذلك، فيشمل جميع أنواع الحلي.
ثالثاً: الاكتحال، فلا تكتحل، لا ليلاً ولا نهاراً.
رابعاً: التحسين بتحمير الشفاه أو غيره، فلا يجوز لها أن تفعل شيئاً من ذلك.
خامساً: الخروج من بيتها إلا لحاجة أو ضرورة.
سادساً: التطيُّب بأي نوعٍ من أنواع الطيب، إلا أنها إذا طَهُرت فلها أن تستعمل شيئاً من البخور تُطيب به ما حصل فيه رائحة من فرجها وما حوله.
السائل: وإذا كان فيها صرع حيث يأتيها صرع، فهل يجوز لها أن تخرج؟ الشيخ: قلتُ: لا تخرج من البيت إلا لحاجة أو ضرورة.
стр. 972
حكم قطع النافلة إذا أقيمت صلاة الفريضة
فضيلة الشيخ! ما هو القول الراجح في صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة؟
القول الراجح في النافلة إذا أقيمت الصلاة: إن كان في الركعة الثانية أتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى قطعها.
стр. 973
وجوب الذبح في مكة على من ترك واجباً في الحج
فضيلة الشيخ! هناك رجل لم يتمكن من المبيت بـ مزدلفة، ولم يطف طواف الوداع، فترتب على ذلك دم لعدم المبيت بـ مزدلفة، ودم لعدم الطواف، فهل له أن يذبح في محل إقامته ويوزِّع لحم الذبيحتين إذا كان يشق عليه إيصال الذبيحتين إلى الحرم؟
هذا الرجل الذي ترك المبيت بـ مزدلفة، وترك طواف الوداع ترك واجبين من واجبات الحج، فعليه لكل واجب دم، والدم الواجب لترك الواجب يجب أن يكون في مكة، ولا يلزم أن يذبح هو بنفسه، فبإمكانه أن يوكِّل أحداً من الحجاج أو المعتمرين فيذبحه الوكيل، ويفرق جميع لحمها على الفقراء هناك.
стр. 974
حكم توكيل الأهل في الأضحية
فضيلة الشيخ! هل يجوز لشخص توكيل أهله في الأضحية؟ الشيخ: لماذا يوكِّل أهله في الأضحية؟ السائل: للتفرغ لأعمال الحج.
الشيخ: تعني: أنه حاج؟ السائل: نعم.
الشيخ: يجوز للإنسان إذا حج أن يوكل أحداً من أهله الباقين في البلد، فيُضَحِّي عنه، وعن أهل بيته؛ لأن النبي ﵌ وكَّل علي بن أبي طالب في ذبح بقية هديه.
стр. 975
ضوابط في سفر العائلات إلى خارج الوطن
فضيلة الشيخ! ما حكم سفر العائلات إلى خارج البلاد الإسلامية، مع العلم بأن هناك جوازات فيُنْظَر إلى صورة المرأة، وقد يطلبُ الرجل من المرأة كشف وجهها حتى يتثبت من شخصيتها؟ فهل هذا يجوز إذا كان من غير ضرورة؟
أولاً: لا نرى أن الإنسان يسافر إلى بلد خارج بلده إلا لحاجة أو مصلحة راجحة؛ وذلك لأن السفر إلى البلاد الخارجية يتكلف نفقات كبيرة لا داعي لها، فتكون من إضاعة المال، وقد نهى النبي ﵌ عن إضاعة المال.
ثانياً: أن هذا السفر ربما يشغلهم عن أشياء يفعلونها في بلدهم، من صلة رحم، وطلب علم إذا كانوا يطلبون العلم.
وغير ذلك، ولا شك أن الاشتغال عن الشيء النافع يعتبر خسارة في عمر الإنسان.
ثالثاً: أن البلاد التي يسافرون إليها قد تكون بلاداً أثَّر فيها الاستعمار من جهة الأخلاق والأفكار، فيحصل بذلك ضرر على الإنسان في أخلاقه وأفكاره، وهذا هو أشد الأمور التي يُخشى منها في السفر إلى الخارج.
ولهذا أقول لهذا السائل ولغيره: عندنا -ولله الحمد- من المصايف في بلادنا ما يغني عن الخارج، مع قلة النفقات، ونفع المواطنين.
стр. 976
توجيه قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلاً)
مِمَّا هو معلوم أن رؤيا الأنبياء حق، فما هو الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال:٤٣] ؟
رؤيا الأنبياء حق بلا شك، والله أَرَى نبيَّه محمداً ﷺ عدوَّه قليلاً لأجل المصلحة العظيمة، فهو مَثَلٌ ضربه الله له، وليس هو رؤيا بالفعل؛ لكنه مثل ضُرب له من قِبل الله من أجل أن لا يكون فيه ذل أو جبن عن التقدم في الجهاد؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال:٤٣] فكان من الحكمة أن الله يريه إياهم مثلاً يضربه من أجل التنشيط على الجهاد.
السائل: أتعني أن هذه الرؤيا ليست حقاً؟ الشيخ: لا.
هي حق من الله ، فالرسول رأى حقاً؛ لكنه لم ير هؤلاء القوم، بل أُرِي إياهم مثلاً.
стр. 977
من أحكام الحائض في الحج
فضيلة الشيخ! ما هي الأحكام المتعلقة بالمرأة إذا حاضت وهي تؤدي المناسك؟ وهل يجوز لها أن تأخذ حبوب مَنْع الدورة في أثناء هذه الفترة؟
إذا حاضت المرأة بعد إحرامها فإنها تفعل كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت والسعي الذي بعده، فإذا حاضت مثلاً بعد أن أحرمت ولم تصل بعد إلى مكة فإنها إن غلب على ظنها أنها تطهر قبل اليوم الثامن تبقى على إحرامها؛ ولكنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر.
وإن غلب على ظنها أنها لا تطهر إلا بعد اليوم الثامن فإنها تحرم بالحج فتُدْخِل الحج على العمرة، وتصير قارنة، كما جرى ذلك لأم المؤمنين عائشة ﵂.
وأما أخذ الحبوب من أجل منع العادة فلا بأس به هنا للحاجة بشرط مراجعة الطبيب.
стр. 978
معنى القول بأن القرآن (عرض)
يا شيخ! أحسن الله إليك! هناك رجل يقول: إن القرآن عَرَضٌ، فما معنى هذه الكلمة؟ الشيخ: الرجل الذي قال لك: إن القرآن عَرَضٌ لماذا لم تسأله: ما معنى عَرَض؟! السائل: يقول: إنه يُقْصَد بها أن القرآن يتبادر إلى الذهن بالحفظ في وقت الصلاة عندما يقرأ الإنسانُ القرآنَ في التراويح، فيقول: هو عَرَضٌ، أو قريباً من هذا الكلام؛ لكني ما فهمتُ معنى عَرَض؟
لا بد أن تسأله، هل يريد بالعَرَض الصفة، أي: أنه صفة من صفات الله، فهذا صحيح؛ لأن الكلام كلام الله، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، أو أنه يريد شيئاً آخر، لا ندري.
فالواجب أن يُسْتَفْصل هذا الرجل، ويقال له: إن كنت تريد بقولك: عَرَض، أنه صفة من صفات الله تكلم به ، وأنزله على محمد ﷺ بواسطة جبريل فهذا حق.
وإن أراد معنَىً آخر فيُنْظَر في هذا المعنى الذي أراد.
стр. 979
التفضيل بين قراءة القرآن وبين طلب العلم
ما هو الأفضل: قراءة القرآن في وقت كثير، أم قراءته في وقت قليل وإشغال الوقت الباقي بطلب العلم مثلاً، أو قراءة كتاب، لا سيما إذا كانت قراءة القرآن كثيراً تكون بتدبُّرٍ قليل؟ الشيخ: هل المراد قراءة القرآن حفظاً أو قراءته نَظَراً.
السائل: نَظَراً.
إذا كان نظراً فإن طلب العلم أفضل -أعني: العلم الشرعي- وطلب العلم الشرعي هو من القرآن في الواقع؛ لأن العلم الشرعي كله أحكام القرآن الذي وجد فيه أو وجد في السنة المفسِّرة له.
стр. 980
توجيه حديث: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً)
حديث (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) هل المقصود بالصلاة قبل الأذان أم بعد الأذان؟
حديث (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) إذا صح فالمراد به ما بين الأذان والإقامة.
стр. 981
حكم القنوت في صلاة الجمعة
فضيلة الشيخ! ما حكم القنوت في صلاة الجمعة؟ الشيخ: يقول العلماء: إن الإمام لا يقنُت في صلاة الجمعة؛ لأن الخطبة فيها دعاء للمؤمنين، فيُدعى لمن يُراد أن يُقْنَت لهم في أثناء الخطبة، هكذا قال أهل العلم.
والله أعلم.
السائل: وإن قنت يا شيخ؟ الشيخ: ما دام أن العلماء قالوا: لا يقنت، فعليه أن يترك.
السائل: وهل هو جائز يا شيخ؟ الشيخ: لا بأس؛ لأنه حتى لو قنت فإنه لا يعتبر عاصياً؛ لكن الأحسن أن يدعو لمن أراد القنوت لهم في أثناء الخطبة.
стр. 982
حكم من اعتمر لنفسه وحج عن غيره
فضيلة الشيخ! إنسان حج واعتمر، ونوى العمرة لنفسه والحج لغيره، هل يكون هذا متمتعاً؟
إذا اعتمر الإنسان لنفسه وأراد الحج لغيره في سَنَة واحدة فإنه يعتبر متمتعاً؛ لأن الفاعل واحد؛ جمع بين العمرة والحج؛ ولكن أسألك: لماذا جعل العمرة له والحج لغيره؟ هل هو متبرع أم أن غيره قد وكله في الحج؟ السائل: نوى العمرة لغيره، والحج له.
الشيخ: أمتبرعٌ هو؟ السائل: نعم متبرع.
الشيخ: لا بأس.
السائل: وإذا لم يكن متبرعاً؟ الشيخ: إذا لم يكن متبرعاً فإن المعروف عندنا في عرفنا أن الإنسان إذا وكَّلك بالحج وأعطاك نفقته؛ المعروف أنه يريد العمرة والحج جميعاً.
стр. 983
وقت صلاة الضحى
متى يبدأ وقت صلاة الضحى ومتى ينتهي؟
سنة الضحى وقتها من لحظة ارتفاع الشمس قدر رمح -أي: بعد طلوع الشمس بنحو ربع ساعة- إلى قبيل الزوال، أي: إلى قبل زوال شمس الظهر بنحو عشر دقائق.
стр. 984
توجيه قوله ﷺ في المساجد: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)
بالنسبة لحديث الرسول ﷺ الذي ذكر فيه المساجد، فقال: (لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنصارى) فهل المقصود بالزخرفة الصور والتماثيل، وإذا حدث أن زُخْرِفَت بالصور، فهل تجوز الصلاة فيها؟
هذا الحديث مروي عن ابن عباس ﵁ من قوله.
وإذا كان كذلك فإن الزخرفة يراد بها الزخرفة المشابهة لزخرفة اليهود والنصارى.
وأما الزخرفة التي لا تشغل المصلي وإنما تعطي المسجد زيادةً في الراحة والبرودة في الصيف والدفء في الشتاء، فهذه لا بأس بها؛ ولكن يجب أن لا يبالغ في ذلك كما يفعل بعض الناس الآن؛ تجده يجعل على المحراب من الزخارف والنقوش ما يشغل المصلي أو يكون له ثمن باهظ.
وأما الصور فلا يجوز إطلاقاً أن تُجْعَل في المساجد صورة، لا صورة آدمي ولا صورة حيوان.
стр. 985
حكم كتابة ذكر الله على لافتات الطرق
فضيلة الشيخ! ما حكم وضع اللافتات على الطرق الطويلة التي يُكتب فيها -مثلاً-: سبحان الله أو اذكر الله؟
هذه اللافتات التي توجد في الطرق لا بأس بها، ففيها تذكير.
لكن هناك أناس يكتبون على الجسور كلمات ساقطة جداً، فمثل هذه لا يجوز إقرارها، بل يجب محوها؛ لأنها كلمات لا تليق بالإنسان، فضلاً عن أن هذه طرق يأتيها الناس من كل بلد، فيحصل في هذا سمعة سيئة عن الشعب السعودي؛ بأنه شعب ساقط سافل، وربما يكون كاتب هذه الكلمات السيئة مُغْرِضاً.
следующие страницы →